← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8889

الفتح المبين بشرح الأربعين

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (662 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ورواه الترمذي بلفظ: "المسلم أخو المسلم، لا يخونه، ولا يكذبه، ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام: عرضه، وماله، ودمه، التقوى هاهنا، بحسب امرئٍ من الشر أن يحتقر أخاه المسلم" (١). وخرجاه في "الصحيحين" بلفظ: "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا" (٢) وله طرقٌ أخرى عظيمة كثيرة. * * *

стр. 562

الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا. . نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ. . يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا. . سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا. . سَهَلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، ومَنْ بَطَّأَ بهِ عَمَلُهُ. . لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ (١). (عن أبي هريرة رضي اللَّه) تعالى (عنه، عن النبي ﷺ قال: من نفَّس) أي: أزال وفرَّج، من تنفيس الخناق؛ أي: إرخائه حتى يأخذ له نفسًا (عن مؤمن) أُوثر لمزيد شرفه وحرمته، والثواب فيما يفعل معه من الإحسان، وإلَّا. . فالذمي كذلك هنا وفيما يأتي من حيث أصل الثواب؛ للخبر السابق: "إن اللَّه كتب الإحسان على كل شيءٍ" (٢)، وخبر: "في كل كبدٍ حرَّى أجر" (٣). ويلي الذمي المستأمن، ثم الحربي، فالثواب في كلٍّ أضعف مما قبله؛ لأنه تابعٌ لمزيد الشرف والاحترام.

стр. 563

(كربةً) هي: ما أهمَّ النفس وغمَّ القلب؛ كأنها مشتقةٌ من (كرب) التي للمفاجأة؛ لأن الكربة تقارب أن تزهق النفس، فكأنها لشدة غمِّها عطَّلت محالَّ التنفس منه، وبه يعلم حكمة إيثار (نفَّس) على رديفه من (أزال) أو (فرَّج) وقال بعضهم: التفريج أعظم من التنفيس؛ لأنه إزالتها بالكلية، فجزاء التنفيس التنفيس، وجزاء التفريج التفريج، ومن ثم جمع بينهما في رواية الطبراني (١). (من كرب الدنيا. . نفس اللَّه عنه كربةً من كرب يوم القيامة) (٢) وفي رواية للطبراني: "نفَّس اللَّه عنه كربةً يوم القيامة، ومن ستر على مؤمنٍ عورته. . ستر اللَّه عورته، ومن فرَّج عن مؤمنٍ كربةً. . فرَّج اللَّه عنه كربته" (٣)، فعُلم عظيم فضل قضاء حوائج المسلمين ونفعهم بما تيسَّر من علمٍ، أو مالٍ، أو جاهٍ، أو إشارةٍ، أو نصحٍ، أو دلالةٍ على خيرٍ، أو إعانةٍ بنفسه، أو سفارته ووساطته، أو شفاعته، أو دعائه له بظهر الغيب. ومما يعلمك بعظيم الفضل في هذا وما بعده أن الخلق عيال اللَّه، وتنفيس الكرب إحسانٌ إليهم، والعادة أن السيد والمالك يحب الإحسان لعياله وحاشيته، وفي الأثر: "الخلق عيال اللَّه، وأحبهم إلى اللَّه تعالى أرفقهم بعياله" (٤). وعبَّر هنا بـ (مؤمن) على ما في أكثر النسخ، وفيما يأتي بـ (مسلم) إما للتفنُّن، أو لأن الكربة تتعلق بالباطن كما علم مما مر في تفسيرها، فناسب الإيمان المتعلق به أيضًا، والستر يتعلق بالظاهر غالبًا، فناسب الإسلام المتعلق به. وخصَّ الجزاء هنا بكُرَبِ القيامة وعمَّمَ في الستر الآتي؛ لأن الدنيا لما كانت محل العورات والمعاصي والعارُ فيهما أكثر منه في الكرب الدنيوية. . احتيج إلى الستر فيها فذُكِرا ثَمَّ.

стр. 564

وأيضًا: فالدنيا وإن كانت محلًّا للكرب أيضًا، لكن لا نسبة لكربها إلى كرب الآخرة حتى تذكر معها، فاقتصر هنا عليها. نعم؛ من أعظم كرب الدنيا الإعسارُ، بل هو أعظمها؛ فلذلك أُلحق بالستر، فلم يخص جزاؤه بالآخرة، بل عمَّم في الدنيا أيضًا، وأيضًا: فالكرب الشدائد العظيمة، وليس كل أحدٍ يحصل له ذلك في الدنيا، بخلاف الإعسار والعورات المحتاجة للستر؛ فإن أحدًا لا يكاد أن يخلو في الدنيا منها ولو بتعسر بعض الحاجات المهمة. قيل: ولأن كرب الدنيا بالنسبة إلى كرب الآخرة كلا شيء، فادَّخر اللَّه تعالى جزاء تنفيس الكرب عنده؛ لينفس به كرب الآخرة ولو لم يكن منها إلا دنو الشمس من رؤوس الخلائق وإلجام العرق لهم، ففي "الصحيحين": "يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا -أو قال: باعًا- وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس وإلى آذانهم" (١). وروى مسلم أيضًا: "تدنو الشمس من العباد حتى تكون قدر ميلٍ أو ميلين، فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق بقدر أعمالهم، فمنهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يُلْجمه إلجامًا" (٢). (ومن يسَّر على معسر) بإبراءٍ، أو هبةٍ، أو صدقةٍ، أو نَظِرَةٍ إلى ميسرةٍ بنفسه، أو وساطته، ويصح شموله لإفتاء العامي في ضائقةٍ وقع فيها بما يخلصه منها؛ لأنه معسرٌ بالنسبة للعالم. (يسَّر اللَّه) تعالى (عليه) أموره ومطالبه (في الدنيا والآخرة) فيه عظيم فضل التيسير على معسر، والأحاديث فيه كثيرة؛ منها: خبر مسلم: "من سرَّه أن ينجيه اللَّه من كرب يوم القيامة. . فلينفس عن معسرٍ أو يضع عنه" (٣).

стр. 565

وخبره أيضًا: "من انظر معسرًا أو وضع عنه. . أظلَّه اللَّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله" (١). وخبر أحمد: "من أراد أن تُستجاب دعوته، وتنكشف كربته. . فليفرج عن معسر" (٢). (ومن ستر مسلمًا) من ذوي الهيئات ونحوهم (٣) ممن لم يعرف بأذًى أو فسادٍ بأن علم منه وقوع معصيةٍ فيما مضى فلم يخبر بها حاكمًا ولا غيره، وهذا للندب؛ إذ لو لم يستره بأن رفعه لحاكمٍ. . لم يأثم إجماعًا، بل ارتكب خلاف الأولى أو مكروهًا. وخرج برفعه لحاكمٍ كشفُها وهتكُها بالتحدُّث بها، وهذا غيبةٌ محرمةٌ شديدةُ الإثم والوزر؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ومن ثَمَّ يندب لمن جاءه تائبٌ نادمٌ وأقر بحدٍّ ولم يفسِّره ألَّا يستفسره، بل يأمره بستر نفسه كما أمر ﷺ ماعزًا والغامدية، وكما لم يستفسر من قال له: أصبتُ حدًا فأقمه عليَّ، وكذا يندب لمن ظهرت له جريمةٌ ولم تبلغ الإمام أن يشفع له حتى لا تصل إليه؛ لقوله ﷺ : "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم" خرجه أبو داوود والنسائي (٤). ومن ثم قال أصحابنا: لا يُعزَّر ذو الهيئة على هفوةٍ أو زلةٍ صدرت منه. أو المراد بستر المسلم: ستر عورته الحسية أو المعنوية بإعانته على ستر دينه؛ كأن يكون محتاجًا لنكاحٍ فيتوصل له في التزوج، أو لكسب فيتوصل له إلى بضاعةٍ يتَّجر فيها، أو بنحو ذلك. وفي رواية للطبراني: "ومن ستر على مؤمنٍ عورته. . ستر اللَّه عورته" (٥).

стр. 566

(ستره اللَّه في الدنيا) بالمعنيين المذكورين (١) (والآخرة) بألَّا يعاقبه على ما فرط منه؛ لما مر (٢)، ولأن اللَّه حيٌّ كريمٌ سِتِّيرٌ، وستر العورة من الحياء والكرم، ففيه تخلُّقٌ بخلق اللَّه تعالى، واللَّه تعالى يحب التخلق بأخلاقه. وأخرج ابن ماجه: "من ستر عورة أخيه المسلم. . ستر اللَّه عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم. . كشف اللَّه عورته حتى يَفْضَحه بها في بيته" (٣). وأخرج أحمد وأبو داوود والترمذي: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه؛ لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإن من تتبع عوراتهم. . تتبع اللَّه عورته، ومن تتبع اللَّه عورته. . يفضحه في بيته" (٤). وخرج على المعنى الأول بنحو ذوي الهيئات المعروفُ بالأذى والفساد (٥)، فيندب، بل قد يجب ألَّا يستر عليه، بل يظهر حاله للناس حتى يتوقَّوه، أو يرفعه لولي الأمر حتى يقيم عليه واجبه من حدٍّ أو تعزيرٍ ما لم يخش مفسدةً؛ لأن الستر عليه يطمعه في مزيد الأذى والفساد. وبوقوعها فيما مضى معصيةٌ رآه عليها وهو بعد متلبسٌ بها، فتلزمه المبادرة بمنعه منها بنفسه إن قدر، وإلَّا. . فيرفعه للحاكم؛ كما مر ما لم يترتب عليه مفسدة، والكلام في غير نحو الرواة والشهود والأمناء على نحو صدقةٍ أو وقفٍ أو يتيمٍ؛ فيجب بالإجماع جرحهم على من علم قادحًا فيهم، وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل من

стр. 567

النصيحة الواجبة، وكذا لا تحرم غيبة المتجاهر بفسقه، وهو المعلن به الذي لا يبالي بما ارتكب من أنواعه ولا بما يقال له، وهذا لا ينبغي أن يشفع له، بل يترك حتى يحد؛ كما نصَّ عليه مالكٌ رضي اللَّه تعالى عنه، وإنما كره أحمد رضي اللَّه تعالى عنه رفع الفُسَّاق إلى السلطان بكل حال؛ لأنهم غالبًا لا يقيمون الحد، وإن أقاموه. . تجاوزوا فيه، ولهذا قال: إن علمت أنه يقيم الحد. . فارفعه، ثم ذكر أنهم ضربوا رجلًا فمات، يعني لم يكن قتله جائزًا. (واللَّه) تعالى (في عون العبد ما كان العبد) أي: مدة دوام كونه (في عون أخيه) بقلبه أو بدنه أو ماله أو غيرها (١)، قيل: وهذا إجمالٌ لا يسع بيانه الطروس (٢)؛ فإنه مطلقٌ في سائر الأحوال والأزمان، ومنه أن العبد إذا عزم على معاونة أخيه. . فينبغي له ألَّا يجبن عن إنفاذ قوله وصدءعه بالحق إيمانًا بأن اللَّه تعالى في عونه، وتأمل دوام هذه الإعانة؛ فإنه ﷺ لم يقيدها بحالةٍ خاصةٍ، بل أخبر بأنها دائمةٌ بدوام كون العبد في عون أخيه، وروى أحمد: "ومن كان في حاجة أخيه. . كان اللَّه تعالى في حاجته" (٣). والطبراني: "أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن، فكسوتَ عورته، أو أشبعتَ جوعته، أو قضيتَ له حاجته" (٤). وورد: "من سعى في حاجة أخيه المسلم قُضيتْ له أو لم تُقضَ. . غفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، وكتب له براءتان براءة من النار، وبراءة من النفاق" (٥). وأمر الحسن ثابتًا البُناني بالمشي في حاجةٍ، فقال: أنا معتكفٌ، فقال له: (يا أعمش؛ أما تعلم أن مشيك في حاجة أخيك المسلم خيرٌ لك من حجةٍ بعد حجةٍ؟!) (٦).

стр. 568

وروى أحمد: أن خبَّاب بن الأرتِّ خرج في سرية (فكان ﷺ يحلب عنزًا لعياله فتملأ الجفنة حتى تفيض زيادة على حِلابها، فلما قدم وحلبها. . عاد إلى ما كان) (١). وكان أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه يحلب للحي أغنامهم، فلما استخلف. . قيل: الآن لا يحلبها، فقال: (بلى، وإني لأرجو ألَّا يغيرني ما دخلت فيه عن شيءٍ كنت أفعله) (٢)؛ وذلك لأن العرب كانوا يستقبحون حلب النساء، بل روي خبر: "لا تسقوني حلب امرأة" (٣). وكان عمر رضي اللَّه تعالى عنه يتعاهد الأرامل فيستقي لهنَّ الماء بالليل، ورآه طلحة داخلًا بيت امرأة ليلًا، فدخل لها نهارًا فإذا هي عجوزٌ عمياء مقعدة، فقال لها: (ما يصنع هذا الرجل عندك؟) فقالت له: منذ كذا يتعاهدني بما يقوم بي من البِرِّ وما يصلح لي شأني، ويخرج عني الأذى، ويُقمُّ لي بيتي، فقال طلحة لنفسه: (ثكلتك أمك يا طلحة، أعثراتِ عمرَ تتبع) (٤). (ومن سلك طريقًا) فعيلًا من الطَّرْق؛ لأن الأرجل ونحوها تطرقه وتطلبه وتسعى فيه، ويصح أن يراد به هنا ما يشمل طرقه المعنوية؛ كحفظه، ومذاكرته، ومطالعته، وتفهمه، وكل ما يتوصل به إليه. (يلتمس) أي: يطلب (فيه) أي: في غايته أو بسببه أو فيه حقيقة، لكنه نادرٌ جدًا، فلا يحمل الحديث عليه. (علمًا) شرعيًا أو آلةً له قاصدًا به وجه اللَّه تعالى، قيل: وهذا وإن اشترط في كل عبادة، لكن عادة العلماء تقييد هذه المسألة به؛ لأن بعض الناس قد يتساهل فيه أو يغفل عنه. اهـ

стр. 569

وكأنه يريد: إنَّ تطرُّقَ الرياء للعلم أكثرُ من تطرقه لسائر العبادات، فاحتيج للتنبيه فيه على الإخلاص اعتناءً بشأنه. ومن آلات الشرعي من تفسيرٍ وحديثٍ وفقهٍ المنطقُ الذي بأيدي الناس اليوم؛ فإنه علمٌ مفيدٌ لا محذور فيه بوجهٍ، وإنما المحذور فيما كان يُخلط به قبل من الفلسفيات المنابذة للشرائع، ولأنه نحو المعاني، كما أن النحو منطق الألفاظ، ولأنه كالعربية في أنه من مواد أصول الفقه، ولأن الحكم الشرعي لا بد من تصورِه والتصديقِ به إثباتًا أو نفيًا، والمنطق هو المرصد لبيان أحكام التصور والتصديق، فوجب كونه علمًا شرعيًا؛ إذ هو: ما صدر عن الشرع أو يتوقف عليه العلم الصادر عن الشرع توقف وجوب؛ كعلم الكلام، أو توقف كمال؛ كعلم العربية والمنطق، وهذا هو موجب مدح الغزالي له وقوله: (لا ثقة بفقه من لم يتمنطق) أي: من لا تكون قواعد المنطق مركوزةً بالطبع في ذهنه كالمجتهدين في العصر الأول، أو بالتعلم. وممن أثنى عليه أيضًا الفخر الرازي، والسيف الآمدي، وابن الحاجب، وشُرَّاح كتابه، وغيرهم من الأئمة. وقول ابن الصلاح وغيره بتحريمه محمولٌ على ما كان في زمنهما من المخلوط بالفلسفة وفروعها من الإلهي والطبيعي والرياضي، على أن الحليمي وغيره صرحوا بجواز تعلُّم هذه؛ ليردَّ على أهلها، ويدفع شرهم عن الشريعة، فيكون من باب إعداد العدة. (سهل اللَّه له [به] طريقًا إلى الجنة) أي: أن طلبه وتحصيله يرشد إلى طلب الهداية والطاعة الموصلة إلى الجنة (١)، وذلك ليس إلا بتسهيله تعالى، وإلَّا. . فبدون لطفه وتوفيقه لا ينفع علم ولا غيره، أو أنه يُجازى على طلبه وتحصيله بتسهيل دخول الجنة بألَّا يرى من مشاقِّ الموقف ما يراه غيره، وهذا أقرب لظاهر الحديث. واستفيد منه مع ما قبله ومع قوله تعالى: ﴿جَزَآءً وِفَاقًا﴾ أن الجزاء يكون من جنس

стр. 570

العمل ثوابًا وعقابًا؛ كالتنفيس بالتنفيس، والتيسير بالتيسير، والستر بالستر، والعون بالعون، والطريق بالطريق، ونظائر ذلك كثيرةٌ في أحكام الدنيا والآخرة، وكان قياس ذلك قطع فرج الزاني؛ إذ هو محل الجناية، لكن لما كان آلةً للتناسل الحافظ للنوع الإنساني. . كانت مراعاة بقائه أصلح. وهذا مؤذنٌ بعظيم فضل السعي في طلب العلم، ويلزم منه عظيم فضل الاشتغال به، ودلائله أكثر من أن تحصر، وأظهر من أن تشهر. ثم المراد بتسهيل تلك الطريق: تسهيل العلم الذي طلبه وتيسيره عليه؛ لأن العلم طريقٌ موصلٌ إلى الجنة، أو تسهيل الانتفاع به، والعمل بمقتضاه، فيكون سببًا لهدايته ودخول الجنة، أو تسهيل علومٍ أُخر توصله للجنة، ومنه: "مَنْ عمل بما علم. . أورثه اللَّه علم ما لم يعلم" (١). أو تسهيل طريق الجنة الحسِّي يوم القيامة وهو الصراط وما قبله وما بعده من الأهوال؛ فإن العلم يدل على اللَّه تعالى من أقرب الطرق إليه، فمن سلك طريقه ولم يعرج عنه. . وصل إلى اللَّه تعالى وإلى الجنة من أقرب الطرق وأسهلها، فسهلت عليه الطرق الموصلة إلى الجنة في الدنيا والآخرة؛ إذ لا طريق إلى معرفته ورضاه إلا بالعلم النافع، وهو العلم باللَّه تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله المقتضي لخشيته وإجلاله ومحبته ورجائه. وهذا أول علم يرفع كما قاله عبادة بن الصامت رضي اللَّه تعالى عنه (٢)، وبعده يبقى علم اللسان حجة، فيتهاون الناس به حتى حملته، ثم يذهب هذا أيضًا، لكن

стр. 571

بذهاب حملته؛ كما في حديث "الصحيحين" (١)، ولا يبقى إلا القرآن في المصاحف لا يعرف الناس منه شيئًا، ثم يرفع، ثم تقوم الساعة على شرار الناس، وليس منهم من يقول: اللَّه، اللَّه؛ كما في الحديث (٢). (وما اجتمع قوم) هم الرجال فقط، أو مع النساء على ما مر فيه من الخلاف، وعلى كلا القولين فالظاهر: أن المراد هنا الثاني؛ لِمَا استقر من اشتراك الفريقين في التكليف، فيحصل لهنَّ الجزاء الآتي باجتماعهن لا بحضرة أجانب لذكرٍ أو تلاوةٍ، ويصح أن يراد الأول؛ لأن هذا الاجتماع بالهيئة الآتية في المسجد -بناء على أن ذكره في الحديث للتقييد، لكن التحقيق خلافه- لا يشرع للنساء. وحكمة التنكير هنا: إفادة حصول الثواب لكل قومٍ اجتمعوا كذلك من غير اشتراط وصفٍ خاصٍّ فيهم؛ كزهدٍ، أو صلاحٍ، أو علمٍ. (في بيت من بيوت اللَّه) (٣) أي: مسجد، وألحق به نحو رباطٍ ومدرسةٍ؛ لإطلاق الاجتماع في حديث آخر، فيتناول سائر المواضع، وحينئذٍ فالتقييد بالمسجد للغالب سيما في ذلك الزمان، فلا يعمل بمفهومه. (يتلون كتاب اللَّه ويتدارسونه بينهم) (٤) فيه فضيلة الاجتماع على تلاوة القرآن والذكر في المسجد (٥)، وهو مذهب الجمهور، ويدل له خبر "الصحيحين":

стр. 572

"إن للَّه تعالى ملائكةً يطوفون في الطُّرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون اللَّه. . تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا. . . " الحديث بطوله، وفي آخره: "فيقول اللَّه تعالى لملائكته: أشهدكم أنِّي قد غفرتُ لهم، فيقول مَلَكٌ من الملائكة: فيهم فلانٌ ليس منهم، إنما جاء لحاجةٍ، فيقال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم" (١). وخبر مسلم: أنه ﷺ خرج على حلقةٍ من أصحابه فقال: "ما يجلسكم؟ " قالوا: جلسنا نذكر اللَّه ونحمده لما هدانا للإسلام ومنَّ علينا به، فقال: "آللَّه؛ ما أجلسكم إلا ذلك؟ " قالوا: واللَّه؛ ما أجلسنا إلا ذلك، قال: "أما إني لم أستحلفكم تهمةً لكم؛ إني أتاني جبريل ﵇ فأخبرني أن اللَّه يباهي بكم الملائكة" (٢). وخبر الحاكم: عن سلمان أنه كان في عصابةٍ يذكرون اللَّه تعالى، فمرَّ بهم رسول اللَّه ﷺ فقال: "ما كنتم تقولون؛ فإني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأردت أن أشارككم فيها؟ " (٣). وخبر البزار: "إن للَّه سيارة من الملائكة يطلبون حلق الذكر، فإذا أتوا عليهم. . حفوا بهم. . . " الحديث، وفيه: "فيقولون: ربنا؛ أتينا على عبادٍ من عبادك يعظمون آلاءك، ويتلون كتابك، ويُصلُّون على نبيك، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم، فيقول ﵎: غشوهم برحمتي، فيقولون: رب؛ إن فيهم فلانًا الخطَّاء، فيقول ﵎: غشوهم برحمتي" (٤). وخبر: "ما من قومٍ صلوا صلاة الغداة ثم قعدوا في مصلاهم يتلون كتاب اللَّه ويتدارسونه إلا وكَّل اللَّه تعالى بهم ملائكته يستغفرون لهم حتى يخوضوا في حديثٍ

стр. 573

غيره" (١) وهو وإن كان في سنده ضعفٌ يُعمَل به في الفضائل. وذكر حرب الكرماني أنه رأى أهل دمشق وحمص ومكة والبصرة يجتمعون فيقرأ أحدهم عشر آياتٍ والناس ينصتون، ثم يقرأ آخر عشرًا حتى يفرغوا، وقول مالك بكراهته تأوله بعض أصحابه بما إذا كانوا يقرؤونه جماعة دون ما (٢) إذا كان كلٌّ يقرأ أو يذكر لنفسه على انفراده، وحمل الحديث عليه، وفيه بُعْدٌ؛ إذ لا اجتماع حينئذٍ؛ ففي حمل الحديث عليه استنباط معنًى من النص يعود عليه بالبطلان وهو ممتنعٌ. وفي روايةٍ: "ما جلس قومٌ يذكرون اللَّه" (٣) وهي تعم كل ذكرٍ، خلافًا لمن زعم أن المراد هنا: ما ينصرف إلى الحمد والثناء (٤). ويصح على بُعْدٍ حمل الحديث على تعلُّم القرآن وتعليمه، ولا خلاف في ندبه، وأخرج البخاري: "خيركم من تعلَّم القرآن وعلمه" (٥)، وقد كان ﷺ أحيانًا يأمر من يقرأ القرآن في المسجد ليسمع قراءته، وكان عمر يأمر من يقرؤه عليه وعلى أصحابه وهم يسمعون. (إلا نزلت عليهم السكينة) فعيلةٌ من السكون للمبالغة، والمراد بها هنا: الوقار والطمأنينة: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: تسكن وترضى بجميع أقضية الحق كما يأتي، لا ضد الحركة، وفي حديثٍ مرسلٍ: أنه ﷺ كان في مجلسٍ فرفع بصره إلى السماء ثم طأطأ بصره، ثم رفعه فسُئل عن ذلك فقال: "إن هؤلاء القوم كانوا يذكرون اللَّه تعالى -يعني: أهل مجلسٍ أمامه- فنزلت عليهم

стр. 574

السكينة تحملها الملائكة كالقُبَّة، فلما دنت منهم. . تكلَّم رجلٌ منهم بباطلٍ فرُفعت عنهم" (١). ويصح إرادة هذا بالسكينة هنا، وهي في قوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إما ريحٌ لها وجه إنسان، أو رأسان، أو رأس هرة وجناحان وذَنَب، أو طست من ذهب، أو رَوْح من اللَّه تعالى تبين لهم ما يختلفون فيه (٢). واختيار القاضي عياض أنها هنا الرحمة. . مردودٌ (٣)؛ لعطفها عليها المقتضي للمغايرة في قوله: (وغشيتهم الرحمة) أي: شملتهم من كل جهةٍ لاستيعابها ذنوبهم؛ إذ الغشيان لغةً: إنما يستعمل فيما يشمل المغشي من جميع أجزائه وجوانبه، فتجوَّز به عما ذُكر مبالغةً فيه (٤)، ومر تفسيرها بأنها إرادة التفضل والإنعام، أو الإنعام نفسه. والمراد هنا: الأثر المترتب عليه؛ إذ هو الذي يوصف بالغشيان، فهي إحسانٌ نشأ عن إحسان الذاكر بذكره، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، وهذا الغشيان في حالة الذكر سببٌ لتنزل تلك السكينة من اللَّه تعالى على الذاكرين، فلا ينزعجون لطارقٍ من طوارق الدنيا؛ لعلمهم بإحاطة قدرة مذكورهم له، فسكنوا واطمأنت قلوبهم بموعود الأجر؛ لقوة رجائهم بحصوله لما وُفِّقوا إلى الاشتغال باللَّه تعالى عن كل ما سواه. (وحفَّتهم الملائكة) أي: أحاطت بهم ملائكة الرحمة والبركة إلى السماء الدنيا كما في رواية "الصحيحين" (٥)، وفي روايةٍ لأحمد: "علا بعضهم على بعضٍ حتى يبلغوا العرش" (٦)، كل ذلك لاستماع الذكر تعظيمًا للمذكور، وإعظامًا للذاكرين على غايةٍ من القرب والملاصقة بهم بحيث لم يدَعوا للشيطان فرجةً يتوصل منها للذاكرين.

стр. 575

وأخرج الخلَّال: "إن للَّه ملائكةً يسيحون بين السماء والأرض يلتمسون الذكر، فإذا سمعوا قومًا يذكرون اللَّه . . قالوا: رويدًا، زادكم اللَّه (١)، فينشرون أجنحتهم حولهم حتى يصعد كلامهم إلى العرش" (٢). (وذكرهم اللَّه) أي: أثنى عليهم أو أثبتهم؛ كـ (اذكرني في كتابك)، والأول هو المتبادر؛ قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾. (فيمن عنده) من الأنبياء وكرام الملائكة؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: "من ذكرني في نفسه. . ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ. . ذكرته في ملأ خيرٍ منهم" (٣) فالعِندِيَّة هنا عنديةُ شرفٍ ومكانةٍ، لا عندية مكان؛ لاستحالتها عليه تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا. ونظيرُ هذا الخبرِ في إفادة أن للذاكرين هذه الأربعة خبرُ مسلمٍ أيضًا: "إن لأهل ذكر اللَّه تعالى أربعًا: تنزل عليهم السكينة، وتغشاهم الرحمة، وتحفُّ بهم الملائكة، ويذكرهم الرب فيمن عنده" (٤). (ومن بطَّأ) من البطء نقيض السرعة؛ أي: من قصَّر (به عمله) حتى أخَّره عن رتب الكمال؛ لفقد بعض شروط الصحة أو الكمال منه (لم يسرع به نسبه) أي: لم يلحقه برتب أصحاب الأعمال الكاملة؛ لأن المسارعة إلى السعادة إنما هي بالأعمال لا بالأجساد، وما أحسن قول القائل (٥): [من الطويل] وما الفخر بالعظم الرميمِ وإنَّما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه وقال ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه: (يأمر اللَّه تعالى بالصراط فيضرب على

стр. 576

جهنم، فيمر الناس على قدر أعمالهم زمرًا زمرًا، أوائلهم كلمح البرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، حتى يمر الرجل سعيًا، وحتى يمر الرجل مشيًا، وحتى يمر آخرهم يتلبط على بطنه (١)، فيقول: يا رب؛ لِمَ بطَّأْتَ بي؟ فيقول: إني لم أُبْطئ بك، إنما أبطأ بك عملك) (٢). وفي "الصحيحين": لمَّا نزل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. . قال ﷺ : "يا معشر قريش، يا بني عبد المطلب، يا عباس، يا صفية عمة رسول اللَّه، يا فاطمة بنت محمد؛ اشتروا أنفسكم من اللَّه، لا أغني عنكم من اللَّه شيئًا" (٣) وفي روايةٍ: "إن أوليائي منكم المتقون، لا يأتي الناس بالأعمال وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم" (٤). وأخرج ابن أبي الدنيا: "إن أوليائي المتقون يوم القيامة وإن كان نسبٌ أقربَ من نسبٍ، يأتي الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون: يا محمد، يا محمد، فأقول هكذا وهكذا" وأعرض عن عطفيه (٥)، وأخرجه البزار والحاكم وأحمد ولفظه: "إن أولى الناس بي المتقون من كانوا" (٦)، زاد الطبراني: "إن أهل بيتي هؤلاء يرون أنهم أولى الناس بي، وليس كذلك؛ إن أوليائي منكم المتقون من كانوا وحيث كانوا" (٧). ويشهد لذلك كلِّه خبرُ "الصحيحين": "إن آل أبي فلانٍ ليسوا لي بأولياء، وإنما وليي اللَّه وصالح المؤمنين" (٨).

стр. 577

فليحذر كل عاقلٍ غاية الحذر من أن يتَّكِل على شرف نسبه وفضيلة آبائه ويقصِّر في العمل؛ فإن ذلك يورثه غاية النقص والانحطاط عن معاليهم، ونهاية الحسرة والندامة على التخلف عن كمالهم، ومن ثم كان التفاخر بالآباء من أخلاق الجاهلية؛ قال تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾، وقال ﷺ : "إن اللَّه قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس رجلان: برٌّ تقيٌّ كريمٌ على اللَّه ، وفاجرٌ شقيٌّ هيِّنٌ على اللَّه ، كلهم بنو آدم وخلق اللَّه آدم من تراب" (١)، وقال: "ائتوني بأعمالكم لا تأتوني بأنسابكم". وقال لمن تعلَّم الأنساب: "علمٌ لا ينفع، وجهالةٌ لا تضر" (٢)، وقال عمر رضي اللَّه تعالى عنه: (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم) (٣). على أن في التفاخر بالآباء غاية العداوة؛ إذ كلٌّ يظهر مثالب الآخر فيؤدي إلى الهرج والفساد. (رواه مسلم بهذا اللفظ) واعتُرض عليه في سنده بما هو مردودٌ غير مقبول. وهو حديثٌ عظيمٌ جليلٌ جامعٌ لأنواع من العلوم والقواعد، والآداب والفضائل، والأحكام والفوائد، وفيه إشارات إلى أن الجزاء من جنس العمل، والنصوص في ذلك كثيرة؛ نحو: "إنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء" (٤). وأخرج الترمذي: "أيما مؤمن أطعم مؤمنًا على جوع. . أطعمه اللَّه يوم القيامة من ثمار الجنة، وأيما مؤمن سقى مؤمنًا على ظمأ. . سقاه اللَّه يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن كسا مؤمنًا على عري. . كساه اللَّه من خضْر الجنة" (٥). * * *

стр. 578

الحديث السابع والثلاثون [عظيم لطف اللَّه تعالى بعباده وفضله عليهم] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ﵎ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا. . كَتبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا. . كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافِ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا. . كَتبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا. . كَتَبَهَا اللَّهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً" (١) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي "صَحِيحَيْهِمَا" بِهَذِهِ الْحُرُوفِ (٢)، فَانْظُرْ يَا أَخِي وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إِلَى عَظِيمِ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَأَمَّلْ هَذِهِ الأَلْفَاظَ، وَقَوْلُهُ: "عِنْدهُ" إِشَارَةٌ إِلَى الاعْتِنَاءِ بِهَا، وَقَوْلُهُ: "كَامِلَةً" لِلتَّأْكِيدِ وَشِدَّةِ الاعْتِنَاءِ بِهَا، وَقَالَ فِي السَّيِّئَةِ الَّتِي هَمَّ بِهَا ثُمَّ تَرَكَهَا: "كَتَبَهَا اللَّهُ حَسَنَةً كَامِلَةً" (٣) فَأَكَّدَهَا بِـ (كَامِلَةً) وَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، فَأَكَّدَ تَقْلِيلَهَا بِـ (وَاحِدَةً) وَلَمْ يُؤَكِّدْهَا بِـ (كَامِلَةً) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، سُبْحَانَهُ لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (عن ابن عباس رضي اللَّه) تعالى (عنهما، عن رسول اللَّه ﷺ فيما يرويه عن ربه) (٤) ظاهره أنه من الأحاديث القدسية، وأن اللَّه تكلَّم

стр. 579

بجميع ما فيه، قيل: وليس المراد ذلك، إنما المراد: فيما يحكيه عن فضل ربه، أو حكمه، أو نحو ذلك. اهـ والجزمُ بذلك النفي فيه نظر؛ لأن كلا الأمرين محتملٌ، بل الأول أقرب إلى السياق وإلى الاصطلاح الذي قدمناه من قول المصنف في الحديث السابق: (فيما يرويه عن ربه) (١) ثم رأيت في بعض طرق هذا الحديث في "الصحيحين" ما هو صريحٌ في الأول، وهو: "يقول اللَّه : إذا أراد عبدي أن يعمل سيئةً. . فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها. . فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي. . فاكتبوها له حسنةً، وإن أراد أن يعمل حسنةً فلم يعملها. . فاكتبوها له حسنةً، وإن عملها. . فاكتبوها له بعشر أمثالها، وإذا تحدَّث بأن يعمل سيئةً. . فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها. . فأنا أكتبها له بمثلها" (٢). (تبارك) أي: تعاظم (وتعالى) أي: تنزَّه عن كل ما لا يليق بعلياء كماله الأقدس (٣). (قال: إن اللَّه تعالى كتب الحسنات والسيئات) (٤) أي: أمر الحفظة بكتابتهما، أو كتبهما في علمه على وفق الواقع منهما، أو قدر مبالغ تضعيفهما. (ثم بيَّن) أي: اللَّه تعالى، وجَعْلُ الضمير له ﷺ مبنيٌّ على ما مر أن المراد بـ (عن ربه): عن حكمه أو فضله، ومرَّ بما فيه. (ذلك) للكتبة من الملائكة حتى عرفوه واستغنوا به عن أن يستفسروا في كل وقتٍ كيف يكتبونه؛ لأنه تعالى شرع لهم ما يعملون بحسبه، وبالغ في رحمة هذه الأمة حيث أخلف عليها قصر أعمارها بتضعيف أعمالها.

стр. 580

(فمن هم بحسنة) أي: أرادها وترجَّح عنده فعلها، فعُلم منه بالأولى حكم العزم، وهو الجزم بفعلها والتصميم عليه (فلم يعملها. . كتبها اللَّه عنده) هذه عِنْدِيَّة شرفٍ ومكانةٍ؛ لتنزهه تعالى عن عندية المكان (حسنةً) لأن الهمَّ بالحسنة سببٌ إلى عملها، وسبب الخير خيرٌ، فالهمُّ بها خيرٌ، وفي رواية لمسلم: "إذا تحدَّث عبدي بأن يعمل حسنة. . فأنا أكتبها له حسنة" (١)، وظاهرٌ أن المراد بالتحدث: الهمُّ، ويؤيده الخبر الآخر: "من هم بحسنةٍ فلم يعملها، فعلم اللَّه تعالى أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها. . كتبت له حسنة" (٢)، فالحرص عليها مستلزمٌ للعزم الذي هو ترجيح الوقوع كما مر، ومخرج للخطرة التي تخطر ثم تنفسخ من غير عزمٍ ولا تصميم. واستفيد من ذكر الحسنة هنا والمضاعفة فيما يأتي: اختصاص المضاعفة بمن عمل دون مَنْ نوى، فهما في الأصل سواءٌ وإن اختص العامل بالتضعيف (٣)، وعلى هذا يحمل حديث أحمد والترمذي وابن ماجه: "إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه اللَّه تعالى مالًا وعلمًا فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم للَّه فيه حقًا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه اللَّه علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النية، فيقول: لو أن لي مالًا. . لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبد رزقه اللَّه تعالى مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو يخبط في ماله بغير علمٍ، لا يتقي فيه ربه تعالى، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم للَّه حقًا فيه، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه اللَّه مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا. . لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء" (٤). (كاملة) ذكره؛ لئلا يظن أن كونها مجردَ همٍّ ينقص ثوابها (وإن هم بها فعملها. . كتبها اللَّه عنده عشر حسنات) لأنه أخرجها من الهم إلى ديوان العمل، فكُتِب له بالهَمِّ

стр. 581

حسنة، ثم ضُوعفت فصارت عشرًا، وهذا التضعيف ملازمٌ لكل حسنةٍ؛ كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ثم ضُوعفت لمن يشاء اللَّه تعالى، واللَّه يضاعف لمن يشاء مضاعفةً أخرى (إلى سبع مئة ضعف) على حسب ما قد اقترن بها من إخلاص النية وإيقاعها في محالِّها التي هي بها أَولى وأَحرى. قال بعضهم: وحكمة ذلك (١): أن العرب كانوا ينتهون في التكثير من عدد الآحاد إلى سبعة، حتى إذا أتوا بالثمانية. . عطفوها بـ (الواو) (٢) إشارة إلى الخروج من عدد القلة إلى عدد الكثرة؛ كما في قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ الآيةَ عطف فيها: ﴿وَالنَّاهُونَ﴾ بـ (الواو) لمجاوزته السبعة، وكذا في: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ وفي: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ لأنها ثمانية. فإذا ضربت السبعة في عشرة، ثم الحاصل -وهو سبعون- في عشرة كانت سبع مئة، وفي رواية في "الصحيحين" أيضًا بعد: "إلى سبع مئة ضعفٍ": "إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به" (٣) وفيه دليلٌ على أن الصوم لا يَعلم قدرَ مضاعفة ثوابه إلا اللَّه تعالى؛ لأنه أفضل أنواع الصبر، وإنما يوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب. (إلى أضعافٍ كثيرة) قيل: يعلم منه أن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: بعد سبع مئة ضعف. اهـ وفيه نظر؛ لأنه يلزم عليه أن التضعيف للسبع مئة واقعٌ لكل أحدٍ، فينافي: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ إلا أن يقال: إن التضعيف للسبع مئة تفضُّل ثانٍ بعد التفضل الأول بالتضعيف إلى عشرة، نظير ما قيل في خبر: "صلاة الجماعة تعدل صلاة الفذِّ بخمسٍ وعشرين" وفي روايةٍ: "بسبعٍ وعشرين" (٤). ثم رأيت المصنف جزم بما ذكرته أولًا: (أن التضعيف لعشرةٍ لا بد منه بفضل اللَّه

стр. 582

تعالى ورحمته ووعده الذي لا يخلفه، والتضعيف لسبع مئة فأكثر إنما يحصل لبعض الناس على حسب مشيئته (١). قال بعضهم: و (كثيرة) هذه وإن كانت نكرةً إلا أنها أشمل من المعرفة، فيقتضي هذا أن يحسب توجيه الكثرة على أكثر ما يمكن. وبيانه: أن من تصدَّق بحبة برٍّ مثلًا فحسب له في فضل اللَّه تعالى أنه لو بذرها في أزكى أرضٍ مع غاية الرِّي والتعهُّد، ثم حصدت وبذر حاصلها في أزكى أرض كذلك. . . وهكذا إلى يوم القيامة. . جاءت تلك الحبة كأمثال الجبال الرواسي، وكذا يقال في مثقال ذرة من نقد، فيقدر أنه اشترى بها أربح شيءٍ وبيع في أنفق سوقٍ، وهكذا إلى يوم القيامة. . جاءت تلك الذرة بقدر الدنيا، وهكذا جميع أعمال البِرِّ (٢). ومن الفضل: المضاعفةُ بالتحويل؛ كمن تصدَّق على فقيرٍ بدرهم، فتصدَّق به الفقير على ثانٍ، وهو على ثالث، وهو على رابع. . . وهكذا، فيحسب للأول عن درهمه عشرة، وله مثل أجر الثاني؛ لأن من سنَّ سنةً حسنة. . فله أجرها وأجر من يعمل بها، وأجر الثاني عشرة، فكان للأول مثلها وهي عشرة دراهم، وكل درهمٍ بعشرة؛ فيكون له مئة، فإذا تصدَّق به الثاني. . صار له مئة (٣)؛ لِمَا تقرَّر في الأول، وصارت مئة الأول ألفًا بنظير ما تقرر أيضًا (٤)، فإذا تصدَّق به الثالث. . صار له مئة، وللثاني ألفٌ، وللأول عشرة آلاف، فإذا تصدَّق به الرابع. . صار له مئة، وللثالث ألفٌ، وللثاني عشرة آلاف، وللأول مئة ألفٍ. . . وهكذا إلى ما لا يعلم قدره إلا اللَّه تعالى. ومن الفضل أيضًا: أنه تعالى إذا حاسب مَنْ له حسنات متفاوتة المقادير. . جازاه

стр. 583

بسعرِ أرفعِها؛ كـ (لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. . . إلخ) إذا قيلت في سوقٍ مع رفع الصوت. . فإن فيها ألف ألف حسنة، ومحْوَ ألف ألف سيئة مع بناء بيت في الجنة لقائلها كما ورد، فإذا كانت في حسنات عبدٍ. . جُوزي على سائر حسناته بسعرها؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهذا بحسب مقدار معرفتنا، وإلَّا. . ففضله تعالى لا يمكن أحدًا أن يحصره. اهـ وأخرج ابن حبان في "صحيحه": لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ الآيةَ. . قال ﷺ : "رَبِّ؛ زد أمتي" فنزل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ فقال: "رَبِّ؛ زد أمتي" فنزل: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١). وأحمد: "إن اللَّه ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة" ثم تلا أبو هريرة راويه: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وقال: إذا قال: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾. . فمن يقدر قدره؟! (٢) وابن أبي حاتم: "من أرسل نفقةً في سبيل اللَّه وأقام في بيته. . فله بكل درهمٍ سبع مئة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل اللَّه. . فله بكل درهمٍ سبعة آلاف درهم" (٣). وأبو داوود: "إن الصلاة والصيام والذكر يضاعف على النفقة في سبيل اللَّه بسبع مئة ضعف" (٤). والترمذي: "من دخل السوق فقال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيءٍ قدير. . كتب اللَّه له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة" وفي سنده ضعف (٥).

стр. 584

وفي حديثٍ ضعيفٍ أيضًا: "من قال: سبحان اللَّه وبحمده. . كُتب له مئة ألف حسنة، وأربعة وعشرون ألف حسنة" (١). (وإن هم بسيئةٍ فلم يعملها) بأن ترك فعلها أو التلفظ بها لوجهه تعالى كما في الرواية التي قدمتها، لا لنحو حياءٍ أو خوفِ ذي شوكة أو عجزٍ أو رياءٍ (٢)، بل قيل: يأثم حينئذ؛ لأن تقديم خوف المخلوق على خوف اللَّه تعالى محرمٌ، وكذلك الرياء، وذكر جماعةٌ أن من سعى في معصيةٍ ما أمكنه، ثم حال بينه وبينها قَدَرٌ. . كُتبت عليه. (كتبها اللَّه عنده حسنه) لأن رجوعه عن العزم عليها خيرٌ أيُّ خير، فجوزي في مقابلته بحسنة، وأكدت بقوله: (كاملة) إشارة إلى نظير ما مر في (كاملة) في الهم بالحسنة، لا يقال: نظير ما مر ثَمَّ من أن الهم بالحسنة يكتب فيه حسنة أن يكون الهم بالسيئة يكتب فيه سيئة؛ لأن الهم بالشر من أعمال القلوب؛ لأنا نقول: قد تقرر أن الكف عنها خيرٌ أيُّ خير، وهو متأخرٌ عن ذلك الهم، فكان ناسخًا له: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. وقد جاء في الحديث: "إنما تركها مِن جَرَّايَ" أي: من أجلي (٣)، وفي حديث البخاري "على كل مسلمٍ صدقة" قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: "فليمسك عن الشر؛ فإنه صدقة" (٤). (وإن هم بها فعملها. . كتبت سيئة واحدة) (٥) زاد أحمد: "ولم تضاعف عليه" (٦) ويدل له: ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾.

стр. 585

نعم؛ قد تعظم بنحو شرف زمانٍ أو مكانٍ؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: في الأشهر الحرم، قال قتادة: الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا، وسبقه إلى ذلك ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما (١). وفي حديثين ضعيفين: أن السيئة تضاعف في رمضان (٢)، وقال مجاهد: (تضاعف السيئة بمكة كما تضاعف الحسنة)، وقال ابن جريج: (بلغني أن الخطيئة بها بمئة خطيئة في غيرها) (٣)، وقيل لأحمد: في شيءٍ من الحديث أن السيئة تكتب بأكثر من واحدة؟ قال: (لا، ما سمعنا إلا بمكة لتعظيم البلد) (٤)، وكذا قال إسحاق. وينبغي حمل المضاعفة هنا على عظم جرم السيئة ومزيد العذاب عليها (٥)؛ حتى لا ينافي هذا حديثَ أحمد السابق: "ولم تضاعف عليه" وحديثَ الباب، وقولَه تعالى: ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾. نعم؛ يدل على المضاعفة: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ إلا أن تحمل المضاعفة هنا على ما ذكرته (٦)، وبه يعلم أن السيئة تعظم أيضًا بشرف فاعلها وقوة معرفته باللَّه تعالى وقربه منه؛ فإن من عصى السلطان على بساطه أعظم جرمًا ممن عصاه على بعد. ثم قوله: (وإن هم. . . إلخ) فيه دليلٌ على أن العزم لا يكتب معها، لكن مفهوم الحديث الآتي خلافه، واعتمده قاضي القضاة التقي ابن رزين من أئمتنا، فإنه أفتى بأن

стр. 586

من عزم عليها ففعلها ولم يتب منها. . أُوخذ بعزمه؛ لأنه إصرارٌ، وتناقض فيه كلام السبكي، ورجَّح ولده ما يوافق كلام ابن رزين. وبيان ذلك: أن السبكي قال في "حلبياته" ما حاصله: (ما يقع في النفس من قصد المعصية على خمس مراتب: الأولى: الهاجس؛ وهو ما يلقى فيها، ثم جريانه فيها، وهو الخاطر، ثم حديث النفس؛ وهو ما يقع فيها من التردد: هل يفعل أو لا؟ ثم الهم؛ وهو ترجيح قصد الفعل، ثم العزم، وهو قوة ذلك القصد والجزم به (١). فالهاجس لا يؤاخذ به إجماعًا؛ لأنه ليس من فعله، وإنما هو شيءٌ طرقه قهرًا عليه، وما بعده من الخاطر وحديث النفس وإن قدر على دفعهما لكنهما مرفوعان بالحديث الصحيح، أي: وهو قوله ﷺ : "إن اللَّه تجاوز لأمتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تتكلم به -أي: في المعاصي القولية- أو تعمل" (٢) أي: في المعاصي الفعلية؛ لأن حديثها إذا ارتفع. . فما قبله أَولى، وهذه المراتب الثلاث لا أجر فيها في الحسنات أيضًا؛ لعدم القصد. وأما الهم. . فقد بيَّن الحديث الصحيح أنه بالحسنة يكتب حسنة، وبالسيئة لا يكتب سيئة، ثم ينظر؛ فإن تركها للَّه تعالى. . كتبت حسنة، وإن فعلها. . كتبت سيئة واحدة. والأصح في معناه: أنه يكتب عليه الفعل وحده، وهو معنى قوله: "واحدة" وأن الهم مرفوعٌ، ومن هذا يُعلم أن قوله في حديث النفس: "ما لم تتكلم أو تعمل به" ليس له مفهوم حتى يقال: إنها إذا تكلمت أو عملت. . يكتب عليها حديث النفس؛ لأنه إذا كان الهم لا يكتب؛ أي: كما استفيد من قوله: "واحدة" فحديث النفس أولى) اهـ

стр. 587

والأصح الذي ذكره خالفه في "شرح المنهاج" فقال: إنه ظهر له المؤاخذة من إطلاق قوله ﷺ : "أو تعمل" ولم يقل: أو تعمله، قال: فيؤخذ منه تحريم المشي إلى معصيةٍ وإن كان المشي في نفسه مباحًا؛ لانضمام قصد الحرام إليه وإن كان كلٌّ من المشي والقصد لا يحرم عند انفراده؛ لأنهما إذا اجتمعا. . كان مع الهم عملًا لما هو من أسباب المهموم به، فاقتضى إطلاق: "أو تعمل" المؤاخذة به. وتبعه ولده؛ فإنه قال في "منع الموانع": هنا دقيقةٌ نبهنا عليها في "جمع الجوامع" وهي أن عدم المؤاخذة بحديث النفس والهم ليس مطلقًا، بل بشرط عدم التكلم والعمل، حتى إذا عمل. . يؤاخذ بشيئين: همه وعمله، ولا يكون همه مغفورًا وحديث نفسه إلا إذا لم يعقبه العمل؛ كما هو ظاهر الحديث. ثم حكى كلامَيْ أبيه السابقين (١)، ورجح المؤاخذة، وخالفه غيره فرجح عدمها، قال: وإلَّا. . لزم أن يعاقب على المعصية عقوبتين، وفيه نظر، ولا يلزم عليه ذلك؛ لأن الهم حينئذٍ صار معصيةً أخرى. ثم قال في "الحلبيات": (وأما العزم. . فالمحققون على أنه يؤاخذ به، وخالف بعضهم -أي: ونسب إلى الشافعي وابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهم- وقال: إنه من الهم المرفوع تمسكًا بقول اللغويين: همَّ بالشيء عزم عليه). وهو تمسكٌ غير سديد؛ لأن اللغوي لا يتنزل إلى هذه الدقائق، واحتج الأولون بحديث (٢): "إذا التقى المسلمان بسيفيهما. . فالقاتل والمقتول في النار" قيل: يا رسول اللَّه؛ هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" (٣) فعلَّل بالحرص. وبالإجماع على المؤاخذة بأعمال القلوب (٤)؛ كالحسد، والكبر، والعجب،

стр. 588

ومحبة ما يبغضه اللَّه تعالى وعكسه ونحو ذلك؛ أي: وعليه حمل ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما (١): ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ أي: كعامة السلف من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، كما قاله القاضي عياض. وبقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ الآيةَ على تفسير الإلحاد بالمعصية. قال: ثم إن التوبة واجبةٌ فورًا، ومن ضرورتها العزم على عدم العود، فمتى عزم عليه قبل أن يتوب منها. . فذلك مضادٌّ للتوبة فيؤاخذ به بلا إشكال، وهو الذي قاله ابن رزين. ثم قال في آخر جوابه: والعزم على الكبيرة وإن كان سيئة فهو دون الكبيرة المعزوم عليها، ولا ينافي ما تقرر ما روي عن الحسن في الحسد، وسفيان في سوء الظن بالمسلم أنه إذا لم يصحبه قولٌ أو فعلٌ. . فهو معفوٌ (٢)؛ لأن ذلك محمولٌ على ما يجده الشخص من نفسه بالجِبلة مع كراهته له ودفعه عن نفسه ما أمكنه. وأغفل السبكي قولًا ثالثًا، وهو أنه يؤاخذ بالهم بالمعصية في حرم مكة دون غيرها، وروي عن ابن مسعود من قوله موقوفًا مرةً ومرفوعًا أخرى، قيل: والموقوف أصح، ونقله بعض أصحاب أحمد عنه. تنبيه [في بيان قوله تعالى: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾] لم يقع من يوسف صلى اللَّه على نبينا وعليه وسلم همٌّ بمعصيةٍ على ما قاله ابن أبي حاتم ومن وافقه، ومعنى الآية عندهم: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ أي: لولا رؤية البرهان. . لهَمَّ، لكنه لم يَهُمَّ؛ لأنه رآه، وعلى المشهور في الآية: فالهمُّ الواقع منه بمعنى حديث النفس المغفور.

стр. 589

(رواه البخاري ومسلم [في "صحيحيهما"] بهذه الحروف) (١) وفي رواية لمسلم بعد (واحدة): "ومحاها اللَّه، ولا يهلك على اللَّه إلا هالك" (٢) أي: لا يهلك بعد هذا الفضل العظيم بتلك المضاعفة وبذلك التجاوز إلا من ألقى بيده إلى التهلكة، وتجرَّأ على السيئات، وأعرض عن الحسنات؛ ولهذا قال ابن مسعود: (ويلٌ لمن غلبت وَحَداته عشراته) وجاء مرفوعًا: "هلك من غلب واحده عشرًا" (٣). وأخرج أحمد: "لا يدع أحدكم أن يعمل للَّه ألف حسنة حين يصبح، يقول: سبحان اللَّه وبحمده مئة مرة؛ فإنها ألف حسنة، فإنه لن يعمل إن شاء اللَّه مثل ذلك في يومه من الذنوب ويكون ما عمل من خيرٍ سوى ذلك وافرًا" (٤). ثم هذا الحديث حديثٌ شريفٌ عظيمٌ، جامعٌ لأصناف الخير ومقادير الحسنات والسيئات، بيَّن فيه ﷺ عن ربه ما تفضَّل اللَّه تعالى به على عبيده بما سبق تقريره، وفيه تصحيحٌ للقول بأن الحفظة تكتب ما يَهُمُّ العبد به من حسنةٍ أو سيئة، وأنهم يعلمون منه ذلك، وردٌّ على من زعم أنهم إنما يكتبون ما ظهر من عملٍ أو قولٍ، واستدلوا له بشيءٍ رُوي عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها. والصواب: ما صح عنه ﷺ أنهم يكتبون الهم، واطلاعهم عليه إما بإلهامٍ أو بكشفٍ عن القلب وما يحدث فيه، كما يقع لبعض الأولياء، أو بريحٍ يظهر لهم من القلب (٥). (فانظر) من النظر بمعنى إعمال الفكر، ومزيد التدبر والتأمل. (يا أخي) نداءُ تعطُّفٍ وشفقة؛ ليكون أدعى إلى الامتثال والقبول؛ قال اللَّه تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

стр. 590

(وفقنا اللَّه) أي: أقدرنا اللَّه تعالى على الطاعة بخلق قدرتها فينا (وإياك) بدأ بنفسه عملًا بقوله ﷺ : "ابدأ بنفسك" (١) ثم أدرج معه من هو كنفسه من أحبابه وأصدقائه، فالنون للجمع، أو للعظمة مشيرة إلى تعظيم ما أنعم اللَّه تعالى به عليه، لا لعظمة نفسه من حيث هي. (إلى عظيم لطف) أي: رفق (اللَّه تعالى) بعبيده حيث أعظم التفضل عليهم بأن جعل الهم بالحسنة وإن لم تعمل حسنةً كاملة، وبالسيئة إذا تركت كذلك، وإلَّا. . فواحدة، والحسنة إذا عملت عشرًا إلى ما لا قدرة لمخلوقٍ على حصره؛ كما مر. (وتأمل هذه الألفاظ) النبوية الصادرة من ينبوع الحكمة، ومادة الحياة الأبدية. (و) من جملة ما ينبغي تأمله: (قوله) في الحسنة: كتبها اللَّه (عنده) فإنه (إشارة إلى) مزيد (الاعتناء بها) لما مر أنها عندية شرفٍ ومكانةٍ. (و) من جملة ذلك أيضًا: (قوله) في الأول: حسنة (كاملة) فإنه (للتأكيد) ردًا لما يتوهم مما مر (وشدة الاعتناء بها، وقال في السيئة التي همَّ بها ثم تركها: كتبها اللَّه حسنة كاملة، فأكدها بكاملة) ردًا لنظير ما مر. (و) قال: (إن عملها. . كتبها اللَّه سيئةً واحدةً، فأكَّد تقليلها بواحدة، ولم يؤكدها بكاملة) إشارة إلى مزيد العناية بعبيده، والإنعام عليهم بغايات التفضُّل ونهايات الرفق والمسامحة، وإلى أن مقام الفضل أوسع من مقام العدل؛ كما دلَّ عليه قوله ﷺ : "إن اللَّه تعالى كتب كتابًا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي" (٢)، "ولا يهلك على اللَّه إلا هالكٌ" أي: أن من سمع بهذا الفضل العظيم منه تعالى لعباده، ثم جبن عن متاجرته أو شحَّ عن الإنفاق في سبيله. . فإنه هالكٌ غير معذور، أو المراد: لا يعاقب مع هذه المسامحة العظيمة إلا مفرطٌ غاية التفريط. (فلله) دون غيره (الحمد) على هذا الفضل العظيم (والمنَّة) أي: النعمة

стр. 591

الثقيلة بما منحه لعبيده من آثار ذلك الفضل العظيم، وحباهم به من عدم معاملتهم بظاهر العدل. (سبحانه) أي: أُنزهه -بمعنى أعتقد تنزيهه- عن كل وصفٍ لا يليق بعلياء كماله الأعظم (لا نحصي) معشر الخلق (ثناءً عليه) في مقابلة نعمةٍ واحدةٍ من نعمه؛ لما يقترن بها من النعم التي لا تُحصى (١)، والألطاف التي لا تستقصى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ وإذا عجزنا عن إحصاء نعمه. . فنحن عن الثناء عليها أعجز. (وباللَّه) تعالى لا بغيره (التوفيق) إلى مرضاته، وفهم حكمه وأسراره، وإدامة الثناء عليه بما هو أهله، ومن ثم ورد في: "يا ربنا؛ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك" ما معناه: أن اللَّه تعالى يقول للملائكة: دعوا لي كتابة هذا؛ فإنكم تعجزون عن إحصاء ما يقابلها (٢). * * *

стр. 592

الحديث الثامن والثلاثون [محبة اللَّه لأوليائه وبيان طريق الولاية] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا. . فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ. . كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِيَ بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي. . لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي. . لأُعِيذَنَّهُ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إن اللَّه تعالى قال) علم به أن هذا من الأحاديث القدسية، ومر الكلام عليها مستوفى فراجعه (٢). (من عادى) من المعاداة ضد الموالاة، والعدو ضد الولي، والأنثى عدوة، وهو من النوادر؛ إذ فعول بمعنى فاعل لا تلحقه تاء؛ لاستواء المذكر والمؤنث فيه كصبور، وجمعه: عُدى بضم أوله وكسره، وعُداة بالضم لا غير. وفي رواية: "من أهان" (٣) (لي) متعلق بقوله: (وليًا) وهو: مَنْ تولَّى اللَّهَ بالطاعة والتقوى فتولاه اللَّهُ بالحفظ والنصرة، من الوَلْي؛ وهو القرب والدنو. فالولي هنا: القريب من اللَّه تعالى؛ لتقربه إليه باتباع أوامره، واجتناب نواهيه،

стр. 593

والإكثار من نوافل العبادات، مع كونه لا يفتر عن ذكره، ولا يرى بقلبه غيره؛ لاستغراقه في نور معرفته، فلا يرى إلا دلائل قدرته، ولا يسمع إلا آياته، ولا ينطق إلا بالثناء عليه، ولا يتحرك إلا في طاعته، وهذا هو المتقي؛ قال تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾. (فقد آذنته بالحرب) أي: أعلمته بأني محاربٌ له، ونظيره: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ويقرب منه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآيةَ، ومَنْ حاربه اللَّه تعالى -أي: عامله معاملة المحارب من التجلي عليه بمظاهر القهر والجلال والعدل والانتقام-. . لا يفلح أبدًا، وهذا من التهديد في الغاية القصوى؛ إذ غاية تلك المحاربة الإهلاك، فهي من المجاز البليغ (١)، وكأن المعْنيَّ فيه: ما اشتملت عليه تلك المعاداة من المعاندة للَّه بكراهة محبوبه. ومن ثم لما وقع ذلك لإبليس حين أبى عن السجود المأمور به لآدم. . أهلكه اللَّه هلاكًا لا شفاء له أبدًا، وفي ذلك إنذارٌ إلى كل من عادى وليًا له بأنه محاربه، فإذا أخذه على غرةٍ. . كان ذلك بعد الإعذار بتقديم الإنذار. وفي رواية بدل هذا: "فقد استحلَّ محارمي" (٢)، وفي أخرى: "فقد استحلَّ محاربتي" (٣)، وفي أخرى: "فقد بارزني بالمحاربة" (٤)، وفي أخرى: "فقد آذى اللَّه، ومن آذى اللَّه. . يوشك أن يأخذه" والكلام فيمن عادى وليًا من أجل ولايته وقربه من اللَّه تعالى، لا مطلقًا، فلا تدخل منازعته في محاكمةٍ أو خصومةٍ راجعةٍ لاستخراج حقٍّ أو كشف غامضٍ؛ لجريان نوعٍ ما من الخصومة بين أبي بكر وعمر، وعلي والعباس، وكثير من الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم، مع أن الكل أولياء اللَّه تعالى.

стр. 594

ومعنى معاداته من أجل ولايته: إيذاء من ظهرت عليه أمارات الولاية من قيامه بحقوق اللَّه تعالى وحقوق عباده؛ إما بإنكارها عنادًا أو حسدًا، أو بعدم الجري على ما ينبغي له من التأدب معه، أو بنحو سبِّه أو شتمه أو نحو ذلك من أنواع الإيذاء التي لا مسوغ لها شرعًا مع علم متعاطيها بذلك، وإذا علم ما في معاداة الولي من عظيم الوعيد والتهديد. . علم ما في موالاته من جسيم الثواب وباهر التوفيق والهداية والقرب والتأييد. تنبيه [اقتراف المعصية محاربة للَّه ] جميع المعاصي محاربة للَّه ، ومن ثم قال الحسن: (يا بن آدم؛ هل لك بمحاربة اللَّه من طاقة؛ فإن من عصى اللَّه. . فقد حاربه؟!) (١). ولكن كلما كان الذنب أقبح. . كان أشد محاربة للَّه تعالى؛ ولهذا سُمي أكَلة الربا وقطَّاع الطريق محاربين للَّه ورسوله؛ لعظم ظلمهم لعباده، وسعيهم بالفساد في بلاده. (وما تقرب إليَّ عبدي) (٢) في الإضافة ما يأتي (بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضت عليه) أي: من أدائه عينًا كان أو كفايةً؛ كالصلاة، وأداء الحقوق إلى أربابها، وبر الوالدين، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحِرَف والصنائع، وغير ذلك من سائر المفروضات؛ لأن الأمر بها جازمٌ، فيتضمن أمرين: الثواب على فعلها، والعقاب على تركها، بخلاف النوافل، فلذلك كانت الفرائض أكملَ وأحبَّ إلى اللَّه تعالى وأشدَّ تقريبًا، وروي: أن ثواب الفرض يعدل ثواب النفل بسبعين درجة. وبالجملة: فالفرض كالأساس، والنفل كالبناء على ذلك الأساس.

стр. 595

وفي رواية بدل هذا: "ابن آدم؛ لن تدرك ما عندي إلا بأداء ما افترضت عليك" (١)، وفي أخرى زيادة: "وإن من عبادي المؤمنين من يريد بابًا من العبادة فأكفُّه عنه؛ لا يدخله عجبٌ فيفسده" (٢). (ولا يزال عبدي) (٣) الإضافة فيه هنا للتشريف المُؤْذِن بمزيد رفعته وتأهيله إلى المقام الآتي. (يتقرب) وفي رواية: "يتحبب" (٤)، وفي أخرى: "يتنفل" (٥) (إليَّ بالنوافل) أي: التطوعات من جميع أصناف العبادات؛ ظاهرها: كتلاوة القرآن؛ إذ هو من أعظم ما يتقرب به، ومن ثم روى الترمذي: "ما تقرب العباد إلى اللَّه تعالى بمثل ما خرج منه" (٦) يعني: القرآن. وقال عثمان رضي اللَّه تعالى عنه: (لو طهرت قلوبكم. . ما شبعتم من كلام ربكم) (٧). وقال بعض العارفين لمريد: (أتحفظ القرآن؟ قال: لا، فقال: واغوثاه باللَّه! مريدٌ لا يحفظ القرآن؟! فبم يتنعم؟! فبم يترنم؟! فبم يناجي ربه ؟!) (٨). وكالذكر (٩)؛ أخرج البزار عن معاذ: قلت: أخبرني يا رسول اللَّه بأفضل الأعمال وأقربها إلى اللَّه ، قال: "أن تموت ولسانك رطبٌ بذكر اللَّه" (١٠). وكفى بشرفه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، وصح: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه

стр. 596

حيث يذكرني" (١)، وفي رواية: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه" (٢). وباطنها (٣): كالزهد، والورع، والتوكل، والرضا (٤)، وغيرها من سائر أحوال العارفين، سيما محبة أولياء اللَّه تعالى وأحبابه فيه، ومعاداة أعدائه فيه. وأخرج أبو داوود: "إن للَّه تعالى لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من اللَّه تعالى" قالوا: يا رسول اللَّه؛ من هم؟ قال: "هم قومٌ تحابوا بروح اللَّه على غير أرحامٍ بينهم، ولا أموالٍ يتعاطَونها، فواللَّه؛ إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس" ثم تلا هذه الآية: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٥). وأخرج أحمد: "لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب للَّه، ويبغض للَّه، فإذا أحب للَّه، وأبغض للَّه. . فقد استحقَّ الولاية من اللَّه تعالى" (٦). (حتى أحبه) بضم أوله وفتح ثالثه (٧)، فعلم أن إدامة النوافل -بعد أداء الفرائض؛ إذ قبل أدائها لا يعتد بالنوافل كما يشير إليه تأخير هذه وتقديم تلك- تفضي إلى محبة اللَّه تعالى للعبد، وصيرورته من جملة أوليائه الذين يحبهم ويحبونه كما هو معلومٌ من الشاهد؛ فإن من داوم خدمة سلطان ومهاداته. . أحبَّه وقرَّبه. ويؤخذ من سياق الحديث أن الولي إما متقربٌ بالفرائض؛ بألَّا يترك واجبًا ولا يفعل محرمًا، أو بها مع النوافل، وهذا أكمل وأفضل، ولهذا خُصَّ بالمحبة

стр. 597

السابقة والصيرورة الآتية، وأنه لا طريق إلى اللَّه تعالى وولايته ومحبته سوى طاعته التي جاء بها رسول اللَّه ﷺ ، وما عداها باطلٌ. ومر في شرح (الحادي والثلاثين) بسط الكلام على معنى محبة اللَّه لخلقه ومحبتهم له (١). (فإذا أحببته) لتقربه إليَّ بما ذكر حتى امتلأ قلبه من نور معرفتي، وأشرقت عليه أنوار ولايتي (كنت) أي: صرت حينئذٍ (سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش) بفتح أوله وكسر ثالثه أو ضمه (بها) ومنه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. (ورجله التي يمشي بها) وفي رواية: "وفؤاده الذي يعقل به، ولسانه الذي يتكلَّم به" (٢)، وفي أخرى: "ومن أحببته. . كنت له سمعًا وبصرًا، ويدًا ومؤيدًا، دعاني فأجبته، وسألني فأعطيته، ونصح لي فنصحت له، وإن من عبادي مَنْ لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته. . لأفسده ذلك" وذكر مثل ذلك في الفقر والصحة والسقم وقال: "إني أُدبِّر عبادي؛ لعلمي بما في قلوبهم، إني عليمُ خبيرٌ" (٣). ثم قيل: المراد بهذه الصيرورة: لازمها من حفظ هذه المذكورات عن أن تستعمل في معصية، أو المراد بسمعه: مسموعه؛ أي: لا يسمع إلا ذكري، ولا يلتذ إلا بتلاوة كتابي، ولا ينظر إلا في عجائب ملكوتي الدالة على وجودي وصفاتي، ولا يبطش ولا يمشي إلا لما فيه رضاي (٤). والتحقيق: أنه مجازٌ وكنايةٌ عن نصرة اللَّه تعالى لعبده المتقرب إليه بما ذكر، وتأييده وإعانته، وتولِّيه في جميع أموره حتى كأنه تعالى نزل نفسه من عبده منزلة الآلات والجوارح التي بها يدرك ويستعين، ولهذا جاء في رواية أخرى: "فبي

стр. 598

يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي" (١) أي: أنا الذي أقدرته على هذه الأفعال وخلقتها فيه، فأنا الفاعل لذلك، لا أنه يخلق أفعال نفسه؛ أي: سواء الجزئيات والكليات، خلافًا لما زعمته المعتزلة من خلقه للجزئيات، وهذا الحديث يرد عليهم. وزَعْمُ الاتحاديةِ والحلولية بقاء هذا الكلام على حقيقته، وأنه تعالى عَيْنُ عبده أو حالٌّ فيه. . ضلالٌ وكفرٌ إجماعًا، فاحذرهم؛ فإنهم ربما لبَّسوا على ضعفاء العقول فاستهووهم وأضلوهم؛ لتَزَيِّيهم بزي الصوفية، والصوفية بريئون منهم، فقاتلهم اللَّه أنى يؤفكون. نعم؛ ربما ظن مَنْ لا معرفة له باصطلاحهم من بعض عباراتهم ذلك، وهو فهمٌ باطلٌ عليهم، حاشاهم اللَّه تعالى من ذلك، وطهر أسرارهم من أن تزل بها قدم المحبة في سائر المسالك (٢). وحاصل ما تقرر: أن من اجتهد بالتقرب إلى اللَّه تعالى بالفرائض ثم بالنوافل. . قرَّبه اللَّه تعالى إليه ورقَّاه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان، فيصير يعبد اللَّه تعالى على الحضور والشوق إليه حتى يصير ما في قلبه من المعرفة مشاهدًا له بعين البصيرة فكأنه يراه، فحينئذٍ يمتلئ قلبه بمعرفته، ومحبته، وعظمته، ومهابته، وإجلاله، والأنس به، ثم لا تزال محبته تتزايد حتى لا يبقى في قلبه غيرها، فلا تستطيع جوارحه أن تعبث إلا بموافقة ما في قلبه (٣)، وهذا هو الذي يقال فيه: لا يبقى في قلبه إلا اللَّه تعالى؛ أي: معرفته ومحبته وذكره. وفي الخبر الإسرائيلي المشهور: "ما وسعني سمائي ولا أرضي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن" (٤)، وإلى هذا أشار ﷺ لمَّا قدم المدينة فقال: "أحبوا اللَّه من كل قلوبكم" رواه ابن إسحاق.

стр. 599

وعند امتلاء القلب بمعرفته تعالى ينمحي منه كل ما سواه، فلا ينطق إلا بذكره، ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق. . نطق باللَّه (١)، وإن سمع. . سمع به، وإن نظر. . نظر به، وإن بطش. . بطش به، ومن هنا قال علي كرم اللَّه وجهه: (إنا كنا لنرى أن شيطان عمر ليهابه أن يأمره بالخطيئة) (٢) وهذا هو التوحيد الأكمل؛ إذ مَنْ تحقَّق به. . لم يبقَ فيه محبةٌ لغير اللَّه تعالى بوجهٍ، وفي الحديث: "من أصبح وهمه غير اللَّه. . فليس من اللَّه"! (٣) أي: لا حظَّ له في قربه ومحبته ورضاه. (ولئن سألني. . لأعطينه) (٤) كما وقع لكثيرٍ من السلف وغيرهم، وقد استوفى كثيرًا منهم بعضُ الشراح فلا نطيل بذكرهم (٥). (ولئن استعاذني) بالنون أو الباء الموحدة (٦) (لأعيذنه) أي: مما يخاف، وهذا حال الحبيب مع محبوبه، وفي روايةٍ زيادة: "وإذا استنصرني. . نصرته" (٧)، وفي هذا الوعد المحقق المؤكد بالقسم إيذانٌ بأن من تقرَّب بما مر. . لا يُردُّ دعاؤه، وبأن الكُمَّل يطلب منهم الدعاء كغيرهم، خلافًا لمن زعم أن الأَولى تركه رضًا بما سبق من اختيار الحق، وكفاه ردًا عليه نصوص الكتاب والسنة بطلب الدعاء ومزيد فضله والحث عليه، وهي كثيرةٌ شهيرةٌ، وقد سأل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام العافية والرزق والولد. ولِمَا فيه من إظهار الذِّلة والافتقار إلى اللَّه تعالى وكونه ﷺ لم يأمر أحدًا بتركه، وإنما الذي، أمر به الصبر، وهو لا ينافي الدعاء، فقد دعا أيوب -صلى اللَّه على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وسلَّم- بكشف ضره مع قوله تعالى في حقه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.

стр. 600

وكان كثيرٌ من السلف مجابَ الدعوة، ومع ذلك صبروا على البلاء، منهم سعد بن أبي وقاص رضي اللَّه تعالى عنه، لما عمي. . قيل له: لو دعوت اللَّه تعالى؟ فقال: (قضاء اللَّه تعالى أحبُّ إليَّ من بصري) (١). وقيل لمن ابتُلي بالجذام وهو يعرف الاسم الأعظم: لو دعوت اللَّه تعالى؟ فقال: هو الذي ابتلاني، وأنا اكره أن أُرادِدَه، وقيل ذلك لإبراهيم التيمي وهو في سجن الحجاج، فقال: أكره أن أدعوه أن يفرج عنِّي ما لي فيه أجر، وصبر سعيد بن جبير على أذى الحجاج حتى قتله، مع أنه كان مجاب الدعوة (٢). وقد لا يُجاب الولي إلى سؤاله؛ لعلم اللَّه تعالى أن الخير له في غيره، مع تعويضه له خيرًا منه؛ إما في الدنيا، أو الآخرة (٣)، ومر خبر: "إن من عبادي المؤمنين من يريد بابًا من العبادة فأكفه عنه؛ لا يدخله عجبٌ فيفسده" (٤). (رواه البخاري) لكن بزيادة بعد (لأعيذنه): "وما ترددتُ عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت وأنا اكره مساءته" (٥) والتكلم في بعض رواته غيرُ مقبولٍ، ورُوي من وجوهٍ أُخَر سبقت الإشارة إليها، لكن لا تخلو كلها من مقال. نعم؛ له طريقٌ إسنادها جيدٌ، لكنه غريبٌ جدًّا، وهي أنه ﷺ قال: "إن اللَّه تعالى أوحى إليَّ: يا أخا المرسلين، ويا أخا المنذرين؛ أنذر قومك ألَّا يدخلوا بيتًا من بيوتي ولأحدٍ عندهم مظلمة؛ فإني ألعنه ما دام قائمًا بين يديَّ يصلي حتى يؤدي تلك الظلامة إلى أهلها، فأكون سمعه الذي يسمع به، وأكون بصره الذي
следующие страницы →