← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8889

الفتح المبين بشرح الأربعين

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (662 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

إجابة دعائهم، وهدايته لهم، وإطعامهم، وكسوتهم، وغفر ذنوبهم. . غيرُ محتاجٍ إلى مكافأتهم بجله ب نفعٍ أو دفع ضرٍّ، ومن ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ أي: أن اللَّه تعالى يحب من عباده أن يطيعوه؛ ويكره منهم أن يعصوه؛ ولهذا يفرح بتوبة عبده فرحًا عظيمًا مع غناه المطلق عن طاعات عباده، وأن نفعها إنما يعود إليهم، ولكن هذا من كمال رأفته بهم، ومحبته لنفعهم ودفع ضررهم. وما اقتضاه ظاهر الحديث أن لضره ونفعه غاية لكن لا تبلغها العباد. . متروكٌ بما دلَّ عليه الإجماع والبرهان من غناه المطلق، أو من باب: (على لاحِبٍ -أي: طريق- لا يهتدي لمناره) (١) أي: لا منار له فيهتدي به. فالمعنى هنا: لا يتعلق بي ضرٌّ ولا نفعٌ فتضروني أو تنفعوني؛ لأنه تعالى غنيٌّ مطلق، والعبد فقيرٌ مطلق: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ والفقير المطلق لا يملك ضرًا ولا نفعًا، خصوصًا للغنيِّ المطلق. (يا عبادي؛ لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم. . ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي؛ لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ) منكم (. . ما نقص ذلك من ملكي شيئًا) لأنه مرتبطٌ بقدرته وإرادته، وهما دائمان لا انقطاع لهما، فكذا ما ارتبط بهما، وإنما غاية التقوى والفجور عود نفع أو ضرٍّ على أهلهما، وفي ذلك كلَّه إشارةٌ إلى أن ملكه تعالى على غاية الكمال، لا يزيد بطاعة جميع الخلق وكونهم على أكمل صفة البِرِّ والتقوى، ولا ينقص بمعصيتهم؛ لأنه تعالى الغني المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، فملكه كاملٌ لا نقدس فيه بوجهٍ، بل لا يتصور وجود أكملَ منه على ما أشار إليه حجة

стр. 422

الإسلام الغزالي قدس اللَّه روحه بقوله: (ليس في الإمكان أبدع مما كان) (١) أي: تمَّ وتعلَّقتِ القدرة الباهرة بإيجاده على أكمل الأحوال وأتقنها وأكملها، وما فيه من الشر. . فهو إضافيٌّ بالنسبة لبعض الأشياء، وليس شرًا مطلقًا بحيث يكون عدمه خيرًا من وجوده، بل وجوده مع ذلك خيرٌ من عدمه، ويصح أن يراد هذا من خبر (٢): "والشر ليس إليك" أي: الشر المحض الذي عدمه خيرٌ من وجوده ليس موجودًا في ملكك. (يا عبادي؛ لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد) أي: أرضٍ واحدةٍ ومقامٍ واحدٍ (٣) (فسألوني، فأعطيت كل واحدٍ مسألته (٤). . ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط) هو بكسرٍ فسكونٍ ففتحٍ: الإبرة (إذا أُدخل البحر) أي: وهو في رأي العين لا ينقص من البحر شيئًا، فكذلك الإعطاء من الخزائن الإلهية لا يَنقُصها شيئًا ألبتة؛ إذ لأنهاية لها، والنقص مما لا يتناهى محال، بخلافه مما يتناهى كالبحر وإن جلَّ وعظم وكان أكبر المرئيات في الأرض، بل قد يوجد العطاء الكثير من المتناهي ولا يَنْقُصه؛ كالنار والعِلْم؛ يُقتبَس منهما ما شاء اللَّه تعالى ولا ينقص منهما شيء، بل قد يزيد العلم على الإعطاء. فعلم أن قوله هنا: "إلا كما. . . إلخ" وقول الخضر لموسى صلى اللَّه على نبينا وعليهما وسلم: (ما نقص علمي وعلمك من علم اللَّه إلا كما نقص هذا العصفور -أي: الذي رأياه يشرب- من هذا البحر) (٥)، وزَعْمُ بعضهم فرقًا بين هذينِ، وأن العصفور ينقص منه، بخلاف المخيط إذا دخل فيه. . ممنوعٌ؛ إذ الإبرة إذا دخلت في

стр. 423

الماء يتعلَّق بها منه شيءٌ وإن لطف، وإنكار ذلك غباوةٌ ظاهرةٌ. . ليس المراد بهما حقيقتهما (١)، وإنما بها كلٌّ منهما مَثَلٌ تقريبيٌّ للإفهام (٢)؛ ليعلم منه أنه لا نقص في تلك الخزائن ولافي علم اللَّه ألبتة، لا لعدم نقص ماء البحر من غرز المخيط ونقرة العصفور. فالجامع بين إدخال المخيط في البحر والإعطاء من تلك الخزائن عدمُ النقص من حيث المشاهدةُ الصورية فيهما كان افترقا في أنَّا إذا نظرنا إليهما بعين الحقيقة. . وجدنا البحر ينقص بهذا الشيء القليل المأخوذ منه الذي لا يكاد يُدرك، وتلك الخزائن لا تنقص شيئًا مما أفاضه اللَّه تعالى منها من حين خلق السماوات والأرض إلى انقضاء هذا العالم، ثم من حين بعثه إلى ما لا نهاية له؛ لما تقرر من استحالة نقص ما لا يتناهى. ومن ثم قال ﷺ : "يمين اللَّه -أي: إعطاؤه وإفاضته على عباده من تلك الخزائن- سحَّاءُ الليلَ والنهارَ -أي: دائمة فيهما لا يَغيضها ولا ينقصها شيء- أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، لم يَغِضْ ما في يمينه؟! " (٣) أي: لم ينقص شيئًا مما في خزائن قدرته؛ لأن عطاءه تعالى بين (الكاف) و (النون): ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وحديث ابن ماجه الآتي قريبًا مصرِّحٌ بهذه العِلَّة، وليس المراد أن هناك قولًا يتوقف عليه الإيجاد، وإنما هو كنايةٌ عن وجوده في أسرع وقت عقب تعلق الإرادة به، فعبَّر عن تلك السرعة بزمن (كن) إذ لا يمكن أقل منه في العقول (٤)، فقدرته تعالى صالحةٌ للإيجاد دائمًا، لا يعتريها عجزٌ ولا قصورٌ، ولا ملَلٌ ولا فتورٌ. وحكمة ضرب المثل هنا بما ذكر: أنه غاية ما يضرب به المثل في القلة؛ إذ البحر من أعظم ما يعاين، والإبرة من أصغره، مع أنها صقيلةٌ لا يتعلَّق بها ماءٌ إلا ما لا يمكن إدراكه كما، وفي هذا تنبيهٌ أيُّ تنبيهٍ للخلق على إدامتهم لسؤاله تعالى مع

стр. 424

إعظام الرغبة وتوسيع المسألة، فلا يختصر سائلٌ، ولا يقتصر طالبٌ؛ لما تقرر أن خزائن الرحمة سحَّاء الليل والنهار، لا يَغيضها الإعطاء وإن جلَّ وعظم. وقيل: إن ذلك إشارة للنعمة المخلوقة، وهي يُتصوَّر فيها النقص كالبحر (١). و (نقص) يستعمل لازمًا كنقص المال، ومتعديًا كما هنا؛ إذ مفعول الماضي والمضارع محذوفٌ بدليل السياق. (يا عبادي؛ إنما هي أعمالكم أُحصيها) أي: أضبطها (لكم) بعلمي وملائكتي الحفظة، واحتيج لهم معه لا لنقصه عن الإحصاء، بل ليكونوا شهداء بين الخالق وخلقه، وقد ينضم إليهم شهادة الأعضاء زيادة في العدل: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. لا يقال: قضية (إنما) انحصارُ فائدة الناس في معادهم في ثواب أعمالهم ونفيُ المزيد مع ثبوت النص والإجماع به في نحو: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ لأنَّا نقول: الحصر إنما هو بالنسبة لجزاء الأعمال (٢)؛ أي: لا جزاء ينقسم إلى خيرٍ وغيره إلا عن عملٍ يكون سببًا له، وأما الزيادة على ذلك. . فلم يتعرَّض لها بنفيٍ ولا إثباتٍ، وقد صحَّت فيها نصوصٌ أُخرى لا معارض لها، فوجب الأخذ بها. (ثم أُوفِّيكم إياها) أي: جزاءها في الآخرة، على حدِّ: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فلما حذف المضاف. . انقلب المجرور منصوبًا منفصلًا، أو في الدنيا أيضًا؛ لما روي: أنه ﷺ فسَّر ذلك بأن المؤمنين يُجازَون بسيئاتهم في الدنيا، ويدخلون الجنة بحسناتهم، والكافر يُجازَى بحسناته في الدنيا، ويدخل النار بسيئاته.

стр. 425

(فمن وجد خيرًا) أي: ثوابًا ونعيمًا، بأن وُفِّق لأسبابهما، أو حياةً طيبةً هنيئةً مريئةً؛ كما قال اللَّه تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. (فليحمد اللَّه) تعالى على توفيقه للطاعات التي ترتب عليها ذلك الخير والثواب فضلًا منه تعالى ورحمة، وعلى إسدائه ما وصل إليه من عظيم المبرَّات؛ إذ لا يجب عليه شيءٌ لأحدٍ من خلقه (١)، فعلم أنه إن أُريد بذلك الآخرة فقط. . كان الأمر بذلك بمعنى الإخبار بأن من وجد خيرًا فيها. . حمد اللَّه تعالى عليه، ومن وجد غيره. . لام نفسه حين لا ينفعها اللوم. وجاء في آياتٍ الإخبارُ عن أهل الجنة بأنهم يحمدون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾، ﴿لْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ الآيات. وعن أهل النار بأنهم يلومون أنفسهم: ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآيتينِ. وأخرج الترمذي: "ما من ميتٍ يموت إلا ندم، فإن كان محسنًا. . ندم ألَّا يكون ازداد، وإن كان مسيئًا. . ندم ألَّا يكون استعتب" (٢). (ومن وجد غير ذلك) أي: شرًا، ولم يذكره بلفظه؛ تعليمًا لنا كيفيةَ الأدب في النطق بالكناية عمَّا يؤذي، ومثله ما يُستقبح أو يُستحيى من ذكره، أو إشارةً إلى أنه إذا اجتنب لفظه. . فَكيف بالوقوع فيه؟! أو إلى أنه حييٌّ كريمٌ يحب الستر ويغفر الذنب، فلا يعاجل بالعقوبة، ولا يهتك الستر. ثم رأيت بعضهم أجاب بجوابٍ آخر (٣)، فقال: ولم يقل: شرًا؛ إشارة إلى أنه إذا اجتنب لفظه. . فكيف الوقوع فيه؟!

стр. 426

(فلا يلومنَّ إلا نفسه) فإنها آثرت شهواتها ومستلذاتها على رضا خالقها ورازقها، فكفرت بأنعُمِ اللَّه، ولم تُذْعن لأحكامه وحكمه، فاستحقَّتْ أن يعاملها بمظهر عدله، وأن يحرمها مزايا جوده وفضله، نسأل اللَّه تعالى العافية من ذلك، وأن يمنَّ علينا بالسلامة من خوض غمرة هذه المهالك، إلى أن نلقاه مُبشَّرين بقربه ورضاه، آمين. واحتيج هنا للتأكيد بالنون؛ تحذيرًا أَن يخطر في قلب عاملٍ أن مستحق اللوم غيرُ نفسه، وليس كذلك؛ لأن اللَّه تعالى أوضح وأعذر حتى لم يُبقِ حجةً لأحدٍ، وفيه إيماء إلى ذم ابن آدم وقلة إنصافه؛ فإنه يحسب طاعته من عمله لنفسه ولا يسندها إلى التوفيق، ويتبرأ من معاصيه ويسندها إلى الأقدار؛ فإن كان لا تصرُّفَ له كما يزعم. . فهلَّا كان ذلك في الأمرين؟! كان كان له تصرُّف. . فلِمَ ينفيه عن أحدهما؟! ووجهُ ختم هذا الحديث بهذه الجملة: التنبيهُ على أن عدم الاستقلال بنحو الإطعام والستر لا يناقض التكليف بالفعل تارةً وبالترك أخرى؛ لأنَّا وإن علمنا أنَّا لا نستقل، لكننا نحسُّ بوجدان الفرق بين الحركة الاضطرارية كحركة المرتعش، والاختيارية كحركة السليم، وهذه التفرقة راجعةٌ إلى تمكُّن محسوس مشاهد، وأمرٍ معتاد، يوجد مع الاختيار دون الاضطرار، وهذا هو مورد التكليف المعبَّر عنه بالكسب، فلا تناقض ولا تعسُّف. والحاصل: أن المعاصي التي يترتب عليها العقاب والشر وإن كانت بقدرة اللَّه تعالى وخذلانه. . فهي بكسب العبد، فلْيَلُمْ نفسَه؛ لتفريطه بالكسب القبيح، وأن قول القدرية: هذا حجةٌ لنا؛ لأن لوم العبد نفسَه على سوء العاقبة يقتضي أنه الخالق لأفعاله، وأن قوله: "فلا يلومن إلا نفسه" تنصُّلٌ من المعصية، وأنه ليس له فيها تأثير بخلق فعل ولا تقديره. . باطلٌ بنص قوله تعالى (١): ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، والآيات في نحو هذا المعنى كثيرة، وقد قدمت منها جملةً في شرح قوله: "كلكم ضال إلا من هديته".

стр. 427

ثم يلزمهم أن مَنْ وجد خيرًا لا يحمد اللَّه تعالى؛ لأنه لا أثر له على ما زعموه، بل يحمد الإنسان نفسه؛ لأنه الخالق لطاعته، الموجد لسلامته، وهذا مراغمةٌ للنص المذكور وغيره، وقد أخبر اللَّه تعالى عن أهل الجنة بأنهم يقولون فيها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. (رواه مسلم) وهو حديثٌ عظيمٌ ربانيٌّ، مشتملٌ على قواعد عظيمةٍ في أصول الدين، وفروعه، وآدابه، ولطائف القلوب، وغيرها، وقد ساقه المصنف رحمه اللَّه تعالى في "أذكاره" بإسناده وختم به، وفيه: (عن رسول اللَّه ﷺ ، عن جبريل، عن اللَّه سبحانه تعالى) ثم نقل أن أبا إدريس راويَهُ عن أبي ذرٍّ كان إذا حدَّث به. . جثا على ركبتيه تعظيمًا له وإجلالًا. ورجال إسناده دمشقيون، قال أحمد: (ليس لأهل الشام حديثٌ أشرف منه) (١). وأخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه بزيادة: "يا عبادي؛ كلكم مذنبٌ إلا من عافيت، فاسألوني المغفرة أغفر لكم، ومن علم منكم أني ذو قدرةٍ على المغفرة فاستغفرني بقدرتي،. . غفرت له ولا أبالي، وكلكم فقير إلا من أغنيت، فاسألوني أرزقكم، فلو أن حيَّكم وميتكم، وأولكم وآخركم، ورطبكم ويابسكم، اجتمعوا فسألوني فكانوا على قلب أتقى عبدٍ من عبادي. . لم يزد في ملكي جناح بعوضة، ولو اجتمعوا فكانوا على قلب أشقى عبدٍ من عبادي. . لم ينقص من ملكي جناح بعوضة، ولو أن حيكم وميتكم، وأولكم واخركم، ورطبكم ويابسكم، اجتمعوا فسأل كل سائلٍ منهم ما بلغت أمنيته. . ما نقص من ملكي إلا كما لو كان أحدكم مر بالبحر فغمس فيه إبرةً ثم نزعها، ذلك بأني جوادٌ ماجدٌ، أفعل ما أُريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له: كن، فيكون" (٢).

стр. 428

فائدة [في الفرق بين القرآن والأحاديث القدسية، وأقسام كلام اللَّه تعالى] يعم نفعها ويعظم وقعها في الفرق بين الوحي المتلو وهو القرآن، والوحي المروي عنه ﷺ عن ربه ، وهو ما ورد من الأحاديث الإلهية، وتسمى القدسية، وهي اكثر من مئة، وقد جمعها بعضهم في جزءٍ كبيرٍ، وحديث أبي ذرٍّ هذا من أجلِّها. اعلم أن الكلام المضاف إليه تعالى أقسامٌ ثلاثة: أولها -وهو أشرفها-: القرآن؛ لتميزه عن البقية بإعجازه من أوجهٍ قدمناها أولَ الكتاب (١)، وكونِه معجزةً باقيةً على ممر الدهر، محفوظةً من التغيير والتبديل، وبحرمة مسِّه للمحدث، وتلاوته لنحو الجُنب، وروايته بالمعنى، وبتعيُّنه في الصلاة، وبتسميته قرآنًا، وبأن كل حرفٍ منه بعشر حسنات، وبامتناع بيعه في روايةٍ عند أحمد، وكراهته عندنا، وبتسمية الجملة منه آية وسورة. وغيرُه من بقية الكتب والأحاديث القدسية لا يثبت لها شيءٌ من ذلك، فيجوز مسُّه، وتلاوته لمن ذكر، وروايته بالمعنى، ولا يجزئ في الصلاة، بل يبطلها، ولا يُسمى قرآنًا، ولا يُعطى قارئه بكل حرفٍ عشرًا، ولا يُمنع بيعه، ولا يُكره اتفاقًا، ولا يُسمى بعضه آية ولا سورة اتفاقًا أيضًا. ثانيها: كتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل تغييرها وتبديلها. ثالثها: بقية الأحاديث القدسية، وهي ما نُقل إلينا آحادًا عنه ﷺ مع إسناده لها عن ربه، فهي من كلامه تعالى، فتضاف إليه، وهو الأغلب، ونسبتها إليه حينئذ نسبة إنشاء؛ لأنه المتكلم بها أولًا، وقد تضاف إلى النبي ﷺ ؛ لأنه المخبر بها عن اللَّه تعالى، بخلاف القرآن؛ فإنه لا يضاف إلا إليه تعالى، فيقال فيه: قال اللَّه تعالى، وفيها: قال رسول اللَّه ﷺ فيما يروي عن ربه.

стр. 429

واختلف في بقية السُّنَّة؛ هل هو كله بوحي أو لا؟ وآية: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ تؤيد الأول، ومن ثم قال ﷺ : "ألا إني أُوتيت الكتاب ومثله معه" (١). ولا تنحصر تلك الأحاديث القدسية في كيفيةٍ من كيفيات الوحي، بل يجوز أن تنزل بأي كيفيةٍ من كيفياته؛ كرؤيا النوم، والإلقاء في الرُّوع، وعلى لسان المَلَك، ولراويها صيغتان: إحداهما: أن يقول: قال رسول اللَّه ﷺ فيما يروي عن ربه، وهي عبارة السلف، ومن ثم آثرها المصنف فيما مر. ثانيتهما: أن يقول: قال اللَّه تعالى فيما رواه عنه رسول اللَّه ﷺ ، والمعنى واحد. * * *

стр. 430

الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذِّكر] عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَيْضًا: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالوا لِلنَّبيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ ذَهبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بالأُجُورِ؛ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: "أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟! إِنَّ بكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟! قَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ، أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟! فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ. . كَانَ لَهُ أَجْرٌ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (عن أبي ذر رضي اللَّه) تعالى (عنه أيضًا: أن ناسًا من أصحاب) (٢) هو كصحابة -بفتح أوله وقد يكسر- وصُحْبان، وصِحَاب، جمع صاحبٍ بمعنى الصحابي؛ وهو: من اجتمع بمحمدٍ ﷺ بعد النبوة وقبل وفاته مؤمنًا به، ومات على ذلك وإن لم يره؛ ليدخل الأعمى نحو ابن أم مكتوم، كان لم يروِ عنه وإن لم يجتمع به إلا لحظة، سواء كان من الإنس أو من غيرهم، وتُعرف الصُّحبة بنحو استفاضةٍ، وقولِ صحابيٍّ آخر، وكذا بقوله نفسه إذا كان عدلًا (٣).

стр. 431

والتابعي: هو الذي رأى صحابيًا وجالسه، والفرق: أن اجتماع لحظةٍ معه صلى اللَّه عليه وسام تُفيد مَنْ حصلت له مِن انشراح الصدر، وحقائق القرب، وغرائب العلم والحكمة؛ كما هو مشاهدٌ في الصحابة ما لا يفيد عُشْرَ معشارها صحبةُ غيره -وإن جلَّ قدره واتسع علمه- سنين. واعلم: أن الذي عليه معظم أهل الحق والسُّنة أن الصحابة كلَّهم عدولٌ، لأن اللَّه تعالى زكَّاهم وشهد لهم بالصدق والنجاة في آيٍ كثيرةٍ من كتابه العزيز، وقد بسطتُ ذلك بأدلته الواضحة الجلية في كتابي "الصواعق المحرقة لإخوان الشياطين والابتداع والضلال والزندقة" فانظره؛ فإنه مهمٌّ، وما أظن أنه صُنِّف مثله في بابه من إثبات حقيَّه خلافة الصديق رضي اللَّه تعالى عنه وفروعها من خلافة عمر، ثم عثمان، وإمارة علي (١)، ثم الحسن رضي اللَّه تعالى عنهم، وإثبات فضائلهم على هذا الترتيب، واستقصاء ما ورد منها، ثم فضائل أهل البيت، وما اختصوا به، وما امتُحِنوا به، مستقصاةً أتم استقصاءٍ، ثم فضائل الصحابة، وحكم ما جرى بينهم، واختلاف الناس في يزيد، وما يتعلَّق بأطراف ذلك مما ينشرح له الصدر، وتقرُّ به العين، أسأل اللَّه تعالى قبوله، آمين. (رسول اللَّه ﷺ قالوا للنبي) بالهمز من (النبأ) وهو الخبر؛ لأن النبي مخبرٌ عن اللَّه تعالى (٢)، وبتركه من (النبا) مسهَّلًا (٣)، أو من (النَّبْوَة)، وهي الرفعة؛ لأن النبي مرفوع الرتبة على غيره، والنبوة أعم من الرسالة، والرسالة أفضل منها، كما مرَّ تحقيق ذلك أول الكتاب (٤). ﷺ : يا رسول اللَّه؛ ذهب أهل الدثور) بضم الدال وبالمثلثة،

стр. 432

جمع (دَثْر) بفتح فسكون؛ وهو: المال الكثير، يقال: مال دَثْر، ومالان دَثْر، وأموال دَثْر. (بالأجور) الكثيرة لكثرة أعمالهم؛ فإنهم (يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم) أي: بأموالهم الفاضلة عن كفايتهم، وقيَّدوا بذلك؛ بيانًا لفضل الصدقة؛ فينها بغير الفاضل عن الكفاية إما مكروهةٌ، أو محرمةٌ، على التفصيل المقرر فيها في الفقه (١)، وقولهم ما ذُكر ليس حسدًا، بل غبطةً وطلبًا للمنافسة فيما يتنافس فيه المتنافسون من طلب مزيد الخير ومنتهاه؛ لشدة حرصهم على الأعمال الصالحة، وقوة رغبتهم في الخير؛ قال اللَّه تعالى: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾. ولمَّا فهم منهم ﷺ ذلك. . (قال) لهم جوابًا وتطمينًا لخاطرهم وتقريرًا؛ لأنهم ربما ساووا الأغنياء: (أَوَليس) أي: أتقولون ذلك؟! أي: لا تقولوه؛ فإنه (قد جعل اللَّه) (لكم ما تصَّدَّقون) بتشديد الصاد، كما هو الروابة؛ أي: تتصدقون به، أُدغمت إحدى التاءين بعد قلبها صادًا في الصاد، وقد تحذف إحداهما فتخفف الصاد. (إن) لكم (٢) (بكل تسبيحةٍ) أي: قول: سبحان اللَّه؛ أي: بسببها؛ كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ولا ينافيه خبر: "لن يدخل أحدكم -وفي رواية: أحدٌ منكم- الجنة بعمله. . . " الحديث (٣):

стр. 433

إما لأن الآية فرب نيل الدرجات، فهي بسبب الأعمال وتفاوتها، والحديث في أصل دخول الجنة، فهم بمحض الفضل؛ إذ لا يكافئه عملٌ. وإما لأن الإسلام هو المتكفِّل بدخول الجنة، وهو محمل الآية، وبقية الأعمال سببٌ في نيل درجاتها لا في دخولها، وهو محمل الحديث. وإما لأن واحدًا منهما ليس سببًا لدخولٍ ولا نيلٍ لذاته، وهو محمل الخبر، بل لتفضل اللَّه تعالى علينا بجعله سببًا، وهو محمل الآية. (صدقة) اسمها (١) و (بكل) متعلق الخبر المحذوف، وليس بخبر؛ لعدم الفائدة. (وكل تكبيرة) (٢) أي: قول: اللَّه أكبر (صدقة) برفعه كالذي بعده استئنافًا، وبنصبه عطفًا على (صدقة). (وكلِّ) بكسر اللام (تحميدة) أي: قول: الحمد للَّه (صدقة، وكل تهليلة) أي: قول: لا إله إلا اللَّه (صدقة، وأمرٌ) سوغ الابتداء به عمله في الظرف، وكذا (نهيٌ) ونُكِّرا إيذانًا بأن كل فردٍ من أفرادهما صدقة، ولو عُرِّفا. . لاحتمل أن المراد جنسهما، أو معهودٌ منهما، فلا يفيد النص على ذلك. (بالمعروف) عرَّفه إشارةً إلى تقرُّره وثبوته، وأنه مالوفٌ معهودٌ (صدقة، ونهيٌ عن منكرٍ) نكَّره إشارة إلى أنه في حيز المعدوم أو المجهول الذي لا إلف للنفس به (صدقة) بشروطه المقررة في الفقه؛ ومنها: أن يكون مجمعًا على وجوبه أو تحريمه، أو أن يَعلم مِن الفاعل اعتقادَ ذلك حال ارتكابه بخلافه (٣)، وأن يقدر على إزالته إما بيده أو إبلسانه، بأن لم يخش ترتب مفسدةٍ عليه، أو لحوق ضررٍ له في نحو نفسه أو ماله.

стр. 434

وتسميته ما ذكر وما يأتي صدقة من مجاز المشابهة (١)؛ أي: أن لهذه الأشياء أجرًا كأجر الصدقة في الجنس؛ لأن الجميع صادرٌ عن رضا اللَّه تعالى مكافأةً على طاعته، إما في القَدْر أو الصفة (٢)، فيتفاوت بتفاوت مقادير الأعمال وصفاتها وغاياتها وثمراتها، وقيل: معناه: أنها صدقةٌ على نفسه. وفيه فضل هذه الأذكار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتأخيرهما عنها من باب الترقي (٣)؛ لوجوبهما عينًا أو كفايةً، بخلافها، ولا شك أن الواجب بقسميه أفضل من النفل (٤)؛ لحديث البخاري: "ما تقرَّب إليَّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم" (٥) بل نقل إمام الحرمين أن ثواب الفرض يزيد على ثواب النفل بسبعين درجة، واستأنسوا له بحديث، وقد بينتُ ذلك وما فيه في "شرح الإرشاد" (٦) وحقيقة الصدقة موجودةٌ فيهما؛ لنفعهما باقي الناس بإسقاط الحرج عنهم، ومن ثم قال جماعةٌ من أئمتنا: إن فرض الكفاية أفضل من فرض العين؛ لأن نفعه يخص الفاعل، ونفع فرض الكفاية يعم الأمة؛ لسقوط حرجه عنهم. وفيه إيماءٌ إلى أن الصدقة للقادر عليها أفضل من هذه الأذكار، ويؤيده: أن العمل المتعدي أفضل من القاصر غالبًا، وإلى أن تلك الأذكارَ إذا حسنت النية فيها. . ربما يساوي أجرها أجر الصدقة، سيما في حق من لا يقدر على الصدقة.

стр. 435

(وفي بُضع) بضم فسكون؛ أي: فرج أو جماع (أحدكم) (١) لحليلته (صدقة) أي: إذا قارنته نيةٌ صالحةٌ؛ كإعفاف نفسه أو زوجته عن نحو نظرٍ أو فكرٍ أو همٍّ محرم، أو قضاء حقها من معاشرتها بالمعروف المأمور به، أو طلب ولدٍ يوحِّد اللَّه تعالى، أو يتكثَّر به المسلمون، أو يكون له فرطًا إذا مات؛ لصبره على مصيبته. فعلم أن المباح يصير طاعةً بالنية الصالحة، وأن منها ما يُصَيِّر المباضعة صدقةً على المسلمين باعتبار ما ينشأ عنها من وجود ولدٍ صالحٍ يحمي بيضة الإسلام، أو يقوم ببيان العلوم والأحكام، وأنه لا حجة فيه للكعبي من المعتزلة على أن المباح مأمورٌ به؛ لأنه إما محمولٌ على ما قررناه وهو الأظهر، أو يقال: إنما الذي دلَّ عليه أن جماع الحليلة قربةٌ وإن لم ينو، فلا دلالة فيه على أن مطلق المباح مأمورٌ به بوجهٍ. ووجه إعراض الأئمة عن ظاهره المذكور: ما تقرر عندهم أن النكاح من حيث ذاته إنما هو من باب المباحات؛ لِمَا للنفس فيه من الشهوة النفسانية، لا من باب العبادات إلا بالنية. و (ق) هنا بمعنى (باء) السببية، ونظيره خبر: "في النفس المؤمنة مئةٌ من الإبل" (٢) أو باقيةٌ على ظرفيتها، لكن بتجوُّزٍ؛ كأنَّ البضع لمَّا ترتب عليه ذلك الثواب بشرطه. . صار كالظرف له، وعلى كلٍّ يستفاد منه أن جميع أنواع فعل المعروف والإحسان صدقةٌ، ويوافقه خبر مسلم: "كل معروف صدقةٌ" (٣). وقوله ﷺ في القصر: "صدقة تصدَّق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته" (٤). وفي حديث: "من نام عن ورده. . كتب اللَّه له أجر صلاته، وكان نومه صدقةً من اللَّه تصدَّق بها عليه" أخرجه النسائي وغيره (٥).

стр. 436

وأخرج ابن ماجه والبزار: "ما من يومٍ ولا ليلةٍ ولا ساعةٍ إلا للَّه فيها صدقة يمنُّ بها على من يشاء من عباده، وما مَنَّ اللَّه على عبده مثلَ أن يلهمه ذكره" (١). (قالوا: يا رسول اللَّه؛ أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟!) استبعدوا حصوله بفعلٍ مستلَذٍّ نظرًا إلى أنه إنما يحصل غالبًا في عبادةٍ شاقةٍ على النفس مخالِفةٍ لهواها. (قال: أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه وزر؟!) أي: إثم (فكذلك إذا وضعها في الحلال؛ كان له أجرٌ) بالرفع، وروي بنصبه، وهما ظاهران. وظاهر إطلاقه: أن الإنسان يؤجر في جماع حليلته مطلقًا، وبه قال بعضهم، لكن حديث أحمد الآتي قريبًا ظاهرٌ في تقييد ذلك بنية طلب ولدٍ يُربِّيه ويؤدِّبه ويحتسبه عند موته، وكنيَّتِهِ نيةُ إعفاف فرجه، ويؤيد هذا: أنه جاء في رواياتٍ كثيرةٍ: أن نفقة الرجل على أهله -زوجته وعياله- صدقة (٢)، لكنه قيَّد في رواية مسلم بقوله ﷺ : "وهو يحتسبها" فدل على أن شرط ثواب الصدقة احتسابها، وإذا كان هذا في الإنفاق الواجب. . فأَولى الجماع المباح. وفي روايةٍ في "الصحيحين": "إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه اللَّه إلا أُجرت عليها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك" (٣) فيه دليلٌ لجواز القياس، سيما قياس العكس المذكور فيه؛ وهو: إثبات ضد الحكم لضد الأصل، كإثبات الوزر المضاد للصدقة للزنا المضاد للوطء المباح (٤)؛ أي: كما يأثم في ارتكاب الحرام يؤجر في فعل الحلال، ومنه قول ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه: قال رسول اللَّه ﷺ : "من مات لا يشرك باللَّه شيئًا. . دخل الجنة" وأنا أقول: من مات يشرك باللَّه شيئًا. . دخل النار (٥).

стр. 437

ويقابله قياس الطرد؛ وهو: إثبات مثل حكم الأصل للفرع إما بالأولى، أو المساواة، أو الأدْوَنية، ومخالفةُ بعض الأصوليين في قياس العكس ضعيفٌ، وأهلِ الظاهر في القياس من أصله، أو في غير الجلي منه. . مخالفٌ لما أطبق عليه العلماء كافةً من جوازه مطلقًا بشروطه المقررة في الأصول، فلا يعتد بخلافهم على عادتهم، وما نقل عن التابعين من ذمه محمولٌ على قياسٍ معارضٍ للنص، أو فُقِد فيه بعض تلك الشروط. وفيه أيضًا: أنه ينبغي قرن النية الصالحة بالمباح، لِتقْلبَهُ طاعةً، وأنه لا بأس بذكر المفتي بعضَ الأدل لا الخفية، لكن يراعى الاختصار ما أمكن، وأنه لا بأس بسؤاله عن الدليل الخفي إذا علم منه أنه لا يكره ذلك ولم يكن فيه سوء أدب. (رواه مسلم) وهو حديثٌ عظيمٌ؛ لاشتماله على قواعد نفيسةٍ من قواعد الدين كما يعلم ممَّا ذكرناه وسنذكره. وظاهر سياقه: أن الغني الشاكر -وهو من لا يبقي ممَّا يدخل عليه من ماله إلا ما يحتاج إليه حالًا أو ما يُرصده لأحوج أو نحوه- أفضلُ من الفقير الصابر، وهو الأصح كما بينته في أدلته وما فيه من الخلاف الطويل في "شرح العباب" وفي الكتاب السابق ذكره في (شرح الخامس عشر) (١). ووَجْه أن ذلك ظاهره: أن الفقراء ذكروا له ﷺ ما يقتضي فضل الأغنياء عليهم بالتصدُّق، فأقرَّهم ولم يجبهم بأنهم أفضلُ منهم، أو مساوون لهم، وإنما علَّمهم ما يشاركهم الأغنياء فيه مع امتيازهم بما لا يشاركهم الفقراء فيه، وهو التصدُّق بفضول أموالهم. ومن ثم لمَّا أشار الفقراء إلى هذا التمييز عليهم. . قال لهم ﷺ : "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء" وحملُه على أنه أراد به إنكم فضلتم الأغنياء، أو

стр. 438

ساويتموهم وإن لم تكن لكم قُرَبٌ ماليةٌ وذلك فضل اللَّه عليكم. . خلافُ ظاهر الحديث فلا يعوَّل عليه. ولفظه في "الصحيحين": إن فقراء المهاجرين أتوا النبي ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا والنعيم المقيم، فقال: "وما ذاك؟ " قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال ﷺ : "أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟! " قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "تسبحون، وتكبرون، وتحمدون دبر كل صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين مرة" قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول اللَّه ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهلُ الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء" (١). فعلم أن الذي دل عليه ظاهره إنما هو أفضلية غنى شارك الفقير في عبادته وزاد عليه بقُرَبٍ ماليةٍ، وهذا لا شك فيه كما قاله شيخ الإسلام ابن دقيق العيد، وإنما الذي يتردَّد النظر فيه إذا تساويا في أداء الواجب فقط، وزاد الفقيرُ بنوافل الأذكار، والغنيُّ بنوافل الصدقات. وقاعدة أن العمل المتعدي أفضل من القاصر غالبًا. . تشهد لأفضلية الغني هنا أيضًا (٢)، لكن وردت ظواهر تخالف ذلك، وتقتضي تفضيل الذِّكر على الصدقة بالمال؛ كحديث أحمد والترمذي: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخيرٍ لكم من أن تَلْقَوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟! " قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: " ذكر اللَّه " (٣).

стр. 439

وخبر "الصحيحين": "من قال: لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي، ويميت، وهو على كل شيءٍ قدير في يومٍ مئة مرة. . كانت له عدل عشر رقاب، وكُتب له مئة حسنة، ومُحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومَه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ عمل أكثر من ذلك" (١). وكحديث أحمد والترمذي: أيُّ العباد أفضل عند اللَّه يوم القيامة؟ قال: "الذَّاكرون اللَّه كثيرًا" قلتُ: يا رسول اللَّه؛ ومِنَ الغازي في سبيل اللَّه؟ قال: "لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دمًا. . لكان الذاكرون اللَّه أفضل منه درجة" (٢). وحديث الطبراني: "لو أن رجلًا في حجره دراهم يقسمها، وآخر يذكر اللَّه. . كان الذاكر للَّه أفضل" (٣) لكن قال بعضهم: الصحيح: أن هذا موقوفٌ (٤). وحديثه أيضًا: "من كبَّر مئةً، وسبَّح مئةً، وهلَّل مئةً. . كانت له خيرًا من عشر رقابٍ يعتقها، وكان سبع بدناتٍ ينحرها" (٥). وأخذ بقضية هذه الأحاديث جماعة من الصحابة والتابعين فقالوا: إن الذكر أفضل من الصدقة بعدده من المال، ويدل له أيضا حديث أحمد والنسائي: أنه ﷺ قال لأم هانئٍ: "سبِّحي اللَّه تعالى مئة تسبيحةٍ؛ فإنها تعدل مئة رقبةٍ من وُلْدِ إسماعيل، واحمدي اللَّه تعالى مئة تحميدةٍ؛ فإنها تعدل مئة فرسٍ ملجمةٍ مسرجةٍ تحملين عليها في سبيل اللَّه، وكبِّري اللَّه مئة تكبيرةٍ؛ فإنها تعدل لك مئة بدنةٍ مقلَّدةٍ متقبَّلةٍ، وهلِّلي اللَّه مئة تهليلة -ولا أحسبه إلا قال-: تملأ ما بين السماء والأرض، ولا يرفع يومئذٍ لأحدٍ مثل عملك إلا أن يأتي بمثل ما أتيتِ به" (٦).

стр. 440

ولا يعكر على ما من أفضلية الغني ما امتاز به الفقير من تطهر أخلاقه، وحسن رياضته بصبره على فقره؛ لأن المفضول قد يمتاز على الفاضل بفضيلةٍ -بل فضائل- يخلو عنها الفاضل، على أن لك أن تمنع هذا التميز بأن الغني عنده أيضًا رياضةٌ أيُّ رياضةٍ بالشكر، وتطهير أيُّ تطهر لأخلاقه من الشح، والإمساك، والتفاخر بالدنيا وجمعها، وغير ذلك من آفاتها العجيبة، التي لو طرقت واحدةٌ منها الفقيرَ. . لربما أذهبت طهارة أخلاقه وحلاوة إملاقه. فاندفع بهذا الذي قررته -وإن لم أَرَ من سبَقني إليه- توجيهُ ما ذهب إليه جمهور الصوفية من تفضيل الفقير الصابر بأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها، وذلك مع الفقر أكثر منه مع الغِنى. ووجه اندفاعه: ما ذكرته من منع الأكثرية، بل التهذيب والرياضة في الغني أتم منهما في الفقير، لما علمت، ويؤيده: أن الفقر مع الصبر هو أوائل أحواله ﷺ ، والغِنى مع الشكرِ هو آخرها، وعادةُ اللَّه تعالى الجاريةُ مع أنبيائه ورسله: أنه لا يختم لهم إلا بأفضل الأحوال والمقامات، فختمه لأفضل خلقه بالغِنى مع الشكر دليلٌ أيُّ دليل على أنه أفضل من الفقر مع الصبر (١). فإن قلت: فقره ﷺ إنما كان مع الرضا، وهو أفضل من ذينك. قلت: الرضا موجودٌ معه ﷺ في حالتي الفقر والغنى، فيسقط النظر إليه، ويبقى فيما بينهما تضادٌّ، وهما الفقر مع الصبر، والغنى مع الشكر، وهذا هو الذي ختم اللَّه لنبيه ﷺ به، فكان أفضل من غيره. وتحسُّر الفقراء على فوات ما ينفقونه لا يلحقهم بمن أنفق بالفعل؛ لأن ما بالقوة دون ما بالفعل، وخبر: "نية المؤمن أبلغ من عمله" (٢) إنما هو في نيةٍ قابلت عملًا

стр. 441

خلا عن نيةٍ، وليس كلامنا فيه؛ إذ الشكر يستلزم وجود أكمل النيات وأفضلها؛ فقد حصل للغني الشاكر عملٌ ونيةٌ، وللفقير الصابر نيةٌ فقط، ولا شك أن الأول أفضل؛ لأن تلك النية قد تعمل عملها عند القدرة، وقد لا، فلسنا على يقينٍ من وجود عملٍ معها، بخلافها مكان الشاكر؛ فإنَّا على يقينٍ من وجوده معها، وقوله ﷺ : " اللهم؛ اجعل رزق آل محمدٍ قوتًا" (١) لا شاهد فيه لترجيح الفقر مع الصبر؛ لأنه لا ينافي الغنى مع الشكر؛ لأن شكر الغنيِّ يستلزم أن رزقه كفافٌ وقوت، كما علم مما مر في تفسيره، فاندفع بهذا الذي قررته -مع أني لم أر من سبقني إليه أيضًا- ما للقرطبي وغيره هنا. فتأمل ذلك كله؛ فإنه نفيسٌ. وقد تفضُل الصدقة المتعدية بغير المال الصدقةَ به؛ كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم العلم النافع، وإزالة الأذى عن الطريق، والدعاء للمسلمين، وفي حديثٍ ضعيفٍ: "أفضلُ الصدقةِ اللسانُ" قيل: يا رسول اللَّه؛ وما صدقة اللسان؟ قال: "الشفاعة تفك بها الأسير، وتحقن بها الدم، وتجرُّ بها المعروف والإحسان إلى أخيك، وتدفع عنه الكريهة" (٢). وأخرج ابن حبان في "صحيحه": "ليس من نفسِ ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يومٍ طلعت فيه الشمس" قيل: يا رسول اللَّه؛ ومن أين لنا صدقة نتصدق بها؟! قال: "إن أبواب الجنة لكثيرةٌ: التسبيح، والتكبير، والتحميد، والتهليل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق، وتُسمع الأصم، وتهدي الأعمى، وتدل المستدل على حاجته، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة" (٣). وأخرجه أحمد بنحوه وزاد: "ولك في جِماعك زوجتك أجرٌ" قلتُ: كيف يكون لي أجرٌ في شهوتي؟! فقال ﷺ : "أرأيت لو كان لك ولدٌ فأدرك ورجوت خيره فمات، أكنت تحتسب به؟! " قلت: نعم، قال: "فأنت خلقته؟ "

стр. 442

قلت: بل اللَّه خلقه، قال: "فأنت هديته؟ " قلت: بل اللَّه هداه، قال: "فأنت كنت ترزقه؟ " قلت: بل اللَّه كان يرزقه، قال: "كذلك فضعه في حلاله، وجنبه حرامه؛ فإن شاء اللَّه. . أحياه، وإن شاء. . أماته ولك أجر" (١). * * *

стр. 443

الحديث السادس والعشرون [كثرة طُرُق الخير وتعدُّد أنواع الصدقات] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ تَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خَطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ" رَوَاهُ البُخَاريُّ وَمُسْلِمٌ (١). (عن أبي هريرة) جرُّه هو الأصل، وصوَّبه جماعةٌ؛ لأنه جزءُ علمٍ، واختار آخرون منع صرفه، كما هو الشائع على ألسنة العلماء من المحدثين وغيرهم؛ لأن الكل صار كالكلمة الواحدة، واعترض بأنه يلزم عليه رعاية الأصل والحال معًا في كلمةٍ، بل في لفظة (هريرة) إذا وقعت فاعلًا مثلًا؛ فإنها تعرب إعراب المضاف إليه نظرًا للأصل، وتمنع من الصرف نظرًا للحال، ونظيره خفيٌّ. اهـ ويجاب بأن الممتنع رعايتهما من جهةٍ واحدةٍ، لا من جهتين كما هنا، وكأن الحامل عليه الخفَّة واشتهار هذه الكنية حتى نسي الاسم الأصلي بحيث اختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا كما مر (٢). (رضي اللَّه) تعالى (عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : كل سلامى) هي -بضم السين وتخفيف اللام وفتح الميم: مفرد سلامَيَات بفتح الميم وتخفيف

стр. 444

الياء، وقيل: جمع (١) - عظام الكف والأصابع والأرجل، وأُريد بها هنا جميع عظام الجسد ومفاصله بقرينة خبر مسلم الآتي وغيره: "خلق الإنسان على ستين وثلاث مئة مَفْصِل" ففي كل مَفصِلٍ صدقةٌ. (من الناس عليه) ذكَّره وإن كان السلامى مؤنثة باعتبار العضو أو المَفصِل، لا لرجوعه لكلٍّ كما قيل به؛ لأنها بحسب ما تضاف إليه، وهي هنا أُضيفت لمؤنث، فلو رجع إليها. . لأُنِّث. (صدقة (٢)، كلَّ يوم تطلُع فيه الشمس) في مقابلة ما أنعم اللَّه تعالى به على الإنسان في خلق تلك السلاميات من باهر النَّعم ودوامها، الذي هو نعمةٌ أخرى أشير إليها بقوله: "كل يوم. . . إلخ". ومما يزيد العبد تيقظًا لنعمة الدوام عليه: استحضاره أنه تعالى قادرٌ على سلب نعمة الأعضاء عن عبده في كل يوم، وهو في ذلك عادلٌ في حكمه، فعفوه عن ذلك وإدامة العافية عليه صدقة توجب الشكر دائمًا بدوامها (٣). ومما يزيده تيقظًا أيضا لتلك النِّعم حتى يبالغ في أداء شكرها: أنه ينظر في خَلْق نفسه وما انطوى عليه من العجائب؛ فإنه حينئذٍ يظهر له أنه لو فقد عظمًا واحدًا منها. . اختلَّت عليه حياته كما لو زاد، وأنه لا صنع له في شيءٍ من ذلك، وأنها ما بين طويلٍ وقصيرٍ، ودقيقٍ وغليظٍ، وأنه لو غُيِّرَ واحدٌ منها عمَّا هو عليه. . لاختلَّ نفعه، فإذا أصبح وقد أعطي لين الحركة؛ لما أتقن فيه من تركيب العظام، وجعلها جسمًا صلبًا لا يضعف منه أنبوب ساقيه عن حمل بدن نفسه وبقية جملة البدن، ولا عظم زنده عن إقلال ما يرفعه بيده (٤)، ولا عظام أضلاعه عن وقاية حشاه، ولا عظم يافوخه عن

стр. 445

صيانة دماغه (١). . تعيَّن أن يشكر بالتصدُّق بما يأتي وغيره مَنْ أنعمَ عليه بذلك مقابلةً لتلك النِّعم. وأيضًا: فالصدقة تدفع البلاء، فبوجودها عن أعضائه يرجى اندفاع البلاء عنها. ثم من مزيد لطف اللَّه تعالى بعبده وتفضُّله عليه: تسمية ذلك صدقة إجراءً له مجرى ما يتطوع به. وظاهر قوله: "عليه صدقة كل يوم" وجوب الشكر بهذه الصدقة كل يوم، لكن في حديث "الصحيحين": "فإن لم يفعل. . فليمسك عن الشر؛ فإنه له صدقة" (٢) وهو يدل على أنه يكفيه ألَّا يفعل شيئًا من الشر، ويلزم من ذلك القيام بجميع الواجبات، وترك جميع المحرمات، وهذا هو الشكر الواجب وهو كافٍ في شكر هذه النعم وغيرها (٣). وأما الشكر المستحبُّ. . فهو أن يزيد على ذلك بنوافل الطاعات القاصرة كالأذكار، والمتعدية كالعدل والإعانة، وهذا هو المراد من هذا الحديث وأمثاله السابقة والآتية، مع أنه ذكر فيه بعض الواجبات. وإذ قد تقرر أن للَّه على الإنسان في كل عضو ومفصلٍ نعمةً، وأن كلًّا من تلك النعم يستدعي مزيد الشكر عليه، وأن ذلك الشكر حقٌّ للَّه تعالى على عباده، وأنه تفضل عليهم فسماه صدقةً. . زاد في ذلك التفضُّل عليهم فوهب ذلك الشكر لهم صدقةً عليهم، فكأنه قال: اجعل شكر نعمتي في أعضائك أن تعين بها عبادي وتتصدَّق عليهم بذلك؛ كما أشار ﷺ إلى ذلك بتعقيبه طلبَ الشكر على تلك النِّعم المسمى صدقةً زيادةً في التلطُّف والإنعام بقوله مشيرًا إلى أن

стр. 446

الصدقة لا تنحصر في المال: (تعدل) أي: أن تعدل؛ أي: تصلح؛ لأنه في محل مبتدأ مخبَرٍ عنه بـ (صدقة) أو أوقع فيه الفعل موقع المصدر؛ أي: مع قطع النظر عن (أن) ونظيره: تسمع بالمُعَيْدي خيرٌ من أن تراه (١)؛ أي: أن تسمع، أو سماعك. (بين الاثنين) المتهاجرينِ أو المتخاصمينِ أو المتحاكمينِ، بأن تحملهما لكونك حاكمًا أو مُحَكَّمًا أو مُصلِحًا بالعدل والإنصاف والإحسان بالقول أو الفعل على الصلح الجائز، وفسَّره ﷺ بأنه الذي لا يحل حرامًا، ولا يحرم حلالًا (٢). (صدقة) عليهما؛ لوقايتهما مما يترتمب على الخصام من قبيح الأقوال والأفعال، ومن ثم عظم فضل الصلح، كما أشار إلى ذلك بقوله عزَّ قائلًا: ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ وجاز الكذب فيه مبالغة في وقوع الألفة بين الناس. (وتعين) فيه وما بعده ما في "تعدل" (الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة) عليه (والكلمة الطيبة صدقة) وهي كل ذكر، ودعاء للنفس والغير، وسلام عليه، ورده، وثناء عليه بحق، ونحو ذلك مما فيه سرور السامع، واجتماع القلوب وتألفها، وكذا سائر ما فيه معاملة الناس بمكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، ومنه قوله ﷺ : "ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْقٍ" (٣). (وبكل خطوة) (٤) هي بفتح الخاء: المرة الواحدة، وبضمها: ما بين القدمين (تمشيها إلى الصلاة صدقة) فيه مزيد الحث والتأكيد على حضور الجماعات والمشي إليها، وعمارة المساجد بها؛ إذ لو صلى في بيته. . فاته ذلك.

стр. 447

(وتميط) بضم أوله (١)؛ أي: تنحي (الأذى) أي: ما يؤذي المارَّة من نحو حَجَرٍ أو شوكٍ أو نجسٍ (عن الطريق) يؤنث ويذكر (صدقة) على المسلمين، وأخرت هذه؛ لأنها أدون مما قبلها، كما يشير إليه خبر: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق" قيل: وتسن كلمة التوحيد عند إماطته؛ ليجمع بين أعلى الإيمان وأدناه. وحملُ الأذى على أذى المظالم ونحوها، والطريقِ على طريقه تعالى وهو شرعه وأحكامه. . تكلفٌ بعيدٌ، بل رواية: "وأدناها" المذكورة صريحةٌ في ردِّه؛ لأن الإماطة بهذا المعنى من أفضل الشعب لا من أدناها. ثم شرطُ الثواب على هذه الأعمال خلوصُ النية فيها وفعلها للَّه تعالى وحده كما دلَّ عليه حديث "صحيح ابن حبان" فإنه ﷺ ذكر فيه خصالًا؛ كالتصدقِ، وقولِ المعروف، وإعانةِ الضعيف، وتركِ الأذى، ثم قال: "والذي نفسي بيده؛ ما من عبدٍ يعمل بخصلةٍ منها يريد بها ما عند اللَّه إلا أخذت بيده يوم القيامة حتى يدخل الجنة" (٢) وهو مستمدٌ من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وبهذا يرد ما روي عن الحسن وابن سيرين: (أن فعل المعروف يؤجر عليه وإن لم تكن فيه نية)، بل روى حميد بن زنجويه عن الحسن: (أن من أعطى آخرَ شيئًا حياءً منه له فيه أجر) (٣)، وأبو نعيم في "الحلية" عن ابن سيرين: (أن من تبع جنازةً حياءً من أهلها له أجر؛ لصلته الحي) (٤). (رواه البخاري ومسلم) وفي بعض طرق مسلم: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحةٍ صدقة، وكل تحميدةٍ صدقة، وكل تهليلةٍ صدقة، وكل تكبيرةٍ صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك

стр. 448

ركعتان يركعهما من الضحى" (١) أي: يكفي من هذه الصدقات كلها عن هذه الأعضاء ركعتان من الضحى؛ لأن الصلاة عملٌ بجميع الأعضاء، فإذا صلَّى العبد. . فقد قام كل عضوٍ منه بوظيفته، وأدَّى شكر نعمته. وقد قال سهل بن عبد اللَّه التستري رضي اللَّه تعالى عنه: في الإنسان ثلاث مئة وستون عرقًا، مئة وثمانون ساكنة، ومئة وثمانون متحركة، فلو تحرك ساكنٌ، أو سكن متحركٌ. . لمنعه النوم. نسأل اللَّه تعالى أن يرزقنا شكر ما أنعم به علينا. وذكر علماء الطب: أن جميع عظام البدن مئتان وثمانية وأربعون عظمًا سوى السمسمانيات، وبعضهم يقول: ثلاث مئة وستون عظمًا، يظهر منها للحِسِّ مئتان وخمسة وستون عظمًا، والبقية صغارٌ لا تظهر تسمى السمسمانيات. ويؤيد هذا القول أحاديث كثيرة، وأخرج البزار: أنه ﷺ قال: "الإنسان ثلاث مئةٍ وستون عظمًا وستة وثلاثون سلامى، عليه في كل يومٍ صدقة" قالوا: فمن لم يجد؟ قال: "يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر" قالوا: فمن لم يستطع؟ قال: "يرفع عظمًا عن الطريق" قالوا: فمن لم يستطع؟ قال: "فليعن ضعيفًا" قالوا: فمن لم يستطع ذلك؟ قال: "فليدع الناس من شره"، وورد معنى هذا الأخير في "الصحيحين" وغيرهما (٢)، وقوله ﷺ : "وستة وثلاثون سلامى" لعله عبَّر بها عن تلك العظام الصغار؛ إذ السلامى في الأصل: اسمٌ لأصغر ما في البعير من العظام، ثم عبَّر بها عن مطلق العظم من الآدمي وغيره. وأخرج مسلم: "خُلِق ابن آدم على ستين وثلاث مئة مفصل، فمن كبَّر اللَّه، وحمد اللَّه، وهلَّل اللَّه، وسبَّح اللَّه، وعزل حجرًا عن طريق المسلمين، أو عزل شوكةً، أو عزل عظمًا، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاث

стр. 449

مئة السلامى. . أمسى من يومه وقد زحزح نفسه عن النار" (١). وأخرج أحمد وأبو داوود: "في الإنسان ثلاث مئة وستون مفصلًا، فعليه أن يتصدق عن كل مفصلٍ منه بصدقةٍ" قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبي اللَّه؟! قال: "النخاعة في المسجد يدفنها، والشيء يُنَحِّيه عن الطريق، فإن لم يجد. . فركعتا الضحى تجزئه" (٢)، وروايةُ: "في ابن آدم ست مئة وستون عظمًا" مردودةٌ؛ فإنها غلطٌ. وكأن وجه تخصيص الضحى بذلك من بين ركعتي الفجر وغيرهما من الرواتب مع أنها أفضل من ركعتي الضحى. . تمحُّضُها للشكر؛ لأنها لم تشرع جابرةً لنقص غيرها، بخلاف سائر الرواتب؛ فإنها شرعت جابرةً لنقص متبوعها، فلم يتمحَّض فيها القيام بشكر تلك النِّعم الباهرة، والضحى لمَّا لم يكن فيها ذلك. . تمحَّضت للقيام بذلك، على أنها مناسبةٌ لما أُشير إليه بقوله: "تطلع فيه الشمس" من أن اليوم قد يعبَّر به عن المدة الطويلة المشتملة على الأيام الكثيرة؛ كما يقال: يوم صفين، وكان مدة أيام، وعن مطلق الوقت؛ كما في: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ فلو لم يقيد بـ: (تطلع فيه الشمس) لتوهم أن المراد به أحد هذين، وأنه لا يطلب منه شكر تلك النعم كل يوم، فقيد بذلك ليفيد تكرر الطلب ودوامه بتكرر طلوع الشمس ودوامها، فإذا تأمل الإنسان ذلك. . أوجد له عند شهود طلوعها تيقظًا للشكر، وأفضل العبادات حينئذٍ صلاة الضحى (٣)، فناسب تخصيصها بذلك دون غيرها. وأخرج البزار وابن حبان في "صحيحه" وغيرهما: "على كل مِيسَمٍ من ابن آدم صدقة كل يوم" فقال رجلٌ: ومن يطيق هذا؟! قال: "أمر بمعروف صدقة. . . " الحديث (٤)، قال بعضهم: أراد بالميسم كل عضوٍ على حدةٍ، من الوسم، وهو

стр. 450

العلامة؛ إذ ما من عِرْقٍ ولا عظمٍ ولا عصبٍ إلا وهو علامة على عظيم صنعه تعالى ومنَّته، حيث خلقه سويًا صحيحًا. ومن ثم كان معنى هذه الأحاديث: أن تركيب هذه العظام وسلامتها من أعظم نِعَم اللَّه تعالى على عبده، فيحتاج كل عظبم منها إلى تصدُّقٍ عنه بخصوصه؛ ليتم شكر نعمته، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ الآيةَ. ومن ثَمَّ قال أبو الدرداء: (الصحة غنى الجسد) (١)، وقال وهب: (مكتوبٌ في حكمة آل داوود: العافية الملك الخفي) (٢) أي: فهي النعيم المسؤول عنه يوم القيامة، كما قال ابن مسعود: (النعيم الأمن والصحة) (٣). وأخرج الترمذي وابن حبان: "إن أول ما يسأل العبد عنه يوم القيامة فيقول اللَّه له: ألم نصحَّ لك جسمك، ونرويك من الماء البارد؟! " (٤). وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال: (النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يسأل اللَّه العباد فيم استعملوها وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾) (٥). وأخرج الطبراني بسندٍ فيه ضعف: "من قال: سبحان اللَّه وبحمده. . كتب له مئة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة" فقال رجل: كيف يهلك بعد هذا يا رسول اللَّه؛! قال: "إن الرجل ليأتي يوم القيامة بما لو وضع على جبلٍ. . لا يُقِلُّه، فتقوم النعمة من نِعَم اللَّه، فتكاد أن تستنفد ذلك كله إلا أن يتطاول اللَّه تعالى برحمته" (٦). وابن أبي الدنيا بسندٍ فيه ضعف أيضًا: "يؤتى بالنِّعم يوم القيامة وبالحسنات

стр. 451

والسيئات، فيقول اللَّه تعالى لنعمةٍ من نعمه: خذي حقك من حسناته، فما تترك له حسنة إلا ذهبت بها" (١). وأخرج أبو داوود والنسائي: "من قال حين يصبح: اللهم؛ ما أصبح بي من نعمةٍ، أو بأحدٍ من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد، ولك الشكر. . فقد أدَّى شكر ذلك اليوم، ومن قال حين يمسي. . فقد أدَّى شكر ليلته" (٢). وأخرج الحاكم: "ما أنعم اللَّه على عبدٍ نعمةً فعلم أنها من عنده إلا كتب اللَّه له شكرها قبل أن يشكر. . . " الحديث (٣). وابن ماجه: "ما أنعم اللَّه على عبدٍ نعمةً فقال: الحمد للَّه إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ" (٤)، وأخذ منه بعض العلماء أن الحمد أفضل من النعم، ونقل ابن أبي الدنيا أن بعض العلماء صوَّب ذلك، وعن ابن عيينة أنه خطَّا قائله، وقال: (لا يكون فعل العبد أفضل من فعل الرب) (٥). وأُجيب: بأن التصويب في محله؛ إذ المراد بالنعمِ: الدنيويةُ؛ كالعافية، والرزق، والحمدُ من النعم الدينية، وكلاهما نعمةٌ من اللَّه تعالى، لكن نعمة اللَّه تعالى على عبده بهدايته لشكر نعمه بالحمد عليها أفضل من نعمه الدنيوية على عبده؛ فإن هذه إن لم يقترن بها شكرٌ. . كانت بليةً، فإذا وفَّقَ اللَّه تعالى عبده للشكر عليها بالحمد أو غيره. . كانت نعمة الشكر أتم وأكمل. وعلم مما قررناه (٦): أنه ليس المراد من الحديث حصر أنواع الصدقة بالمعنى الأعم فيما ذكر فيه، بل التنبيه به على ما بقي منها، ويجمعها: كل ما فيه نفع للنفس أو الغير؛ لخبر: "في كل كبدٍ رطبةٍ أجرٌ" (٧)، وخبر: "إن اللَّه تعالى كتب الإحسان

стр. 452

على كل شيء" وقد مر (١)، وخبر: "الخلق عيال اللَّه، وأحب الناس إلى اللَّه أشفقهم على عياله" (٢). وبتصدقِ كلٍّ عن أعضائه بنحو ما مر يحصل مقصود ما مر من خبر: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وخبر: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر. . فليكرم جاره. . . " الحديث، ومرَّ فيهما أن المقصود منهما: جمع القلوب وائتلافها، وإقامة كلمة الحق، وقوة شوكة الإسلام، وفي ذلك من النفع العائد على المتصدق والإسلام والمسلمين ما لا يخفى عظيم موقعه، فعلم عظم موقع هذا الحديث وما جمعه وما أشار إليه من الأحكام والحكم العامة والخاصة (٣). ومن ثم كان المقصود منه يرجع إلى قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وإلى قوله ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان؛ يشد بعضه بعضًا" (٤)، وقوله: "المؤمن كثير بأخيه" (٥)، وقوله: "المؤمن مرآة المؤمن" (٦) أي: يبصِّره من نفسه ما لا يراه بدونه، وقوله: "انصر أخاك ظالمًا -أي: بالأخذ على يده وكفه عن ظلمه- أو مظلومًا" (٧) أي: بإعانته على ظالمه وتخليصه منه، وقوله: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد. . . " الحديث (٨)، ونحو ذلك كثيرٌ في القرآن والسنة. * * *

стр. 453

الحديث السابع والعشرون [تعريف البر والإثم] عَنِ النَّوَّاس بْنِ سَمْعَانَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "اسْتَفْتِ قَلْبَكَ؛ الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ" حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَيْنَاهُ فِي "مُسْنَدَي" الإِمَامَيْنِ أَحْمَدَ ابْنِ حَنْبَلٍ وَالدَّارِميِّ بِإسْنَادٍ جَيِّدٍ (٢). وهو في الحقيقة حديثان، لكنهما لما تواردا على معنًى واحدٍ. . كانا كالحديث الواحد، فجعل الثاني كالشاهد للأول. (عن النواس) بفتح النون وتشديد الواو (ابن سمعان) بكسر المهملة وفتحها (٣)، الكلابي (رضي اللَّه) تعالى (عنه) كان ينبغي (عنهما) لأن لأبيه وفادة، تزوَّج ﷺ أخت النواس، وهي المتعوذة. روي له سبعة عشر حديثًا، اقتصر مسلم منها على ثلاثة، وروى له أصحاب

стр. 454

"السنن الأربعة" ووقع في "مسلم" أنه أنصاري، وحمل على أنه حليفٌ لهم، قال: (أقمت مع رسول اللَّه ﷺ بالمدينة سنة ما يمنعني من الهجرة -أي: العود إلى الوطن- إلا المسألة) (١) أي: التي كانت تَرِد عليه ﷺ من بعض أصحابه، فإقامته تلك السنة كانت مع عزمه على العود إلى وطنه، لكنه أحب أن يتفقَّه في الدين تلك المدة بسماع تلك الأسئلة التي ترد عليه ﷺ وأجوبتها؛ لما مر أن المهاجرين والقاطنين بالمدينة لما أكثروا الأسئلة عليه ﷺ ونُهوا عن ذلك. . كانوا يحبون أن يأتي أهل البادية ويسألوا حتى يسمعوا فيتعلموا. قيل: وفيما ذكره دلالةٌ على أن الهجرة لم تكن واجبةً على غير أهل مكة. انتهى، وفيه نظر؛ لأنه إن أُريد نفي الوجوب عن غير أهل مكة قبل الفتح. . لم يكن في عزمه على الرجوع لوطنه دلالة على ذلك؛ لاحتمال أنه بعد الفتح، وعلى التنزل وأنه قبله فيحتمل أنه إنما مُكِّن من العود لوطنه؛ لأن له ثَمَّ عشيرة تحميه، ومَنْ له عشيرة كذلك. . لا تلزمه الهجرة، أو بعده لم يكن في ذلك خصوصية لغير أهل مكة، بل أهلها ارتفع الوجوب عنهم بعد الفتح. (عن النبي ﷺ قال: البِرُّ) أي: معظمه، فالحصر فيه مجازيٌّ نظير ما مر في: "الدين النصيحة" (٢) وضده الفجور والإثم، ولذلك قابله به، وهو بهذا المعنى: عبارةٌ عمَّا اقتضاه الشرع وجوبًا أو ندبًا، كما أن الإثم: عبارةٌ عمَّا نهى الشرع عنه، وتارة يقابَل البرُّ بالعقوق، فيكون عبارة عن الإحسان، كما أن العقوق عبارة عن الإساءة، من بَرِرْت فلانًا بالكسر أَبَرُّه بِرًا فأنا بَرٌّ بفتح أوله وبارٌّ به، وجمع الأول: أبرار، والثاني: بررة. (حسن الخلق) أي: التخلُّق (٣)، والمراد به هنا: المعروف، وهو كما مر:

стр. 455

طلاقة الوجه، وكفُّ الأذى، وبذل الندى، وأن يحب للناس ما يحب لنفسه، وهذا يرجع إلى تفسير بعضهم له: بأنه الإنصاف في المعاملة، والرفق في المجادلة، والعدل في الأحكام، والبذل والإحسان في اليسر، والإيثار في العسر، وغير ذلك من الصفات الحميدة. ومن ثم قال العلماء: البر يكون بمعنى الصلة، وبمعنى الصدق، وبمعنى اللطف، والمبرَّة، وحسن العشرة، والصحبة، ولين الجانب، واحتمال الأذى، وبمعنى الطاعة بسائر أنواعها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. . . إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ وهذه الأمور كلها هي مجامع حسن الخلق. وقد أشار تعالى إليها في آياتٍ من كتابه العزيز؛ نحو: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. . . إلى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾. . . إلى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. . . إلى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾، ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. . . إلى آخر السورة. فمن أشكل عليه حاله. . فليَعرضْ نفسه على هذه الآيات، فوجودُ جميع ما فيها من الأوصاف علامةٌ على حسن الخلق، وفقده علامةٌ على سوء الخلق، ووجود بعضه علامة على أن فيه من الحسن بحسب ما عنده، ومن السوء بحسب ما فقده، فليعتنِ بتحصيله؛ ليفوز بسعادة الدارين. وإذا قرن البر بالتقوى كما في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. . فسَّر البِرَّ بمعاملة الخلق بالإحسان، والتقوى بمعاملة الحق، أو البر بفعل الواجبات، والتقوى باجتناب المحرمات.

стр. 456

(والإثم) (١) أي: (الذنب حرَّاز القلوب) كما في رواية (٢)، وهو بتشديد الزاي بمعنى قوله في هذه الرواية: (ما حاك) أي: رسخ وأثَّر (في النفس) (٣) اضطرابًا وقلقًا ونفورًا وكراهة؛ لعدم طمأنينتها إليه، ومن ثم لم ترض بالاطلاع عليه، كما قال ﷺ : (وكرهت أن يطلع عليه الناس) أي: وجوههم وأماثلهم الذين يستحيى منهم، وقولُ بعضهم: هذا ليس بشيءٍ وحملُه على العموم أولى. . هو الذي ليس بشيء. والمراد بالكراهة هنا: الدينية الخارمة (٤)، فخرجت العادية؛ كمن يكره أن يُرى آكلًا لحياءٍ أو بخلٍ، وغير الخارمة؛ كمن يكره أن يركب بين مشاةٍ لتواضعٍ أو نحوه؛ فإنه لو رئي كذلك. . لم يبال. وقد استفيد من هذا السياق أن للإثم علامتين، وسببهما: أن النفس لها -كما يأتي التصريح به في رواية- شعور من أصل الفطرة بما تحمد عاقبته وما لا تحمد عاقبته، ولكن غلبت عليها الشهوة حتى أوجبت لها الإقدام على ما يضرها، كما غلبت على السارق والزاني مثلًا فأوجبت لهما الحد، إذا عرفت ذلك. . اتضح لك وجه كون التأثير في النفس علامة للإثم؛ لأنه لا يصدر إلا لشعورها بسوء عاقبته. ووجه كون كراهة اطلاع الناس على الشيء يدل على أنه إثمٌ: لأن النفس بطبعها تحب اطلاع الناس على خيرها وبرها، وتكره ضد ذلك، ومن ثم أهلك الرياء أكثر الناس، فبكراهتها اطلاع الناس على فعلها يعلم أنه شرٌّ وإثمٌ. ثم هل هاتان العلامتان كلٌّ منهما مستقلٌّ بكونه علامة على الإثم من غير احتياجٍ إلى الأخرى، أو غير مستقلٍّ بذلك، بل هو جزء علامة، والعلامة الحقيقية مركبةٌ منهما؟

стр. 457

كلٌّ محتملٌ، لكن قضية الرواية الآتية المقتصرة على الأولى: الأول، ومقتضى العطف بواو الجمع هنا: الثاني، وعليه فالفعل إن وجد فيه الأمران كالزنا والربا. . فهو إثمٌ قطعًا، وإن انتفيا عنه فبِرٌّ قطعًا؛ كالعبادة، ونحو الأكل (١). وإن وجد فيه أحدهما. . احتمل البر والإثم فيكون من المشتبه، على حد ما مر في خبر: "الحلال بينٌ، والحرام بينٌ، وبينهما مشتبهات. . . " الحديث (٢)، والذي يتجه: أنهما متلازمان؛ لأن تردد النفس (٣) يستلزم كراهة اطلاع الناس وعكسه. وقضية عموم الحديث: أن مجرد خطورِ المعصيةِ والهمِّ بها إثمٌ؛ لوجود العلامتين فيه، لكنه مخصوصٌ بغير ذلك؛ لخبر: "إن اللَّه تجاوز لأمتي عمَّا وسوست به نفوسها ما لم تعمل به أو تَكَلَّم" (٤). بل ربما يثاب نظير ما قيل له ﷺ : إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن ينطق به، فقال: "ذاك صريح الإيمان" (٥) فكذلك من همَّ بزنًا مثلًا وحاك في نفسه، فنفرت منه لضربٍ من التقوى. . أُثيب على ذلك؛ لأنه حينئذٍ يصير من باب قوله تعالى في الحديث القدسي: "اكتبوها له حسنة؛ إنما تركها من أجلي" (٦). أما العزم. . فهو إثمٌ؛ لوجود العلامتين فيه ولا مخصص يخرجه من عموم الحديث، بل خبر: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما. . فالقاتل والمقتول في النار" قيل: يا رسول اللَّه؛ هذا القاتل، فما بال المقتول؟! قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" (٧). . ظاهرٌ في ذلك؛ إذ ذلك الحرص المعلل الدخول به وحده مع قطع النظر عن الفعل المقترن به عزمٌ مجرَّد. (رواه مسلم) وهو من جوامع كلمه ﷺ ، بل من أوجزها؛ إذ

стр. 458

البر: كلمةٌ جامعةٌ لجميع أفعال الخير وخصال المعروف، والإثم: كلمةٌ جامعةٌ لجميع أفعال الشر والقبائح كبيرها وصغيرها، كما علم مما قررته فيهما، ولهذا السبب قابل ﷺ بينهما وجعلهما ضدين. (وعن وابصة) بموحدة مكسورة فمهملة (ابن معبد رضي اللَّه) تعالى (عنه) قَدِم على رسول اللَّه ﷺ في عشرة رَهْطٍ من قومه بني أسد بن خزيمة سنة تسع فأسلموا، ورجع إلى بلاده، ثم نزل الجزيرة، وسكن الرقة ودمشق، ومات بالرقة، ودفن عند منارة جامعها. (قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ فقال: جئت تسأل عن البر؟ قلت: نعم) ففيه معجزةٌ كبرى له ﷺ ؛ حيث أخبره بما في نفسه قبل أن يتكلَّم به، وأبرزه في حيز الاستفهام التقريري مبالغةً في إيضاح اطلاعه عليه وإحاطته به. وفي روايةٍ لأحمد: أتيت رسول اللَّه ﷺ وأنا لا أريد أن أدع شيئًا من البر والإثم إلا سألت عنه، فقال لي: "ادنُ يا وابصة" فدنوت حتى مسَّت ركبتي ركبته، فقال: "يا وابصة؛ أخبرك بما جئت تسأل عنه أو تسألني؟! " قلت: يا رسول اللَّه؛ أخبرني، قال: "جئت تسأل عن البر والإثم؟ " قلت: نعم، قال: فجمع أصابعه الثلاث، فجعل ينكتُ بها في صدري ويقول: "يا وابصة؛ استفتِ نفسك. . . " الحديث (١). (قال: استفت قلبك) وفي رواية: "نفسك" أي: عوِّل على ما فيه؛ لما مر أن للنفس شعورًا بما تُحمد عاقبته فيه أو تُذم. ثم ذكر له ضابطًا يميز به الجائز عن غيره بقوله: (البر ما اطمأنت) (٢) أي: سكنت (عليه) وفي رواية: "إليه" (النفس واطمأن إليه القلب) لأنه تعالى فطر عباده

стр. 459

على معرفة الحق، والسكون إليه وقبوله، وركز في الطباع محبته، ومن ثم جاء "كل مولودٍ يولد على الفطرة. . . " الحديث، قال أبو هريرة: (اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾) (١). وأخبر تعالى أن قلب المؤمن يطمئن بذكره، ويسكن إليه؛ لما أنه انشرح وانفسح بنور الإيمان؛ فلذا رُجِع إليه عند الاشتباه، فما سكن إليه. . فهو البر، وما لا. . فهو الإثم، والجمع بينه وبين النفس للتأكيد؛ لِمَا أن طمأنينة القلب من طمأنينة النفس، وهذا مطابقٌ لقوله أولًا: "البر حسن الخلق" لأن حسنه تطمئن إليه النفس والقلب؛ ولأنه قد يُراد به التخلُّق بأخلاق الشريعة، والتأدُّب بآدابها. ومن ثم قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: (كان خلقه ﷺ القرآن) (٢) يعني: أنه يتأدَّب بآدابه، فيفعل أوامره، ويجتنب نواهيه، فصار له العمل به خلقًا كالجِبِلَّة والطبيعة، وهذا أكمل الأخلاق، وقد قيل: إن الدين كله خُلُقٌ. (والإثم ما حاك في النفس وتردَّد في الصدر) أي: القلب، كما مر، والجمع بين هذينِ تأكيدٌ أيضًا، وبه عُلم ضابط الإثم والبر، وأن القلب يطمئن للعمل الصالح طمأنينةً تبشِّره بأمن العاقبة، ولا يطمئن للإثم، بل يورثه تندمًا ونفرةً وحزازةً؛ لأن الشرع لا يقرُّ عليه، وإنما يكون على وجهٍ يشذ، أو تأويل محتمل، لكن يظهر معياره بما مر من أنه الذي يكره اطلاع الناس عليه، ولم يزل هذا ظاهرًا معروفًا، ومن ثم قال زهير: [من الكامل] أَلسِّتر دونَ الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من سِتْرِ (وإنْ) غايةٌ لِمُقَدَّر دلَّ عليه ما قبله؛ أي: فالتزم العمل بما في قلبك وإن (أفتاك الناس) أي: علماؤهم، كما في رواية: "وإن أفتاك المفتون" (٣) (وأفتوك) (٤)

стр. 460

بخلافه؛ لأنهم إنما يعولون على ظواهر الأمور دون بواطنها. أو المراد: قد أعطيتك علامة الإثم فاعتبرها في اجتنابه، ولا تُقلِّد من أفتاك بمقارفته، ومحل ذلك: إن كان المستنكر ممن شرح اللَّه صدره وأفتاه غيره بمجرد ظنٍّ أو ميلٍ إلى هوًى من غير دليلٍ شرعيٍّ، وإلَّا. . لزمه اتباعه وإن لم ينشرح له صدره، ومن ثم كره ﷺ امتناع قومٍ أمرهم بالفطر في السفر؛ إذ ما ورد به النص. . ليس للمؤمن فيه إلا طاعة اللَّه تعالى ورسوله، فليقبله بانشراح صدرٍ؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وأما ما لا نص فيه منه ﷺ ولا ممن يُقتدى بقوله؛ فإذا وقع منه شيءٌ في قلبٍ منشرحٍ بنور المعرفة واليقين مع تردُّدٍ، ولم يجد من يفتي فيه إلا من يخبر عن رأيه وهو غير أهلٍ لذلك. . رجع لما أفتاه به قلبه وإن أفتاه هذا وأمثاله بخلافه. والظاهر: أن هذا ليس من الإلهام المختلف في حجيَّته؛ لأنه شيءٌ يقع في القلب من غير قرينةٍ ولا استعدادٍ، فيثلُج له الصدر، وأما ما هنا. . فهو ترددٌ منشؤه قرائن خفيةٌ أو ظاهرةٌ؛ لأن الفرض أن الأمر مشتبهٌ، وأن القلب مال إلى أنه إثمٌ، فليرجع إليه فيه؛ كما دلَّت عليه النصوص النبوية، وفتاوى الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم. وإنما وحَّد الفعل الأول لإسناده إلى ظاهر، وجمع الثاني لإسناده إلى ضمير، والأصل فيه: أن الفعل إنما يكون له فاعل واحد، فإن كان ظاهرًا. . امتنع اتصال ضميره بالفعل، وأما: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. . فمن باب البدل من الضمير، لا من باب تعدُّد الفاعل؛ لامتناعه إلا في لغةٍ ضعيفةٍ، وإن لم يكن ظاهرًا. . وجب إضماره؛ لئلا يتجرَّدَ الفعل عن الفاعل وهو غير جائز. قيل: بين هذا وبين ما مر من حديث: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن" تعارضٌ؛ لاقتضاء هذا أن المشتبه إثمٌ؛ لأنه يتردَّد في النفس، ومرَّ أن ذلك يقتضي أنه غيرُ إثمٍ. وجوابه: حمل هذا على ما تردد في الصدر لقوة الشبهة (١)، ويكون من باب ترك
следующие страницы →