١٠ - الشهاب الرَّملي، أحمد بن أحمد بن حمزة الرملي، المصري، الشافعي (٩٥٧ هـ)، من أجلِّ تلامذة شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وصار بعد وفاة شيخه إِمام علماء مصر.
قرأ عليه ابن حجر رحمه اللَّه تعالى قبل العشرين.
كما أن ابن حجر أخذ عن الشيخ يوسف الأرميوني، المتوفى سنة (٩٥٨ هـ).
والناصر اللقاني، المتوفى سنة (٩٥٨ هـ)، الفقيه المالكي المعروف، قرأ عليه عدة علوم في مدة مديدة، كـ"المنطق" للغزي، والأصلين، و"شرح العقائد"، و"شرح المواقف"، و"شرح جمع الجوامع" للمحلي والمعاني والبيان، و"المطول". . . إلخ.
وناصر الدين الطبلاوي، محمد بن سالم الأزهري، المتوفى سنة (٩٦٦ هـ).
بل إن بعض شيوخه مات بعده؛ كالعلامة الإمام محمد بن عبد اللَّه الشنشوري الفرضي، المتوفى سنة (٩٨٣ هـ).
وعَدَّد بعض الباحثين شيوخ الإمام ابن حجر فأوصلهم إلى (٣١) شيخًا، ذكرنا أبرزهم وأجلهم.
مُقاساته في الطَّلب وخروجه إلى مكة
كان ابن حجر رحمه اللَّه تعالى يتردَّد إلى مكة المكرمة، وقد جاور بها في بعض السنين.
وأول زيارة سنة (٩٣٤ هـ) مع شيخه البكري.
ثم مرة ثانية سنة (٩٣٨ هـ).
ثم في سنة (٩٤٠ هـ) قرَّر الرَّحلة إلى مكة والإقامة بها، وكان سبب خروجه من مصر ما حصل من سرقة بعض كتبه من قِبَلِ بعض الحُسَّاد، وهو كتابه "بشرى الكريم" الذي شرح به "العباب" شرحًا عظيمًا، ولم يزل متأثِّرًا بذلك الحادث، حتى إنه كان كثير الدُّعاء بالعفو عن ذلك الفاعل، ويقول: (سامحه اللَّه وعفا عنه).
وقال ذاكرًا مجاهداته والشَّدائد التي عاناها: (قاسيتُ في الجامع الأزهر من الجوع
стр. 37
ما لا تحتمله الجِبَّلة البشرية لولا معونة اللَّه وتوفيقه، بحيث إني جلست فيه نحو أربع سنين ما ذقت اللَّحم إلَّا في ليلةٍ، دُعينا لأكلٍ فإِذا هو لحم يُوقد عليه، فانتظرناه إلى أن ابهارَّ الليل، ثم جيء به، فإذا هو يابسٌ كما هو نِيءٌ، فلم أستسغ منه لقمة.
وقاسيتُ أيضًا من الإيذاء من بعض أهل الدروس التي كنا نحضرها ما هو أشدُّ من ذلك الجوع إلى أن رأيت (١) شيخنا ابن أبي الحمائل قائمًا بين يدي سيدي أحمد البدوي، فجيء باثنين كانا أكثر إيذاءً لي، فضربهما بين يديه فمُزِّقا كل مُمزقٍ).
كل هذه الأسباب كانت حاملةً له على مغادرة مصر والإِقامة بمكة، فسكنها لمدة (٣٤) سنة، حتى توفي بها، وكان منزله بالحريرة قريبًا من سوق الليل، كما كانت له خلوة برباط الأشرف قايتباي بقرب المسجد الحرام.
زملاؤه وأقرانه
كان لابن حجر ﵀ أقران وزملاء كُثُر، منهم:
١ - شمس الدِّين، محمد بن أحمد الرملي، (٩١٩ - ١٠٠٤ هـ)، وقد شارك ابن حجر ﵀ في الأخذ عن والده الشِّهاب الرملي المتقدِّم ذِكْره، وشاركه في القراءة والحضور على شيخ الإِسلام زكريا الأنصاري في "صحيح البخاري".
وكانا كفرسي رِهان، وجرت بينهما خلافاتٌ فقهيةٌ، ومسائل علمية، وخلافهما من الخلاف المعتبر عند متأخري فقهاء الشافعية، وأُلِّفَتِ الرسائل والكتب في ذكر الخلاف بينهما في مسائل الفقه (٢).
٢ - العلامة المحدث بدر الدِّين الغزي، الشافعي (ت ٩٨٤ هـ)، لقيه بمصر،
стр. 38
وقرأ بمعيَّته بعض "صحيح البخاري" على شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، ثم اجتمع به في مكة سنة (٩٥٢ هـ).
٣ - العلامة عبد العزيز بن علي الزمزمي، الشافعي، المكي (ت ٩٧٦ هـ)، كان من أَعزَّ أصحابه بعد سُكناه أم القرى، وكان يسير معه للقاء الشيوخ والأعيان، وقد أصهر ابنه الشيخ محمد بن عبد العزيز عند مترجَمنا ابن حجر رحمه اللَّه تعالى وأعقب مفتي مكة العلامة عبد العزيز الثاني بن محمد الزمزمي، وقد أدرك جده، وأخذ عنه.
تلامذته
بعد استقرار الإمام الهيتمي رحمه اللَّه تعالى بمكة. . شاع حديثه، وانتشر ذِكْره في الآفاق، فقصده طلاب العلم من كل فجٍّ، وتخرَّج به أكابر الفقهاء في القرن العاشر الهجري، فمن أعلام تلامذته وكبارهم:
١ - الفقيه الإمام الشيخ عبد الرحمن بن عمر بن أحمد العمودي، (ت ٩٦٧ هـ)، من أهل قيدون بحضرموت. قال في حقَّه العلامةُ عبد القادر الفاكهي -تلميذه-: (أخذ عنه أخْذَ روايةٍ، أخْذَ شيخٍ عن شيخٍ، كما قيل في أخذ أحمد عن الشافعي) اهـ
٢ - العلامة المتفنن الشيخ عبد القادر بن أحمد بن علي الفاكهي، المكي، الشافعي (٩٢٠ - ٩٨٢ هـ)، له مؤلفات كثيرة، أخذ عن ابن حجر رحمه اللَّه تعالى ولازمه طويلًا، وصنَّف رسالةً سمَّاها: "فضائل ابن حجر الهيتمي".
٣ - العلامة الشيخ عبد الرؤوف بن يحيى بن عبد الرؤوف الزمزمي الواعظ (٩٣٠ - ٩٨٤ هـ)، من أكبر تلامذة ابن حجر، أخذ عنه فأكثر، درس على يديه عدة فنون، وهو الذي جمع فتاوى شيخه الكبرى، وشرح "مختصر الإيضاح" له، وغير ذلك، ويخطئ بعض الناس فيظنه محمد عبد الرؤوف المناوي!!
٤ - محدث الهند الإمام العلامة محمد طاهر الفتّني، الهندي، الحنفي، (٩١٣ - ٩٨٦ هـ)، له "مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار" مطبوع، أخذ عن ابن حجر الهيتمي، وأبي الحسن البكري.
стр. 39
٥ - السيد الشريف الإمام العلامة الفقيه شيخ بن عبد اللَّه بن شيخ العيدروس، (الأوسط) مصنف "العقد النبوي"، (٩١٩ - ٩٩٠ هـ)، أخذ عن أبيه وشيوخ تريم، وجاور بمكة ثلاث سنين، من (٩٤١) إلى (٩٤٤ هـ) ملازمًا لطلب العلم والعبادة، فأخذ عن الشيخ ابن حجر وعبد اللَّه باقشير وآل الفاكهي وغيرهم، وله من ابن حجر إِجازة فاخرة.
٦ - الإِمام شهاب الدين أحمد بن قاسم العبّادي، المصري، الشافعي، الأصولي، المتكلم، (ت ٩٩٤ هـ)، له حواشٍ على تحفة شيخه ابن حجر، اعترض فيها على مواضع منها، وله حاشية على "الورقات" تسمى: "الآيات البينات"، وغير ذلك.
٧ - السيد الشريف العلامة القاضي عبد الرحمن ابن الشيخ شهاب الدِّين الأكبر العلوي، الحسيني، التريمي (٩٤٥ - ١٠١٤ هـ)، أخذ عن شيوخ عصره، وجاور بمكة مدة، وأخذ بها عن الشيخ ابن حجر الهيتمي.
مؤلفاته
عدَّها بعض الباحثين فبلغت (١١٧) مؤلَّفًا في شتى فنون العلم؛ من حديثٍ، وفقهٍ، وسيرةٍ، وتراجم، ونحو، وأدبٍ، وأخلاق، وعقيدةٍ، وغير ذلك.
إلَّا أن أبرز الفنون التي اشتهر بها رحمه اللَّه تعالى هو علم الفقه، وله في ذلك اليد الطُّولى، وما "تحفته" التي عليها المدار والاعتماد في الإفتاء عند الشافعية إلَّا أصدق دليلٍ على ذلك.
ومن مؤلفاته ﵀:
- شرح "ألفية ابن مالك" شرحًا مزجًا متوسطًا حاويًا لأكثر شروحها، وقد ذكر ذلك في مقدمة شرحه لكتابنا هذا عند قول الإمام النووي ﵀: (أحمده. . .) (١). وفرغ منه سنة ثلاثين وتسع مئة، وعمره إحدى وعشرون سنة.
стр. 40
- "الفتح المبين بشرح الأربعين"، يعني: "الأربعين النووية"، وهو كتابنا هذا وهو شرحٌ مفيدٌ ونافع، وقد بذلنا جهدًا وجمعنا من اعتنى بـ"الأربعين النووية" أول الكتاب.
- "الفتاوى الحديثية"، طبع عدة مرات، وفيها فوائد عزيزة المنال، وليست خاصة بعلم الحديث، بل اشتملت على عدة فنون.
- "فتح الإِله بشرح المشكاه" مخطوط، صنفه سنة (٩٥٤ هـ) بعد إلحاحٍ وطلبٍ من بعض علماء الهند، وهو شرحٌ على "مشكاة المصابيح" في الحديث.
- "الفتاوى الفقهية الكبرى"، جمعها بعض كبار تلامذته -وهو عبد الرؤوف الواعظ الزمزمي- طُبعت بمصر قديمًا، وهي في (٤) مجلدات، وبهامشه "فتاوى الشهاب الرملي".
- "تحفة المحتاج بشرح المنهاج"، صنَّفه ابن حجر رحمه اللَّه تعالى في ستة أشهرٍ فقط، وهو كتابٌ مهمٌّ ومحقَّق في فقه السادة الشافعية، وعليه مدار الفتوى في حضرموت خصوصًا وبعض بلدان المسلمين، وقد وضعت عليها الحواشي العديدة، واعتنى بها علماء الشافعية من شتَّى البلدان، واختصرها البعض، وحشَّى عليها البعض.
- "المنهج القويم بشرح مسائل التعليم"، وهو شرح لـ "المقدمة الحضرمية"، صنَّفه ابن حجر ﵀ سنة (٩٤٤ هـ) بطلب من الفقيه عبد الرحمن العمودي، وقد انتفع به طلاب العلم أيَّما انتفاع؛ حتى إن بعض تلامذة ابن حجر يقول فيه (١): (قلَّ أن ترى طالبًا ليس عنده منه نسخة) اهـ
وقد اهتم أهل العلم والفقهاء بهذا الشرح، فوضعت عليه الحواشي والتعليقات الكثيرة، ولقد صدر عن دار المنهاج مع تتمته التي تطبع لأول مرة، بحلة قشيبة ورونق جذاب، ولقد تشرفتُ بالاعتناء به، وللَّه المنة والفضل.
- "المنح المكية في شرح الهمزية" شرح فيه "همزية الإمام البوصيري" رحمه اللَّه تعالى (ت ٦٩٥ هـ)، وقد عُنيت دار المنهاج بطباعته بحلَّةٍ جديدة بتحقيق علمي مميز.
стр. 41
- "الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود"، وقد عنيت دار المنهاج بتوفيق من اللَّه بطباعته محققًا، تقر بمنظره العيون، وتستمتع بمضامينه الأفكار.
هذا ذكر لبعض مصنفات الإمام ابن حجر رحمه اللَّه تعالى، أما بقية كتب ابن حجر الفقهية؛ "كالإِيعاب"، و"الإِمداد"، و"فتح الجواد"، و"شرح الإِيضاح"، وبقية الكتب الأخرى، كـ"الصواعق"، و"الزواجر"، و"كف الرعاع"، و"الإعلام بقواطع الإسلام"، و"إتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام" فرغ من تأليفه سنة اثنين وخمسين وتسع مئة، وغيرها. . فالكلام عنها يطول، ومن أراد التوسُّع ومعرفة هذه الكتب ووصفها وما يتعلَّق بها. . فعليه بالبحث الموسَّع عن الإمام ابن حجر رحمه اللَّه تعالى ضمن مصادر الترجمة.
ويكفي أن نشير هنا إِلى كتابه الفريد الجامع المسمّى "أسنى المطالب في صلة الأقارب"، وهو كتابٌ كبير، حوى نفائس الفوائد، وهو هام في بابه، وقد طبع مؤخرًا.
وفاته
ولَمَّا كبرت سنه رحمه اللَّه تعالى. . ابتدأ به مرضٌ ألجأه إِلى ترك التدريس لمدة نيف وعشرين يومًا، وكتب وصيته في الحادي والعشرين من رجب (٩٧٤ هـ)، وفي ضحوة الإِثنين (٢٣) من الشهر المذكور لبَّى نداء ربه راضيًا مرضيًا.
وصُلِّي عليه تحت باب الكعبة الشريفة، ودفن في المعلاة بقرب من مَوْضِعِ صَلْبِ الصحابي الجليل سيدنا عبد اللَّه بن الزبير ﵄، في التربة المعروفة بتربة الطبريين.
ورثاه الشعراء، وبكى عليه الناس زمنًا، وكان لموته رنة حزنٍ وأسفٍ عَمَّتْ بلاد الحرمين واليمن ونواحيها.
﵀ رحمة الأبرار، وأسكنه جنات تجري من تحتها الأنهار.
стр. 42
وهذه أبيات أوردها العلامة العيدروس في "النور السافر" لصاحبه الفقيه أحمد باجابر، يمدح بها ابن حجر قال فيها:
قد قيل من حجرٍ أصمَّ تفجرتْ ... للخلق بالنَّصِّ الْجَلِي أنْهَارُ
وتفجرت يا معشر العلماء مِن ... حجر العلوم فبحرُهَا زخَّار
أَكرِمْ به قطبًا محيطًا بالعلا ... ورَحَاؤُه حقًا عليه تُدار
* * *
стр. 43
وصف النسخ الخطية
اعتمدنا في إخراج هذا السِّفر النافع على ثلاث عشرة نسخةً خطية، وهي:
النسخة الأولى: وهي نسخة المكتبة الأزهرية، ذات الرقم (عام ٥٦٦٥ - خاص ٦٤١).
وهي نسخة نفيسه كاملة، خطها نسخي معتاد، وهي نسخة مقابلة ومصححة، عليها بلاغات وتصحيحات، وفيها بعض الهوامش، وعليها في صفحة (٢٧) وقف كتب بخط مغاير: وقف برواق الريافة.
وهي بخط السيد محمد بن الحاج رجب البولاقي بلدًا، الشافعي مذهبًا، الأزهري نسبًا، رحمه اللَّه تعالى.
وهذه النسخة قريبة من عهد المؤلف رحمه اللَّه تعالى؛ إذ وجد في آخر ورقة منها:
وكان الفراغ من مقابلته مستهل شهر اللَّه الحرام ذي الحجة، سنة خمس وثمانين وتسع مئة على نسخة المؤلف، لشيخ شيوخ مشايخ الإسلام شهاب الدين أحمد ابن حجر الهيتمي عفا اللَّه عنا وعنه -آمين- بمكة المشرفة، زادها اللَّه شرفًا وكرمًا، ومهابة وتعظيمًا، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
تتألف هذه النسخة من (١٩١) ورقة، عدد سطور الورقة بين (٢١) و (٢٣) سطرًا. عدد كلمات السطر الواحد (١٢) كلمة تقريبًا.
ورمزنا لها بـ (أ).
النسخة الثانية: وهي نسخة المكتبة السليمانية بإستنبول، وهي من مجموعة مكتبة رئيس الكتاب مصطفى أفندي رحمه اللَّه تعالى، ذات الرقم (١٦٧).
وهي نسخة نفيسة كاملة، خطها نسخي معتاد، مقابلة ومصححة، عليها بلاغات
стр. 44
وتصويبات، وفيها بعض الهوامش، وعلى صفحة العنوان منها ختم بوقف السيد رئيس الكتاب السابق مصطفى أفندي رحمه اللَّه تعالى، وكتب متن الأحاديث بلون مغاير. وهي بخط السيد صالح بن علي المنداوي الحنفي رحمه اللَّه تعالى.
وجد في خاتمتها: (قال مؤلفه الإمام العلامة، العمدة البحر الفهامة شهاب الدين أحمد ابن حجر الهيتمي: وكان الفراغ من كتابته يوم السبت المبارك، تاسع عشري صفر الخير، سنة ثمانية وتسعين وتسع مئة. . .) ولعل هذا وهم أو سبق قلم؛ لأن وفاة المؤلف رحمه اللَّه تعالى كانت في سنة (٩٧٤ هـ) واللَّه أعلم.
تتألف هذه النسخة من (١٩٧) ورقة، عدد سطور الورقة (٢٣) سطرًا، عدد كلمات السطر الواحد (١٢) كلمة تقريبًا.
ورمزنا لهذه النسخة بـ (ب)
النسخة الثالثة: وهي نسخة المكتبة الأزهرية، ذات الرقم (عام ٨٩٥٨٧ - خاص ٥٩٦٧)، وهي نسخة كاملة إلا ورقة من آخرها، خطها نسخي.
وهي نسخة مقابلة ومصححة، في هامشها حواشٍ مفيدة وكثيرة، تم انتقاء بعضها، ولقد كتب فيها متن الأحاديث بلون مغاير.
وجد على ورقة العنوان منها: وَقَفَ وحبسَ هذا الكتاب السيد حسن عارف المقدسي على طلبة العلم، وجعل مقره بالخزانة الكائنة برواق الشوام، وبشرط ألَّا يخرج من الجامع، وألَّا يغير منه أكثر من أربعة كراريس، ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
لم نعرف من هو ناسخها، ولا تاريخ نسخها، لنقص الورقة الأخيرة منها.
تتألف هذه النسخة من (١٧١) ورقة، عدد سطور الورقة (٢٥) سطرًا، عدد كلمات السطر الواحد (١٢) كلمة تقريبًا.
ورمزنا لهذه النسخة ب (ج).
النسخة الرابعة: وهي نسخة المكتبة الأزهرية أيضًا، ذات الرقم (عام ٨٩٥٨ - خاص ٥٩٦٣)، وهي نسخة مقابلة، فيها تصحيحات وحواش قليلة، فيها نقص
стр. 45
ضمن الورقة (١٣٩) حيث انتقل الكلام بعد الحديث الثالث والعشرين إلى أول الحديث الثالث والثلاثين، خطها نسخي معتاد، كتبت فيها الأحاديث بلون مغاير، كتب على ورقة العنوان: (أوقف هذا الكتاب الشيخ إبراهيم بن مفتي صيدا في الأزهر، وجعل مقرها رواق الشوام).
وهي بخط السيد محمد أبي بكر الدلجي بلدًا، الشافعي مذهبًا، رحمه اللَّه تعالى ووالديه وجميع المسلمين، وتاريخ انتهاء النسخ: يوم الأحد، السادس والعشرون من شهر رجب المعظم، سنة (١١١٨ هـ).
وفي خاتمتها: (قال مؤلفه الإمام العلامة العمدة البحر الفهامة جامع أشتات الفضائل، بقية السلف الأفاضل: شهاب الدين أحمد ابن حجر الهيتمي عفا اللَّه تعالى عنه: ابتدأت فيه أثناء القعدة، وفرغت منه هلال المحرم سنة إحدى وخمسين وتسع مئة)، وهذا التاريخ هو الذي تبين لنا صحته، وما ورد في خواتم بعض المخطوطات وقع فيها سهو أو سبق قلم.
تتألف هذه النسخة من (١٩٤) ورقة، عدد سطور الورقة (٢٣) سطرًا، عدد كلمات السطر الواحد (١١) كلمة تقريبًا.
ورمزنا لهذه النسخة بـ (د).
النسخة الخامسة: وهي نسخة المكتبة الأزهرية أيضًا، وهي نسخة جيدة غير كاملة، فيها خرم ضمن الصفحة (٢٢٢)، بين الحديث التاسع والعشرين والحديث الثامن والثلاثين، ولقد استأنسنا بها.
وهذه النسخة خطها نسخي معتاد، فيها بعض الحواشي، وكتب على ورقة العنوان بخط مغاير: وقفٌ للَّه تعالى على طلبة العلم بالأزهر.
وهي بخط السيد أحمد بن علي بن أحمد الشعار، الفيومي بلدًا، والمالكي مذهبا، رحمه اللَّه تعالى وغفر له ولوالديه.
وكان الفراغ من نسخها يوم السبت المبارك، رابع يوم شهر ربيع الثاني، من شهور سنة ألفٍ ومئة وستة وثلاثين من الهجرة النبوية.
стр. 46
وفي هامش آخر ورقة منها: يقول مؤلفه عفا اللَّه عنه: (ابتدأت فيه في أثناء القعدة وفرغت هلال المحرم سنة إحدى وخمسين وتسع مئة، أرجو اللَّه قبوله وعموم النفع به، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير).
تتألف هذه النسخة من (٢٤٢) ورقة، عدد سطورها (٢٣) سطرًا، عدد كلمات الشطر الواحد (٧) كلمات تقريبًا، وفيها خرمٌ كما نبهنا عليه آنفًا.
ورمزنا لها بـ (هـ).
النسخة السادسة: وهي نسخة المكتبة الأزهرية أيضًا، ذات الرقم (عام ٢٠٤٦٠ - خاص ١٨٦٥)، وهي نسخة كاملة، استأنسنا بها، خطها مستعجل، كتبت فيها الأحاديث بلون مغاير.
لم يعرف ناسخها ولا تاريخ النسخ، وهي من وقف السيد محمد بيك رحمه اللَّه تعالى.
تتألف هذه النسخة من (١٩٩) ورقة، عدد سطورها (٢٧) سطرًا، متوسط عدد كلمات السطر الواحد (٩) كلمات.
ورمزنا لهذه النسخة بـ (و).
النسخة السابعة: وهي نسخة المكتبة الأزهرية أيضًا، ذات الرقم (عام ٤٢٢١٧ - خاص ٣١٨٥)، وهي نسخة كاملة مقابلة فيها بلاغات وتصويبات، وعليها تملكات، خطها نسخي معتاد، كتبت فيها الأحاديث بلون مغاير.
وهي بخط السيد عمر الخلوتي، وتاريخ انتهاء نسخها سنة (١١٧٧).
تتألف من (٢٤٦) ورقة، عدد سطورها (٢١) سطرًا، متوسط عدد كلمات السطر الواحد (١٠) كلمات.
ورمزنا لها بـ (ز).
النسخة الثامنة: وهي نسخة المكتبة الأزهرية أيضًا، ذات الرقم (عام ٥٥٦٦٥ - خاص ٤٠٥٣)، وهي نسخة كاملة، خطها نسخي معتاد، وهي من النسخ التي استأنسنا بها، وقع خطأ في خاتمتها ولعله سبق قلم، حيث نقل عن المؤلف قوله:
стр. 47
(وكان الفراغ من تأليفه: يوم السبت المبارك، تاسع عشر صفر الخير، سنة ثمان وتسعين وتسع مئة) ومن المعلوم: أن وفاة المؤلف ﵀ سنة (٩٧٤) فتبين أنه وهم أو سبق قلم.
وهي بخط السيد علي بن حسنين الشافعي، وكان الفراغ من نسخه يوم الأربعاء، سبعة أيامٍ خلت من شهر صفر، سنة (١٢٩١).
تتألف هذه النسخة من (١٨٢) ورقة، عدد سطورها (٢٥) سطرًا، متوسط عدد كلمات السطر (١١) كلمة.
ورمزنا لها بـ (ح).
النسخة التاسعة: وهي نسخة المكتبة الأزهرية أيضًا، ذات الرقم (عام ٩٣٤٦٥ - خاص ٦٣٧٦)، وهي نسخة كاملة، خطها مستعجل، كتبت فيها الأحاديث بلون مغاير، وهي من النسخ المستأنس بها، وعليها ختم في عدة مواضع كتب فيه: (وقف هذا للَّه تعالى الفقير للَّه سبحانه محمد التلمساني المالكي وجعل مقره بمنزله) رحمه اللَّه تعالى رحمة الأبرار.
وفي خاتمة هذه النسخة قول المؤلف رحمه اللَّه تعالى: (ابتدأت فيه أثناء القعدة وفرغت منه هلال المحرم سنة "٩٥١").
وهي بخط السيد محمد العوضي غفر اللَّه له ولوالديه، وكان الفراغ من نسخه ليلة الأحد المبارك سابع عشري ذي الحجة الحرام ختام سنة (١١٨١).
تتألف هذه النسخة من (٢٦١) ورقة، عدد سطور الورقة (٢١) سطرًا، متوسط عدد كلمات السطر الواحد (٨) كلمات.
ورمزنا لها بـ (ط).
النسخة العاشرة: وهي نسخة يمنية من مكتبة خاصة، مصورة من مقتنيات الأخ الباحث محمد أبو بكر باذيب الشبامي جزاه اللَّه عنا خيرًا، وهي نسخة كاملة، خطها نسخي معتاد، وهي من النسخ التي أعدنا المقابلة عليها، واستفدنا منها.
وهي نسخة مقابلة مصححة، كتبت فيها الأحاديث بلون مغاير، وفي خاتمتها قول
стр. 48
الشارح رحمه اللَّه تعالى: (ابتدأت فيه أثناء القعدة، وفرغت منه هلال المحرم سنة إحدى وخمسين وتسع مئة).
وفي خاتمتها: (وكان الفراغ من كتابته نهار الربوع -[الأربعاء]- يوم سابع وعشرين من شهر ربيع الأول، سنة ثالث وعشرين من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، والحمد للَّه رب العالمين حمدًا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، آمين، آمين).
وتمت مقابلة هذه النسخة في مجالس آخرها في شهر رجب الحرام، سنة خمسين بعد الألف، عند ضريح الشيخ عبد الهادي السودي رحمه اللَّه تعالى على نسخة مضبوطة بخط شيخ الإسلام الصديق بن محمد الخاص السراج الحنفي الزبيدي من تلامذة الشيخ ابن حجر المؤلف، رحم اللَّه الجميع رحمة الأبرار.
تتألف هذه النسخة من (١٤٩) ورقة، عدد سطورها (٣١) سطرًا، متوسط عدد كلمات السطر (١١) كلمة.
ورمزنا لهذه النسخة بـ (ي).
النسخة الحادية عشرة: وهي نسخة يمنية أيضًا، مصورة من مقتنيات الأخ الباحث محمد أبو بكر باذيب أيضًا، وهي نسخة كاملة، خطها نسخي مستعجل، وهي من النسخ التي أعدنا المقابلة عليها.
وهي نسخة مقابلة مصححة، طالعها بعض العلماء من الزيدية والشافعية، وعلقوا بعض الفوائد على الهوامش، كُتبت للقاضي يحيى بن أحمد الآنسي (١)، وقابلها ابن القاضي المذكور السيد إسماعيل بن يحيى، وكتب ذلك بخطه.
ورد في خاتمتها قول الشارح، وهي موافقة لما سبق، وورد أيضًا: (وكان الفراغ من رقمه نهار الجمعة، شهر رمضان المعظم رابع عشر منه، سنة ثمان وأربعين ومئة وألف من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، بعناية سيدي القاضي الفاضل. . .).
стр. 49
وعلى هذه النسخة تملكات عديدة، انتقلت إلى ملك العلامة رضي الدين صالح بن محمد بن عبد اللَّه بن الحسين بن الحسن بن صلاح الحضراني، ثم إلى ملك العلامة الفقيه علي بن عبد اللَّه شبامي (١)، شيخ العلماء بمدينة الحديدة سنة (١٢٧١ هـ) ثم إلى ملك الجد العلامة الفقيه أبي بكر بن محمد عبود باذيب سنة (١٣٠٤ هـ).
تتألف هذه النسخة من (٢٣٩) ورقة، عدد سطورها (٢١) سطرًا، متوسط عدد كلمات السطر (١٠) كلمات.
ورمزنا لهذه النسخة بـ (ك).
النسخة الثانية عشرة: وهي نسخة مصرية نفيسة، وهي أيضًا من مقتنيات الأخ الباحث محمد أبو بكر باذيب، وهي نسخة كاملة، خطها نسخي معتاد، أعدنا المقابلة عليها أيضًا.
وهي نسخة مقابلة، عليها الكثير من الحواشي والتعليقات المفيدة، والفوائد الهامة، وفي أولها فوائد بخط الشيخ العلامة علي الفرغلي تلميذ الإمام جلال الدين عبد الكريم البلقيني شيخ المشهد الحسيني بمصر، وتلميذ الإمام جلال الدين البكري، رحم اللَّه الجميع رحمة واسعة شاملة؛ ولضيق الوقت لم نستطع الأخذ من الهوامش، ولا نريد تطويل الكتاب أكثر مما وصل إليه.
وفي خاتمتها وقع وهم في تاريخ انتهاء الشارح رحمه اللَّه تعالى من كتابتها، والصواب ما قدمناه، ووجد في خاتمتها تاريخ النسخ واسم الناسخ؛ ونص العبارة: (وكان الفراغ من كتابته يوم الثلاثاء المبارك، ثالث شهر ربيع الأول، سنة ست وأربعين بعد الألف من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، على يد كاتبها لنفسه العبد الفقير الحقير، المعترف بالذنب والتقصير: محمد الخطيب بن الشيخ عبد الصمد بن الشيخ أبو الحسن الخطيب الشربيني الشافعي، غفر اللَّه لهم ولوالديهم ولأمواتهم، وكل المسلمين أجمعين آمين. . .).
وعلى هذه النسخة تملكات نفيسة؛ حيث كانت في ملك السيد علي بن محمد
стр. 50
السقاف ساكن سيؤون ﵀، ثم دخلت في ملك السيد أحمد بن الإمام العارف باللَّه عمر بن زين بن سميط، ثم دخلت في ملك السيد عمر بن أبي بكر بن محمد باذيب رحم اللَّه الجميع رحمة الأبرار.
تقع هذه النسخة في (١٦٠) ورقة، عدد سطورها (٢٩) سطرًا، متوسط عدد كلمات السطر (١٣) كلمة.
ورمزنا لهذه النسخة بـ (خ).
النسخة الداغستانية وهي النسخة الثالثة عشرة: وهي نسخة مطبوعة في المطبعة الإسلامية، للسيد محمد ميرزا مورايوف، في بلدة تميرخان شوره، في (١٨) ذي الحجة من سنة (١٣٣٢ هـ).
وقد قابلنا على هذه النسخة النفيسة، وهي نسخة كاملة مقابلة، وفيها تصويبات لم نجدها في غيرها، وفي هوامشها الكثير من "حاشية المدابغي"، وقد أفادتنا فائدة جليلة وهي أن نسخة العلامة المدابغي المطبوعة فيها نقص عما هو في المخطوط -وقد اعتمدنا على نسخة مخطوطة للمدابغي- وأكد لنا ذلك وجود بعض الهوامش منسوبة للمدابغي ولم نجدها في المطبوع ووجدناها في المخطوط، وللَّه الفضل والمنة.
في آخر ورقة من هذه النسخة كُتب: يقول الكاتب الفقير مرتضى علي بن محمد الشدردي الداغستاني: قد وقع الفراغ عن كتبه هذا الكتاب في (١٥) من ذي الحجة الحرام (١٣٣٢ هجرية). وصححناه حسب ما يمكن من النسخ المعتبرة.
وهذه النسخة مقروءة ومقابلة على عدة نسخ، وعليها تصويبات وهوامش لعدة علماء أجلاء من أهل داغستان، حماها اللَّه وأعزها بالإسلام والإيمان.
من هؤلاء العلماء: العلامة السيد محمد بن موسى القدقي (١)، والعلامة السيد
стр. 51
إبراهيم العردي (١)، والعلامة السيد أبو بكر العيمكي (٢)، والعلامة السيد عمر الكدالي (٣)، والعلامة المجاهد شمويل الإمام (٤)، والعلامة السيد محمد طاهر القراخي (٥)، والعلامة السيد محمد علي بن ميرزا الجوخي، وابنه العلامة محمد ميرزا (٦)، والعلامة السيد محمد بن إبراهيم الهجوي (٧)، والعلامة السيد عبد الحليم
стр. 52
الثغوري (١)، والعلامة السيد محمد علي الجركي، والعلامة السيد حل اللطيف، والعلامة السيد قبد الهركني، والعلامة السيد عكلجي، رحمهم اللَّه تعالى أجمعين، وجزاهم اللَّه خيرًا عن الإسلام والمسلمين.
ولقد استفدنا من هذه النسخة ومن الهوامش التي فيها، واخترنا من هذه الهوامش وأثبتناه وأشرنا لذلك.
وتتألف هذه النسخة من (٦٠٠) صحيفة، عدد أسطر الصحيفة (١٦) سطرًا، ومتوسط عدد كلمات السطر (١٠) كلمات.
ورمزنا لهذه النسخة بـ (غ).
نسخة حاشية المدابغي رحمه اللَّه تعالى: وهي نسخة المكتبة الأزهرية، ذات الرقم (عام ٥٣٠٩٦ - خاص ٣٨٢٨)، خطها مستعجل.
استفدنا من هذه النسخة بتوجيه عبارة المصنف أحيانًا، وقابلنا الهوامش التي أخذناها من النسخة الداغستانية والتي عزيت لحاشية المدابغي على هذه النسخة.
وهذه النسخة مالكها وكاتبها السيد: أحمد المنيلي، وتاريخ انتهاء نسخها: يوم الخميس المبارك، عاشر شهر رجب، سنة (١١٤٦).
تتألف هذه النسخة من (١٨٣) ورقة، عدد سطور الورقة (٢٥) سطرًا، متوسط عدد كلمات السطر الواحد (١٢) كلمة.
ورمزنا لها بـ (م)، وكثيرًا ما صرحنا باسمها.
* * *
стр. 53
منهج العمل في الكتاب
اعتمدنا في إخراج هذا الكتاب على ثلاث عشرة نسخة خطية، جعلنا النسخة (أ) أصلًا؛ لأنها مقابلة على نسخة المؤلف رحمه اللَّه تعالى، وقريبة من عهده؛ إذ تاريخ نسخها (٩٨٥ هـ).
قابلنا الكتاب على عدة نسخ بداية، وتم النظر في فروق النسخ، ثم تواردت نسخ أخرى، أعدنا المقابلة على أهمها وهي: (ي) و (ك) و (خ) و (غ)، وتجدر الإشارة إلى أنا حصلنا على نسخة خطية لـ"حاشية العلامة المدابغي" رحمه اللَّه تعالى، فيها زيادات كثيرة على ما في المطبوعة، وفيها حلٌّ لكثيرٍ من الإشكالات، وأكَّد لنا صحة هذه الزيادة أن في هامش النسخة الداغستانية كثير من الحواشي منها ما هو من "حاشية المدابغي" وبعضها غير موجود في المطبوع لكنه موجود في المخطوط.
- وضعنا بعض هوامش المخطوطات مما رأيناه مفيدًا، أو فيه تصويب أو ضبط للعبارة، وأكثرها من "حاشية المدابغي" ومن النسخة الداغستانية.
- أحلنا معظم نقولات الشارح رحمه اللَّه تعالى إلى مظانها قدر الوسع وحسبما توافر بين أيدينا من المصادر، ويجدر بنا أن نشير هنا أن الشارح رحمه اللَّه تعالى استفاد كثيرًا من كتاب الحافظ ابن رجب رحمه اللَّه تعالى "جامع العلوم والحكم" من حيث الصنعةُ الحديثية.
- أضفنا الحديث من "الأربعين" عند بداية الكلام عليه بعد مقابلتها على ثلاث نسخٍ خطية نفيسة، إحداها وهي الأنفس عليها إجازة خطية بالسند إلى الحافظ المزي عن المؤلف رحمهما اللَّه تعالى. وجعلنا المتن، مرصعًا بالشكل، مخرَّجًا إلى ما عزاه الإمام النووي رحمه اللَّه تعالى ضمن إطار ملوَّن.
- جعلنا المتن المشروح ضمن النص بلون مغاير، وكذا العناوين، وما له أهمية.
- أثبتنا بعض فروق النسخ مما له فائدة.
стр. 54
- أضفنا بين معقوفين [] ما وجدناه مناسبًا لتقويم العبارة، معتمدين على ما بين أيدينا من مصادر.
- عنونا أحاديث "الأربعين"، والتنبيهات والفوائد، وجعلناها أيضًا بين معقوفين [].
- حضرنا الآيات القرانية بين قوسين مزهرين ﴿﴾ وجعلناها برسم المصحف الشريف من رواية حفص عن عاصم رحمهما اللَّه تعالى، وما أراده الشارح من قراءة أخرى .. تركناه كما أراد.
- وضعنا بعض التعليقات إما لإيضاح، أو زيادة بيان، أو شرح لغامض.
- قمنا بدراسة وجمع لمن اعتنى بكتاب "الأربعين النووية" من العلماء قديمًا وحديثًا، واستفدنا من كتاب السيد راشد بن عامر الغفيلي جزاه اللَّه خيرًا؛ وهو "إتحاف الأنام في ذكر جهود العلماء على الأربعين".
- ترجمنا للإمام النووي وللإمام ابن حجر رحمهما اللَّه تعالى ترجمة موجزة.
- وضعنا خاتمة "الأربعين النووية" مع باب الإشارات إلى ضبط الألفاظ المشكلات آخر الكتاب؛ وهو باب ضبط فيه الإمام النووي رحمه اللَّه تعالى بعض الألفاظ كعادته في كتبه؛ فرأينا وضع الخاتمة مع هذا الباب آخر الكتاب مع أنَّ كثيرًا ممن طبع "الأربعين" فاته أن يطبعها، والشارح رحمه اللَّه تعالى أشار ضمن النص إلى بعضها، ولم يشرح الخاتمة وباب الإشارات.
- صنعنا فهارس لموضوعات الكتاب.
- وفي الختام: نسأل اللَّه سبحانه الإخلاص في العمل، وتجنب الخطأ والزلل، وأن يخرج الكتاب كما أراده مؤلفه وشارحه رحمهما اللَّه تعالى رحمة الأبرار، وأن يجعلنا وإياهم تحت لواء سيد المرسلين صلى اللَّه وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، ولا يفوتنا أن نشكر دار المنهاج والقائمين عليها، والعاملين فيها، وكل من بذل جهدًا في هذا الكتاب، وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين.
* * *
стр. 55
صور المخطوطات المستعان بها
стр. 56
راموز الورقة الأولى للنسخة (أ)
راموز الورقة الأخيرة للنسخة (أ)
راموز ورقة العنوان للنسخة (ب)
راموز الورقة الأولى للنسخة (ب)
راموز الورقة الأخيرة للنسخة (ب)
راموز ورقة العنوان للنسخة (ج)
стр. 57
راموز الورقة الأولى للنسخة (ج)
راموز ورقة العنوان للنسخة (د)
راموز الورقة الأولى للنسخة (د)
راموز الورقة الأخيرة للنسخة (د)
راموز ورقة العنوان للنسخة (هـ)
راموز الورقة الأولى للنسخة (هـ)
стр. 58
راموز الورقة الأولى للنسخة (و)
راموز الورقة الأخيرة للنسخة (و)
راموز ورقة العنوان للنسخة (ز)
راموز الورقة الأولى للنسخة (ز)
راموز الورقة الأخيرة للنسخة (ز)
راموز الورقة الأولى للنسخة (ح)
стр. 59
راموز الورقة الأخيرة للنسخة (ح)
راموز ورقة العنوان للنسخة (ط)
راموز الورقة الأولى للنسخة (ط)
راموز الورقة الأخيرة للنسخة (ط)
راموز ورقة العنوان للنسخة (ي)
راموز الورقة الأولى للنسخة (ي)
стр. 60
راموز الورقة الأخيرة للنسخة (ي)
راموز ورقة العنوان للنسخة (ك)
راموز الورقة الأولى للنسخة (ك)
راموز الورقة الأخيرة للنسخة (ك)
راموز ورقة العنوان للنسخة (خ)
راموز الورقة الأولى للنسخة (خ)
стр. 61
راموز الورقة الأخيرة للنسخة (خ)
راموز ورقة العنوان للنسخة (غ)
راموز الورقة الأولى للنسخة (غ)
راموز الورقة الأخيرة للنسخة (غ)
راموز الورقة الأولى للنسخة (مدابغي)
راموز الورقة الأخيرة للنسخة (مدابغي)
стр. 62
الفتح المبين بشرح الأربعين
للإمام العلامة الفقيه المحقق
شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي الشافعي
رحمة اللَّه تعالى
(٩٠٩ - ٩٧٤ هـ)
стр. 63
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبِهِ نَسْتَعِينُ
وصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وَآلهِ وَصَحْبِهِ
[خُطْبَةُ الكِتَابِ]
الحمد للَّه الذي وفَّق طائفةً من علماء كل عصرٍ للقيام بأعباء الأحاديث والسُّنن، وميَّزهم على من سواهم بسلوكهم أوضحَ المحجة وأقومَ السَّنَن، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، شهادةً أنتظم بها في سلكهم، وأتبوأ بخلوصها سوابغ النِّعم وسوابق المنن، وأشهد أن سيدنا محمدًا ﷺ عبده ورسوله، خير من أوتي الحكمة وفصل الخطاب، وأفضل من تحلَّى بمعالي الخُلق الحسن، صلى اللَّه وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، الذين بذلوا أنفسهم في نقل جوامع أقواله (١)، وغرر أحواله إلينا؛ لنأمن من غوائل المحن والفتن، صلاةً وسلامًا دائمينِ بدوام جوده على أمته في السِّر والعلن.
أما بعد:
فإن "الأربعين" التي خرَّجها الشيخ الإمام، والصدِّيق الهمام، ولي اللَّه تعالى بلا نزاع، ومحرر مذهب الإمام الشافعي بلا دفاع، محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النواوي، قدس اللَّه تعالى روحه، ونوَّر ضريحه. . لما كانت أحاديثها من جوامع كلمه ﷺ ، المشتملة على أبلغ المعاني، وأحكم المباني، حتى وُصِف أكثرها بأن عليه مدار الإسلام، وابتناء أكثر الأحكام. . كانت حقيقةً بأن يُعتنى بها حفظًا وتعليمًا، وتفهُّمًا وتفهيمًا.
فلذا عنَّ في أن أكتب عليها شرحًا يعرِّف رواتَها، ويُبيِّن أحكامها، ويوضِّح
стр. 64
غريبها، ويعرب مشكلها، ويشير إلى بعض ما يُستنبط منها من الأصول والفروع والآداب، مع إيثار الإيجاز ومجانبة الإطناب، كان كانت حريةً بالتطويل والإكثار؛ لِمَا اشتملت عليه من بدائع الفوائد والأسرار، ولعمري؛ إن كثيرًا من أحاديثها يحتمل مجلدات، ولكن التطويل مُملٌّ، والاختصار أكثر مما يأتي مخلٌّ؛ لأنه إنما يشير إلى تقرير قواعدها على وجهٍ كليٍّ في أكثرها، وإلا. . فتفصيلها يستدعي تطويلًا أقل ما يكون في ثلاث مجلدات، يفصِّل في أحدها: حكم الإيمان، وهو علم أصول الدين، وفي ثانيها: حكم الإسلام، وهو علم الفقه، وفي ثالثها: حكم الإحسان، وهو علم التصوف. هذا بالنسبة لحديثٍ واحدٍ منها، وهو حديث جبريل الآتي، فكيف بجميعها؟!
وبذلتُ في تحريرها الجهدَ، وتخليصِ الكلام عليها الوسعَ (١)؛ رجاء أن تعود عليَّ بركة مخرِّجها، ومددٌ من رفيع جناب المُفتَنّ بها على أمته ﷺ ، وشرف وكرم.
واللَّه أسأل أن ينفع به، وأن يبلغني كل مأمولٍ بسببه؛ إنه بكل خيرٍ كفيل، وهو حسبي ونعم الوكيل، وسميته:
"الفتح المبين بشرح الأربعين"
стр. 65
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[خطبة الأربعين النووية]
الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العَالمِينَ، قيومِ السَّماوَاتِ وَالأَرَضِينَ، مُدبِّرِ الخَلائِقِ أَجْمَعِينَ، بَاعِثِ الرُّسُلِ صَلَوَاتُهُ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِم إلَى الْمُكَلَّفِينَ؛ لِهِدَايَتِهمْ وَبيَانِ شرَائِعِ الدِّينِ، بالدَّلَائلِ الْقَطْعِيَّةِ وَوَاضِحَاتِ الْبَرَاهِينِ، أَحْمَدُهُ عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ، وَأَسْأَلُهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ.
وَأَشْهدُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، الْكَرِيمُ الْغَفَّارُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَحَبِيبُهُ وَخَلِيلُهُ، أَفْضَلُ المَخْلُوقِينَ، المُكَرَّمُ بالْقرآنِ الْعَزِيزِ الْمُعجِزَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ عَلَى تَعَاقُبِ السِّنِينَ، وَبِالسُّنَنِ الْمُستَنِيرَةِ لِلْمُسْترشِدِينَ، الْمَخْصُوصُ بجَوَامِعِ الْكَلِمِ وَسَمَاحَةِ الدِّينِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائرِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرسَلِينَ، وَآلِ كُلٍّ وَسَائِرِ الصَّالِحِينَ.
قال المؤلف رحمه اللَّه تعالى ورضي عنه مفتتحًا كتابه كأكثر المؤلِّفين بالتسمية والتحميد؛ تأسِّيًا بالكتاب المجيد، وعملًا بالحديث الصحيح: "كل أمرٍ ذي بالٍ -أي: حالٍ يهتم به- لا يبدأ فيه بالحمد للَّه، أو بحمد اللَّه، أو ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، أو بذكر اللَّه -روايات-. . فهو أجذم، أو أقطع، أو أبتر" روايات أيضًا (١)؛ أي: قليل البركة، وقيل: مقطوعها، ورواية: "بذكر اللَّه" تبين أنه لا تعارض،
стр. 66
وأن القصد حصول الابتداء بأي ذكرٍ كان؛ على أنه حقيقيٌّ يحصل بالبسملة، وإضافيٌّ يحصل بما بعدها من الحمدلة:
(باسم اللَّه) أي: أبتدئ تاليفي متلبسًا أو مستعينًا باللَّه تعالى أو باسمه، واللَّه: علم على الذات الواجب الوجود لذاته، المستحق لجميع الكمالات، وهو الاسم الأعظم عند أكثر أهل العلم، وعدم الاستجابة لكثيرين؛ لعدم استجماعهم لشرائط الدعاء التي من جملتها: أكل الحلال، وهو مشتقٌّ -وقيل: مرتجلٌ- من (ألِهَ) إذا تحيَّر؛ لتحيُّر الخلق في معرفته، وقيل غير ذلك، وهو أعرف المعارف.
ونقل الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه اللَّه تعالى أن جميع أسمائه تعالى صالحةٌ للتخلُّق بها إلا هذا؛ فإنه للتعلُّق دون التخلُّق (١)، ولم يسمَّ به غيره تعالى، قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: لا أحد تسمَّى اللَّه غيره، وهذا من باهر معجزاته ﷺ ، فهو كإخباره بأن اليهود لا يتمنَّون الموت، وبأن أحدًا لا يمكنه الإتيان بمثل أقصر سورةٍ من القرآن، فلم يتجاسر أحدٌ على واحدةٍ من هذه الثلاثة مع كثرة أعداء الدين وتعنُّتهم، وشدة حرصهم على تكذيبه ﷺ في إخباره.
(الرحمن) أي: البالغ في الرحمة والإنعام، ومن ثَمَّ لم يسمَّ به غيره تعالى، وتسمية أهل اليمامة مُسيلِمة الكذاب لعنه اللَّه تعالى به من التعنُّت في الكفر. ويجوز صرفه وعدمه.
(الرحيم) أي: ذي الرحمة الكثيرة، فالرحمن أبلغ منه كان صح في الحديث: "يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما" (٢)؛ لزيادة بنائه الدالة غالبًا على زيادة المعنى، والاستدلال على الأبلغيَّة بقولهم: (يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم
стр. 67
الآخرة). . فيه نظر؛ لهذا الحديث الدال على استوائهما في ذلك، وأتى به تتميمًا لوصفه تعالى بالرحمة، وإشارةً إلى أن ما دلَّ عليه من دقائقها وإن ذكر بعد ما دلَّ على جلائلها الذي هو المقصود الأعظم. . مقصود أيضًا؛ لئلا يُتوهم أنه غير ملتفَتٍ إليه، فلا يُسأل ولا يُعطي.
والرحمة: عطفٌ وميلٌ روحانيٌّ، غايته الإنعام، فهي لاستحالتها في حقه تعالى مجازٌ؛ إما عن نفس الإنعام فتكون صفة فعلٍ، أو عن إرادته فتكون صفة ذاتٍ، وإما من باب التمثيل المقرر في علم البيان.
(الحمد) مصدر (حمد) وهو لغةً: الوصف بالجميل، سواء تعلَّق بالفضائل؛ أي: الصفات التي لا يتعدى أثرها للغير، أم بالفواضل؛ أي: الصفات المتعدي أثرها إليه، وعرفًا: فعلٌ ينبئ عن تعظيم المُنعِم من حيث إنه منعمٌ على الحامد أو غيره، وهذا هو الشكر لغة، وأما اصطلاحًا: فهو صرف العبد جميع ما أنعم اللَّه تعالى به عليه؛ من نحو السمع والبصر وسائر الجوارح والحواس إلى ما خُلق لأجله من الطاعات، ولعزَّة هذا المقام قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.
قال بعض محققي الصوفية: حقيقة الحمد: إظهار بعض الصفات الكمالية بقولٍ كما مر، أو بفعل وهو أقوى؛ إذ الفعل الذي هو أثر السخاوة مثلًا يدل عليها دلالةً عقليةً قطعية، لا يتصور فيها تخلُّفٌ، بخلاف القول، ومن هذا القبيل حمده تعالى على ذلك (١)؛ لأنه تعالى لما بسط بساط الوجود على ممكناتٍ لا تحصى (٢)، ووضع عليها موائد كرمه التي لا تتناهى. . فقد كشف عن صفات كماله، وأظهرها بدلالاتٍ عقليةٍ قطعيةٍ تفصيليةٍ غير متناهية، فإن كل ذرةٍ من ذرات الوجود تدل عليها، ولا يتصور في العبارات مثل هذه الدلالات، ومن ثَمَّة قال ﵊: "لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (٣).
стр. 68
(للَّه) أي: مملوك ومستحق له ومختص به، كما أفادته الجملة (١)؛ إذ المسند إليه إذا كان معرَّفًا بـ (لام) الجنس. . يفيد قصره على المسند وعكسه، واختصاص الجنس يوجب اختصاص جميع أفراده به تعالى؛ لأن ثبوت فردٍ منه لغيره ينافي اختصاص الجنس به أو استحقاقه إياه؛ لوجوده في ضمن ذلك الفرد، وحينئذٍ ساوت (أل) الجنسية هنا (أل) الاستغراقية الدالة على ثبوت كل فردٍ من أفراد الحمد لهُ تعالى واختصاصه به.
وقرنَ الحمد بالجلالة الدالة على استجماعه تعالى لصفات الكمال، واستحقاقِهِ الحمد لذاته؛ لئلا يتوهم اختصاصه بصفةٍ دون أخرى.
(رب) أي: مالك، أو سيِّد، أو مصلح، أو مربي، أو خالق، أو معبود، ويختص المحلى بـ (أل) دون المضاف بالله تعالى، وقول الجاهلية للملك من الناس: (الرب) من كفرهم، ويطلق أيضًا على الصاحب والثابت.
ثم قيل: هو وصفٌ، فعليه: وزنه فَعِل (٢)، وقيل: فاعل؛ أي: راب، وحذفت ألفةُ لكثرة الاستعمال، ورُدَّ: بأنه خلف الأصل، وقيل: هو مصدرٌ بمعنى فاعِل، كـ (عدل) و (صوم).
واعلم: أن وجوه تربيته تعالى لخلقه لا يحيط بها غيره :
فمنها: تربيته النطفة إذا وقعت في الرحم حتى تفسير علقةً، ثم مضغةً، ثم يصير منها عظامٌ، وغضاريف، ورباطاتٌ، وأوتارٌ، وأوردةٌ، وشرايين، ثم يتصل بعضها ببعضٍ، ثم يصير في كلٍّ قوةٌ خاصةٌ؛ كالنظر والسمع والنطق، فسبحان من بصَّر بشحمٍ، وأسمعَ بعظمٍ، وأنطقَ بلحمٍ.
ومنها: أن الحبَّة إذا دفنت في الأرض وحصل لها نداوة. . انتفخت (٣)، ثم لا تنشق مع عموم الانتفاخ لها إلا من أعلاها وأسفلها، فيخرج من الأعلى الجزء
стр. 69
الصاعد وهو الساق، ثم يتفرع منه أغصان كثيرة، ثم منها نَوْرٌ (١)، ثم ثمرٌ مشتملٌ على أجزاء كثيفةٍ كالقشر، ولطيفةٍ كاللب، ثم دهنٌ، وأما الجزء الغائص من أسفل الحبة. . فيتفرع إلى عروقٍ، ثم ينتهي إلى أطرافها، وهي في اللطافة كأنها مياهٌ منعقدةٌ، ومع غاية لطفها تغوص في الأرض الشديدة الصلابة، وأودع فيها قوةً جاذبةً تجذب الأجزاء اللطيفة من الطين إلى نفسها.
والحكمة في جميع هذه التدبيرات: تحصيل ما يحتاج إليه الآدمي من الغذاء والإدام، والفواكه، والأشربة؛ كما قال تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ الآيةَ.
(العالمين) جمع عالَم، مشتقٌ من العَلَم -فيختص بذويه على ما يأتي- أو العَلَامة؛ لأنه علامةٌ على موجده، وأنه متصفٌ بصفات الكمال، فلكونه آلةً في الدلالة على ذلك، واسمًا لما يعلم به صار كالطابع اسمًا لما يطبع به.
ومدلوله: ما سوى اللَّه تعالى وصفات ذاته؛ لأنها ليست عينًا نظرًا لِلُّزوم (٢)، ولا غيرًا نظرًا لاستحالة الانفكاك، وتخصيصه بذي الروح، أو بالناس، أو بالثقلين والملائكة، أو بالثلاثة مع الشياطين، أو ببني آدم، أو بأهل الجنة والنار، أو بالرّوحانيين (٣). . يحتاج لدليل.
ونُقل عن المتقدمين أعدادٌ مختلفةٌ في العالمين وفي مقارِّها، اللَّه أعلم بالصحيح منها، كقول مقاتل: (هي ثمانون ألف عالم).
والضحاك: (ثلاث مئة وستون ألف عالم؛ ثلاث مئة ألفٍ حفاة عراة لا يعرفون خالقهم، وستون ألفًا مكسيون يعرفونه) (٤).
стр. 70
وقال ابن المسيب: (للَّه تعالى ألف عالمٍ؛ ست مئة في البحر، وأربع مئة في البر).
وقال مقاتل: (ثمانون ألفًا؛ نصفها في البر ونصفها في البحر).
وقال وهب: (ثمانية عشر ألف عالمٍ: الدنيا عالمٌ منها، وما العمران في الخراب إلا كفسطاطٍ في صحراء) (١).
وقال كعب الأحبار (٢): (لا يحصي عدد العالمين أحدٌ غير اللَّه ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾) (٣).
و (أل) في (العالمين) للاستغراق، وجمع العالم شاذٌّ، لأنه اسمُ جمعٍ كـ (الأنام)، وجمعه بالواو والنون أشذ؛ لعدم استكماله شروط هذا الجمع، لكن لما كان بعضُ مدلوله وهم العقلاء أشرفَ. . غُلِّبوا.
ومنع بعض المحققين كونه جمعًا لـ (عالم) قال: بل هو اسم جمعٍ له؛ لئلا يلزم أن المفرد أعم من جمعه؛ لاختصاص (العالمين) بالعقلاء، وشمول (العالم) لهم ولغيرهم، فهو نظير قول سيبويه: ليس (أعراب) -لكونه لا يطلق إلا على البدوي- جمعًا لـ (عرب) لشموله له وللحضري (٤).
وجوابه: منع اختصاص العالمين بالعقلاء، بل يشمل غيرهم أيضًا، كما صرَّح به الراغب (٥)، وإنما غُلِّبوا في جمعه بالواو والنون لشرفهم، وعلى التنزل وأن (العالمين) خاصٌّ بالعقلاء. . فهو جمعٌ لـ (عالم) مرادًا به العاقل، فلا محذور حينئذ، وإنما لم يجز (شيؤون) جمع (شيء) مرادًا به العاقل؛ لأن (شيئًا) ليس صفةً ولا علمًا، فلا يجمع بالواو والنون.
(قيوم) فَيْعُول من أبنية المبالغة، قُلبت الواو ياء وأُدغمت في الياء، وأحسن
стр. 71
الأقوال فيه وأجمعها: أنه الدائم القائم بتدبير خلقه وحفظه؛ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآيةَ، ويقال فيه: قيَّام وقَيِّم، وبهما قُرئ شاذًا (١).
(السماوات) جمع سماء؛ وهي: الجِرم المعهود، ويُطلق لغةً على كل مرتفعٍ.
(والأرَضين) بفتح الراء وقد تسكَّن، وجَمَعَها -وإن كان خلف ما في الآيات- إشارةً إلى أن الأصح: أنهنَّ سبعٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: عددًا لا هيئةً وشكلًا فقط، خلافًا لمن زعمه؛ للحديث المتفق عليه: "من ظلم قِيد شبرٍ -بكسر القاف؛ أي: قدر شبر-. . طُوِّقه من سبع أرضين" (٢).
وزَعْمُ أن المراد سبعٌ من سبع أقاليم خروج عن الظاهر بغير دليل، على أن الأصل في العقوبات المماثلة، ولا تتم إلا إن طُوِّق الشبر من سبع طبقات الأرض، وفي حديث البيهقي: "اللهم؛ رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن" (٣)، وجَمْعُها بالياء والنون شاذٌّ، قيل: وحكمته: أن يكون عوضًا عما فاتها من ظهور علامة التأنيث.
(مدبر) مصرِّف أمور (الخلائق) أي: المخلوقات بحسب ما تقتضيه حكمته البالغة، ومن عبَّر بالمصلحة. . أراد التدبير الدنيوي؛ لأن عموم رحمته تعالى اقتضت إقامة المصالح الدنيويةِ على المؤمن والكافر، لا الأخروي (٤)؛ لأن غاية الكفار النارُ المؤبدة عليهم، فالمدبِّر: العالم بأدبار الأمور وعواقبها، ومقدر المقادير ومجريها.
وحملُ (الخلائق) على أنه جمع (خليقة) بمعنى الطبع خلافُ الظاهر.
(أجمعين) تأكيدٌ ناصٌّ على شمول تدبيره تعالى لكل مخلوق.
(باعث) مرسل (الرسل) جمع رسول؛ وهو: إنسانٌ حرٌّ ذكرٌ من بني آدم، أُوحي إليه بشرعٍ وأُمر بتبليغه، سواء كان له كتالب أنزل عليه ليبلغه -ناسخًا لشرع من
стр. 72
قبله أو غير ناسخٍ له- أو على مَنْ قبله وأُمر بدعوة الناس إليه، أم لم يكن له ذلك؛ بأن أُمر بتبليغ الموحى إليه من غير كتاب، ولذلك كثرت الرسل؛ إذ هم ثلاث مئة وثلاثة عشر، وقلَّت الكتب؛ إذ هي: التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، وصحف آدم، وشيث، وإدريس، وإبراهيم، وهو أخص من النبي؛ فإنه: إنسانٌ حرٌّ ذكرٌ من بني آدم، أُوحي إليه بشرعٍ وإن لم يؤمر بتبليغه.
(صلواته) أي: رحمته المقرونة بتعظيم، وخُصَّ لفظها بهم (١)؛ تعظيمًا لهم، وتمييزًا لرتبتهم على غيرهم، وتنظير بعض الشُّرَّاح في تفسيرهم لها بالرحمة؛ لأنها عطفت عليها في: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ ولأنها مستحيلةٌ في حقه تعالى، وتصويبه أنها المغفرة. . غيرُ سديد (٢)؛ لأنها أخص من مطلق الرحمة، وعطف العام على الخاص صحيحٌ مفيد؛ ولأن المراد بها -كما مر- في حقه تعالى: غايتُها كسائر الصفات المستحيل ظاهرها عليه تعالى.
(وسلامه) أي: تسليمه إياهم من كل آفةٍ ونقصٍ (عليهم) وهذه كجملة (الحمد للَّه) خبريةٌ لفظًا، إنشائيةٌ معنًى (إلى) متعلقٌ بـ (باعث) (المكلَّفين) جمع مكلفٍ؛ وهو: البالغ العاقل من الإنس، وكذا من الجن بالنسبة لنبينا ﷺ ؛ إذ هو مرسلٌ إليهم إجماعًا، خلافًا لمن وهم فيه، كما بيَّنه السبكي في "فتاويه" (٣)، وأما بقية الرسل. . فلم يرسل أحدٌ منهم إليهم؛ كما قاله الكلبي، وروي عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما (٤).
стр. 73
وإيمانهم بالتوراة -كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ الآيةَ- لا يدل على أنهم كانوا مكلَّفين به؛ لجواز إيمانهم به تبرعًا منهم، وليس منهم رسولٌ عن اللَّه عند جماهير العلماء، وأما قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾. . فالمراد به: من أحدكم، وهم الإنس، على حدِّ قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾، ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾، وكذا من الملائكة بالنسبة لنبينا أيضًا؛ لأنه مرسلٌ إليهم عند جماعةٍ من أئمتنا المحققين (١)؛ كما يدل عليه خبر مسلم: "وأُرسلتُ إلى الخلق كافة" (٢)، بل أخذ بعض المحققين من أئمتنا بعمومه حتى للجمادات؛ بأن ركِّب فيها عقلٌ حتى آمنتْ به (٣).
وقول الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ الشامل لهم (٤): (أجمعنا على أن المراد الإنس والجن دون الملائكة) (٥). . مردودٌ، أو مراده به إجماع الخصمين؛ إذ (أجمعنا) إنما يقال لذلك غالبًا، لا إجماع كل الأمة، على أن هذا لا يؤخذ من مثل الرازي، بل من مثل ابن المنذر وابن جرير.
وأما غير نبينا. . فغير مرسلٍ إليهم قطعًا.
إذا تقرر ذلك. . فإطلاق المصنف بعْثَ الرسل إلى المكلفين ليس المراد به عمومه كما عرفت.
فإن قلت: تكليف الملائكة من أصله مختلَفٌ فيه.
قلت: الحق تكليفهم بالطاعات العملية؛ قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، بخلاف نحو الإيمان؛ لأنه ضروريٌّ فيهم، فالتكليف وبه تحصيلٌ
стр. 74
للحاصل وهو محال، والتكليف: إلزام ما فيه كُلفة، وهو الواجب والحرام، دون المندوب والمكروه؛ إذ لا تكليف فيهما حقيقة.
(لهدايتهم) مصدرُ مضافٌ للفاعل أو المفعول؛ أي: لأجل دلالتهم إياهم على سلوك سبيل الهدى، وتجنُّب طريق الردى، ثم بعد هذه الدلالة منهم مَنْ تحصل له الهداية بمعنى الوصول وهم المؤمنون، ومنهم من لا تحصل له وهم الكافرون، ودليل إطلاقها عليهما خلافًا للمعتزلة: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي: دللناهم ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾ أي: الضلال ﴿عَلَى الْهُدَى﴾ أي: الإسلام، والذي للرسل هو الأول، وأما الثاني .. فيختص به تعالى؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾.
وبما قررته عُلم أن (اللام) في كلام المصنف لبيان حكمة الإرسال وغايته، لا للعلَّة الباعثة عليه؛ لأن أفعاله تعالى لا تُعلَّل بالأغراض؛ لِمَا يلزم على ذلك الذي ذهب إليه المعتزلة قبَّحهم اللَّه تعالى مما هو مقرر في محله.
(وبيان شرائع) جمع شريعةٍ، فعيلة بمعنى مفعولة، من (شرعَ): بيَّن؛ وهي لغةً: مشرعة الماء؛ أي: مورد الشارب، واصطلاحًا: وضعٌ إلهيٌّ سائقٌ لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم.
(الدين) الإضافة فيه بيانيةٌ كما عُلم من تفسير الشريعة بما ذكر؛ إذ هو هنا: ما شرعه اللَّه تعالى لنا من الأحكام، وهذه الأحكام المشروعة هي ذلك الوضع الإلهي. . . إلخ.
ويصح أن تكون على معنى (اللام) (١): بأن يراد بالشرائع الأحكام، وبالدين الملة والإسلام؛ قال اللَّه تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.
ويطلق أيضًا على العادة، والسيرة، والحساب، والقهر، والقضاء، والحكم،
стр. 75
والطاعة، والحال، والجزاء، ومنه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، "كما تدين تدان" (١)، والسياسة، والرأي. ودان: عصى وأطاع، وذلَّ وعزَّ، فهو من الأضداد.
قيل: ولو قال: (ببيان). . كان أحسن؛ ليكون ذاكرًا للهداية وسببها، وليس في محله؛ لما تقرر أن الهداية هنا بمعنى الدلالة، وهي بيان الشرائع، فكيف يجعل ذلك البيان سببًا لها؟! فالصواب: ما فعله المصنف؛ لأنه من باب عطف الرديف؛ إيضاحًا وتنبيهًا على المراد.
(بالدلائل) متعلق بـ (بيان) جمع دليل، وهو لغةً: المرشد، واصطلاحًا: ما يمكن التوصُّل بصحيح النظر فيه إلى علمٍ أو ظنٍّ، نقليًا كان -وهو الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، ونحو الاستصحاب- أو عقليًا وهو البرهان الآتي.
(القطعية) وهي الأدلة المؤدية إلى العلم؛ للقطع بمقدماتها، نحو: كل إنسانٍ جسمٌ، وكل جسمٍ مركبٌ، فكل إنسانٍ مركب.
فإن قلت: أكثر أدلة الشريعة ظنيةٌ؛ لأن مقدماتها كذلك، نحو: الطمأنينة ركنٌ في الصلاة، وكل ركنٍ واجبٌ، والوضوء عبادةٌ، وكل عبادةٍ تُشترط لها النية، فكان ينبغي له حذف (القطعية).
قلت: إنما صارت ظنية بالنسبة إلينا، بخلافها بالنسبة لمن سمعها من النبي ﷺ ؛ فإنها بالنسبة إليه قطعيةٌ، والكلام إنما هو في بيان الرسل للشرائع، وذلك جميعه قطعي.
ويصح أن يراد بدلائلهم معجزاتهم الدالة على صدقهم، وكلها قطعية؛ لاستفادتها من دليل مؤلَّفٍ من مقدمتين قطعيتين، نحو: الرسل جاؤوا بالمعجزات، وكل من جاء بالمعجزات صادق، فالرسل صادقون، أما الصغرى. . فضروريةٌ حسية، والكبرى ضروريةٌ عقلية؛ إذ المعجزة خارقةٌ للعادة، وخرقها لا يقدر عليه إلا اللَّه ، وهو لا يؤيد بذلك كاذبًا، وقد أيَّدهم اللَّه بها، فلم يكونوا كاذبين، بل صادقين.