← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8889

الفتح المبين بشرح الأربعين

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (662 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

(والإثم) (١) أي: (الذنب حرَّاز القلوب) كما في رواية (٢)، وهو بتشديد الزاي بمعنى قوله في هذه الرواية: (ما حاك) أي: رسخ وأثَّر (في النفس) (٣) اضطرابًا وقلقًا ونفورًا وكراهة؛ لعدم طمأنينتها إليه، ومن ثم لم ترض بالاطلاع عليه، كما قال ﷺ : (وكرهت أن يطلع عليه الناس) أي: وجوههم وأماثلهم الذين يستحيى منهم، وقولُ بعضهم: هذا ليس بشيءٍ وحملُه على العموم أولى. . هو الذي ليس بشيء. والمراد بالكراهة هنا: الدينية الخارمة (٤)، فخرجت العادية؛ كمن يكره أن يُرى آكلًا لحياءٍ أو بخلٍ، وغير الخارمة؛ كمن يكره أن يركب بين مشاةٍ لتواضعٍ أو نحوه؛ فإنه لو رئي كذلك. . لم يبال. وقد استفيد من هذا السياق أن للإثم علامتين، وسببهما: أن النفس لها -كما يأتي التصريح به في رواية- شعور من أصل الفطرة بما تحمد عاقبته وما لا تحمد عاقبته، ولكن غلبت عليها الشهوة حتى أوجبت لها الإقدام على ما يضرها، كما غلبت على السارق والزاني مثلًا فأوجبت لهما الحد، إذا عرفت ذلك. . اتضح لك وجه كون التأثير في النفس علامة للإثم؛ لأنه لا يصدر إلا لشعورها بسوء عاقبته. ووجه كون كراهة اطلاع الناس على الشيء يدل على أنه إثمٌ: لأن النفس بطبعها تحب اطلاع الناس على خيرها وبرها، وتكره ضد ذلك، ومن ثم أهلك الرياء أكثر الناس، فبكراهتها اطلاع الناس على فعلها يعلم أنه شرٌّ وإثمٌ. ثم هل هاتان العلامتان كلٌّ منهما مستقلٌّ بكونه علامة على الإثم من غير احتياجٍ إلى الأخرى، أو غير مستقلٍّ بذلك، بل هو جزء علامة، والعلامة الحقيقية مركبةٌ منهما؟

стр. 457

كلٌّ محتملٌ، لكن قضية الرواية الآتية المقتصرة على الأولى: الأول، ومقتضى العطف بواو الجمع هنا: الثاني، وعليه فالفعل إن وجد فيه الأمران كالزنا والربا. . فهو إثمٌ قطعًا، وإن انتفيا عنه فبِرٌّ قطعًا؛ كالعبادة، ونحو الأكل (١). وإن وجد فيه أحدهما. . احتمل البر والإثم فيكون من المشتبه، على حد ما مر في خبر: "الحلال بينٌ، والحرام بينٌ، وبينهما مشتبهات. . . " الحديث (٢)، والذي يتجه: أنهما متلازمان؛ لأن تردد النفس (٣) يستلزم كراهة اطلاع الناس وعكسه. وقضية عموم الحديث: أن مجرد خطورِ المعصيةِ والهمِّ بها إثمٌ؛ لوجود العلامتين فيه، لكنه مخصوصٌ بغير ذلك؛ لخبر: "إن اللَّه تجاوز لأمتي عمَّا وسوست به نفوسها ما لم تعمل به أو تَكَلَّم" (٤). بل ربما يثاب نظير ما قيل له ﷺ : إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن ينطق به، فقال: "ذاك صريح الإيمان" (٥) فكذلك من همَّ بزنًا مثلًا وحاك في نفسه، فنفرت منه لضربٍ من التقوى. . أُثيب على ذلك؛ لأنه حينئذٍ يصير من باب قوله تعالى في الحديث القدسي: "اكتبوها له حسنة؛ إنما تركها من أجلي" (٦). أما العزم. . فهو إثمٌ؛ لوجود العلامتين فيه ولا مخصص يخرجه من عموم الحديث، بل خبر: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما. . فالقاتل والمقتول في النار" قيل: يا رسول اللَّه؛ هذا القاتل، فما بال المقتول؟! قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" (٧). . ظاهرٌ في ذلك؛ إذ ذلك الحرص المعلل الدخول به وحده مع قطع النظر عن الفعل المقترن به عزمٌ مجرَّد. (رواه مسلم) وهو من جوامع كلمه ﷺ ، بل من أوجزها؛ إذ

стр. 458

البر: كلمةٌ جامعةٌ لجميع أفعال الخير وخصال المعروف، والإثم: كلمةٌ جامعةٌ لجميع أفعال الشر والقبائح كبيرها وصغيرها، كما علم مما قررته فيهما، ولهذا السبب قابل ﷺ بينهما وجعلهما ضدين. (وعن وابصة) بموحدة مكسورة فمهملة (ابن معبد رضي اللَّه) تعالى (عنه) قَدِم على رسول اللَّه ﷺ في عشرة رَهْطٍ من قومه بني أسد بن خزيمة سنة تسع فأسلموا، ورجع إلى بلاده، ثم نزل الجزيرة، وسكن الرقة ودمشق، ومات بالرقة، ودفن عند منارة جامعها. (قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ فقال: جئت تسأل عن البر؟ قلت: نعم) ففيه معجزةٌ كبرى له ﷺ ؛ حيث أخبره بما في نفسه قبل أن يتكلَّم به، وأبرزه في حيز الاستفهام التقريري مبالغةً في إيضاح اطلاعه عليه وإحاطته به. وفي روايةٍ لأحمد: أتيت رسول اللَّه ﷺ وأنا لا أريد أن أدع شيئًا من البر والإثم إلا سألت عنه، فقال لي: "ادنُ يا وابصة" فدنوت حتى مسَّت ركبتي ركبته، فقال: "يا وابصة؛ أخبرك بما جئت تسأل عنه أو تسألني؟! " قلت: يا رسول اللَّه؛ أخبرني، قال: "جئت تسأل عن البر والإثم؟ " قلت: نعم، قال: فجمع أصابعه الثلاث، فجعل ينكتُ بها في صدري ويقول: "يا وابصة؛ استفتِ نفسك. . . " الحديث (١). (قال: استفت قلبك) وفي رواية: "نفسك" أي: عوِّل على ما فيه؛ لما مر أن للنفس شعورًا بما تُحمد عاقبته فيه أو تُذم. ثم ذكر له ضابطًا يميز به الجائز عن غيره بقوله: (البر ما اطمأنت) (٢) أي: سكنت (عليه) وفي رواية: "إليه" (النفس واطمأن إليه القلب) لأنه تعالى فطر عباده

стр. 459

على معرفة الحق، والسكون إليه وقبوله، وركز في الطباع محبته، ومن ثم جاء "كل مولودٍ يولد على الفطرة. . . " الحديث، قال أبو هريرة: (اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾) (١). وأخبر تعالى أن قلب المؤمن يطمئن بذكره، ويسكن إليه؛ لما أنه انشرح وانفسح بنور الإيمان؛ فلذا رُجِع إليه عند الاشتباه، فما سكن إليه. . فهو البر، وما لا. . فهو الإثم، والجمع بينه وبين النفس للتأكيد؛ لِمَا أن طمأنينة القلب من طمأنينة النفس، وهذا مطابقٌ لقوله أولًا: "البر حسن الخلق" لأن حسنه تطمئن إليه النفس والقلب؛ ولأنه قد يُراد به التخلُّق بأخلاق الشريعة، والتأدُّب بآدابها. ومن ثم قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: (كان خلقه ﷺ القرآن) (٢) يعني: أنه يتأدَّب بآدابه، فيفعل أوامره، ويجتنب نواهيه، فصار له العمل به خلقًا كالجِبِلَّة والطبيعة، وهذا أكمل الأخلاق، وقد قيل: إن الدين كله خُلُقٌ. (والإثم ما حاك في النفس وتردَّد في الصدر) أي: القلب، كما مر، والجمع بين هذينِ تأكيدٌ أيضًا، وبه عُلم ضابط الإثم والبر، وأن القلب يطمئن للعمل الصالح طمأنينةً تبشِّره بأمن العاقبة، ولا يطمئن للإثم، بل يورثه تندمًا ونفرةً وحزازةً؛ لأن الشرع لا يقرُّ عليه، وإنما يكون على وجهٍ يشذ، أو تأويل محتمل، لكن يظهر معياره بما مر من أنه الذي يكره اطلاع الناس عليه، ولم يزل هذا ظاهرًا معروفًا، ومن ثم قال زهير: [من الكامل] أَلسِّتر دونَ الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من سِتْرِ (وإنْ) غايةٌ لِمُقَدَّر دلَّ عليه ما قبله؛ أي: فالتزم العمل بما في قلبك وإن (أفتاك الناس) أي: علماؤهم، كما في رواية: "وإن أفتاك المفتون" (٣) (وأفتوك) (٤)

стр. 460

بخلافه؛ لأنهم إنما يعولون على ظواهر الأمور دون بواطنها. أو المراد: قد أعطيتك علامة الإثم فاعتبرها في اجتنابه، ولا تُقلِّد من أفتاك بمقارفته، ومحل ذلك: إن كان المستنكر ممن شرح اللَّه صدره وأفتاه غيره بمجرد ظنٍّ أو ميلٍ إلى هوًى من غير دليلٍ شرعيٍّ، وإلَّا. . لزمه اتباعه وإن لم ينشرح له صدره، ومن ثم كره ﷺ امتناع قومٍ أمرهم بالفطر في السفر؛ إذ ما ورد به النص. . ليس للمؤمن فيه إلا طاعة اللَّه تعالى ورسوله، فليقبله بانشراح صدرٍ؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وأما ما لا نص فيه منه ﷺ ولا ممن يُقتدى بقوله؛ فإذا وقع منه شيءٌ في قلبٍ منشرحٍ بنور المعرفة واليقين مع تردُّدٍ، ولم يجد من يفتي فيه إلا من يخبر عن رأيه وهو غير أهلٍ لذلك. . رجع لما أفتاه به قلبه وإن أفتاه هذا وأمثاله بخلافه. والظاهر: أن هذا ليس من الإلهام المختلف في حجيَّته؛ لأنه شيءٌ يقع في القلب من غير قرينةٍ ولا استعدادٍ، فيثلُج له الصدر، وأما ما هنا. . فهو ترددٌ منشؤه قرائن خفيةٌ أو ظاهرةٌ؛ لأن الفرض أن الأمر مشتبهٌ، وأن القلب مال إلى أنه إثمٌ، فليرجع إليه فيه؛ كما دلَّت عليه النصوص النبوية، وفتاوى الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم. وإنما وحَّد الفعل الأول لإسناده إلى ظاهر، وجمع الثاني لإسناده إلى ضمير، والأصل فيه: أن الفعل إنما يكون له فاعل واحد، فإن كان ظاهرًا. . امتنع اتصال ضميره بالفعل، وأما: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. . فمن باب البدل من الضمير، لا من باب تعدُّد الفاعل؛ لامتناعه إلا في لغةٍ ضعيفةٍ، وإن لم يكن ظاهرًا. . وجب إضماره؛ لئلا يتجرَّدَ الفعل عن الفاعل وهو غير جائز. قيل: بين هذا وبين ما مر من حديث: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن" تعارضٌ؛ لاقتضاء هذا أن المشتبه إثمٌ؛ لأنه يتردَّد في النفس، ومرَّ أن ذلك يقتضي أنه غيرُ إثمٍ. وجوابه: حمل هذا على ما تردد في الصدر لقوة الشبهة (١)، ويكون من باب ترك

стр. 461

أصل الحِل لظاهرٍ قويٍّ، ومرَّ مثله في شرح ذلك الحديث، وذاك على ما ضعفت فيه الشبهة, فيبنى على أصل الحل، ويجتنب محل الشبهة ورعًا، وأُجيب بغير ذلك مما لا يصح، فاجتنبه. وفي جوابه ﷺ لوابصة بهذا إشارةٌ إلى متانة فهمه، وقوة ذكائه، وتنوير قلبه؛ لأنه ﷺ أحاله على الإدراك القلبي، وعلم أنه يدرك ذلك من نفسه؛ إذ لا يدرك ذلك إلا مَنْ هو كذلك، وأما الغليظ الطبع، الضعيف الإدراك. . فلا يجاب بذلك؛ لأنه لا يتحصَّل منه على شيء، وإنما يُفصِّل له ما يحتاج إليه من الأوامر والنواهي الشرعية، وهذا من جميل عادته ﷺ مع أصحابه؛ فإنه ﷺ كان يخاطبهم على قدر عقولهم، ومن ثم قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: (أمر رسول اللَّه ﷺ أن ننزل الناس منازلهم) (١). هذا (حديث صحيح) وفي نسخةٍ (حسن) (رويناه) بسندنا المتصل حال كونه (في مسندي الإمامين) الجليلين حديثًا وفقهًا وغيرَهما أبي عبد اللَّه (أحمد ابن حنبل) أحد الفقهاء المجتهدين، والأئمة المتبوعين، روى عن أممٍ، وعنه أممٌ؛ كالبخاري ومسلم وأبي داوود وابنيه (٢). مات في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومئتين عن سبعٍ وسبعين سنة. و"مسنده" فيه أربعون الف حديث، وقيل: ثلاثون تكرر منها عشرة (٣)، جمعه من سبع مئة ألف وخمسين ألف حديث، وقال: جعلته حجةً بيني وبين اللَّه تعالى، وقال: ما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول اللَّه ﷺ . . فارجعوا إليه؛ فإن وجدتموه فيه؛ وإلَّا. . فليس بحجةٍ، وهذا يدل على إحاطته بالسُّنة، واطلاعه عليها، ومن ثم قال في المحنة: كيف أقول ما لم يُقَلْ؟! فلم يجزم بأن ذلك لم يُقَلْ إلا بعد اطلاعه على السنة وأقوال الأئمة.

стр. 462

نعم؛ لم يلتزم رضي اللَّه تعالى عنه الصحة في "مسنده" وإنما أخرج فيه ما لم يُجْمِع الناس على تركه، وأما قول بعضهم: إن كل ما فيه صحيحٌ. . فمردودٌ، بل الحق أن فيه أحاديثَ كثيرةً ضعيفةً، وبعضها أشد في الضعف من بعض، حتى إن ابن الجوزي أدخل كثيرًا منها في "موضوعاته" ولكن قد تعقَّبه في بعضها -بل في سائرها- شيخُ الإسلام العسقلاني، وحقَّق نفي الوضع عن جميع أحاديثه، وأنه أحسنُ انتقاءً وتحريرًا من الكتب التي لم تلتزم الصحة في جمعها، قال: وليست الأحاديث الزائدة فيه على ما في "الصحيحين" بأكثر ضعفًا من الأحاديث الزائدة في "سنن أبي داوود" والترمذي عليهما. اهـ (١) ويقاربه شهرةً وكثرةً "مسند إسحاق"، و"ابن أبي شيبة" و"مصنفه"، و"مسند البزار" و"أبي يعلى" متقاربان في التوسط، و"مسند الحُمَيْدي" و"الدارمي" متقاربان في الاختصار. ومصنفو الأحاديث منهم من رتَّبها على مسانيد الصحابة كهؤلاء، ومنهم من رتبها على أبواب الأحكام كـ "الصحيحين" و"السنن" وفي كلِّ فائدةٌ وحكمةٌ، فجزاهم اللَّه تعالى خيرًا. (و) أبي محمد عبد اللَّه بن عبد الرحمن (الدارمي) التميمي السمرقندي الحافظ، من بني دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم، روى عنه أئمةٌ؛ كمسلم، وأبي داوود، والترمذي، وأبي زرعة، قال أبو حاتم: هو إمام أهل زمنه. ولد سنة إحدى وثمانين ومئة، ومات يوم التروية سنة خمسٍ وخمسين ومئتين، والغالب على "مسنده" الصحة، ولمَّا بلغ البخاري نعيه. . بكى وأنشد: [من الكامل] إن تبقَ تُفْجَعْ في الأحبةِ كلِّهم ... وفناءُ نفسِك لا أبا لك أفْجَعُ (٢)

стр. 463

وذكر الترمذي: أنه سمع البخاري يحدث عنه بحديث: "من شيع جنازة"، وابن عدي: أن النسائي حدث عنه. (بإسناد جيد) وفي نسخة (حسن)، فإن قلت: ما حكمة قول المصنف أولًا: (حديث صحيح) وقوله هنا: (بإسناد جيد)؟ قلت: حكمته: أنه لا يلزم من كون الحديث في "المسندين" المذكورين أن يكون صحيحًا كما يأتي، فبيَّن أولًا أنه صحيحٌ، وثانيًا أن سبب صحته أن إسناد هذين الإمامين اللذين أخرجاه له صحيحٌ أيضًا. وله حكمةٌ أخرى حديثيةٌ: وهي ما صرحوا به أنه لا تلازم بين الإسناد والمتن؛ فقد يصح السند أو يحسن؛ لاستجماع شروطه: من الاتصال والعدالة والضبط دون المتن؛ لشذوذٍ فيه، أو علَّةٍ، فنص المصنف أولًا على صحة المتن بقوله: (هذا حديث صحيح) وثانيًا على صحة السند بقوله: (بإسناد جيد). فإن قلت: صرحوا بأن قولهم: (هذا حديث صحيح) مرادهم به اتصال سنده مع سائر الأوصاف في الظاهر لا قطعًا. اهـ، فعليه: لِمَ لَمْ يكتفِ المصنف أولًا بقوله: (هذا حديث صحيح) عن قوله هنا: (بإسناد جيد)؟ قلت: هم وإن أرادوا ذلك إلا أنه لا يلزم منه الحكم على كل فردٍ من أسانيد ذلك الحديث بالصحة، ومع ذلك هو أقوى من تقييد الصحة بالإسناد (١)؛ كما في قول المصنف: (بإسناد جيد) لأنه حينئذٍ لا يبقى صريحًا في صحة المتن ولا ضعفه. فعلم أن الحكم بالصحة أو الحسن للإسناد أحطُّ رتبةً عن الحكم بأحدهما للحديث، ومع ذلك لو أَطلقَ الحكم بأحدهما للإسناد مَنْ عُرفَ منه باطِّراد أنه لا يفرق بين الحكم بأحدهما له وللمتن. . كان ذلك حكمًا للمتن بأحدهما أيضًا. واعترض تصحيح المصنف أو تحسينه لحديث أحمد بأنه أخرجه من طريقين، إحداهما فيها علتان: ضعف، وانقطاع، وأخرى فيها مجهول. وجوابه: أن أحمد خرجه من طريقٍ أخرى عن أبي أمامة قال: قال رجلٌ:

стр. 464

يا رسول اللَّه؛ ما الإثم؟ قال: "إذا حاك في صدرك شيء. . فدعه" (١) وسند هذا جيدٌ على شرط مسلم. وزعمُ ابن معين أن فيه انقطاعًا. . رَدَّه أحمد، ومن طريق أخرى عن أبي ثعلبة الخشني قال: قلت: يا رسول اللَّه؛ أخبرني ما يحلُّ لي ويحرم عليَّ، قال: "البر ما سكنت إليه النفس. . . " الحديث (٢)، وسندها جيدٌ أيضًا. وخرجه الطبراني بسندٍ ضعيفٍ عن واثلة: قلت للنبي ﷺ : أفتني عن أمرٍ لا أسال عنه أحدًا بعدك، قال: "استفت نفسك" قلت: كيف لي بذلك؟ قال: "تدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وإن أفتاك المفتون" قلت: كيف لي بذلك؟ قال: "فضع يدك على قلبك؛ فإن الفؤاد يسكن للحلال ما لا يسكن للحرام" (٣). تنبيه [كيفية الاحتجاج بحديثٍ من كتب السنة] من أراد الاحتجاج بحديثٍ من "السنن" كـ"أبي داوود" و"الترمذي" و"النسائي" و"ابن ماجه" و"الموطأ" وغيرها، لا سيما "ابن ماجه" و"مصنف ابن أبي شيبة" و"عبد الرزاق" ونحوها مما يكثر فيه الضعيف وغيره، أو بحديث من "المسانيد"؛ فإن تأهَّل لتمييز الصحيح من غيره. . امتنع عليه أن يحتجَّ بحديثٍ من ذلك حتى ينظر في اتصال إسناده وحال رواته، وإن لم يتأهل له. . نَظَر؛ فإن وجد إمامًا صحَّح أو حسَّن شيئًا. . قلَّده، وإلَّا. . لم يجز له الاحتجاج به؛ لئلا يقع في الباطل وهو لا يشعر. وإنما سوينا بين "السنن" و"المسانيد" في ذلك؛ لأن أصحابها لم يلتزموا الصحيح ولا الحسن خاصةً، بل أدخلوا فيها الضعيف وغيره. * * *

стр. 465

الحديث الثامن والعشرون [السمع والطاعة والالتزام بالسنة] عَنْ أَبِي نَجِيحٍ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁ قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ, وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ, فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا، قَالَ: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ. . فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (١). (عن أبي نجيح العِرباض) بعينٍ مهملةٍ مكسورةٍ، وباءٍ موحدةٍ، وأصله: الطويل (ابن سارية) بسينٍ مهملةٍ وتحتية، السُّلَمي من أهل الصُّفَّة، وهو أحد البكَّائين (٢)، وكان يقول: (إنه رابع الإسلام) (٣). (رضي اللَّه) تعالى (عنه) نزل الشام، وسكن حمص، مات في فتنة ابن الزبير رضي اللَّه تعالي عنهما، ويقال: سنة خمس وسبعين، روى له أصحاب "السنن الأربعة". (قال: وعظنا رسول اللَّه ﷺ أي: بعد صلاة الصبح، كما في

стр. 466

الرواية الآتية، وكان ﷺ يقع ذلك منه أحيانًا لا دائمًا؛ كما في "الصحيحين" مخافة سآمتهم ومللهم (١)، ومن ثم كان ابن مسعود يُذكِّر كل يوم خميس، فاستزيد فاعتلَّ بذلك (٢). (موعظةً) من الوعظ؛ وهو النُّصح والتذكير بالعواقب، وتنوينها للتعظيم؛ أي: موعظة جليلة، كما يدل عليه رواية: "موعظة بليغة" (٣) أي: بلغت إلينا، وأثَّرت في قلوبنا حتى (وجِلت) أي: خافت، وكأنه كان مقام تخويف ووعيد (منها) أي: من أجلها، ويصح أن تكون لابتداء الغاية. (القلوب) مر الكلام على القلب في شرح (السادس) (٤). (وذرفت) بالمعجمة وفتح الراء؛ أي: سالت (منها) فيها ما مر (العيون) أي: دموعها، وأخَّر هذا عما قبله؛ لأنه إنما ينشأ غالبًا عنه، وفيه أنه ينبغي للعالم أن يَعِظَ أصحابه، ويذكرهم، ويخوفهم بما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ولا يقتصر لهم على مجرد معرفة الأحكام والحدود والرسوم (٥)، وأنه ينبغي المبالغة في الموعظة؛ لترقيق القلوب، فيكون أسرع إلى الإجابة؛ قال تعالى: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾، وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. ومن ثم (كان ﷺ إذا خطب وذكر الساعة. . اشتدَّ غضبه، وعلا صوته، واحمرَّت عيناه، وانتفخت أوداجه كأنه منذر جيشٍ يقول: صبَّحكم مسَّاكم) (٦). وإنما طُلبت بلاغة الخطبة؛ لأنها أقرب إلى قبول القلوب واستجلابها؛ إذ البلاغة

стр. 467

هنا: المبالغة في التوصل إلى إفهام المعاني المقصودة، وإدخالها قلوب السامعين بأحسن صورة من الألفاظ الدالة عليها، وأفصحها، وأحلاها للأسماع، وأوقعها في القلوب، وكان ﷺ لا يطيل خُطبته، بل يُبْلِغ ويوجز. وفي خبر مسلم: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئِنَّةٌ من فقهه (١)، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة؛ فإن من البيان لسحرًا" (٢). (فقلنا: يا رسول اللَّه؛ كأنها موعظة مودع) كأن وجه فهمهم لذلك مزيد مبالغته ﷺ في تخويفهم وتحذيرهم على ما كانوا يألفونه منه قبل، فظنوا أن ذلك لقرب وفاته ومفارقته لهم؛ فإن المودع يستقصي ما لا يستقصي غيره في القول والفعل. وفيه جواز تحكيم القرائن والاعتماد عليها في بعض الأحوال؛ لأنهم إنما فهموا توديعه إياهم بقرينة إبلاغه في الموعظة أكثر من العادة كما تقرر. واحتمالُ أنه أشار إلى توديعهم ففهموا ما سألوه منه نظيرَ ما وقع في حجة الوداع. . بعيدٌ، بدليل قولهم: (كأنها). (فأوصنا) أي: وصيةً جامعةً كافيةً؛ فإنهم لما فهموا أنه مودعٌ. . استوصوه وصيةً تنفعهم ويُتَمَسَّك بها بعده، ويكون فيها كفاية لمن يتمسك بها، وسعادة له في الدارين. ويؤخذ منه: أنه ينبغي لتلامذة العالم أن يسألوه في مزيد وعظهم وتخويفهم ونصحهم، ثم رأيت بعضهم صرَّح به فقال: فيه استحبابُ استدعاءِ الوصية والوعظ من أهلهما، واغتنام أوقات أهل الدين والخير قبل فراقهم (٣). (قال: أوصيكم بتقوى اللَّه) تعالى، جمع في ذلك كل ما يُحتاج إليه من أمور الآخرة؛ لما مر أن التقوى: امتثال الأوامر واجتناب النواهي، وتكاليف الشرع لا تخرج عن ذلك، وأصلها: وِقْوَى بكسر أوله وقد يفتح، من الوقاية -أبدلت تاءً

стр. 468

كتراث وتخمة- وهي: ما يستر الرأس، فالمتقي جعل بينه وبين المعاصي وقايةً تحول بينه وبينها من قوة عزمه على تركها، واستحضار علمه بقبحها. والوصية بالتقوى هي وصية اللَّه تعالى للأولين والآخرين؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ومر الكلام على التقوى بمزيد في وصيته ﷺ معاذًا بها (١). (والسمع والطاعة) جمع بينهما تأكيدًا للاعتناء بهذا المقام، ومن ثم خصه بالذِّكر عاطفًا له على ما يشمله وغيره وهو تقوى اللَّه تعالى، فهو من عطف الخاص على العام؛ لمزيد التأكيد والاعتناء بشأنه، ويصح أن يكون عطفَ مغايرٍ، من حيث إنَّ أظْهَرَ مقاصد التقوى انتظامُ الأمورِ الأخرويةِ، وأظهرَ مقاصد هذا انتظامُ الأمور الدنيوية، ومن ثم قال علي كرم اللَّه وجهه: (إن الناس لا يصلحهم إلا إمامٌ بَرٌّ أو فاجرٌ) (٢)، وقال الحسن: (ما يصلح اللَّه تعالى به أكثر مما يفسده) (٣). (وإن تأمَّر عليكم عبدٌ) هذا إما من باب ضرب المثل بغير الواقع على طريق التقدير والفرض، وإلَّا. . فهو لا تصح ولايته، ونظيره: "من بنى للَّه مسجدًا ولو كَمَفْحَصِ قطاةٍ. . بنى اللَّه له بيتًا في الجنة" (٤)، وإما من باب الإخبار بالغيب، وأن نظام الشريعة يختل حتى توضع الولايات في غير أهلها، والأمر بالطاعة حينئذٍ إيثارٌ لأهون الضررين؛ إذ الصبر على ولاية مَنْ لا يجوز ولايته أهون من إثارة الفتنة التي لا دواء لها ولا خلاص منها. ويرشد إلى هذا تعقيب ذلك بقوله: (فإنه من يعش منكم. . فسيرى اختلافًا

стр. 469

كثيرًا) (١) فيه من معجزاته ﷺ : الإخبار بما يقع بعده من كثرة الاختلاف وغلبة المنكر، وقد كان ﷺ عالمًا به جملةً وتفصيلًا؛ لِمَا صح أنه كُشف له عمَّا يكون إلى أن يدخل أهل الجنة والنار منازلهم، ولم يكن يبينه لكل أحدٍ، وإنما كان يحذِّر منه على العموم، ثم يلقي التفصيل إلى الآحاد؛ كحذيفة وأبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنهما. (فعليكم) أي: الزموا حينئذٍ التمسك (بسنتي) أي: طريقتي وسيرتي القويمة التي أنا عليها مما أصَّلْتُه لكم من الأحكام الاعتقادية والعملية، الواجبة والمندوبة، وغيرهما. وما فسَّرتُ به السُّنةَ من أنها: الطريقة القويمة الجارية على السنن وهو السبيل الواضح. . هو مما وافَقَتْ فيه اللغةُ الشرعَ؛ لاستعمالها فيهما بهذا المعنى، وتخصيصهم لها بما طُلِبَ طلبًا غيرَ جازم اصطلاحٌ طارئٌ قصدوا به التمييزَ بينها وبين الفرض، ويشهد له حديث: "من صلى ثنتي عشرة ركعة من السنة. . بنى اللَّه له بيتًا في الجنة" (٢) على أن التمييز بينهما كان معروفًا عند الجاهلية أيضًا، أَلَا ترى إلى قول ذي الأصبع العدواني: [من الهزج] ومنهم مَنْ يجيز النا ... سَ بالسُّنَّة والفرضِ فهو ما تأصَّل التزامه للخلق، كأنه قطع عليهم التردد فيه، من (فَرَض) أي: قَطَع، وإليه يرجع التقدير؛ لأن ما قدر قد قطع عما كان مشترِكًا معه (٣). (وسنة) أي: طريقة (الخلفاء الراشدين المهديين) (٤) وهم: أبو بكر، فعمر،

стр. 470

فعثمان، فعلي، فالحسن رضي اللَّه تعالى عنهم وعن بقية الصحابة؛ فإن ما عرف عن هؤلاء أو عن بعضهم أَولى بالاتباع من بقية الصحابة إذا وقع بينهم الخلاف فيه. ومن ثم قال بعض العلماء: يقدم ما أجمع عليه الأربعة، ثم ما أجمع عليه أبو بكر وعمر؛ للخبر الصحيح: "اقتدوا باللَّذَينِ من بعدي: أبي بكر، وعمر" (١) وهذا في حق المقلِّد الصِّرف في تلك الأزمنة القريبة من زمن الصحابة. أما في زمننا. . فقال بعض أئمتنا: لا يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة (٢): الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد ابن حنبل رضوان اللَّه تعالى عليهم؛ لأن هؤلاء قد عُرفتْ قواعد مذاهبهم، واستقرت أحكامها، وخدمها تابعوهم وحرروها فرعًا فرعًا، وحكمًا حكمًا، فعزَّ أن يوجد حكمٌ إلا وهو منصوصٌ لهم إجمالًا أو تفصيلًا، بخلاف غيرهم؛ فإن مذاهبهم لم تحرر وتدوَّن كذلك، فلا تعرف لها قواعد تتخرج عليها أحكامها، فلم يجز تقليدهم فيما حفظ عنهم منها؛ لأنه قد يكون مشترطًا بشروطٍ أخرى وكلوها إلى فهمها من قواعدهم، فَقَلَّتِ الثقةُ بخلو ما حفظ عنهم من قيدٍ أو شرطٍ، فلم يجز التقليد حينئذ. والدلائل على اتصاف أولئك الخلفاء بالرشاد -وهو ضدُّ الضلالِ- والهدايةِ لأقوم طريقٍ وأصوبه. . كثيرةٌ مشهورة؛ منها: قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآيةَ، ثم خص ﷺ منهم اثنين بقوله: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" ثم خصَّ منهما أجلهم وأكملهم، بل أجل واكمل مَنْ عدا الأنبياء من سائر الأمم بقوله لمن سألَتْه وأمرها أن ترجع إليه فقالت له: إن لم أجدك؟ تريد الموت، فقال: "ائتي أبا بكر" (٣) فهذا خصوصُ خصوصِ الخصوص.

стр. 471

وقد بينتُ ذلك وغيره من كل ما جاء في فضائلهم ومآثرهم واستحقاقهم للخلافة على الترتيب المذكور في كتابي: "الصواعق المحرقة" فانظر ذلك منه؛ فإنه مهمٌّ، كيف وقد أحرق جميع شُبَهِ المبتدعة القادحة فيهم أو في بعضهم، ودعاويهم الباطلة، وأقاويلهم الكاذبة، قاتلهم اللَّه أنى يؤفكون (١). (عضوا عليها بالنواجذ) (٢) بالمعجمة جمع ناجذ؛ وهو آخر الأضراس -الذي يدل نباته على الحلم- من فوقُ وأسفلُ من كلٍّ من الجانبين، فللإنسان أربعٌ، هذا ما مشى عليه جمعٌ من الشارحين، وقال بعضهم: هي الأنياب، وقيل: آخر الأضراس المذكورة. والمعنى على كلٍّ من القولين: عضوا عليها بجميع الفم؛ احترازًا من النهش، وهو الأخذ بأطراف الأسنان، فهو إما مجازٌ بليغٌ؛ إذ فيه تشبيه المعقول بالمحسوس، ومنه: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ الآيةَ؛ إذ نوره تعالى معقولٌ لا محسوسٌ، أو كناية عن شدة التمسُّك بالسنة والجد في لزومها، كفعلِ مَنْ أمسك الشيء بنواجذه وعض عليه؛ لئلا ينزع منه؛ لأن النواجذ محددةٌ، فإذا عضت على شيءٍ. . نشبت فيه فلا يتخلص، وكذلك، بقال: هذا الشيء تعقد عليه الخناصر، وتلوى عليه الأنامل. وقيل: يحتمل أن يكون معناه الأمر بالصبر على ما يصيبه من المضض في ذات اللَّه (٣)، كما يفعله المتألم مما أصابه من الألم. (وإياكم ومحدَثاتِ الأمور) كلاهما منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ؛ أي: باعدوا واحذروا الأخذ بالأمور المُحدَثة في الدين، واتباع غير سنن الخلفاء الراشدين (فإن) ذلك بدعة، وإن (كل بدعة) وهي لغةً: ما كان مخترعًا على غير مثالٍ سابقٍ، ومنه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: موجدهما على غير مثالٍ سبق.

стр. 472

وشرعًا: ما أحدث على خلاف أمر الشارع ودليله الخاص أو العام. (ضلالة) لأن الحق في ما جاء به الشرع، فما لا يرجع إليه يكون ضلالة؛ إذ ليس بعد الحق إلا الضلال، ومر في شرح (الخامس) الكلام على ذلك مستوفًى (١)، وأن المراد بالمحدَث الذي هو بدعة وضلالة: ما ليس له أصلٌ في الشرع، وإنما الحامل عليه مجرد الشهوة أو الإرادة، فهذا باطلٌ قطعًا، بخلاف محدَثٍ له أصلٌ في الشرع إما بحمل النظير على النظير، أو بغير ذلك؛ فإنه حسنٌ؛ إذ هو سنة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين. ومن ثم قال عمر رضي اللَّه تعالى عنه في التراويح: (نعمت البدعة هي) (٢) فليس ذلك مذمومًا بمجرد لفظ: محدث، أو: بدعة؛ فإن القرآن باعتبار لفظه وإنزاله وصف بالمحدث أولَ (سورة الأنبياء) (٣) وإنما منشأ الذم ما اقترن به من مخالفته للسنة ودعايته إلى الضلالة. فالحاصل: أن البدعة منقسمةٌ إلى الأحكام الخمسة؛ لأنها إذا عرضت على القواعد الشرعية. . لم تخل عن واحدٍ من تلك الأحكام. فمِنَ البدع الواجبة على الكفاية: الاشتغالُ بالعلوم العربية المتوقف عليها فهم الكتاب والسنة؛ كالنحو، والصرف، والمعاني، والبيان، واللغة -بخلاف العروض والقوافي ونحوهما (٤) - وبالجرح والتعديل، وتمييز صحيح الأحاديث من سقيمها، وتدوين نحو الفقه وأصوله وآلاته، والرد على نحو القدرية، والجبرية، والمرجئة، والمجسِّمة، ومحل بسطه كتب أصول الدين؛ لأن حفظ الشريعة فرض كفايةٍ فيما زاد على المتعين؛ كما دلت عليه القواعد الشرعية، ولا يتأتى حفظها إلا بذلك؛ ولأن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به. . واجبٌ.

стр. 473

ومن البدع المحرمة: مذاهب سائر أهل البدع المخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة. ومن المندوبة: إحداث نحو الرُّبط، والمدارس، وكل إحسانٍ لم يعهد في العصر الأول، والكلام في دقائق التصوف، والجدل، وجمع المحافل، والاستدلال في المسائل العلمية إن قصد بذلك وجه اللَّه تعالى. ومن المكروهة: زخرفة المساجد، وتزويق المصاحف. ومن المباحة: التوسع في لذيذ المآكل والمشارب والملابس، وتوسيع الأكمام، وقد يختلف العلماء في ذلك فيجعله بعضهم مكروهًا، وبعضهم سنة، وكذا المصافحة عقب العصر والصبح على ما قاله ابن عبد السلام (١)، لكن قيده المصنف بما إذا صافح من هو معه قبلهما، أما من ليس معه قبلهما. . فمصافحته مندوبة؛ لأنها عند اللقاء سنةٌ إجماعًا، وكونه خصَّصها ببعض الأحوال وفرط في أكثرها لا يخرج ذلك البعض عن كونها مشروعة فيه (٢). وبما تقرر علم أن قوله: "ومحدثات الأمور" عامٌّ أُريد به خاصٌّ؛ إذ سنة الخلفاء الراشدين منها، مع أنَّا أُمرنا باتباعها؛ لرجوعها إلى أصلٍ شرعيٍّ، وكذلك سنتهم؛ عام أُريد به خاص؛ إذ لو فرض خليفةٌ راشدٌ في عامة أمره سَنَّ سنةً لا يعضدها دليلٌ شرعيُّ. . امتنع اتباعها، ولا ينافي ذلك رشده؛ لأنه قد يخطئ المصيب، ويزيغ المستقيم يومًا ما، وفي الحديث: "لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة" (٣). واعلم: أن الكلام إما عامٌّ أريد به عامٌّ؛ نحو: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أو خاصٌّ أريد به خاصٌّ؛ نحو: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ أو عامٌّ أريد به خاصٌّ؛

стр. 474

نحو: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾، أو خاصٌّ أُريد به عامٌّ؛ نحو: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ أي: لا تؤذهما بشيءٍ من أنواع الإيذاء. قاعدة [في بيان كيفية أخذ الحكم] كل حكمٍ أجازه الشارع أو منعه أو أمكن رده إلى أحدهما. . فهو واضحٌ، فإن أجازه مرةً ومنعه أخرى. . فالثاني ناسخٌ للأول، وإن لم ترِدْ عنه إجازته ولا منعه ولا أمكن رده إليه بوجهٍ. . ففيه الخلاف قبل ورود الشرع، والأصح: أن لا حكم، فلا تكليف فيها بشيءٍ، وقيل: يرجع فيه إلى المصلحة والسياسة، فما وافقها منه. . أُخذ، وما لا. . تُرك. (رواه) أحمد وابن ماجه و (أبو داوود) وأبو نعيم، وقال: حديثٌ جيدٌ من صحيح حديث الشاميين (١) (والترمذي وقال: حديث حسن) وفي نسخة: حسن صحيح، هكذا هو في "كتاب الأربعين". ولفظ أبي داوود: قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظةً بليغةً، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائلٌ: يا رسول اللَّه؛ كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: "أوصيكم بتقوى اللَّه والسمع والطاعة وإن عبدًا حبشيًا؛ فإنه من يعش منكم بعدي. . فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور: فإن كل محدثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ". ولفظ الترمذي نحو هذا، لكن فيه: بعد صلاة الغداة، وفيه: "وإن عبدٌ حبشيٌّ" (٢) وفيه: "وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك

стр. 475

منكم. . فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ". وفي بعض الطرق: إن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: "تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، فلا يزيغ عنها إلا هالك، ومن يعش منكم. . فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ" (١). وفي بعضها: "فإن كل محدثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار" وهو قياسٌ مركبٌ متصلٌ من الشكل الأول، ينتج: كل محدثةٍ في النار؛ يعني صاحبها من فاعلٍ ومتَّبِع. وزاد ابن ماجه آخر الحديث: "فإنما المؤمن كالجمل الأَنِف؛ حيثما قِيد. . انقاد" (٢) لكن أنكر جمعٌ من الحُفَّاظ هذه الزيادة وقالوا: إنها مدرجة. وأجيب بأن ابن ماجه أخرجه من طريقٍ إسناده جيدٌ متصل، ورواته ثقات مشهورون، وقد صرح فيه بسماع يحيى راويه من العرباض، وبه صرح البخاري في "تاريخه" (٣) أي: وإن أنكره حفاظ أهل الشام، وقيل: إن البخاري في "تاريخه" تقع له أوهام في أخبار أهل الشام، وهم أعرف بشيوخهم. * * *

стр. 476

الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَخْبِرْنِي بعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، وَيُبَاعِدنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ: "لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ؛ تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشْرِكُ بهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ" ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟! الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ" ثُمَّ تَلَا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. . . حَتَّى بَلَغَ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ؟! " قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ" ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكَ بمِلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟! " قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَ بلِسَانِهِ ثُمَّ قَالَ: "كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا" قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ؛ وَإنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بهِ؟! فَقَالَ: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ! وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟! " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (١). (عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قلت: يا رسول اللَّه؛ أخبرني بعمل يدخلُني الجنة، ويباعدني من النار) (٢) فيه عظيم فصاحته؛ فإنه أوجز وأبلغ، ومن ثم

стр. 477

حمد صلي اللَّه عليه وسلم مسألته، وعجب من فصاحته حيث (قال) له: (لقد سألت عن عظيم) أي: عن عملٍ عظيمٍ؛ إما لأن عظم المسبب يستدعي عظم السبب، ودخول الجنة والتباعد عن النار أمرٌ عظيمٌ، سببه: امتثال كل مأمور، واجتناب كل محظور، وذلك عظيمٌ صعبٌ قطعًا، ولولا ذلك. . لما قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾. وإما من حيث صعوبته على النفوس وعدم وفائها غالبًا بما يطلب له، وفيه من الوسائل والمقاصد الواجبة والمندوبة، وأجلُّها الإخلاص؛ إذ هو روح العمل وأُسُّه المقوِّم له، وأنى به؟! فإنه لا يوجد كماله إلا للشاذِّ النادر من العاملين، ولعزته كان مما استأثر اللَّه تعالى به؛ فإنه لم يطلع عليه ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا. وليس المراد استعظام جزائه ونتيجته فقط؛ بدليل قوله: (وإنه ليسير على من يسَّره اللَّه تعالى عليه) (١) بتوفيقه إلى القيام بالطاعات على ما ينبغي، وشَرْحِ اللَّه تعالى صدره إلي السعي فيما يكمله ويقربه من ربه تعالى مع تهيئة أسباب ذلك له: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ وهدايته إلى صفاء نفسه عن كدوراتها، فعزبت عن سائر مألوفاتها وشهواتها، وطمحت إلى أعلى أحوالها ومقاماتها، وترقَّت عن سفساف أخلاقها، وحضيض أوصافها إلى غايات الكمال، ونهايات الجلال. ثم فسر ذلك العمل العظيم بقوله: (تعبد اللَّه) تعالى؛ أي: توحِّده في حال كونك (لا تشرك به شيئًا) أو تأتي بجميع أنواع العبادة في حال كونك مخلصًا له؛ بأن تقصد بها، وجهه تعالى وحده؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. (وتقيمُ الصلاة) هو وما بعده من عطف المغاير على المعنى الأول (٢)، وعليه فيكون قد ذكر له التوحيد وأعمال الإسلام، والخاص على العام على المعنى الثاني (٣).

стр. 478

(وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) مر الكلام على ذلك مستوفًى في شرح (الحديث الثاني) و (الثالث) (١). (ثم قال) له ﷺ : (ألا أدلك) عرضٌ؛ نحو: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ الآية؛ أي: عرضت ذلك عليك، فهل تحبه؟ وفيه غاية التشويق إلى ما سيذكره له؛ ليكون أوقعَ في نفسه، وأبلغَ في ملازمته، وأحثَّ على تفرغها لاستفادته. (على أبواب الخير) فيه زيادة ذلك التشويق، والمراد بالخير هنا: ضد الشر. ثم الإضافة إن كانت بيانية. . كان المراد به الأعمال الصالحة التي يتوصل بها إلى أعمال أخرى أكمل منها كما استفيد من تسميتها أبوابًا، فهو من المجاز البليغ؛ لما فيه من تشبيه المعقول بالمحسوس (٢)، نظيرَ ما مر آنفًا. وأُوثر فيها جمع القلة إشارةً إلى تسهيل الأمر على السامع؛ ليزيد نشاطه وإقباله. هذا ما ظهر لي، وهو أولى من قول بعضهم: إنما أوثر؛ لأنه ليس له جمع كثرة كآذان، وأقلام، وأقسام. وإن كانت بمعنى (اللام). . كان المراد به الجزاء العظيم، والثواب الجسيم، وبها سائر الأعمال الصالحة. ويدل للثاني: رواية ابن ماجه: "ألا أدلك على أبواب الجنة؟! " (٣)، وللأول: تخصيصه بعضَ الأعمال بالذكر بقوله: (الصوم) أي: الإكثار من نفله؛ لأن فرضه مر ذكره قريبًا (جُنَّة) بضم الجيم، من (جنَّ) إذا استتر؛ أي: هو مِجَنٌّ وسترٌ ووقايةٌ لك من النار في الآجل، ومن استيلاء الشهوات والغفلات عليك في العاجل، وذلك باب أيُّ باب، ووسيلة أيُّ وسيلة إلى صفاء الأحوال، ووقوع أفضل الأعمال، على

стр. 479

نهاية الكمال، ومن ثم قال تعالى: "الصوم لي وأنا أجزي به" (١)، وقال تعالى: "يدع طعامه وشرابه من أجلي فأنا أجزي به" (٢). وفي الكتاب العزيز: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ والصائمون منهم؛ إذ الصوم: الصبر عن ملاذِّ الشهوات والمألوفات. (والصدقة) أي: نفلها، لأن فرضها مرَّ قريبًا أيضًا (تُطفئ) أي: تمحو، استعار له لفظ الإطفاء؛ لمقابلته بقوله: (كما. . . إلخ) (٣)، أو أن الخطيئة يترتب عليها العقاب الذي هو أثر الغضب المستعمل فيه الإطفاء، يقال: أطفأ غضبه؛ لما مر أنه فوران دم القلب عن غلبة الحرارة. (الخطيئة) أي: الصغيرة المتعلقة بحق اللَّه تعالى؛ لما علم من القواعد: أن الكبيرة لا يطفئها إلا التوبة، والمتعلقة بحق الآدمي لا يطفئها إلا رضا صاحبها. (كما يطفئ الماء النار) قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وخصت الصدقة بذلك؛ كأنه لتعدي نفعها، ولأن الخلق عيال اللَّه تعالى، وهي إحسانٌ إليهم، والعادة أن الإحسان إلى عيال الشخص يطفئ غضبه. وسبب إطفاء الماء النارَ: أن بينهما غاية التضاد؛ إذ هي حارةٌ يابسةٌ، وهو باردٌ رطبٌ، فقد ضادَّها بكيفيتيه جميعًا، والضد يقمع الضد ويعدمه. وبإطفاء الخطايا يتنور القلب، وتصفو الأعمال، فلذلك كانت الصدقة بابًا عظيمًا لغيرها من الأعمال الفاضلة، ومر أنها برهان؛ أي: حجة على صدق إيمان

стр. 480

صاحبها، وفضائلها كثيرةٌ شهيرةٌ، بينتها في كتابٍ مستقل مع ما يتعلَّق بها ويلائمها من الأحكام وغيرها (١). (وصلاة الرجل) (٢) خص بالذِّكر؛ لأن السائل رجلٌ، أو لأن الخير غالبٌ في الرجال؛ إذ أكثر أهل النار النساء، لا للاحتراز عن المرأة؛ لأنها مثله في ذلك. (من) أي: (في) وبها عبَّر في بعض النسخ، ويحتمل كونها لابتداء الغاية -أي: الجوف مبدأ للصلاة- وللتبعيض؛ أي: صلاته بعض الجوف؛ أي: فيه. (جوف الليل) إذ هي فيه مطلقًا أفضل منها في النهار؛ لأن الخشوع والتفرغ فيه أسهل وأكمل، ومن ثم كانت بابًا عظيمًا من أبواب الخير؛ لأنه يتوصَّل بها إلى صفاء السِّر، ودوام الشهود والذِّكر، ثم هي فيه بعد النوم أفضل منها فيه قبله، ويحصل فضل قيامه بصلاة ركعتين؛ لخبر: "من قام من الليل قدر حَلَبِ شاة. . كتب من قُوَّام الليل" (٣). واختلفوا في أفضل أجزائه، والذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة: ما ذهب إليه الإمام الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه من أنه إن جزَّأه نصفين. . فالنصف الثاني أفضل، أو أثلاثًا. . فالثلث الأخير أفضل، أو أسداسًا. . فالسدس الرابع والخامس أفضل، وهذا هو الأكمل على الإطلاق؛ لأنه الذي واظب عليه النبي ﷺ وقال فيه: "أفضل الصلاة صلاة أخي داوود؛ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه" (٤).

стр. 481

(ثم تلا) ﷺ احتجاجًا على فضل صلاة الليل قوله تعالى: (﴿تَتَجَافَى﴾) أي: تتنحَّى وترتفع (﴿جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾) أي: مواضع الاضطجاع للنوم (حتى بلغ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾) قيل: وهذا كنايةٌ عن الصلاة بين المغرب والعشاء، وقيل: عن انتظار العشاء؛ لأنها كانت تؤخَّر إلى نحو ثلث الليل، وقيل: عن صلاة العشاء والصبح في جماعة. والجمهور: على أنه كنايةٌ عن صلاة النوافل من الليل، وهو الذي دلَّ عليه سياق هذا الحديث، بل والآية؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآيةَ؛ فإنه دالٌّ على أنهم أخفوا عملهم فجُوزُوا بما أُخفي لهم من قرة الأعين، وإنما يتم إخفاؤه بالصلاة في جوف الليل المصرَّح به في هذا الحديث؛ لأن المصلي حينئذٍ ترك نومه ولذته وآثر ما يرجوه من ربه عليهما، فحُقَّ له أن يُجازى بذلك الجزاء العظيم. وفي خبر "الصحيحين": "يقول اللَّه ﵎: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ " (١). وقد جاء: أن اللَّه تعالى يباهي بقُوَّام الليل في الظلام الملائكةَ يقول: "انظروا إلى عبادي؛ قد قاموا في ظلم الليل حيث لا يراهم أحدٌ غيري، أُشهدكم أَني قد أبحتهم دار كرامتي" (٢). (ثم قال) ﷺ : (ألا أخبرك برأس الأمر) أي: العبادة، أو الأمر الذي سألت عنه (وعموده وذروة) بضم أوله وكسره، قيل: والقياس جواز فتحه أيضًا (سَنامه) فيه من التشويق المرة بعد المرة (٣) نظيرَ ما مر آنفًا (٤) (الجهاد)

стр. 482

سقط منه شطرٌ ثابتٌ في أصل "الترمذي" لا يتم الكلام بدونه، ومع ذلك لم يتنبه له أكثر الشراح، وكأنه انتقل نظره من "سنامه" إلي "سنامه" إذ لفظ الترمذي بعد "سنامه" المذكور: قلت: بلى يا رسول اللَّه، قال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذورة سنامه الجهاد" وقد وقع له ذلك في "الأذكار" أيضًا (١)، وكأنه قلَّد فيه الحافظ ابن الصلاح، فإنه لمَّا ذكر الأحاديث التي قيل: إنها أصول الإسلام أو الدين، أو التي عليها مدارهما أو مدار العلم، ذكر من جملتها هذا الحديث بالإسقاط المذكور، لكن عذره أن ابن ماجه ذكره كذلك (٢)، فلا اعتراض عليه؛ لأنه لم يلتزم رواية شخصٍ بخصوصها، بخلاف المصنف؛ فإنه هنا إنما ساق لفظ الترمذي كما سيذكره (٣)، ولفظه كما عرفت ليس فيه الإسقاط المذكور، ويقع في بعض نسخ المتن ذكر ذلك الإسقاط، فيحتمل أن المصنف تنبه له بعدُ فالحقه، ويحتمل أنه من فعل بعض تلامذته أو غيرهم (٤). وفي قوله: "رأس الأمر الإسلام. . . إلخ" استعارة بالكناية يتبعها استعارة ترشيحية؛ لأنه شبَّه الأمر المذكور بفحل الإبل وبالبيت القائم على عمد، وأضمر هذا التشبيه في النفس، ثم ذكر ما يلائم المشبَّه به وهو الرأس والسنام والعمود. ووجه إيثار الإبل بالذكر: أنها خيار أموالهم، ومن ثم كانوا يشبهون بها رؤساءهم، وإنما كان الإسلام المراد به الإيمان هو الرأس؛ لأنه لا حياة لشيءٍ من الأعمال بدونه، كما أن الحيوان لا حياة له بدون رأسه، والصلاة هي العمود؛ لأنه الذي يقيم البيت ويرفعه ويهيئه للانتفاع به، والصلاة هي التي تقيم الدين وترفعه وتهيِّئُ فاعلها لِتَحلِّيه بمعالي القرب، واستغراقِهِ في أنوار الشهود.

стр. 483

والجهاد هو ذروة السنام؛ لأن ذورة الشيء أعلاه، والجهاد أعلى أنواع الطاعات؛ من حيث إن به يظهر الإسلام، ويعلو على سائر الأديان، وليس ذلك لغيره من العبادات، فهو أعلاها بهذا الاعتبار وإن كان فيها ما هو أفضل منه، وعلى هذا يحمل قول بعض الشراح: الجهاد لا يقاومه شيءٌ من الأعمال، ويؤيد ما ذكرته خبر: (أنه يوزن مداد العلماء ودم الشهداء يوم القيامة، فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء) (١)، ومعلوم أن أعلى ما للشهيد دمه، وأدنى ما للعالم مداده، فإذا لم يف دم الشهداء بمداد العلماء. . كان غير الدم من سائر فنون الجهاد كَلَا شيءٍ بالإضافة إلى ما فوق المداد من فنون العلم. واعلم: أنه صح أنه ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال تارةً: "الصلاة لأول وقتها" (٢)، وتارةً: "الجهاد" (٣)، وتارةً: "بر الوالدين" (٤) وحمل على اختلاف أحوال السائلين، فأجاب كلًّا بما هو الأفضل بالنسبة لحاله. وأما الأفضل على الإطلاق بعد الشهادتين. . فهو الصلاة عندنا؛ فنفلها أفضل النوافل، وفرضها أفضل الفروض؛ لما صح من قوله ﷺ : "الصلاة خير موضوع" (٥)، وفي روايةٍ صحيحةٍ أيضًا: "واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة" (٦) وقيل: أفضلها الجهاد؛ لهذا الحديث، وحديث: أنهم قالوا: يا رسول اللَّه؛ ما يعدل الجهاد؟ فقال: "لا تطيقونه" ثم ذكروا سؤالهم فقال: "لا تطيقونه" ثم قال: "أيستطيع أحدكم أن يدخل بيتًا فيصوم ولا يفطر، ويصلي ولا يفتر؟ " فقالوا:

стр. 484

لا، فقال: "إنما مثل المجاهد كمثل الصائم القائم الذي لايفتر من صلاة ولا صيام" (١). ويرد: بأن الحديث الذي نحن فيه لا شاهد فيه للأفضلية المطلقة؛ لِمَا تقرر في معناه، وإلَّا. . لزم أن الجهاد أفضل من الإسلام؛ لأن ذروة السنام أعلى من الرأس، ولا قائل به، وإنما غاية الأمر: أن المفضول قد يشتمل على مزيةٍ، بل مزايا لا توجد في الفاضل. وأما الخبر الثاني. . فهو شاهدٌ لأفضلية الصلاة والصوم على الجهاد؛ لأن المشبَّه به أعلى من المشبه. ووجه رواية ابن ماجه السابقة: أن الجهاد مقرونٌ بالهداية؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ والهداية محصلةٌ لمقصود هذا السائل؛ إذ يلزمها دخول الجنة والمباعدة من النار، فكان الجهاد رأس أمر السائل وعموده وذروة سنامه. والكلام في المفاضلة بين فرضي عينٍ أو كفايةٍ، أو نفلينِ، لا بين فرضٍ ونفلٍ؛ لأن فرض المفضول أفضل من نفل الفاضل، وهذا محمل قول الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه: (الاشتغال بالعلم أفضل من صلاة النافلة) (٢). والكلام أيضًا في عملينِ متقاربينِ في المشقة؛ كما يدل عليه قول أئمتنا: المراد: أن جنس الصلاة أفضل من جنس الصوم، أو صرف أكثر الزمن إليها أفضل من صرف أكثره إليه، لا أن صلاة ركعتين أفضلُ من صوم يوم. (ثم قال) ﷺ : (ألا أخبرك بملاك) بفتح الميم وكسرها (٣) (ذلك كله) أي: بمقصوده وجماعه، أو بما يقوم به؛ بمعنى: أنه إذا وجد. . كانت تلك الأعمال كلها على غايةٍ من الكمال، ونهايةٍ من صفاء الأحوال؛ لأنها غنيمةٌ، وكفُّ اللسان عن المحارم سلامةٌ، وهي في نظر العقلاء مُقدَّمةٌ على الغنيمة، وفي هذا إشارةٌ إلى أن جهاد النفس بقمعها عن الكلام فيما يُردِيها ويؤذيها أشقُّ عليها من

стр. 485

جهاد الكفار، وأن هذا هو الجهاد الأصغر، وذاك هو الجهاد الأكبر؛ إذ منعها هواها من أجلِّ ما اقتناه الإنسان، ومن أعظم آدابها الصمتُ وترك الكلام فيما لا يعني، ومن ثم قال ﷺ : "من صمت. . نجا" (١). (قلت: بلى يا رسول اللَّه، فأخذ) ﷺ (بلسانه) أي: أمسك لسان نفسه، وهو يُذكَّر ويؤنَّث، وقد يطلق على نفس الكلام مجازًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ أي: بلغتهم. (ثم قال: كُفَّ عليك) أي: عنك، أو ضُمِّن (كف) معنى (احبس) (هذا) أي: عن الشر؛ للخبر السابق: "فليقل خيرًا، أو ليصمت" (٢) وجمع بين إمساكه وقوله ذلك؛ مع أنه كان يمكنه أن يقول: كف عليك لسانك؛ لأن النفس بالحسيات آلفُ منها بالعقلبات؛ لتأخُّر زمن إدراك هذه عن زمن إدراك تلك، فكان ذكر المعنى العقلي الجلي ثم تعقيبه بالتمثيل الحسي أبلغَ وأوقعَ في النفس؛ لما فيه من زيادة القوة بنقله من الخفاء إلى الظهور على أكمل وجهٍ وأبلغه؛ وهذا هو السبب في قول إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: ليزداد قوةً يقينية بمشاهدة المعقول عيانًا؛ إذ عين اليقين أقوى من مجرد علمه. ومن ثم كان قولك: هذا الماء والنار كيف يجتمعان أبلغ من قولك: الماء والنار كيف يجتمعان؛ لأن الإشارة إليهما أوجبت للعقل زيادة شعورٍ واستحضارٍ لهما لا يوجد عند مجرد ذكرهما من غير إشارة. (قلت: يا نبي اللَّه (٣)؛ وإنا لمؤاخذون بما نتكلَّم به؟!) استفهامُ استثباتٍ وتعجبٍ واستغرابٍ، ولا ينافي خفاء هذا عليه قوله ﷺ في حقه: "أَعْلمُكُم بالحلال والحرام معاذ" (٤) لأنه إنما صار أعلَمَهُمْ بالحلال والحرام بعد هذا

стр. 486

السؤال وأمثاله من أنواع التعلُّم والاستفهام (١)، أو المراد بالحلال والحرام: المعاملات الظاهرة بين الناس، وهذا في معاملة العبد مع ربه. (فقال: ثكلتك) أي: فقدتك (أمك) لفقدك إدراك المؤاخذة بذلك مع ظهورها، وهذا مما غلب جريانه على السنتهم في المحاورات؛ للتحريض على الشيء والتهييج إليه من غير إرادة حقيقة معناه من الدعاء على المخاطب بموته، كـ (حَلْقَى عَقْرَى)، (تربت يمينك) (٢). (وهل) استفهام إنكارٍ بمعنى النفي؛ أي: ما (يَكُب) بضم الكاف من النوادر؛ لتعديه ثلاثيًا كـ (كببت الشيء) وقصوره رباعيًا كـ (أكب) هو. (الناس) أي: أكثرهم؛ أي: يلقيهم (في النار على وجوههم، أو) قال: (على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) أي: ما تكلمت به من الإثم، جمع (حصيدة) بمعنى محصودة، شبَّه ما تكسبه الألسنة من الكلام الحرام بحصائد الزرع بجامع الكسب والجمع، وشبَّه اللسان في تكلُّمه بذلك بحدِّ المنجل الذي يحصد به الناس الزرع، ففيه استعارةٌ بالكناية من حيث تشبيه ذلك الكلام بالزرع المحصود واللسان بالمنجل، تتبعها استعارة ترشيحية؛ لأن الحصاد يلائم المشبه به دون المشبه. والحصر في ذلك إضافيٌّ؛ إذ من الناس مَنْ يكبه في النار عملُه لا كلامه، لكن ذلك خرج مخرج المبالغة في تعظيم جرائم اللسان: كـ "الحج عرفة" (٣) أي: معظمه ذلك، كما أن معظم أسباب النار الكلام؛ كالكفر والغيبة والنميمة ونحوها، ولأن الأعمال يقارنها الكلام غالبًا، فله حصةٌ في ترتب الجزاء عليه عقابًا وثوابًا؛ ففي الحديث الصحيح: "من يضمن لي ما بين لحييه ورجليه. . أضمن له الجنة" (٤)؛ وفيه: "إن الرجل ليتكلَّم بالكلمة من رضوان اللَّه لا يُلْقي لها بالًا يكتب له رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلَّم بالكلمة من سخط اللَّه لا يعلم أنها تقع حيث تقع فيكتب

стр. 487

له بها سخطه إلى يوم يلقاه -أو قال-: يهوي بها في النار سبعين خريفًا" (١). وفي الحكمة: لسانك أسدك، إن أطلقته. . فرسك، وإن أمسكته. . حرسك. ومن ثم كان أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه وكرم وجهه يمسك لسانه ويقول: (هذا الذي أوردني الموارد) (٢). (رواه الترمذي) في "جامعه" (وقال: حديث حسن صحيح) لكن في "الجامع" زيادة على ما ذكره المصنف هنا، ولفظه: عن معاذٍ قال: كنتُ مع النبي ﷺ في سفرٍ، فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول اللَّه؛ أخبرني بعمل يدخلني الجنة. . . وذكره. * * *

стр. 488

الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع] عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ جُرْثُومِ بْنِ نَاشِرٍ ﵁، عنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فلا تَبْحَثُوا عَنْهَا" حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاه الدَّارَقُطْنِيُّ وغَيرُهُ (١). (عن أبي ثعلبة الخشني) بمعجمةٍ مضمومةٍ، فمفتوحةٍ، فنونٍ، نسبةً إلى خُشينة قبيلة معروفة (جُرثوم) بجيم مضمومة فراء فمثلثة (ابن ناشر) وفي اسمه واسم أبيه أقوالٌ غير ذلك نحو أربعين قولًا (رضي اللَّه) تعالى (عنه) كان ممن بايع تحت الشجرة، وضرب له ﷺ بسهمه يوم خيبر، وأرسله إلى قومه فأسلموا. نزل الشام ومات أولَ إمرة معاوية، وقيل: في إمرة يزيد، وقيل: في إمرة عبد الملك سنة خمس وتسعين (٢)، روى له الجماعة. (عن رسول اللَّه ﷺ قال: إن اللَّه تعالى فرض فرائض) أي: أوجبها وحتم العمل بها (فلا تضيعوها) بالترك أو التهاون فيها حتى يخرج وقتها، بل قوموا بها كما فرض عليكم. وقد يستنبط منه الدلالة لمذهبنا: أن الفرض والواجب مترادفان؛ لأن النهي عن

стр. 489

التضييع لا يختص بالفرض عند غيرنا؛ وهو ما ثبت بدليلٍ قطعيٍّ، بل يعم الواجب عنده أيضًا؛ وهو ما ثبت بدليلٍ ظنيٍّ، فتفريع: "فلا تضيعوها" على ما قبله ظاهرٌ في شموله للقسمين. (وحدَّ حدودًا) جمع حدٍّ؛ وهو لغةً: الحاجز بين الشيئين، وشرعًا: عقوبةٌ مقدرةٌ من الشارع تزجر عن المعصية؛ أي: جعل لكم حواجز وزواجر مقدرةً تحجزكم وتزجركم عما لا يرضاه. وإنما حملنا الحدود هنا على الزواجر المذكورة دون الوقوف عند النواهي والأوامر؛ لأنها حينئذٍ تكون مكررةً مع ما قبلها وما بعدها؛ إذ الفرائض المفروضة حدودٌ محدودةٌ بهذا المعنى؛ لأنها مقدرةٌ محصورةٌ يجب الوقوف عند تقدير الشرع فيها، وكذلك المحرمات؛ وحينئذ فمعنى: (فلا تعتدوها) أي: لا تزيدوا عليها عمَّا أمر به الشرع، وجَلْدُ عمرَ رضي اللَّه تعالى عنه في الخمر ثمانين ليس فيه زيادةٌ محظورةٌ وإن اقتصر ﷺ وأبو بكر فيه على أربعين؛ لأن الناس لمَّا أكثروا من الشرب زمنَه ما لم يكثروه قبله. . استحقوا أن يزيد في جلدهم تنكيلًا وزجرًا، فكانت الزيادة اجتهادًا منه بمعنى صحيح مسوغٍ لها، ومن ثم قال علي كرم اللَّه وجهه: (إن كلًّا من الزيادة وعدمها سنة) (١) أي: لأنه ﷺ أمر بالاقتداء بعمر خصوصًا بقوله: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"، وعمومًا بقوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين. . . " الحديث السابق (٢). ولا يعارض قول علىٍّ هذا قوله أيضًا: (لا يموت أحدٌ في حدٍّ يقع في نفسي منه شيءٌ إلا شارب الخمر؛ فإنه لو مات. . وديته؛ وذلك أن رسول اللَّه ﷺ لم يسنَّه) (٣) لأن معنى قوله: (لم يسنَّه) أي: بقولٍ أو فعلٍ. ومعنى أنه سنَّه: أن حكم عمر به مجتهدًا فيه مراعيًا فيه المصلحة سنةٌ أيضًا، لحثِّه ﷺ على الاقتداء بسنة عمر كما تقرر، فكانت بمنزلة ما سنَّهُ صلى اللَّه

стр. 490

عليه وسلم على ما مر في شرح قوله: "وسنة الخلفاء الراشدين". ويصح حمل الحدود هنا على الوقوف عند الأوامر والنواهي، ومنه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ الآيةَ، وآياتٍ أخر، ويكون ما قبله وما بعده من باب ذكر العام بعد الخاص وعكسه، وحينئذٍ فمعنى "لا تعتدوها": لا تتجاوزوا ما حدَّ لكم بمخالفة المأمور، وارتكاب المحظور. (وحرم أشياء فلا تنتهكوها) أي: لا تتناولوها ولا تقربوها (١) (وسكت عن أشياء رحمة لكم) أي: لأجلكم (٢) حالَ كون السكوت عنها (غير نسيان) لأحكامها: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ (فلا تبحثوا عنها) لخبر: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا مَنْ سأل عن شيءٍ لم يحرم فحُرِّم لأجل مسألته" (٣) دل على أن ثم أشياء الأصل فيها الإباحة وقد يعرض لها التحريم بوسائط. وقولُ بعضهم: دلَّ على أن ثم أشياء لم تذكر أحكامها ولا أحكام لها. . فيه نظر، فتأمله. وقد مر الكلام على معنى: "فلا تبحثوا عنها" مستوفًى مبسوطًا في شرح (الحديث التاسع) فانظره (٤). ثم النهي يحتمل اختصاصه بزمنه ﷺ ؛ لأن كثرة البحث والسؤال حينئذٍ عما لم يذكر قد يكون سببًا لنزول التشديد فيه بإيجابٍ أو تحريمٍ، ويحتمل بقاؤه على عمومه؛ لأن كثرة البحث والسؤال عما لم يذكر في الواجبات ولا في المحرمات قد يوهم اعتقاد إيجابه أو تحريمه، وصح: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثًا (٥)، والمتنطع: البحَّاث عمَّا لا يعنيه، أو: الذي يدقق نظره في الفروق البعيدة، فيفرق بها بين متماثلين بمجرد فرقٍ لا يظهر أثره في الشرع مع وجود الأوصاف المقتضية

стр. 491

للجمع، أو يجمع بين متفرقين بمجرد وصفٍ طردي غير مناسب مع أنه لم يدل لتأثيره دليلٌ شرعيٌّ. فهذا النظر والبحث غير مرضيٍّ ولا محمودٍ وإن وقع فيه طوائف، ومن ثم قال ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه: (إياكم والتنطُّع، إياكم والتعمُّق، وعليكم بالعتيق) (١) يعني: ما كان عليه الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم. ومن كلام بعض أئمتنا: لا ينبغي لنا أن نكتفي بالخيالات في الفروق كدأب أصحاب الرأي، ومتى كان اجتماع الشيئين أظهر في الظن من افتراقهما. . وجب القضاء باجتماعهما وإن انقدح فرق على بُعْدٍ. ومن البحث عما لا يعني: البحث عن أمور الغيب التي أُمرنا بالإيمان بها ولم تتبين كيفيتها؛ لأنه قد يوجب الحيرة والشك، ويرتقي إلى التكذيب، ومن ثم قال إسحاق: (لا يجوز التفكر في الخالق ولا في المخلوق بما لم يسمعوه فيه، كأن يقال في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾: كيف يسبِّح الجماد؛ لأنه تعالى أخبر به، فيجعله كيف شاء كما شاء) اهـ (٢) وفي "الصحيحين" ما يؤيد حرمة التفكر في الخالق؛ كخبر البخاري: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه. . فليستعذ باللَّه ولْيَنْتَهِ" (٣). وأخرج مسلم: "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا اللَّه خلق الخلق، فمن خلق اللَّه؟ فمن وجد من ذلك شيئًا. . فليقل: آمنت باللَّه" (٤). ومعنى سكوته تعالى عنها: أنه لم يُنزل حكمها على نبيه، لا أنه سكت عنها حقيقةً؛ لاستحالة ذلك عليه تعالى؛ إذ الكلام من صفاته النفسية القديمة الذاتية التي لا ينفك تعالى عنها.

стр. 492

ويفهم من سكوته عنها رحمةً لنا مع النهي عن البحث عنها أنه لا حكم قبل ورود الشرع، وهو الأصح، وقيل: الأصل: الحظر، ونسب للشافعي وأكثر المتكلمين، ولعل ذلك قولٌ مرجوحٌ للشافعي، وإلَّا. . فالأصح عند أئمتنا ما مر، وقيل: الإباحة. ومحل الاستدلال على ذلك كتب الأصول والفقه. وعلي أن الأصل في الأشياء بعد ورود الشرع الإباحة (١)، وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك، وغلَّطوا من سوَّى بين المسألتين وجعل حكمهما واحدًا (٢). ومعنى كون السكوت رحمة لنا: أنها لم تُحرَّم فيعاقب على فعلها، ولم تجب فيعاقب على تركها، بل هي عفوٌ لا حرج في فعلها ولا في تركها. (حديث حسن) بل صحَّحه ابن الصلاح، وممَّن حسَّنه أيضًا الحافظ أبو بكر بن السمعاني في "أماليه"، وقول الذهبي: إن راويه مكحولًا لم يدرك أبا ثعلبة تبع فيه إنكار أبي مُسْهِر لسماعه منه، ووافقه أبو زرعة وأبو حاتم فقال: دخل عليه ولم يسمع منه، لكن خالفهم ابن معين فقال: إنه سمع منه، والقاعدة الأصولية: أن الإثبات مقدَّمٌ على النفي تُرجِّح ما قاله ابن معين؛ فلذا اعتمده المصنف وغيره. ويؤيده: أنه معاصرٌ له بالسِّنِّ والبلد، فاحتمال سماعه منه أقرب من عدمه، وكونه مدلِّسًا لا ينافي حسن حديثه ولا صحته؛ كما هو مقررٌ في محله. ويحتمل أن تحسين المصنف له؛ لكونه رُوي من طرقٍ بعضها ضعيفٌ وبعضها منقطعٌ، فإذا انضم بعضها إلى بعضٍ. . قَوِيت فيكون حسنًا لغيره لا لذاته، وأن تصحيح ابن الصلاح أخذه من قول البزارِ في روايته: إسنادها صالح، والحاكمِ فيها: إنها صحيحة الإسناد؛ ولفظها: عن أبي الدرداء رضي اللَّه تعالى عنه: "ما أحلَّ اللَّه في كتابه. . فهو حلالٌ، وما حرَّم. . فهو حرامٌ، وما سكت عنه. . فهو عفوٌ، فاقبلوا من اللَّه عافيته؛ فإن اللَّه لم يكن ينسى شيئًا، ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ

стр. 493

نَسِيًّا﴾ " (١)، ومن زعم وقفه على أبي ثعلبة. . فقد أبعد، ومن ثم قال الدارقطني: (الأشبه بالصواب: المرفوع، وهو الأشهر) اهـ (٢) (رواه الدارقطني) نسبة إلى دار القطن، محلَّةٌ ببغداد كما مر في الخطبة (وغيره) أي: كأبي نعيم، ولفظ روايته: عن أبي الدرداء يرفعه: "ما أحلَّ اللَّه في كتابه. . فهو حلال، وما حرم. . فهو حرام، وما سكت عنه. . عافية؛ فاقبلوا من اللَّه عافيته" (٣). وفي روايةٍ أنه ﷺ قال: "اتركوني ما تركتكم، فإذا حدثتكم. . فخذوا عنِّي، فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم" (٤). وإن اللَّه سبحانه لمَّا أرسل رسوله وأنزل عليه كتابه وأمره بتبليغه إلى الأمة. . قال ﷺ : "إن اللَّه ﵎ أمركم بأشياء فامتثلوها، ونهاكم عن أشياء فاجتنبوها، وسكت لكم عن أشياء رحمةً منه فلا تسألوا عنها" وذلك كله على معنى الرفق بالخلق ونفي الحرج عنهم إلا أن ينزل بالعبد نازلةٌ، فحينئذٍ يتعيَّن عليه السؤال عنها. ومن ثم كفَّ الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم عن إكثار الأسئلة عليه ﷺ ، حتى كان يعجبهم أن تأتي الأعراب يسألونه فيجيبهم فيسمعون ويعون، ولأجل ذلك بالغ قومٌ فقالوا: لا يجوز سؤال العلماء في نازلةٍ إلا بعد وقوعها، وتمسَّك الظاهرية بهذا الحديث لمذهبهم الفاسد من الاقتصار على ظواهر النصوص، ورَدِّ القياس بأنواعه الثلاثة، أو إلا الجلي؛ لأن القياس في حكمٍ بحثٌ عنه، وقد نُهينا عن البحث عما سكت عنه. ويرد: بأن سبب النهي ما كان وقع من بعض الصحابة تعنتًا وامتحانًا له صلى اللَّه

стр. 494

عليه وسلم، كما مر في شرح (التاسع) مبسوطًا (١)، فاختص النهي ببحثٍ يؤدي إلى محظور، وأما القياس. . فلا محظور فيه بوجهٍ، فكيف يُنهى عنه؟! على أن أدلة جوازه، بل وجوبه قطعيةٌ، فلا تعارض بمثل هذا الظن المحتمل. وهذا الحديث من جوامع كلمه ﷺ الموجزة البليغة، بل قال بعضهم: ليس في الأحاديث حديثٌ واحدٌ أجمع بانفراده لأصول الدين وفروعه منه؛ أي: لأنه قسَّم فيه أحكام اللَّه إلى أربعة أقسام: فرائض، ومحارم، وحدود، ومسكوت عنه، وذلك يجمع أحكام الدين كلها. ومن ثم قال ابن السمعاني: (من عمل به. . فقد حاز الثواب، وأمن العقاب؛ لأن من أدَّى الفرائض، واجتنب المحارم، ووقف عند الحدود، وترك البحث عما غاب عنه. . فقد استوفى أقسام الفضل، وأوفى حقوق الدين؛ لأن الشرائع لا تخرج عن الأنواع المذكورة فيه) (٢). أي: لتضمنه جميع قواعد الشرع وأحكامه وآدابه؛ إذ الحكم الشرعي إما مسكوتٌ عنه، أو مُتكلَّمٌ به؛ وهو إما مأمورٌ به وجوبًا أو ندبًا، أو منهيٌّ عنه تحريمًا أو كراهةً، أو مباحٌ، فالواجب حقه ألَّا يضيع، والحرام حقه ألَّا يقارب، والحدود -وهي الزواجر الشرعية كحد الردة والزنا والسرقة والشرب- حقُّها أن تقام على أهلها من غير محاباةٍ ولا عدوان، وورد: "حدٌّ يقام في الأرض خيرٌ من مطر أربعين صباحًا" (٣). وقد تطلق الحدود على المحارم فقط، ومنه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، وخبر الطبراني والبزار: "إني آخذٌ بحجزكم، اتقوا النار، اتقوا الحدود" (٤). * * *

стр. 495

الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته] عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَي النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ دُلَّنِي عَلَي عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ, فَقَالَ: "ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّكَ اللَّهُ, وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ" حَدِيثٌ حَسَنٌ, رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ (١). (عن أبي العباس) وقيل: أبي يحيى (سهل) وقيل: سعد (بن سعد الساعدي) الأنصاري الخزرجي المدني، كان يوم موت النبي ﷺ ابن خمس عشرة سنة (٢)، ومات سنة ثمان وثمانين، وقيل: إحدى وتسعين بالمدينة، وهو آخر من مات بها من الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم على قول، وقيل: جابر كما مر. وأحصن سبعين امرأةً، وشهد قضاء النبي ﷺ بين المتلاعنين. وكان اسمه حزنًا فسماه النبي ﷺ سهلًا (٣). (رضي اللَّه) تعالى (عنه) ينبغي (عنهما) لأن أباه صحابي، روي له مئة حديثٍ وثمانية وثمانون، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. (قال جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه؛ دُلَّني على عملٍ إذا عملته. . أحبني اللَّه وأحبني الناس، فقال: ازهد) من الزهد بضم أوله، وقد
следующие страницы →