← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8889

الفتح المبين بشرح الأربعين

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (662 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أي: فلا تعجزن أيها الإنسان إذا فرطت منك سيئة أن تُتبعها بحسنةٍ من نحو صلاةٍ، أو صدقةٍ وإن قلَّت، أو ذكرٍ؛ كالباقيات الصالحات: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر؛ فإنهنَّ أحب الكلام إلى اللَّه تعالى، وكـ (سبحان اللَّه وبحمده، سبحان اللَّه العظيم) فإنهما حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان؛ ليزول عنك قبيح عارها، وتسلم من أليم نارها. وورد أيضًا عند مسلم (١): "ما من رجلٍ يتطهر فيحسن الطّهور، ثم يَعْمِد إلى مسجدٍ من هذه المساجد إلا كتب اللَّه له بكل خطوةٍ يخطوها حسنةً، ويرفعه بها درجةً، ويحط عنه بها سيئة. . . " الحديث (٢). وأخرج أحمد وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: "ما من رجلٍ يذنب ذنبًا، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي، ثم يستغفر اللَّه إلا غفر اللَّه تعالى له" ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (٣). وظاهر قوله: "تمحها" وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ أنها تُمحى حقيقةً من الصحيفة، وقيل: عبَّر به عن ترك المؤاخدة، فهي موجودةٌ فيها بلا محوٍ إلى يوم القيامة، وهذا تجوُّز يحتاج لدليلٍ وإن نقله القرطبي في "تذكرته" (٤). وقال بعض المفسرين: إنه الصحيح عند المحققين، أما الكبيرة. . فلا يمحوها إلا التوبة بشروطها؛ وحينئذٍ يصح أن يراد بالسيئة الكبيرة أيضًا، وبالحسنة التوبة منها، ويؤيده: أن في طريقٍ مرسلٍ من طرق وصايا معاذٍ لمَّا بعثه إلى اليمن: "وإن أحدثت ذنبًا. . فأحدث عنده توبة، إن سرًا. . فسِرٌّ، وإن علانيةً. . فعلانيةٌ" (٥). ثم ظاهر النصوص أن التوبة الصحيحة بشروطها تكفر الذنب قطعًا، كما يقطع

стр. 352

بقبول إسلام الكافر، قيل: وكلام ابن عبد البر يدل على أنه إجماع (١)، أي: ومع تسليم ذلك. . فالأرجح: أنه ظنيٌّ، كما دلَّت عليه نصوصٌ أخر، لكن لقوة ذلك الظن أُجري مُجرى القطع في النصوص الأُخر. تنبيه [الأعمال الصالحة لا تكفر غير الصغائر، ووجوب التوبة من الصغيرة] اختلفوا في مسألتين: إحداهما: أن الأعمال الصالحة لا تكفر غير الصغائر على الأصح (٢)، بل المجمع عليه على ما قاله ابن عبد البر، وأما الكبائر. . فلا بد لها من التوبة؛ لإجماعهم على أنها فرضٌ، ويلزم من تكفير الكبائر بنحو الوضوء والصلاة بطلانُ فرضية التوبة، ويؤيده حديث "الصحيحين": "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفراتٌ لِمَا بينهنَّ ما اجتنب الكبائر" (٣). حكى ابن عطية عن جمهور أهل السنة: (أن معناه: أن اجتناب الكبائر شرطٌ لتكفير هذه الفرائض للصغائر، فإن لم تجتنب. . لم تكفر شيئًا بالكلية، وعن الحذَّاق: أنها تكفر الصغائر ما لم يُصِرَّ عليها (٤)، سواء فعل الكبائر أم لا، ولا تكفر شيئًا من الكبائر) (٥). وروى مسلم: "ما من امرئٍ مسلمٍ يحضر صلاةً مكتوبةً، فيُحسن وضوءها،

стр. 353

وخشوعها، وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يُؤْتِ كبيرةً، وذلك الدهر كله" (١) والأحاديث بمعنى ذلك كثيرة. وقيل: إن الأعمال الصالحة تكفر الكبائر، وممن قال به ابنُ حزم، لكن أطال ابن عبد البر في الرد عليه (٢)، ورده بعضهم بأنه إن أُريد أن مَنْ أتى بالأعمال وهو مُصِرٌّ على الكبائر تغفر له الكبائر قطعًا. . فهو باطلٌ قطعًا معلومٌ بطلانه من الدين بالضرورة، وإن أريد أن مَنْ لم يُصِرَّ عليها وحافظ على الفرائض من غير توبةٍ ولا ندمٍ كفَّرت بذلك. . فهو محتملٌ لظاهر آية: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: ما سلف منكم صغيرًا كان أو كبيرًا، ومع ذلك: الصحيح قول الجمهور: إن الكبائر لا تكفر بدون التوبة. نعم؛ إقامة الحد بمجرده كفارةٌ كما صرح به حديث مسلم (٣)؛ أي: بالنسبة لذات الذنب، أما بالنسبة لترك التوبة منه. . فلا يكفرها الحد؛ لأنها معصية أخرى (٤)، وعليه يحمل قول جمع: إن إقامته ليست كفارة، بل لا بد معها من التوبة، وقوله تعالى في المحاربين: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. . لا ينافي ذلك؛ لأنه ذكر عقوبتهم في الدارين، ولا يلزم اجتماعهما. ويؤيد ما تقرر: قول بعض المتأخرين: إن أُريد أن الكبائر تُمحى بمجرد العمل. . فهو باطلٌ، أو أنه قد يوازن يوم القيامة بينها وبين بعض الأعمال، فتُمحى الكبيرة بما يقابلها من العمل، ويسقط العمل فلا يبقى له ثواب. . فهذا قد يقع كما دلت عليه أحاديث؛ كحديث البزار والحاكم: "يؤتى بحسنات العبد وسيئاته يوم القيامة،

стр. 354

فيقص، أو يقضى بعضها من بعض، فإن بقيت له حسنة. . وسع له بها في الجنة" (١). فظاهره كغيره: وقوع المقاصَّة بين الحسنات والسيئات، وينظر إلى ما يفضل منها، وهذا يوافق قول من قال: إن رجحت حسناته على سيئاته بحسنةٍ واحدةٍ. . أُثيب عليها خاصة، وسقط باقي حسناته في مقابلة سيئاته، وقيل: يثاب بالجميع، وتسقط سيئاته كأنها لم تكن، هذا كله في الكبائر. أما الصغائر. . فإنها تُمحى بالعمل مع بقاء ثوابه؛ كما دلت عليه الآيات والأحاديث. ثم المغفرة والتكفير متقاربان؛ إذ المغفرة: ستر الذنوب، أو وقاية شره مع ستره، والتكفير: من (الكفر) وهو: الستر أيضًا. وقيل: هو محو أثر الذنب حتى كأنه لم يفعل، والمغفرة: ذلك مع إكرام العبد والإفضال عليه. وقيل: مغفرة الذنب بالعمل تقلبه حسنة، وتكفيره بالمكفر يمحوه فقط. وقيل: المغفرة: وقاية الذنب بالكلية، فلا مؤاخذة ولا عقوبة، والتكفير قد يقع بعد العقوبة؛ فإن المصائب الدنيوية مكفراتٌ وهي عقوبات، وكذا العفو والرحمة يقعان مع العقوبة ومع عدمها. وقيل: المكفر من العمل ما ينمحي به الذنب، فلا ثواب له غير ذلك، كاجتناب الكبائر، والعمل الذي يغفر به الذنب ما فيه ثوابٌ ومغفرةٌ كالذِّكر. وقد قال كثيرٌ من الصحابة وغيرهم: لا ثواب في المصائب الدنيوية غير التكفير للذنوب، وفسر المكفِّر في الحديث بإسباغ الوضوء في المكاره، ونقل الأقدام إلى الصلاة، وقال: "من فعل ذلك. . عاش بخيرٍ، ومات بخيرٍ، وخرج من خطيئته

стр. 355

كيومَ ولدته أمه" (١) فهذا مع تكفيره للسيئات يرفع الدرجات. وسببه: أنه قد يجتمع في العمل شيئان: أحدهما رافعٌ، والآخر مكفِّرٌ، فالوضوء من حيث كونُه تعاطي عبادة رافعٌ للدرجات، ومن حيث مشقَّته وإيلامه للنفس مكفرٌ، وقس عليه، ومن ثَمَّ جاء: "إن إحدى خطوتي الماشي إلى المسجد ترفع له فى درجة، والأخرى تحط عنه خطيئة" (٢). ثانيهما: الأصح: وجوب التوبة من الصغائر أيضًا، وقال بعض المعتزلة: لا تجب، وقال بعض المتأخرين: الواجب الإتيان بها أو ببعض المكفرات. (وخالق الناس بخلقٍ حسنٍ) وجِماعُهُ -كما ذكره الترمذي وغيره-: ينحصر في طلاقة الوجه لهم، وكفِّ الأذى عنهم، وبذل المعروف لهم (٣)، وهو معنى قول بعضهم: هو كظم الغيظ للَّه، وإظهار الطلاقة والبشر إلا لمبتدعٍ أو فاجرٍ، والعفو عن الزالِّين إلا تأديبًا وإقامةً للحد، وكفُّ الأذى عن كل مسلمٍ أو معاهدٍ إلا تغييرًا لمنكر، أو أخذًا بمظلمةٍ من غير تعدٍّ، وجمع بعضهم ذلك كله في قوله: هو أن تفعل معهم ما تحب أن يفعلوه معك، فتجتمع القلوب، ويتفق السر والعلانية، وحينئذ تأمن كل كيدٍ وشرٍّ، وذلك جماع الخير، وملاك الأمر إن شاء اللَّه تعالى. والأحاديث في مدح الخُلُق الحسن كثيرةٌ، بينتها في كتابي السابق ذكره في شرح (الخامس عشر) (٤)؛ منها: "أثقل ما وضع في الميزان حسن الخلق" (٥)، "خياركم أحاسنكم أخلاقًا" (٦)، "إن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم" (٧)، "أكمل

стр. 356

المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا" (١)، "أفضل ما أُعطي المرء المسلم الخلق الحسن" (٢)، "ألا أخبركم بأحبكم إلى اللَّه وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة؟! " قالوا: بلى، قال: "أحسنكم خلقًا" (٣)، "أفضل الفضائل أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتصفح عمن شتمك" (٤)، وفي رواية: (أن هذه الثلاثة أفضل -وفي رواية: أكرم- أخلاق أهل الدنيا والآخرة) (٥). ثم الخلق وإن كان سجيةً في الأصل ومطبوعًا عليه العبد إلا أن الإنسان يمكنه أن يتخلَّق بغير خلقه حتى يتصف بالأخلاق الحسنة العلية، فمن ثم صح الأمر بتحصيله وبكسبه هنا وفي قوله ﷺ لمعاذ: "حَسِّن خلقك مع الناس" (٦). فأفاد أن تحسينه من كسب العبد؛ لحصوله بنحو النظر في أخلاقه ﷺ ، وما صدر عنه من أعاليها، مع التأسي به فيما يمكن أن يتأسَّى به فيه منها، ثم بصحبة أهل الأخلاق الحسنة والاقتداء بهم في ذلك، ثم بتصفية نفسه عن ذميم الأوصاف وقبيح الخصال، ثم برياضتها إلى أن تتحلَّى بجميل الأخلاق ومعالي الأحوال؛ فحينئذ يُثاب على تلك الأخلاق الحميدة؛ لأنها من كسبه، فهو نظير استعمال الشجاعة في محلها كملاقاة العدو؛ فإن الشجاع يثاب على هذا الاستعمال لا على نفس الشجاعة؛ لأنها من الأمور الجِبلِّيَّه التي لا تدخل تحت الاختيار، وإنما الذي يدخل تحته تَكَسُّبُ المعالي الموجبة لإيقاع تلك الغريزة في محلها. وما صرحت به من أن الخلق غريزةٌ هو المنقول عن ابن مسعود؛ فإنه جعله جِبلَّة كاللونِ وبعضِ أجزاء الجسم، وقال: (فرغ ربك من أربعة: الخَلْق، والخُلُق،

стр. 357

والرزق، والأجل) (١)، وعن الحسن؛ فإنه قال: من أُعطي حسن صورة، وخلقًا حسنًا، وزوجة صالحةً. . فقد أُعطي خيري الدنيا والآخرة، بل هو الوارد عنه ﷺ ؛ لقوله: "إن اللَّه قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم" (٢)، وقوله: "اللهم؛ كما حسَّنت خَلْقي، فحسِّن خُلُقي" (٣). وأما قول جَمْعٍ: أخلاق العبد حسنها وسيئها إنما هي من كسبه واختياره، فيحمد ويثاب على جميلها، ويذم ويعاقب على سيئها، وإلا. . لبطل الأمر به في: "وخالق الناس بخلق حسن" لاستحالته في المطبوع عليه العبد كاستحالة أمر الأعمى بالإبصار. . فيرد بأن ذلك لا حجة فيه؛ لِمَا قررناه: أن أصله جِبِلِّيٌّ، وأما استعماله فيما أُمر به العبدُ وصرفه عمَّا نُهي عنه. . فاكتسابيٌّ. على أنه قد يقال: لا خلاف في المعنى، فمن قال: إنه جِبِلِّي. . نظر إلى أصله، ومن قال: إنه مكتسبٌ. . نظر إلى ما يستعمل فيه، وبذلك يجمع أيضًا بين الحديثين السابقين آنفًا الدالَّينِ على أنه جِبِلِّي، والحديث السابق قبلهما: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا"، و"إن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم" الدال على أنه مكتسب. ولا يستدل باكتسابه ولا بكونه جِبِلَّة على اكتساب الولاية والنبوة، ومن استدل بذلك على هذا. . فقد وهِم؛ لما بينهما من الفرق الواضح؛ لأن الاكتساب ثَمَّ له دخلٌ وإن قلنا: إنه غريزةٌ، وأما في هذين. . فلا دخل لاكتساب العبد فيهما بوجهٍ، فكم من عاملٍ لم ينل منهما شيئًا؛ لأنهما محض تولِّي الحق للولي أو النبي، وهذا التولِّي من جَعْله تعالى وإنعامه وفضله، فلا دخل لفعل العبد فيه بوجه، ومن ثم يكفر من قال: إن النبوة مكتسبة (٤).

стр. 358

ثم وجهُ إفرادِهِ بالذِّكر -مع أنه من خصال التقوى ولا تتم إلا به-: الردُّ على من يظن أنها القيام بحقوق اللَّه تعالى فقط؛ إذ كثيرًا ما يغلب على من يعتني بالقيام بحقوقه والانعكاف على محبته وخشيته إهمالُ حقوق العباد بالكلية، أو التقصير فيها، وما دَرَى أن الجمع بين الحقَّيْن عزيزٌ جدًا، لا يقوى عليه إلا الكُمَّل من الأنبياء والصِّديقين. ومن ثم فسروا الصالح الذي يدعو له كل مُصلٍّ في تشهده بأنه القائم بهما، وفي ذلك مناسبةٌ تامةٌ لحال معاذ؛ فإنه وصَّاه بذلك عند بعثه إلى اليمن معلِّمًا لهم وقاضيًا، ومَنْ هو كذلك. . يضطر لمخالطة الناس بخلقٍ حسن، ويحتاج لذلك ما لا يحتاجه من لا يخالطهم. (رواه الترمذي) -بكسر الفوقية والميم، وقيل: بضمهما- في "جامعه" (وقال: حديث حسن) وقد قاله ﷺ لأبي ذر لما جاء إليه وهو مختفٍ بمكة، فأسلم وأراد المقام معه ﷺ ، وحرص عليه، فعلم ﷺ أنه لا يقدر عليه، فأمره أن يلحق بقومه عسى أن ينفعهم اللَّه تعالى به، وقال له: "اتق اللَّه حيث كنت. . . " الحديث. ولمعاذ لمَّا بعثه إلى اليمن كما مر آنفًا، وقد امتثل ﵁ هذه الوصية، ومن ثم لما بعثه عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه على عمل. . قدم منه وليس معه شيء، فعاتبته امرأته، فقال لها: (كان لي ضاغط) أي: من يضيِّق عليَّ ويمنعني من أخذ شيءٍ، وأراد ربه ، فظنت امرأته أن عمر بعث معه رقيبًا، فقامت تشكوه إلى الناس (١). وهو جامعٌ لسائر أحكام الشريعة؛ إذ هي لا تخرج عن الأمر والنهي، فهو كل الإسلام؛ لأنه متضمنٌ لما تضمنه حديث جبريل من الإسلام والإيمان والإحسان، ولما تضمنه غيره من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام مما سبق ويأتي، على أن فيه

стр. 359

تفصيلًا بديعًا؛ فإنه اشتمل على ثلاثة أحكام، كلٌّ منها جامعٌ في بابه، ومرتبٌ على ما قبله. أولها: يتعلق بحقوق اللَّه تعالى بالذات، وبغيرها بطريق التبع، وهو التقوى. وثانيها: يتعلق بحق المكلف كذلك. وثالثها: يتعلق بحقوق الناس كذلك. (وفي بعض النسخ) أي: نسخ "الجامع": (حسن صحيح) وهذه العبارة تقع للترمذي في "جامعه" كثيرًا، ولغيره كالبخاري قليلًا، واستشكل الجمع بينهما مع ما بينهما من التضاد: فإن الصحيح: هو الذي اتصل سنده، بأن يكون كلٌّ من رواته سمع ذلك المروي من شيخه، مع اتصاف كلٍّ منهم بالعدالة، وبالضبط، بأن يكون يقظًا متقنًا، ومع السلامة من الشذوذ، بألَّا يخالف الراوي في روايته مَنْ هو أرجحُ منه عند تعسُّر الجمع بين الروايتين، فمتى أثبت الراوي عن شيخه شيئًا فنفاه مَنْ هو أحفظ أو أكثر عددًا أو أكثر ملازمةً منه. . سُمي مرويُّهُ شاذًا، وفي قبول مثل هذا خلافٌ؛ فالفقهاء والأصوليون يقبلونه ويقولون: المثبِت مقدَّمٌ على النافي، والمحدثون ووافقهم الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه يردونه، ويقولون: الجماعة أولى بالحفظ من الواحد؛ أي: لأن تطرُّق السهو إليه أقرب من تطرُّقه إليهم؛ وحينئذٍ فَرَدُّ قولِ الجماعة بقول الواحد. . بعيدٌ. ومع السلامة من العلة القادحة (١)؛ كالإرسال الخفي والاضطراب. والحسن لذاته: يشترط فيه هذه الشروط الخمسة إلا في الشرط الثالث، وهو الضبط، فراوي الصحيح يشترط أن يكون موصوفًا بالضبط الكامل كما تقرر، وراوي الحسن لا يشترط أن يبلغ تلك الدرجة وإن كان ليس عَرِيًّا عن الضبط في الجملة. وأما مطلق الحسن: فهو الذي اتصل سنده بالصدوق الضابط المتقن غيرَ تامِّهما، أو بالضعيف بما عدا الكذب إذا اعتضد، مع خلو القسمين عن الشذوذ والعلة.

стр. 360

إذا تقرر ذلك. . ظهر وجه استشكال الجمع، وقد أجاب المحدثون عنه بأجوبةٍ كلها مدخولة، كما هي مبينة في شروح "ألفية الحديث" وغيرها. وأقومها: أن ما قيل ذلك فيه: إن كان له سندان. . كان وصفه بالحسن من جهة أحدهما، وبالصحة من جهة الآخر، وحينئذٍ فما قيل فيه: (حسن صحيح) أقوى مما قيل فيه: (صحيح) لأن كثرة الطرق تقوِّيه. وإن كان له إسنادٌ واحدٌ. . كان وصفه بهما من حيث تردد أئمة الحديث في حال ناقله؛ لأن ذلك يحمل المجتهد على أنه لا يصفه بأحد الوصفين، بل يقول: حسن؛ أي: باعتبار وصف ناقله عند قوم، صحيحٌ باعتبار وصفه عند آخرين، وغايته أنه حذف منه حرف التردد؛ لأن حقه أن يقول فيه: (حسن أو صحيح)، وعلى هذا: فما قيل فيه: (حسن صحيح) دون ما قيل فيه: (صحيح) لأن الجزم أقوى من التردد. وبهذا يعلم أن قول الترمذي كثيرًا: (هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ لا نعرفه إلا من هذا الوجه). . لا ينافي الجواب المذكور، خلافًا لمن زعمه؛ لما علمت أنه إذا قيل ذلك في ذي إسنادٍ واحدٍ. . كان باعتبار اختلاف الأئمة في حال ناقله، أو في ذي إسنادين. . كان باعتبارهما. وأشار المصنف رحمه اللَّه تعالى بقوله: (وفي بعض النسخ. . . إلخ) إلى أن نسخ "الترمذي" تختلف كثيرًا في التحسين والتصحيح، فقد يوجد عقب حديث في نسخةٍ (حسن) وفي أخرى: (حسن صحيح) وفي أخرى: (حسن غريب) وسبب ذلك: اختلاف الرواة عنه لكتابه والضابطين له. ثم تحسينه لهذا الحديث مقدَّمٌ على ترجيح الدارقطني إرسالَه (١)؛ للقاعدة المقررة: أن المسنِد لزيادة علمه مقدمٌ على المرسِل. وأما تصحيحه له في تلك النسخة. . فيوافقه قول الحاكم: (إنه على شرط الشيخين) لكن وُهِم بأن ميمونًا أحدَ رواته لم يخرج له البخاري شيئًا، ولم يصح سماعه من أحدٍ من الصحابة، فلم يوجد فيه شرط البخاري، ويؤيد تحسين الترمذي:

стр. 361

أنه ورد لهذا الحديث طرقٌ متعددةٌ عند أحمد، والبزار، والطبراني (١)، والحاكم، وابن عبد البر (٢)، وغيرهم يفيد مجموعها حسنه (٣). * * *

стр. 362

الحديث التاسع عشر [نصيحةٌ نبويةٌ لترسيخ العقيدة الإسلامية] عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَاسٍ ﵄ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: "يَا غُلَامُ؛ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ. . فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ. . فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ. . لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ. . لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (١). وَفَي رِوَايَةِ غَيْرِ التِّرْمِذِيِّ: "احْفَظِ اللَّه تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَاَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ ليُخْطِئَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ: وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرَبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" (٢). (عن) حبر الأمة وبحر العلم أبي الخلفاء وترجمان القرآن (أبي العباس عبد اللَّه بن عباس) عم النبي ﷺ ﵄ ولد قبل الهجرة بثلاث سنين بالشعب وبنو هاشم محصورون فيه قبل خروجهم منه بيسير، وتوفي رسول اللَّه ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل: ابن خمس عشرة، وصححه

стр. 363

أحمد، وقيل: ابن عشر، ويؤيد الأول: ما صح عنه من قوله في حجة الوداع: (وأنا يومئذٍ قد ناهزت الاحتلام) (١). وصح عنه ﷺ أنه قال: "اللهم؛ فقِّهه في الدين، وعلِّمه التأويل" (٢)، "اللهم؛ علمه الحكمة، وتأويل القرآن" (٣)، "اللهم؛ بارك فيه، وانشر منه، واجعله من عبادك الصالحين" (٤)، "اللهم؛ زده علمًا وفقهًا" (٥). وثبت عنه أنه قال: (رأيت جبريل مرتين) (٦)، وهذا سبب عماه في آخر عمره؛ فإنه ورد أنه سأل النبي ﷺ عمن رآه معه ولم يعرفه، فقال له: "ذاك جبريل، أما إنه سيفقد بصرك" (٧). وكان عمر يقول: (ابن عباسٍ فتى الكهول، له لسانٌ سؤول، وقلبٌ عقول) (٨) وكان يحبه ويدنيه من مجلسه، ويدخله مع كبار الصحابة، ويستشيره، ويعُدُّه للمعضلات. وقال ابن مسعود: (نِعْم ترجمان القرآن ابن عباس، لو أدرك أسناننا. . ما عاشره منَّا أحد) (٩).

стр. 364

وقال مسروق: (أدركت خمس مئةٍ من الصحابة إذا خالفوا ابن عباس. . لم يزل يقررهم حتى يرجعوا إلى ما قال، وقال: كنت إذا رأيتَه. . قلتَ: أحلم الناس، وإذا تكلَّم. . قلت: أفصح الناس، وإذا حدَّث. . قلت: أعلم الناس) (١). وقال عمرو بن دينار: (ما رأيت مجلسًا أجمع لكل خيرٍ من مجلس ابن عباس) (٢). وروي: أنه لمَّا وُضِع ليُصلَّى عليه. . جاء طائر أبيض، فوقع على أكفانه ثم دخل، فالتُمس فلم يوجد، فلما سُوِّي عليه. . سُمع قائلٌ يقول: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ الآيةَ (٣). روي له ألف حديثٍ وستُّ مئةٍ وستون، اتفقا منها على خمسةٍ وتسعين، وانفرد البخاري بثمانيةٍ وعشرين، ومسلم بتسعةٍ وأربعين. مات بالطائف ودفن بها سنة ثمان وستين في خلافة ابن الزبير رضي اللَّه تعالى عنهم، وقيل: سنة تسع، وقيل: سنة سبعين، وصلى عليه محمد ابن الحنفية، وقال: (مات ربانيُّ هذه الأمة) (٤). ومناقبه رضي اللَّه تعالى عنه أكثر من أن تحصر، وأظهر من أن تشهر؛ لِمَا حفَّه من تلك الدعوات الباهرة، وظهر على غرر فضائله من الخصوصيات الظاهرة، المسبوقة بالتوفيق من الصغر، والمصحوبة بالفقه في الكبر؛ فقد استأذنه ﷺ وهو على يمينه حين شرب فقال: "أتأذن لي أن أُعطي الأشياخ؟ " أي: أبا بكر وعمر وغيرهما، فقال: واللَّه لا أُوثر بنصيبي منك أحدًا، فتلَّ القدح في يده (٥). (قال: كنت خلف النبي ﷺ [يومًا]) (٦) أي: على دابته؛ كما

стр. 365

في روايةٍ (١)، ففيه جواز الإرداف على الدابة إن أطاقته. (فقال: يا غلامُ) بضم الميم؛ لأنه نكرةٌ مقصودةٌ؛ وهو الصبي من حين يفطم إلى تسع سنين، وسنُّه إذ ذاك كان نحو عشر سنين، وفي رواية: "يا غُلَيِّم" (٢) وهو تصغير حُنوٍّ وترفُّقٍ أو تعظيمٍ باعتبار ما يؤول إليه حاله. (إني أعلمك كلمات) ينفعك اللَّه بهنَّ؛ كما في رواية أخرى؛ أي: تعلَّمْهن وعلِّمْهن، فيه ذكر العالم للمتعلم أنه يريد أن يعلمه وينبهه على ذلك قبل فعله؛ ليكون أوقع في نفسه، فيشتد تشوقه إليه، وتُقبل نفسه عليه، فهو مقدمةٌ استرعى بها سمعه؛ ليفهم ما يسمع، ويقع منه بموقع، وجاء بها بصيغة القلة (٣)؛ ليؤذنه بأنها قليلة اللفظ فيسهل حفظها، وآذنه بعظيم خطرها، ورفعة محلها بتنوينها تنوين التعظيم (٤). وتأهيلُهُ لهذه الوصايا الخطيرة القدر، الجامعة من الأحكام والحِكَم والمعارف ما يفوق الحصر. . دليلٌ أيُّ دليلٍ على أنه ﷺ عَلِمَ ما سيؤول إليه أمرُ ابن عباسٍ من العلم والمعرفة، وكمال الأخلاق والأحوال الباطنة والظاهرة. (احفظ اللَّه) بحفظ فرائضه وحدوده، وملازمة تقواه، واجتناب نهيه وما لا يرضاه. (يحفظك) في نفسك وأهلك ودنياك ودينك، سيما عند الموت؛ إذ الجزاء من جنس العمل، ومنه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾. وفي "الصحيحين": أنه ﷺ أمر البراء بن عازب أن يقول عند منامه: "رب؛ إن قبضت نفسي. . فارحمها، وإن أرسلتها. . فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" (٥).

стр. 366

وهذا من أبلغ العبارات وأوجزها، وأجمعها لسائر أحكام الشريعة قليلها وكثيرها، فهو من بدائع جوامع كلمه ﷺ التي اختصَّه اللَّه تعالى بها. وقد مدح اللَّه تعالى الحافظين لحدوده فقال: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾، وخُصَّت أعمالٌ بالتنصيص على حفظها اعتناءً بشأنها فمنها: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ الآيات، وخبر: "لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" (١)، وخبر: "احفظوا أيمانكم" أي: لكثرة الحنث فيها، وخبر: "الاستحياء من اللَّه حق الحياء: أن يحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى" (٢). (احفظ اللَّه) بما مر (تجده تُجاهَك) أصله: وُجاهك بضم واوه وكسرها، ثم قُلِبت تاءً؛ كما في (تراث) وهو بمعنى أمامك كما في الرواية الآتية؛ أي: تجده معك بالحفظ والإحاطة، والتأييد والإعانة حيثما كنت، فتأنس به وتستغني به عن خلقه، فهو تأكيدٌ لما قبله؛ إذ هو بمعناه المستنبط من الآيات السابقة، وهذا من المجاز البليغ؛ لاستحالة الجهة عليه تعالى، فهو على حدِّ: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فالمعية هنا معنويةٌ لا ظرفية (٣). وخُصَّ الأمام من بين بقية الجهات الست؛ إشعارًا بشرف المقصد، وبأن الإنسان مسافرٌ إلى الآخرة غير قارٍّ في الدنيا (٤)، والمسافر إنما يطلب أمامه لا غير، فكان المعنى: تجده حيثما توجهت وتيممت وقصدت من أمر الدين والدنيا. (إذا سألت) شيئًا، أي: أردت سؤاله (فاسأل اللَّه) أن يعطيك إياه:

стр. 367

﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ولا تسأل غيره؛ فإن خزائن الجود بيده، وأزِمَّتها إليه؛ إذ لا قادر ولا معطي ولا متفضِّل غيره، فهو أحق أن يقصد، سيما وقد قسم الرزق وقدَّره لكل أحدٍ بحسب ما أراده له، لا يتقدَّم ولا يتأخَّر، ولا يزيد ولا ينقص، بحسب علمه القديم الأزلي وإن كان قد يقع في ذلك تبديل في اللوح المحفوظ بحسب تعليق على شرط، ومن ثَمَّ كان للسؤال فائدة؛ لاحتمال أن يكون إعطاءُ المسؤول معلقًا على سؤاله. وروي: أنه لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾. . قالت الملائكة: هلكت بنو آدم، أغضبوا الرب حتى أقسم لهم على أرزاقهم. وقال ﷺ : "إن الروح الأمين ألقى في رُوعي: أنه لن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها، فاتقوا اللَّه، وأجملوا في الطلب" (١) أي: طلب الحلال، فمع النظر لذلك لا فائدة في سؤال الخلق مع التعويل عليهم؛ فإن قلوبهم كلها بيد اللَّه يصرفها على حسب إرادته، فوجب ألَّا يعتمد في أمرٍ من الأمور إلا عليه ؛ فإنه المعطي المانع، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، له الخلق والأمر، وبيد قدرته النفع والضر، وهو على كل شيءٍ قدير، فبقدر ما يميل القلب إلى مخلوقٍ يبعد عن مولاه؛ لضعف يقينه، ووقوعه في هُوَّة الغفلة عن حقائق الأمور التي تيقظ لها أصحاب التوكل واليقين، فأعرضوا عمَّا سواه، وأنزلوا جميع حوائجهم بباب كرمه وجوده؛ لأنه المتكفل لكل متوكلٍ بما يحبه ويتمناه؛ كما قال عز قائلًا: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ مع علمهم بما طلبه اللَّه تعالى من عباده من سؤاله، والرغبة فيما عنده، مع تبشيرهم بالإجابة في قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ومع ثنائه على مَنْ دعاه بغاية الذِّلة والخضوع والخشوع بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾.

стр. 368

وفي الحديث: "من لا يسأل اللَّه يغضب عليه" (١)، "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شِسْعَ نعله إذا انقطع" (٢). وخرج المحاملي وغيره: "قال اللَّه تعالى: من ذا الذي دعاني فلم أجبه، وسألني فلم أعطه، واستغفرني فلم أغفر له وأنا أرحم الراحمين؟! " (٣). ومع محبته لإلحاح السائلين كما جاء في الحديث (٤)، والمخلوق يغضب وينفر عند أدنى تكرار السؤال عليه، وقد قال تعالى لموسى صلى اللَّه على نبينا وعليه وسلم: (يا موسى؛ سلني في فى عائك -وجاء: في صلاتك- حتى ملحَ عجينك) (٥). أللَّه يغضبُ إنْ تركتَ سؤالَهُ ... وبنيُّ آدم حين يسأل يغضبُ (٦) فشتان ما بين هذين، وسُحقًا وطردًا لمن عَلِق بالأثر وأعرض عن العين. (وإذا استعنت) أي: طلبت الإعانة على أمرٍ من أمور الدنيا والآخرة (فاستعن باللَّه) لما علمت أنه القادر على كل شيء، وغيره عاجزٌ عن كل شيء، حتى عن جلب مصالح نفسه، ودفع مضارِّها، والاستعانةُ إنما تكون بقادرٍ على الإعانة، وأما من هو كَلٌّ على مولاه، لا قدرة له على إنفاذ ما يهواه لنفسه فضلًا عن غيره. . فكيف يُؤهَّل للاستعانة به، أو يستمسك بسببه؟! قال : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قدَّم المعمول؛ ليفيد الحصر والاختصاص، فمن أعانه تعالى. . فهو المعان، ومن خذله. . فهو المخذول، ومن ثَمَّ كانت (لا حول ولا قوة إلا باللَّه) كنزًا

стр. 369

من كنوز الجنة (١)؛ لتضمُّنها براءةَ النفس من حولها وقوتها إلى حول اللَّه وقوته. وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: (لا تستعن بغير اللَّه يكلك اللَّه إليه) (٢). (واعلم أن الأمة) المراد بها هنا: سائر المخلوقين؛ كما صرَّحتْ به رواية أحمد الآتية، وأما مدلولها وضعًا. . فالجماعة، وأتباع الأنبياء، والرجل الجامع للخير المُقتدَى به، والدين، والملَّة؛ نحو: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ والزمان؛ نحو: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ والرجل المنفرد بدينه الذي لم يَشْرَكه أحدٌ فيه؛ كقوله ﷺ : "يُبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمةً وحده" (٣) والأمُّ؛ كـ (هذه أُمّة زيدٍ) أي: أم زيد. (لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ. . لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه اللَّه) تعالى (لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ. . لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه اللَّه) تعالى (عليك) كما يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآيةَ، والمعنى: وحِّد اللَّه تعالى في لحوق الضُّرِّ والنفع؛ فهو الضارُّ النافع، ليس لأحدٍ معه في ذلك شيء؛ لِمَا تقرَّر: أن أَزِمَّة الموجودات بيده منعًا وإطلاقًا، فإذا أراد غيرُك ضرَّك بما لم يُكتَب عليك. . دفعه اللَّه تعالى عنك بصرف ذلك الغير عن مراده بعارضٍ من عوارض القدرة الباهرة مانعٍ من الفعل من أصله: كمرضٍ، أو نسيانٍ، أو صرف قلب، أو من تأثيره: ككسر قوسه، وفساد رميه، وخطأ سهمه. فعلم أن هذا تقريرٌ وتاكيدٌ لما قبله من الإيمان بالقَدَر خيره وشره، وتوحيده في لحوق الضُّرِّ والنفع على أبلغ برهان (٤)، وأوضح بيان، وحثٌّ على التوكل والاعتماد على اللَّه في جميع الأمور. وعلى شهود أنه سبحانه

стр. 370

وتعالى وحده هو المؤثِّر في الوجود، النافع الضار، وغيره ليس له من النفع ولا من الضر شيء. وعلى الإعراض عما سواه (١)؛ إذ من تيقَّن ذلك. . لم يشهد ضره ونفعه إلا من مولاه، ولم ينزل حاجته إلا به ، كما وقع لإبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام لمَّا أُلقي في المنجنيق ليُلقى في النار؛ فإن جبريل جاءه حينئذٍ وقال له: ألك حاجة؟ فقال: (أما إليك. . فلا) (٢). ونعوذ باللَّه من اعتقاد نفعٍ أو ضرٍّ في غيره تعالى؛ فإن ذلك هو عين الشرك الأصغر بل الأكبر كما لا يخفى. وقوله: "كتبه اللَّه لك" و: "كتبه عليك" موافقٌ لما مر من قوله ﷺ : "فيكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد" (٣). (رفعت الأقلام) أي: تركت الكتابة بها؛ لفراغ الأمر وانبرامه كما سيأتي. (وجفت) بالجيم (الصحف) أي: التي فيها مقادير الكائنات، كاللوح المحفوظ؛ أي: فرغ من الأمر، وجفت كتابته؛ لأن الصحيفة حالَ كتابتها لا بد أن تكون رطبةَ المداد أو بعضه، فلم يمكن بعد ذلك أن يكتب فيها تبديلٌ (٤) أو نسخٌ لما كتب من ذلك واستقر؛ لمَا أنها أمور ثابتةٌ لا تبدَّل ولا تغيَّر عما هي عليه، فذلك كناية عن تقدُّم كتابة المقادير كلها، والفراغ منها من أمدٍ بعيدٍ، وهذا من أحسن الكنايات وأبلغها. وقد دل الكتاب والسُّنة على ذلك، فمن علم ذلك وشهده بعين بصيرته. . هان عليه التوكل على خالقه، والإعراض عما سواه، ويشهد لذلك الرفعِ والجفافِ: ما رواه ابن العربي بسنده: أنه ﷺ قال: "أول ما خلق اللَّه القلم، ثم خلق النون -وهي الدواة- وذلك قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ ثم قال له: اكتب، قال:

стр. 371

وما أكتب؛ قال: ما كان وما هو كائنٌ إلى يوم القيامة؛ من عملٍ، أو أجلٍ، أو رزقٍ، أو أثرٍ، فجرى القلم بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، ثم ختم العمل، فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل، فقال الجبار: ما خلقت خلقًا أعجب إليَّ منك، وعزتي؛ لأكملنك فيمن أحببتُ، ولأنقصنك فيمن أبغضتُ، ثم قال ﷺ : أكمل الناس عقلًا أطوعهم للَّه وأعملهم بطاعته" (١). وروى مسلم: "إن اللَّه كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماء والأرض بخمسين ألف سنة" (٢). وفيه أيضًا: يا رسول اللَّه؛ فيم العمل اليوم، أفيما جفَّت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما يستقبل؟ قال: "بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير" قال: ففيم العمل؟ قال: "اعملوا؛ فكلٌّ ميسرٌ لِمَا خُلِق له" (٣). وأخرج أحمد وأبو داوود والترمذي: "أول ما خلق اللَّه تعالى القلم، ثم قال له: اكتب، [فجرى] في تلك الساعة بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة" (٤). قيل: وأول من كتب العربي وغيره آدم، وقيل: إسماعيل هو أول من كتب العربي، وقيل: غيرهما، ولم يصح في ذلك شيءٌ، وقولُ الكلبي: أول من وضع الخط نفرٌ من طيئ. . مردودٌ؛ لأنه لا يوثق بنقله. (رواه) جماعةٌ من عدة طرقٍ عن ابن عباس، وجاء: أنه ﷺ وصاه بذلك عن علي، وأبي سعيد، وسهل بن سعد (٥)، وعبد اللَّه بن جعفر، وفي أسانيدها كلها ضعفٌ، قال ابن منده وغيره: وأصح الطرق كلها الطريق التي أخرجها (الترمذي، وقال: حسن صحيح).

стр. 372

وهو باعتبار طريقيه حديثٌ عظيم الموقع، وأصلٌ كبيرٌ في رعاية حقوق اللَّه تعالى، والتفويض لأمره، والتوكل عليه، وشهود توحيده وتفرده، وعجز الخلق وافتقارهم إليه، وبهذا التقرير يصح أن يدعى في مثل هذا الحديث أنه نصف الإسلام، بل كله؛ لأن التكاليف إما أن تتعلق باللَّه أو بغيره، وهذا فيه بيانٌ لجميع ما يتعلق به تعالى صريحًا، وبغيره استلزامًا، على أن ذلك كله مفهومٌ من أول جملةٍ فيه، وهي: "احفظ اللَّه يحفظك". وفيه أيضًا: التصريح بجملٍ مستكثرةٍ مما يتعلق بحقوق الآدميين، أشير إليها بذكر الصبر وما بعده، ولذلك أفرد الكلام عليه بتصنيفٍ مستقلٍّ. (وفي رواية غير الترمذي) وهو عبد بن حُمَيْد في "مسنده" لكن بإسناد ضعيف (١)، ورواه أحمد، لكن بإسنادين منقطعين، ولفظه: "يا غلام، أو يا غُليم؛ ألا أعلمك كلماتٍ ينفعك اللَّه بهنَّ؟ " فقلت: بلى، فقال: "احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده أمامك، تعرَّف إلى اللَّه في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت. . فاسأل اللَّه، وإذا استعنت. . فاستعن باللَّه، قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلهم جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيءٍ لم يقضه اللَّه. . لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيءٍ لم يكتبه اللَّه عليك. . لم يقدروا عليه، واعلم أن [في] الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا" (٢). وهذا أتم من حديث عبد بن حميد الذي ذكره المصنف بقوله: (احفظ اللَّه تجده أمامك) ومر الكلام على ذلك. (تعرف) بتشديد الراء؛ أي: تحبَّب (إلى اللَّه في الرخاء) بالدأب في الطاعات، والإنفاق في وجوه القُرب والمثوبات؛ حتى تكون متصفًا عنده بذلك، معروفًا به. (يعرفك في الشدة) بتفريجها عنك، وجعله لك من كل ضيقٍ فرجًا، ومن كل همٍّ مخرجًا، بواسطة ما سلف منك من ذلك التعرف؛ كما وقع للثلاثة الذين أصابهم المطر، فأووا إلى غارٍ، فانحدرت صخرةٌ فانطبقت عليهم، فقالوا: انظروا ماذا

стр. 373

عملتم من الأعمال الصالحة، فاسألوا اللَّه بها فإنه ينجيكم، فذكر كلٌّ منهم سابقةَ عملٍ صالحٍ سبق له مع ربه، فانحدرت الصخرة وخرجوا يمشون. رواه البخاري وغيره (١). وقيل: يجوز أن يكون على حذف مضاف؛ أي: تعرف لملائكته في الرخاء بالتزامك لطاعته، وإظهار عبادته يعرفك في الشدة بواسطة شفاعتهم عنده في تفريج كربك وغمك، ويدل لذلك ما في الحديث: (أن من له دعاء حال الرخاء إذا دعا به حال الشدة. . قالت الملائكة: ربنا؛ هذا صوتٌ نعرفه، وإذا لم يدعُ حال الرخاء ودعا حال الشدة. . قالوا: ربنا؛ هذا صوتٌ لم نعرفه) اهـ (٢) وهذا تكلفٌ، والحديث بتقدير صحته لا يؤيده كما هو ظاهر، فالأَولى: ما تقرر أولًا. ثم كلٌّ من معرفة العبد وربه عامة وخاصة؛ فمعرفة العبد العامة: هي الإقرار بوحدانية اللَّه تعالى وربوبيته، والإيمان به، والخاصة: هي الانقطاع إليه، والأُنس به، والطمأنينة بذكره، والحياء منه، وشهوده في كل حال. ومعرفته العامة: هي علمه بعباده، واطلاعه على ما أسَرُّوه وأعلنوه، والخاصة: هي محبته لعبده، وتقريبه إليه ، وإجابة دعائه، وإنجاؤه من الشدائد، فلا يظفر بهذه الخاصة إلا من تحلَّى بتلك الخاصة. (واعلم أن ما أخطأك) من المقادير فلم يصل إليك (لم يكن) مقدرًا عليك (ليصيبك) لأنه بان بكونه أخطأك أنه مقدَّرٌ على غيرك. (وما أصابك) منها (لم يكن) مقدَّرًا على غيرك (ليخطئك) وإنما هو مقدرٌ عليك؛ إذ لا يصيب الإنسان إلا ما قدر عليه، ومعنى ذلك: أنه قد فرغ مما أصابك أو أخطأك من خيرٍ أو شرٍ، فما إصابتُه لك محتومةٌ. . لا يمكن أن يخطئك، وما أخطأك. . فسلامتك منه محتومة، فلا يمكن أن يصيبك؛ لأنها سهامٌ صائبةٌ

стр. 374

وُجِّهت من الأزل، فلا بد أن تقع مواقعها، ومن ثم قال ﷺ : "إن لكل شيءٍ حقيقة، وما بلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه" رواه أحمد (١). ففي ذلك تقريرٌ وحضٌّ على تفويض الأمور كلها إلى اللَّه ، مع شهود أنه الفاعل لما يشاء، وأن ما قضاه وأبرمه لا يمكن أن يتعدَّى حده المقدر له، وهذا راجعٌ لقوله : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ الآيةَ، ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾. واستفيد من ذلك أن كل أمرٍ بالنسبة إلى كل إنسانٍ هو لذاته جائزٌ أن يصيبه وأن يخطئه على جهة الإمكان الخاص، وإنما يتعيَّن أحدهما بتعلق الإرادة والعلم الأزليين به. واختلف المتكلمون فيما إذا تعلق علم اللَّه بوقوع ممكنٍ أو عدمه؛ هل يبقى خلاف ما تعلق به مقدورًا؟ قيل: نعم، وقيل: لا. ثم مدار هذه الوصية كلها على هذا الأصل؛ إذ ما قبله وما بعده مفرَّعٌ عليه، وراجعٌ إليه؛ فإن من علم أنه لن يصيبه إلا ما كُتب له من خيرٍ وشرٍّ، ونفع وضرٍّ، وأن اجتهاد الخلق كلهم بخلاف المقدور لا يفيد شيئًا ألبتة. . عَلِم أن اللَّه وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأفْرَدَهُ بالطاعة، وحفظ حدوده، وخافه، ورجاه، وأحبه، وقدَّم طاعته على طاعة خلقه كلهم، وأفرَدَهُ بالاستعانة به، والسؤال له، والتضرع إليه، والرضا بقضائه في حال الشدة والرخاء. وفي رواية: "فإن استطعت أن تعمل للَّه بالرضا في اليقين. . فافعل، وإن لم تستطع. . فإن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا" (٢). وفي أخرى بعد هذا: قلت: يا رسول اللَّه؛ كيف أصنع باليقين؟ قال: "أن

стр. 375

تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك" فإذا أنت أحكمت باب اليقين؛ أي: إنَّ تيقُّن القلب بالقضاء المبرم يُعينه على الرضا بما أصابه، وهذا هو الكمال المطلق، فمن لم يصل إليه. . فليتجرَّعِ الصبر؛ فإن فيه خيرًا كثيرًا. وأخرج الترمذي: "أن اللَّه إذا أحبَّ قومًا. . ابتلاهم، فمن رضي. . فله الرضا، ومن سخط. . فله السخط" (١). (واعلم) تنبيهٌ على أن الإنسان في هذه الدار ولا سيما الصالحون معرَّضون للمحن والمصائب، وطروق المنغصات والمتاعب؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ الآيات، فينبغي للإنسان أن يصبر ويحتسب، ويرضى بالقضاء والقدر، وينتظر وعد اللَّه تعالى له بأن عليه صلوات من ربه ورحمة، وبأنه المهتدي. (أن النصر) من اللَّه للعبد على جميع أعداء دينه ودنياه إنما يوجد (مع الصبر) على طاعته وعن معصيته، فهو سببٌ للنصر؛ قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، ومن خيريَّته لهم كونه سببًا لنصرهم على أعدائهم ونفوسهم، ومن ثَمَّ كان الغالب على مَنِ انتصر لنفسه عدمَ النصر والظفر، وعلى مَنْ صبر ورضي بعلم اللَّه تعالى وحكمِه تعجيلَهما له كما هو المعهود من مزيد كرمه وإحسانه، وجاء في حديثٍ ضعيفٍ: "قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: "مجاهدة العبد لهواه" (٢). (وأن الفَرَج) يحصل سريعًا (مع الكرب) فلا دوام للكرب، وحينئذٍ فيحسن لمن نزل به أن يكون صابرًا محتسبًا، راجيًا سرعة الفرج مما نزل به، حسَنَ الظن بمولاه في جميع أموره؛ فإنه أرحم به من كل راحمٍ حتى من أمه وأبيه؛ إذ هو أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين. (وأن مع العسر يسرًا) كما نطق به قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ

стр. 376

يُسْرًا﴾، ومن ثم ورد عن جمعٍ من الصحابة وعنه ﷺ : "لن يغلب عسرٌ يسرين" (١) أي: لأن النكرة إذا أُعيدت. . كانت غير الأُولى، والمعرفة إذا أُعيدت. . كانت عين الأُولى غالبًا فيهما، وفهم بعضهم أن الآية من غير الغالب، أو نظر إلى مقابل الأصح الذي تقرر (٢)، فقال: هما عسران أيضًا: عسر الدنيا ومعه يسر، وعسر الآخرة ومعه يسر، وأخرج البزار وابن أبي حاتم واللفظ له: "لو جاء العسر فدخل هذا الحجر. . لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه" فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (٣). ولا ينافي وقوع العسر لنا كما صرحت به هذه الآية عدمَ وقوعه كما صرح به قوله تعالى في آية الصيام: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ لاختلاف المراد بالعسرين، فالمثبت هو العسر في العوارض الدنيوية التي تطرق العبد مما لا يلائم النفس؛ كضيق الأرزاق، وتوالي المحن والفتن، وأخذ الأموال ظلمًا وجورًا، والمنفي هو العسر بالتكليف بالأحكام الشاقة؛ كما قال : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وما تقرر في (مع) في محالِّها الثلاثة من أنها على بابها. . هو الظاهر؛ إذ أواخر أوقات الصبر والكرب والعسر هي أول أوقات النصر والفرج واليسر، فقد تحققت المقارنة بينهما، وتكلَّف بعضهم فقال: إن نظرنا إلى العلم الأزلي. . كانت (مع) على أصلها؛ لاقتران النصر والصبر مثلًا في تعلُّق العلم الأزلي بهما؛ لاستحالة تعلقه بأحدهما قبل الآخر؛ لأنه لا ترتُّب فيه، لكنه يتعلق بان أحدهما سيقع بعد الآخر، وإن نظرنا إلى الوجود الحقيقي؛ يعني وقوع النصر والصبر مثلًا. . كانت (مع) بمعنى (بعد) لأن بينهما تضادًا أو نحوه، فلا تتصور المقارنة بينهما. اهـ

стр. 377

ويرد ما قاله مع ما فيه من التكلف والتمحُّل بأن النظر لتعلق العلم لا يحسن هنا؛ لأنه لا خصوصية لهذه الثلاثة (١)، بل تعلقه بجميع الموجودات تعلقٌ واحدٌ لا تقدم فيه لبعضها على بعضٍ، وعند النظر لهذا لا يكون في تخصيصه ﷺ المعية بهذه الثلاثة كبيرُ معنًى، وكلامه الشريف البالغ أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة بعد القرآن يجِلُّ عن ذلك. وأما النظر للوجود الحقيقي، وزعم أن (مع) حينئذٍ بمعنى (بعد) وأن المقارنة متعذرة؛ لما بينهما من التضاد أو شبهه. . فجميعه في محل المنع؛ لأنه مجرد دعوى لا دليل عليها؛ لما تُلِيَ عليك قبلُ من صحة كونها على بابها، وبيان وقوع المقارنة بينهما بالاعتبار السابق الدافع لدعوى تضادٍّ أو شبهةٍ بينهما. ومن لطائف اقتران الفرج بالكرب وأليسر بالعسر: أن الكرب إذا اشتد وتناهى. . أَيِس العبد من جميع المخلوقين، وتعلَّق قلبه باللَّه وحده، وهذا هو حقيقة التوكل، وقد قال : ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. * * *

стр. 378

الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان] عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرو الأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامَ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذاَ لَمْ تَسْتَحْي. . فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). (عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري) الخزرجي البجاري (٢) (البدري ﵁ نسبةً إلى بدرٍ سكنًا لا شهودًا مع رسول اللَّه ﷺ على الأصح الذي قال به الجمهور، لكن الذي ذهب إليه البخاري ومسلم وغيرهما أنه شهدها. نعم؛ شهد العقبة الثالثة مع السبعين، وكان أصغرَهم، وأُحُدًا وما بعدها من المشاهد، ونزل الكوفة وابتنى بها دارًا، وتوفي بالمدينة، وقيل: بالكوفة سنة إحدى أو اثنتين وأربعين، وقيل: في خلافة علي، وقيل: آخرَ خلافة معاوية. روي له مئة حديثٍ وحديثان، اتفقا على تسعة، وانفرد البخاري بواحد، ومسلم بسبعة. (قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى) أي: مما اتفقت عليه الشرائع؛ لأنه جاء في أولاها، ثم تتابعت بقيتها عليه، فالحياء لم يزل في شرائع الأنبياء الأولين ممدوحًا ومأمورًا به لم ينسخ في شرع، وفي حديث: "لم يدرك الناس من كلام النبوة الأولى إلا هذا" (٣).

стр. 379

(إذا لم تستحي) (١) من (حيي أو استحيى) فهو مستحْيٍ ومستحٍ (فاصنع ما شئت) أي: فإنك ستُجازى عليه، فهو أمر تهديدٍ ووعيدٍ لمن ترك الحياء، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾، أو المراد به: الخبر، كقوله ﷺ : "فليتبوأ مقعده من النار" (٢). ومعناه: أن عدم الحياء يوجب الاستهتار والانهماك في هتك الأستار، أو المراد: ما لا يستحى من اللَّه ولا من الناس في فعله إذا ظهر. . فافعله، وإلَّا. . فلا، فهو أمر إباحة، والأول أَولى وأظهر، ولم يذكر أحدٌ في هذه الآية غيره فيما نعلم. فعلم أن الحياء من أشرف الخصال، وأكمل الأحوال، ومن ثَمَّ قال ﷺ : "الحياء خيرٌ كله، الحياء لا يأتي إلا بخير" (٣)، وجاء أنه ﷺ (كان أشد حياءً من البكر في خدرها) (٤)، وصح: "إن الحياء شعبةٌ من الإيمان" (٥). وفي حديثٍ ضعيفٍ: "إذا أراد اللَّه بعبدٍ هلاكًا. . نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء. . لم تلقه إلا مقيتًا مُمقَّتًا -وفي رواية: إلا بغيضًا مبغضًا- فإذا كان مقيتًا ممقَّتًا. . نزع منه الأمانة فلم تلقه إلا خائنًا مخونًا، فإذا كان خائنًا مخونًا. . نزع منه الرحمة فلم تلقه إلا فظًا غليظًا، فإذا كان فظًا غليظًا. . نزع منه ربقة الإيمان من عنقه، فإذا نزع منه ربقة الإيمان من عنقه. . لم تلقه إلا شيطانًا لعينًا ملعنًا" (٦). لكن ينبغي أن يراعَى فيه القانون الشرعي؛ فإن منه ما يذم شرعًا؛ كالحياء المانع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع وجود شروطه؛ فإن هذا جبنٌ لا حياء،

стр. 380

ومثله الحياء في العلم المانع من سؤاله عن مهمات المسائل في الدين إذا أشكلت عليه، ومن ثَمَّ قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: (نِعْمَ النساء نساء الأنصار؛ لم يمنعهنَّ الحياء أن يسألن عن أمر دينهن) (١). وفي حديث: "إن ديننا هذا لا يصلح لمستحي -أي: حياء مذمومًا- ولا لمتكبر" (٢). ثم الحياء بالمد: انقباضٌ وخشيةٌ يجدها الإنسان من نفسه عندما يُطَّلَع منه على قبيح، وحُدَّ أيضًا بأنه: خُلُقٌ يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، وحدَّه إمام العارفين وسيد الطائفة أبو القاسم الجنيد قدس اللَّه روحه بأنه: (رؤية الآلاء -أي: النِّعم- ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى حياء) (٣). وأصله غريزيٌّ، وتمامه مكتسبٌ -كما أفاده بعض الأحاديث السابقة- من معرفة اللَّه ، ومعرفة عظمته، وقربه من عباده، وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهذا هو الذي كُلِّفنا به، وهو من أعلى خصال الإيمان، بل من أعلى درجات الإحسان، وقد يتولَّد الحياء من اللَّه من مطالعة نعمه، ورؤية التقصير في شكرها، كما أشار إليه الجنيد بما قدمناه عنه آنفًا؛ بخلاف الأول (٤)؛ لأنه ليس في الوسع، لكنه لكونه من أجلِّ الأخلاق التي يحبها اللَّه من العبد ويجبله عليها. . يحمل على المكتسب ويعين عليه، ولهذا قال ﷺ : "الحياء لا يأتي إلا بخير" أي: لأن من استحيى من الناس أن يروه يأتي بقبيحٍ. . دعاه ذلك إلى أن يكون أشد حياءً من ربه وخالقه ، فلا يضيع فريضة، ولا يرتكب معصية. ومن ثم قال ﷺ لمن رآه يعاتب أخاه في الحياء: "دعه؛ فإن الحياء من الإيمان" (٥) أي: من أسباب أصل الإيمان وأخلاق أهله؛ لمنعه من

стр. 381

الفواحش وحمله على البِرِّ والخير كما يمنع الإيمان صاحبه من ذلك (١). فعلم أن أول الحياء وأولاه الحياء من اللَّه ، وهو ألَّا يراك حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك، وأن كماله إنما ينشأ عن معرفته ومراقبته المعبر عنها بـ: "أن تعبد اللَّه كأنك تراه". ومن ثَمَّ روى الترمذي أنه ﷺ قال: "استحيوا من اللَّه حق الحياء" قالوا: إنا نستحيي والحمد للَّه، فقال: "ليس ذاك، ولكن الاستحياء من اللَّه حقَّ الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى (٢)، وأن تذكر الموت والبِلى، فمن فعل ذلك. . فقد استحيى من اللَّه حق الحياء" (٣). وأهل المعرفة في ذلك يتفاوتون بحسب تفاوت أحوالهم، وقد جمع اللَّه لنبيه ﷺ كمال نَوْعيه، فكان في الحياء الغريزي أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها، وفي الكسبي واصلًا إلى أعلى غايته وذروتها. (رواه البخاري) (٤) وبما تقرر في شرحه يُعلم أن عليه مدار الإسلام، وبيانه: أن فعل الإنسان إما أن يُستحيى منه، أو لا، فالأول: الحرام، والمكروه، والثاني: الواجب، والمندوب، والمباح، فقد تضمن الأحكام الخمسة ولم يشذَّ عنه منها شيءٌ. * * *

стр. 382

الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لبُّ الإسلام] عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَقِيلَ: أَبِي عَمْرَةَ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ قُلْ لِي فِي الإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ، قَالَ: "قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (عن أبي عمرو) بالواو (وقيل: أبي عمرة) بالهاء (سفيان) بتثليث أوله (ابن عبد اللَّه الثقفي رضي اللَّه) تعالى (عنه) معدودٌ من أهل الطائف، وكان عاملًا لعمر رضي اللَّه تعالى عنه عليه حين عزل عنه عثمان بن أبي العاص. روى له مسلم هذا الحديث والترمذي والنسائي وابن ماجه (٢). (قال: قلت: يا رسول اللَّه؛ قل لي في الإسلام) أي: في دينه وشريعته (قولًا) جامعًا لمعاني الدين، واضحًا في نفسه بحيث لا يحتاج إلى تفسير غيرك أعمل عليه وأكتفي به بحيث (لا أسأل) أي: لا يُحوِجني؛ لما اشتمل عليه من بديع الإحاطة والشمول، ونهاية الإيضاح والظهور إلى أن أسأل (عنه أحدًا غيرك، قال: قل: آمنت باللَّه) أي: جدِّد إيمانك متذكرًا بقلبك، ذاكرًا بلسانك؛ لتستحضر تفاصيل معاني الإيمان الشرعي التي مرت في حديث جبريل. (ثم استقم) على عمل الطاعات، والانتهاء عن جميع المخالفات؛ إذ لا تتأتى الاستقامة مع شيءٍ من الاعوجاج؛ فإنها ضده، وهاتان الجملتان منتزعتان من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ الآيةَ؛ أي: آمنوا به ووحَّدوه مع

стр. 383

شهود ألوهيته وتربيته لهم، ثم استقاموا واعتدلوا على ذلك وعلى طاعته عقدًا وقولًا وفعلًا، وداموا على ذلك إلى أن يتوفَّاهم عليه. ويؤيد ذلك قول عمر ﵁: (استقاموا واللَّه على طاعته ولم يروغوا روغان الثعالب) (١)، وقول أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنه: (لم يشركوا باللَّه شيئًا (٢)، ولم يلتفتوا إلى إلهٍ غيره) (٣)، أو: استقاموا على أن اللَّه ربهم. وقال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: (استقاموا على شهادة أن لا إله إلا اللَّه) (٤) وكذا قاله جماعة آخرون. والمراد بذلك كله (٥): الاستقامة على التوحيد الكامل، وهو مستلزمٌ للتحقق بجميع ما قلناه أولًا، ويؤيده: أنه جاء عن أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنه أنه فسَّرها أيضًا: بأنهم لم يلتفتوا إلى غير اللَّه تعالى، وهذا هو غاية الاستقامة ونهايتها. وجاء في حديثٍ آخر: "أيها الناس؛ إنكم لن تعملوا ولن تطيقوا كل ما أمرتكم به، ولكن سددوا وأبشروا" (٦) والسداد: هو الإصابة في الأقوال والأعمال والمقاصد، والإصابة في جميعها هي الاستقامة، فلو فعلوا ذلك. . لكانوا فعلوا ما أُمروا به كله، فالاستقامة هي الدرجة القصوى التي بها كمال المعارف والأحوال، وصفاء القلوب في الأعمال، وتنزيه العقائد عن سفاسف البدع والضلال (٧). ومن ثَمَّ قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: (من لم يكن مستقيمًا في حاله. . ضاع سعيه، وخاب جده) (٨). ونقل: (أنه لا يطيقها إلا الأكابر؛ لأنها الخروج عن المألوفات، ومفارقة الرسوم والعادات، والقيام بين يدي اللَّه على

стр. 384

حقيقة الصدق) (١)؛ ولعزتها أخبر ﷺ أن الناس لن يطيقوها، فقد أخرج أحمد: "استقيموا ولن تطيقوا" (٢). (رواه مسلم) وهو من بدائع جوامع الكلم التي اختصَّه اللَّه تعالى بها؛ فإنه ﷺ جمع لهذا السائل في هاتين الكلمتين جميع معاني الإيمان والإسلام اعتقادًا وقولًا وعملًا، كما أشرنا إلى ذلك كله في تقريرهما. وحاصله: أن الإسلام توحيدٌ وطاعةٌ، فالتوحيد حاصلٌ بالجملة الأولى، والطاعة بجميع أنواعها في ضمن الجملة الثانية؛ إذ الاستقامة: امتثال كل مأمورٍ، واجتناب كل منهيٍّ، ومن ثَمَّ قال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما في قوله : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾: (ما نزل على رسول اللَّه ﷺ في جميع القرآن آيةٌ كانت أشدَّ ولا أشقَّ عليه من هذه الآية) (٣) ولذلك قال ﷺ لأصحابه جمن قالوا له: قد أسرع إليك الشيب: "شيبتني هود وأخواتها" (٤)، وأخرج ابن أبي حاتم: لما نزلت هذه الآية. . (شمر رسول اللَّه ﷺ ، فما رُئي ضاحكًا) (٥). وزاد الترمذي في هذا الحديث زيادةً مهمةً وقال: حسن صحيح، وهي: قلت: يا رسول اللَّه؛ ما أخوف ما تخاف عليَّ؟ فأخذ بلسان نفسه وقال: "هذا" (٦) أي: تنبيهًا على أنَّ أعظمَ ما يُراعى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسانُ؛ فإنه ترجمان القلب، والمعبر به، ومن ثم أخرج أحمد: "لا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه" (٧). * * *

стр. 385

الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات] عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ ﵄: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَاتِ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ، وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا، أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: "نَعَمْ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). وَمَعْنَى: "حَرَّمْتُ الْحَرَامَ": اجْتَنَبْتُهُ، وَمَعْنَى: "أَحْلَلْتُ الْحَلَالَ": فَعَلْتُهُ مُعْتَقِدًا حِلَّهُ، واللَّهُ أَعْلَمُ. (عن أبي عبد اللَّه) ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حرام بمهملتين (الأنصاري) الخزرجي السَّلَمي بفتح السين واللام (رضي اللَّه) تعالى (عنهما) فأبوه صحابي، شهد العقبة -وهو أحد النقباء الاثني عشر- وبدرًا، واستشهد بأُحد، وأمه صحابية. شهد جابر العقبة الثانية مع أبيه صغيرًا، رُوي عنه أنه قال: (لم أشهد بدرًا ولا أُحدًا، منعني أبي، فلمَّا قتل أبي بأُحد. . لم أتخلَّف عن رسول اللَّه ﷺ في غزوةٍ قط) أخرجه مسلم (٢)، ولا ينافيه قول البخاري: إنه كان ينقل الماء يوم بدر (٣)، وجمع بأنه شهدها صغيرًا؛ فلذلك لم يعدَّ في البدريين، وكذا يقال فيمن قال: إنه شهد أُحدًا. استغفر له رسول اللَّه ﷺ (٤)، وحضر مع عليٍّ، وقدم الشام

стр. 386

ومصر، ثم لازم المدينة، وهو من الحفَّاظ المكثرين في الرواية، وممَّن طال عمره حتى كثر الأخذ عنه، وعمي آخرَ عمره. وتوفي عن أربعٍ وتسعين سنةً، سنةَ ثلاثٍ وسبعين، وقيل: ثمان وستين (١)، يقال: إنه آخر من مات من الصحابة بالمدينة. روي له ألفٌ وخمسُ مئة حديثٍ وأربعون حديثًا؛ اتفقا منها على ثمانيةٍ وخمسين، وانفرد البخاري بستةٍ وعشرين، ومسلم بمئةٍ وستةٍ وعشرين. (أن رجلًا) هو النعمان بن قوقل، بقافين مفتوحتين، بينهما واو ساكنة، وآخره لام، (سأل رسول اللَّه ﷺ فقال: أرأيت) من الرأي؛ أي: أترى وتُفتي بأني (إذا صليت المكتوبات) الخمس، من (كتب) بمعنى فرض وأوجب (وصمت رمضان) مر في شرح (الحديث الثاني) أن الأصح عندنا: أنه لا كراهة مطلقًا في ذكره عَرِيًّا عن الشهر كما هنا (٢). (وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًا) من التطوعات، وكأنه لم يذكر الزكاة والحج؛ لعدم فرضهما إذ ذاك، أو لكونه لم يخاطب بهما (أأدخل الجنة؟) (٣) أي: من غير عقابٍ كما هو ظاهرٌ من السياق والقواعد، إذ مطلق دخولها إنما يتوقف على التوحيد فقط؛ كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، وأما ما ثبت في أحاديث صحيحةٍ أيضًا من أن بعض الكبائر يمنع دخولها، كقطع الرحم، والكِبْر، والدَّيْن حتى يُقضى. . فمعناها: لا يدخلونها مع الناجين؛ لما صح: أن المؤمنين إذا جازوا على الصراط. . حُبسوا على قنطرةٍ حتى يقتصَّ منهم مظالم كانت بينهم في الدنيا (٤). (قال: نعم) تدخلها كذلك، فيه جواز ترك التطوعات رأسًا، وإن تمالأ عليه

стр. 387

أهل بلدٍ. . فلا يُقاتَلون، ومن قال: يقاتلون. . يحتاج لدليل، وكونه ﷺ (كان إذا سمع الأذان في بلدٍ. . لم يُغِرْ عليه، وإلَّا. . أغار) (١) لا يدل لذلك؛ لأن الأذان إذ ذاك كان علامةً على الإسلام، على أنه جرى لنا فيه قولٌ شهيرٌ: إنه فرض كفاية، فلو سُلِّم أن القتال كان على تركه. . لم يكن فيه دليلٌ على القتال على ترك السُّنة المتفق على كونها سنةً. نعم؛ في ترك التطوعات التي شُرعت لجبر نقص الفرائض، والزيادةِ المتقرب بها إلى اللَّه حتى يُحِب فاعلَها، فإذا أحبَّه. . كان سمعه الذي يسمع به. . . الحديث المشهور (٢). . تفويتٌ لربحها العظيم، وثوابها الجسيم، وإسقاطٌ للمروءة، وردٌّ للشهادة؛ لأن مداومة تركها تدل على نوع تهاونٍ بالدِّين. نعم؛ إن قصد بتركها الاستخفافَ بها والرغبة عنها. . كفر، وإنما ترك ﷺ تنبيهَهُ عليها تيسيرًا وتسهيلًا عليه؛ لقرب عهده بالإسلام وخشيةً من نفرته لو أكثر عليه، مع العلم بأنه إذا تمكَّن الإسلام من قلبه. . شرح اللَّه تعالى صدره، ورغب فيما رغب فيه بقية الصحابة من مثابرتهم على التطوعات؛ كمثابرتهم على الفرائض اغتنامًا لما جاء من عظيم ثوابها. ونظير هذا: من سأله ﷺ عن الصلوات، فقال له: "خمس" فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع" ثم سأله عن جملةٍ من الشرائع وهو يجيبه بالواجب فيقول: هل عليَّ غيرها؟ فيقول: "لا، إلا أن تطوع" فقال: واللَّه لا أتطوع شيئًا ولا أنقص مما فرض اللَّه تعالى عليَّ شيئًا (٣)، وفي رواية: لا أزيد على هذا (٤)؛ أي: شيئًا من التطوع، وليس مراده أنه لا يعمل بشيءٍ من شرائع الإسلام غير ما ذكر؛ بدليل الرواية السابقة: ولا أنقص، فقال ﷺ : "أفلح إن صدق" (٥)، وفي رواية: "إن تمسَّك بما أُمِر به. . دخل الجنة" (٦) وسُمي

стр. 388

مفلحًا؛ لأن المحافظة على الفرائض وحدها فلاحٌ أيُّ فلاح، وضم التطوع إليها إنما هو زيادةٌ في الفلاح. قيل: ومن المعلوم أن هذا ونحوه لا يسوغ لهم ترك الوتر، ولا ترك صلاة العيدين، ولا غير ذلك مما فعله النبي ﷺ في جماعةٍ من المسلمين. اهـ وهو مجرد دعوى قصد به الاستدلال على وجوب نحو صلاة العيد والوتر، ولا دليل فيه لذلك؛ إذ قوله ﷺ : "لا، إلا أن تطوع". . صريحٌ في عدم وجوب الوتر والعيد وغيرهما، لا عينًا ولا كفاية، فمن ثَمَّ أخذ به الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه. (رواه مسلم) وهو جامعٌ للإسلام أصولًا وفروعًا؛ لأن أحكام الشريعة إما قلبيةٌ، أو بدنيةٌ، وعلى التقديرين: إما أصليةٌ، أو فرعيةٌ، فهي أربعةٌ بحسب القسمة، ثم جميعها إما مأذونٌ فيه وهو الحلال، أو ممنوعٌ منه وهو الحرام. و (اللام) في (الحلال) (١) -والمراد به: المأذون في فعله، واجبًا كان، أو مندوبًا، أو مباحًا، أو مكروهًا- وفي (الحرام) للاستغراق، فإذا أحلَّ كلَّ حلالٍ وحرَّم كل حرامٍ. . فقد أتى بجميع وظائف الشرع، وذلك مستقلٌّ بدخول الجنة. (ومعنى) قوله: (حرمت الحرام: اجتنبته، ومعنى) قوله: (أحللت الحلال: فعلته معتقدًا حله [واللَّه أعلم]) (٢) فيه نظر، وأوجه منه قول ابن الصلاح: (الظاهر: أنه قصد به اعتقاد حرمته، وألَّا يفعله، بخلاف تحليل الحلال؛ فإنه يكفي فيه مجرد اعتقاد كونه حلالًا وإن لم يفعله) اهـ (٣)، ويوجَّه بأنا لسنا مكلَّفين بفعل الحلال من حيث ذاته، بل لمصالح تترتب على فعله، فلم يكن فعله مشترطًا في دخول الجنة، بخلاف الحرام؛ فإنا مكلَّفون باجتنابه، وباعتقاد تحريمه لذاته فيهما من غير نظرٍ لما يترتب عليه. * * *

стр. 389

الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير] عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْحَارِثِ بْنِ عَاصِمٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ للَّهِ تَمْلَآنِ، أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبقُهَا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (عن أبي مالك الحارث) هذا أحد أقوال عشرة في اسمه (ابن عاصم) وفي نسخة: (عامر) وهما قولان، وفيه أقوال أخر غيرهما (الأشعري ﵁ روى له مسلم، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وكذا البخاري، لكن على الشك (٢)، وروى عنه جابر بن عبد اللَّه وغيره. مات في خلافة عمر رضي اللَّه تعالى عنهم بطعن (٣)، هو ومعاذ، وأبو عبيدة، وشُرحبيل في يومٍ واحدٍ. (قال: قال رسول اللَّه ﷺ : الطهور) هو بالفتح للمبالغة كضروب، الأبلغ من ضارب، أو اسم آلةٍ لما يتطهر به كسحور، وبرود، وسنون، لما يتسحَّر به، أو يتبرَّد به، أو يستن به، وبالضم الفعل، كالوَضوء بالفتح للآلة، وبالضم للفعل، والمراد هنا: المضموم؛ إذ لا دخل لغيره في الشطرية الآتية إلا

стр. 390

بتكلُّفٍ، وهو -أعني المضموم كالطهارة، مصدران (١) - من (طهَر) بفتح هائه وضمها (يطهُر) بضمها لا غير، لغةً: التنزُّه عن الدنس الحسي والمعنوي، وشرعًا: فعل ما يترتب عليه زوال حدثٍ؛ كالغسلة الأولى في الوضوء والغسل، أو ثواب مجرد؛ كالغسلة الثانية والوضوء والغسل المسنونين. (شطر) أي: نصف (الإيمان) الكامل بالمعنى الأعم، المتركب من ثلاثة أجزاء: تصديق القلب، وإقرار اللسان، وعمل الأركان، وهو وإن كثرت خصاله وتعدَّدتْ أحكامه لكنها منحصرةٌ فيما ينبغي التنزُّه والتطهر عنه، وهو كل منهيٍّ عنه، وما ينبغي التلبس به، وهو كل مأمورٍ به، فهو شطران، والطهارة بالمعنى اللغوي الذي قررناه شاملةٌ لجميع الشطر الأول، فاتضح كون الطهور المرادف للطهارة شطرَ الإيمان، فهو نظير خبر: "الإيمان نصفان: نصف شكر، ونصف صبر" (٢). فإن قلت: هذا كله إنما يأتي بالنظر للمضموم كما تقرر، والضم لم يروه أحدٌ، وإنما المروي الفتح كما قاله القرطبي (٣)، وهو إما للمبالغة أو الآلة، وعليهما فتشكل الشطرية. قلت: هذا النفي ممنوعٌ؛ كيف والضم هو المختار وقول الأكثرين كما قاله المصنف رحمه اللَّه تعالى؟! (٤) وغاية ما فيه: أنهم جوزوا الفتح، فإما أن يكون المفتوح مصدرًا أيضًا كالمضموم، وهو رأي الخليل، وإما ألَّا يكون بمعناه، وهو الأصح، فيحمل على المضموم ويراد به: استعمالُ الطهور شطر الإيمان، فعلى كلٍّ لا تخالف هنا بين المفتوح والمضموم بالمعنى الذي قررناه. وأما حمل المصنف الطهور على معناه الشرعي وهو الوضوء. . فنظر فيه من وجهين (٥):
следующие страницы →