← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8889

الفتح المبين بشرح الأربعين

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (662 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

للجمع، أو يجمع بين متفرقين بمجرد وصفٍ طردي غير مناسب مع أنه لم يدل لتأثيره دليلٌ شرعيٌّ. فهذا النظر والبحث غير مرضيٍّ ولا محمودٍ وإن وقع فيه طوائف، ومن ثم قال ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه: (إياكم والتنطُّع، إياكم والتعمُّق، وعليكم بالعتيق) (١) يعني: ما كان عليه الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم. ومن كلام بعض أئمتنا: لا ينبغي لنا أن نكتفي بالخيالات في الفروق كدأب أصحاب الرأي، ومتى كان اجتماع الشيئين أظهر في الظن من افتراقهما. . وجب القضاء باجتماعهما وإن انقدح فرق على بُعْدٍ. ومن البحث عما لا يعني: البحث عن أمور الغيب التي أُمرنا بالإيمان بها ولم تتبين كيفيتها؛ لأنه قد يوجب الحيرة والشك، ويرتقي إلى التكذيب، ومن ثم قال إسحاق: (لا يجوز التفكر في الخالق ولا في المخلوق بما لم يسمعوه فيه، كأن يقال في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾: كيف يسبِّح الجماد؛ لأنه تعالى أخبر به، فيجعله كيف شاء كما شاء) اهـ (٢) وفي "الصحيحين" ما يؤيد حرمة التفكر في الخالق؛ كخبر البخاري: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه. . فليستعذ باللَّه ولْيَنْتَهِ" (٣). وأخرج مسلم: "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا اللَّه خلق الخلق، فمن خلق اللَّه؟ فمن وجد من ذلك شيئًا. . فليقل: آمنت باللَّه" (٤). ومعنى سكوته تعالى عنها: أنه لم يُنزل حكمها على نبيه، لا أنه سكت عنها حقيقةً؛ لاستحالة ذلك عليه تعالى؛ إذ الكلام من صفاته النفسية القديمة الذاتية التي لا ينفك تعالى عنها.

стр. 492

ويفهم من سكوته عنها رحمةً لنا مع النهي عن البحث عنها أنه لا حكم قبل ورود الشرع، وهو الأصح، وقيل: الأصل: الحظر، ونسب للشافعي وأكثر المتكلمين، ولعل ذلك قولٌ مرجوحٌ للشافعي، وإلَّا. . فالأصح عند أئمتنا ما مر، وقيل: الإباحة. ومحل الاستدلال على ذلك كتب الأصول والفقه. وعلي أن الأصل في الأشياء بعد ورود الشرع الإباحة (١)، وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك، وغلَّطوا من سوَّى بين المسألتين وجعل حكمهما واحدًا (٢). ومعنى كون السكوت رحمة لنا: أنها لم تُحرَّم فيعاقب على فعلها، ولم تجب فيعاقب على تركها، بل هي عفوٌ لا حرج في فعلها ولا في تركها. (حديث حسن) بل صحَّحه ابن الصلاح، وممَّن حسَّنه أيضًا الحافظ أبو بكر بن السمعاني في "أماليه"، وقول الذهبي: إن راويه مكحولًا لم يدرك أبا ثعلبة تبع فيه إنكار أبي مُسْهِر لسماعه منه، ووافقه أبو زرعة وأبو حاتم فقال: دخل عليه ولم يسمع منه، لكن خالفهم ابن معين فقال: إنه سمع منه، والقاعدة الأصولية: أن الإثبات مقدَّمٌ على النفي تُرجِّح ما قاله ابن معين؛ فلذا اعتمده المصنف وغيره. ويؤيده: أنه معاصرٌ له بالسِّنِّ والبلد، فاحتمال سماعه منه أقرب من عدمه، وكونه مدلِّسًا لا ينافي حسن حديثه ولا صحته؛ كما هو مقررٌ في محله. ويحتمل أن تحسين المصنف له؛ لكونه رُوي من طرقٍ بعضها ضعيفٌ وبعضها منقطعٌ، فإذا انضم بعضها إلى بعضٍ. . قَوِيت فيكون حسنًا لغيره لا لذاته، وأن تصحيح ابن الصلاح أخذه من قول البزارِ في روايته: إسنادها صالح، والحاكمِ فيها: إنها صحيحة الإسناد؛ ولفظها: عن أبي الدرداء رضي اللَّه تعالى عنه: "ما أحلَّ اللَّه في كتابه. . فهو حلالٌ، وما حرَّم. . فهو حرامٌ، وما سكت عنه. . فهو عفوٌ، فاقبلوا من اللَّه عافيته؛ فإن اللَّه لم يكن ينسى شيئًا، ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ

стр. 493

نَسِيًّا﴾ " (١)، ومن زعم وقفه على أبي ثعلبة. . فقد أبعد، ومن ثم قال الدارقطني: (الأشبه بالصواب: المرفوع، وهو الأشهر) اهـ (٢) (رواه الدارقطني) نسبة إلى دار القطن، محلَّةٌ ببغداد كما مر في الخطبة (وغيره) أي: كأبي نعيم، ولفظ روايته: عن أبي الدرداء يرفعه: "ما أحلَّ اللَّه في كتابه. . فهو حلال، وما حرم. . فهو حرام، وما سكت عنه. . عافية؛ فاقبلوا من اللَّه عافيته" (٣). وفي روايةٍ أنه ﷺ قال: "اتركوني ما تركتكم، فإذا حدثتكم. . فخذوا عنِّي، فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم" (٤). وإن اللَّه سبحانه لمَّا أرسل رسوله وأنزل عليه كتابه وأمره بتبليغه إلى الأمة. . قال ﷺ : "إن اللَّه ﵎ أمركم بأشياء فامتثلوها، ونهاكم عن أشياء فاجتنبوها، وسكت لكم عن أشياء رحمةً منه فلا تسألوا عنها" وذلك كله على معنى الرفق بالخلق ونفي الحرج عنهم إلا أن ينزل بالعبد نازلةٌ، فحينئذٍ يتعيَّن عليه السؤال عنها. ومن ثم كفَّ الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم عن إكثار الأسئلة عليه ﷺ ، حتى كان يعجبهم أن تأتي الأعراب يسألونه فيجيبهم فيسمعون ويعون، ولأجل ذلك بالغ قومٌ فقالوا: لا يجوز سؤال العلماء في نازلةٍ إلا بعد وقوعها، وتمسَّك الظاهرية بهذا الحديث لمذهبهم الفاسد من الاقتصار على ظواهر النصوص، ورَدِّ القياس بأنواعه الثلاثة، أو إلا الجلي؛ لأن القياس في حكمٍ بحثٌ عنه، وقد نُهينا عن البحث عما سكت عنه. ويرد: بأن سبب النهي ما كان وقع من بعض الصحابة تعنتًا وامتحانًا له صلى اللَّه

стр. 494

عليه وسلم، كما مر في شرح (التاسع) مبسوطًا (١)، فاختص النهي ببحثٍ يؤدي إلى محظور، وأما القياس. . فلا محظور فيه بوجهٍ، فكيف يُنهى عنه؟! على أن أدلة جوازه، بل وجوبه قطعيةٌ، فلا تعارض بمثل هذا الظن المحتمل. وهذا الحديث من جوامع كلمه ﷺ الموجزة البليغة، بل قال بعضهم: ليس في الأحاديث حديثٌ واحدٌ أجمع بانفراده لأصول الدين وفروعه منه؛ أي: لأنه قسَّم فيه أحكام اللَّه إلى أربعة أقسام: فرائض، ومحارم، وحدود، ومسكوت عنه، وذلك يجمع أحكام الدين كلها. ومن ثم قال ابن السمعاني: (من عمل به. . فقد حاز الثواب، وأمن العقاب؛ لأن من أدَّى الفرائض، واجتنب المحارم، ووقف عند الحدود، وترك البحث عما غاب عنه. . فقد استوفى أقسام الفضل، وأوفى حقوق الدين؛ لأن الشرائع لا تخرج عن الأنواع المذكورة فيه) (٢). أي: لتضمنه جميع قواعد الشرع وأحكامه وآدابه؛ إذ الحكم الشرعي إما مسكوتٌ عنه، أو مُتكلَّمٌ به؛ وهو إما مأمورٌ به وجوبًا أو ندبًا، أو منهيٌّ عنه تحريمًا أو كراهةً، أو مباحٌ، فالواجب حقه ألَّا يضيع، والحرام حقه ألَّا يقارب، والحدود -وهي الزواجر الشرعية كحد الردة والزنا والسرقة والشرب- حقُّها أن تقام على أهلها من غير محاباةٍ ولا عدوان، وورد: "حدٌّ يقام في الأرض خيرٌ من مطر أربعين صباحًا" (٣). وقد تطلق الحدود على المحارم فقط، ومنه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، وخبر الطبراني والبزار: "إني آخذٌ بحجزكم، اتقوا النار، اتقوا الحدود" (٤). * * *

стр. 495

الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته] عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَي النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ دُلَّنِي عَلَي عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ, فَقَالَ: "ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّكَ اللَّهُ, وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ" حَدِيثٌ حَسَنٌ, رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ (١). (عن أبي العباس) وقيل: أبي يحيى (سهل) وقيل: سعد (بن سعد الساعدي) الأنصاري الخزرجي المدني، كان يوم موت النبي ﷺ ابن خمس عشرة سنة (٢)، ومات سنة ثمان وثمانين، وقيل: إحدى وتسعين بالمدينة، وهو آخر من مات بها من الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم على قول، وقيل: جابر كما مر. وأحصن سبعين امرأةً، وشهد قضاء النبي ﷺ بين المتلاعنين. وكان اسمه حزنًا فسماه النبي ﷺ سهلًا (٣). (رضي اللَّه) تعالى (عنه) ينبغي (عنهما) لأن أباه صحابي، روي له مئة حديثٍ وثمانية وثمانون، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. (قال جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه؛ دُلَّني على عملٍ إذا عملته. . أحبني اللَّه وأحبني الناس، فقال: ازهد) من الزهد بضم أوله، وقد

стр. 496

يفتح؛ وهو لغةً: الإعراض عن الشيء احتقارًا له، من قولهم: شيءٌ زهيد؛ أي: قليل، وفي خبر: "إنك لزهيد" (١)، وفي آخر: "أفضل الناس مؤمنٌ مُزْهَد" (٢) أي: قليل المال، وزهيد الأكل: قليله. وشرعًا: أخذ قدر الضرورة من الحلال المتيقن الحل, فهو أخص من الورع؛ إذ هو ترك المشتبه، وفيهما أقوال أخر، وهذا هو زهد العارفين، وهو المراد هنا، وأعلى منه زهد المقربين؛ وهو الزهد فيما سوى اللَّه من دنيا وجنة وغيرهما؛ إذ ليس لصاحب هذا الزهد مقصدٌ إلا الوصول إليه تعالى والقرب منه، ويندرج فيه كل مقصودٍ لغيرهم (كل الصيد في جوف الفرا) (٣). وأما الزهد في الحرام. . فواجبٌ عامٌّ، وفي المشتبه فمندوبٌ عام، وقيل: واجب؛ كما مر ذلك مبسوطًا بأدلته مع بيان الرد على من اعتمد الوجوب. (في الدنيا) باستصغار جملتها، واحتقار جميع شأنها؛ لتصغير اللَّه تعالى لها، وتحقيره إياها، وتحذيره من غرورها في آيٍ كثيرةٍ من كتابه العزيز؛ نحو: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾، ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾، ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾. . . إلى ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ لأن استصغارها واحتقارها كذلك يستلزم إهانتها، وترك ما لا قربة فيه من لذَّاتها، والإعراض عن شهواتها ورَاحاتها، والاقتصار على أدنى ما يقيم نفسه، اللهم إلا زائدًا نُدِب أخذه؛ كاتخاذ ثوبٍ ثانٍ لنحو جمعةٍ أو عيدٍ بقصد إظهار النعمة؛ لأنه تعالى يحب إظهار أثر نعمته على عبده كما في الحديث، أو راحة نُدِب فعلها كنوم القيلولة؛ للاستعانة به على قيام الليل. فالزاهد: المستصغر المحتقر للدنيا كما تقرر، فلا يفرح بشيءٍ منها، ولا يحزن على فقده، ولا يأخذ منها إلا ما يُعينه على طاعة ربه، أو ما أُمِر بأخذه، مع دوام الذكر والمراقبة والتفكر في الآخرة، وهذا أرفع أحوال الزهد؛ إذ مَنْ وصل إليه. .

стр. 497

إنما هو في الدنيا بشخصه فقط، وأما بمعناه. . فهو مع اللَّه تعالى بالمراقبة والمشاهدة لا ينفك عنه. واعلم: أن العلماء فسروا الدنيا بأنها ما حواه الليل والنهار، وأظلته السماء، وأقلته الأرض، واختلفوا في المزهود فيه منها، فقيل: الدينار والدرهم، وقيل: المطعم، والمشرب، والملبس، والمنكح، والمسكن، وقيل: الحياة. والوجه كما علم مما مر: أنه كل لذةٍ وشهوةٍ ملائمةٍ للنفس مما ذكر وغيره، حتى الكلام بين مستمعين له ما لم يقصد به وجه اللَّه تعالى، وفي حديث مرفوع خرجه الترمذي وقال: غريب، وفي إسناده مَنْ هو منكر الحديث، وابن ماجه: "الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا: ألَّا تكون بما في يديك أوثق مما في يد اللَّه، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أُصبتَ بها أرغب فيها لو أنها بقيت لك" (١) ولا يعارض ما مر في تفسير الزهد؛ لأن الترمذي قال: إنه غريبٌ، وفي سنده مَنْ هو منكر الحديث. ولأن أحمد رواه موقوفًا على أبي مسلم الخولاني بزيادة: (وأن يكون مادحك وذامك في الحق سواء) (٢) وهو الصحيح، وقد اشتمل على تفسير الزهد في الدنيا بثلاثة أمورٍ كلها من أعمال القلب دون الجوارح، ومن ثم كان أبو سليمان يقول: لا تشهد لأحدٍ بالزهد؛ لأنه في القلب. ومنشأ أول تلك الثلاثة (٣): من صحة اليقين وقوته، فإنه تعالى تكفَّل بأرزاق عباده كما في آياتٍ كثيرةٍ من كتابه، وفي حديثٍ مرفوع: "من سرَّه أن يكون أغنى الناس. . فليكن بما في يد اللَّه أوثق منه بما في يده" (٤). وقال الفضيل: (أصل الزهد الرضا عن اللَّه (٥).

стр. 498

والقنوع هو الزهد، وهو الغنى، فمن حقَّق اليقين. . وثق في أموره كلها باللَّه تعالى، ورضي بتدبيره له، وانقطع عن التعلُّق بالمخلوقين رجاءً وخوفًا، ومنعه ذلك من طلب الدنيا بالأسباب المكروهة، ومن كان كذلك. . كان زاهدًا في الدنيا حقيقةً، وكان من أغنى الناس وإن لم يكن له شيءٌ من الدنيا. ومنشأ ثانيها: من كمال اليقين، ومن ثم روي: أن من دعائه ﷺ : "اللهم، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا" (١). ومن كلام الإمام علي كرم اللَّه وجهه: (من زهد في الدنيا. . هانت عليه المصائب) (٢). ومنشأ ثالثها: من سقوط منزلة المخلوقين من القلب، وامتلائه من محبة الحق، وإيثار رضاه على رضا غيره، وألَّا يرى لنفسه قدرًا بوجهٍ، ومن ثم كان الزاهد حقيقةً هو الزاهد في مدح نفسه وتعظيمها؛ ولهذا قيل: الزهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة، وقيل لبعض السلف: من معه مالٌ هل هو زاهدٌ؟ فقال: نعم إن لم يفرح بزيادته، ولم يحزن بنقصه. وقال سفيان الثوري: (الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا بلبس العباء) (٣)، ومن دعائه: (اللهم، زهِّدنا في الدنيا، ووسِّع علينا منها، ولا تَزْوِها عنا فترغبنا فيها) (٤). وقال أحمد: هو قصر الأمل، واليأس مما في أيدي الناس؛ أي: لأن قصره يوجب محبة لقاء اللَّه تعالى بالخروج من الدنيا، وهذا نهاية الزهد فيها، والإعراض عنها.

стр. 499

وفي حديث مرسل: يا رسول اللَّه، مَنْ أزهدُ الناس؟ فقال: "من لم ينس القبر والبلى، وترك أفضل زينة الدنيا، وآثر ما يبقى على ما يفنى، ولم يعدَّ غدًا من أيامه، وعدَّ نفسه من الموتى" (١). وقد قسَّم كثيرٌ من السلف الزهد إلى ثلاثة أقسام: زهد فرض؛ وهو اتقاء الشرك الأكبر ثم الأصغر، وهو أن يراد بشيءٍ من العمل قولًا أو فعلًا غير اللَّه تعالى، ثم اتقاء جميع المعاصي. وعلى هذا: الزاهد في الحرام فقط قيل: يسمى زاهدًا، وعليه الزهري وابن عيينة وغيرهما، وقيل: لا يسماه إلا إن ضم لذلك الزهد بنوعيه الآخرين، وهما ترك الشبهات رأسًا، وفضول الحلال، ومن ثم قال بعضهم: لا زهد اليوم، لفقد المباح المحض. وقد جمع أبو سليمان الداراني أنواع الزهد كلها في كلمةٍ واحدةٍ فقال: (هو ترك ما شغلك عن اللَّه (٢). واعلم: أن الذم الوارد في الكتاب والسنة في الدنيا ليس راجعًا لزمانها وهو الليل والنهار؛ فإن اللَّه تعالى جعلهما خِلْفةً لمن أراد أن يذَّكر أو أراد شكورًا، ولا لمكانها وهو الأرض؛ لأن اللَّه تعالى جعلها لنا مهادًا، ولا إلى ما أودعه تعالى فيها من الجمادات والحيوانات؛ لأن ذلك كله من نعمه تعالى على عباده، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ وإنما هو راجعٌ إلى الاشتغال بما فيها عما خُلقنا لأجله من عبادته تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. ثم من بني آدم مَنْ أنكر المعاد، وهؤلاء هم أهل التمتع بالدنيا، على أن منهم من كان يأمر بالزهد فيها، ويرى أن كثرتها توجب الهمَّ والغمَّ، ومن ثم قال أصحابنا: لا يكفي الخطيبَ عن الوصية بالتقوى الاقتصارُ على ذم الدنيا؛ لأن ذمها معلومٌ لكل أحدٍ حتى لمنكري المعاد، وبقيتهم يقرُّون بالمعاد، لكنهم منقسمون إلى ظالمٍ لنفسه، ومقتصدٍ، وسابقٍ بالخيرات:

стр. 500

فالأول -وهم الأكثرون-: هم الذين وقفوا مع زهرة الدنيا بأخذها من غير وجهها، واستعمالها في غير وجهها، فصارت أكبر همهم، وهؤلاء هم أهل اللهو واللعب والزينة والتفاخر والتكاثر، وكل هؤلاء لم يعرف المقصود منها، ولا أنها منزل سفرٍ يُتَزَوَّد منها إلى دار الإقامة وإن آمن به مجملًا. والثاني: أخذها من وجهها، لكنه توسَّع في مباحاتها، وتلذَّذ بشهواتها المباحة، وهو وإن لم يعاقب عليه لكنه ينقص من درجاته في الآخرة بقدر توسُّعِهِ في الدنيا. وصح عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما: (لا يصيب أحدٌ من الدنيا شيئًا إلا نقص من درجاته عند اللَّه وإن كان عليه كريمًا) (١). وروى الترمذي: "إن اللَّه إذا أحبَّ عبدًا. . حماه الدنيا كما يَظَلُّ أحدكم يحمي سقيمه الماء" (٢). والحاكم: "إن اللَّه ليحمي عبده الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه" (٣). ومسلم: "الدنيا سجن المؤمن -أي: بالنسبة لما أمامه من النعيم الأخروي المقيم- وجنة الكافر" (٤) أي: بالنسبة لما أمامه من العذاب الأليم الدائم المقيم. والثالث: هم الذين فهموا المراد من الدنيا، وأن اللَّه إنما أسكن عباده فيها، وأظهر لهم لذَّاتها ونضرتها، ليبلوهم أيهم أحسن عملًا، كما نصَّ على ذلك في غير آية، قال بعض السلف: يعني مَنْ هو أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة. ولمَّا بيَّن تعالى أنه جعل ما على الأرض زينةً لها، ليبلوهم أيهم أحسن عملًا. . بيَّن انقطاع ذلك ونفاده بقوله: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ فمن فهم أن هذا هو مآلها. . جعل همه التزود منها لدار القرار، واكتفى من الدنيا بما يكتفي به المسافر في

стр. 501

سفره، كما كان ﷺ يقول: "ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكبٍ قال في ظل شجرةٍ ثم راح وتركها" (١). ثم من أهل هذا القسم مَنِ اقتصر من الدنيا على سدِّ رمقه فقط، وهو حال كثيرٍ من الزُّهَّاد، ومنهم من فسح لنفسه أحيانًا في تناول بعض مباحاتها، لتقوى النفس به وتنشط للعمل، ومنه خبر أحمد والنسائي: "حُبِّب إليَّ من دنياكم النساء والطيب" (٢)، وخبر أحمد عن عائشة: (كان ﷺ يحب من الدنيا النساء والطيب والطعام، فأصاب من النساء والطيب ولم يصب من الطعام) (٣). وتناولُ الشهوات المباحة بقصد التقوي على الطاعة يصيِّرها طاعات، فلا تكون من الدنيا، ومن ثم صح على ما قاله الحاكم: أنه ﷺ قال: "نعمت الدار الدنيا لمن تزوَّد منها لآخرته حتى يرضي ربه، وبئست الدار لمن صدَّت به عن آخرته وقصرت به عن رضا ربه، وإذا قال العبد: قبَّح اللَّه الدنيا. . قالت الدنيا: قبَّح اللَّه أعصانا لربه" (٤). ثم الحامل على الزهد أشياء: منها: استحضار الآخرة ووقوفه بين يدي مولاه، فحينئذٍ يغلب شيطانَه وهواهُ، ويصرف نفسه عن لذات الدنيا ونعيمها، وشاهده: أن حارثة رضي اللَّه تعالى عنه لمَّا قال للنبي ﷺ : أصبحت مؤمنًا حقًا. . قال له: "إن لكل حقٍّ حقيقةً، فما حقيقة إيمانك؟ " قال: عزفت نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي حجرها ومدرها، وكأنِّي انظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني انظر إلى أهل الجنة في الجنة يتنعَّمون، وإلى أهل النار في النار يُعذَّبون، قال: "يا حارثة، عرفت فالزم" (٥).

стр. 502

ومثل هذا هو الذي تكون الدنيا سجنه، كما قال ﷺ : "الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر". ومن ثم قال أئمتنا: لو أوصى لأعقل الناس. . صُرف للزهاد؛ أي: لأنه لا أعقل منهم، حيث آثروا الباقي على الفاني. ومنها: استحضار أن لذاتها شاغلةٌ للقلوب عن اللَّه تعالى، ومنقصةٌ للدرجات عنده، وموجبةٌ لطول الحبس والوقوف في ذلك الموقف العظيم للحساب، والسؤال عن شكر نعيمها. ومنها: كثرة التعب والذُّل في تحصيلها، وكثرة غبونها، وسرعة تقلُّبها وفنائها، ومزاحمة الأراذل في طلبها، وحقارتها عند اللَّه تعالى، ومن ثم قال الفضيل: (لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت عليَّ حلالًا لا أُحاسب عليها. . لتقَدَّرتها كما تُتَقَذَّر الجيفة) (١). ومنها: استحضار أنها وما فيها ملعونةٌ، كما في الحديث الحسن: "الدنيا ملعونةٌ (٢)، ملعونٌ ما فيها إلا ذكر اللَّه وما والاه، وعالمٌ، أو متعلِّم" (٣)، وفي رواية: "إلا ما ابتُغِيَ به وجه اللَّه تعالى" (٤) أي: أنها وما فيها مبعدٌ عن اللَّه تعالى

стр. 503

إلا العلم النافع الدال على اللَّه تعالى وعلى معرفته وطلب قربه، وذكر اللَّه وما والاه مما يقرب إليه تعالى، فهذا هو المقصود منها. وقد حلف طوائف من الفقهاء والصوفية أن ما يوجد فيها من هذه العبادات أفضل مما يوجد في الجنة من النعيم؛ لأنه حظ العبد، ومن ثم قال كثيرٌ من المفسرين في قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾: إن الحسنة (لا إله إلا اللَّه) وليس شيءٌ خيرًا منها، ففيه تقديمٌ وتأخيرٌ؛ أي: فله منها؛ أي: بسببها ولأجلها خير. والصواب: إطلاق ما جاءت به النصوص أن الآخرة خيرٌ من الدنيا مطلقًا؛ لخبر الحاكم: "ما الدنيا في الآخرة إلا كما إذا أدخل أحدكم إصبعه في اليمِّ، فما خرج منه. . فهو الدنيا" (١) فهذا نصٌّ بتفضيل الآخرة على الدنيا وما فيها من الأعمال، إذ كمال الدنيا إنما هو في العلم والعمل، فالعلم يتضاعف في الآخرة بما لا نسبة لما في الدنيا إليه، فإن العلم أصله العلم باللَّه تعالى وصفاته، وفي الآخرة ينكشف الغطاء، ويصير الخبر عِيانًا، والمعرفة باللَّه تعالى رؤية له ومشاهدة. والعمل البدني القصد به: إما اشتغال الجوارح بالطاعة وكدها بالعبادة، وهذا مرفوعٌ عن أهل الجنة، وإما اتصال القلوب باللَّه تعالى وتنزيهها بذكره، وهذا حاصلٌ لأهل الجنة على أكمل الوجوه، بل لا نسبة لما حصل لقلوبهم في الدنيا من القُرْب والأُنس إلى ما يحصل لها في الجنة من المشاهدة عِيانًا، والتمتع بسماع الكلام، لا سيما في أوقات الصلوات في الدنيا، والمقربون منهم يحصل لهم ذلك مرتين بكرةً وعشيًا: وقت صلاة الصبح والعصر، ولهذا لما ذكر ﷺ أن أهل الجنة يرون ربهم. . حضَّ عقبه على المحافظة على صلاة الصبح والعصر، وكذلك نعيم الذكر وتلاوة القرآن لا ينقطع عنهم أبدًا، فيُلهمون التسبيح كما يُلهمون النَّفَس، ويقال لقارئهم: (اقرأ وارقَ) (٢) فبان بذلك أن قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ على ظاهره؛ فإن ثواب كلمة التوحيد في الدنيا أن يصل صاحبها إلى قولها في

стр. 504

الجنة على ما يختصون به من تفاصيل العلم باللَّه تعالى، وأسمائه، وصفاته، وقربه، ورؤيته، ولذة ذكره، وغير ذلك مما لا يمكن التعبير عنه. ومنها: استحضار أن تركها موجبٌ لرفع الدرجات، وحلول الرضوان الأكبر منه تعالى في دار الكرامات. ومن ثم قال ﷺ : (يحبك) بفتح آخره؛ لأنه لما كان مجزومًا جوابًا لـ (ازهد) وأُريد إدغامه. . سكنت باؤه الأولى بنقل حركتها إلى الساكن قبلها، فاجتمع ساكنان، فحرّك الأول (١) لالتقائهما بالفتح تخفيفًا. (اللَّه) لأنه تعالى يحب من أطاعه، ومحبته مع محبة الدنيا مما لا يجتمع كما دلَّتْ عليه النصوصُ والتجربةُ والتواترُ، ومن ثَمَّ قال ﷺ : "حب الدنيا رأس كل خطيئة" (٢)، واللَّه لا يحب الخطايا ولا أهلها، ولأنها لهوٌ ولعبٌ واللَّه لا يحبهما، ولأن القلب بيت الرب لا شريك له، فلا يحب أن يَشْرَكه في بيته حب دنيا ولا غيره. والحاصل: أنَّا نقطع بأن محبَّ الدنيا مبغوضٌ عند اللَّه تعالى، فالزاهد فيها محبوبٌ له تعالى، ومحبتها الممنوعة: هي إيثارها لنيل الشهوات واللذات؛ لأن ذلك يشغل عن اللَّه تعالى. أما محبتها لفعل الخير والتقرب به إلى اللَّه تعالى. . فهو محمودٌ؛ لخبر: "نِعْمَ المال الصالح للرجل الصالح، يصل به رحمًا، ويصنع به معروفًا" (٣). وفي أثرٍ: إذا كان يوم القيامة. . جمع اللَّه الذهب والفضة كالجبلين العظيمين، ثم يقول: (هذا مالنا عاد إلينا، سعد به قومٌ، وشقي به آخرون) (٤). ثم المحبةُ -لاستحالة حقيقتها عليه تعالى من الميل النفسي منه، وهو واضحٌ، أو

стр. 505

إليه؛ لأنها إن فسرت بإرادتنا. . فهي حادثةٌ، والحادث لا يتعلَّق بالقديم، وإن فسرت بما يتعلق بمستلَذٍّ محسوسٍ. . فاللَّه تعالى منزهٌ عن ذلك- المرادُ بها في حقه تعالى (١): غايتها من إرادة الثواب، فتكون صفة ذاتٍ، أو الإثابةِ فتكون صفة فعلٍ، وفي حقنا طاعة اللَّه تعالى وتعظيمنا إياه، وموافقته على جميع مراداته، مع رجاء أن يثيبنا على امتثال أمره، واجتناب نهيه، وينعم علينا بنعمه التي لا تحصى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. ومن ثم قال ﷺ : "أحبوا اللَّه لما يغذوكم به من نِعَمه" (٢) فلا منعم غيره، ولا محسن إلا إياه، إذ هو الخالق للمحسن وإحسانه، فكان هو الحقيق بالمحبة؛ كما أشار لذلك ﷺ بقوله: "جُبلت القلوب على حبِّ مَنْ أحسن إليها" (٣)، ومن محبته تعالى محبة مَنْ أحبه من نحو نبيٍّ أو ملكٍ أو ولي. وبيَّن الأستاذ أبو القاسم القشيري قسميها المذكورين بكلامٍ نفيسٍ (٤)، حاصله: (أنها منه تعالى للعبد: إرادته لإنعامٍ مخصوصٍ عليه، كما أن رحمته إرادته مطلق الإنعام، فالمحبة أخص من الرحمة، وهي أخص من الإرادة، فإرادته تعالى وإن كانت صفةً واحدةً إلا أنها تتفاوت بحسب تفاوت متعلقاتها، فعند تعلقها بالعقوبة تسمى غضبًا، وبعموم النعم رحمةً، وبخصوصها محبةً. ومن العبد له تعالى: حالةٌ يجدها في قلبه تلطف عن العبارة (٥)، وقد تحمله تلك الحالة على تعظيمه، وإيثار رضاه، وقلة الصبر عنه، مع الاستئناس بدوام ذكره له بقلبه، وليست ميلًا ولا اختلاطًا، كيف وحقيقة الصمدية مقدسةٌ عن اللحوق والإحاطة، والمحب بوصف الاستهلاك في المحبوب أَولى منه بوصف الاختلاط؟! وليس لها وصفٌ ولا حدٌّ أوضح ولا أقرب للفهم من لفظ المحبة) اهـ (٦)

стр. 506

ولما نقل القرطبي هذا. . ذكر معه عن بعض أرباب القلوب أنه لم يتأول محبة العبد للَّه تعالى، حيث فسَّرها بأنها الميل الدائم بالقلب الهائم، ثم قال: فهؤلاء قد صرحوا بأن محبة العبد للَّه تعالى ميلٌ من العبد وتوقان، وحالٌ يجدها من نفسه من نوع ما يجده من محبوباته المعتادة له، وهو صحيحٌ؛ لأن النفوس مجبولةٌ على الميل إلى الحسن والجمال والكمال، فبقدر ما ينكشف من ذلك يكون الميل والتعلق، حتى ربما يفضي إلى استيلاء ذلك المعنى عليه فلا يصبر عنه، ولا يشتغل بغيره. ثم ذلك الحسن إما محسوسٌ كالصورة الجميلة المشتهاة لنيل لذَّةٍ جسمانيةٍ، وهذا قطعي الاستحالة في حق اللَّه تعالى، وإما معنويٌّ كمن اتصف بالعلم والكرم والخلق الحسن، فهذا تميل إليه النفوس الفاضلة، والقلوب الكاملة ميلًا عظيمًا فترتاح لذكره، وتهتز لسماع أحواله، وتتشوق لمشاهدته، وتلتذُّ لذلك لذةً روحانيةً لا جسمانية، كما نجد عند ذكر الأنبياء والعلماء والكرماء من الميل واللذة والرقة والأنس وإن لم نعرف صورهم المحسوسة، بل وإن عرفنا قبحها، ولا ينكر ذلك إلا أبله أو مكابر. ويتضاعف ذلك الميل بوصول برٍّ وإحسان من المتَّصف بذلك الجمال المعنوي إلى أن يستغرق فيه، ويذهل عن جميع أشغاله وأحواله، وإذا كان هذا في حق من جماله وكماله مشوبٌ بالنقص، ومعرضٌ للزوال. . كان مَنْ لا يشاب ذلك منه بنقصٍ، ولا يعرض لزوال، مع إنعامه الذي لا يحصى. . أولى بذلك الميل، وأحقَّ بذلك الحب، وليس ذلك إلا له تعالى وحده، ثم من خصَّه بالكمال المطلق على سائر خلقه، وهو محمد ﷺ ، فمن تحقق بذلك. . كان اللَّه ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، فتأهب للقائهما، واتصف بما يرضيهما، وجانب ما يسخطهما، فأقبل عليهما، وأعرض عما سواهما إلا بإذنهما. انتهى ملخصًا، قال غيره: وهذا كلامٌ لا يرده منصفٌ، ولا ينكره إلا متعسف. (وازهد فيما عند الناس يحبك) بفتح آخره نظير ما مر (الناس) أي: لأن قلوب غالبهم مجبولةٌ مطبوعةٌ على حب الدنيا، ومن نازع إنسانًا في محبوبه. . كرهه وقلاه، ومن لم يعارضه فيه. . أحبه واصطفاه، ومن ثم قال إمام الأئمة الشافعي رضي اللَّه

стр. 507

تعالى عنه وأرضاه، وجعل الجنة متقلَّبه ومثواه: [من الطويل] ومن يَذُقِ الدنيا فإنِّي طَعِمْتها ... وسِيقَ إلينا عذبُها وعذابُها فما هي إلا جيفةٌ مستحيلةٌ ... عليها كلابٌ همُّهُنَّ اجتذابها فإن تجتنِبْها كنت سِلْمًا لأهلها ... وإن تجتذِبْها نازعتك كلابُها (١) قال بعضهم: ولا يبعد عندي أن الزاهد في الدنيا يحبه الإنس والجن، أخذًا بعموم لفظ (الناس) إذ كان يطلق لغةً على الجن والإنس. وأخرج الطبراني وغيره خبر: "ازهد فيما في أيدي الناس تكن غنيًا" (٢). وقال الحسن: (لا يزال الرجل كريمًا على الناس ما لم يطمع فيما في أيديهم، فحينئذٍ يستخفُّون به، ويكرهون حديثه، ويبغضونه) (٣). وقال أيوب السختياني: (لا يَنْبُل الرجل حتى يعفَّ عما في أيدي الناس، ويتجاوز عما يكون منهم) (٤). وكان عمر يقول في خطبته: (إن الطمع فقرٌ، وإن اليأس غنى) (٥). وسأل ابن سلامٍ كعبًا بحضرة عمر رضي اللَّه تعالى عنهم: ما يذهب بالعلم من قلوب العلماء بعد أن حفظوه وعقلوه؟ قال: يذهبه الطمع وشره النفس، وتَطَلُّبُ الحاجات إلى الناس، قال: (صدقت) (٦). وقد تكاثرت الأحاديث بالاستعفاف عن مسألة الناس، إذ مَنْ سألهم ما بأيديهم. . كرهوه وأبغضوه؛ لأن المال محبوبٌ لنفوسهم، بل لا أحبَّ إليها منه، ومن طلب محبوبك منك. . كرهته، وأما من زهد فيما بأيديهم. . فإنهم يحبونه ويكرمونه ويسودونه، كما قال أعرابيٌّ لأهل البصرة: (من سيدكم؟ قالوا: الحسن، قال: بِمَ

стр. 508

سادكم؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم، فقال: ما أحسن هذا!) (١). (حديث حسنٌ، رواه) أبو عبد اللَّه محمد بن يزيد (ابن ماجه) القزويني صاحب "السنن" ولد سنة تسع ومئتين، ومات سنة ثلاث وسبعين ومئتين. واعترض تحسينه رواية ابن ماجه بأن في سندها من قال أحمد فيه: إنه منكر الحديث ليس بثقة، وابن معين: ليس حديثه بشيءٍ، والبخاري وأبو زرعة: منكر الحديث، وأبو حاتم: متروك ضعيف، وابن عدي وغيره: وضَّاع، وابن حبان في "الضعفاء": كان ينفرد عن الثقات بالموضوعات، لا يحل الاحتجاج بخبره (٢). ويجاب بأن ابن حبان ذكره في كتاب "الثقات" ولو سُلِّم أنه ضعيفٌ. . فهو لم ينفرد به، بل رواه آخرون غيره، فالتحسين إنما جاء من ذلك وإن قيل: إن هؤلاء كلهم ضعفاء، إذ غاية الأمر أنه حسنٌ لغيره لا لذاته، وكلاهما يحتج به، بل بعض رواته هؤلاء وثَّقه كثيرون من الحفَّاظ. (وغيره) كالعقيلي، وابن عدي، وابن أبي حاتم، والخطيب (بأسانيد حسنة) لغيرها لا لذاتها بالنظر لما قررته (٣). وهو أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام، وقد مرت (٤). وفي روايةٍ مرسلةٍ: أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، دلني على عملٍ يحبني اللَّه عليه ويحبني الناس عليه، فقال: "أما العمل الذي يحبك اللَّه عليه. . فالزهد في الدنيا، وأما العمل الذي يحبك الناس عليه. . فانظر هذا الحطام فانبذه إليهم" أي: لا تأخذه، كناية عن ترك مالهم جملةً، وخرَّجها ابن أبي الدنيا أيضًا (٥). وقد تضمن الحديث الحثَّ على التقليل من الدنيا، والآيات المشيرة إلى ذمها

стр. 509

وطلب التقليل منها كثيرةٌ جدًا، ومن ثم ورد أنه ﷺ قال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" (١). وروي مرفوعًا وموقوفًا، متصلًا ومرسلًا: "حب الدنيا رأس كل خطيئة" (٢)، وفي "المسند"، و"صحيح ابن حبان": أنه ﷺ قال: "من أحبَّ دنياه. . أضرَّ بآخرته، ومن أحب آخرته. . أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى (٣). وقد ذمَّ اللَّه تعالى من يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة بقوله: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١)﴾، ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ أي: المال ﴿لَشَدِيدٌ﴾، وذمُّ محبتها مستلزمٌ لمدح بغضها. ونقل غير واحدٍ من الشراح عن "الأربعين الودعانية" -زاد بعض محققيهم قوله: "الموضوعة"- خبر: "ارغب فيما عند اللَّه يحبك اللَّه، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس، إن الزاهد في الدنيا يريح قلبه وبدنه في الدنيا والآخرة، والراغب في الدنيا يتعب قلبه وبدنه في الدنيا والآخرة، ليجيئنَّ أقوالم يوم القيامة لهم حسنات كأمثال الجبال، فيؤمر بهم إلى النار" قيل: يا رسول اللَّه، أَوَ يصلون؟ قال: "كانوا يصلون، ويصومون، ويأخذون وهَنًا من الليل، لكنهم كانوا إذا لاح لهم شيءٌ من الدنيا. . وثبوا عليه". ونقل بعضهم خبر: "أيها الناس، اتقوا اللَّه حق تقاته، واسعوا في مرضاته، وأيقنوا من الدنيا بالفناء، ومن الآخرة بالبقاء، واعملوا لما بعد الموت، فكأنكم بالدنيا ولم تكن، وبالآخرة ولم تزل، أَلَا وإن من في الدنيا ضيفٌ، وكل ما فيها عاريةٌ، وإن الضيف مرتحل، والعارية مردودة، والدنيا عرضٌ حاضرٌ، يأكل منها البَرُّ والفاجر، والدنيا مبغَّضةٌ لأولياء اللَّه تعالى، محبَّبةٌ لأهلها، فمن شاركهم في محبوبهم. . أبغضوه".

стр. 510

وخبر أحمد والترمذي وابن ماجه: "من كانت الآخرة همه. . جمع اللَّه شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتَتْه الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه. . شتت اللَّه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له" (١). وروى الترمذي: "لو كانت الدنيا تعدِلُ عند اللَّه جناح بعوضةٍ. . ما سقى كافرًا منها شربة ماء" (٢). واعلم: أن من أهل الزهد في الدنيا مَنْ يحصل له بعض فضولها، فيمسكها ليتقرب بها إلى اللَّه تعالى، ومن ثم قال أبو سليمان: (كان عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي اللَّه تعالى عنهما خزانتين من خزائن اللَّه تعالى في أرضه، ينفقان في طاعته، وكانت معاملتهما للَّه بقلوبهما وعلومهما) (٣). ومنهم مَنْ لا يمسكها اختيارًا أو مع مجاهدة للنفس (٤). وفضل ابن السماك والجنيد الأول، لتحقق يقينه بمقام السخاء والزهد، وابنُ عطاء الثاني؛ لأن له عملًا ومجاهدةً. ومنهم مَنْ لا يحصل له شيءٌ من الفضول، وهو زاهدٌ في تحصيله مع القدرة أو بدونها، والأول أفضل، ولهذا قال كثيرٌ من السلف: (إن عمر بن عبد العزيز كان أزهد من أويس) (٥). واختلف العلماء أيما أفضل، طلبها لفعل الخير، أو تركها؟ فرجَّحت طائفةٌ الأولَ، وطائفةٌ الثاني (٦). * * *

стр. 511

الحديث الثاني والثلاثون [لا ضرر ولا ضرار] عنْ أَبِي سَعِيدٍ سَعْدِ بنِ مَالِك بنِ سِنَانٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا ضَرَرَ، وَلَا ضِرَارَ" حَدِيْثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه، وَالدَّارَقطْنِيُّ، وَغَيْرُهُمَا مُسْنَدًا، وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي "المُوَطَّأِ" مُرْسَلًا عَنْ عَمْرو بنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيْهِ، عَن النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَسْقَطَ أَبَا سَعِيْدٍ، وَلَهُ طُرُقٌ يُقَوِّيْ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ (١). (عن أبي سعيد سعد) وقيل: سنان (بن مالك بن سنان) الأنصاري الخزرجي (الخدري) بالدال المهملة (رضي اللَّه) تعالى (عنه) ينبغي (عنهما) لأن أباه كان صحابيًا أيضًا من شهداء أُحدٍ (٢)، وكان أبو سعيد هذا من نجباء الأنصار وفضلائهم، ومن حفَّاظ الصحابة وعلمائهم، حفظ عن النبي ﷺ سُننًا كثيرة. روي له ألفٌ ومئةٌ وسبعون حديثًا، اتفقا منها على ستةٍ وأربعين، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم باثنين وخمسين، روى عنه جماعةٌ من الصحابة والتابعين. توفي بالمدينة سنة أربع وسبعين، وقيل: ثلاث، وقيل: أربع وتسعين. (أن رسول اللَّه ﷺ قال: لا ضرر ولا ضرار) بكسر أوله، من (ضره وضاره) بمعنًى (٣)، وهو خلاف النفع، كذا قاله الجوهري، فالجمع بينهما

стр. 512

للتأكيد، والمشهور: أن بينهما فرقًا، ثم قيل: الأول: إلحاق مفسدةٍ بالغير مطلقًا، والثاني: إلحاق مفسدةٍ بالغير على وجه المقابلة؛ أي: كلٌّ منهما يقصد ضرر صاحبه من غير جهة الاعتداء بالمثل والانتصار بالحق. وقال ابن حبيب: الضرر عند أهل العربية الاسم، والضرار الفعل، فمعنى الأول: لا تُدخل على أخيك ضررًا لم يدخله على نفسه، ومعنى الثاني: لا يضار أحدٌ بأحدٍ، وهذا قريبٌ مما قبله. وقيل: المعنى: أن الضرر نفسه مُنْتَفٍ في الشرع، وإدخاله بغير حقٍّ كذلك. وقيل: الضرر: أن يدخل على غيره ضررًا بما ينتفع هو به، والضرار: أن يُدْخِل على غيره ضررًا بما لا منفعة له به، كمن منع ما لا يضره ويتضرر به الممنوع، ورجَّح هذا طائفةٌ منهم ابن عبد البر وابن الصلاح (١). وقيل: الأول: ما لك فيه منفعةٌ وعلى جارك فيه مضرةٌ، والثاني: ما لا منفعة فيه لك وعلى جارك فيه مضرة، وهو مجرد تحكُّم بلا دليلٍ وإن قال غير واحد: إن هذا وجهٌ حسن المعنى في الحديث. وفي رواية: "ولا إضرار" من (أضرَّ به إضرارًا) إذا ألحق به ضررًا، قال ابن الصلاح: وهي على ألسنة كثيرٍ من الفقهاء والمحدثين، ولا صحة لها، ولذا أنكرها آخرون، وانتصر لها بعضهم بأنها جاءت في بعض روايات ابن ماجه والدارقطني وفي بعض نسخ "الموطأ" قال: وقد أثبتها بعضهم وقال: يقال: ضرَّ وأضرَّ بمعنًى (٢). وخبر (لا) محذوف؛ أي: في ديننا، أو شريعتنا. وظاهر الحديث: تحريم سائر أنواع الضرر إلا لدليل؛ لأن النكرة في سياق النفي تعم إلا في نحو: لا رجلٌ في الدار، بالرفع؛ لأنك تقول: بل رجلان، ولا تقول ذلك مع الفتح، وإلَّا في سلب الحكم عن العموم، نحو: ما كل عددٍ زوجٌ، أي: ليست الكلية صادقة، فهو سلب النفي عن العموم ردًا على من قال: كل عددٍ زوجٌ،

стр. 513

لا حكم بالسلب على العموم، وإلَّا. . لم يكن زوج، وهو باطل. وفيه حذفٌ ثانٍ أيضًا، إذ أصله: لا لحوق أو إلحاق، أو لا فعل ضررٍ أو ضرار بأحدٍ في ديننا؛ أي لا لحوق له شرعًا إلا لموجبٍ خاصٍّ بمخصصٍ (١). وقيدنا النفي بالشرع؛ لأنه بحكم القدر الإلهي لا ينتفي (٢)، واستثناء ما ذكر؛ لأن الحدود والعقوبات ضررٌ وهو مشروعٌ إجماعًا، وإنما انتفى الضرر فيما عدا ما استثني، لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "بعثت بالحنيفية السمحة السهلة" (٣) ونحو ذلك من النصوص المُصرِّحة بوضع الدين على تحصيل النفع والمصلحة، فلو لم يكن الضرر والإضرار منفيًا شرعًا. . لزم وقوع الخلف في الأخبار الشرعية المذكورة، وهو محالٌ. وأيضًا فقد صحح: "حرَّم اللَّه من المؤمن دمَه ومالَه وعرضَه، وألَّا يظن به إلا خيرًا" (٤)، وقد صحح أيضًا: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم" (٥) أي: بعضكم على بعض. وكل ما جاء في تحريم الظلم من الآيات والأحاديث دليلٌ على تحريم الضرر؛ لأنه نوعٌ من الظلم، فعلم أن معنى الحديث: ما مر من نفي سائر أنواع الضرر والمفاسد شرعًا إلا ما خصَّه الدليل، وأن المصالح تُراعى إثباتًا، والمفاسد تُراعى نفيًا؛ لأن الضرر هو المفسدة، فإذا نفاها الشرع. . لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة؛ لأنهما نقيضان لا واسطة بينهما. وهذا مبنيٌّ على قاعدة أصوليةٍ، وهي: أن أفعال اللَّه تعالى هل تعلل؟ فقيل:

стр. 514

نعم؛ لأن فعلًا لا علة له عبثٌ، واللَّه تعالى منزهٌ عنه، ولأن القرآن مملوءٌ من تعليل أنعاله تعالى، نحو: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾. وقيل: لا؛ لأن كل مَنْ فعل فعلًا لعلةٍ كان مستكملًا بها ما لم يكن له قبلها، فيكون ناقصًا بذاته، كاملًا بغيره، والنقص على اللَّه تعالى محالٌ، ورُدَّ بمنع الكلية، وأن ذلك لا يلزم إلا في حق المخلوقين. والتحقيق: أن أفعاله تعالى معللةٌ بحكم غايتها، تعود لنفع المكلفين وكمالهم، لا لنفع اللَّه تعالى وكماله، لاستغنائه بذاته عما سواه، فتلك العِلل حكم موضحةٌ لأفعاله، لا أغراض باعثة عليها؛ لأنه تعالى منزهٌ عن أن يبعثه شيءٌ على شيءٍ. وعلم أيضًا: أنه لو ورد دليلٌ خاصٌّ بضررٍ خاصٍّ. . خصص به هذا العموم على القاعدة الأصولية من تقديم الخاص على العام، ولا نظر حينئذٍ إلى رعاية المصالح؛ لأن الشارع أدرى بذلك من غيره في العبادات والعادات والمعاملات. ولبعض الشُّرَّاح هنا تفصيلٌ في ذلك بكلامٍ طويلٍ مُمِلٍّ خارجٍ عن المقصود؛ فلذا أعرضتُ عنه وإن كان فيه أنظار شتى ينبغي التفطُّن لها. ثم رعاية المصالح إنما هي تفضُّلٌ منه تعالى على خلقه من غير وجوبٍ عليه، خلافًا للمعتزلة؛ لأنه متصرفٌ فيهم بالملك، فلم يجب لهم عليه شيءٌ، واحتجاجهم -أعني: المعتزلة- بأنه تعالى كلَّفهم فوجب رعاية مصالحهم؛ وإلَّا. . كان من التكليف بما لا يطاق. . مبنيٌّ على مذهبهم الباطل أيضًا من اعتبار تحسين العقل وتقبيحه. ووقع ترددٌ في أن الشرع حيث راعى مصالح الخلق هل راعى مطلقها في جميع محالها، أو أوسطها في ذلك، أو مطلقها في بعضٍ، وأكملها في بعضٍ، وأوسطها في بعضٍ، نظرًا في كل محلٍّ لما يصلحهم وينتظم به حالهم؟ قيل: والأقسام كلها ممكنةٌ، وأشبهها الأخير. ودليل رعايتها الكتابُ؛ نحو: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وذلك كثير، بل ما من آيةٍ إلا وهي مشتملةٌ على مصلحةٍ أو مصالح.

стр. 515

والسنةُ؛ نحو: "لا يبع حاضرٌ لبادٍ" (١)، و"لا تُنكح المرأة على عمتها ولا خالتها، إنكم إذا فعلتم ذلك. . قطعتم أرحامكم" (٢). والإجماعُ -إلا ممن لا يعتد به من الظاهرية- على تعليل الأحكام بالمصالح ودرء المفاسد، وأشدهم في ذلك مالكٌ رضي اللَّه تعالى عنه وعنهم حيث قال بالمصالح المرسلة، وفي الحقيقة لم يختص بها، بل الجميع قائلون بها غير أنه قال بها أكثر منهم. وجاء في القرآن والسنة النهي عن المضارة في صورٍ خاصةٍ: منها: الوصية، ومن ثم أخرج الترمذي وغيره: "إن العبد ليعمل بطاعة اللَّه ستين سنة، ثم يحضره الموت فيضار في الوصية فيدخل النار" ثم تلا قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ (٣) أي: فالمضارة فيها باطلةٌ وإن لم يقصدها. ومنها: الرجعة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾، ومن ثم ذهب مالك إلى أن من راجع ثم طلَّق قبل الوطء. . استؤنفتِ العدة إلا إذا قصد مضارتها بتطويل العدة فتبني، وقال الأكثرون: تبني مطلقًا. ومنها: الإيلاء، وأحكامه مبسوطةٌ في الفروع. ومنها: الرضاع، قال تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ ومسائل الضرر في الأحكام كثيرةٌ جدًا. تنبيه [في المراد من حديث: "لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبه في جداره "] اختلفوا في قوله ﷺ في الخبر الصحيح: "لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خَشَبَهُ في جداره" (٤) فأباح جماعةٌ منهم الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه في القديم

стр. 516

للجار أن يضع جذوعه على جدار جاره كرهًا عليه، لهذا الحديث، وقال الشافعي في الجديد: ليس له ذلك، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار"، مع حديث: "لا يحل مال امرئٍ مسلمٍ إلا عن طيب نفس" (١)، وحديث: "وأموالكم عليكم حرام" (٢). فإن قلت: هذا يشكل على ما قدمته من تخصيص عموم: "لا ضرر" بما مر، فلِمَ لم يخص بخبر: "لا يمنع أحدكم جاره" لأنه خاصٌّ. قلت: كان القياس ذلك لو سَلِم مما اشتمل عليه من احتمال أن الضمير في "جداره" راجعٌ للجار؛ أي: لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خَشَبَهُ في جدار نفسه، ومع هذا الاحتمال لا يقوى على التخصيص (٣)، فأخذنا بعموم: "لا ضرر"، و"لا يحل مال امرئٍ مسلم" وغيرهما؛ لأنها أقوى منه. وخبر: "لا ضرر ولا ضرار، وللرجل وضع خَشَبه في جدار جاره" (٤). . ضعيفٌ، ففيه جابر الجُعفي فقد ذمَّه ابن عيينة، وحكى من سوء مذهبه ما يسقط روايته، وتبعه على ذلك أصحابه ابن معين، وعلي بن المديني وغيرهما، ولم يعتدوا بثناء الثوري وشعبة عليه. نعم؛ اختلفت أنظار المجتهدين في تصرُّف الإنسان في ملكه بما يضر بجاره، كفتح كوة، وتعلية بناءٍ مشرفٍ وغيرهما، فأباحه الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه إن أضر بالمالك، ومنعه إن أضر بالملك، والفرق: أن الأول يحتمل عادةً ويمكن الاحتراز عنه بجعل ساترٍ لعياله يمنعهم من النظر، بخلاف الثاني. ومنعهما غير الشافعي أخذًا بعموم حديث: "لا ضرر"، ويؤيد ما ذهب إليه الشافعي القاعدة الأصولية: أنه يستنبط من النص معنًى يخصصه، ويؤيده أيضًا:

стр. 517

اتفاقهم على جواز صورٍ من الضرر (١)؛ كوضع آلات البناء بالشارع زمن العمارة، وكنفض أوعية ترابٍ أو جصٍّ عند الأبواب، فإن هذا مما لا غنى عنه مع قِلَّته. وظاهرُ حديث: "لا ضرر ولا ضرار" امتناعُ الضرر ولو لمن أضرك، لكن يخص من ذلك الصائل ونحوه ممن يجوز دفعه ولو بقتله، ومن ثم كان حديث: "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" (٢) محمولًا عند أهل العلم على أن معناه: لا تخن من خانك بعد أن انتصرت منه في خيانته لك، إذ من عاقب بمثل ما عُوقب به وأخذ حقه. . ليس بخائن، وإنما الخائن مَنْ أخذ ما ليس له أو أكثر مما له. ومن ثم أجاز الشافعي، رضي اللَّه تعالى عنه لدائنٍ ظفر بمالِ مدينه أن يأخذ منه قدر حقه بشرطه وإن أدَّى إلى كسر بابٍ أو نقب جدارٍ، ولا نظر إلى ما فيه من الضرر؛ لأن المدين بنحو جحده مُهْدِرٌ لحقه، ويؤيده: (إذنه ﷺ لهند زوجة أبي سفيان رضي اللَّه تعالى، عنهما لمَّا شكت إليه ﷺ أنه ممسكٌ، وأنه لا ينفقها وولدها ما يكفيهما مع يساره. . بأن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها بالمعروف" (٣). والحاصل: أنه ليس لأحدٍ أن يَضر بغيره وإن أضر به قبل إلا إن كان على وجه الانتصار منه بمثل ما اىتدى به عليه على الوجه الشرعي، فإنه حينئذٍ ليس اعتداءً ولا ظلمًا ولا ضررًا. (حديث حسن رواه ابن ماجه) من حديث ابن عباس، وعبادة بن الصامت رضي اللَّه تعالى عنهم (٤)، وفي إسناديهما ضعفٌ وانقطاعٌ. (والدارقطني) من طريق ضعيفة عن ابن عباس، وأخرى كذلك عن عائشة، وأخرى كذلك عن أبي هريرة، لكن مع شكٍّ فيهما (٥).

стр. 518

(وغيرهما) كالحاكم في "المستدرك" وقال: صحيحٌ على شرط مسلم (١)، والبيهقي من حديث أبي سعيد (٢)، والطبراني مرسلًا، وابن عبد البر من طريق كثير بن عبد اللَّه، وكثيرٌ هذا يُصَحِّح حديثَه الترمذيُّ، ويقول البخاري في بعض أحاديثه: هو أصح حديثٍ في الباب، وحسَّن حديثه الحِزامي وقال: هو خير من مراسيل ابن المسيب، وكذلك حسَّنه ابن أبي عاصم. (مسندًا) وهو: المتصل الذي لم يحذف من إسناده أحد. (ورواه) الإمام الأعظم أبو عبد اللَّه (مالك) بن أنس الأصبحي، وقد أفردت ترجمته بالتأليف، ولد سنة ثلاث وتسعين، ومات في ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومئة. (في "الموطأ" مرسلًا عن عمرو بن يحيى عن أبيه، عن النبي ﷺ ، فأسقط أبا سعيد) الخدري، قال ابن عبد البر: لم يختلف عن مالك في إرساله، ولا يسند من وجهٍ صحيحٍ؛ أي: عنه، لا مطلقًا، لما مر عن الحاكم، ولما يأتي. فعلم أن المرسل: ما حُذف من إسناده الصحابي، وهذا عند المحدثين، وأما عند الأصوليين. . فهو ما حذف منه أيُّ راوٍ كان. (وله طرق) ضعيفة، لكنه (يَقوَى بعضُها ببعضٍ) (٣) كما صرح به ابن الصلاح حيث قال: (أسنده الدارقطني من وجوه متصلًا وقال: حديثٌ حسنٌ، وقال مرة: أسنده من وجوهٍ ومجموعها يقويه ويحسنه، وقد نقله جماهير أهل العلم واحتجوا به؛ فقد قال أبو داوود: الفقه يدور على خمسة أحاديث، وعدَّ هذا منها، فهو عنده غير ضعيف) انتهى ملخصًا (٤). وممن استدل به أحمد وقال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا ضرر

стр. 519

ولا ضرار" (١)، وقال البيهقي في بعض أحاديث كثيرٍ السابقِ: (إذا انضمت إلى غيرها من التي فيها ضعفٌ. . قويت) (٢). وبذلك عُلم أنه حسنٌ لغيره؛ لأن ما في بعض طرقه من اللين يُجبرَ بغيره ويقوَى، فهو مرجحٌ وعاضدٌ؛ إذ الحديث اللين أو الضعيف من جهة الضبط قد يقْوَى بالشواهد المنفصلة حتى يبلغ درجة ما يجب العمل به، كالمجهول إذا وجد مزكيًا. . صار عدلًا تقبل شهادته وروايته. ثم ذلك الشاهد قد يكون قرآنًا، كأن يضعف الحديث فيوافقه ظاهر آية أو عموم فيقوى بها، ويتعاضدان على صيرورتهما دليلًا، وقد يكون سنةً عن راوي ذلك الحديث أو غيره، ومن الأمثال: ضعيفان يغلبان قويًا، فكذلك الأسانيد اللينة؛ إذا اجتمعت. . حصل منها إسنادٌ قويٌّ (٣)، كما قال الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه في قُلَّتينِ نجستين: إذا انضمت إحداهما إلى الأخرى. . صارتا طاهرتين، ولذلك نظائر. وأما تضعيف ابن حزم له وقوله فيه: (إنه واهٍ). . فمردودٌ عليه؛ لما علمت من مخالفته لاصطلاح أئمة الحديث، واحتجاج العلماء به. وجاء في بعض طرقه المسندة من طريق عمرو بن يحيى بعد: "لا ضرر ولا ضرار": "من ضارَّ. . ضارَّ اللَّه به، ومن شاقَّ. . شاقَّ اللَّه عليه"، وفي رواية "من ضارَّ. . ضرَّه اللَّه، ومن شاقَّ. . شقَّ اللَّه عليه" (٤)، وفي رواية: أنه ﷺ (لعن من ضارَّ مسلمًا أو ماكره)، وفي أخرى عن أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنه وكرم وجهه: "ملعونٌ من ضارَّ مؤمنًا أو مكر به" (٥) قال ابن عبد البر: (وسندها وإن ضعف لكنه يخاف عقوبة ما جاء فيه، فإنه موافقٌ للقواعد) (٦).

стр. 520

وبعد أن تقرر هذا الحديث والكلام عليه فلنتكلم على ما أخذه أئمتنا منه، وهو القاعدة المشهورة: أن الضرر يزال، وينبني عليها كثيرٌ من أبواب الفقه، كالرد بالعيب، وجميع أنواع الخيار من إخلاف الوصف المشروط، والتغرير (١)، وإفلاس المشتري، وغير ذلك، والحجر بأنواعه، والشفعة؛ لأنها شُرِعت لدفع ضرر القسمة، والقصاص، والحدود، والكفارات، وضمان المتلف، ونصب الأئمة والقضاة، ودفع الصائل، وقتال المشركين والبغاة، وفسخ النكاح بالعيوب أو الإعسار والقسمة. ومما يندرج في سلكها قول الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه: إذا ضاق الأمر. . اتسع، وقد أجاب بها فيما إذا فقدت المرأة وليها في السفر فولَّت أمرها رجلًا يزوجها، وفي أنه هل يجوز الوضوء من أواني الخزف المعمولة بالسرجين؟ وفيما إذا جلس الذباب على غائطٍ ثم وقع على الثوب. ولهم عكسها وهو: إذا اتسع الأمر. . ضاق؛ ككثير العمل في الصلاة؛ فإنه لما لم يُحْتَجْ إليه. . لم يسامح به، بخلاف قليله، فإنه لما اضطر إليه. . سومح به. ويتعلق بقاعدة: أن الضرر يزال قواعدُ: - الأولى: الضرورات تبيح المحظورات، بشرط عدم نقصها عنها، ومن ثم جاز أكل الميتة للمضطر، وإساغة اللقمة بالخمر، وغصب خيطٍ لخياطة جرحِ محترم، والتلفظ بكلمة الكفر، وإتلاف المال للإكراه، ودفع الصائل وإن أدَّى إلى قتله، ولو عمَّ الحرام قطرًا بحيث لم يوجد فيه حلالٌ إلا نادرًا. . جاز استعمال ما يحتاج له وإن زاد على قدر الضرورة، ولا يرتقي إلى التبسط وأكل الملاذ، قال ابن عبد السلام: (ومحله: حيث توقع معرفة صاحب المال، وإلَّا. . كان فيئًا للمصالح؛ لأن من جملة أموال بيت المال ما جُهِل مالكُه) (٢).

стр. 521

وخرج بـ (نقصها عنها) مَيْتَةُ النبي ﷺ ، فإنه لا يحل للمضطر أكلها؛ لأن حرمته أعظم في نظر الشرع من مهجة المضطر، والزنا والقتلُ (١)، فإنهما لا يباحان بالإكراه؛ لأن مفسدتهما تقابل حفظ مهجة المكره أو تزيد عليها. - الثانية: ما أُبيح للضرورة يقدر بقدرها، كالمضطرِ لا يأكل من الميتة إلا بقدر سد الرمق، ومن أمكنه الصد عن نحو خاطبٍ بالتعريض بعيبه لا يجوز له التصريح به (٢)، وأخذ نبات الحرم: يباح أخذه للعلف لا لبيعه ممن يعلف به. ويجب على امرأةٍ فصدت ألَّا تكشف من ذراعها إلا ما لا بدَّ منه مما يتوقف الفصد عليه. ويباح تعدُّد الجمعة لعسر الاجتماع بمحلٍّ واحدٍ، فإذا اندفع بجمعتين. . لم تجز ثالثةٌ كما صرَّح به الإمام، وجزم به السبكي والإسنوي. ويباح اقتناء الكلب للصيد، لكن لا يجوز اقتناء زيادة على القدر الذي يصاد به. وخرج عن هذا الأصل نحو العرايا، فإنها أبيحت للفقراء، ثم جازت للأغنياء، والخلع رخص فيه مع الزوجة، ثم جاز مع الأجنبي. فائدة [في بيان مراتب الضرورات] المراتب خمسة: ضرورةٌ: وهي بلوغه حدًا إن لم يتناول الممنوع. . حصل له ضررٌ يبيح التيمم، وهي تبيح تناول الحرام، وحاجة: وهي ما فيه مجرد جهدٍ ومشقةٍ، ولا تبيح الحرام، ومنفعةٌ: كشهوة خبز البُرِّ، وزينةٌ: كشهوة الحلوى، وفضولٌ: وهو التوسع بأكل الحرام والشُّبه. - الثالثة: الضرر لا يزال بالضرر، قال ابن السبكي: وهي مقيدةٌ لقاعدة: الضرر يزال؛ أي: يزال ولكن لا بضرر، وإلا. . لما صدق: الضرر يزال.

стр. 522

ومن فروعها: عدم لزوم الشريك بالعمارة على الجديد، وعدم إجبار الجار على وضع الجذوع، وعدم إجبار السيد على إنكاح قِنِّه، ولا يأكل مضطرٌّ طعام مضطرٍّ آخر. ولو مال حائط لشارعٍ أو ملك غيره. . لم يلزمه إصلاحه، ولو سقطت جرةٌ ولم تندفع عنه إلا بكسرها. . ضمنها (١)، ولو وقع دينارٌ بمحبرةٍ ولم يخرج إلا بكسرها. . كسرت وعلى صاحبه الأرش ما لم يقع بفعل صاحبها. ولو أدخلت بهيمةٌ رأسها في قِدْرٍ ولم تخرج إلا بكسرها. . فيكسر لغير المأكولة، وعلى صاحب البهيمة إن كان معها الأرشُ؛ لتفريطه ما لم يكن بتفريط صاحب القِدر، وفي ذبح المأكولة وجهان. ولو سقط على جريحٍ إن استمر قتله، وإن انتقل قتل غيره. . فقيل: يستمر؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، وقيل: يتخير، وقال الإمام: لا حكم (٢). ولو تعذَّر الوطء إلا بالإفضاء. . امتنع. ويستثنى من ذلك ما لو كان أحدهما أعظم ضررًا، ولهذا شرعت الحدود، ودفع الصائل، والفسخ بالعيب، والإجبار على قضاء الدَّين، وأخذ المضطر طعامَ غير المضطر، وقتاله عليه، وقطع شجرة غيرٍ تدلت في هواء داره (٣)، وشق بطن ميتٍ بلع مالًا، أو كان ببطنها ولدٌ ترجى حياته، ورمي كفار تترَّسوا بأسرى مسلمين، والانتقال من نارٍ مهلكةٍ إلى ماءٍ مغرقٍ رآه أهون من الصبر على لفحاتها. - الرابعة: إذا تعارض مفسدتان. . رُوعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفِّهما.

стр. 523

- الخامسة: وهي نظيرة التي قبلها: درء المفاسد مقدَّمٌ على جلب المصالح، ومر الكلام عليها مبسوطًا في شرح (التاسع) (١). - السادسة: الحاجة العامة أو الخاصة تنزل منزلة الضرورة، فمن الأُولى: جواز نحو الإجارةِ مع أن المنافع معدومة، والجعالةِ مع ما فيها من الجهالة، والحوالةِ مع ما فيها من بيع الدين بالدين، وضمانِ الدرك مع عدم دين يضمن. والثاني: كالتضبيب بضبة فضةٍ كبيرةٍ لحاجةٍ كإصلاحِ محلِّ كسرٍ، وشدٍّ وتوثقٍ، ولا يعتبر العجز عن غير الفضة؛ لأنه يبيح أصل النقدين، وكالأكل من الغنيمة بدار الحرب؛ يجوز للحاجة وإن كان معه طعام لنفسه. * * *

стр. 524

الحديث الثالث والثلاثون [أسس القضاء في الإسلام] عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ. . لادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَومٍ وَدِمَاءَهُمْ، لَكِنِ البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ" حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ هَكَذَا، وَبَعْضُهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١). (عن ابن عباس رضي اللَّه) تعالى (عنهما: أن رسول اللَّه ﷺ قال: لو) حرف امتناعٍ لامتناعٍ؛ أي: يقتضي امتناع الجواب لامتناع الشرط؛ كما عليه جمهور النحاة (٢)، أو لما كان سيقع لوقوع غيره، كما دلَّ عليه كلام إمامهم سيبويه، وعليه فلا إشكال؛ لأن دعوى رجال أموال قومٍ كان سيقع لو وقع إعطاء الناس بدعاويهم، وكذا لا إشكال على الأول أيضًا وإن وقع دعوى بعض الناس مالَ بعض، سواء أُعطوا بدعاويهم أم لا؛ لأن المراد بدعوى الرجال أموالَ قوم: إعطاؤهم إياها ودفعها إليهم (٣)؛ أي: لو يُعطى الناس بدعواهم. . لأخذ رجالٌ أموال قومٍ وسفكوا دماءهم، فوضع الدعوى موضعَ الأخذ؛ لأنها سببه (٤)، ولا شك أن أخذ مال المدعى عليه ممتنعٌ، لامتناع إعطاء المدعي بمجرد دعواه، وكذلك أخذه كان سيقع لو

стр. 525

وقع إعطاء المدعي بدعواه، ولا يقع بدون ذلك، فصح معنى (لو) هنا على القولين. (يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال) (١) هم ذكور بني آدم، أو البالغون منهم، فإن قُوبل بهم النساءُ. . أُريد الأول، أو الصبيانُ. . أُريد الثاني، ولا يختص ذلك بهم على كلٍّ من هذين، وإنما ذكروا؛ لأن ذلك من شأنهم فحسب، ويؤيد ذلك رواية: "لادَّعى ناس" (٢). (أموال قوم) قيل: يخص الرجال، لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ فذِكْرهُنَّ دليلٌ ظاهرٌ على أن القوم لم يشملهنَّ، وبه صرح زهير في قوله: [من الوافر] وما أدري ولستُ إخال أدري ... أقومٌ آلُ حصنٍ أم نساءُ وقيل: يعم الفريقين، إذ هما المراد في نحو: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ "ليس بأرض قومي" (٣)، ورُدَّ: بأن دخولهنَّ هنا ليس لغة، بل لقرينة نحو التكليف في الآية. وحكمة التعبير بـ (رجال) ثم (قوم) بناء على أنه يعمهما: أن الغالب في المدَّعي أن يكون رجلًا، والمدَّعى عليه يكون رجلًا وامرأةً، فراعى في التغاير بينهما الغالبَ فيهما، وعلى ترادفهما فالمغايرة للتفنُّن في العبارة. (ودماءهم) قُدمت الأموال عليها ذكرًا في هذه الرواية مع أنها -أعني الدماء- أهمُّ وأعظم خطرًا، ولذا ورد: أنها أول ما يُقضى بين الناس فيه (٤)؛ لأن الخصومات في الأموال أكثر، إذ أخذها أيسر، وامتداد الأيدي إليها أسهل، ومن ثَمَّ ترى العصاة بالتعدي فيها أضعافَ العصاة بالقتل. (لكن) هي هنا وإن لم تأت لفظًا على قانونها من وقوعها بين نفيٍ وإثباتٍ حتى

стр. 526

يصح معنى الاستدراك الذي هو مؤدَّاها. . جاريةٌ عليه تقديرًا، إذ المعنى: لا يعطى الناس بدعواهم المجردة، لكن بالبينة، وهي على المدعي. (البينه على المدعي) وهو مَنْ يذكر أمرًا خفيًا يخالف الظاهر، والمدَّعَى عليه عكسه، فصُدِّق بيمينه؛ لقوة جانبه. نعم؛ لو أسلم زوجان قبل الدخول فقال: أسلمنا معًا. . فالنكاح باقٍ، وقالت: بل مرتبًا. . كان هو المدعي، لندرة المقارنة (١)، ويُصدَّق بيمينه أيضًا نحو الوديع في دعوى الرد على من ائتمنه، ولا يُكلَّف بينة، لقوة جانبه، وقد يكون كلٌّ من المتنازعين مدعيًا ومدعًى عليه كما في التحالف. وشرطهما: التكليف، والالتزام (٢)، وشرط سماع الدعوى: أن تكون ملزمة، فإذا ادَّعى مِلْك عينٍ بنحو بيعٍ، أو هبةٍ، أو استحقاق دين. . لم تسمع حتى يقول الرشيد: وأنه يلزمه التسليم إليَّ، والسفيه: وأنه يلزمه التسليم إلى وليي، أو أنه ممتنعٌ من الأداء اللازم له. نعم؛ إن أراد المدعي قطع النزاع فقط. . لم يجب ذكر لزوم التسليم، ويكفيه: هذا لي وهو يمنعنيه عدوانًا وإن لم يقل: وهو في يده، فإن قاله وزاد: يلزمه تسليمه إليَّ. . سأله القاضي عن سببه. ولو حَلَّ بعض دينٍ مؤجل فادَّعاه وثبت. . ثبت المؤجل تبعًا، ولو قصد بدعواه تصحيح عقدٍ كسَلَمٍ ولو مؤجلًا. . سُمعت. وشرط سماعها أيضًا: أن يكون المدعى به معلومًا بنحو ذكر جنسه ونوعه وقدره، وكذا صفته إن اختلف بها غرضٌ صحيحٌ، ولذلك كله تفصيلٌ محله كتب الفروع.

стр. 527

(واليمين على من) عبَّر بها هنا دون الأول مع أنه كان يمكن أن يؤتى باسم الفاعل فيهما أو بـ (من) فيهما، لما تقرر أن المدعي: هو من يذكر أمرًا خفيًا، والمدعى عليه: هو من يذكر أمرًا ظاهرًا، ولا شك أن الموصول لاشتراط كون صلته معهودة أظهر من المعرف، فأعطي الخفي للخفي، والظاهر للظاهر، وهذا عند التأمل أَوجَهُ مما ذكره بعض الشُّرَّاح، فاعلمه. وزَعْمُ أن ذلك سؤالٌ دوري غيرُ صحيح. (أنكر) لأن الأصل براءة ذمته عما طُلب منه وهو متمسكٌ به، لكن لما أمكن أن يكون قد شغلها بما طلب منه. . دفع ذلك الاحتمال عن نفسه باليمين. ثم الحالف: هو كل من توجهت عليه دعوى لو أقر بمضمونها. . لزمته اليمين ما لم تجر إلى فساد (١)، وحينئذٍ فيدَّعي على وصيٍّ وقيمٍ لإقامة بينة (٢)، لا لتحليفهما إذا أنكرا ما على الميت، لعدم صحة إقرارهما عليه. ولا تحليف في دعوى عقوبة للَّه تعالى، ولا في محض حقه تعالى، كلزمتك كفارة قتل، ولا يُحلَّف قاضٍ وإن عزل (٣)، ولا شاهدٌ فيما حَكَم أو شهد به (٤)؛ لأن ذلك يجر إلى فساد، ولا مَنِ ادعى بلوغًا ممكنًا بإمناءٍ أو حيضٍ، ولا منكر بلوغ ممكن إلا مسبيًا نبت شعر عانته وادعى أنه بالمعالجة فيحلف حتمًا، لوجود دليل بلوغه، فإن نكل. . فكأسيرٍ كامل، فيتخير الإمام فيه بين القتل وغيره. ولا يحلف مَنْ أقام بينةً على حاضرٍ إلا إن قال له: اعتمدْتُ ببينتِك الظاهرَ، وأنت

стр. 528

تعلم أن ما ادعيتَهُ ملكي، فيُحلِّفه أنه لا يعلمه، أو ادعى علمه بجرح بينته، فيحلفه أنه لا يعلمه حال الأداء ولا قبله بدون سنة، ولو قال المدعي: لي بينة لكن لا أقيمها وأريد تحليفه. . أجيب إليه. ويشترط أن يكون اليمين بطلب الخصم، فإن لم يطلب ولم يترك الخصومة. . لم يُحلِّفْه القاضي، فإن عاد وطلبها، فإن كان أُبرئ منها. . احتاج إلى استئناف دعوى، وإلَّا. . فلا ولو بعد امتناعه من تحليف المنكر. وأن يكون بتحليف القاضي، فإن حلَّفه خصمه أو نحو أميرٍ. . لغا. وأن تتوالى كلماتها عرفًا، وأن تطابق الإنكار، فإن ادعى عليه نحو إتلافٍ أو إقراضٍ فأجاب بنفيه أو بـ (لا يلزمني شيء). . حلف كجوابه، وكذا لو أجاب بنفي نحو غصب أو شراءٍ ادُّعِيَ عليه، ولا يحلف هنا على نفي اللزوم أو الاستحقاق. وعلم مما مر: أن قوله: "اليمين على من أنكر" عامٌّ مخصوصٌ، لاستثناء صورٍ منه ثبتت بالنص يكون فيها الحلف على المدعي (١)؛ كما في القسامة، واليمين مع الشاهد، ويمين أمين ادعى نحو تلفٍ أو ردٍّ على مَن ائتمنه. ويجب الحلف على البتِّ في يمين الرد، وفيما إذا حلف لنفي فعله أو إثباته، أو لإثبات فعل غيره، وفعل قِنِّه وبهيمته حيث ضمن متلفها كفعل نفسه على المعتمد. وإن حلف لنفي فعل غيره. . فعلى نفي علمه، فإن حلَّفه القاضي بتًّا. . أساء وأجزأه؛ لأنه آكد، ويجوز بَتُّ اليمين بظنٍّ مؤكَّدٍ كخطه وخط مورثه الثقة، وإخبار عدلين. ومن حلَّفه القاضي أو نائبه باللَّه تعالى. . اعتبرت نية القاضي واعتقاده، فلا تنفعه التورية ولا التأويل، ولا تدفع عنه إثم اليمين الغموس، وكذا لو وصلها باستثناءٍ أو شرط. ولا يجوز لشافعيٍّ ادُّعِيَ عليه عند حنفيٍّ بشفعة الجوار أن يحلف على نفيها اعتبارًا باعتقاده؛ لما تقرر أن العبرة باعتقاد القاضي، ومن ثَمَّ نفذ حكمه بها عليه ظاهرًا وباطنًا.

стр. 529

ومن حلَّفه القاضي بغير اللَّه تعالى، أو حلف بنفسه، أو حلَّفه خصمه، أو نحو أميرٍ. . اعتبرت نية الحالف، فتنفعه التورية والاستثناء إن نواه قبل تمام يمينه. وليس لقاضٍ تحليفٌ بطلاقٍ أو عتقٍ، فإن فعل. . عزله الإمام. وإذا حلف المنكر أو نكل المدعي عن اليمين المردودة. . انقطع النزاع، فللمدعي بعد ذلك إقامة البينة (١)، ويحكم له بها وإن كان قد قال: لا بينة لي حاضرة ولا غائبة، أو كلُّ بينةٍ لي كاذبةٌ. وبقي للكلام على صفة اليمين والنكول وما يتعلَّق بهما تفصيلٌ طويلٌ محله كتب الفروع. واستفيد من الحديث: أنه لا يُقبَل قول الإنسان فيما يدعيه بمحض دعواه وإن غلب على الظن صدقه، بل يحتاج إلى بينة أو تصديق المدعى عليه، فإن طلب يمين المدعى عليه. . فله ذلك، وقد بيَّن ﷺ الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد دعواه بأنه لو أُعطي بمجردها. . لادَّعى قومٌ دماءَ قوم وأموالهم واستبيحت؛ إذ لا يمكن المدعى عليه أن يصون ماله ودمه، وأما المدعي. . فيمكنه صيانتهما بالبينة. فعلم أن حكمة كون البينة على المدعي واليمين على من أنكر: هي ضعف جانب المدعي؛ لدعواه خلافَ الأصل، وجانب المنكر قوي؛ لموافقته أصل براءة الذمة، والبينة حجةٌ قويةٌ، لبعدها عن التهمة، واليمين حجةٌ ضعيفةٌ، لقربها منها (٢)، فجعلت الحجة القوية في الجانب الضعيف، والحجة الضعيفة في الجانب القوي، ليتعادلا. واستفيد منه أيضًا: الدلالة الظاهرة لمذهبنا ومذهب الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن اليمين تتوجه على كل من ادُّعِيَ عليه حقٌّ سواءٌ أكان بينه وبين المدَّعِي اختلاطٌ أم لا (٣).

стр. 530

وقالت طائفةٌ منهم مالك كفقهاء المدينة السبعة رضي اللَّه تعالى عنهم (١): لا تتوجه إلا إن وجد بينهما اختلاطٌ؛ لئلا تَبْتَذِلَ السفهاءُ الأكابرَ بتحليفهم مرارًا في اليوم الواحد. ورُدَّ: بأنه لا أصل لاشتراطها في كتابٍ ولا سنةٍ ولا إجماعٍ، وفيه تحاملٌ؛ لأن رعاية المصالح ودرء المفاسد لهما أصلٌ أصيلٌ في ذلك، وإنما وجه الرد: أن ما فيه من المفسدة لا يقابل ما فيه من مصلحة الاحتياط لحق المدعي الممكن الثبوت، فقدمت هذه المصلحة على تلك المفسدة. وأنه لا عبرة بقول المريض في الدماء خلافًا لمالك؛ لأنه ﷺ قد سوَّى بين الدماء والأموال في أن المدعي لا يُسمَع قوله فيها، وإذا لم يُسمَع قول المدعي في مرضه: لي عند فلان درهم. . كان أحرى وأولى ألَّا يسمع قوله: دمي عند فلان، لحرمة الدماء. وأُجيب بأن مالكًا لم يجعل قوله ذلك دليلًا لقَوَدٍ ولا ديةٍ، بل قرينة لَوْث مرجحة لجانب المدعي حتى تكون اليمين في جهته؛ لأن المريض قادمٌ على اللَّه تعالى فيبعد في حقه كلَّ البعد الكذبُ وإن كان من أشر الفُسَّاق. ويردُّ بأنه متهمٌ، سيما إن كان له عدو، وتلك القرينة لم يعوِّلوا عليها في إقرار المريض لوارثه؛ فإنه باطلٌ عندهم مع وجود ذلك المعنى فيه، فإذا أبطلوه ثَمَّ مع كون الشبهة أضعف فيه. . فليكن باطلًا هنا بالأَولى. قال شيخ الإسلام ابن دقيق العيد: (في مذهب مالك وأصحابه تصرفاتٌ بالتخصيصات لهذا العموم المذكور في الحديث، منها: اشتراط الخلطة، وأن من
следующие страницы →