← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8889

الفتح المبين بشرح الأربعين

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (662 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ومصر، ثم لازم المدينة، وهو من الحفَّاظ المكثرين في الرواية، وممَّن طال عمره حتى كثر الأخذ عنه، وعمي آخرَ عمره. وتوفي عن أربعٍ وتسعين سنةً، سنةَ ثلاثٍ وسبعين، وقيل: ثمان وستين (١)، يقال: إنه آخر من مات من الصحابة بالمدينة. روي له ألفٌ وخمسُ مئة حديثٍ وأربعون حديثًا؛ اتفقا منها على ثمانيةٍ وخمسين، وانفرد البخاري بستةٍ وعشرين، ومسلم بمئةٍ وستةٍ وعشرين. (أن رجلًا) هو النعمان بن قوقل، بقافين مفتوحتين، بينهما واو ساكنة، وآخره لام، (سأل رسول اللَّه ﷺ فقال: أرأيت) من الرأي؛ أي: أترى وتُفتي بأني (إذا صليت المكتوبات) الخمس، من (كتب) بمعنى فرض وأوجب (وصمت رمضان) مر في شرح (الحديث الثاني) أن الأصح عندنا: أنه لا كراهة مطلقًا في ذكره عَرِيًّا عن الشهر كما هنا (٢). (وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًا) من التطوعات، وكأنه لم يذكر الزكاة والحج؛ لعدم فرضهما إذ ذاك، أو لكونه لم يخاطب بهما (أأدخل الجنة؟) (٣) أي: من غير عقابٍ كما هو ظاهرٌ من السياق والقواعد، إذ مطلق دخولها إنما يتوقف على التوحيد فقط؛ كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، وأما ما ثبت في أحاديث صحيحةٍ أيضًا من أن بعض الكبائر يمنع دخولها، كقطع الرحم، والكِبْر، والدَّيْن حتى يُقضى. . فمعناها: لا يدخلونها مع الناجين؛ لما صح: أن المؤمنين إذا جازوا على الصراط. . حُبسوا على قنطرةٍ حتى يقتصَّ منهم مظالم كانت بينهم في الدنيا (٤). (قال: نعم) تدخلها كذلك، فيه جواز ترك التطوعات رأسًا، وإن تمالأ عليه

стр. 387

أهل بلدٍ. . فلا يُقاتَلون، ومن قال: يقاتلون. . يحتاج لدليل، وكونه ﷺ (كان إذا سمع الأذان في بلدٍ. . لم يُغِرْ عليه، وإلَّا. . أغار) (١) لا يدل لذلك؛ لأن الأذان إذ ذاك كان علامةً على الإسلام، على أنه جرى لنا فيه قولٌ شهيرٌ: إنه فرض كفاية، فلو سُلِّم أن القتال كان على تركه. . لم يكن فيه دليلٌ على القتال على ترك السُّنة المتفق على كونها سنةً. نعم؛ في ترك التطوعات التي شُرعت لجبر نقص الفرائض، والزيادةِ المتقرب بها إلى اللَّه حتى يُحِب فاعلَها، فإذا أحبَّه. . كان سمعه الذي يسمع به. . . الحديث المشهور (٢). . تفويتٌ لربحها العظيم، وثوابها الجسيم، وإسقاطٌ للمروءة، وردٌّ للشهادة؛ لأن مداومة تركها تدل على نوع تهاونٍ بالدِّين. نعم؛ إن قصد بتركها الاستخفافَ بها والرغبة عنها. . كفر، وإنما ترك ﷺ تنبيهَهُ عليها تيسيرًا وتسهيلًا عليه؛ لقرب عهده بالإسلام وخشيةً من نفرته لو أكثر عليه، مع العلم بأنه إذا تمكَّن الإسلام من قلبه. . شرح اللَّه تعالى صدره، ورغب فيما رغب فيه بقية الصحابة من مثابرتهم على التطوعات؛ كمثابرتهم على الفرائض اغتنامًا لما جاء من عظيم ثوابها. ونظير هذا: من سأله ﷺ عن الصلوات، فقال له: "خمس" فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع" ثم سأله عن جملةٍ من الشرائع وهو يجيبه بالواجب فيقول: هل عليَّ غيرها؟ فيقول: "لا، إلا أن تطوع" فقال: واللَّه لا أتطوع شيئًا ولا أنقص مما فرض اللَّه تعالى عليَّ شيئًا (٣)، وفي رواية: لا أزيد على هذا (٤)؛ أي: شيئًا من التطوع، وليس مراده أنه لا يعمل بشيءٍ من شرائع الإسلام غير ما ذكر؛ بدليل الرواية السابقة: ولا أنقص، فقال ﷺ : "أفلح إن صدق" (٥)، وفي رواية: "إن تمسَّك بما أُمِر به. . دخل الجنة" (٦) وسُمي

стр. 388

مفلحًا؛ لأن المحافظة على الفرائض وحدها فلاحٌ أيُّ فلاح، وضم التطوع إليها إنما هو زيادةٌ في الفلاح. قيل: ومن المعلوم أن هذا ونحوه لا يسوغ لهم ترك الوتر، ولا ترك صلاة العيدين، ولا غير ذلك مما فعله النبي ﷺ في جماعةٍ من المسلمين. اهـ وهو مجرد دعوى قصد به الاستدلال على وجوب نحو صلاة العيد والوتر، ولا دليل فيه لذلك؛ إذ قوله ﷺ : "لا، إلا أن تطوع". . صريحٌ في عدم وجوب الوتر والعيد وغيرهما، لا عينًا ولا كفاية، فمن ثَمَّ أخذ به الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه. (رواه مسلم) وهو جامعٌ للإسلام أصولًا وفروعًا؛ لأن أحكام الشريعة إما قلبيةٌ، أو بدنيةٌ، وعلى التقديرين: إما أصليةٌ، أو فرعيةٌ، فهي أربعةٌ بحسب القسمة، ثم جميعها إما مأذونٌ فيه وهو الحلال، أو ممنوعٌ منه وهو الحرام. و (اللام) في (الحلال) (١) -والمراد به: المأذون في فعله، واجبًا كان، أو مندوبًا، أو مباحًا، أو مكروهًا- وفي (الحرام) للاستغراق، فإذا أحلَّ كلَّ حلالٍ وحرَّم كل حرامٍ. . فقد أتى بجميع وظائف الشرع، وذلك مستقلٌّ بدخول الجنة. (ومعنى) قوله: (حرمت الحرام: اجتنبته، ومعنى) قوله: (أحللت الحلال: فعلته معتقدًا حله [واللَّه أعلم]) (٢) فيه نظر، وأوجه منه قول ابن الصلاح: (الظاهر: أنه قصد به اعتقاد حرمته، وألَّا يفعله، بخلاف تحليل الحلال؛ فإنه يكفي فيه مجرد اعتقاد كونه حلالًا وإن لم يفعله) اهـ (٣)، ويوجَّه بأنا لسنا مكلَّفين بفعل الحلال من حيث ذاته، بل لمصالح تترتب على فعله، فلم يكن فعله مشترطًا في دخول الجنة، بخلاف الحرام؛ فإنا مكلَّفون باجتنابه، وباعتقاد تحريمه لذاته فيهما من غير نظرٍ لما يترتب عليه. * * *

стр. 389

الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير] عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْحَارِثِ بْنِ عَاصِمٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ للَّهِ تَمْلَآنِ، أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبقُهَا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (عن أبي مالك الحارث) هذا أحد أقوال عشرة في اسمه (ابن عاصم) وفي نسخة: (عامر) وهما قولان، وفيه أقوال أخر غيرهما (الأشعري ﵁ روى له مسلم، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وكذا البخاري، لكن على الشك (٢)، وروى عنه جابر بن عبد اللَّه وغيره. مات في خلافة عمر رضي اللَّه تعالى عنهم بطعن (٣)، هو ومعاذ، وأبو عبيدة، وشُرحبيل في يومٍ واحدٍ. (قال: قال رسول اللَّه ﷺ : الطهور) هو بالفتح للمبالغة كضروب، الأبلغ من ضارب، أو اسم آلةٍ لما يتطهر به كسحور، وبرود، وسنون، لما يتسحَّر به، أو يتبرَّد به، أو يستن به، وبالضم الفعل، كالوَضوء بالفتح للآلة، وبالضم للفعل، والمراد هنا: المضموم؛ إذ لا دخل لغيره في الشطرية الآتية إلا

стр. 390

بتكلُّفٍ، وهو -أعني المضموم كالطهارة، مصدران (١) - من (طهَر) بفتح هائه وضمها (يطهُر) بضمها لا غير، لغةً: التنزُّه عن الدنس الحسي والمعنوي، وشرعًا: فعل ما يترتب عليه زوال حدثٍ؛ كالغسلة الأولى في الوضوء والغسل، أو ثواب مجرد؛ كالغسلة الثانية والوضوء والغسل المسنونين. (شطر) أي: نصف (الإيمان) الكامل بالمعنى الأعم، المتركب من ثلاثة أجزاء: تصديق القلب، وإقرار اللسان، وعمل الأركان، وهو وإن كثرت خصاله وتعدَّدتْ أحكامه لكنها منحصرةٌ فيما ينبغي التنزُّه والتطهر عنه، وهو كل منهيٍّ عنه، وما ينبغي التلبس به، وهو كل مأمورٍ به، فهو شطران، والطهارة بالمعنى اللغوي الذي قررناه شاملةٌ لجميع الشطر الأول، فاتضح كون الطهور المرادف للطهارة شطرَ الإيمان، فهو نظير خبر: "الإيمان نصفان: نصف شكر، ونصف صبر" (٢). فإن قلت: هذا كله إنما يأتي بالنظر للمضموم كما تقرر، والضم لم يروه أحدٌ، وإنما المروي الفتح كما قاله القرطبي (٣)، وهو إما للمبالغة أو الآلة، وعليهما فتشكل الشطرية. قلت: هذا النفي ممنوعٌ؛ كيف والضم هو المختار وقول الأكثرين كما قاله المصنف رحمه اللَّه تعالى؟! (٤) وغاية ما فيه: أنهم جوزوا الفتح، فإما أن يكون المفتوح مصدرًا أيضًا كالمضموم، وهو رأي الخليل، وإما ألَّا يكون بمعناه، وهو الأصح، فيحمل على المضموم ويراد به: استعمالُ الطهور شطر الإيمان، فعلى كلٍّ لا تخالف هنا بين المفتوح والمضموم بالمعنى الذي قررناه. وأما حمل المصنف الطهور على معناه الشرعي وهو الوضوء. . فنظر فيه من وجهين (٥):

стр. 391

أحدهما: أنه لا يتضح حينئذٍ معنى الشطرية إلا بادعاء أنه ينتهي تضعيف الأجر فيه إلى نصف الإيمان (١)، وهذا وإن قيل به إلا أنه يحتاج إلى دليل. ثانيهما: أن الطهور لا ينحصر في الوضوء، بل يعم الغسل والتيمم والطهارة من الخبث، وليس واحدٌ من هذينِ النَّظَرينِ في محله؛ كيف ورواية ابن ماجه وابن حبان في "صحيحه": "إسباغ الوضوء شطر الإيمان" (٢)، ورواية الترمذي: "والوضوء شطر الإيمان" (٣)؟ وحينئذٍ فيقال: يحتمل أن معناه: أنه تمام الشطر، لا أنه كل الشطر؛ لما مر. أو المراد بالوضوء فيه: معناه اللغوي، وهو يرجع لمعنى الطهارة الذي قررناه أولًا، لكن يُعَكِّر عليه رواية: "إسباغ الوضوء" فإنها نصٌّ في أن المراد به: الوضوء الشرعي، فإن حُمل الطهور على الوضوء، والوضوء على معناه الشرعي، والشطر على مطلق الجزء. . اتضح هذا المقام، وزال الإشكال. واستعمال الشطر في مطلق الجزء تجوزًا أَولى من إخراج الطهور والوضوء عن معناهما الشرعي الذي ذهب إليه الأكثرون، وفهمه منه مسلم والنسائي وابن ماجه وغيرهم حيث خرَّجوه في أبواب الوضوء. فإن قلت: يُعَكِّر على تفسير الشطر بالخُمُس أو الجزء حديثُ أحمد: "والطهور نصف الإيمان" (٤). قلت: النصف يطلق ويراد به أحد قسمي الشيء، فإن كل شيءٍ تحته نوعان، فأحدهما نصفٌ له وإن لم يتحد عددهما، ومنه حديث: "قسمت الصلاة -أي: قراءتها- بيني وبين عبدي نصفين" (٥) أي: نصفٌ عبادةٌ إلى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وهو حق الرب، ونصفٌ مسألةٌ إلى آخرها، وهو حق العبد، فهما نصفان مع أن أحدهما أزيدُ كلماتٍ من الآخر.

стр. 392

ومنه قول العرب: نصف السَّنة حضرٌ، ونصفها سفرٌ؛ أي: تنقسم لزمانين وإن تفاوتت مدتهما. وقول شريح وقد قيل له: (كيف أصبحت؟ قال: أصبحت ونصف الناس عليَّ غضبان) يريد أنه بين محكومٍ له راضٍ، ومحكومٍ عليه غضبان، فهما جزآن مختلفان (١). وقول الشاعر: إذا مت كان الناسُ نصفين شامتٌ ... وآخر مُثْنٍ بالذي كنت أفعلُ أي: ينقسمون قسمين. وخبر: "إنها -أي: الفرائض، وهي قسمة المواريث- نصف العلم" (٢) أي: أن أحكام المكلفين نوعان: نوعٌ يتعلق بالحياة، ونوعٌ يتعلق بالموت. وقول مجاهد: (المضمضة والاستنشاق نصف الوضوء) (٣) أي: أنه نوعان: نوعٌ يطهر بعض الباطن، ونوعٌ يطهر بعض الظاهر، وهو ما عداهما. فإن قلت: هل يصح أن يراد بالشطر هنا الخمس؛ فإنه صح استعماله له ﷺ فيه في حديث الإسراء في مراجعته لربه حين فرض الصلاة خمسين (٤) وراجعه مرارًا متعددةً بقوله: "فوضع شطرها" ثلاثًا (٥)؛ إذ لو كان المراد بالشطر فيه النصف. . لفرغت الخمسون في المرة الثانية، فتعيَّن أن المراد به: الخُمُس، ومن ثَمَّ جاء في رواياتٍ أخر: "فوضع عنِّي عشرًا" (٦)؟ قلت: لا مانع من ذلك وإن كان مستغربًا، وعليه فيحتمل أن معناه أنه يثاب عليه كثواب خُمس الإيمان.

стр. 393

وأما توجيه أن الطهارة الشرعية نصف الإيمان بأنها تكفِّر ما مضى كالإيمان يجبُّ ما قبله. . فمردودٌ بأنها حينئذٍ مثله لا شطره، على أن الصلاة ونحوها كذلك، فلا خصوصية للطهارة. وقيل: المراد بالإيمان: الصلاة، كما في: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، فلافتقارها للطهارة كانت كشطرها، قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (وهذا أقرب الأقوال) (١) ورُدَّ: بأن شرط الشيء ليس شطره لغةً ولا اصطلاحًا، وفيه نظر؛ لأنه لم يدَّعِ أن الشرط شطرٌ، وإنما قال: كالشطر، وهو وإن لزم عليه أن فيه تجوزًا من قصر الإيمان على الصلاة (٢)، وإخراج الشطر عن حقيقته إلى معنى المماثل للشطر. . لا يبعد اختياره؛ لتعذُّر الحقيقة باعتبار القواعد والاستقراء وإن جاز أن يختصَّ الوضوء من بين أمثاله بأن ثوابه نصف ثواب الإيمان؛ إذ للَّه أسرارٌ في العبادات يعجز عن إدراكها أكثر خلقه، فلو ذهب ذاهبٌ إلى أن الوضوء نصف الإيمان حقيقةً باعتبار الثواب. . لما لزمه شيء. وقيل: الإيمان شرطٌ باطنٌ لصحتها، والوضوء شرطٌ لها ظاهرٌ، فاقتسامهما إياها بالشرطية كأنه اقتسامٌ لها بالشطرية، ويرد بأنه بهذا التكلُّف شطرٌ لها لا للإيمان، وزعمُ أنها المرادة به يحتاج لدليل؛ لأن قصره عليها تجوَّز يحتاج لقرينةٍ كما قررناه. (والحمد للَّه) أي: هذا اللفظ وحده، أو هذه الكلمة وحدها، خلافًا لمن زعم أن المراد (الفاتحة). (تملأ) بالفوقية والتحتية (الميزان) أي: ثواب التلفُّظ بها مع استحضار معناها السابق أولَ الكتاب والإذعان له يملأ كفة الحسنات، التي هي مثل طباق السماوات والأرض، قيل: وسرُّ إملائه لها أن لامه للاستغراق (٣)، وجنسُ الحمد الذي يجب للَّه ويستحقه يملأ الميزان، فكذا ثوابه. اهـ، وفيه نظر، وأيُّ دليل على

стр. 394

ادعاء أن جنس ذلك الحمد يملأ الميزان عرِيًّا عن النظر لثوابه حتى يكون ثوابه مالئًا لها أيضًا؟! والأَولى أن يقال في حكمة ذلك: إن حمده فيه إثبات لسائر صفات كماله، فبسبب ذلك عظم ثوابه عظمةً حتى ملأ الميزان بتقدير تَجَسُّمِه، أو باعتبار صحيفته كما يأتي. وهو مفعال من الوزن (١)، قلبت واوه ياءً لانكسار ما قبلها؛ كميعاد. وفيه (٢) -كالآيات والأحاديث الشهيرة- إثباتُ الميزان ذي الكفتين واللسان، ووزن الأعمال بها بعد أن تُجَسَّم، كما يؤتى بالموت في صورة كبشٍ يذبح بين الجنة والنار، وكما في حديث: "يأتي القرآن يوم القيامة تقدمه البقرة وآل عمران. . . " الحديث (٣). أو توزن صحائفها فتثقل بالحسنات فضلًا، وتطيش بالسيئات عدلًا منه ، وتكون الحسنات في أحسن صورة، والسيئات في أقبح صورة، والصُّنُج يومئذٍ مثاقيل الذرِّ والخردل (٤)؛ تحقيقًا لتمام العدل، والكافر كالمؤمن في ذلك، ومعنى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ أي: قدرًا، قيل: ولكل إنسانٍ ميزانٌ لظاهر: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. والأصح: أنه ليس إلا ميزانٌ واحدٌ، والجمع إما لتعظيم شأنها وتفخيمه على حد: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ تحذيرًا من السيئات، وتحريضًا على الحسنات؛ إذ لو لم يسمع العاقل من القرآن إلا آية: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾. . لكان له فيها أبلغ زاجرٍ وواعظٍ؛ لاشتمالها على الوعيد التام لأهل السيئات، والوعد الجميل لأهل الحسنات، أو باعتبار الموزونات أو لكونه ذا أجزاء، على حد: شابت مفارقُه، مع أنه ليس للإنسان إلا مَفْرِقٌ واحد، لكنهم سموا كل محلٍّ من المفرق مفرقًا.

стр. 395

قيل: والوزن أقسام: وزن الإيمان بجميع السيئات، والكفر بجميع الحسنات؛ ليخلد المؤمن في النعيم، والكافر في الجحيم. ووزن الأعمال بالمثاقيل؛ لظهور مقادير الجزاء؛ كما دل عليه آخر سورة (إذا زلزلت الأرض). ووزن مظالم العباد؛ لما صح: أنه يؤخذ للمظلوم من حسنات الظالم بقدر حقه، فإن لم يكن له حسنات. . طرح عليه من سيئاته (١). وإنكار المعتزلة للميزان وحملها على مجازها من إقامة العدل في الحساب مِنْ تَقوُّلهم على الشريعة، وتصرُّفهم في نصوصها بصرفها عن ظواهرها بمجرد الحَزر والتخمين، على أن حديث: أين نجدك يا رسول اللَّه في القيامة؟ قال: "عند الحوض أو الصراط أو الميزان" (٢). . مبطلٌ لتأويلهم، وقاضٍ بتضليلهم، نعوذ باللَّه تعالى من سَفْسافهم وضلالهم، ونسأل اللَّه السلامة من قبيح أقوالهم. (وسبحان اللَّه والحمد للَّه تملآن) بالفوقية باعتبار أنهما جملتان، وبالتحتية باعتبار أنهما لفظان (أو) شكٌّ من الراوي (٣) (تملأ) بالفوقية -أي: هذه الكلمة، والجمل تسمى كلمة لغةً- وبالتحتية؛ أي: هذا اللفظ (ما بين السماوات والأرض) (٤) وذلك لأن العبد إذا حمد مستحضرًا معنى الحمد السابق -وقولُ المصنف: (إنه مشتمل على التفويض إلى اللَّه (٥) أراد به أن ذلك ملزومٌ؛ لما دلت عليه صيغته من عموم الحمد له على كل حالٍ من السراء والضراء، وهذا هو غاية التفويض-. . امتلأت ميزانه من الحسنات (٦)، فإذا أضاف إلى ذلك (سبحان اللَّه) الذي هو تنزيه اللَّه؛ أي: اعتقاد تنزيهه عما لا يليق به من النقائص والأوصاف الخالية

стр. 396

عن الكمال المطلق. . ملأت حسناتُه وثوابُه زيادةً على ذلك ما بين السماوات والأرض؛ إذ الميزان مملوءٌ بثواب التحميد، فهذه الزيادة هي ثواب التسبيح، وثوابُ الحمد من ملئه للميزان باقي بحاله على كلٍّ من اللفظين المشكوك فيهما كما يتضح بما قررته فيهما، المندفع به قول بعضهم: هذا شكٌّ فيما يملأ ما بين السماء والأرض؛ هل هو الكلمتان أو إحداهما؟ ورواية النسائي الآتية أشبه، وهل المراد: أنهما معًا يملآن ما بينهما، أو كلٌّ منهما يملؤه؟ هذا محتملٌ. اهـ وذكر السماوات والأرض على جهة الإغياء على العادة العربية (١)، والمراد: أن الثواب على ذلك كثيرٌ جدًا بحيث لو جُسِّم. . لملأ ما بين السماوات والأرض، وفي رواية النسائي وابن ماجه: "والتسبيح والتكبير ملء السماوات والأرض" (٢)، وفي أخرى ضعيفة: "التسبيح نصف الميزان، والحمد للَّه تملؤه، ولا إله إلا اللَّه ليس لها دون اللَّه حجاب حتى تصل إليه" (٣) أي: ليس لقبولها حجابٌ يحجبها عنه، وفي أخرى زيادة: "واللَّه أكبر ملء السماوات والأرض" (٤)، وفي أخرى: "الحمد للَّه ملء الميزان، وسبحان اللَّه نصف الميزان، ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر ملء السماوات والأرض وما بينهن" (٥)، وفي أخرى: "كلمتان إحداهما من قالها لم يكن لها ناهية دون العرش، والأخرى تملأ ما بين السماء والأرض: لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر" (٦) فقد تضمنت هذه الأحاديث فضل هذه الكلمات الأربع التي هي أفضل الكلام، وهي: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر. فأما (الحمد للَّه). . فقد اتفقت الأحديث كلها على أنه يملأ الميزان، فهو أفضل

стр. 397

من التسبيح، وسره: أن في التحميد إثبات سائر صفات الكمال، والتسبيح تنزيهٌ عن سائر النقص، والإثبات أكمل من السلب. واعلم: أن الميزان أوسع مما بين السماء والأرض، فما يملؤه أكثر مما يملؤهما، ويدل له حديث: "يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيها السماوات والأرض. . لوسعت، فتقول الملائكة: يا رب؛ لمن يزن هذا؟ فيقول اللَّه تعالى: لمن شئتُ من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك" خرجه الحاكم مرفوعًا وصححه (١)، قيل: والموقوف أشهر (٢). وبه يعلم أن (الحمد للَّه) أكثر ثوابًا من (لا إله إلا اللَّه) لما تقرر أن (الحمد للَّه) يملأ الميزان، وأنه أكثر مما يملأ السماوات والأرض، ومع ذلك لا يملؤه (لا إله إلا اللَّه) إلا مع ضم (اللَّه أكبر) إليها، وقد حكى ابن عبد البر وغيره خلافًا في ذلك (٣)، قال النخعي: (كانوا يرون أن "الحمد للَّه" أكثر الكلام تضعيفًا) (٤)، والثوري: (ليس يضاعف من الكلام مثل "الحمد للَّه") (٥). وروى أحمد: "إن اللَّه اصطفى من الكلام أربعًا: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، كان في كل من الثلاثة عشرين حسنة، وحط عشرين سيئة، وفي الحمد للَّه ثلاثين" (٦). وحجة الآخرين: ما في حديث البطاقة المشهور عند أحمد والنسائي والترمذي: "إن لا إله إلا اللَّه لا يعدلها شيء في الميزان" (٧) لكن عند أحمد: "ولا يثقل شيء بسم اللَّه الرحمن الرحيم" (٨)، وروى أحمد: "لو أن السماوات السبع وعامرهن

стр. 398

والأرَضين السبع في كفةٍ ولا إله إلا اللَّه في كفةٍ. . مالت بهن" عن سيدنا أبي سعيد الخدري ﵁ (١). (والصلاة) الجامعة لشروط مصححاتها ومكملاتها (نور) أي: ذات نور، أو مُنوِّرة، أو ذاتها نور، مبالغةً في التشبيه كزيد أسد، ومنه ما روي بإسنادين فيهما نظر: "الصلاة نور المؤمن" (٢). وعلى كلٍّ: فهي تنور وجة صاحبها في الدنيا -كما هو مشاهدٌ، ويؤيده أنه جاء: "من صلى بالليل. . حسن وجهه بالنهار" (٣) - وفي قبره، كما قال أبو الدرداء: (صلوا ركعتين في ظُلَم الليل لظلم القبر). وقلبَه (٤)، لأنها تشرق فيه أنوار المعارف، ومكاشفات الحقائق، فيتفرغ فيها من كل شاغل، ويعرض عن كل زائل، ويقبل على اللَّه بكليته حتى يمنّ عليه بشهوده، وغاية قربه ومحبته، ومن ثم قال ﷺ كما رواه أحمد والنسائي: "وجُعلتْ قرة عيني في الصلاة" (٥)، وفي رواية: "الجائع يشبع، والظمآن يروى، وأنا لا أشبع من حب الصلاة" (٦). وأخرج أحمد عن ابن عباسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما قال جبريل للنبي ﷺ : "إن اللَّه قد حبَّب إليك الصلاة فخذ ما شئت" (٧).

стр. 399

وتريحه وتزيح همومه وغمومه (١)، ومن ثم قال ﷺ : "يا بلال؛ أقم الصلاة وأرحنا بها" أخرجه أبو داوود (٢). وتكون بين يديه يوم القيامة في تلك الظُّلَم وعلى الصراط؛ ففي "صحيح ابن حبان": أنه ﷺ ذكر الصلاة فقال: "من حافظ عليها. . كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها. . لم يكن له نورٌ ولا برهانٌ ولا نجاةٌ" (٣). وأخرج الطبراني بإسنادٍ فيه نظر: أنه ﷺ قال: "من صلى الصلوات الخمس في جماعةٍ. . جاز على الصراط كالبرق اللامع في أول زمرة السابقين، وجاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر" (٤). واستُفيد من الحديث الأول: أن الصلاة تُسمَّى برهانًا أيضًا، ومنه خبر أحمد والترمذي: "الصلاة برهان" (٥) وسيأتي معناه قريبا. وغرَّةَ وجهه يومئذ (٦)؛ لخبر: "أمتي يوم القيامة غُرٌّ من السجود" (٧). وتمنع من المعاصي، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتَهدي إلى الصواب، كما أن النور يستضاء به، ويكون أجرها نورًا، وتشفع لصاحبها يوم القيامة؛ لما أخرجه الطبراني مرفوعًا: "إذا حافظ العبد على صلاته فأقام وضوءها وركوعها وسجودها والقراءة فيها. . قالت له: حفظك اللَّه كما حفظتني، فيُصْعَد بها إلى السماء ولها نورٌ حتى تنتهي إلى اللَّه -أي: إلى محل قربه ورضاه- فتشفع لصاحبها" (٨).

стр. 400

(والصدقة) أي: الزكاة كما في رواية ابن حبان (١)، ويصح بقاؤها على عمومها حتى تشمل سائر القُرَب المالية واجبها ومندوبها. (برهانٌ) هو لغةً: الشعاع الذي يلي وجه الشمس، ومنه خبر: "إن روح المؤمن تخرج من جسده ولها برهانٌ كبرهان الشمس" (٢) ومنه سُميت الحجَّةُ القاطعة برهانًا؛ لوضوح دلالتها. واصطلاحًا: الدليل والمرشد، فهي يُفزَع إليها كما يُفزَع إلى البراهين؛ لأنه إذا سُئل يوم القيامة عن مصرف ماله فأجاب بـ (تصدقتُ). . كانت صدقاته براهين على صدق جوابه. ويجوز أن يوسم المتصدق بسيما يُعرف بها، فتكون برهانًا له على حاله، ولا يسأل عن مصرف ماله، أو هي حجةٌ ودليل على إيمان المتصدِّق؛ لأن المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقدها، فمن تصدَّق. . استُدِل بصدقته على صدق إيمانه، وعلى صحَّة محبته لمولاه، ولِمَا لديه من الثواب لبذله محبوبَهُ بالجِبلَّة والطبع رجاءَ ثوابه، فلولا صحة إيمانه. . لما بذل عاجلًا لآجلٍ، ومن ثَمَّ مدحه اللَّه تعالى بقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾، ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾، وقيل: الضمير للَّه. والأحاديث في فضل الصدقة أكثر من أن تحصر، وقد استوفيتُ منها جملةً مستكثرةً في كتابي الذي قدمت ذكره في (الخامس عشر) (٣) وفيها أيضًا آياتٌ كثيرةٌ، نحو آية: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾.

стр. 401

(والصبر) وهو لغة: الحبس، ومنه: قَتْلُ الصبرِ، وشرعًا: حبس النفس على العبادات ومشاقِّها والمصائب وحرارتها، وعن المنهيات والشهوات ولذاتها، وأفضل أنواعه الأخير (١)، فالأول؛ لخبر ابن أبي الدنيا وابن جرير، لكن بإسنادٍ ضعيفٍ: "إن الصبر على المصيبة يكتب به للعبد ثلاث مئة درجة، وإن الصبر على الطاعة يكتب به للعبد ست مئة درجة، وإن الصبر عن المعاصي يكتب له به تسع مئة درجة" (٢). (ضياء) فيه ما في (نور) (٣) ومنه: أن معنى كونه ضياء: أن صاحبه لا يزال مستضيئًا بنور الحق على سلوك سبيل الهداية والتوفيق، مستمرًا في مضايق اضطراب الآراء على تحري الصواب؛ لما عنده من ضياء المعارف والتحقيق، أو أنه يضيء طرق الأعمال، وعواقب ما يترتَّب عليها من الأحوال، فيكون على غايةٍ من الاستقامة والسداد، ونهايةٍ من الخلوص من الشوائب والاستعداد، فيظفر بمطلوبه، ويحصل من محبة اللَّه وقربه وجوده ولطفه على مرغوبه؛ كما قيل: [من البسيط] وقلَّ مَنْ جدَّ في أمرٍ يطالبه ... واستعمل الصبرَ إلا فاز بالظَّفرِ وللعارفين فيه عباراتٌ مآلها إلى معنًى واحد؛ نحو: الثبات على الكتاب والسنة، والوقوف مع البلاء بحسن الأدب، ألَّا يعترض على المقدور، فلا ينافيه إظهار البلاء لا على وجه الشكوى؛ قال اللَّه تعالى في أيوب صلَّى اللَّه على نبينا وعليه وسلَّم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ مع أنه قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾. فإن قلتَ: ما حكمة جعل الصلاةِ نورًا، والصبرِ ضياءً؟ وهلَّا انعكس الأمر؛ فإن الضياء أعلى من النور كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ مع ما هو مقررٌ: أن نوره مستمدٌّ من نورها، فلكونها أنورَ منه كما هو مشاهدٌ جُعلت ضياءً، ولكونه دونها جُعل نورًا، ولا شك أن الصلاة أفضل من الصبر؟ قلت: حكمة ذلك -واللَّه أعلم-: أن الصبر هو الأساس المبني عليه سائر

стр. 402

الأعمال؛ إذ لولا وجوده. . لم يكن صلاة ولا غيرها، فلكونه أصلها كغيرها ناسب أن يجعل ضياء، وهي نورًا نظيرَ ما تقرر في الشمس والقمر. وبهذا يُعلم أن كونها أفضلَ منه قابلٌ للمنع، ولا ينافيه قولهم: أفضل عبادات البدن الصلاة؛ لأن الصبر ليس من العبادات البدنية، وإنما هو من العبادات القلبية، وهي بأسرها أفضل من العبادات البدنية، كما هو ظاهر؛ لأنها بالنسبة إليها كالأصل بالنسبة للفرع. وبما قررته سؤالًا وجوابًا يندفع القول بأنه لا فرق بين الضياء والنور. وأيضًا (١): فالضوء فيه إحراقٌ، بخلاف النور؛ فإنه محض إشراق، كما هو مشاهَدٌ من ضوء الشمس، ونور القمر، ومن هنا وصف تعالى شريعة موسى صلى اللَّه على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء وسلم بأنها ضياءٌ بقوله عزَّ قائلًا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ وإن كان قد وصف التوراة بأنها نورٌ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ لكن الغالب على شريعتهم الضياء؛ لما فيها من عظيم الآصار والأغلال والأثقال، ووصف شريعة نبينا ﷺ بأنها نورٌ فقط بقوله عزَّ قائلًا: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ لخلوها عن تلك المشاق، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾. فلِمَا كان في الصبر من المشاقِّ العظيمة المحرقة للنفوس وشهواتها ومراداتها كما علم مما قدمته فيه (٢). . اختصَّ بكونه ضياءً، ولِمَا كان في الصلاة من مزيد الراحة وتوالي أنواع المعارف التي لا لذَّة وراءها، بل هي اللذة بالحقيقة كما آنفًا في تقرير

стр. 403

كونها نورًا. . اختصت باسم النور الذي هو محض إشراقٍ ولذةٍ، وبهذا يسقط الإشكال من أصله، ويندفع القول بأن المراد بالصبر الصوم، على أنه لا يحتاج لادِّعاء أن المراد ذلك؛ لأنه مصرحٌ به في رواية، بل وقع في بعض نسخ "صحيح مسلم" التعبير به بدل "الصبر" لكن عليها يشكل التعبير فيه بالضياء، وفي الصلاة بالنور. وقد يجاب بأن الصوم فيه نحو ما مر في الصبر من محق الشهوات وإحراقها؛ إذ هو مشتملٌ على أنواع الصبر الثلاثة السابقة؛ لأنه صبرٌ على طاعة اللَّه تعالى وعن معاصيه؛ إذ العبد يترك شهوته للَّه تعالى، ونفسه تنازعه عليها، ومن ثم جاء في الحديث الصحيح القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به؛ إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي" (١) وصبرٌ على ألم الجوع والعطش؛ ولذلك (كان ﷺ يسمي شهر الصيام شهر الصبر) (٢). وفي رواية أحمد والترمذي في هذا الحديث: "والصوم نصف الصبر" (٣) أي: معظمه، وقيل: يأتي فيه ما في: "الطهور نصف الإيمان" فلذلك كلِّه ناسبه التعبير عنه بـ (الضياء) الذي هو محرقٌ؛ بخلاف الصلاة كما تقرر، وبأنه لمَّا امتاز عليها بإضافته إلى اللَّه تعالى دون غيره من العبادات، وبتوليه تعالى الجزاء عليه المشعر ببلوغه من العظمة والكمال نهايتهما (٤). . فلا بدع أن يتميز عليها بكونه أضوأ منها وأنور. وأيضًا: ففيه من تصفية النفس وتطهيرها من الكدورات المانعة لها عن مطالعة الغيوب ما ليس في الصلاة؛ فبهذا الاعتبار كان أضوأ منها وأنور، فاتضحت حكمة التغاير بينهما، وإيثاره عليها بكونه ضياء. ثم رأيت بعض الشارحين صرح بكثيرٍ مما ذكر وزيادة، مع أنه فاته محاسن ممَّا مر، فقال ما حاصله: (فإن قلت: لِمَ جعل الصبر ضياء والصلاة نورًا؟ وهل بينهما

стр. 404

فرق؟ قلت: الفرق: ما قيل: إن الضياء أعظم وأبلغ من النور؛ بدليل: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ وهي أعم وأعظم نورًا منه، ولذلك قال اللَّه تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل: بضيائهم؛ لأن نفي الأعم أبلغ، وأورد عليه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ولم يقل: ضوؤها ولا ضياؤها، ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ ولم يقل: بضيائه. وأجيب عن الأول بأن المعنى: اللَّه منوِّر السماوات والأرض، ولم يقل: مضيء؛ لأن النور أعم؛ لأنه ليلًا ونهارًا، والضوء ليس إلا نهارًا بالشمس، وأيضًا: المراد بنورهما: هداية أهلهما، والعادة لغةً وعرفًا أن يقال: نور الهداية لا ضوؤها، ومنه: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، ﴿ومَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾. وعن الثاني بأن الضوء كالوصف الزائد على النور، والمحتاج إليه هو النور الناقص المخلوق، وأما نور اللَّه . . فهو قديمٌ كاملٌ لذاته، منزَّهٌ عن الجسمية والعَرَضية، لا يحتاج إلى معنًى زائدٍ يضيء به. ويحتمل أن المعنى: وأشرقت بنور ملائكته، أو عَدْلِ ربها؛ إذ لو أشرق عليها ما أشرق على جبل الطور لمَّا تجلى له. . لتصدَّعت وتشقَّقت واندكَّت كما اندكَّ الجبل، ولا يلزم من نور الملائكة والعَدْل الضوءُ. وإنما جعل الصبر ضياءً، وهي نورًا؛ لأنه أخص منها لاشتماله عليها وعلى غيرها من الطاعات، أو تعلقه بذلك؛ إذ هو حبس النفس على الطاعة وعن المعصية، فكان الضياء الأخص من النور أَولى به؛ ولأنه تعالى قال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ والتقديم للأهم فالأهم، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ ولم يقل: لما صلوا، وقال ﷺ : "ما أُعطي أحدٌ خيرًا من الصبر، وأوسع عطاء من الصبر" (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ولم يرد ذلك لغيره) اهـ

стр. 405

(والقرآن) مر الكلام على اشتقاقه في الخطبة (١)؛ وهو هنا: اللفظ المنزل على محمدٍ ﷺ للإعجاز بأقصر سورةٍ منه. (حجةٌ لك) في تلك المواقف التي تُسأَل فيها عنه، كالقبر، وعند الميزان، وفي عقبات الصراط، إن امتثلت جميع أوامره، واهتديت بأنواره، وتحلَّيتَ بما فيه من معالي الأخلاق، وشرائف الأحوال. (أو) حجةٌ (عليك) في تلك المواقف، إن خضت غمرة شيءٍ من نواهيه، أو أعرضت عن القيام بما لَهُ من واجب الحقوق، كما أشار ﷺ إلى ذلك في حديث: "القرآن شافعٌ مُشفَّعٌ، وماحِلٌ مصدَّق (٢)، من قدَّمه أمامه. . قادَهُ إلى الجنة، ومن جعله وراءه. . دفع في قفاه إلى النار" (٣). وقيل: لك أو عليك في المباحث الشرعية، والوقائع الحكمية؛ لأنه المرجع عند التنازع وهذا مقتبسٌ من قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ ومن ثم قال بعض السلف: ما جالس أحدٌ القرآنَ فقام عنه سالمًا، بل إما أن يربح، وإما أن يخسر، ثم تلا هذه الآية. وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنه ﷺ قال: "يمثل القرآن يوم القيامة رجلًا، فيؤتى بالرجل قد حمله فخالف أمره، فيمثل له خصمًا، فيقول: يا رب؛ قد حمَّلته إياي، فبئس حاملٌ تعدَّى حدودي، وضيَّع فرائضي، وركب معصيتي، وترك طاعتي، فما يزال يقذف عليه بالحُجَج حتى يقال له: شأنك به، فيأخذه بيده، فما يرسله حتى يكبه على منخره في النار، قال: ويؤتى بالرجل الصالح كان قد حمله، فيمثل له خصمًا دونه، فيقول: يا رب؛ حمَّلته إياي، فخير حاملٍ، حفظ حدودي، وعمل فرائضي، واجتنب معصيتي، واتبع طاعتي، فما

стр. 406

يزال يقذف له بالحُجج حتى يقال له: شأنك به فيأخذ بيده، فما يرسله حتى يلبسه حُلَّة الإستبرق، ويعقد عليه تاج الملك، ويسقيه كأس الخمر" (١). (كل الناس يغدو) أي: يصبح ويبكر ساعيًا في تحصيل أغراضه، مسرعًا في طلب نيل مقاصده. (فبائع نفسه) (٢) من اللَّه ، ببذلها فيما يُخَلِّصها من سخطه وأليم عقابه، متوجهًا بقلبه وقالبه إلى الآخرة وأعمالها، مع الإعراض عن زخارف الدنيا وزينتها، ومتقيدًا بآداب الشرع قولًا وفعلًا، وامتثالًا واجتنابًا. (فمعتقها) (٣) من رِقِّ الخطايا والمخالفات، ومن سخط اللَّه وأليم عقابه، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾. . . إلى أن قال: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. وفي حديث "الصحيحين" المشهور: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: "يا معشر قريش؛ اشتروا أنفسكم من اللَّه، لا أغني عنكم من اللَّه شيئًا" ثم قال مثل ذلك لبني عبد المطلب، وبني عبد مناف، ولعمته، وبنته، وغيرهم (٤). وأخرج الطبراني والخرائطي: "من قال إذا أصبح: سبحان اللَّه وبحمده ألف مرة. . فقد اشترى نفسه من اللَّه، وكان من آخر يومه عتيقًا من النار" (٥)، فاعجب من بيعٍ آيلٍ إلى عتقٍ وسيادة، ومتكفلٍ بالفوز بالحسنى وزيادة!!

стр. 407

(أو) بائع نفسه من الشيطان، ببذلها فيما يرديها ويغويها، من مذموم أغراضه، وإيثار شهواته، فييو حينئذٍ (موبقها) أي: مهلكها بما أوقعها فيه من أليم العذاب، وكشف الحجاب (١). (رواه مسلم) وهو أصلٌ عظيمٌ من أصول الإسلام؛ لاشتماله على مهماتٍ من قواعد الدين، بل على نصف الدين باعتبار ما قررناه في شطر الإيمان، بل على الدين جميعه باعتبار ما قررناه في الصبر، وفي (معتقها) و (موبقها). وفي رواية للترمذي: "التسبيح نصف الميزان، والحمد للَّه تملؤه، والتكبير بملأ ما بين السماء والأرض، والصوم نصف الصبر" (٢)، وفي رواية للبيهقي: "وسبحان اللَّه واللَّه أكبر تملأ ما بين السماء والأرض، والصوم جُنَّة، والصلاة نور" (٣) ولا تعارض بين رواية مسلم السابقة ورواية الترمذي هذه؛ لأن كون التسبيح نصفَ الميزان و (الحمد للَّه) تملؤه باعتبار انفراد كل لا ينافي أنهما إذا اجتمعا. . ملآ ما بين السماوات والأرض زيادةً على ذلك. ولا بينها وبين رواية البيهقي؛ لأنها أفادت أن (اللَّه اكبر) يقوم مقام الحمد في أنها إذا اجتمعت مع التسبيح. . ملآ ما بين السماوات والأرض، لكن بين رواية الترمذي والبيهقي نوعُ تنافٍ؛ لأن الأُولى أفادت أن التكبير وحده يملأ ما بين السماوات والأرض، والثانية أفادت أنه لا يملأ ذلك إلا مع ضمِّ التسبيح إليه. وقد يجاب بأن ذلك يختلف باختلاف العاملين، أو أُخبر ﷺ بالثاني، فأَخبر به، ثم أُخبر بزيادة تفضُّلٍ من اللَّه تعالى في ثواب التكبير، فأَخبر به نظيرَ ما قالوه في خبر: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذِّ بخمس وعشرين درجة" (٤)، وخبر: "بسبع وعشرين درجة" (٥) وقس بهذا ما يرد عليك من نظائره. * * *

стр. 408

الحديث الرابع والعشرون [آلاء اللَّه وفضله على عباده] عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرويهِ عَنْ رَبِّهِ أَنَّهُ قَالَ: "يَا عِبَادِي؛ إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي؛ كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُم، يَا عِبَادِي؛ كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أَطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي؛ كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي؛ إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِر لَكُمْ، يَا عِبَادِيَ؛ إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي؛ لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ. . مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي؛ لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ. . مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي؛ لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُم وَآخِركُمُ، وَإنْسَكُم وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ. . مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي؛ إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا. . فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ. . فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).

стр. 409

(عن أبي ذر رضي اللَّه) تعالى (عنه عن النبي ﷺ فيما يرويه) أي: روينا عنه أنه روى عن النبي ﷺ ما يأتي حال كونه مندرجًا في جملة الأحاديث القدسية؛ وهي التي يرويها (عن ربه أنه) تعالى (قال: يا عبادي) هو كعبيد، وعُبْدان بضم أوله وكسره، وتخفيف الباء، وعِبِدَّان بكسر أوَّلَيْه وتشديد ثالثه، وعِبِدَّاء بمد وقصرٍ، ومَعْبوداء، وعُبُد كسُقُف، وأعابد، ومعبدة جمع لـ (عبد). وهو هنا وفيما يأتي وفي نظائر ذلك يتناول الأحرار والأرقَّاء من الذكور، وكذا من النساء إجماعًا، لكن لا وضعًا، بل بقرينة التكليف، وقد قال الأصوليون: إن خص الخطابُ الذكورَ كالرجال أو الإناث كالنساء. . فواضح، وإلَّا كـ (مَنْ، والأناسي، والناس). . يتناولهما، وفي نحو المسلمين والمؤمنين خلافٌ، والأشبه: أنه لا يتناول النساء وضعًا، بل بقرينةٍ أو عُرفٍ. (إني حرمت) من التحريم؛ وهو لغةً: المنع، فسمَّى تعالى تَقَدُّسَه عن الظلم تحريمًا؛ لمشابهته الممنوع في تحقق العلم. (الظلم) وهو لغةً: وضع الشي في غير محلِّه (على نفسي) أي: تعاليتُ عنه وتقدستُ؛ لاستحالته عليه تعالى؛ إذ هو: التصرُّف في حق الغير بغير حقٌّ، أو مجاوزةُ الحد، وكلاهما محالٌ؛ إذ لا ملك ولا حق لأحدٍ معه، بل هو الذي خلق المالكين وأملاكهم، وتفضَّل عليهم بها، وحدَّ لهم الحدود، وحرَّم وأحلَّ، فلا حاكم يتعقَّبه، ولا حق يترتب عليه، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا. وما ذكر من استحالة الظلم عليه تعالى هو قول الجمهور، وقيل: بل هو متصوَّر منه (١)، لكنه لا يفعله عدلًا منه، وتنزُّهًا عنه؛ لأنه تعالى تمدَّح بنفيه في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي: ظالم، والحكيم لا يتمدَّح إلا بما يصح منه، ألا ترى أن أعمًى لو تمدَّح بأنه ألا ينظر للمحرمات. . استُهزئ به؟! وأيضًا: قوله "حرمت الظلم على نفسي" حقيقته: أني منعتُ نفسي منه،

стр. 410

وإنما يمنع الحكيم نفسه ممَّا يقدر على فعله، ألا ترى أن آدميًا لو قال: منعت نفسي من صعود السماء. . استُهزئ به؟! وأيضًا: فهو تعالى عامل عباده معاملة مستأجرٍ لأجرائه بقوله لأهل الكتاب: "هل ظلمتكم من أجوركم شيئًا؟ " قالوا: لا، قال: "فذلك فضلي أوتيه من أشاء" (١) والمستأجر يصح منه ظلم الأجراء. وأيضًا: ترك الظلم مع إمكانه والقدرة عليه أمدحُ من تركه مع استحالته والعجز عنه؛ كما أن ترك الفعل للزنا أمدح له بالعفاف من ترك الخصيِّ والعِنِّين له. اهـ وهو غير سديدٍ كان نقله بعض الشارحين وأقره؛ لِمَا تقرر أن حقيقة الظلم: وضعُ الشيء في غير محلِّه بالتصرف في ملك الغير، أو مجاوزةُ الحدِّ، ومع النظر لهذا يجزم كلُّ مَنْ له أدنى بصيرةٍ باستحالته عليه تعالى؛ إذ لا يُتَعَقَّلُ وقوع شيءٍ من تصرفه تعالى في غير محله، وكأن مدعي تصوره منه يفسره بما هو ظلمٌ عند العقل لو خُلِّي ونفسه من حيث عدمُ مطابقتِه لقضيته، فحينئذٍ يكون لكلامه نوعُ احتمال، بخلاف ما إذا فسره بالأول (٢)؛ فإن دعوى تصوره منه حينئذٍ في غاية السقوط. ويجاب عمَّا احتج به من التمدُّح بنفيه ومنع نفسه منه بأن هذا خارجٌ عن قضية الخطاب العادي، المقصود به زجرُ عباده عنه، وإعلامهم بامتناعه عليهم بالأَولى، فهو على حدِّ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وهذا فنٌّ بليغٌ من أساليب البلاغة، لا ينكره إلا كل جامد الطبع، فامتنع قياسه على قول الأعمى: لا أبصر، والآدميِّ: منعت نفسي من صعود السماء، بل شتَّان ما بينهما؛ فإن كلًّا من هاتين المقالتين محض سَفْساف ولغو، بخلاف قوله تعالى: "إني حرمت الظلم على نفسي" الذي وطَّأ به لقوله تعالى: "وجعلته بينكم محرمًا" ثم وطَّأ بهما لقوله تعالى: "فلا تظالموا" فاتضح أن هذا السياق في غاية البلاغة، وأنه لا ينافي استحالة الظلم عليه تعالى، وأن

стр. 411

مَنْ فهم تنافيًا بينهه، وفسَّر الظلم بغير معناه المتعارف. . كان لكلامه أدنى احتمال، وإلَّا. . كان كلاما، بالهذيان أشبه، فتأمل ذلك؛ فإنه نفيسٌ، ثم رأيت بعضهم أجاب: (بأن للَّه تالالى في خلقه نصرُّفَين: ظاهرًا، وباطنًا، فتصرفه الظاهر ينهى عنه شرعًا، وتصرفه الباطن يقضي به ويخلقه حقيقة، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن) اهـ، وهذا صحيح، لكنه لا يدفع تلك الشُّبَه، بخلاف ما ذكرته؛ فإنه الذي يدفعها ويدحضها. وفسَّر بعضهم الظلم في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ يؤيد قولي السابق: (وكأن مدعي تصؤُره منه تعالى يفسِّره بما هو ظلم عند العقل. . . إلخ) فقال: (الهضم: أن ينقص من أجر حسناته، والظلم: أن يعاقب بذنوب غيره، ومثل هذا كثيرٌ في القرآن، وهذا مما يدل على أن اللَّه تعالى قادرٌ على الظلم، ولكن لا يفعله فضلًا منه، وقد فسَّره كثيرون بأنه: وضع الشيء في غير موضحه، وأما من يفسره بالتصرف في ملك الغير. . فيقول: إنه مستحيلٌ عليه تعالى) اهـ (١) وهو صريحٌ فيه، ذكرته، وكونُه تعالى خالقًا لأفعال عباده وفيها الظلم لا يقتضي وصفَه تعالى به؛ لأنه إنما يوصف بما قام به من صفاته وأفعاله، ومنها خلق أفعالهم لا ذواتها، فلم يوصف بشيءٍ منها. قيل: وفيه منع سؤال اللَّه تعالى ألَّا يحكم له على خصمه إلا بالحق؛ لأنه الواقع، فلا فائدة لسؤاله، ورُدَّ بقوله تعالى: ﴿قل رب احكم بالحق﴾ (٢) وهو تعالى لا يأمر بما لا يجوز الدعاء به، ولا فرق بين الحصر وغيره. وأُجيب بأن معناه: عاملهم بعَنلِك دون فضلك، فيكون دعاءً عليهم، قيل: وقريبٌ من هذا قول، بعضهم في ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. . . إلى ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: من الاعتداء بالدعاء التأمينُ عند قراءة هذه الآية؛ لأن اللَّه تعالى

стр. 412

قال: قد فعلت، بخلافه في: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾. . . إلخ؛ فإنه يؤمِّن. ورُدَّ: بأن الذي في "مسلم": أنه تعالى قال: "نعم" في الجميع (١). قيل: (وقضية هذا الحديث: جواز إطلاق النفس على اللَّه تعالى) انتهى، وهو ظاهرٌ حيث كان من باب المقابلة (٢)؛ كما في: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ وكما هنا (٣)؛ فإن معناه: حرَّمته على نفسي، فنفوسكم بالأَولى، كما أفاده قوله: "وجعلته بينكم محرمًا". أما إطلاقه في محلٍّ لا مقابلة فيه. . فلا يظهر جوازه؛ لإيهامه حقيقة النفس وهي محالةٌ على اللَّه تعالى. فإن قلت: قد صح إطلاق الذات عليه تعالى في قول خبيب عند إرادة قتله: (وذلك في ذات الإله. . .) (٤) والجنب في قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ والنفس مثلهما. قلت: لا نسلِّم أنها مثلهما؛ لأن ذات الشيء حقيقته، فلا إشعار فيها بحدوثٍ ألبتة، وأما الجَنْب. . فالمراد به: الأمر؛ إذ التفريط إنما يكون فيه، فالإتيان بلفظهِ قرينةٌ ظاهرةٌ على أنه لم يرد بالجنب حقيقتَه، وأما النفس. . فإنها تُشعِر بالتنفُّس والحدوث، فامتنع إطلاقها عليه إلا في حيز المقابلة؛ إذ هو قرينةٌ

стр. 413

ظاهرةٌ على أن المراد بها في حقه تعالى غير حقيقتها وما يتبادر منها. وأيضًا: ففي إطلاقها عليه تعالى إيهامُ شمول قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ لذلك، تعالى اللَّه عن ذلك علوًا كبيرًا. ولقد بالغ بعض العلماء فجعل: ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ راجعًا لعيسى صلى اللَّه على نبينا وعليه وسلم، والأصل: ولا أعلم ما فيها، ثم أوقع الظاهر موقعَ المضمر، فصار معناه: ولا أعلم ما في مخلوقتك. اهـ، وهو وإن كان فيه تكلُّفٌ إلا أنه مُؤَيِّدٌ لما ذكرته، فتأمل ذلك؛ فإنه مهمٌّ كان لم أَرَ من عرَّج عليه. (وجعلته بينكم محرمًا) أي؛ حكمت بتحريمه عليكم، وهذا مجمعٌ عليه في كل ملةٍ؛ لاتفاق سائر الملل على مراعاة حفظ الأنفس، فالأنساب، فالأعراض، فالعقول، فالأموال، والظلم قد يقع في هذه أو بعضها، وأعلاه الشرك؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وهو المراد بالظلم في أكثر الآيات؛ قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ثم تليه المعاصي على اختلاف أنواعها، وروى الشيخان: "الظلم ظلماتٌ يوم القيامة" (١)، ورويا أيضًا: "إن اللَّه ليملي للظالم حتى إذا أخذه. . لم يفلته" ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ (٢). وروى البخاري: "من كانت عنده مظلمةٌ لأخيه (٣). . فليتحلَّله منها؛ فإنه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا درهمٌ من، قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسناتٌ. . أُخذ من سيئات أخيه، فطُرحت عليه" (٤). (فلا تظالموا) بتشديد الظاء كما روي، والأشهر: تخفيفها، وأصله: تتظالموا، أُدغم أحد المثلين في الآخر، أو حذف؛ أي: لا يظلمْ بعضكم بعضًا (٥)؛

стр. 414

فإنه لا بد من اقتصاصه تعالى للمظلوم من ظالمه، كما استفيد من هذا السياق العجيب المومى إليه بقوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ أي: فيحب تعالى منه الجهر بذكر ما ظُلِم به ليُشاع، حتى إذا عُوقب الظالم. . عرف الناس أنه لم يوقع تعالى ذلك به إلا انتصارًا للمظلوم؛ لينكفَّ غيره عن الظلم، ويعلم أن مِن وراء الظالمين طالبًا لا يُردُّ بأسه، وقد يُمهل الظالم زيادةً في استدراجه؛ ليزداد عقابه ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ فإمهاله عين عقابه، وهذا أَولى وأظهر من القول بأن حكمة إمهاله: أن المظلوم لا يستحق على الظالم إلا أن يمكنه سيده، إذ الحكم في الجناية على العبد لسيده والخلق كلهم، وأُروش جنايتهم ملكٌ وحقٌّ للَّه تعالى، فله الإمهال، وله الاقتصاص. انتهى؛ لأن هذا وإن كان حقًا إلا أن الحكمة به لم تظهر. ولما ذكر تعالى ما أوجبه من العدل، وحرَّمه من الظلم على نفسه وعلى عباده. . أتبعه بذكر إحسانه إليهم، وغناه عنهم، وفقرهم إليه، وأنهم لا يقدرون على جلب منفعةٍ لأنفسهم، ولا دفع مضرة عنهم إلا أن يكون هو الميسر لذلك، مشيرًا إلى ذلك الجلب والدفع إما في الدين، أو الدنيا، فصارت أربعة أقسام، وهي: الهداية، والمغفرة، وهما جلب منفعة، ودفع مضرة في الدين (١)، والإطعام، والكسوة، وهما جلب منفعةٍ، ودفع مضرةٍ في الدنيا. وأهم هذه الأقسام طلب الهداية؛ فلذا افتتح به فقال: (يا عبادي؛ كلكم ضالٌّ) أي: غافلٌ عن الشرائع قبل إرسال الرسل، فهو على حدِّ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ أي: غافلًا عما سيوحيه إليك، فهداك إليه بالوحي، فهو على حدِّ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾، أو ضالٌّ عن الحق لو ترك وما يقتضيه طبعه من الراحة من التكاليف، وإهمال النظر المؤدي إلى معرفة اللَّه تعالى، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه (إلا من هديته) أي: وفَّقته للإيمان بما

стр. 415

جاءت به الرسل على المعنى الأول؛ قال اللَّه تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، أو للخروج عن مقتضى طبعه إلى النظر المؤدِّي إلى معرفة اللَّه تعالى، وامتثال ما جاء من عنده على المعنى الثاني. وبيانه: أنه في تعالى خلق النفوس بقواها وطباعها، وما أرصد لها من الأهواء والشياطين مائلةً إلى الضلال، فمن أراد ضلالَه. . أرسله على سجيته، وتخلَّى عنه، ومن أراد هدايته. . عارضه بأسباب الهدى، فصدَّه عن الضلال فاهتدى، فينبغي لمن رأى عنده آثار هدًى أن يعلم أنه من اللَّه تعالى؛ حتى يزداد شكره وحمده؛ ليزداد هداه بصادق وعد قوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ وعلى كِلا ذينكَ المعنيين: فلا ينافي ذلك قوله ﷺ : "كل مولودٍ يولد على الفطرة" (١) لأن ذلك ضلالٌ طارئٌ على، الفطرة الأُولى، كما يرشد إليه ما روي: "خلق اللَّه تعالى الخلق على معرفته، فاغتالتهم الشياطين" (٢). هذا واختلف، في المراد بالفطرة هنا، فقيل: هي ما أُخذ عليهم في أصلاب آبائهم، فتقع الولادة عليها حتى يحصل التغيير بالأبوين، وقيل: ما قضي على المولود من سعادةٍ أو شقاوةٍ، فيصير إليها، وبه صرح ابن المبارك فقال: يولد على ما يصير إليه من له سعادة أو شقاوة، فمن علم اللَّهُ تعالى أنه يصير مسلمًا. . ولد على فطرة الإسلام، ومن علم أنه يصير كافرًا. . ولد على الكفر، وقيل: معرفة اللَّه تعالى والإقرار به وإن عبد معه غيره. والأصح: أن معناه: أن كل مولودٍ يولد متهيئًا للإسلام، فمن كان أبواه أو أحدهما مسلمًا. . استمرَّ عليه في أحكام الدنيا والآخرة، وإن كانا كافرين. . جرى عليه حكمهما، فيتبعهما في أحكام الدنيا، وهذا معنى قوله: "فيهودانه، وينصرانه، ويمجسانه" أي: يحكم له بحكمهما في الدنيا، فإذا بلغ مستمرًا على الكفر. . حكم له به (٣).

стр. 416

واختُلِف فيمن مات صغيرًا؛ والأصح: أنه في الجنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. والحاصل: أن الإنسان مفطور على قبول الإسلام والتهيؤ له بالقوة، لكن لا بد من أن يتعلَّمه بالفعل؛ فإنه قبل التعلُّمِ جاهلٌ؛ كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ فمَنْ هداهُ. . سبَّبَ له مَنْ يُعلمه الهدى، فصار مهديًا بالفعل بعد أن كان مهديًا بالقوة، ومن خذَلَهُ -والعياذ باللَّه-. . قيَّض له مَنْ يعلمه ما يغير فطرته، فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه. تنبيه [الدعاء بالهداية جائز ولو للمسلم] أنكر بعض فقهاء العراق الدعاء للعاطس (١) بـ (يهديكم اللَّه) ظنًا منهم أن الدعاء بالهداية للمسلم تحصيلٌ للحاصل، وليس كما زعموا، سيما والسُّنة الصحيحة آمِرةٌ بذلك، وأمر ﷺ عليًا رضي اللَّه تعالى عنه أن يسأل اللَّه السَّداد والهدى (٢)، وعلَّم الحسن أن يقول في القنوت: "اللهم؛ اهدني فيمن هديت" (٣)، وكان ﷺ يقول في دعائه بالليل: "اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ" (٤) وليس المراد بالهداية هنا الهداية لِمَا هو متلبسٌ به من الإسلام والإيمان، بل لمعرفة تفاصيل أجزائهما ومتمماتهما، وإعانته على فعل ذلك، وهذا كل مؤمنٍ محتاجٌ إليه ليلًا ونهارًا، ومن ثَمَّ أمر اللَّه تعالى عباده أن يسألوه ذلك في كل ركعةٍ من صلاتهم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قيل: وفي هذه الجملة دليل لقول أهل الحق: إن الهداية والضلال من خَلْق اللَّه تعالى وإيجاده، لا دخل للعبد في واحدٍ منهما، خلافًا للمعتزلة؛ قال تعالى:

стр. 417

﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. وأصرحُ من ذلك في إبطال مذهبهم الفاسد أنه تعالى أراد هداية الجميع. . قولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فعمَّ الدعوة، وخصَّ الهداية، وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وإنما أُضيفت السيئة للنفس في: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، وفي قوله ﷺ في بعض أدعية الافتتاح: "والشر ليس إليك" (١) تعليمًا للأدب أنه لا يضاف إليه تعالى المحقرات، كما لا يقال: يا خالق القردة والخنازير وإن كان خالق كل شيء. (فاستهدونى) أي: اطلبوا مني الهداية، بمعنى الدلالة على طُرُق الحق، والإيصال إليها معتقدين أنها لا تكون إلا من فضلي وبأمري (أهدكم) أي: أنصِب لكم أدلة ذلك الواضحة، أو أُوصل من شئتُ إيصاله في سابق العلم القديم الأزلي. وحكمة طلبه تعالى منا سؤاله الهداية: إظهار الافتقار والإذعان، والإعلام بأنه لو هداه قبل أن يسأله. . لربما قال: إنما أُوتيتُه على علمٍ عندي، فيضل بذلك، فإذا سأل ربه. . فقد اعترفا على نفسه بالعبودية، ولمولاه بالربوبية، وهذا مقامٌ شريفٌ، وشهودٌ منيف، لا يتفطَّن له إلا الموفَّقون، ولا يعلم قدر عظمته إلا العارفون. (يا عبادي؛ كلكم جائعٌ إلا من أطعمته) وذلك لأن الناس كلهم عبيدٌ لا ملك لهم في الحقيقة، وخزائن الرزق بيده تعالى، فمن لا يطعمه بفضله. . بقي جائعًا بعدله؛ إذ ليس عليه إطعام أحدٍ، فقولُه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾. . التزامٌ منه تفضلًا؛ لا أنه عليه واجبٌ بالأصالة، فهو نظير: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآيةَ؛ أي: قبولها، واجبٌ منه تفضلًا التزامًا، لا عليه لزومًا. ولا يمنع نسبة الإطعام إليه تعالى ما يشاهد من ترتب الأرزاق على أسبابها الظاهرة؛ كالحِرَف، والصنائع، وأنواع الاكتساب؛ لأنه تعالى المقدّر لتلك الأسباب الظاهرة بقدرته وحكمته الباطنة، فالجاهل محجوبٌ بالظاهر عن الباطن، والعارف

стр. 418

الكامل لا يحجبه ظاهرٌ عن باطنٍ، ولا باطنٌ عن ظاهرٍ، بل يعطي كل مقامٍ حقه، وكل حالٍ وَفْقَه. (فاستطعموني) أي: سلوني واطلبوا مني الطعام، ولا يغرَّنَّ ذا الكثرة ما في يده؛ فإنه ليس بحوله وقوته، بل اللَّه تعالى هو المتفضِّل به عليه، فينبغي له مع ذلك ألَّا يغفل عن سؤال اللَّه تعالى إدامةَ نعمته عليه؛ لئلَّا تنفر عنه فلا تعود إليه؛ كما قال ﷺ : "ما نفرت النعمة عن قومٍ فعادت إليهم" (١). (أُطْعمكم) أي: أُيسِّر لكم أسباب تحصيله؛ لأن العالمَ جمادَه وحيوانَه مطيعٌ للَّه تعالى طاعةَ العبد لسيده، فيُسخِّر السحابَ لبعض الأماكن، ويحرك قلب فلانٍ لإعطاء فلان، ويحوج فلانًا لفلانٍ بوجهٍ من الوجوه؛ لينال منه نفعًا، فتصرفاته تعالى في هذا العالم عجيبةٌ لمن تدبرها: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، وفيه إشارة إلى تأديب الفقراء، وكأنه قال لهم: لا تطلبوا الطُّعْمة من غيري؛ فإن مَنْ تستطعمونهم أنا الذي أطعمهم، فاستطعموني أطعمكم. (يا عبادي؛ كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم) ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وفي هذا جميعِه أوفى تنبيهٍ، وأظهر تقريرٍ على افتقار سائر خلقه تعالى إليه، وعجزهم عن جلب منافعهم، ودفع مضارِّهم إلا أن ييسر لهم ما ينفعهم، ويدفع عنهم ما يضرهم، فلا حول ولا قوة إلا به، ولا استمساك إلا بسببه. وممَّا نُقل عن حِكَمِ عيسى صلى اللَّه على نبينا وعليه وسلم: (ابنَ آدم؛ أنت أسوأ بربك ظنًا حين كنت أكمل عقلًا؛ لأنك تركت الحرص حين كنت جنينًا محمولًا، ورضيعًا مكفولًا، ثم ادَّرَعتَهُ عاقلًا قد أصبت رشدك، وبلغت أشدك) (٢). (يا عبادي؛ إنكم تخطئون) ضبط بفتح أوله وثالثه، من (خَطِئَ يَخْطَأ)، إذا

стр. 419

فعل عن قصد، كعلم يعلم، ومنه: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ولا يصح مِن (أخطأ) الرباعي؛ لأنه الفعل عن غير قصد، وهو لا إثم فيه بالنص، والكلام إنما هو فيما فيه إثمٌ، بدليل: "فاستغفروني" انتهى، وفيه نظر، ولا نُسلِّم أن (أخطأ) منحصرٌ في الفعل عن غير قصدٍ، بل يأتي بمعنى الثلاثي أيضًا؛ أي: فعل الخطيئة عمدًا، فصح ما هو المحفوظ في، الحديث من ضم الأول وكسر الثالث، ثم رأيت المصنف صرَّح بما ذكرته فقال: (المشهور: ضم التاء، وروي بفتحها، يقال: خَطِئَ إذا فعل ما يأثم به فهو خاطئٌ، ومنه: ﴿إنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ ويقال في الإثم أيضًا: أخطأ، فهما صحيحتان) اهـ (١) (بالليل والنهار) (٢) هذا من باب المقابلة؛ لاستحالة وقوع الخطأ من كلٍّ منهم ليلًا ونهارًا، لكن عادة (٣)، على أن المعصومين غير داخلين في هذا. (وأنا أغفر الذنوب جميعًا) ما عدا الشرك وما لا يشاء مغفرته؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وكذا يخص به قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ وفي اعتراض هذه الجملة مع التأكيد فيها بشيئين: (أل) الاستغراقية و (جميعًا) المفيدِ كلٌّ منهما العمومَ غايةُ الرجاء للمذنبين حتى لا يقنط أحدٌ منهم من رحمة اللَّه تعالى لعظيم ذنبه. (فاستغفروني أغفر لكم) ومن ثم قال ﷺ : "لولا تذنبون وتستغفرون. . لذهب اللَّه بكم وجاء بقومٍ غيركم، فيذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" (٤)، وأخر لح الترمذي وابن ماجه: "كل بني آدم خطَّاء، وخير الخطائين

стр. 420

التوابون" (١)، والبخاري: "واللَّه؛ إني لأستغفر اللَّه وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" (٢)، والنسائي وابن ماجه: "إني لأستغفر اللَّه وأتوب إليه كل يوم مئة مرة" (٣)، ومسلم: "يا أيها الناس؛ توبوا إلى ربكم واستغفروه؛ فإني أتوب إلى اللَّه وأستغفره كل يومٍ مئة مرة" (٤)، والنسائي: "ما أصبحت غداةً قطُّ إلا أستغفر اللَّه مئة مرة" (٥)، وأحمد وأصحاب "السنن الأربعة": إن كنا لنعدُّ لرسول اللَّه ﷺ في المجلس الواحد مئة مرة يقول: "رب؛ اغفر لي، وتُبْ عليَّ؛ إنك أنت التواب الرحيم" (٦). وأصل الغفر: الستر، فغَفْرُ الذنب: سَتْرُهُ ومحوُ أثره، وأمنُ عاقبته، وحكمة التوطئة لما بعد (الفاء) بما قبلها (٧): بيان أن غير المعصوم والمحفوظ لا ينفك غالبًا عن المعصية، فحينئذٍ يلزمه أن يجدد لكل ذنبٍ ولو صغيرًا توبةً، وهي المرادة هنا من الاستغفار؛ إذ ليس فيه مع عدمها كبير فائدة، وشتَّان بين ما يمحوه بالكلية وهو التوبة النَّصوح، وبين ما يُخفِّف عقوبته أو يؤخرها إلى أجلٍ وهو مجرد الاستغفار، وفي هذا من التوبيخ ما يستحيي منه كل مؤمن؛ لأنه إذا لمح أنه تعالى خلق الليل ليطاع فيه سرًا ويسلم من الرياء. . استحيى أن ينفق أوقاته إلا في ذلك، وأن يصرف ذرةً منها للمعصية، كما أنه يستحيي بالجِبِلَّة والطبع أن يصرف شيئًا من النهار حيث يراه الناس للمعصية. (يا عبادي؛ إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني) لما أنه قد قام الإجماع والبرهان على أنه تعالى منزةٌ مقدسٌ غنيٌّ بذاته، لا يمكن أن يلحقه ضررٌ ولا نفعٌ، فهو تعالى كان أحسن إلى عباده بغاية وجوه الإحسان التي ذكرها من

стр. 421

إجابة دعائهم، وهدايته لهم، وإطعامهم، وكسوتهم، وغفر ذنوبهم. . غيرُ محتاجٍ إلى مكافأتهم بجله ب نفعٍ أو دفع ضرٍّ، ومن ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ أي: أن اللَّه تعالى يحب من عباده أن يطيعوه؛ ويكره منهم أن يعصوه؛ ولهذا يفرح بتوبة عبده فرحًا عظيمًا مع غناه المطلق عن طاعات عباده، وأن نفعها إنما يعود إليهم، ولكن هذا من كمال رأفته بهم، ومحبته لنفعهم ودفع ضررهم. وما اقتضاه ظاهر الحديث أن لضره ونفعه غاية لكن لا تبلغها العباد. . متروكٌ بما دلَّ عليه الإجماع والبرهان من غناه المطلق، أو من باب: (على لاحِبٍ -أي: طريق- لا يهتدي لمناره) (١) أي: لا منار له فيهتدي به. فالمعنى هنا: لا يتعلق بي ضرٌّ ولا نفعٌ فتضروني أو تنفعوني؛ لأنه تعالى غنيٌّ مطلق، والعبد فقيرٌ مطلق: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ والفقير المطلق لا يملك ضرًا ولا نفعًا، خصوصًا للغنيِّ المطلق. (يا عبادي؛ لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم. . ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي؛ لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ) منكم (. . ما نقص ذلك من ملكي شيئًا) لأنه مرتبطٌ بقدرته وإرادته، وهما دائمان لا انقطاع لهما، فكذا ما ارتبط بهما، وإنما غاية التقوى والفجور عود نفع أو ضرٍّ على أهلهما، وفي ذلك كلَّه إشارةٌ إلى أن ملكه تعالى على غاية الكمال، لا يزيد بطاعة جميع الخلق وكونهم على أكمل صفة البِرِّ والتقوى، ولا ينقص بمعصيتهم؛ لأنه تعالى الغني المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، فملكه كاملٌ لا نقدس فيه بوجهٍ، بل لا يتصور وجود أكملَ منه على ما أشار إليه حجة

стр. 422

الإسلام الغزالي قدس اللَّه روحه بقوله: (ليس في الإمكان أبدع مما كان) (١) أي: تمَّ وتعلَّقتِ القدرة الباهرة بإيجاده على أكمل الأحوال وأتقنها وأكملها، وما فيه من الشر. . فهو إضافيٌّ بالنسبة لبعض الأشياء، وليس شرًا مطلقًا بحيث يكون عدمه خيرًا من وجوده، بل وجوده مع ذلك خيرٌ من عدمه، ويصح أن يراد هذا من خبر (٢): "والشر ليس إليك" أي: الشر المحض الذي عدمه خيرٌ من وجوده ليس موجودًا في ملكك. (يا عبادي؛ لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد) أي: أرضٍ واحدةٍ ومقامٍ واحدٍ (٣) (فسألوني، فأعطيت كل واحدٍ مسألته (٤). . ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط) هو بكسرٍ فسكونٍ ففتحٍ: الإبرة (إذا أُدخل البحر) أي: وهو في رأي العين لا ينقص من البحر شيئًا، فكذلك الإعطاء من الخزائن الإلهية لا يَنقُصها شيئًا ألبتة؛ إذ لأنهاية لها، والنقص مما لا يتناهى محال، بخلافه مما يتناهى كالبحر وإن جلَّ وعظم وكان أكبر المرئيات في الأرض، بل قد يوجد العطاء الكثير من المتناهي ولا يَنْقُصه؛ كالنار والعِلْم؛ يُقتبَس منهما ما شاء اللَّه تعالى ولا ينقص منهما شيء، بل قد يزيد العلم على الإعطاء. فعلم أن قوله هنا: "إلا كما. . . إلخ" وقول الخضر لموسى صلى اللَّه على نبينا وعليهما وسلم: (ما نقص علمي وعلمك من علم اللَّه إلا كما نقص هذا العصفور -أي: الذي رأياه يشرب- من هذا البحر) (٥)، وزَعْمُ بعضهم فرقًا بين هذينِ، وأن العصفور ينقص منه، بخلاف المخيط إذا دخل فيه. . ممنوعٌ؛ إذ الإبرة إذا دخلت في

стр. 423

الماء يتعلَّق بها منه شيءٌ وإن لطف، وإنكار ذلك غباوةٌ ظاهرةٌ. . ليس المراد بهما حقيقتهما (١)، وإنما بها كلٌّ منهما مَثَلٌ تقريبيٌّ للإفهام (٢)؛ ليعلم منه أنه لا نقص في تلك الخزائن ولافي علم اللَّه ألبتة، لا لعدم نقص ماء البحر من غرز المخيط ونقرة العصفور. فالجامع بين إدخال المخيط في البحر والإعطاء من تلك الخزائن عدمُ النقص من حيث المشاهدةُ الصورية فيهما كان افترقا في أنَّا إذا نظرنا إليهما بعين الحقيقة. . وجدنا البحر ينقص بهذا الشيء القليل المأخوذ منه الذي لا يكاد يُدرك، وتلك الخزائن لا تنقص شيئًا مما أفاضه اللَّه تعالى منها من حين خلق السماوات والأرض إلى انقضاء هذا العالم، ثم من حين بعثه إلى ما لا نهاية له؛ لما تقرر من استحالة نقص ما لا يتناهى. ومن ثم قال ﷺ : "يمين اللَّه -أي: إعطاؤه وإفاضته على عباده من تلك الخزائن- سحَّاءُ الليلَ والنهارَ -أي: دائمة فيهما لا يَغيضها ولا ينقصها شيء- أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، لم يَغِضْ ما في يمينه؟! " (٣) أي: لم ينقص شيئًا مما في خزائن قدرته؛ لأن عطاءه تعالى بين (الكاف) و (النون): ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وحديث ابن ماجه الآتي قريبًا مصرِّحٌ بهذه العِلَّة، وليس المراد أن هناك قولًا يتوقف عليه الإيجاد، وإنما هو كنايةٌ عن وجوده في أسرع وقت عقب تعلق الإرادة به، فعبَّر عن تلك السرعة بزمن (كن) إذ لا يمكن أقل منه في العقول (٤)، فقدرته تعالى صالحةٌ للإيجاد دائمًا، لا يعتريها عجزٌ ولا قصورٌ، ولا ملَلٌ ولا فتورٌ. وحكمة ضرب المثل هنا بما ذكر: أنه غاية ما يضرب به المثل في القلة؛ إذ البحر من أعظم ما يعاين، والإبرة من أصغره، مع أنها صقيلةٌ لا يتعلَّق بها ماءٌ إلا ما لا يمكن إدراكه كما، وفي هذا تنبيهٌ أيُّ تنبيهٍ للخلق على إدامتهم لسؤاله تعالى مع

стр. 424

إعظام الرغبة وتوسيع المسألة، فلا يختصر سائلٌ، ولا يقتصر طالبٌ؛ لما تقرر أن خزائن الرحمة سحَّاء الليل والنهار، لا يَغيضها الإعطاء وإن جلَّ وعظم. وقيل: إن ذلك إشارة للنعمة المخلوقة، وهي يُتصوَّر فيها النقص كالبحر (١). و (نقص) يستعمل لازمًا كنقص المال، ومتعديًا كما هنا؛ إذ مفعول الماضي والمضارع محذوفٌ بدليل السياق. (يا عبادي؛ إنما هي أعمالكم أُحصيها) أي: أضبطها (لكم) بعلمي وملائكتي الحفظة، واحتيج لهم معه لا لنقصه عن الإحصاء، بل ليكونوا شهداء بين الخالق وخلقه، وقد ينضم إليهم شهادة الأعضاء زيادة في العدل: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. لا يقال: قضية (إنما) انحصارُ فائدة الناس في معادهم في ثواب أعمالهم ونفيُ المزيد مع ثبوت النص والإجماع به في نحو: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ لأنَّا نقول: الحصر إنما هو بالنسبة لجزاء الأعمال (٢)؛ أي: لا جزاء ينقسم إلى خيرٍ وغيره إلا عن عملٍ يكون سببًا له، وأما الزيادة على ذلك. . فلم يتعرَّض لها بنفيٍ ولا إثباتٍ، وقد صحَّت فيها نصوصٌ أُخرى لا معارض لها، فوجب الأخذ بها. (ثم أُوفِّيكم إياها) أي: جزاءها في الآخرة، على حدِّ: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فلما حذف المضاف. . انقلب المجرور منصوبًا منفصلًا، أو في الدنيا أيضًا؛ لما روي: أنه ﷺ فسَّر ذلك بأن المؤمنين يُجازَون بسيئاتهم في الدنيا، ويدخلون الجنة بحسناتهم، والكافر يُجازَى بحسناته في الدنيا، ويدخل النار بسيئاته.

стр. 425

(فمن وجد خيرًا) أي: ثوابًا ونعيمًا، بأن وُفِّق لأسبابهما، أو حياةً طيبةً هنيئةً مريئةً؛ كما قال اللَّه تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. (فليحمد اللَّه) تعالى على توفيقه للطاعات التي ترتب عليها ذلك الخير والثواب فضلًا منه تعالى ورحمة، وعلى إسدائه ما وصل إليه من عظيم المبرَّات؛ إذ لا يجب عليه شيءٌ لأحدٍ من خلقه (١)، فعلم أنه إن أُريد بذلك الآخرة فقط. . كان الأمر بذلك بمعنى الإخبار بأن من وجد خيرًا فيها. . حمد اللَّه تعالى عليه، ومن وجد غيره. . لام نفسه حين لا ينفعها اللوم. وجاء في آياتٍ الإخبارُ عن أهل الجنة بأنهم يحمدون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾، ﴿لْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ الآيات. وعن أهل النار بأنهم يلومون أنفسهم: ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآيتينِ. وأخرج الترمذي: "ما من ميتٍ يموت إلا ندم، فإن كان محسنًا. . ندم ألَّا يكون ازداد، وإن كان مسيئًا. . ندم ألَّا يكون استعتب" (٢). (ومن وجد غير ذلك) أي: شرًا، ولم يذكره بلفظه؛ تعليمًا لنا كيفيةَ الأدب في النطق بالكناية عمَّا يؤذي، ومثله ما يُستقبح أو يُستحيى من ذكره، أو إشارةً إلى أنه إذا اجتنب لفظه. . فَكيف بالوقوع فيه؟! أو إلى أنه حييٌّ كريمٌ يحب الستر ويغفر الذنب، فلا يعاجل بالعقوبة، ولا يهتك الستر. ثم رأيت بعضهم أجاب بجوابٍ آخر (٣)، فقال: ولم يقل: شرًا؛ إشارة إلى أنه إذا اجتنب لفظه. . فكيف الوقوع فيه؟!
следующие страницы →