← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8889

الفتح المبين بشرح الأربعين

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (662 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

يصح معنى الاستدراك الذي هو مؤدَّاها. . جاريةٌ عليه تقديرًا، إذ المعنى: لا يعطى الناس بدعواهم المجردة، لكن بالبينة، وهي على المدعي. (البينه على المدعي) وهو مَنْ يذكر أمرًا خفيًا يخالف الظاهر، والمدَّعَى عليه عكسه، فصُدِّق بيمينه؛ لقوة جانبه. نعم؛ لو أسلم زوجان قبل الدخول فقال: أسلمنا معًا. . فالنكاح باقٍ، وقالت: بل مرتبًا. . كان هو المدعي، لندرة المقارنة (١)، ويُصدَّق بيمينه أيضًا نحو الوديع في دعوى الرد على من ائتمنه، ولا يُكلَّف بينة، لقوة جانبه، وقد يكون كلٌّ من المتنازعين مدعيًا ومدعًى عليه كما في التحالف. وشرطهما: التكليف، والالتزام (٢)، وشرط سماع الدعوى: أن تكون ملزمة، فإذا ادَّعى مِلْك عينٍ بنحو بيعٍ، أو هبةٍ، أو استحقاق دين. . لم تسمع حتى يقول الرشيد: وأنه يلزمه التسليم إليَّ، والسفيه: وأنه يلزمه التسليم إلى وليي، أو أنه ممتنعٌ من الأداء اللازم له. نعم؛ إن أراد المدعي قطع النزاع فقط. . لم يجب ذكر لزوم التسليم، ويكفيه: هذا لي وهو يمنعنيه عدوانًا وإن لم يقل: وهو في يده، فإن قاله وزاد: يلزمه تسليمه إليَّ. . سأله القاضي عن سببه. ولو حَلَّ بعض دينٍ مؤجل فادَّعاه وثبت. . ثبت المؤجل تبعًا، ولو قصد بدعواه تصحيح عقدٍ كسَلَمٍ ولو مؤجلًا. . سُمعت. وشرط سماعها أيضًا: أن يكون المدعى به معلومًا بنحو ذكر جنسه ونوعه وقدره، وكذا صفته إن اختلف بها غرضٌ صحيحٌ، ولذلك كله تفصيلٌ محله كتب الفروع.

стр. 527

(واليمين على من) عبَّر بها هنا دون الأول مع أنه كان يمكن أن يؤتى باسم الفاعل فيهما أو بـ (من) فيهما، لما تقرر أن المدعي: هو من يذكر أمرًا خفيًا، والمدعى عليه: هو من يذكر أمرًا ظاهرًا، ولا شك أن الموصول لاشتراط كون صلته معهودة أظهر من المعرف، فأعطي الخفي للخفي، والظاهر للظاهر، وهذا عند التأمل أَوجَهُ مما ذكره بعض الشُّرَّاح، فاعلمه. وزَعْمُ أن ذلك سؤالٌ دوري غيرُ صحيح. (أنكر) لأن الأصل براءة ذمته عما طُلب منه وهو متمسكٌ به، لكن لما أمكن أن يكون قد شغلها بما طلب منه. . دفع ذلك الاحتمال عن نفسه باليمين. ثم الحالف: هو كل من توجهت عليه دعوى لو أقر بمضمونها. . لزمته اليمين ما لم تجر إلى فساد (١)، وحينئذٍ فيدَّعي على وصيٍّ وقيمٍ لإقامة بينة (٢)، لا لتحليفهما إذا أنكرا ما على الميت، لعدم صحة إقرارهما عليه. ولا تحليف في دعوى عقوبة للَّه تعالى، ولا في محض حقه تعالى، كلزمتك كفارة قتل، ولا يُحلَّف قاضٍ وإن عزل (٣)، ولا شاهدٌ فيما حَكَم أو شهد به (٤)؛ لأن ذلك يجر إلى فساد، ولا مَنِ ادعى بلوغًا ممكنًا بإمناءٍ أو حيضٍ، ولا منكر بلوغ ممكن إلا مسبيًا نبت شعر عانته وادعى أنه بالمعالجة فيحلف حتمًا، لوجود دليل بلوغه، فإن نكل. . فكأسيرٍ كامل، فيتخير الإمام فيه بين القتل وغيره. ولا يحلف مَنْ أقام بينةً على حاضرٍ إلا إن قال له: اعتمدْتُ ببينتِك الظاهرَ، وأنت

стр. 528

تعلم أن ما ادعيتَهُ ملكي، فيُحلِّفه أنه لا يعلمه، أو ادعى علمه بجرح بينته، فيحلفه أنه لا يعلمه حال الأداء ولا قبله بدون سنة، ولو قال المدعي: لي بينة لكن لا أقيمها وأريد تحليفه. . أجيب إليه. ويشترط أن يكون اليمين بطلب الخصم، فإن لم يطلب ولم يترك الخصومة. . لم يُحلِّفْه القاضي، فإن عاد وطلبها، فإن كان أُبرئ منها. . احتاج إلى استئناف دعوى، وإلَّا. . فلا ولو بعد امتناعه من تحليف المنكر. وأن يكون بتحليف القاضي، فإن حلَّفه خصمه أو نحو أميرٍ. . لغا. وأن تتوالى كلماتها عرفًا، وأن تطابق الإنكار، فإن ادعى عليه نحو إتلافٍ أو إقراضٍ فأجاب بنفيه أو بـ (لا يلزمني شيء). . حلف كجوابه، وكذا لو أجاب بنفي نحو غصب أو شراءٍ ادُّعِيَ عليه، ولا يحلف هنا على نفي اللزوم أو الاستحقاق. وعلم مما مر: أن قوله: "اليمين على من أنكر" عامٌّ مخصوصٌ، لاستثناء صورٍ منه ثبتت بالنص يكون فيها الحلف على المدعي (١)؛ كما في القسامة، واليمين مع الشاهد، ويمين أمين ادعى نحو تلفٍ أو ردٍّ على مَن ائتمنه. ويجب الحلف على البتِّ في يمين الرد، وفيما إذا حلف لنفي فعله أو إثباته، أو لإثبات فعل غيره، وفعل قِنِّه وبهيمته حيث ضمن متلفها كفعل نفسه على المعتمد. وإن حلف لنفي فعل غيره. . فعلى نفي علمه، فإن حلَّفه القاضي بتًّا. . أساء وأجزأه؛ لأنه آكد، ويجوز بَتُّ اليمين بظنٍّ مؤكَّدٍ كخطه وخط مورثه الثقة، وإخبار عدلين. ومن حلَّفه القاضي أو نائبه باللَّه تعالى. . اعتبرت نية القاضي واعتقاده، فلا تنفعه التورية ولا التأويل، ولا تدفع عنه إثم اليمين الغموس، وكذا لو وصلها باستثناءٍ أو شرط. ولا يجوز لشافعيٍّ ادُّعِيَ عليه عند حنفيٍّ بشفعة الجوار أن يحلف على نفيها اعتبارًا باعتقاده؛ لما تقرر أن العبرة باعتقاد القاضي، ومن ثَمَّ نفذ حكمه بها عليه ظاهرًا وباطنًا.

стр. 529

ومن حلَّفه القاضي بغير اللَّه تعالى، أو حلف بنفسه، أو حلَّفه خصمه، أو نحو أميرٍ. . اعتبرت نية الحالف، فتنفعه التورية والاستثناء إن نواه قبل تمام يمينه. وليس لقاضٍ تحليفٌ بطلاقٍ أو عتقٍ، فإن فعل. . عزله الإمام. وإذا حلف المنكر أو نكل المدعي عن اليمين المردودة. . انقطع النزاع، فللمدعي بعد ذلك إقامة البينة (١)، ويحكم له بها وإن كان قد قال: لا بينة لي حاضرة ولا غائبة، أو كلُّ بينةٍ لي كاذبةٌ. وبقي للكلام على صفة اليمين والنكول وما يتعلَّق بهما تفصيلٌ طويلٌ محله كتب الفروع. واستفيد من الحديث: أنه لا يُقبَل قول الإنسان فيما يدعيه بمحض دعواه وإن غلب على الظن صدقه، بل يحتاج إلى بينة أو تصديق المدعى عليه، فإن طلب يمين المدعى عليه. . فله ذلك، وقد بيَّن ﷺ الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد دعواه بأنه لو أُعطي بمجردها. . لادَّعى قومٌ دماءَ قوم وأموالهم واستبيحت؛ إذ لا يمكن المدعى عليه أن يصون ماله ودمه، وأما المدعي. . فيمكنه صيانتهما بالبينة. فعلم أن حكمة كون البينة على المدعي واليمين على من أنكر: هي ضعف جانب المدعي؛ لدعواه خلافَ الأصل، وجانب المنكر قوي؛ لموافقته أصل براءة الذمة، والبينة حجةٌ قويةٌ، لبعدها عن التهمة، واليمين حجةٌ ضعيفةٌ، لقربها منها (٢)، فجعلت الحجة القوية في الجانب الضعيف، والحجة الضعيفة في الجانب القوي، ليتعادلا. واستفيد منه أيضًا: الدلالة الظاهرة لمذهبنا ومذهب الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن اليمين تتوجه على كل من ادُّعِيَ عليه حقٌّ سواءٌ أكان بينه وبين المدَّعِي اختلاطٌ أم لا (٣).

стр. 530

وقالت طائفةٌ منهم مالك كفقهاء المدينة السبعة رضي اللَّه تعالى عنهم (١): لا تتوجه إلا إن وجد بينهما اختلاطٌ؛ لئلا تَبْتَذِلَ السفهاءُ الأكابرَ بتحليفهم مرارًا في اليوم الواحد. ورُدَّ: بأنه لا أصل لاشتراطها في كتابٍ ولا سنةٍ ولا إجماعٍ، وفيه تحاملٌ؛ لأن رعاية المصالح ودرء المفاسد لهما أصلٌ أصيلٌ في ذلك، وإنما وجه الرد: أن ما فيه من المفسدة لا يقابل ما فيه من مصلحة الاحتياط لحق المدعي الممكن الثبوت، فقدمت هذه المصلحة على تلك المفسدة. وأنه لا عبرة بقول المريض في الدماء خلافًا لمالك؛ لأنه ﷺ قد سوَّى بين الدماء والأموال في أن المدعي لا يُسمَع قوله فيها، وإذا لم يُسمَع قول المدعي في مرضه: لي عند فلان درهم. . كان أحرى وأولى ألَّا يسمع قوله: دمي عند فلان، لحرمة الدماء. وأُجيب بأن مالكًا لم يجعل قوله ذلك دليلًا لقَوَدٍ ولا ديةٍ، بل قرينة لَوْث مرجحة لجانب المدعي حتى تكون اليمين في جهته؛ لأن المريض قادمٌ على اللَّه تعالى فيبعد في حقه كلَّ البعد الكذبُ وإن كان من أشر الفُسَّاق. ويردُّ بأنه متهمٌ، سيما إن كان له عدو، وتلك القرينة لم يعوِّلوا عليها في إقرار المريض لوارثه؛ فإنه باطلٌ عندهم مع وجود ذلك المعنى فيه، فإذا أبطلوه ثَمَّ مع كون الشبهة أضعف فيه. . فليكن باطلًا هنا بالأَولى. قال شيخ الإسلام ابن دقيق العيد: (في مذهب مالك وأصحابه تصرفاتٌ بالتخصيصات لهذا العموم المذكور في الحديث، منها: اشتراط الخلطة، وأن من

стр. 531

ادعى شيئًا من أسباب القصاص. . لم يجب به يمين إلا أن يقيم عليه شاهدًا (١)، وأن من ادعى على امرأةٍ نكاحًا. . لم يلزمها يمينٌ له. وقال سحنون منهم: إلا أن يكونا طارئين، وأن بعض الأُمَناء ممن القول قوله لا يمين عليه، وأن من ادعت على زوجها طلاقًا لا يلزمه لها يمينٌ، وكل من خالفهم في شيءٍ من هذا يستدل بعموم هذا الحديث) اهـ (٢) وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، لكن قال غيره: اختلف الفقهاء؛ هل يستحلف في جميع حقوق الآدميين كقول الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه، أو لا يستحلف إلا فيما يقضى فيه بالنكول كرواية عن أحمد، أو لا يستحلف إلا فيما يصح بذله كما هو المشهور عن أحمد، أو لا يستحلف إلا في كل دعوى لا يُحتاج فيها إلى شاهدين كما حكي عن مالك؟. وأما حقوق اللَّه تعالى. . فقال جمعٌ: لا يستحلف فيها بحالٍ، وقال آخرون منهم الشافعي: إذا اتهم. . استحلف. وأجمعوا على استحلاف المدعى عليه في الأموال، واختلفوا في غيرها، فذهب الإمام الشافعي كما علم مما مر وأحمد وغيرهما إلى وجوبها على كل مدعًى عليه في حدٍّ أو طلاقٍ أو نكاحٍ أو عتقٍ، أخذًا بظاهر عموم الحديث، فإن نكل. . حلف المدعي وتثبت دعواه، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يحلف على النكاح والطلاق والعتق فإن نكل. . لزمه ذلك كله، وقال آخرون: لا يستحلف في الحدود والسرقة. وذهب أبو حنيفة وطوائف من الفقهاء والمحدثين إلى أن اليمين على المدعى عليه أبدًا حتى في القسامة، ورأوا أن لا حكم بشاهدٍ ويمينٍ، وأن اليمين لا ترد على المدعي.

стр. 532

وحجتنا: أن كلًّا من هذه الثلاثة ثبت في كون اليمين فيها على المدعي حديثٌ صحيح (١) خُصَّ به عمومُ حديث: "واليمين على المدعى عليه"، والرواية في قصة خيبر المعارضة لذلك في القسامة ردها الحفاظ (٢). فائدة [فصل الخطاب] قال بعض العلماء: إن فصل الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ هو: البينة على المدعي واليمين على من أنكر. (حديث حسن) أو صحيح، كما عبَّر به في مواضع أخر، وكلام أحمد وأبي عبيد ظاهرٌ في أنه صحيحٌ عندهما يحتج به. (رواه) بإسنادٍ حسنٍ الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين (البيهقي) صاحب التصانيف الجليلة، كيف وقد حاز بها ما لم يَحُزْه شافعيٌّ؟! حتى قال إمام الحرمين: ما من شافعي إلا وللشافعي عليه المِنَّة إلا البيهقي، فإن له المِنَّةَ؛ أي: لأنه الذي بيَّن أن مذهبه طبق السنة الصحيحة، وتصدَّى للرد على مخالفيه. ولد سنة أربعٍ وثمانين وثلاث مئة، ومات سنة ثمانٍ وخمسين وأربع مئة. (وغيره هكذا) أي: بهذا اللفظ المذكور (وبعضه في "الصحيحين") إذ لفظهما كما في "الجمع بينهما" للحميدي: عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: "لو يُعطى الناس بدعواهم. . لادَّعى ناسٌ دماء رجالٍ وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" (٣)، وفي روايةٍ لهما قال ابن أبي مُليكة: كتب ابن عباسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما: (أن النبي ﷺ قضى أن اليمين على المدعى عليه) (٤). وقول الأصيلي: لا يصح مرفوعًا. . مردودٌ بتصريحهما بالرفع فيه من رواية ابن

стр. 533

جريج (١)، ورفعه أيضًا أبو داوود والترمذي وغيرهما (٢)، قال المصنف: (وإذا صح رفعه بشهادة البخاري ومسلم وغيرهما. . لم يضره مَنْ وقفه، ولا يكون ذلك تعارضًا ولا اضطرابًا، فإن الراوي قد يعرض له ما يوجب السكوت عن الرفع من نحو نسيانٍ أو اكتفاءٍ بعلم السامع والرافعُ عدلٌ ثبتٌ، فلا يلتفت إلى الوقف إلا في الترجيح عند التعارض كما هو مبينٌ في الأصول) (٣). وخرجه الإسماعيلي في "صحيحه" بلفظ: "لو يعطى الناس بدعواهم. . لادعى رجالٌ دماء قومٍ وأموالهم، ولكن البينة على الطالب، واليمين على المطلوب" (٤). وأخرج الترمذي أنه ﷺ قال في خطبته: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه" (٥) ولكن في سنده ضعيف من جهة حفظه. والدارقطني: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة" وفيه ضعيف مع أنه مرسل، وفي رواية له: "المدعى عليه أولى باليمين إلا أن تقوم بينة" وله عنده طرقٌ متعددةٌ لكنها ضعيفة (٦). وفي رواية: أن امرأتين كانتا تخرزان في بيتٍ أو حجرة، فخرجت إحداهما وقد أُنْفِذَت الإشفى -وهي: حديدة تخرز بها- في كفِّها، فادعت على الأخرى، فرُفِعَ ذلك لابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما فقال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو يعطى الناس بدعواهم. . لذهبت دماؤهم وأموالهم" ذكِّروها باللَّه واقرؤوا عليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الآية، فذكَّروها فاعترفت، فقال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "اليمين على المدعى عليه" (٧).

стр. 534

ثم هذا الحديث قاعدةٌ عظيمةٌ من قواعد الشرع، وأصلٌ من أصول الأحكام، وأعظم مرجعٍ عند التنازع والخصام، كيف وقد علم منه أنه لا يُحكَم لأحدٍ بدعواه وإن كان فاضلًا شريفًا في حقٍّ من الحقوق وإن كان محتقرًا يسيرًا حتى يستند المدعي إلى ما يُقوِّي دعواه؟! وإلَّا. . فالدعاوى متكافئة، والأصل: براءة الذِّمم من الحقوق، فلا بد من دالٍّ على تعلُّق الحق بالذمة حتى تترجح به الدعوى. * * *

стр. 535

الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رِسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا. . فَليُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ. . فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ. . فَبِقَلْبِه وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمَانِ" (١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (عن أبي سعيد الخدري رضي اللَّه) تعالى (عنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: من رأى) أي: علم، إذ لا يشترط في الوجوب الآتي رؤية البصر، بل المدار على العلم أبصر أم لا، أو (رأى) مستعملة في حقيقتها من الإبصار، ويكون حكم المعلوم غير المبصر مقيسًا على حكم المبصر بجامع أن القصدَ دفعُ مفسدة المنكر مطلقًا. نعم؛ مَن علمَ اختلاءَ جماعةٍ بمنكرٍ، فإن كان نحو قتلٍ أو زنًا ممَّا لا يستدرك. . لزمه الهجوم لإزالته وإن كان فيه تسوُّر جدارٍ، وإن كان غير ذلك. . فلا؛ لأنه تجسُّسٌ وقد نُهينا عنه. (منكم) أي: معشر المكلفين القادرين من المسلمين (٢)، فهو خطابٌ لجميع الأمة حاضرها حينئذٍ بالمشافهة، وغائبها بطريق التبع، أو لأن حُكمه ﷺ على الواحد حكمٌ على الجماعة كما قال.

стр. 536

(منكرًا) وهو: ترك واجب، أو فعل حرام (١)، صغيرةً كان أو كبيرةً، خلافًا لما قد يتوهم من كلام الإمام الآتي. (فليغيره) وجوبًا بالشرع لا بالعقل -خلافًا للمعتزلة- على الكفاية إن علم به أكثرُ من واحدٍ، وإلَّا. . فهو فرض عينٍ، وذلك للكتاب والسنة والإجماع أيضًا (٢)، ومخالفةُ بعض الرافضة فيه لا يعتدُّ بها قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ والآيات في هذا كثيرة. وصح أنه ﷺ قال: "لتأمرُنَّ بالمعروف، ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليعمَّنَّكم اللَّه بعذابٍ من عنده" (٣). وفي حديثٍ آخر: "إن اللَّه لا يُعذِّب العامة بعمل الخاصة، ولكن إذا عُمل المنكر جهارًا. . استحقوا العقوبة كلهم" (٤) والأحاديث في ذلك كثيرةٌ أيضًا. (بيده) إن توقَّف تغييره عليها؛ ككسر أواني الخمر وآلات اللهو بشرطه الآتي، وكمنع ظالمٍ من نحو ضربٍ. (فإن لم يستطع) الإنكار بيده بأن خشي إلحاق ضررٍ ببدنه أو أخذ مالٍ له، وليس من عدم الاستطاعة مجرد الهيبة، وعلى ذلك حمل خبر الترمذي وغيره: "ألَا لا يمنعنَّ رجلًا هيبةُ الناس أن يقول بحق إذا علمه" (٥) وسيأتي لذلك مزيد.

стр. 537

(فبلسانه) أي: بقوله المرتجَى نفعُهُ (١) من نحو صياحٍ، واستغاثةٍ، وأمر من يفعل ذلك، وتوبيخٍ، وتذكيرٍ باللَّه تعالى وأليم عقابه، مع لينٍ أو إغلاظٍ حسب ما يكون أنفع، وقد يبلغ بالرفق والسياسة ما لا يبلغ بالسيف والرياسة (٢). فعلم أنه يجب التغيير بنفسه أو بإعانة غيره إن عجز، سواء أكان الآمر ممتثلًا ما أمر به أو نهى عنه أم لا. نعم؛ صح (٣): (أنه ﷺ رأى في النار قومًا يدورون كما تدور الرحى، فسأل جبريل عنهم فقال: كانوا يأمرون بالمعروف ولا يفعلونه، وينهون عن المنكر ويفعلونه) (٤). وصح أيضًا: "يُلقى العالم في النار فتندلق أقتابه، فيقال: لِمَ ذلك؟ فيقول: كنتُ آمر بالمعروف ولا أفعله، وأنهى عن المنكر وأفعله" (٥). وسواء أعلِمَ عادةً أن كلامه لا يؤثر أم لا؛ على ما في "الروضة" للمصنف (٦)، لكن خالفه كثيرون فقالوا أخذًا من أحاديث مصرحةٍ بذلك: إذا علم ذلك. . سقط الوجوب عنه، ونقل الإمام عليه الإجماع، لكنة ليس في محله، بل ظاهر كلام المصنف: أن الإجماع على الأول (٧)؛ فإنه نقله عن العلماء، وهذه الصيغة تفيد

стр. 538

الإجماع أو الأكثر منهم، وقد صرح بعض أئمة الحنابلة بنقله عن أكثر العلماء. وسواءٌ أكان الفاعل أباه أم غيره، وسواءٌ هلا أكان الآمر والناهي واليًا أم غيره إجماعًا؛ أخذًا بعموم (مَن) الشامل لذلك جميعه. نعم؛ إن خشي من عدم استئذان الإمام مفسدةً راجحةً أو مساويةً من انحرافه عليه بأنه افتأت عليه. . لم يبعد وجوب استئذانه حينئذٍ. ويشترط لجوازه ألَّا يؤدي إلى شهر سلاح، ومن ثم قال إمام الحرمين: (ويسوغ لآحاد الرعية أن يصدَّ مرتكب الكبيرة إن لم يندفع عنها بقوله ما لم ينته الأمر إلى نصب قتالٍ وشهر سلاحٍ، فإن انتهى إلى ذلك. . رُبِط بالسلطان، قال: وإذا جار والي الوقت وظهر ظلمه ولم ينزجر حين زُجر عن سوء صنيعه بالقول. . فلأهل الحل والعقد التواطؤ على خلعه. انتهى، قال المصنف: وما ذكره من خلعه غريبٌ، ومع هذا فهو محمولٌ على ما إذا لم يخف منه إثارة مفسدةٍ أعظم منه) (١). ولوجوبه تارةً وجوازه أخرى: ألَّا يخاف على نَفْسٍ (٢)، أو نحو عضوٍ، أو مالٍ له أو لغيره وإن قلَّ مفسدةً فوق مفسدة المنكر الواقع. وإيجابُ بعض العلماء الإنكار بكل حالٍ وإن قُتل المنكِرُ ونيل منه. . غلوٌّ مخالفٌ لظاهر هذا الحديث وغيره، ولا حجة لهم في خبر: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقول اللَّه تعالى له: ما منعك إذا رأيتَ كذا وكذا أن تنكره؟ فيقول: يا رب؛ خشيتُ الناس، فيقول اللَّه تعالى: أنا كنت أحق أن تخشى" (٣)؛ لأن المراد بالخشية فيه: مجرد رعايتهم مع القدرة؛ إذ لو وجب الإنكار مطلقًا. . لم يتأتَّ قوله ﷺ : "فإن لم يستطع"، وإذا جاز التلفظ بالكفر عند الخوف والإكراه كما في الآية. . فليجز ترك الإنكار لذلك بالأَولى؛ لأن الترك دون الفعل في القبح. وألَّا يغلب على ظنه أن المنهي يزيد فيما هو فيه عنادًا (٤).

стр. 539

ثم إن كان المأمور به أو المنهي عنه ظاهرًا كالصلاة والشرب. . لم يختصَّ بالعلماء، وإلَّا. . اختص بهم أو بمن علمه منهم، وأن يكون المُنكَر مجمعًا عليه، أو يعتقد فاعله تحريمه، أو حله وضعفت شبهته جدًا كنكاح المتعة؛ أي: ولا يعلم ذلك إلا بإخباره عن نفسه فيما يظهر، فمن رأى شخصًا يعلم أن مذهبه شافعي يشرب نبيذًا. . لم يجز له أن ينكر عليه؛ لاحتمال أنه قلَّد أبا حنيفة في شربه، ويحتمل خلافه تعويلًا على ظاهر حاله وأصل بقائه على مذهبه المعهود له قبل ذلك. ويؤيد الأول عموم قول المصنف وغيره: (لا إنكار في المختلف فيه؛ لأن كل مجتهدٍ مصيبٌ على المختار عند كثيرين من المحققين أو أكثرهم، وعلى الأصح أن المصيب واحدٌ، والمخطئ غير متعينٍ لنا والإثم موضوعٌ عنه) (١). وعبارة القرطبي: (ما صار إليه إمامٌ وله وجهٌ ما في الشرع لا يجوز لمن رأى خلافه أن ينكره، وهذا لا يختلف فيه) اهـ (٢) وإنما لم ينكر على الحنفي ذلك بالقول مع حدِّنا له به؛ لأن حده ليس من باب إنكار المنكر، بل لأن الحاكم يلزمه الحكم بما يراه، وأيضًا فأدلة تحليل النبيذ واهيةٌ جدًا، بخلاف نكاحه بلا وليٍّ، ومن ثم لم نحدَّه به، وهذا أَولى من جوابٍ لابن عبد السلام عن ذلك كما بينته في "شرح الإرشاد". والأَوْلى أمرُ أو نهيُ فاعلِ مختلَفٍ فيه يَرَى إباحته برفقٍ وتلطُّفٍ على وجه النصيحة؛ لأن الخروج من الخلاف سنة اتفاقًا إن لم يقع في خلافٍ آخر، أو يترك سنةً ثابتةً. فعلم أن الأمر بالمعروف في المستحب مستحبٌّ، لكن بشرط كونه برفقٍ على وجه الإرشاد والنُّصح. وعلى الإمام أن ينصب محتسبًا يأمر وينهى وإن لم يختص ذلك به، فيتعيَّن عليه ذلك دون غيره بالولاية، سواء أتمحَّض حقًا للَّه تعالى عامًا -كإقامة الجمعة بشروطه،

стр. 540

وليس له على الأصح حمل الناس على مذهبه مجتهدًا كان أو مقلدًا، فلم يزل الخلاف بين الصحابة والتابعين في الفروع ولا يُنكِر أحدٌ على غيره مجتَهَدًا فيه، وإنما ينكرون ما خالف نصًا أو إجماعًا أو قياسًا جليًا، ويأمر الناس حتمًا كما في "الروضة" وإن خالف فيه كثيرون بصلاة نحو العيد (١) - أم غير عامٍّ، فمن فوَّت صلاةً وقال: نسيانًا. . أمره بالمراقبة، ولا يعترض على من أخَّرها ما دام من الوقت ما يسعها جميعها، وينهى أئمة المساجد المطروقة عن التطويل، وينهى أيضًا عن تغيير هيئة عبادة، كجهرٍ بسريةٍ أو عكسه، وعن تصدُّرٍ لتدريسٍ أو وعظٍ بلا أهلية، والقضاة عن تعطيل الأحكام، والخونة عن معاملة النساء. أم كان محض حق آدمي عامًا فيأمر أهل المكنة إن تعذَّر بيت المال بنحو بناء سورٍ احتيج إليه، وإعانة أبناء السبيل المجتازين. أو خاصًا فينهى مدينًا موسرًا عن مطله، وجارًا عن تعدٍّ في جدار جاره، ويأمر بالحق بطلب مستحقه ولا ضرب له ولا حبس. أم اجتمع فيه الحقَّانِ فيأمر بإنكاح الأكفاء، وإيفاء العُدد، والرفق بالمماليك، وينهى عن كشف عورته بحمامٍ ويأمر بسترها، ومَنْ رآه واقفًا مع امرأةٍ بشارعٍ غير مطروقٍ بالذهاب عنها، ويقول له: إن كانت أجنبيةً. . فاتقِ اللَّه تعالى، وإن كانت محرمك. . فصُنْها عن مواقف التُّهَم. ويرفق بجاهلٍ أو ظالمٍ خاف من أمره أو نهيه، ويحرم التجسُّس والبحث واقتحام الدور بالظنون ما لم يغلب على ظنه بنحو إخبار ثقةٍ خلوةَ جماعةٍ أو واحدٍ بمنكرٍ لا يتدارك، كقتلٍ أو زنًا، فلا يحرم، بل يلزم ذلك مَنْ أمِن على نفسه وماله. واعلم: أن فرض الكفاية إذا لم يقم به أحدٌ. . أثم كل من علم به وتمكَّن منه، وكذا من جهله وكان يمكنه البحث عنه لقربه منه فتركه؛ إذ يلزمه البحث بما يليق به، ويختلف بكبر البلد وصغرها. وإذا قام الكل بفرض الكفاية ولو مرتبًا. . كان كلٌّ منهم مثابا عليه، فلا مزية

стр. 541

لبعضهم على بعض، والقيام به مع عدم تعيُّنه أفضل منه مع تعيُّنه. نعم؛ القيام بفرض عينٍ لذاته أفضل منه بفرض الكفاية ما لم يتعيَّن على خلافٍ فيه، ولا ينافي ما تقرر من الوجوب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآيةَ؛ لأنه ﷺ سُئِل عنها فقال: "ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوًى متبعًا، ودنيا مؤثرةً، وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه، ورأيت أمرًا لا يد لك به. . فعليك بنفسك. . ." الحديث (١). ففيه تصريحٌ بأن الآية محمولةٌ على ما إذا عجز المنكِر عن إزالة المنكَر، ولا شك في سقوط الوجوب حينئذٍ، على أن معناها عند المحققين: إنكم إذا فعلتم ما كُلِّفتم به. . لا يضركم تقصير غيركم، نحو: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، ومما كُلِّفنا به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا لم يمتثلهما المخاطب. . فلا عتب حينئذ؛ لأن الواجب الأمر والنهي لا القبول. (فإن لم يستطع) الإنكار بلسانه. . (فبقلبه) (٢) ينكر بأن يكره ذلك به، ويعزم أنه لو قدر عليه بقولٍ أو فعلٍ. . أزاله؛ لأنه يجب كراهة المعصية، فالراضي بها شريكٌ لفاعلها، فإن كان رضاه بها لاستحلالها. . كفر إن أُجمع عليها وعُلمت من الدين بالضرورة، أو لغلبة الهوى والشهوة. . فسق ولم يكفر، وهذا واجبٌ عينًا على كل أحد، لقدرة كل أحدٍ عليه، بخلاف اللَّذَيْنِ قبله. فعلم من الحديث وما قررته فيه أنه يجب تغيير المنكر بكل طريقٍ أمكنه، فلا يكفي الوعظ لمن أمكنه إزالته بيده، ولا كراهة القلب لمن قدر على النهي باللسان. ويرفق في التغيير بمن يخاف شره وبالجاهل، فإن ذلك أدعى إلى حصول المقصود، ومن ثم سُنَّ أن يكون متولي ذلك من أهل الصلاح والفضل، وقد قال

стр. 542

الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه: (من وعظ أخاه سرًا. . فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانيةً. . فقد فضحه وشانه) (١). ويستعين عليه بغيره إن لم يخف فتنةً من إظهار سلاح وحرب ولم يمكنه الاستقلال، فإن عجز. . رفعه للوالي، فإن عجز. . أنكره بقلبه، ومن قدر على إراقة خمرٍ غير محترمةٍ لمسلمٍ. . لزمه إراقتها، وكذا كل نبيذٍ مسكرٍ، ولا يجوز كسر الإناء إلا إذا لم تمكنِ الإراقة إلا به، أو ضاق الإناء وخاف إدراك الفسقة ومنعه أو ضاع به وقته وتعطَّل شغله، وللولاة كسرها مطلقًا زجرًا وتأديبًا، ولا يجوز إراقة خمر ذميٍّ لم يظهر شربها ولا بيعها بين أظهرنا، بل يجب ردها عليه ولو بمؤنة، وكذا المحترمة لمسلم، وهي التي عصرت بقصد الخَلِّيَّة أو لا مع قصدٍ على الأصح. ويجب كسر نحو آلة لهوٍ لكن بتفصيلها لتعود كما كانت قبل الصنعة، فإن رضَّها أو أحرقها. . ضمن ما فوق المشروع إلا إن تعذَّر المشروع لنحو دفع مَنْ بيده أو غيره مما مر في إناء الخمر، وإذا أمكن المحتسب إلزام مالكه. . كسره، فينبغي أن يأمره به ولا يباشره، لعسر الوقوف على المشروع. وللصبي إزالة المنكر ويثاب عليه كالبالغ، وليس ذلك لكافرٍ، وللولاة كسره مطلقًا زجرًا. (وذلك) أي: الإنكار بالقلب للعجز عنه بغيره (أضعف الإيمان) أي: خصاله، فالمراد به: الإسلام أو آثاره ومقتضياته وثمراته، فالمراد به: حقيقته من التصديق بما مر في حديث جبريل (٢)، وفي رواية: "وهو أضعف الإيمان، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (٣)، وكون ذلك أضعفه: أنه لم يبق وراء هذه المرتبة مرتبةٌ أخرى، ومنه يُستفاد: أن عدم إنكار القلب للمسلم دليلٌ على ذهاب الإيمان منه. ومن ثم قال ابن مسعود: (هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر) (٤) أي:

стр. 543

لأن ذلك فرضٌ لا يسقط عن أحدٍ بحال، والرضا به من أقبح المحرمات، أو أن ذلك أقل ثمرة. قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (وقد ضُيِّع الإنكار من أزمان متطاولة، ولم يبقَ منه في هذه الأزمنة إلا رسومٌ قليلةٌ جدًا، وهو بابٌ عظيمٌ به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث. . عمَّ العقابُ الصالحَ والطالحَ، وإذا لم يأخذوا على أيدي الظالم. . يوشك أن يعمهم اللَّه تعالى بعقابه -أي: كما قال ﷺ : "ما من قومٍ يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيِّروا فلا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم اللَّه بعقاب" رواه أبو داوود (١)، وفي روايةٍ: "إلا أصابهم اللَّه بعقابٍ قبل أن يموتوا" (٢)، وفي أخرى: "إلا عمهم اللَّه بعقاب" (٣)، وفي أخرى: "فإذا فعلوا ذلك -أي: عدم الإنكار مع القدرة عليه-. . عذب الخاصة والعامة" (٤) - ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فينبغي لطالب الآخرة والساعي في رضا اللَّه تعالى أن يعتني بهذا الباب؛ فإن نفعه عظيم، ولا يهاب من ينكر عليه لارتفاع مرتبته؛ فإنه تعالى قال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ والأجر على قدر النصب، ولا يحابي نحو صديقٍ؛ فإن حقَّ الصديق أن ينصح صديقه ويهديه إلى مصالح آخرته، ويُنقذه من مضارِّها، ويسعى في عمارة آخرته وإن نقصت دنياه، بخلاف العدو، فإنه الذي يسعى في فساد الآخرة وإن حصل به صورة نفعٍ دنيوي؛ ولذا كانت الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم أولياء المؤمنين، وإبليس لعنه اللَّه تعالى عدوهم. ومما يتساهل فيه الناس أنهم يرون من يبيع المعيب فلا يبينونه للمشتري ولا ينكرونه على البائع، وهم مسؤولون عنه، والدين النصيحة، ومن لم ينصح. . فقد غشَّ، وقد نصَّ العلماء على أنه يجب على مَنْ علم ذلك أن ينكر على البائع ويعرِّف المشتري.

стр. 544

وإنما أطلت الكلام في هذا الباب؛ لعظم فائدته، وكثرة الحاجة إليه، وكونه من أعظم قواعد الإسلام) انتهى ملخصًا (١). وهو حسنٌ نافعٌ، لكن أين الآن من يقبل النصيحة وقد اتُّبِع الهوى، وغلب الشح، وأُعجب كل ذي رأيٍ برأيه؟! فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللهم، وإذا أردت بالناس فتنةً. . فاقبضنا إليك غير مفتونين، واحفظ علينا الإيمان إلى أن نلقاك وأنت راضٍ عنا بكرمك، إنك رؤوف رحيم، وهَّاب كريم. (رواه مسلم) بسنده عن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد مروان، فقام إليه رجلٌ فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا. . فقد قضى ما عليه، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرًا. . فليغيره بيده. . ." الحديث. وبه يعلم بطلان ما نقل: أن عثمان أو عمر فعل ذلك، لتصريحه بحضرة جمعٍ من الصحابة بأنه منكر، المستلزمِ أنه لم يعمل به أحدٌ قبل مروان، وإلَّا لو سبقه إليه أحد ذينك الإمامينِ. . لم يسمِّه أبو سعيد منكرًا، ومن ثم حكى بعضهم الإجماع على تقديم الصلاة على الخطبة يوم العيد، ولم يلتفت إلى خلاف بني أمية بعد إجماع الخلفاء والصدر الأول. وإنما تأخر عن تغييره حتى أنكره ذلك الرجل، لاحتمال أنه لم يحضر أول ما شرع مروان في أسباب تقديم الخطبة، ثم دخل وهما في الكلام، أو أنه كان حاضرًا، لكنه خاف على نحو نفسه أو غيره فتنةً لو أنكر، ولم يخف ذلك الرجل لنحو قوة عشيرته أو خاف وخاطر، وذلك جائزٌ، بل مندوبٌ، أو أن أبا سعيدٍ همَّ بالإنكار فبدره ذلك الرجل فعضده أبو سعيد. ولا تعارض روايةَ مسلم تلك روايتُه كالبخاري: أن أبا سعيد هو الذي أخذ بيد مروان حين رآه يصعد المنبر وكانا جاءا معًا، فردَّ عليه مروان بمثل ما ردَّ هنا على

стр. 545

الرجل (١)؛ لاحتمال أنهما قضيتان، إحداهما لأبي سعيد، والأخرى للرجل بحضرة أبي سعيد. وأقولُ: سلَّمنا أن القضية واحدةٌ، لكنه يحتمل أن أبا سعيد لمَّا أخذ بيد مروان وردَّ عليه. . قام إليه ذلك الرجل وعضده بقوله: الصلاة قبل الخطبة، فرد عليه مروان بمثل ما ردَّ به على أبي سعيد، فعضده أبو سعيد ثانيًا بسياقه الحديث. قال القرطبي بعد أن ذكر نحو ما تقرر في قضية مروان: (فيه أن سنن الإسلام لا يجوز تغيير شيءٍ منها ولا من ترتيبها، وأن ذلك منكرٌ يجب تغييره بإنكاره ولو على الملوك إذا قدر عليه ولم يَدْعُ إلى منكرٍ أكثر منه) اهـ (٢) وهذا الحديث يصلح أن يكون ثلث الإسلام؛ لأن الأحكام ستة: الواجب، والمندوب، والمباح، وخلاف الأَوْلى، والمكروه، والحرام. والمستفاد منه حكم الأول، وهو أنه يجب الأمر به، والأخير، وهو أنه يجب النهي عنه. وعبَّر بعضهم بأنه نصفٌ، وبيَّنه بأن أعمال الشريعة إما معروفٌ يجب الأمر به، أو منكرٌ يجب النهي عنه؛ أي: وهو إنما بيَّن الثاني، وهو غير سديدٍ؛ لأن ما عدا الأول والأخير مما ذكر لا يجب الأمر به ولا النهي عنه كما مر، على أنه كما بيَّنَ الثاني؛ أعني: وجوب النهي عن المنكر. . بيَّنَ الأول؛ لأن المنكر يشمل ترك الواجب، وفعل الحرام كما مر، فتغيير الأول بالأمر بالواجب، والثاني بالنهي عن الحرام، فعليه: كان المناسب أن يقال: إنه كل الإسلام لا نصفه. * * *

стр. 546

الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم] عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يكْذِبُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَهُنَا -وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَراتٍ- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (عن أبي هريرة رضي اللَّه) تعالى (عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لا تحاسدوا) أي: لا يحسد بعضكم بعضًا، وأصله بتاءين، حُذفت إحداهما تخفيفًا، وكذا فيما بعده، وهل هي تاء المضارعة أو تاء الكلمة؟ فيه خلاف، وقد أجمع الناس من المشرعين وغيرهم على تحريم الحسد وقُبحه، ونصوص الشرع الواردة بذلك كثيرةٌ في الكتاب والسنة، منها: "إياكم والحسد؛ فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب -أو قال-: العشب" رواه أبو داوود والحاكم وغيرهما (٢). وأخرج أحمد والترمذي: "دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، حالقة الدِّين لا حالقة الشَّعر، والذي نفسي بيده، لا تؤمنوا حتى تحابوا. . ." الحديث (٣).

стр. 547

وهو لغةً وشرعًا: تمني زوال نعمة المحسود وعودها إليك، من: (حسد يحسُد) بضم عين مضارعه وكسرها حَسْدًا وحَسَدًا -بالتحريك- وحسادة، يتعدَّى بنفسه وبـ (على). وأما قوله ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين. . . " الحديث (١). . فليس إباحةً للحسد فيهما؛ لأنه لا يباح بوجهٍ من الوجوه، وإنما المراد به: الغبطة؛ أي: ليس شيءٌ من الدنيا حقيقًا بالغبطة عليه إلا هاتان الخصلتان: العلم، وإنفاق المال في سبيل اللَّه تعالى (٢)، وفارقت الحسد بأن فيه مع تمني مثل ما للغير تمني زواله عنه، وهي ليس فيها إلا تمني الأول فقط. ووجه ذمه وقبحه: أنه اعتراضٌ على الحق ومعاندة له؛ حيث أنعم على غيره، مع محاولته نقض فعله تعالى وإزالة فضله، ومن ثم قال أبو الطيب: [من الطويل] وأظلمُ أهلِ الأرضِ مَنْ كان حاسدًا ... لمن بات في نعمائه يتقلَّبُ (٣) ومن الحكمة: أن الحسود لا يسود. ولقد أُنشد: [من البسيط] دعِ الحسودَ وما يلقاهُ من كمدِهْ ... كفاكَ منهُ لهيبُ النَّارِ في كبدِهْ إن لُمتَ ذا حسدٍ نفَّستَ كربتَهُ ... وإن سكتَّ فقد عذبتَهُ بيدِهْ ومما يوضح ظلمه: أنه يلزمه أن يحبَّ لمحسوده ما يحب لنفسه، وهو لا يحب لها زوال نعمتها، فقد أسقط حقَّ محسوده عليه، وأن في الحسد تعبَ النفس وحزنها

стр. 548

من غير فائدةٍ وبطريق محرمٍ، فهو تصرفٌ رديءٌ: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآيةَ. ثم الحسد -وإن ركز في الطبع البشري؛ إذ الإنسان بطبعه يودُّ ألَّا يفوقه أحدٌ من جنسه في شيءٍ من الفضائل- ينقسم أهله إلى أقسام: فمنهم من يسعى بقوله وفعله في نقل نعمة المحسود إلى نفسه، أو في مطلق نقلها، وهو شرهما وأخبثهما. ومنهم من لم يعمل بمقتضى حسده ولم يسعَ على المحسود بقولٍ ولا فعلٍ، وعن الحسن أن هذا غير آثمٍ، ورُوي مرفوعًا من وجوهٍ ضعيفة (١). وظاهرٌ أن محله إن عجز عن إزالته من نفسه وجاهدها في تركه ما استطاع، بخلاف من يحدِّث به نفسه اختيارًا مع تمني زوال نعمة المحسود، فهذا لا شك في تأثيمه، بل تفسيقه وإن قال بعضهم: هذا شبيهٌ بالعزم المصمم، وفي العقاب به خلافٌ بين العلماء. ومنهم من إذا حسد. . لم يتمنَّ زوال نعمة المحسود، بل يسعى في اكتساب مثل فضائله، فإن كانت دنيويةً. . فلا خير فيه، أو دينيةً. . فهو حسنٌ، وقد تمنَّى ﷺ الشهادة في سبيل اللَّه . (ولا تناجشوا) أي: لا ينجُش بعضكم على بعضٍ بأن يزيد في المبيع لا لرغبةٍ فيه بل ليخدع غيره (٢)، من: (نجشت الصيد) إذا أثرتَه، كأن الناجش يثير كثرة الثمن بنجشه، وحرم إجماعًا على العالِمِ بالنهي، سواءٌ أكان بمواطأة البائع أم لا؛ لأنه غشٌّ وخداعٌ، وهما محرمان: "من غشَّنا -وفي رواية: من غش-. . فليس منا" (٣) ولأنه ترك النصح الواجب.

стр. 549

ثم النهي هنا قيل: للبطلان بناءً على أنه يقتضي الفساد مطلقًا، والأصح عندنا: خلافه؛ لأن الأصح في الأصول: أن النهي إن كان لذات المنهي عنه أو لوصفه اللازم كالركن والشرط. . اقتضى الفساد في العبادة والمعاملة، وإن كان لأمرٍ خارجٍ أو وصفٍ غير لازم. . فلا فيهما (١)، ولا خيار للمشتري عندنا؛ لتقصيره بموافقة الناجش على الزيادة مع عدم الخبرة، فهو كالمغبون (٢)، ولا خيار له عندنا أيضًا؛ كمن اشترى زجاجةً يظنها جوهرةً، وفارق خياره في التصرية بأنه لا تقصير يُنسَب إليه بوجهٍ. ويصح أن يفسَّر النجش هنا بما هو أعم من ذلك؛ لأن النجش لغةً: إثارة الشيء بالمكر والحيلة والمخادعة، وحينئذٍ فالمعنى: لا تتخادعوا، ولا يعامل بعضكم بعضًا بالمكر والاحتيال وإيصال الأذى إليه؛ قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. وفي حديث: "من غشنا. . فليس منا، والمكر والخداع في النار" (٣). وروى الترمذي: "ملعونٌ من ضارَّ مسلمًا أو مكر به" (٤)، فعُلِم أنه يدخل في التناجش المنهي عنه هنا جميع أنواع المعاملات بالغش ونحوه؛ كتدليس العيوب وكتمها، وخلط الجيد بالرديء (٥). وما أحسن قول أبي العتاهية: [من الخفيف] ليس دنيا إلا بدينٍ وليس الد ... ين إلا مكارم الأخلاق إنما المكر والخديعة في النا ... ر هما من خصال أهل النفاق نعم؛ يجوز المكر بمن يحل أذاه وهو الحربي، ومن ثم قال ﷺ : "الحرب خدعة" (٦).

стр. 550

(ولا تباغضوا) أي: لا يُبْغِض بعضكم بعضًا؛ أي: لا تتعاطوا أسباب البغض؛ لأنه قهريٌّ كالحُبِّ لا قدرة للإنسان على اكتسابه، ولا يملك التصرف فيه؛ كما قال ﷺ لما كان يقسم بين نسائه ويعدل: "اللهم؛ هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك" يعني القلب أو الحب والبغض، رواه أبو داوود والترمذي والنسائي (١)؛ وهو: النفرة من الشيء لمعنًى فيه مستقبح، ويرادفه الكراهة. ثم هو بين اثنين إما من جانبيهما، أو من جانب أحدهما، وعلى كلٍّ فهو لغير اللَّه تعالى حرامٌ، وهو محمل الحديث، وله واجبٌ أو مندوبٌ (٢)، قال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، وقال ﷺ : "من أحب للَّه وأبغض للَّه وأعطى للَّه. . فقد استكمل الإيمان" (٣). قال بعضهم: ويثاب المتباغضان للَّه على غَيرتهما له وتعظيم حقه وإن كان أحدهما مخطئًا؛ لأن الفرْض أن كلًّا منهما أدَّاه اجتهاده إلى اعتقادٍ أو عملٍ ينافي اجتهادَ الآخر، فيبغضه على ذلك، وهو معذورٌ عند اللَّه تعالى بخروجه عن عهدة التكليف بالاجتهاد، وأرجو أن غالب طوائف الأمة وفِرَقَها من هذا الباب ما لم يتضمن رأيُ بعضها كفرًا أو فسقًا بواحًا؛ إذ أكثر العقائد المختلف فيها بين الأمة اجتهاديٌّ أو ملحقٌ به. اهـ والذي يتجه: أن من علم أن مخالفة غيره له إنما نشأت عن اجتهادٍ لكونه من أهله. . لا يجوز له بغضه؛ لأنه حينئذ ليس للَّه؛ إذ الذي له هو ما يكون لأجل المعصية ولا معصية هنا؛ لأن المجتهد مأجورٌ وإن أخطأ. وعلى ما قررته يحمل قول بعضهم: (لمَّا كثر اختلاف الناس في مسائل الدين وكثر تفرقهم. . كثر بسبب ذلك تباغضهم وتلاعنهم، وكلٌّ منهم يظهر أنه يبغض للَّه، وقد

стр. 551

يعذر في نفس الأمر وقد لا يعذر؛ لاتباعه لهواه وتقصيره في البحث عن معرفة ما يبغض عليه، فإن كثيرًا من البغض لذلك إنما يقع ممن يظن أنه لا يقول إلا الحق فيما خولف فيه، وهذا الظن خطأٌ قطعًا، فإن أراد أنه لا يقول إلا الحق فيما خولف فيه. . فهذا الظن قد يخطئ وقد يصيب؛ إذ قد يحمله على الميل إليه مجرد هوًى أو إلفٍ أو عادةٍ، فالواجب عليه أن ينصح نفسه ويتحرَّز غاية التحرز، وما أشكل منه. . فليجتنبه خشية أن يقع فيما نُهي عنه من البغض المحرم. وهاهنا دسيسةٌ ينبغي التفطُّن لها، وهي أن المجتهد بحقٍّ قد يرى رأيًا مرجوحًا، فهو وإن أُثيب عليه قد لا يكون المنتصر لقوله كذلك، وهو ما إذا قصد بانتصاره له أنه من أقوال متبوعه، ولو كان من أقوال غيره. . لم ينتصر له؛ لأن انتصاره حينئذٍ مشوبٌ بإرادة علوِّ متبوعه وظهور كلمته وألَّا ينسب إلى الخطأ، وهذا كله قادحٌ في قصد الانتصار للحق، فافهم ذلك؛ فإنه مهمٌّ ويخفى على كثيرين) (١). وفي خبر مسلم: "والذي نفسي بيده؛ لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا" (٢). وقد بيَّن تعالى من يوقع بيننا العداوة والبغضاء، فقال عز قائلًا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، وامتنَّ تعالى على عباده إذ ألَّف بين قلوبهم فقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾، ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾. ومن ثم كانت النميمة من أفحش الكبائر؛ لما فيها من إيقاع العداوة والبغضاء، وجاز الكذب للإصلاح. (ولا تدابروا) أي: لا يُدْبر بعضكم عن بعض (٣)؛ أي: لا يعرض عما يجب له

стр. 552

عليه من حقوق الإسلام؛ كالإعانة، والنصر، وعدم الهجران في الكلام أكثر من ثلاثة أيام إلا لعذرٍ شرعي؛ كرجاء صلاح أحدهما، ووجه مغايرته لما قبله: أن الشخص قد يبغض صاحبه عادةً ويوفيه حقوقه، وقد يعرض عنه لنحو تهمةٍ أو تأديبٍ وهو يحبه. (ولا يبع) نهي تحريمٍ عندنا وعند جمهور العلماء، وفي اقتضائه البطلان ما مر في النجش كما يأتي. (بعضكم) أي: معشر المكلفين من المسلمين والذميين، والتقييد بالمسلم في الأخبار جريٌ على الغالب (١)، خلافًا لمن أخذ بمفهومه. (على بيع بعض) فلا يجوز لأحدٍ بغير إذن البائع -كما في رواية "الصحيحين" (٢) - أن يقول لمشتري سلعةٍ في زمن الخيار: افسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله بأرخص من ثمنه أو أجود منه بثمنه، وذلك لما فيه من الإيذاء الموجب للتنافر والبغض، ومن ثم ورد في نحو ذلك: "إنكم إذا فعلتم ذلك. . قطعتم أرحامكم" (٣). ومثله الشراء على الشراء بغير إذن المشتري بأن يقول آخر للبائع في زمن الخيار: افسخه وأنا اشتريه منك بأغلى، أما بعد انقضاء زمن الخيار. . فلا تحريم، خلافًا لجمعٍ من الحنابلة؛ إذ لا مقتضي له. وَزَعْمُ أنه قد يلح عليه حتى يُقيله فيؤدي إلى ضرره (٤). . يُرَدُّ بأنه متمكنٌ من عدم الرد، فإن اختاره. . كان هو المضر بنفسه، والإلحاح إنما يقتضي تحريم ذاته؛ لأنه إضرارٌ بالملحوح عليه.

стр. 553

وكذلك يحرم السوم على سوم غيره؛ كما في رواية مسلم (١)، والخِطبة على خِطبة الغير؛ كما في رواية "الصحيحين" (٢) وكل ما في معنى ذلك مما ينفر القلوب ويورث التباغض إلا أن يرضى من له الحق؛ لأنه حقه فله تركه، ولزوال علة التنافر حينئذ. والسوم المحرم: هو أن يزيد في الثمن بعد استقراره صريحًا، أو يعرض على المشتري أرخص منه، وتحريمه بعد البيع وقبل لزومه الذي هو البيع على البيع أو الشراء على الشراء كما تقرر. . أشد، وقولُ ابن كج من أصحابنا: يجوز ذلك إن رآه مغبونًا. . ضعيفٌ، والأوجه: الحرمة مطلقًا. وبيعُ رجلٍ قبل اللزوم من المشتري عينًا مثل المشتراة بأقل. . كالبيع على البيع، وطلبها قبله أيضًا من المشتري بأكثر. . كالشراء على الشراء. وشرطُ التحريم هنا وفي النجش: علمُ النهي، والبيع والشراء هنا صحيحٌ أيضًا وإن حرم؛ لأن التحريم لمعنًى خارجٍ عن الذات ولازمها نظير ما مر، وتجوز الزيادة في الثمن قبل استقراره. (وكونوا عباد اللَّه) أي: يا عباد اللَّه (إخوانًا) أي: اكتسبوا ما تصيرون به إخوانًا مما سبق ذكره وغيره من فعل المؤلِّف، وترك المنفِّر بأن تتعاملوا وتتعاشروا معاملة الإخوة ومعاشرتهم في المودة، والرفق، والشفقة، والملاطفة، والتعاون في الخير، مع صفاء القلوب، والنصيحة بكل حال، فعُلم أن هذا كالتعليل لما قبله، وكأنه قال: إذا تركتم التحاسد وما بعده. . كنتم إخوانًا، وإلَّا. . كنتم أعداء. وفي قوله: (عباد اللَّه) إشارة إلى أنكم عبيده، فحقكم أن تطيعوه بأن تكونوا كالإخوان فيما مر، ووجه طاعة اللَّه تعالى في كونهم إخوانًا: التعاضد على إقامة دينه وإظهار شعائره؛ إذ بدون ائتلاف القلوب لا يتمُّ ذلك؛ كما يفيده قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ الآيةَ.

стр. 554

وعُلم أيضًا أن هذا فيه أمرٌ باكتساب ما يصير به المسلمون إخوانًا على الإطلاق من أداء حقوق المسلم على المسلم؛ كردِّ السلام وابتدائه، وتشميتِ العاطس، وعيادةِ المريض، وتشييعِ الجنائز، وإجابةِ الدعوى، والنصحِ (١). وروى الترمذي: "تهادوا؛ فإن الهدية تُذْهب وَحَر الصدر" (٢)، وفي رواية: "تهادوا تحابوا" (٣)، والبزار: "تهادوا؛ فإن الهدية تسلُّ السخيمة" (٤)، وروي: "تصافحوا؛ فإنه يذهب الشحناء وتهادوا" (٥). ويدل على أن هذا الذي تقرر هو المراد من ذلك قولُه ﷺ عقبه على جهة التأكيد والبيان له والاستعطاف المفهوم منه: (المسلم أخو المسلم) أي: لأنه يجمعهما دينٌ واحدٌ، ومن ثَمَّ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ فهو كالأُخُوَّةِ الحقيقية؛ وهي أن تجمع الشخصين ولادةٌ من صلبٍ أو رحمٍ أو منهما، بل الأخوة الدينية أعظم من الأخوة الحقيقية؛ لأن ثمرة هذه دنيوية، وثمرة تلك أخروية، وفي "الصحيحين": "مثل المؤمنين في توادِّهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ. . تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" (٦). وروى أبو داوود: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن يكفُّ عنه ضيعته، ويحوطه من ورائه" (٧). والترمذي: "إن أحدكم مرآة أخيه، فإن رأى به أذًى. . فليمطه عنه" (٨). (لا يظلمه) أي: لا يُدخِل عليه ضررًا في نحو نفسه، أو دينه، أو عرضه، أو

стр. 555

ماله بغير إذنٍ شرعيٍّ؛ لأن ذلك قطيعةٌ محرمةٌ تنافي أخوة الإسلام، بل الظلم حرامٌ حتى للذمي، فالمسلم أَولى (١). (ولا يخذُله) أي: لا يترك نصرته المشروعة، سيما مع الاحتياج أو الاضطرار إليها، لأن من حقوق أخوة الإسلام التناصر؛ قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾، وقال ﷺ : "انصر أخاك ظالمًا -أي: بأن تكفَّه عن ظلمه؛ كما في رواية البخاري- أو مظلومًا" (٢) أي: بأن تدفع عنه من يظلمه، فالخذلان محرمٌ شديد التحريم، دنيويًا كان مثل أن يقدر على دفع عدوٍّ يريد أن يبطش به فلا يدفعه، أو دينيًا مثل أن يقدر على نصحه عن غيِّه بنحو وعظٍ فيترك. وروى أبو داوود: "ما من امرئٍ مسلمٍ يخذل امرأً مسلمًا في موضعٍ تُنتهك فيه حرمته، ويُنتقَص فيه من عرضه إلا خذله اللَّه في موضعٍ يحب فيه نصرته" (٣). وأحمد: "من أُذِلَّ عنده مؤمنٌ فلم ينصره وهو يقدر على أن ينصره. . أذلَّه اللَّه على رؤوس الخلائق يوم القيامة" (٤). والبزار: "من نصر أخاه بالغيب وهو يستطيع نصره. . نصره اللَّه في الدنيا والآخرة" (٥). (ولا يكذبه) بضم أوله وإسكان ثانيه؛ كما ضبطه المصنف (٦)؛ أي: لا يخبره بأمرٍ على خلاف الواقع لغير مصلحة تألُّفِ وصيانةِ نحوِ نفسٍ أو مالٍ؛ لأنه لغير ما ذُكِر

стр. 556

غشٌّ وخيانةٌ، ومن ثم كان أشدَّ الأشياء ضررًا، والصدق أشدَّها نفعًا؛ ولهذا علَتْ مرتبته على مرتبة الإيمان؛ لأنه إيمانٌ وزيادة؛ قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾؛ ولأنه يرادف التقوى بدليل: ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ وهي أخص من الإيمان، فكذا رديفها. وبالجملة: فقُبْحُ الكذب مشهورٌ معلومٌ لكل ذي لبٍّ مستقيم؛ إذ ترك الفواحش كلها بتركه، وفعلها بفعله، فموضعه من القبح كموضع الصدق من الحسن؛ ولذا أجمعوا على تحريمه إلا لضرورةٍ أو مصلحةٍ (١). (ولا يحقره) بفتح أوله وبالمهملة والقاف؛ أي: لا يستصغر شأنه ويضع من قدره؛ لأن اللَّه تعالى لمَّا خلقه. . لم يحقره، بل رفعه وخاطبه وكلَّفه، فاحتقاره تجاوزٌ لحدِّ الربوبية في الكبرياء، وهو ذنبٌ عظيم، ومن ثم قال ﷺ : "بحسب امرئٍ من الشر. . . إلخ". ورُوي بضم أوله وبالمعجمة والفاء (٢)؛ أي: لا يغدر عهده، ولا ينقض أمانته، قال عياض: (والصواب المعروف هو الأول، وهو الموجود في غير "كتاب مسلم") (٣) ويؤيده رواية: "ولا يحتقره". ومعنى هذه الجمل: أن من حقِّ الإسلام وأُخُوَّتِه ألَّا يَظلم المسلم أخاه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره، وللإسلام حقوقٌ أُخر ذُكرتْ في غير هذا الحديث، وقد جمعت في قوله ﷺ : "حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".

стр. 557

فالاحتقار ناشئٌ عن الكِبر، لخبر مسلم: "الكبر بطر الحق وغمص الناس" (١) بمعجمة ثم مهملة، وفي روايةٍ لأحمد: "الكبر سفه الحق وازدراء الناس" (٢)، وفي روايةٍ: "لا يعد الناس، فلا يراهم شيئًا" أي: لأن المتكبر ينظر لنفسه بعين الكمال، ولغيره بعين النقص، فيحتقرهم ويزدريهم، ولا يراهم أهلًا لأن يقوم بحقوقهم. وتخصيص ذلك بالمسلم لمزيد حرمته، لا للاختصاص به من كل وجه؛ لأن الذمي يشاركه في حرمة ظلمه وخذلانه بنحو ترك دفع عدوه عنه، والكذب عليه، واحتقاره. نعم؛ احتقاره من حيث الكفرُ القائم به جائزٌ؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾. (التقوى) وهي: اجتناب عذاب اللَّه تعالى بفعل المأمور وترك المحظور (ههنا، ويشيرُ) بيديه (إلى صدره ثلاث مرات) أي: محل مادَّتها من الخوف الحامل عليها القلبُ الذي هو عند الصدر؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ فلا عبرة بظواهر الصور، ومن ثم قال ﷺ : "إن اللَّه لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم" (٣) أي: أن الأعمال الظاهرة لا تحصل بها التقوى، وإنما تحصل بما يقع في القلب من عظمة اللَّه تعالى وخشيته ومراقبته، فمن ثم كان نظر اللَّه تعالى بمعنى مجازاته ومحاسبته على ما في القلب من خيرٍ وشرٍّ دون الصور الظاهرة؛ إذ الاعتبار في هذا كلِّه بالقلب؛ كما أفاده قوله ﷺ : "أَلَا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت. . صلح الجسد كله، وإذا فسدت. . فسد الجسد كله، أَلَا وهي القلب" (٤). وفي الحديث دليلٌ على أن العقل في القلب دون الرأس، ومرَّ ما في ذلك مستوفًى، ووجه مناسبة هذا لما قبله: الإعلامُ بأن كرم الخلق عند اللَّه تعالى إنما هو

стр. 558

بالتقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، فَرُبَّ حقيرٍ أعظم قدرًا عند اللَّه من كثيرين من عظماء الدنيا، وسئل ﷺ : من أكرم الناس؟ فقال: "أتقاهم للَّه " (١)، وفي حديث آخر: "الكرم التقوى" (٢). وفي "الصحيحين": "أَلَا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيفٍ متضعِّفٍ لو أقسم على اللَّه. . لأبره، أَلَا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جوَّاظ مستكبر" (٣). وروى أحمد: "أما أهل الجنة. . فكل ضعيفٍ مستضعفٍ أشعث ذي طمرين لو أقسم على اللَّه. . لأبره. . . " الحديث (٤). وفي "الصحيحين": "تحاجَّتِ الجنة والنار، فقالت النار: أنا أُوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسَقَطهم، فقال تعالى للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أُعذِّب بك من أشاء من عبادي" (٥). وروى أحمد: "افتخرتِ الجنةُ والنار، فقالت النار: يا رب؛ يدخلني الجبابرة والمتكبرون والملوك والأشراف، وقالت الجنة: يا رب؛ يدخلني الفقراء والضعفاء والمساكين. . . " وذكر الحديث (٦). وروى البخاري: مرَّ رجلٌ على رسول اللَّه ﷺ فقال لرجلٍ عنده جالسٍ: "ما رأيك في هذا؟ " فقال: رجلٌ من أشراف الناس، هذا واللَّه؛ حريٌّ إن خطب. . أن ينكح، وإن شفع. . أن يشفَّع، فسكت ﷺ ، ثم مرَّ رجلٌ آخر، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "ما رأيك في هذا؟ " قال: يا رسول اللَّه؛ هذا رجلٌ من فقراء المسلمين، هذا حريٌّ إن خطب. . ألَّا ينكح،

стр. 559

وإن شفع. . ألَّا يشفَّع، وإن قال. . ألَّا يسمع لقوله، فقال ﷺ : "هذا خيرٌ من ملء الأرض من مثل هذاك" (١). (بحَسْب) بإسكان السين (امرئٍ من الشر) أي: يكفيه منه في أخلاقه ومعاشه ومعاده (أن يحقر أخاه المسلمَ) (٢) كرره لتأكيد حرمة المسلم، ففيه تحذيرٌ أيُّ تحذيرٍ من احتقاره؛ لما مر أن اللَّه تعالى لم يحتقره؛ إذ أحسن تقويم خلقه، وسخَّر ما في السماوات والأرض كلَّه لأجله. ومشاركة غيره له فيه إنما هي بطريق التبع، وسماه مسلمًا ومؤمنًا وعبدًا، وجعل الأنبياء الذين هم أفضل المخلوقات من جنسه، فكان احتقاره احتقارًا لما عظَّمه اللَّه تعالى وشرَّفه، وهو من أعظم الذنوب والجرائم، ومن ثم قال ﷺ : "لا يدخل الجنة مَنْ في قلبه مثقال ذرةٍ من كِبْرٍ" رواه مسلم (٣). ومنه ألَّا يبدأه بالسلام احتقارًا له، أو لا يرده عليه، وليس من ذلك تقديم العالم على الجاهل، والعدل على الفاسق؛ لأنه ليس لذات المسلم، بل لوصفه المذموم، حتى لو زال عنه. . عاد إليه التعظيم والإجلال والاعتناء به والاحتفال. (كل) مبتدأ (المسلم) فيه ردٌّ على من زعم أن (كلًّا) لا تضاف إلا إلى نكرة (على المسلم حرامٌ) خبره، ويبدل منه (دمه وماله وعرضه) أي: حسبه، وهو مفاخره ومفاخر آبائه, وقد يراد به النفس؛ كأكرمت عنه عرضي؛ أي: صُنتُ عنه نفسي، وفلانٌ نقي العرض؛ أي: بريءٌ من أن يُشتَم أو يُعاب، وحمله هنا على المعنى الثاني يلزمه تكرار؛ إذ هو حينئذٍ مرادفٌ للدم الذي هو عبارة عن النفس. وأدلة تحريم هذه الثلاثة مشهورةٌ في الكتاب والسنة وإجماع الأمة فلا نطيل بها، وجعلُها كلَّ المسلم وحقيقتَه؛ لشدة اضطراره إليها، أما الدم. . فلأن به حياته ومادته، والمال. . فهو مادة الحياة، والعرض به قيام صورته المعنوية.

стр. 560

واقتصر عليها؛ لأن ما سواها فرعٌ عليها، وراجعٌ إليها؛ لأنه إذا قامت الصورة البدنية والمعنوية. . فلا حاجة إلى غير ذلك، وقيامهما بتلك الثلاثة لا غير، ولكون حرمتها هي الأصل والغالب لم يحتج إلى تقييدها بما إذا لم يعرض ما يبيحها شرعًا كالقتل قودًا، وأخذ مال المرتد فيئًا، وتوبيخ المسلم تعزيرًا، ونحو ذلك. وقوله في رواية: "إلا بحقها" لمزيد الإيضاح والبيان، وأخذ بعضُ الصحابةِ حبلَ آخرٍ، ففزع، فقال ﷺ : "لا يحل لمسلمٍ أن يروع مسلمًا" رواه أبو داوود (١). وروى أحمد وأبو داوود والترمذي: "لا يأخذ أحدكم عصا أخيه لاعبًا جادًا" (٢) أي: لا يأخذ متاعه ليغيظه؛ لأنه حينئذٍ وإن كان لاعبًا في مذهب السرقة هو جادٌّ في إدخال الأذى والروع عليه. وفي "الصحيحين" وغيرهما: "لا يتناجى اثنان دون الثالث؛ فإنه يحزنه" (٣) وفي رواية: "فإن ذلك يؤذي المؤمن واللَّه يكره أذى المؤمن" (٤). وروى أحمد: "لا تؤذوا عباد اللَّه، ولا تعيروهم، ولا تطلبوا عوراتهم؛ فإن من طلب عورة أخيه المسلم. . طلب اللَّه عورته حتى يفضحه في بيته" (٥). (رواه مسلم) وهو حديثٌ كثير الفوائد، عظيم العوائد، مشيرٌ إلى جُلِّ المبادئ والمقاصد، بل هو عند تأمل معناه وفهم مغزاه حاوٍ لجميع أحكام الإسلام منطوقًا ومفهومًا، ومشتملٌ على جميع الآداب أيضًا إيماءً وتحقيقًا. وقول ابن المديني: في بعض رواته مجهولٌ. . غيرُ مسلَّمٍ له، أو أراد أنه مجهول الاسم؛ فإنه لا يعرف إلا بكنيته، ومن ثم وهم فيه الثوري.

стр. 561

ورواه الترمذي بلفظ: "المسلم أخو المسلم، لا يخونه، ولا يكذبه، ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام: عرضه، وماله، ودمه، التقوى هاهنا، بحسب امرئٍ من الشر أن يحتقر أخاه المسلم" (١). وخرجاه في "الصحيحين" بلفظ: "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا" (٢) وله طرقٌ أخرى عظيمة كثيرة. * * *

стр. 562

الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا. . نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ. . يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا. . سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا. . سَهَلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، ومَنْ بَطَّأَ بهِ عَمَلُهُ. . لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ (١). (عن أبي هريرة رضي اللَّه) تعالى (عنه، عن النبي ﷺ قال: من نفَّس) أي: أزال وفرَّج، من تنفيس الخناق؛ أي: إرخائه حتى يأخذ له نفسًا (عن مؤمن) أُوثر لمزيد شرفه وحرمته، والثواب فيما يفعل معه من الإحسان، وإلَّا. . فالذمي كذلك هنا وفيما يأتي من حيث أصل الثواب؛ للخبر السابق: "إن اللَّه كتب الإحسان على كل شيءٍ" (٢)، وخبر: "في كل كبدٍ حرَّى أجر" (٣). ويلي الذمي المستأمن، ثم الحربي، فالثواب في كلٍّ أضعف مما قبله؛ لأنه تابعٌ لمزيد الشرف والاحترام.

стр. 563

(كربةً) هي: ما أهمَّ النفس وغمَّ القلب؛ كأنها مشتقةٌ من (كرب) التي للمفاجأة؛ لأن الكربة تقارب أن تزهق النفس، فكأنها لشدة غمِّها عطَّلت محالَّ التنفس منه، وبه يعلم حكمة إيثار (نفَّس) على رديفه من (أزال) أو (فرَّج) وقال بعضهم: التفريج أعظم من التنفيس؛ لأنه إزالتها بالكلية، فجزاء التنفيس التنفيس، وجزاء التفريج التفريج، ومن ثم جمع بينهما في رواية الطبراني (١). (من كرب الدنيا. . نفس اللَّه عنه كربةً من كرب يوم القيامة) (٢) وفي رواية للطبراني: "نفَّس اللَّه عنه كربةً يوم القيامة، ومن ستر على مؤمنٍ عورته. . ستر اللَّه عورته، ومن فرَّج عن مؤمنٍ كربةً. . فرَّج اللَّه عنه كربته" (٣)، فعُلم عظيم فضل قضاء حوائج المسلمين ونفعهم بما تيسَّر من علمٍ، أو مالٍ، أو جاهٍ، أو إشارةٍ، أو نصحٍ، أو دلالةٍ على خيرٍ، أو إعانةٍ بنفسه، أو سفارته ووساطته، أو شفاعته، أو دعائه له بظهر الغيب. ومما يعلمك بعظيم الفضل في هذا وما بعده أن الخلق عيال اللَّه، وتنفيس الكرب إحسانٌ إليهم، والعادة أن السيد والمالك يحب الإحسان لعياله وحاشيته، وفي الأثر: "الخلق عيال اللَّه، وأحبهم إلى اللَّه تعالى أرفقهم بعياله" (٤). وعبَّر هنا بـ (مؤمن) على ما في أكثر النسخ، وفيما يأتي بـ (مسلم) إما للتفنُّن، أو لأن الكربة تتعلق بالباطن كما علم مما مر في تفسيرها، فناسب الإيمان المتعلق به أيضًا، والستر يتعلق بالظاهر غالبًا، فناسب الإسلام المتعلق به. وخصَّ الجزاء هنا بكُرَبِ القيامة وعمَّمَ في الستر الآتي؛ لأن الدنيا لما كانت محل العورات والمعاصي والعارُ فيهما أكثر منه في الكرب الدنيوية. . احتيج إلى الستر فيها فذُكِرا ثَمَّ.

стр. 564

وأيضًا: فالدنيا وإن كانت محلًّا للكرب أيضًا، لكن لا نسبة لكربها إلى كرب الآخرة حتى تذكر معها، فاقتصر هنا عليها. نعم؛ من أعظم كرب الدنيا الإعسارُ، بل هو أعظمها؛ فلذلك أُلحق بالستر، فلم يخص جزاؤه بالآخرة، بل عمَّم في الدنيا أيضًا، وأيضًا: فالكرب الشدائد العظيمة، وليس كل أحدٍ يحصل له ذلك في الدنيا، بخلاف الإعسار والعورات المحتاجة للستر؛ فإن أحدًا لا يكاد أن يخلو في الدنيا منها ولو بتعسر بعض الحاجات المهمة. قيل: ولأن كرب الدنيا بالنسبة إلى كرب الآخرة كلا شيء، فادَّخر اللَّه تعالى جزاء تنفيس الكرب عنده؛ لينفس به كرب الآخرة ولو لم يكن منها إلا دنو الشمس من رؤوس الخلائق وإلجام العرق لهم، ففي "الصحيحين": "يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا -أو قال: باعًا- وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس وإلى آذانهم" (١). وروى مسلم أيضًا: "تدنو الشمس من العباد حتى تكون قدر ميلٍ أو ميلين، فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق بقدر أعمالهم، فمنهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يُلْجمه إلجامًا" (٢). (ومن يسَّر على معسر) بإبراءٍ، أو هبةٍ، أو صدقةٍ، أو نَظِرَةٍ إلى ميسرةٍ بنفسه، أو وساطته، ويصح شموله لإفتاء العامي في ضائقةٍ وقع فيها بما يخلصه منها؛ لأنه معسرٌ بالنسبة للعالم. (يسَّر اللَّه) تعالى (عليه) أموره ومطالبه (في الدنيا والآخرة) فيه عظيم فضل التيسير على معسر، والأحاديث فيه كثيرة؛ منها: خبر مسلم: "من سرَّه أن ينجيه اللَّه من كرب يوم القيامة. . فلينفس عن معسرٍ أو يضع عنه" (٣).

стр. 565

وخبره أيضًا: "من انظر معسرًا أو وضع عنه. . أظلَّه اللَّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله" (١). وخبر أحمد: "من أراد أن تُستجاب دعوته، وتنكشف كربته. . فليفرج عن معسر" (٢). (ومن ستر مسلمًا) من ذوي الهيئات ونحوهم (٣) ممن لم يعرف بأذًى أو فسادٍ بأن علم منه وقوع معصيةٍ فيما مضى فلم يخبر بها حاكمًا ولا غيره، وهذا للندب؛ إذ لو لم يستره بأن رفعه لحاكمٍ. . لم يأثم إجماعًا، بل ارتكب خلاف الأولى أو مكروهًا. وخرج برفعه لحاكمٍ كشفُها وهتكُها بالتحدُّث بها، وهذا غيبةٌ محرمةٌ شديدةُ الإثم والوزر؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ومن ثَمَّ يندب لمن جاءه تائبٌ نادمٌ وأقر بحدٍّ ولم يفسِّره ألَّا يستفسره، بل يأمره بستر نفسه كما أمر ﷺ ماعزًا والغامدية، وكما لم يستفسر من قال له: أصبتُ حدًا فأقمه عليَّ، وكذا يندب لمن ظهرت له جريمةٌ ولم تبلغ الإمام أن يشفع له حتى لا تصل إليه؛ لقوله ﷺ : "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم" خرجه أبو داوود والنسائي (٤). ومن ثم قال أصحابنا: لا يُعزَّر ذو الهيئة على هفوةٍ أو زلةٍ صدرت منه. أو المراد بستر المسلم: ستر عورته الحسية أو المعنوية بإعانته على ستر دينه؛ كأن يكون محتاجًا لنكاحٍ فيتوصل له في التزوج، أو لكسب فيتوصل له إلى بضاعةٍ يتَّجر فيها، أو بنحو ذلك. وفي رواية للطبراني: "ومن ستر على مؤمنٍ عورته. . ستر اللَّه عورته" (٥).
следующие страницы →