← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8889

الفتح المبين بشرح الأربعين

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (662 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وهو صريحٌ في أن الكفَّ عن المعصية أفضل من عمل الطاعة، وفي أن الصمت أفضل من الكلام، لكن ذهب جماعةٌ من السلف إلى تفضيل الكلام؛ لأن نفعه متعدٍّ، وسيأتي له مزيد بيان. وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه اللَّه تعالى: (الصمت سلامة، وهو الأصل، والسكوت في وقته صفة الرجال، كما أن النطق في وقته من أشرف الخصال، وسمعت أبا علي الدقاق يقول: من سكت عن الحق. . فهو شيطانٌ أخرس). قال: (فأما إيثار أهل المجاهدة السكوتَ. . فلِمَا عرفوا ما في الكلام من الآفات، ثم ما فيه من حظوظ النفس، وإظهار صفات المدح، والميل إلى أن يتميز من بين أشكاله بحسن النطق، وغير هذا من الآفات، وذلك نعت أرباب الرياضة، وهذا أحد أركانهم في حكم المنازلة وتهذيب الخلق) (١). وقال ذو النون: (أصون الناس لنفسه أملكهم للسانه) (٢). وبالجملة: فاللائق بمن يؤمن باللَّه تعالى حقَّ إيمانه، وباليوم الآخر، ووقوع الجزاء فيه أن يستعدَّ له، ويجتهد فيما يدفع به أهواله ومكارهه، فيأتمر بأوامره، وينتهي عن مخالفته، ويعلم أن من أهمِّ ما عليه ضبط جوارحه؛ فإنها رعاياه، وهو مسؤولٌ عنها جارحة جارحة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْسَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسئُوَلًاْ﴾. وإن من أكثر المعاصي عددًا وأيسرها وقوعًا معاصي اللسان؛ إذ آفاته تزيد على العشرين، ومن ثَمَّ قال تعالى: ﴿وَقُوْلُوْا قَوْلًا سَدِيِدًا﴾، وقال ﷺ : "أمسك عليك لسانك" (٣)، وقال ﷺ : "وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟! " (٤)، وقال: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من

стр. 317

سخط اللَّه تعالى لا يُلقي لها بالًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا" (١). فمن آمن بذلك حق إيمانه. . اتقى اللَّه في لسانه، وقلَّل من كلامه ما استطاع، سيما فيما نُهي عن الكلام فيه، كبعد العِشاء ما لم يتعلق به مصلحةٌ دينيةٌ؛ كالإبلاع عن اللَّه تعالى وعن نبيه ﷺ ، وتعليم العلوم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر عن علم (٢)، والإصلاح بين الناس، وأن يقول التي هي أحسن، وأن يقول للناس حسنًا، ومن أفضل الكلمات كلمة حقٍّ عند من يخاف سطوته في ثباتٍ وسدادٍ، وكالكلام مع حليلته أو ضيفه. أو دنيوية (٣)؛ كما يتعلق بضرورة الإنسان أو مصالحه. وأفاد الحديث: أن قول الخير خيرٌ من الصمت؛ لتقديمه عليه، ولأنه إنما أمر به عند عدم قول الخير، وأن الصمت خيرٌ من قول الشر، وأن قول الخير غنيمة، والسكوت عن الشر سلامة، وأن فوات الغنيمة والسلامة ينافي حال المؤمن، وما يقتضيه شرف الإيمان المشتق من الأمان، ولا أمان لمن فاتته الغنيمة والسلامة، وأن الإنسان إما أن يتكلم أو يسكت، فإن تكلَّم: فإما بخيرٍ وهو رِبحٌ، وإما بشرٍّ وهو خسارة، وإن سكت: فإما عن شرٍّ وهو ربح، وإما عن خيرٍ وهو خسارة، فله في كلامه وسكوته ربحان فينبغي أن يُحصِّلهما، وخسارتان ينبغي أن يجتنبهما. قيل: وهذا الأمر عامٌّ مخصوصٌ بما لو أُكره على قول شر، أو سكوتٍ عن خير، أو نسي، أو خاف على نفسه من قول الخير ونحوه؛ لخبر: "رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه" (٤)، وخبر: "إذا أمرتكم بأمرٍ. . فأتوا منه ما استطعتم" (٥) اهـ. ولا يحتاج لذلك؛ لأن رفع القلم عن الناسي والمكره من القواعد الشرعية

стр. 318

المقررة، فجميع الأوامر والنواهي مخصوصةٌ بها في ذهن كل عالمٍ بذلك معتقدًا له، فلا خصوصية لهذا الحديث بها، على أن التعبير بالخير وبالسكوت في مقابلته الدال على أنه خيرٌ أيضًا دليلٌ على ذلك التخصيص؛ لأن المكره عليه منهما يصير خيرًا؛ أي: مباحًا، وعند النسيان هو خيرٌ أيضًا؛ لارتفاع العقاب، فلا يحتاج مع ذلك إلى دعوى تخصيص. تنبيه [الصمت مطلقًا منهيٌّ عنه، والفرق بينه وبين السكوت] التزام الصمت مطلقًا، واعتقاده قربة إما مطلقًا أو في بعض العبادات كالصوم والحج منهيٌّ عنه؛ ففي خبر أبي داوود: "لا صُمات يومٍ إلى الليل" (١)، وخرج الإسماعيلي النهي عنه في الاعتكاف، وروي أيضًا في الصوم. وآثر (يصمت) على (يسكت) لأنه أخص؛ إذ هو السكوت مع القدرة، وهذا هو المأمور به، وأما السكوت مع العجز لفساد آلة النطق. . فهو الخرس، أو لتوقفها. . فهو العِيُّ، وكلا هذين لا يحسن الأمر معه بالسكوت. (ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر. . فليكرم جاره) بالإحسان إليه، وكفِّ الأذى عنه، وتحمُّل ما يصدر منه، وبالبشر في وجهه (٢)، وغير ذلك من وجوه الإكرام التي لا تحْفى رعايتها على الموفَّقين، قال تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ وهو -أعني الجار- عرفًا: من بينه وبينه دون أربعين دارًا من أيِّ جانبٍ كان من جوانب الدار. وفي (مراسيل الزهري): أن رجلًا أتى النبي ﷺ يشكو إليه جارًا له، فأمر ﷺ بعض أصحابه أن ينادي: "أَلَا إن أربعين دارًا جارٌ" (٣) وبه أخذ جمعٌ من السلف.

стр. 319

وقيل: هو في المسجد مَنْ سمع الأذان أو الإقامة منه، فيقدر كذلك في الدور، وقيل: مَنْ ساكنك في محلةٍ أو بلدٍ. . فهو جارك، والمجاورة مراتب بعضها ألصق من بعض، أدناها الزوجة والقريب، وهو المراد بالجار ذي القربى في الآية، والجار الجنب فيها: الأجنبي، وقيل: الأول المسلم، والثاني الكافر، وقيل: الأول القريب المسكن منك، والثاني البعيد المسكن، وكأن قائله نظر لخبر عائشة: يا رسول اللَّه؛ إن لي جارينِ، فإلى أيِّهما أُهدي؟ قال: "إلى أقربهما منكِ بابًا" (١)، وقيل: الثاني الزوجة. "فالجيران ثلاثة: كافرٌ، فله حقٌّ واحدٌ بالجوار، ومسلمٌ، فله حقان: الجوار، والإسلام، ومسلم قريب، فله ثلاثة حقوق: الجوار، والإسلام، والقرابة"، وهذا حديثٌ له طرقٌ متصلةٌ ومرسلة، لكن لا تخلو كلها عن مقال (٢). والأحاديث في حقوق الجار كثيرة؛ ففي "الصحيحين": "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" (٣). وروى مسلم عن أبي ذرٍّ رضي اللَّه تعالى عنه قال: أوصاني خليلي ﷺ : "إذا طبختَ مرقًا. . فأكثِرْ ماءه، ثم انظر إلى أهل بيتٍ من جيرانك فأصبهم منها بمعروف" (٤)، وفي رواية: "فأكثر ماءها (٥)، وتعاهد جيرانك" (٦). وروى البخاري في "الأدب": "كم من جارٍ متعلقٌ بجاره يوم القيامة يقول: يا رب؛ هذا أغلق بابه دوني فمنع معروفه" (٧). (ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر. . فليكرم ضيفه) الغنيَّ والفقيرَ بالبشر في

стр. 320

وجهه، وطيب الحديث معه، وبالمبادرة بإحضار ما تيسَّر عنده من الطعام من غير كلفةٍ ولا إضرارٍ بأهله، إلا أن يرضوا وهم بالغون عاقلون، وقد بينتُ في الكتاب الآتي حديث الأنصاري المشهور (١)، الذي أثنى اللَّه ورسوله عليه وعلى امرأته بإيثارهما الضيف على أنفسهما وصبيانهما، حيث نَوَّمَتْهم بأمره حتى أكل الضيف (٢). والجواب عما اقتضاه ظاهره من تقديمهما ما يحتاج إليه الصبيان: بأن الضيافة لتأكدها والاختلاف في وجوبها مقدمةٌ، وبأن الصبيان لم تشتد حاجتهم للأكل، وإنما خشيا أن الطعام لو جِيء به للضيف وهم مستيقظون. . لم يصبروا عن الأكل منه وإن كانوا شباعًا على عادة الصبيان، فيشوشوا على الضيف، فنُوِّموا لذلك (٣)، وهذا ظاهرٌ، خلافًا لمن توقف فيه. والضيف لغةً: يشمل الواحد والجمع، مِن (أضفته وضَيَّفته): إذا أنزلته بك ضيفًا، و (ضِفته وتضيَّفته): إذا نزلت عليه ضيفًا. ومعنى الحديث: أن من التزم شرائع الإسلام. . تأكَّد عليه إكرام جاره وضيفه وبرهما لعظيم حقهما، كما أعلم به ﷺ ، وأكَّد على عظيم رعايته في أحاديث كثيرة، بيَّنتُها في كتابي "حقائق الإنافة في الصدقة والضيافة" فإنه جمع في ذلك من الأحاديث النبوية والأحكام الفقهية ما تقر به العيون، وينتفع به المتقون؛ إذ الصدقة لا سيما للجار والضيافة من مكارم أخلاق المؤمنين، ومن محاسن الدين، وسنن النبيين، ومن ثَمَّ قال ﷺ : "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" وقد مر، وفيه إشارة ما إلى ما بالغ به بعضُ الأئمة من إثبات الشُّفعة له. ورُوي: أن إبراهيم صلى اللَّه عليه وعلى نبينا وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وسلم كان يُسمَّى أبا الضيفان (٤)، وكان يمشي الميل والميلين في طلب من يتغدَّى معه (٥).

стр. 321

وقد قال أحمد بوجوب الضيافة؛ لأحاديث ظاهرة في ذلك، وفي أن الضيف يستقل بأخذ ما يكفيه من غير رضا من نزل عليه أو على نحو بستانه أو زرعه (١)، وقد بينتها مع تأويلها في ذلك الكتاب (٢)، لكن خالفه الجمهور، وحملوا تلك الأحاديث على غير ظاهرها، كحمل الوجوب على أول الإسلام؛ فإنها كانت واجبةً حين إذ كانت المواساة واجبةً، فلما ارتفع وجوب المواساة. . ارتفع وجوب الضيافة، أو على التأكيد كما في: "غسل الجمعة واجبٌ على كل محتلم" (٣) والاستقلال بالأخذ من غير رضا على المضطر، لكنه بعد ذلك يغرم بدل ما أكله، أو على مال أهل الذمة المشروط عليهم ضيافة مَنْ مرَّ بهم؛ لأدلة أخرى: منها: "لا يحل مال امرئٍ مسلمٍ إلا عن طيب نفس" (٤). ومنها: قوله ﷺ : "جائزته يوم وليلة" (٥)، والجائزة: الصلة والعطية المتطوع بها. وأيضًا: التعبير بالإكرام ظاهر في التطوع؛ إذ لا يستعمل في الواجب. ثم المخاطب بها عندنا أهل البادية والحضر، لكن في أحاديث بينتها ثَمَّ أيضًا أنها مختصَّةٌ بأهل البادية، وبها أخذ مالك؛ لتعذُّر ما يحتاج إليه المسافر في البادية، وتيسُّر الضيافة على أهلها غالبًا، بخلاف أهل الحضر؛ لتيسر مواضع النزول وبيع الأطعمة، قال القاضي: (وخبر: "الضيافة على أهل الوبر، وليست على أهل المدر". . موضوعٌ) انتهى (٦)، وفيه

стр. 322

نظر، فقد ذكرت في ذلك الكتاب له طرقًا كثيرة (١). قيل: يحتمل تخصيص إكرام الجار والضيف بغير الفاسق والمبتدع والمؤذي ونحوهم، فهؤلاء لا يكرمون بل يُهانون ردعًا لهم عن فجورهم، ويحتمل جعلهم من ذوات الجهتين، فيكرمون من حيث الجوار والضيافة، ويهانون من حيث الفجور؛ لأن الكافر يُرْعَى حقُّ جواره ونحوه، فالمسلم على نحو فسقه أَولى، وجاء: "في كل كبد حرَّى أجر" (٢) قال بعضهم: حتى نحو الحية والكلب العقور يطعم ويسقى إذا اضطر إلى ذلك، ثم يقتل. اهـ والوجه: هو الاحتمال الثاني كما يصرح به كلام أئمتنا (٣)، ولا ينافيه قولهم: يحرم الجلوس مع الفسَّاق إيناسًا لهم؛ لأن هذا فيه إعانةٌ على فسقهم، كما يدل عليه تقييدهم القعودَ معهم بالإيناس؛ أي: من حيث الفسق، فأفهم أنه معهم لا للإيناس كذلك جائز، وما ذكره من إطعام العقور فيه نظر؛ لوجوب قتله فورًا (٤)، فلا حاجة لإطعامه، كما يدل عليه قول أئمتنا: لو اسْتَطْعم من يُراد قتله بحقٍّ. . لم يطعم، بخلاف ما لو استسقى فإنه يُسقَى؛ لقلة زمنه. (رواه البخاري ومسلم) وهو من القواعد العميمة العظيمة؛ لأنه بيَّن فيه جميع أحكام اللسان الذي هو أكثر الجوارح فعلًا، فهو بهذا الاعتبار يصح أن يقال فيه: إنه ثلث الإسلام؛ لأن العمل إما بالقلب، وإما بالجوارح، وإما باللسان، وهو ظاهرٌ وإن لم أَرَ من صرَّح به. ثم رأيت بعضهم قال: إن جميع آداب الخير تتفرع منه، وأشار فيه إلى سائر خصال البر والصلة والإحسان؛ لأن آكدها رعاية حق الجوار والضيف، وبهذا

стр. 323

الاعتبار يصح أن يقال فيه: إنه نصف الإسلام؛ لأن الأحكام إما أن تتعلق بالحق، أو بالخلق، وهذا أفاد الثاني؛ لأن وصلة الخلق تستلزم رعاية جميع حقوقهم، ومن ثَمَّ كان المقصود من الأمرين الأخيرين هو المقصود السابق في حديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (١) من الألفة والاجتماع، وعدم التفرق والانقطاع؛ لأن الناس جيران بعضهم لبعض، فإذا اكرم كلٌّ منهم جاره. . ائتلفت القلوب، واتفقت الكلمة، وقويت شوكة الدين، واندحضت جهالات الملحدين، وإذا أهان كلٌّ جاره. . انعكس الحال، ووقعوا في هُوة الاختلاف والضلال، وكذلك غالب الناس؛ إما ضيف، أو مضيف، فإذا كرم بعضهم بعضًا. . وجد ما مر من الصلاح والائتلاف، وإذا أهان بعضهم بعضًا. . وجد الفساد والخلاف. * * *

стр. 324

الحديث السادس عشر [النهي عن الغضب] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَوْصِنِي؛ قَالَ: "لَا تَغْضَبْ" فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: "لَا تَغْضَبْ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). (عن أبي هريرة ﵁: أن رجلًا) يحتمل أنه أبو الدرداء؛ فقد أخرج الطبراني عنه: قلت: يا رسول اللَّه؛ دُلَّني على عملٍ يدخلني الجنة، قال: "لا تغضب ولك الجنة" (٢)، أو جاريةُ بنُ قدامةَ عم الأحنف بن قيس؛ فقد أخرج أحمد عنه أنه قال: سألت النبي ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه؛ قل لي قولًا وأَقْلِلْ عليَّ لعلِّي أعقله، قال: "لا تغضب" فأعدت عليه مرارًا كلَّ ذلك يقول: "لا تغضب" (٣) لكن نازع في هذا يحيى القطان بأنهم يقولون: إن جارية تابعيٌّ لا صحابي. (قال للنبي ﷺ : أوصني، قال: لا تغضب) يحتمل أنه أراد أمره بالأسباب التي توجب حُسْن الخلق: من الكرم، والسخاء، والحلم، والحياء، والتواضع، والاحتمال، وكف الأذى، والصفح، والعفو، وكظم الغيظ، والطلاقة، والبشر، وسائر الأخلاق الحسنة الجميلة؛ فإن النفس إذا تخلَّقت بهذه الأخلاق، وصارت لها عادة. . اندفع عنها الغضب عند حصول أسبابه.

стр. 325

أو أنه أراد: لا يعمل بمقتضى الغضب إذا حصل، بل يجاهد نفسه على ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به؛ فإنه إذا ملك الإنسان. . كان في أسره وتحت أمره، ومن ثَمَّ قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ فمن لم يمتثل ما يأمره به غضبه وجاهد نفسه على ذلك. . اندفع عنه شر غضبه، وربما سكن وذهب عاجلًا، فكأنه لم يغضب، وإلى هذا الإشارةُ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾، ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ الآيةَ. وأخرج الشيخان: "ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (١)، ومسلم: "ما تعدون الصُّرَعة فيكم؟ " قلنا: الذي لا يصرعه الرجال، قال: "ليس ذاك، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب" (٢). (فردَّد) السائل عليه (مرارًا) يقول: أوصني يا رسول اللَّه؛ وكأنه لم يقنع بقوله: "لا تغضب" فطلب وصيةً أبلغ منها وأنفع، فلم يزده ﷺ عليها، وأعادها له حيث (قال) له ثانيًا وثالثًا: (لا تغضب) تنبيهًا له بتكرارها على عظيم نفعها وعمومه، فهو كما قال له العباس رضي اللَّه تعالى عنه: علِّمني دعاءً أدعو به يا رسول اللَّه، فقال: "سل اللَّه العافية" فعاوده مرارًا، فقال له: "يا عباس، يا عم رسول اللَّه؛ سل العافية في الدنيا والآخرة، فإنك إذا أُعطيت العافية. . أُعطيت كل خير" (٣). قيل: يحتمل أنه ﷺ علم من هذا الرجل كثرة الغضب فخصَّه بهذه الوصية، وفي بعض طرق الحديث: ما يبعدني من غضب اللَّه؟ قال: "لا

стр. 326

تغضب" (١)، وفي طريق أخرى: أن رجلًا قال لرسول اللَّه ﷺ : أوصني ولا تكثر عليَّ، أو قال: مُرْني بأمرٍ وأقلله عليَّ كي أعقله، قال: "لا تغضب" (٢)، وفي أخرى: علِّمْني شيئًا أعيش به في الناس ولا تكثر عليَّ، قال: "لا تغضب"، وفي أخرى: قلت: يا رسول اللَّه؛ أوصني، قال: "لا تغضب" ففكرتُ حين قال النبي ﷺ ما قال، فإذا الغضب يجمع الشرَّ كله (٣). ومن ثَمَّ قال جعفر بن محمد رضي اللَّه تعالى عنهما: (الغضب مفتاح كل شر). وقيل لابن المبارك: (اجمع لنا حسن الخلق في كلمة، قال: ترك الغضب) (٤). وأخرج محمد بن نصر المروزي: أن رجلًا أتى النبي ﷺ من قِبَل وجهه، فقال: يا رسول اللَّه؛ أيُّ العمل أفضل؟ قال: "حسن الخلق" ثم أتاه عن يمينه وقال له ذلك، فقال كذلك، ثم عن شماله كذلك، ثم عن خلفه، فالتفت إليه فقال: "ما لك لا تفقه؟! حُسْنُ الخلق هو ألَّا تغضب إن استطعت" (٥) وهو مرسل. (رواه البخاري) وهذا من بدائع جوامع كلمه التي خُصَّ بها ﷺ ، وأما ما روي: أن رجلًا قال لسليمان صلى اللَّه على نبينا وعليه وسلم: أوصني، قال: (لا تغضب) قال: لا أقدر، قال: (فإن غضبت. . فأمسك لسانك ويدك)، وأنَّ يحيى قال لعيسى عليهما الصلاة والسلام: (أوصني، قال: لا تغضب، قال: لا أستطيع، قال: لا تقتني مالًا، قال: حسبي). . فلم يصح. فثبت أنه لا مشارك لنبينا ﷺ في هذه الكلمة المتضمنة لمجامع الخير، والمانعة عن قبائح الشر؛ فإن الغضبَ -وهو غليان دم القلب طلبًا لدفع المؤذي عند خشية وقوعه، أو للانتقام ممن حصل منه الأذى بعد وقوعه- لا يحصى ما يترتب عليه من المفاسد الدنيوية والأخروية؛ لأن اللَّه تعالى خلقه من نار، وعجنه

стр. 327

بطينة الإنسان، فمهما نوزع في غرضٍ من أغراضه. . اشتعلت نار الغضب فيه، وفارت فورانًا يغلي منه دم القلب، وينتشر في العروق، فيرتفع إلى أعالي البدن ارتفاع الماء في القِدْر، ثم ينصبُّ في الوجه والعينين حتى يحمرَّا منه؛ إذ البشرة لصفائها كالزجاجة تحكي ما وراءها. هذا إذا غضب على مَنْ دونه، واستشعر القدرة عليه، فإن كان ممن فوقه، وأيس من الانتقام منه. . انقبض الدم إلى جوف القلب، وكمن فيه، وصار حزنًا، فاصفرَّ اللون، أو من مساويه، الذي يشك في القدرة عليه؛ يتردَّد الدم بين انبساطٍ وانقباض، فيصير لونه بين حمرةٍ وصفرةٍ، فالغضب فوران الدم وغليانه كما مر. وقيل: عَرَض يتبعه غليان دم القلب لإرادة الانتقام، ويؤيد الأول حديث أحمد والترمذي: أنه ﷺ قال في خطبته: " أَلَا إنَّ الغضب جمرةٌ تتوقَّدُ في قلب ابن آدم، أما ترون إلى انتفاخ أوداجه، واحمرار عينيه، فمن أحسَّ من ذلك شيئًا. . فليلزق بالأرض" (١). وفي رواية: "فإذا أحسَّ أحدكم من ذلك شيئًا. . فليجلس ولا يعدو به الغضب" (٢) أي: فليحبسه في نفسه ولا يُعَدِّيه إلى غيره بإيذائه (٣)، والانتقام منه، ولاستحالة هذا المعنى في حقه تعالى كان المراد بالغضب في حقه تعالى إرادة الانتقام، فيكون صفة ذات، أو الانتقام نفسه، فيكون صفة فعل. ومما يترتب على الغضب في حقنا من المفاسد تغيرُ ظاهر البدن بتغير لونه كما قررناه (٤)، وشدة رِعْدة أطرافه، وخروج أفعاله عن حيز الاعتدال، واضطراب حركته وكلامه حتى تزبد أشداقه، وتنقلب مناخره، وتحمر أحداقه، وتستحيل خِلقته، حتى

стр. 328

لو رأى نفسه. . لسكن غضبه حياءً من قبح صورته، ولو كُشِف له عن باطنه. . لرآه أقبح من ظاهره؛ فإنه عنوانه الناشئ عنه. واللسانِ بانطلاقه الناشئ عنه مع تخبط النظم، واضطراب اللفظ بالشتم والفحش وقبائح الكلمات التي يستحيي منها ذوو العقول والمروءات، حتى الغضبان إذا فتر غضبه. والجوارحِ بالبطش بها ضربًا وغيره إن تمكَّن من المغضوب عليه، وإلَّا. . رجع غضبه عليه، فيمزق ثوبه، ويلطم وجهه، وقد يضرب يده بالأرض، وما عنده من الصغار والدواب، ويعدو عَدْوَ الواله السكران، أو المجنون الحيران، وربما قويت عليه نار الغضب، فأطفأت بعض حرارته الغريزية، فيغشى عليه، أو أعدمتها، فيموت لوقته. والقلبِ بإكمان الحسد والحقد، وإضمار السوء والشماتة، وإفشاء السر، وهتك الستر، والاستهزاء، وغير ذلك من القبائح، وذلك كله حرامٌ يستوجب عليه عظيم العقوبة، وأليم العذاب. فانظر كم تحت هذه اللفظة النبوية وهي: "لا تغضب" من بدائع الحكم، وفوائد استجلاب المصالح، ودرء المفاسد مما لا يمكن عدُّه، ولا ينتهي حدُّه، واللَّه أعلم حيث يجعل رسالاته. كيف وقد تضمن أيضًا دفع أكثر الشرور عن الإنسان؛ لأنه في مدة حياته بين لذةٍ وألم، فاللذة سببها ثوران الشهوة لنحو أكلٍ أو جماعٍ، والألم سببه ثوران الغضب، ثم كلٌّ من اللذة والألم قد يباح تناوله أو دفعه كنكاح الزوجة، ودفع قاطع الطريق، وقد يحرم كالزنا، والقتل المحرم، فالشر إما عن شهوةٍ كالزنا، وإما عن غضبٍ كالقتل، فهما أصل الشرور ومبدؤها، فباجتناب الغضب يندفع نصف الشر بهذا الاعتبار، وأكثره في الحقيقة؛ فإن الغضب يتولَّد عنه القتل، والقذف، والطلاق، وهجر المسلم، والحقد عليه، والحسد له، وهتك ستره، والاستهزاء به، والحلف الموجب للحنث أو الندم؛ كما جاء في الحديث: "اليمين حنث أو ندم" (١) بل

стр. 329

والكفر كما كفر جبلة بن الأيهم حين غضب من لطمةٍ أُخذت منه قصاصًا (١). وبهذا التقرير يصح أن يقال في هذا الحديث: إنه ربع الإسلام؛ لأن أعمال الإنسان إما خيرٌ وإما شرٌّ، والشر إما أن ينشأ عن شهوة، أو عن غضب، وهذا الحديث متضمنٌ لنفي الغضب، فيتضمن نفي نصف الشر، وهو ربع المجموع، فكان هذا الحديث ربعًا من هذه الجهة، وهذا ظاهرٌ وإن لم أر من عرج عليه. ويدل على انحصار سبب الشر في الشهوة والغضب: أن الملائكة لما تجردوا عنهما. . تجردوا عن سائر الشرور جملةً وتفصيلًا. ثم الغضب له دواءٌ دافع، ودواءٌ رافع: فالدافع يحصل بذكر فضيلة الحلم وكظم الغيظ؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَالكَاظِمِيْنَ الْغَيْظَ﴾ وقوله ﷺ : "أشدكم من غلب على نفسه عند الغضب، وأحلمكم من عفا بعد القدرة" (٢)، وقوله ﷺ : "من كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن ينفذه. . دعاه اللَّه على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره في أيِّ الحور شاء" رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي، وقال الترمذي: حسن غريب (٣)، وقوله ﷺ : "ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"، والصُّرَعة: الذي يصرع الناس ويكثر منه ذلك. ومن ثَمَّ لما غضب عمر على مَنْ قال له: ما تقضي بالعدل ولا تعطي الجزل، واحمرَّ وجهه. . قيل له: يا أمير المؤمنين؛ ألم تسمع أن اللَّه تعالى يقول: ﴿خُذِ الْعَفوَ وَأْمُرْ بالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينِ﴾ وهذا من الجاهلين؟! قال: (صدقت) فكأنما كان نارًا فأُطفئت (٤).

стр. 330

وباستحضار خوف اللَّه تعالى (١)، كما حكي أن مَلِكًا كتب في ورقةٍ: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء -أي: أمره وسلطانه وملائكته- ويلٌ لسلطان الأرض من سلطان السماء، ويلٌ لحاكم الأرض من حاكم السماء، اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب. ثم دفعها إلى وزيره وقال: إذا غضبتُ. . فادفعها إليَّ، فكان كلما غضب. . دفعها إليه، فينظر فيها فيسكن غضبه. وبأن يستعيذ باللَّه من الشيطان الرجيم؛ كما جاء في الحديث الصحيح: إنه يذهبه، وسره: أنه جاء في الحديث: "إن الغضب من الشيطان" (٢) لأنه الذي يحمل الإنسان عليه ليرديه ويغويه ويباعده من نِعَم اللَّه ؛ فالاستعاذة باللَّه تعالى من أقوى سلاح المؤمن على دفع كيد الشيطان ومكره، أعاذنا اللَّه تعالى منه بمنِّهِ وكرمه. وروى الشيخان: استبَّ رجلان عند النبي ﷺ وأحدهما يسبُّ صاحبه مغضَبًا قد احمرَّ وجهه، فقال النبي ﷺ : "إني لأعلم كلمةً لو قالها. . لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم" فقالوا للرجل: أما تسمع ما يقول النبي ﷺ ؟! قال: إني لستُ بمجنون (٣). والرافع يحصل بذلك أيضًا، وبتغيير الحالة التي هو عليها؛ كما ورد في حديث: "إذا غضب أحدكم وهو قائمٌ. . فليقعد، وإذا غضب وهو قاعد. . فليضطجع" (٤). وروى أحمد وأبو داوود: "إذا غضب أحدكم وهو قائم. . فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب؛ وإلَّا. . فليضطجع" (٥)، وسرُّه: أن القائم متهيئٌ للانتقام، والجالس دونه، والمضطجع دونهما، ويؤيده الرواية السابقة: "فإذا أحسَّ أحدكم" والتي قبلها. وأخرج أحمد: "إذا غضب أحدكم. . فليسكت" (٦) قالها ثلاثًا، وهذا أيضًا دواءٌ

стр. 331

عظيم؛ لأن الغضب يصدر عنه من قبائح الأقوال ما يوجب الندم عليه عند زوال الغضب، فإذا سكت. . زال هذا المعنى، فإن لم يَزُل بما ذكر. . توضأ أو اغتسل بالماء البارد؛ فإن النار لا يطفئها إلا الماء؛ كما قال ﷺ : "إذا غضب أحدكم. . فليتوضأ بالماء، فإنما الغضب من النار، وإنما تُطفأ النار بالماء"، وفي رواية: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خُلق من النار، وإنما تُطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم. . فليتوضأ" (١). وروى أبو نعيم بإسناده عن أبي موسى الخولاني أنه كلَّم معاوية بشيءٍ وهو على المنبر، فغضب، ثم نزل فاغتسل، ثم عاد إلى المنبر، وقال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان من النار، والنار تطفأ بالماء، فإذا غضب أحدكم. . فليغتسل" (٢) والغرض أن يبعد عن هيئة الوثوب والمسارعة للانتقام ما أمكن؛ حسمًا لمادة المبادرة. وكان معاوية رضي اللَّه تعالى عنه من أحلم العرب، ومن ثم كان يقول: (ما غضبي على من أقدر عليه ومن لا أقدر عليه) أي: إن الغضب تعبٌ محضٌ لا فائدة فيه؛ لأن المؤذي لي إن قدرت عليه. . عاقبته إن شئت بلا غضب، وإلا. . كان مجرد الغضب محضَ تعبٍ؛ لأنه وحده لا يشفي، فلا فائدة فيه على كل تقدير. ثم المرادُ برفعه أو دفعه -مع أنه اضطراريٌّ كالخجل؛ لما مر أنه فوران دم القلب باطنًا، فهو كالرعاف ظاهرًا-: اندفاعُ آثاره، وما يترتب عليه من القبائح؛ فإن الإنسان بحسن الرياضة وتهذيب النفس عن ذميم الأخلاق ومعايب الأوصاف يأمن شرَّ غضبه وقبائحه المترتبة عليه، فهو وإن كان ضروريًا لا يمكن دفعه، إلا أن آثاره المترتبة عليه يمكن دفعها، فاندفع ما لبعضهم هنا من الإشكال، ثم رأيت بعضهم ذكر نحو هذا الذي ذكرته حيث قال: والتحقيق أن الغضبان إما مغلوبٌ للطبع الحيواني،

стр. 332

وهذا لا يمكنه دفعه وهو الغالب في الناس، وإما غالبٌ للطبع بالرياضة، فيمكنه دفعه، ولولا ذلك. . لكان قوله ﷺ : "لا تغضب" تكليفًا بما لا يطاق. والحاصل: أن أقوى أسباب رفعه ودفعه التوحيد الحقيقي، وهو اعتقاد أنْ لا فاعل حقيقةً في الوجود إلا اللَّه تعالى، وأن الخلق آلاتٌ ووسائط: - كبرى وهي: مَنْ له عقلٌ واختيارٌ كالإنسان. - وصغرى وهي: مَنِ انتفيا عنه كالعصا المضروب بها. - ووسطى وهي: مَنْ فيها الثاني فقط كالدواب (١)، فمن توجَّه إليه مكروهٌ من غيره وشهد ذلك التوحيد الحقيقي بقلبه. . اندفع عنه غضبه؛ لأنه إما على الخالق وهو جراءةٌ تُنافي العبودية، أو على المخلوق وهو إشراكٌ ينافي التوحيد، ومن ثَمَّ خدم أنس رضي اللَّه تعالى عنه رسول اللَّه ﷺ عشر سنين، فما قال لشيءٍ فعله: لِمَ فعلته، ولا لشيءٍ تركه: لِمَ لمْ تفعله (٢)، ولكن يقول: "قدَّر اللَّه ما شاء، وما شاء فعل"، أو: "لو قدر اللَّه. . لكان" (٣)، وما ذاك إلا لكمال معرفته ﷺ بأَنْ لا فاعل ولا معطي ولا مانع إلا اللَّه تعالى، ولا ينافي ذلك (٤) ما صح: أن موسى على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين أفضلُ الصلاة والسلام اغتسل عريانًا في خلوةٍ، ووضع ثيابه على حجرٍ، ففرَّ بها، فعدا وراءه يقول: (ثوبي حجر، ثوبي حجر) (٥)، ويضربه بعصاه حتى أثَّرت فيه، فرآه بنو إسرائيل، وبطل كذبهم عليه بأنه إنما يختلي عنهم في الغسل لأُدْرَةٍ به (٦)؛ لأنه لم يغضب عليه غضب انتقام، بل غضب تأديبٍ وزجر؛ لأن اللَّه تعالى خلق فيه حياة فصار كدابةٍ نفرت من راكبها.

стр. 333

ويحتمل على بُعدٍ أنه غلب عليه الطبع البشري فانتقم منه؛ كما حكي عنه أنه لما قيل له: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾. . لفَّ كمه على يده وتناولها به، فقيل له: أرأيت لو أذن اللَّه تعالى فيما تحذر. . هل كان ينفعك كمك؟ فقال: (لا، ولكني ضعيف، ومن ضعف. . خاف) (١)، ويؤيد ذلك: ما ثبت أنه كان حديدًا، حتى كان إذا غضب. . خرج شعر جسده من مدرعته كسُلَّاء النخل (٢)، ولهذا لما علم بما أحدثت قومه بعده. . أخذ برأس أخيه ولحيته يجرُّه إليه. وكذلك حُكي أن الخضر لما خرق السفينة. . غضب، وأخذ برجله ليلقيه في البحر، حتى ذكَّره يوشع عهده معه فخلاه (٣). تنبيه [الغضب للَّه محمودٌ ولغيره مذموم] إنما يذم الغضب حيث لم يكن للَّه، وإلَّا. . فهو محمود، ومن ثَمَّ: (كان ﷺ يغضب إذا انتهكت حرمات اللَّه (٤)، فحينئذٍ لا يقوم لغضبه شيءٌ حتى ينتصر للحق، وورد: (أنه كان إذا غضب. . أعرض وأشاح، وأنه كان بين عينيه عرق يُدِرُّه الغضب) (٥). وقالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: (كان خلقه القرآن يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه) (٦)، ولشدة حيائه ﷺ كان لا يواجه أحدًا بما يكرهه (٧)، بل تعرف الكراهة في وجهه، ولما بلَّغه ابنُ مسعود قولَ القائل: هذه قسمةٌ ما أُريد بها وجه اللَّه. . شقَّ عليه وتغيَّر وجهه وغضب، ولم يزد على أن قال: "قد أُوذي موسى

стр. 334

بأكثر من هذا فصبر" (١)، وكان من دعائه: "أسألك كلمة الحق في الغضب والرضا" (٢) وهذا عزيزٌ جدًّا؛ إذ أكثر الناس إذا غضب. . لا يتوقف فيما يقول. وأخرج الطبراني خبر: " ثلاثٌ من أخلاق الإيمان: مَنْ إذا غضب. . لم يُدخله غضبه في باطل، ومَنْ إذا رضي. . لم يخرجه رضاه من حق، ومَنْ إذا قدر. . لم يتعاط ما ليس له" (٣). والأخبار الدالة على وقوع غضبه ﷺ للَّه تعالى وتكرره كثيرة، مع الإجماع على أنه كان أحلم الناس، وأكثرهم عفوًا وصفحًا واحتمالًا وتجاوزًا، ونهاية الكمال الغضب في موضعه، والحلم في موضعه. وأخرج أحمد: "ما تجرَّع عبدٌ جرعةً أفضل عند اللَّه تعالى من جرعة غيظٍ يكظمها ابتغاء وجه اللَّه تعالى" (٤)، وأخرج: "ما من جرعةٍ أحب إلى اللَّه من جرعة غيظٍ يكظمها عبد، ما كظم عبدٌ جرعةَ غيظٍ للَّه تعالى إلا ملأ اللَّه تعالى جوفه إيمانًا" (٥) وفي روايةٍ لأبي داوود: "ملأه اللَّه أمنًا وإيمانًا" (٦). وليحذر الإنسان من الدعاء على نفسه أو أهله أو ماله عند الغضب؛ فإنه ربما يصادف ساعة إجابة فيستجاب له؛ كما يدل عليه خبر مسلم عن جابر رضي اللَّه تعالى عنه: سرنا مع رسول اللَّه ﷺ في غزوةٍ ورجلٌ من الأنصار على ناضحٍ له، فتلدَّن عليه بعض التَّلدُّن، فقال له: سر لعنك اللَّه، فقال ﷺ : "انزل عنه، فلا يصحبنا ملعون، لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا توافقوا من اللَّه ساعةً يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم" (٧)، وفي هذا أيضًا دليلٌ على رد ما نقل عن الفضيل: (ثلاثة لا يلامون

стр. 335

على غضب: الصائم، والمريض، والمسافر) (١). وعن الأحنف بن قيس: (يوحي اللَّه تعالى إلى الحافظَيْنِ: لا تكتبا على عبدي في ضجره شيئًا) (٢). وقوله ﷺ : "إذا غضبت. . فاسكت" (٣) يدل على تكليف الغضبان في حالة غضبه بالسكوت، فيؤاخذ بالكلام. وقد صح كما علم مما مر أنه ﷺ أمر من غضب أن يتلافى غضبه بما يسكنه من أقوال وأفعال، وهذا هو عين تكليفه بقطع الغضب، فكيف يقال: إنه غير مكلفٍ في حال غضبه بما يصدر منه. قيل: ومراد من أطلق من السلف أن من كان سبب غضبه مباحًا كالسفر أو طاعة كالصوم. . لا يلام عليه؛ أي: في نحو كلامه، لا نحو قتلٍ، أو ردةٍ، أو أخذ مال، أو إتلافه بغير حق، فهذا لا يشك مسلمٌ أن الغضبان مكلَّفٌ به وبنحو طلاقه وعتاقه بلا خلافٍ على ما قاله بعضهم، لكن نقل غيره فيه خلافًا، وقد يستشكل بأنه إن زال تمييزه. . فغير مكلفٍ، أو بقي. . فمكلفٌ، فما محل الخلاف؟! وصح عن ابن عباس وعائشة رضي اللَّه تعالى عنهم: أنه يقع طلاقه وعتاقه (٤)، وأفتى به غير واحدٍ من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم، وبه يُردُّ على من فسَّر الإغلاق في خبر: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" (٥) بالغضب، بل الصواب: تفسيره بالإكراه. * * *

стр. 336

الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان] عَنْ أَبِي يَعْلَى شدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإذَا قَتَلْتُمْ. . فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ. . فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (عن أبي يعلى) ويقال: أبي عبد الرحمن (شداد بن أوس ﵁ الأنصاري الخزرجي، ابن أخي حسان، قيل: وهو بدري، وهو غلط، وإنما البدري والده، قال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: (كان شداد ممن أوتي العلم والحلم) (٢). سكن بيت المقدس، وأعقب بها، وتوفي سنة ثماني وخمسين، أو إحدى وأربعين، أو أربع وستين عن خمسٍ وسبعين سنة، ودُفن بها وقبره بظاهر باب الرحمة باقٍ إلى الآن. روي له خمسون حديثًا، خرَّج له البخاري حديثًا، ومسلم آخر (٣). (عن رسول اللَّه ﷺ قال: إن اللَّه كتب) أي: طلب وأوجب؛ إذ الوجوب هو موضوع (كتب) عند أكثر الفقهاء والأصوليين، لكن المراد هنا: مطلق الطلب؛ لأنه أعم فائدةً، فالإحسان الواجب: أن يأتي بما وجب عليه من فعلٍ أو تركٍ

стр. 337

مستوفيًا لشروطه، والمندوب: أن يأتي بمكملات الواجب وبالمندوب مع معتبراته ومكملاته. (الإحسان) مصدر (أحسن) إذا أتى بالحسن؛ وهو: ما حسَّنه الشرع لا العقل، خلافًا للمعتزلة، كما هو مقررٌ في الأصول، والمراد به هنا: تحسين الأعمال المشروعة، لا مجرد الإنعام على الغير؛ لأن الأول أعم نفعًا، وأكثر فائدةً؛ لأن الإحسان في الفعل يعود منه نفع عليه وعلى غيره، فحق على من شرع في شيءٍ منها أن يأتي به على غاية كماله، ويحافظ على آدابه المصحِّحة والمكمِّلة له، وليحذر من أن تسوِّل له نفسُه أنه إذا فعل ذلك. . قلَّ عمله؛ لأنه وإن قلَّ يزيد به الثواب حتى يفوق مع قلَّته الكثير الذي لا إحسان فيه. (على) أي: في أو إلى (كل شيءٍ) يُستثنى منه القديم ؛ فإنه لا حاجة به إلى إحسان أحد؛ لاستغنائه بذاته عما سواه، والأعراض والجمادات لا يتأتَّى الإحسان إليها، فبقي النباتُ والحيوانُ آدميًا وغيره -والإحسان إليهما مُتَأَتٍّ، أما الثاني. . فواضح، وأما الأول. . فلنموِّه- والملائكةُ والإحسان إليهم بإحسان عشرتهم، بألَّا يفعل بحضرة الحفظة ما يكرهون، ولا يأكل ما يتأذَّون بريحه؛ لتأذِّيهم بما يتأذَّى به بنو آدم؛ كما في الحديث (١)، والجنُّ بنحو نيتهم بالسلام من الصلاة؛ فإنه يسنُّ للمصلي أن ينوي به مَنْ على يمينه أو يساره من ملائكةٍ ومؤمني إنسٍ وجنٍّ. ويصل إليهم وإلى الملائكة إحسانٌ آخر من المصلي؛ فإنه إذا قال في التشهد: (وعلى عباد اللَّه الصالحين). . أصابتهما وغيرهما هذه الدعوة؛ كما في الحديث (٢). والإحسان لشياطينهم وكفارهم بالدعاء لهم ككفار الإنس بالإسلام. قيل: ويخص من (كل شيءٍ) أيضًا: المؤذي من نحو الحشرات والسباع؛ فلا حظَّ لها في الإحسان. انتهى، وهو ممنوعٌ؛ إذ جواز قتلها، بل وجوبه، لا ينافي

стр. 338

الإحسان إليها بإحسان القتلة، وبالإطعام إن لم يجب قتلها فورًا؛ فقد قال ﷺ : " في كل كبدٍ رطبة أجرٌ" (١). قيل: ويجوز أن تكون (على) على بابها، والمعنى: أنه سبق من اللَّه تعالى تعبُّدٌ لعبده بالإحسان على كل شيءٍ، حتى إذا ذبح بسكينٍ غيرِ كالَّةٍ. . لم يضيع اللَّه ذلك له. انتهى، ولم يظهر من هذا التقدير أنها على بابها؛ فإنها فيه بمعنى (في) أيضًا. نعم؛ يصح في تقريره أن يقال: المعنى: أن اللَّه تعالى طلب من عبده الإحسان حال كونه مستعليًا منه على كل شيءٍ أراد إيصاله إليه، فعبَّر عن مزيد الإحسان وعمومه للمحسن إليه باستعلائه عليه مبالغة في طلب كماله. ثم رأيت بعضهم قال في جعلها على بابها: والتقدير: كتب الإحسان في الولاية على كل شيء، وما ذكرته أبلغ وأنسب بسياق الحديث، فتأمله. ويصح في تقدير كونها على بابها أن يقال: المراد: أنه تعالى أوجب على كل شيءٍ أن يكون محسنًا؛ أي: بحسب ما يناسبه، كالتسبيح من الجماد. (فإذا قتلتم) إنما فرَّع ﷺ هذا والذي بعده على ما قبله، وخصَّهما بالذِّكر مع أن صور الإحسان لا تنحصر؛ لأنهما الغاية في إيذاء الحيوان، فإذا طلب الإحسان فيهما مع كونهما الغاية في الأَذى. . فما بالك بغير ذلك؟! فإنه أحرى أن يطلب فيه الإحسان. أو أن سبب التخصيص رَدَّ ما كانت الجاهلية عليه من التمثيل في القتل بجاع الأنوف، وقطع الآذان والأيدي والأرجل، ومن الذبح بالمُدَى الكالَّة ونحوها مما يعذب الحيوان، ومن أكلهم المنخنقة وما ذكر معها في آية (المائدة) فنهى عن ذلك بقوله: (فأحسنوا القتلة) هي بكسر القاف: الهيئة والحالة، كالجِلسة، بخلافها بالفتح؛ فإنها المصدر، وأفاد الأمر وجوب إحسان ذلك في كل قتلٍ جائز، ذبحًا كان، أو قَوَدًا، أو حدًّا، أو غيره، فيكون بآلةٍ غير كالَّةٍ، مع السرعة وعدم قصد

стр. 339

التعذيب، فإن اقتص بآلةٍ كالَّة. . ضمن ما سرى منها؛ لتقصيره (١). نعم؛ يراعى في القاتل الهيئة والآلة التي قتل بها، فيفعل به حيث أمكنت؛ طلبًا للمماثلة المبني عليها القودُ ما أمكن. واحترزت بقولي: (حيث أمكنت) عن نحو القتل بلواطٍ وسحرٍ، فيعدل فيه إلى السيف؛ لتعذُّر المماثلة حينئذ. (وإذا ذبحتم) ما يحل ذبحه من البهائم (فأحسنوا الدبحة) فيها -كسرًا وفتحًا- ما مر في (القِتلة)، وفي رواية: "الذبح" وهي التي في أكثر نسخ "صحيح مسلم" (٢)، وهو المصدر لا غير، وإحسانه هنا بنحو ما مر، وبأن يرفق بالبهيمة، فلا يصرعها بعنفٍ وغلظةٍ، ولا يجرها إلى موضع الذبح. جرًا عنيفًا، وبإحداد الآلة، وتوجيهها إلى القِبْلة، والتسمية، ونية التقريب بذبحها إلى اللَّه تعالى، وقطع الحلقوم والمريء والودجين، والاعتراف إلى اللَّه تعالى بالمنَّة والشكر له على هذه النعمة العظيمة؛ وهي إحلاله وتسخيره تعالى لنا ما لو شاء. . حرَّمهُ وسلَّطه علينا (٣). ومن الإحسان إلى البهائم التي لا يراد ذبحها: عدم حسبها للقتل وغيره؛ فقد صح عنه ﷺ : (أنه نهى عن صبر البهائم) (٤) وهو: أن تُحبس البهيمة ثم تُضرب بالنبل ونحوه حتى تموت، وصح عنه أيضًا النهي، عن أن تُتَّخذ غرضًا (٥)، وأن من فعل ذلك. . فهو ملعون (٦). ومن الإحسان إليها أيضًا: ألَّا تُحمَّل فوق طاقتها، ولا يستمر راكبها عليها وهي

стр. 340

واقفةٌ إلا لحاجة، ولا يحلب منها ما يضر ولدها، ولا يُشوى السمك والجراد حتى يموت. وقد حكى ابن حزمٍ الإجماع على وجوب الإحسان في الذبحة. وأسهل وجوه قتل الآدمي ضرب عنقه بالسيف، وورد في تحريم المثلة أحاديث كثيرة؛ منها: "من مثَّل بذي روحٍ ثم لم يتُب. . مثَّل اللَّه به يوم القيامة" (١)، وهو مخصوصٌ بغير القاتل الممثل؛ لأنه ﷺ (رضخ رأس يهوديٍّ بين حجرين) (٢) لفعله ذلك بجارية من جواري المدينة. وعن جمعٍ من السلف: أنَّ مَنْ قُتل لكفرٍ أو ردةٍ يمثَّل به بالحرق بالنار، وروي عن أبي بكر وخالد بن الوليد ﵄ وغيرهما شيء من ذلك (٣)، وصح عن عليٍّ كرم اللَّه تعالى وجهه أنه حرَّق المرتدين، فأنكر ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما عليه (٤). وأصل ذلك: فعله ﷺ بالعرنيين حيث (قطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا) (٥)، وفي رواية: (ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا) (٦)، وفي أخرى: (وسُمِرت أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون) (٧)؛ وذلك لأنهم قتلوا، وأخذوا المال، وارتدوا. وأجيب بأن هذا كان قبل تحريم المثلة، وبأن أعينهم إنما سملت؛ لأنهم فعلوا ذلك بالرعاة؛ كما أخرجه مسلم (٨)، وذكر ابن شهاب: أنهم قتلوا الراعي ومثلوا به،

стр. 341

وابن سعد: أنهم قطعوا يده ورجله، وغرسوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات (١). ويدل على النسخ أنه ﷺ أمر بتحريق رجلين من قريش ثم قال: "كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا اللَّه تعالى، فإن وجدتموهما. . فاقتلوهما" رواه البخاري (٢). (وليحد) بضم الياء مِن (أَحدَّ) السكين وحدَّدها واستحدَّها بمعنًى، وبفتحها مِن (حدَّ) (أحدكم شفرته) وجوبًا إن كانت كالَّةً بحيث يحصل للحيوان بها تعذيب، وإلَّا. . فندبًا، وهي السكين ونحوها مما يُذبح به، وشفرتُها: حدُّها، فسميت باسمه؛ تسميةً للشيء باسم جزئه. وينبغي حال حدها أن يواريها عنها؛ لأمره ﷺ بذلك. رواه أحمد وابن ماجة (٣). (وليرح) بضم أوله من (أراح): إذا جلب الراحةَ (٤)، أو كان له دخل في حصولها بأيِّ وجهٍ كان. (ذبيحته) بإمرار السكين عليها بسرعة، وبسقيها عند الذبح، وبالإمهال بسلخها حتى تبرد، وبألَّا يحد السكين بحضرتها كما مر. وروى الخلال والطبراني: أنه ﷺ مر برجلٍ واضع رجله على صفحة شاةٍ وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها، فقال: "أفلا قبل هذا، أتريد أن تميتها موتتان؟! " (٥). ولا يذبح أخرى قبالتها، وروى ابن ماجة: مر رسول اللَّه ﷺ

стр. 342

برجلٍ وهو يجرُّ شاةً بأذنها، فقال: "دع أذنها، وخذ بسالفتها" (١) أي: وهي مُقدَّم العنق. وأخرج عبد الرزاق: أن شاةً انفلتت من جزارٍ حتى جاءت النبي ﷺ ، فاتَّبعها فأخذها يسحبها برِجْلها، فقال لها النبي ﷺ : "اصبرى لأمر اللَّه، وأنت يا جزار، فسُقْها للموت سوقًا رفيقًا" (٢). وأخرج أحمد: يا رسول اللَّه؛ إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال: "إِنْ رحِمْتَها. . رحمك اللَّه" (٣). وعطف هذا على ما قبله؛ لأنه لبيان فائدته؛ إذ الذبح بآلةٍ كالَّةٍ يعذب الذبيحة، فراحتها أن تذبح بآلةٍ ماضيةٍ موحيةٍ (٤)، ومن ثَمَّ قال ﷺ : "من ولي القضاء. . فقد ذُبح بغير سكين" (٥) أي: فقد عرض نفسه لعذابٍ يجد فيه ألمًا كألم الذبح بغير سكين؛ أي: في أصل المشاركة؛ لظهور أن سائر عذاب الدنيا لا نسبة بينه وبين أدنى عذاب الآخرة. والذبيحة: فعيلة بمعنى مفعولة، وتاؤها للنقل من الوصفية إلى الاسمية؛ لأن العرب إذا وصفت بـ (فعيل) مؤنثًا. . قالت: امرأة قتيل، وعين كحيل، وشاة ذبيح، فإذا حذفوا الموصوف. . أثبتوا التاء وقالوا: قتيلة بني فلان، وذبيحتهم؛ لعدم دالٍّ على التأنيث حينئذٍ، ويعرب حينئذٍ اسمًا مفعولًا به أو نحوه، لا صفة، فاتضح أن التاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية. (رواه مسلم) وهو قاعدة الدين العامة؛ فهو متضمنٌ لجميعه؛ لأن الإحسان في الفعل: هو إيقاعه على مقتضى الشرع كما مر، ثم ما يصدر عن الشخص من الأفعال إما أن يتعلَّق بمعاشه وهو سياسة نفسه، وبدنه، وأهله، وإخوانه، وملكه، وباقي

стр. 343

الناس، أو بمعاده وهو الإيمان الذي هو عمل القلب، والإسلام الذي هو عمل الجوارح، فمن أحسن في هذا كله، وأتى به على وفق السداد والشرع. . فقد فاز بكل خيرٍ، وسَلِم من كل ضير، ولكن دون ذلك خرط القتاد (١)، وبذل المُهَج وتقطُّع الأكباد. قال الخطابي: (ولما كان العلماء ورثة الأنبياء، ومما ورثوه منهم تعليم الناس الإحسان، وكيفيته، والأمر به إلى كل شيءٍ. . ألهم اللَّه تعالى الأشياء الاستغفار للعلماء؛ مكافأةً لهم على ذلك؛ كما قال ﷺ : "إن العالم ليستغفر له مَنْ في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف البحر") اهـ (٢) * * *

стр. 344

الحديث الثامن عشر [حسن الخلق] عَنْ أَبِي ذَرٍّ جُنْدَبِ بْنِ جُنَادَةَ، وَأَبِي عَبْدِ الْرَّحْمَنِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ (١). (عن أبي ذر جندب بن جنادة) رضي اللَّه تعالى عنه بضم الجيم فيهما، وتثليث دال الأول، وقيل: برير بن جندب، وقيل: جندب بن عبد اللَّه، وقيل: جندب بن السكن، وهكذا اختلف في جده وأبي جده ومن فوقهما، وعلى كلٍّ: هو غفاري، يجتمع مع النبي ﷺ في كنانة. روي عنه أنه قال: (أنا رابع الإسلام) (٢)، ويقال: خامس الإسلام، أسلم بمكة قديمًا، ثم رجع إلى قومه، ثم هاجر إلى المدينة (٣)، ووصفه ﷺ في عدة أحاديث بأنه أصدق الناس لهجةً، وفي رواية: "ما أظلَّتِ الخضراء -أي: السماء- ولا أقلَّتِ الغبراء -أي: حملت الأرض- أصدقَ لهجةً من أبي ذر" (٤). وهو أول من حيَّا رسول اللَّه ﷺ بتحية الإسلام (٥)، وقال عليٌّ في

стр. 345

حقِّه: (وعاءٌ مُلِئ علمًا، ثم أوكي عليه، فلم يخرج منه شيء حتى قبض) (١). روي له مئتا حديثٍ وأحدٌ وثمانون، اتفقا منها على اثني عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بسبعة عشر. مات بالرَّبَذة سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين. (وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل) الأنصاري، أسلم وعمره ثمان عشرة سنة، وشهد بدرًا والعقبة والمشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ . روي له مئة حديث وسبعةٌ وخمسون، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث. وورد أنه ﷺ قال: "أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل" (٢)، وأنه قال له: "يا معاذ؛ إني لأحبك" فقال: وأنا أحبك واللَّه يا رسول اللَّه، قال: "فلا تدع أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم؛ أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (٣)، وأنه قال: "يأتي معاذٌ يوم القيامة بين يدي العلماء رَتْوة" (٤) أي: رمية بسهم، وقيل: بحجر، وقيل: بميل، وقيل: مد البصر. وأن ابن مسعود قال: (إن معاذًا كان أُمةً قانتا للَّه حنيفًا ولم يك من المشركين) قالوا: يا أبا عبد الرحمن؛ إن إبراهيم كان أمة! قال: (تسمعوني ذكرت إبراهيم؟! إنا كنَّا نُشُبِّه معاذًا بإبراهيم) (٥). وقال مالكٌ: بلغني أنه قال: (يرحم اللَّه معاذ بن جبل، كان أمةً قانتًا للَّه) فقيل: يا أبا عبد الرحمن؛ إنما ذكر اللَّه بهذا إبراهيم ﵊، فقال ابن

стр. 346

مسعود: (إن الأمةَ الَّذي يُعلِّم الناسَ الخير، وإن القانت هو المطيع) (١). وهو ممَّن جمع القرآن في حياة رسول اللَّه ﷺ ، مات بناحية الأُرْدُن في طاعون عَمَواس -وهو بفتح أَوَّلَيْهِ: قرية بين الرملة والقدس، نسب إليها؛ لأنه أول ما ظهر منها- سنةَ ثمان عشرة وهو ابن ثلاثٍ وثلاثين سنة، وقيل: أربع، وقيل: ثمان وثلاثين سنة، وقبره بغور بيسان في شرقيه. ﵄، عن رسول اللَّه ﷺ قال) لأبي ذرٍّ كما سيأتي: (اتقِ اللَّه) من التقوى؛ وأصلها: اتخاذ وقايةٍ تقيك مما تخافه وتحذره، فتقوى العبد للَّه: أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من غضبه وقاية تقيه منه هي امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وهذا على حدِّ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: غضبه، وهو أعظم ما يتقى؛ إذ ينشأ عنه عقابه الدنيوي والأخروي، ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وفسر ذلك ﷺ فقال: "قال اللَّه تعالى: أنا أهل أن أُتقَى، فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها آخر. . فأنا أهلٌ أن أغفر له" (٢). وقد تضاف التقوى إلى عقابه أو مكانه أو زمانه، نحو: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾، ﴿وَاتَّقُوْا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. (حيثما كنت) (٣) أي: في أيِّ مكانٍ كنت فيه حيث يراك الناس وحيث لا يرونك؛ اكتفاءً بنظره تعالى؛ قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ [الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ] إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ومن ثم قال ﷺ لأبي ذر: "أوصيك بتقوى اللَّه في سرِّ أمرك

стр. 347

وعلانيته" (١)، وكان ﷺ يقول فرب دعائه: "أسألك خشيتك في الغيب والشهادة" (٢)، وهي من المنجيات. وهذا من جوامع كلمه ﷺ ؛ فإن التقوى وإن قلَّ لفظها إلا أنها كلمةٌ جامعةٌ لحقوقه تعالى، وهي أن يُتقى اللَّهُ حقَّ تقاته؛ أي: "بأن يطاع فلا يعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يكفر" خرجه الحاكم مرفوعًا (٣)، قيل: وهو منسوخ بـ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وينبغي أن يقال: لا نسخ؛ إذ لا يصار إليه إلا بشروطٍ لم توجد كما يعلم من محله، فالأَوْلى أن يقال: المراد: أن يطاع فلا يعصى بحسب الاستطاعة، وكذا ما بعده. ولحقوق عباده بأسرها (٤)، فمن ثَمَّ شملت خيري الدنيا والآخرة؛ إذ هي اجتناب كل منهيٍّ، وفعل كل مأمورٍ، فمن فعل ذلك. . فهو من المتقين الذين شرَّفهم اللَّه تعالى في كتابه بالمدح والثناء: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، وبالحفظ من الأعداء: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾، وبالتأييد والنصرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ وبالنجاة من الشدائد، والرزق من الحلال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، قال أبو ذر: قرأ رسول اللَّه ﷺ هذه الآية ثم قال: "يا أبا ذر؛ لو أن الناس كلهم أخذوا بها. . لكفتهم" (٥). وبإصلاح العمل وغفران الذنوب: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وبكفلين من الرحمة، وبالنور: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾، وبالقَبول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، وبالإكرام والإعزاز عند اللَّه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وبالنجاة من النار: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، وبالخلود في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

стр. 348

قال سفيان الثوري: (سُمُّوا بذلك؛ لأنهم اتقوا ما لا يُتقى) (١)، وهو معنى قول الحسن: (ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام) (٢). وقول أبي الدرداء رضي اللَّه تعالى عنه: (تمام التقوى أن العبد يتقي اللَّه حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلالٌ خشيةَ أن يكون حرامًا) (٣). وليكون حجابًا بينه وبين الحرام، وأصل ذلك كله: حديث: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس" (٤)، وحديث: "من اتقى الشبهات. . استبرأ لدينه وعرضه" (٥). وبغاية ذلك كله القصوى وهي محبة اللَّه تعالى (٦)، وموالاته، وانتفاء الخوف والحزن، وحصول البشارة في الدنيا والآخرة والفوز العظيم: ﴿اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ولو لم يكن في التقوى سوى هذه الخصلة. . لكفت عما عداها. ثم حقيقتها متوقفة على العلم؛ إذ الجاهل لا يعلم كيف يتقي، لا من جانب الأمر، ولا من جانب النهي، وبهذا تظهر فضيلة العلم، وتميزه على سائر العبادات، والأحوال والمقامات؛ لتوقفها جميعها عليه، ومن ثم قال ﷺ : "ما عُبدَ اللَّهُ بشيءٍ أفضل من فقهٍ في دين" (٧)، وقال: "من يرُدِ اللَّه به خيرًا. . يفقهه في الدين، ويلهمه رشده" (٨).

стр. 349

والمراد بالعلم المتوقف عليه ذلك: هو العلم العيني الذي لا رخصة لمكلفٍ في تركه، وهو تعلُّم ما أنت متلبِّسٌ به، فنحو الصلاة وشروطها وأركانها، والصوم وشروطه وأركانه يتعيَّن على كل مكلفٍ تعلُّمُ ظواهرها، وما يكثر وقوعه منها، وكذا الزكاة لمن له مال، والحج لمن استطاعه، ونحو البيع لمن أراد مباشرته، والنكاح لمن أراد الدخول فيه، ومعاشرة الزوجات لمن أراد تزوُّجَ امرأةٍ ثانيةٍ. فمن علم ما خُوطب به عينًا، أو أراد التلبس به، ثم اجتنب كل منهيٍّ، وفعل كل مأمورٍ. . فهو المتقي الكامل: (الذي لا يزال يتقرب إلى اللَّه تعالى بالنوافل حتى يحبه. . .) الحديث (١). ومن ثمَّ أخرج ابن حبان وغيره عن أبي ذر: قلت: يا رسول اللَّه؛ أوصني، قال: "أوصيك بتقوى اللَّه؛ فإنه رأس الأمر كله" (٢)، وأبي سعيد الخدري قلت: يا رسول اللَّه؛ أوصني، قال: "أوصيك بتقوى اللَّه؛ فإنه رأس كل شيء" (٣)، وفي رواية: "عليك بتقوى اللَّه؛ فإنها جماع كل خير" (٤). والترمذي: عن يزيد بن سلمة أنه سأل النبي ﷺ قال: يا رسول اللَّه؛ إني سمعت منك حديثًا كثيرًا، فأخاف أن ينسيني أولَه آخرُه، فحدِّثني بكلمةٍ تكون جماعًا، قال: "اتق اللَّه فيما تعلم" (٥). ثم لما كان العبد مأمورًا بتقوى اللَّه في سره وعلانيته كما مر، مع أنه لا بد أن يقع منه أحيانًا تفريطٌ في التقوى؛ إما بترك بعض المأمورات، أو فعل بعض المنهيات، ومع ذلك لا ينافي وصفه بالتقوى كما دلَّ عليه نظم سياق آيات: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. . . إلى أن قال فى وصفهم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾. . . إلخ. . أمره بأن يفعل ما يمحو به ما فَرَط منه بقوله: (وأَتْبعِ السيئة)

стр. 350

الصغيرة (الحسنة تمحها) كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ سبب نزولها: ما في "الصحيحين" عن ابن مسعود ﵁ عنه: أن رجلًا أصاب من امرأة قُبْلةً، ثم أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فسكت النبي ﷺ حتى نزلت هذه الآية، فدعاه، فقرأها عليه، فقال رجلٌ: هذا له خاصة؟ فقال: "بل للناس عامة" (١). وفيهما عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه قال: كنت عند النبي ﷺ ، فجاء رجلٌ فقال: يا رسول اللَّه؛ إني أصبت حدًا فأقمه عليَّ، قال: ولم يسأله عنه، فحضرتِ الصلاةُ فصلى مع النبي ﷺ ، فلما قضى النبي ﷺ الصلاة. . قام إليه الرجل فقال: يا رسول اللَّه؛ إني أصبت حدًا فأقمه عليَّ، قال: "أليس قد صليت معنا؟! " قال: نعم، قال: "قد غفر اللَّه لك ذنبك" (٢). وخرجه مسلم بمعناه من حديث أبي أمامة (٣)، وخرجه ابن جرير من وجهٍ آخر عنه، وفي حديثه: "فإنك خرجت من خطيئتك كما ولدتك أمك فلا تَعُدْ" وأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآيةَ (٤). وجاء: كنت جالسًا عند رسول اللَّه ﷺ ، فجاءه رجلٌ فقال: يا رسول اللَّه؛ إني أصبت حدًا فأقمه عليَّ، فأعرض عنه، ثم كرَّر ذلك مرارًا وهو يعرض عنه، فقال: يا رسول اللَّه؛ إنه أتتني امرأة أجنبيةٌ تشتري منِّي تمرًا، فأدخلتها البيت، فأصبت منها ما يصيب الرجل من امرأته، غير أني لم أجامعها، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "توضأ وضوءًا حسنًا" فتوضأ وصلى مع النبي ﷺ ، فنزل قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ أي: عظة لمن اتعظ، فقال معاذ: يا رسول اللَّه؛ هذا له خاصة، أم للناس عامة؟ فقال: "بل للناس عامة" (٥).

стр. 351

أي: فلا تعجزن أيها الإنسان إذا فرطت منك سيئة أن تُتبعها بحسنةٍ من نحو صلاةٍ، أو صدقةٍ وإن قلَّت، أو ذكرٍ؛ كالباقيات الصالحات: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر؛ فإنهنَّ أحب الكلام إلى اللَّه تعالى، وكـ (سبحان اللَّه وبحمده، سبحان اللَّه العظيم) فإنهما حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان؛ ليزول عنك قبيح عارها، وتسلم من أليم نارها. وورد أيضًا عند مسلم (١): "ما من رجلٍ يتطهر فيحسن الطّهور، ثم يَعْمِد إلى مسجدٍ من هذه المساجد إلا كتب اللَّه له بكل خطوةٍ يخطوها حسنةً، ويرفعه بها درجةً، ويحط عنه بها سيئة. . . " الحديث (٢). وأخرج أحمد وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: "ما من رجلٍ يذنب ذنبًا، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي، ثم يستغفر اللَّه إلا غفر اللَّه تعالى له" ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (٣). وظاهر قوله: "تمحها" وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ أنها تُمحى حقيقةً من الصحيفة، وقيل: عبَّر به عن ترك المؤاخدة، فهي موجودةٌ فيها بلا محوٍ إلى يوم القيامة، وهذا تجوُّز يحتاج لدليلٍ وإن نقله القرطبي في "تذكرته" (٤). وقال بعض المفسرين: إنه الصحيح عند المحققين، أما الكبيرة. . فلا يمحوها إلا التوبة بشروطها؛ وحينئذٍ يصح أن يراد بالسيئة الكبيرة أيضًا، وبالحسنة التوبة منها، ويؤيده: أن في طريقٍ مرسلٍ من طرق وصايا معاذٍ لمَّا بعثه إلى اليمن: "وإن أحدثت ذنبًا. . فأحدث عنده توبة، إن سرًا. . فسِرٌّ، وإن علانيةً. . فعلانيةٌ" (٥). ثم ظاهر النصوص أن التوبة الصحيحة بشروطها تكفر الذنب قطعًا، كما يقطع

стр. 352

بقبول إسلام الكافر، قيل: وكلام ابن عبد البر يدل على أنه إجماع (١)، أي: ومع تسليم ذلك. . فالأرجح: أنه ظنيٌّ، كما دلَّت عليه نصوصٌ أخر، لكن لقوة ذلك الظن أُجري مُجرى القطع في النصوص الأُخر. تنبيه [الأعمال الصالحة لا تكفر غير الصغائر، ووجوب التوبة من الصغيرة] اختلفوا في مسألتين: إحداهما: أن الأعمال الصالحة لا تكفر غير الصغائر على الأصح (٢)، بل المجمع عليه على ما قاله ابن عبد البر، وأما الكبائر. . فلا بد لها من التوبة؛ لإجماعهم على أنها فرضٌ، ويلزم من تكفير الكبائر بنحو الوضوء والصلاة بطلانُ فرضية التوبة، ويؤيده حديث "الصحيحين": "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفراتٌ لِمَا بينهنَّ ما اجتنب الكبائر" (٣). حكى ابن عطية عن جمهور أهل السنة: (أن معناه: أن اجتناب الكبائر شرطٌ لتكفير هذه الفرائض للصغائر، فإن لم تجتنب. . لم تكفر شيئًا بالكلية، وعن الحذَّاق: أنها تكفر الصغائر ما لم يُصِرَّ عليها (٤)، سواء فعل الكبائر أم لا، ولا تكفر شيئًا من الكبائر) (٥). وروى مسلم: "ما من امرئٍ مسلمٍ يحضر صلاةً مكتوبةً، فيُحسن وضوءها،

стр. 353

وخشوعها، وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يُؤْتِ كبيرةً، وذلك الدهر كله" (١) والأحاديث بمعنى ذلك كثيرة. وقيل: إن الأعمال الصالحة تكفر الكبائر، وممن قال به ابنُ حزم، لكن أطال ابن عبد البر في الرد عليه (٢)، ورده بعضهم بأنه إن أُريد أن مَنْ أتى بالأعمال وهو مُصِرٌّ على الكبائر تغفر له الكبائر قطعًا. . فهو باطلٌ قطعًا معلومٌ بطلانه من الدين بالضرورة، وإن أريد أن مَنْ لم يُصِرَّ عليها وحافظ على الفرائض من غير توبةٍ ولا ندمٍ كفَّرت بذلك. . فهو محتملٌ لظاهر آية: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: ما سلف منكم صغيرًا كان أو كبيرًا، ومع ذلك: الصحيح قول الجمهور: إن الكبائر لا تكفر بدون التوبة. نعم؛ إقامة الحد بمجرده كفارةٌ كما صرح به حديث مسلم (٣)؛ أي: بالنسبة لذات الذنب، أما بالنسبة لترك التوبة منه. . فلا يكفرها الحد؛ لأنها معصية أخرى (٤)، وعليه يحمل قول جمع: إن إقامته ليست كفارة، بل لا بد معها من التوبة، وقوله تعالى في المحاربين: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. . لا ينافي ذلك؛ لأنه ذكر عقوبتهم في الدارين، ولا يلزم اجتماعهما. ويؤيد ما تقرر: قول بعض المتأخرين: إن أُريد أن الكبائر تُمحى بمجرد العمل. . فهو باطلٌ، أو أنه قد يوازن يوم القيامة بينها وبين بعض الأعمال، فتُمحى الكبيرة بما يقابلها من العمل، ويسقط العمل فلا يبقى له ثواب. . فهذا قد يقع كما دلت عليه أحاديث؛ كحديث البزار والحاكم: "يؤتى بحسنات العبد وسيئاته يوم القيامة،

стр. 354

فيقص، أو يقضى بعضها من بعض، فإن بقيت له حسنة. . وسع له بها في الجنة" (١). فظاهره كغيره: وقوع المقاصَّة بين الحسنات والسيئات، وينظر إلى ما يفضل منها، وهذا يوافق قول من قال: إن رجحت حسناته على سيئاته بحسنةٍ واحدةٍ. . أُثيب عليها خاصة، وسقط باقي حسناته في مقابلة سيئاته، وقيل: يثاب بالجميع، وتسقط سيئاته كأنها لم تكن، هذا كله في الكبائر. أما الصغائر. . فإنها تُمحى بالعمل مع بقاء ثوابه؛ كما دلت عليه الآيات والأحاديث. ثم المغفرة والتكفير متقاربان؛ إذ المغفرة: ستر الذنوب، أو وقاية شره مع ستره، والتكفير: من (الكفر) وهو: الستر أيضًا. وقيل: هو محو أثر الذنب حتى كأنه لم يفعل، والمغفرة: ذلك مع إكرام العبد والإفضال عليه. وقيل: مغفرة الذنب بالعمل تقلبه حسنة، وتكفيره بالمكفر يمحوه فقط. وقيل: المغفرة: وقاية الذنب بالكلية، فلا مؤاخذة ولا عقوبة، والتكفير قد يقع بعد العقوبة؛ فإن المصائب الدنيوية مكفراتٌ وهي عقوبات، وكذا العفو والرحمة يقعان مع العقوبة ومع عدمها. وقيل: المكفر من العمل ما ينمحي به الذنب، فلا ثواب له غير ذلك، كاجتناب الكبائر، والعمل الذي يغفر به الذنب ما فيه ثوابٌ ومغفرةٌ كالذِّكر. وقد قال كثيرٌ من الصحابة وغيرهم: لا ثواب في المصائب الدنيوية غير التكفير للذنوب، وفسر المكفِّر في الحديث بإسباغ الوضوء في المكاره، ونقل الأقدام إلى الصلاة، وقال: "من فعل ذلك. . عاش بخيرٍ، ومات بخيرٍ، وخرج من خطيئته

стр. 355

كيومَ ولدته أمه" (١) فهذا مع تكفيره للسيئات يرفع الدرجات. وسببه: أنه قد يجتمع في العمل شيئان: أحدهما رافعٌ، والآخر مكفِّرٌ، فالوضوء من حيث كونُه تعاطي عبادة رافعٌ للدرجات، ومن حيث مشقَّته وإيلامه للنفس مكفرٌ، وقس عليه، ومن ثَمَّ جاء: "إن إحدى خطوتي الماشي إلى المسجد ترفع له فى درجة، والأخرى تحط عنه خطيئة" (٢). ثانيهما: الأصح: وجوب التوبة من الصغائر أيضًا، وقال بعض المعتزلة: لا تجب، وقال بعض المتأخرين: الواجب الإتيان بها أو ببعض المكفرات. (وخالق الناس بخلقٍ حسنٍ) وجِماعُهُ -كما ذكره الترمذي وغيره-: ينحصر في طلاقة الوجه لهم، وكفِّ الأذى عنهم، وبذل المعروف لهم (٣)، وهو معنى قول بعضهم: هو كظم الغيظ للَّه، وإظهار الطلاقة والبشر إلا لمبتدعٍ أو فاجرٍ، والعفو عن الزالِّين إلا تأديبًا وإقامةً للحد، وكفُّ الأذى عن كل مسلمٍ أو معاهدٍ إلا تغييرًا لمنكر، أو أخذًا بمظلمةٍ من غير تعدٍّ، وجمع بعضهم ذلك كله في قوله: هو أن تفعل معهم ما تحب أن يفعلوه معك، فتجتمع القلوب، ويتفق السر والعلانية، وحينئذ تأمن كل كيدٍ وشرٍّ، وذلك جماع الخير، وملاك الأمر إن شاء اللَّه تعالى. والأحاديث في مدح الخُلُق الحسن كثيرةٌ، بينتها في كتابي السابق ذكره في شرح (الخامس عشر) (٤)؛ منها: "أثقل ما وضع في الميزان حسن الخلق" (٥)، "خياركم أحاسنكم أخلاقًا" (٦)، "إن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم" (٧)، "أكمل
следующие страницы →