← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8889

الفتح المبين بشرح الأربعين

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (662 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

حيث يذكرني" (١)، وفي رواية: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه" (٢). وباطنها (٣): كالزهد، والورع، والتوكل، والرضا (٤)، وغيرها من سائر أحوال العارفين، سيما محبة أولياء اللَّه تعالى وأحبابه فيه، ومعاداة أعدائه فيه. وأخرج أبو داوود: "إن للَّه تعالى لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من اللَّه تعالى" قالوا: يا رسول اللَّه؛ من هم؟ قال: "هم قومٌ تحابوا بروح اللَّه على غير أرحامٍ بينهم، ولا أموالٍ يتعاطَونها، فواللَّه؛ إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس" ثم تلا هذه الآية: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٥). وأخرج أحمد: "لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب للَّه، ويبغض للَّه، فإذا أحب للَّه، وأبغض للَّه. . فقد استحقَّ الولاية من اللَّه تعالى" (٦). (حتى أحبه) بضم أوله وفتح ثالثه (٧)، فعلم أن إدامة النوافل -بعد أداء الفرائض؛ إذ قبل أدائها لا يعتد بالنوافل كما يشير إليه تأخير هذه وتقديم تلك- تفضي إلى محبة اللَّه تعالى للعبد، وصيرورته من جملة أوليائه الذين يحبهم ويحبونه كما هو معلومٌ من الشاهد؛ فإن من داوم خدمة سلطان ومهاداته. . أحبَّه وقرَّبه. ويؤخذ من سياق الحديث أن الولي إما متقربٌ بالفرائض؛ بألَّا يترك واجبًا ولا يفعل محرمًا، أو بها مع النوافل، وهذا أكمل وأفضل، ولهذا خُصَّ بالمحبة

стр. 597

السابقة والصيرورة الآتية، وأنه لا طريق إلى اللَّه تعالى وولايته ومحبته سوى طاعته التي جاء بها رسول اللَّه ﷺ ، وما عداها باطلٌ. ومر في شرح (الحادي والثلاثين) بسط الكلام على معنى محبة اللَّه لخلقه ومحبتهم له (١). (فإذا أحببته) لتقربه إليَّ بما ذكر حتى امتلأ قلبه من نور معرفتي، وأشرقت عليه أنوار ولايتي (كنت) أي: صرت حينئذٍ (سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش) بفتح أوله وكسر ثالثه أو ضمه (بها) ومنه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. (ورجله التي يمشي بها) وفي رواية: "وفؤاده الذي يعقل به، ولسانه الذي يتكلَّم به" (٢)، وفي أخرى: "ومن أحببته. . كنت له سمعًا وبصرًا، ويدًا ومؤيدًا، دعاني فأجبته، وسألني فأعطيته، ونصح لي فنصحت له، وإن من عبادي مَنْ لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته. . لأفسده ذلك" وذكر مثل ذلك في الفقر والصحة والسقم وقال: "إني أُدبِّر عبادي؛ لعلمي بما في قلوبهم، إني عليمُ خبيرٌ" (٣). ثم قيل: المراد بهذه الصيرورة: لازمها من حفظ هذه المذكورات عن أن تستعمل في معصية، أو المراد بسمعه: مسموعه؛ أي: لا يسمع إلا ذكري، ولا يلتذ إلا بتلاوة كتابي، ولا ينظر إلا في عجائب ملكوتي الدالة على وجودي وصفاتي، ولا يبطش ولا يمشي إلا لما فيه رضاي (٤). والتحقيق: أنه مجازٌ وكنايةٌ عن نصرة اللَّه تعالى لعبده المتقرب إليه بما ذكر، وتأييده وإعانته، وتولِّيه في جميع أموره حتى كأنه تعالى نزل نفسه من عبده منزلة الآلات والجوارح التي بها يدرك ويستعين، ولهذا جاء في رواية أخرى: "فبي

стр. 598

يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي" (١) أي: أنا الذي أقدرته على هذه الأفعال وخلقتها فيه، فأنا الفاعل لذلك، لا أنه يخلق أفعال نفسه؛ أي: سواء الجزئيات والكليات، خلافًا لما زعمته المعتزلة من خلقه للجزئيات، وهذا الحديث يرد عليهم. وزَعْمُ الاتحاديةِ والحلولية بقاء هذا الكلام على حقيقته، وأنه تعالى عَيْنُ عبده أو حالٌّ فيه. . ضلالٌ وكفرٌ إجماعًا، فاحذرهم؛ فإنهم ربما لبَّسوا على ضعفاء العقول فاستهووهم وأضلوهم؛ لتَزَيِّيهم بزي الصوفية، والصوفية بريئون منهم، فقاتلهم اللَّه أنى يؤفكون. نعم؛ ربما ظن مَنْ لا معرفة له باصطلاحهم من بعض عباراتهم ذلك، وهو فهمٌ باطلٌ عليهم، حاشاهم اللَّه تعالى من ذلك، وطهر أسرارهم من أن تزل بها قدم المحبة في سائر المسالك (٢). وحاصل ما تقرر: أن من اجتهد بالتقرب إلى اللَّه تعالى بالفرائض ثم بالنوافل. . قرَّبه اللَّه تعالى إليه ورقَّاه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان، فيصير يعبد اللَّه تعالى على الحضور والشوق إليه حتى يصير ما في قلبه من المعرفة مشاهدًا له بعين البصيرة فكأنه يراه، فحينئذٍ يمتلئ قلبه بمعرفته، ومحبته، وعظمته، ومهابته، وإجلاله، والأنس به، ثم لا تزال محبته تتزايد حتى لا يبقى في قلبه غيرها، فلا تستطيع جوارحه أن تعبث إلا بموافقة ما في قلبه (٣)، وهذا هو الذي يقال فيه: لا يبقى في قلبه إلا اللَّه تعالى؛ أي: معرفته ومحبته وذكره. وفي الخبر الإسرائيلي المشهور: "ما وسعني سمائي ولا أرضي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن" (٤)، وإلى هذا أشار ﷺ لمَّا قدم المدينة فقال: "أحبوا اللَّه من كل قلوبكم" رواه ابن إسحاق.

стр. 599

وعند امتلاء القلب بمعرفته تعالى ينمحي منه كل ما سواه، فلا ينطق إلا بذكره، ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق. . نطق باللَّه (١)، وإن سمع. . سمع به، وإن نظر. . نظر به، وإن بطش. . بطش به، ومن هنا قال علي كرم اللَّه وجهه: (إنا كنا لنرى أن شيطان عمر ليهابه أن يأمره بالخطيئة) (٢) وهذا هو التوحيد الأكمل؛ إذ مَنْ تحقَّق به. . لم يبقَ فيه محبةٌ لغير اللَّه تعالى بوجهٍ، وفي الحديث: "من أصبح وهمه غير اللَّه. . فليس من اللَّه"! (٣) أي: لا حظَّ له في قربه ومحبته ورضاه. (ولئن سألني. . لأعطينه) (٤) كما وقع لكثيرٍ من السلف وغيرهم، وقد استوفى كثيرًا منهم بعضُ الشراح فلا نطيل بذكرهم (٥). (ولئن استعاذني) بالنون أو الباء الموحدة (٦) (لأعيذنه) أي: مما يخاف، وهذا حال الحبيب مع محبوبه، وفي روايةٍ زيادة: "وإذا استنصرني. . نصرته" (٧)، وفي هذا الوعد المحقق المؤكد بالقسم إيذانٌ بأن من تقرَّب بما مر. . لا يُردُّ دعاؤه، وبأن الكُمَّل يطلب منهم الدعاء كغيرهم، خلافًا لمن زعم أن الأَولى تركه رضًا بما سبق من اختيار الحق، وكفاه ردًا عليه نصوص الكتاب والسنة بطلب الدعاء ومزيد فضله والحث عليه، وهي كثيرةٌ شهيرةٌ، وقد سأل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام العافية والرزق والولد. ولِمَا فيه من إظهار الذِّلة والافتقار إلى اللَّه تعالى وكونه ﷺ لم يأمر أحدًا بتركه، وإنما الذي، أمر به الصبر، وهو لا ينافي الدعاء، فقد دعا أيوب -صلى اللَّه على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وسلَّم- بكشف ضره مع قوله تعالى في حقه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.

стр. 600

وكان كثيرٌ من السلف مجابَ الدعوة، ومع ذلك صبروا على البلاء، منهم سعد بن أبي وقاص رضي اللَّه تعالى عنه، لما عمي. . قيل له: لو دعوت اللَّه تعالى؟ فقال: (قضاء اللَّه تعالى أحبُّ إليَّ من بصري) (١). وقيل لمن ابتُلي بالجذام وهو يعرف الاسم الأعظم: لو دعوت اللَّه تعالى؟ فقال: هو الذي ابتلاني، وأنا اكره أن أُرادِدَه، وقيل ذلك لإبراهيم التيمي وهو في سجن الحجاج، فقال: أكره أن أدعوه أن يفرج عنِّي ما لي فيه أجر، وصبر سعيد بن جبير على أذى الحجاج حتى قتله، مع أنه كان مجاب الدعوة (٢). وقد لا يُجاب الولي إلى سؤاله؛ لعلم اللَّه تعالى أن الخير له في غيره، مع تعويضه له خيرًا منه؛ إما في الدنيا، أو الآخرة (٣)، ومر خبر: "إن من عبادي المؤمنين من يريد بابًا من العبادة فأكفه عنه؛ لا يدخله عجبٌ فيفسده" (٤). (رواه البخاري) لكن بزيادة بعد (لأعيذنه): "وما ترددتُ عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت وأنا اكره مساءته" (٥) والتكلم في بعض رواته غيرُ مقبولٍ، ورُوي من وجوهٍ أُخَر سبقت الإشارة إليها، لكن لا تخلو كلها من مقال. نعم؛ له طريقٌ إسنادها جيدٌ، لكنه غريبٌ جدًّا، وهي أنه ﷺ قال: "إن اللَّه تعالى أوحى إليَّ: يا أخا المرسلين، ويا أخا المنذرين؛ أنذر قومك ألَّا يدخلوا بيتًا من بيوتي ولأحدٍ عندهم مظلمة؛ فإني ألعنه ما دام قائمًا بين يديَّ يصلي حتى يؤدي تلك الظلامة إلى أهلها، فأكون سمعه الذي يسمع به، وأكون بصره الذي

стр. 601

يبصر به، ويكون من أوليائي وأصفيائي، ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء في الجنة" (١). قال ابن الصلاح: وليس المراد بالتردد هنا حقيقته المعروفة منا، بل أنه يفعل به كفعل المتردد الكاره؛ أي: فهو لمحبته له يكره مساءته بالموت؛ لأنه أعظم آلام الدنيا إلا على قليلين وإن كان لا بد له منه كما في رواية؛ لما سبق من محتوم قضائه وقدره: أن كل نفسٍ ذائقة الموت (٢)، وفيه إشعار بأنه لا يفعل به ذلك مريدًا إهانته، بل رفعتَه؛ إذ هو طريقٌ إلى انتقاله إلى دار الكرامة والنعيم. وهذا الحديث أصلٌ في السلوك إلى اللَّه تعالى والوصول إلى محبته ومعرفته وطريقه؛ إذ المفروضات إما باطنٌ كالإيمان، أو ظاهرٌ كالإسلام، أو مركبٌ منهما وهو الإحسان فيهما كما مر، والإحسان هو المتضمن لمقامات السالكين؛ كالتوكل، والزهد، والإخلاص، والتوبة، والمراقبة، ونحوها، وهو كثيرٌ، فقد جمع هذا الحديث الحقيقة والشريعة. * * *

стр. 602

الحديث التاسع والثلاثون [رفع الحرج في الإسلام] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" حدِيثٌ حسَنٌ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَغَيْرُهُمَا (١). (عن ابن عباس رضي اللَّه) تعالى (عنهما: أن رسول اللَّه ﷺ قال: إن اللَّه تجاوز) من (جازه) إذا تعدَّاه وعَبَر عليه، وهو هنا بمعنى: ترك، أو رفع (لي) أي: لأجلي (عن أمتي الخطأ) يحتمل عن حكمه، أو عن إثمه، أو عنهما جميعًا، وهذا هو الأشبه؛ إذ لا مرجح لأحدهما، فأُبْقي الحديث على تناولهما، وتخصيصه بالثاني يحتاج لدليلٍ كما يأتي، ولا ينافي ما قلناه ضمانُ نحو المخطئ للأموال والديات، ووجوب الإعادة على مَنْ صلَّى محدثًا أو بنجسٍ مثلًا ناسيًا، وإثم المكره على القتل؛ لأن ذلك خرج عن حكم هذا الحديث بدليلٍ آخر منفصل، فأُبْقي على تناوله للأمرين -فيما عدا ما خرج لدليل- هنا. والمراد بالخطأ هنا: ضد العمد؛ وهو: أن يقصِد بفعله شيئًا فيصادف غير ما قصد، لا ضد الصواب، خلافًا لمن زعمه؛ لأن تعمُّد المعصية يسمَّى خطأً بالمعنى الثاني، وهو غير ممكن الإرادة هنا (٢). ولفظه يمد ويقصر، ويطلق على الذنب أيضًا من (خطئ وأخطأ) بمعنًى على

стр. 603

ما قاله أبو عبيد (١)، وقال غيره: المخطئ: من أراد الصواب فصار إلى غيره، والخاطئ: من تعمد ما لا ينبغي، وفي رواية: "إن اللَّه تجاوز لأمتي عن الخطأ" (٢) وهي أظهر؛ إذ لا يحتاج فيها إلى تضمين (تجاوز) لغيره بخلاف الأُولى كما تقرر. (والنسيان) بكسر النون، وهو ضد الذُّكر والحفظ، وقد يطلق على الترك من حيث هو (٣)، ومنه: ﴿نَسُوْا اللَّه فَنَسِيَهُمْ﴾، ﴿وَلَا تَنسَوْا الْفَضِلَ بَيْنَكُمْ﴾. (وما استكرهوا عليه) من (أكرهته على كذا) إذا حملتَهُ عليه قهرًا، والكره -بالضم-: المشقة، وبالفتح: الإكراه، وقال الكسائي: هما لغتان. (حديث حسن، رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما) كابن حبان في "صحيحه" والدارقطني بإسنادٍ صحيح (٤)، بل كل رجاله يحتج بهم في "الصحيحين"، ومن ثم قال الحاكم: صحيح على شرطهما (٥)، لكن أُعلَّ بالإرسال، وممَّن أنكر وصله أحمد وأبو حاتم الرازي، بل قال: وصْلُه موضوعٌ، وحكى البيهقي عن محمد بن نصر المروزي أنه قال: ليس لهذا الحديث إسنادٌ يحتج به. وكل ذلك مردودٌ؛ للقاعدة المشهورة: أنه إذا تعارض وصلٌ وإرسالٌ. . فالحكم للأول؛ لأن مع صاحبه زيادة علم، وعلى التنزل فقد روي مرفوعًا من وجوهٍ أخر يفيد مجموعها أنه حسن، فلذا قال المصنف: إنه حسن. وهو عامُّ النفع؛ لوقوع الثلاثة في سائر أبواب الفقه، عظيم الوقع، يصلح أن يسمى نصف الشريعة؛ لأن فعل الإنسان الشامل لقوله إما أن يصدر عن قصدٍ واختيارٍ

стр. 604

وهو العمد مع الذكر اختيارًا، أو لا عن قصدٍ واختيارٍ وهو الخطأ أو النسيان، أو الإكراه، وقد علم من هذا الحديث صريحًا: أن هذا القسم معفوٌّ عنه، ومفهومًا: أن الأولى مؤاخذٌ به، فهو نصف الشريعة باعتبار منطوقه، وكلها باعتباره مع مفهومه، ثم العفو عن ذلك هو مقتضى الحكمة والنظر، مع أنه تعالى لو واخَذَ بها. . لكان عادلًا، وذلك لأن فائدة التكليف وغايته: تمييزُ الطائع من العاصي ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾، وكلٌّ من الطاعة والمعصية يستدعي قصدًا ليرتبط به ثوابٌ أو عقابٌ، وهؤلاء الثلاثة لا قصد لهم، أما الأولان. . فظاهرٌ، وأما الثالث. . فلأن القصد لمُكرهه لا له؛ إذ هو كالآلة، ومن ثم ذهب أكثر الأصوليين إلى عدم تكليفهم. فعلم أن في هذا الحديث دليلًا لأظهر قولي الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه: إن الناسي للمحلوف عليه ولو بطلاقٍ أو عتاقٍ والجاهل به لا يحنثان، لكن لا تنحل اليمين على الأصح (١)؛ لأنا إذا لم نُحَنِّثْهُ. . لم نجعل يمينه متناولةً لما وجد؛ إذ لو تناولته. . لحنث، كما لو قال: لا أفعله جاهلًا ولا ناسيًا، وقال مالك: يحنثان؛ لأن المرفوع إنما هو إثم الخطأ والنسيان لا ذاتهما، وهو تقديرٌ يحتاج لدليل، وأن من تكلَّم في صلاته كلامًا قليلًا ناسيًا، أو أكل ولو كثيرًا في صومه، أو جامع فيه أو في نسكه. . لا شيء عليه، والفرق: أن الصلاة لها هيئةٌ مُذكِّرةٌ دون الصوم، فكان الإكثار مع النسيان عذرًا فيه دونها. وفيه دليلٌ لما عليه جمهور العلماء: أن جميع أقوال المكرَه لغوٌ لا يترتب عليها مقتضاها، سواء العقود والفسوخ وغيرها، والأصح عندنا كالجمهور: أن المكره لا يحنث أيضًا، واستدل له الشافعي فقال: قال اللَّه جل ثناؤه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. وللكفر أحكامٌ، فلما وضع اللَّه تعالى الإثم. . سقطت أحكام الإكراه عن القول كله؛ لأن الأعظم إذا سقط عن الناس. . سقط ما هو الأصغر منه، ثم استدل بهذا

стр. 605

الحديث، وأسند عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها عن النبي ﷺ أنه قال: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" (١) أي: إكراه، وهو مذهب عمر وابنه وابن الزبير رضي اللَّه تعالى عنهم، وتزوج ثابت بن الأحنف أم ولدٍ لعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، فأكره بالسياط والتخويف على طلاقها في خلافة ابن الزبير، فقال له ابن عمر: (لم تَطْلُقْ عليك، ارجع إلى أهلك) وكان ابن الزبير بمكة، وكتب له إلى عامله على المدينة -وهو جابر بن الأسود- أن يردَّ إليه زوجته، وأن يعاقب عبد الرحمن مولاها المذكور، فجهزتها له صفية زوجة عبد اللَّه بن عمر، وحضر عبد اللَّه عرسه (٢). وقال أبو حنيفة ومالك ﵄: يحنث المكره (٣)؛ لأن صورة المحلوف عليه قد وجدت، والكفارة لا تسقط بالأعذار، أَلَا ترى أنه يلزمه أن يحنث نفسه ومع ذلك تلزمه الكفارة؟! وجوابه: أن التعليل بوجود صورة المحلوف عليه لم يقم عليه دليلٌ، بل قام الدليل على أنه يخص منه وجودها مع خطأ أو نسيان أو إكراه، وكون الكفارة لا تسقط بالأعذار لا ينافي ما ذكرناه؛ لأن من لزمه الحنث له مندوحةٌ عنه من غير أذًى بدنيٍّ يلحقه (٤)، فلم يسمَّ مكرهًا حتى يرتفع عنه وجوبها، بخلاف المكره. ويدل لما ذكرناه أنه لو حلف مكرهًا. . لا تنعقد يمينه، فكذا إذا فعل المحلوف عليه مكرهًا، فقد أثر الإكراه في أحد سببي وجوب الكفارة، ومر أن الإكراه لو قارن كلمة الكفر. . لم يتعلق بها حكمها، فكذا إذا قارن سبب الكفارة، وما نقل عن مالكٍ ﵁ قد ينافيه ما حكي عنه أنه ضُرِب سبعين سوطًا على أن يفتي بانعقاد يمين

стр. 606

المكره فلم يفعل (١)، إلا أن يجاب بأنه يرى أن الإكراه يؤثر في الانعقاد دون الحنث، وهو ما يدل عليه كلام بعضهم. واعلم: أنهم أجمعوا على أن مَنْ أُكره على الكفر. . لزمه الإتيان بالمعاريض وبما يوهم أنه كفرٌ ما لم يُكره على التصريح بخصوصه، بشرط طمأنينة القلب على الإيمان غير معتقدٍ لما يقوله، ولو صبر حتى قتل. . كان أفضل. قال بعض أئمتنا: ولا يتصور الإكراه على الجماع؛ لأنه متعلقٌ بالشهوة، والأصح: تصوُّره؛ لأنها عند مشاهدة أسبابها قهريةٌ على الإنسان. ولا يباح القتل بالإكراه إجماعًا وكذا الزنا، وما عداهما من المعاصي يباح به. نعم؛ المكره الذي لا اختيار له بالكلية كمن حُمل كرهًا وضرب به غيره حتى مات، أو ربطت فزُني بها ولا قدرة لهما على الامتناع بوجهٍ. . لا يأثمان إجماعًا. وكذا لا يحنث عند جمهور العلماء من حُمل كرهًا وأدخل محلًّا حلف لا يدخله، ولا يعارض ما مر خبرُ: "لا تشركوا باللَّه شيئًا وإن قُطِّعتم وحُرِّقتم" (٢)؛ لأن المرادَ: النهيُ عن الشرك بالقلب، والكلام في الإكراه بغير حقٍّ، أما به. . فهو غير مانعٍ من لزوم ما أكره عليه، ومن ثم لو أكره حربيٌّ على الإسلام. . صحَّ إسلامه. فائدة [في بيان سبب نزول آخر "سورة البقرة "] لما نزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. . شقَّ ذلك على الصحابة، فجاء جماعة منهم للنبي ﷺ وقالوا: كُلِّفنا من العمل ما لا نطيق؛ إن أحدنا ليحدِّث نفسه بما لايحب أن يثبت في قلبه وأن له الدنيا، فقال لهم النبي ﷺ : "فلعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا، قولوا: سمعنا وأطعنا" فقالوا ذلك، فلما دارت بها

стр. 607

ألسنتهم واطمأنت إليها نفوسهم. . أنزل اللَّه تعالى بعد عام الفرَجَ والرحمةَ بقوله جلَّ ثناؤه نسخًا لتلك: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ إلى آخر السورة، فلما قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. . قال: قد فعلت (١)، وكذا في كل مما بعدها إلى: ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾، ومر عن بعضهم أنه لا يؤمَّن عند هذه الثلاث؛ لأن اللَّه تعالى قال: قد فعلت، بل عند قوله: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ إلى آخر السورة، والأصح: أنه يؤمَّن. فائدة أخرى [في بيان بطلان مذهب أهل التقية] زعم الشيعة وغيرهم -قبَّحهم اللَّه- أن مبايعة عليٍّ أبا بكر رضي اللَّه تعالى عنهما إنما كانت تَقِيَّةً، واستدلوا على جواز التَّقِيَّة بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطمَئِنُّ بِالْإِيمَانِ﴾، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوْا مِنهُمْ تُقَاةً﴾ وقرئ: ﴿تَقِيَّةً﴾، وبحديث: أنه ﷺ استأذن عليه رجلٌ فقال: "بئس أخو العشيرة" فلما دخل. . ألَانَ له القول، وضحك إليه، فسُئل عن ذلك فقال: "إن شر الناس مَنْ أكرمه الناس اتقاء شره" (٢). وجوابه: أنه لا مبالاة بإثبات التَّقِيَّة في غير محل النزاع، وإنما كره العلماء لفظها (٣)؛ لكونها من مستندات الشيعة، وإلَّا. . فالعالَم مطبقون على استعمالها، وبعضهم يسميها مداراةً، وبعضهم مصانعةً، وبعضهم عقلًا معيشيًا، وعليها أدلة الشرع السابقة وغيرها، وإنما النزاع في إثباتها لعلي وحاشاه اللَّه منها، كما بينتُ ذلك وبسطتُ الكلام عليه في مواضع عديدةٍ في كتابي "الصواعق المحرقة لإخوان الشياطين والضلال والابتداع والزندقة" فانظر ذلك منه؛ فإنه مهمٌّ، وقد صرَّح جمعٌ من أكابر أهل البيت بنفيها عن علي رضي اللَّه تعالى عنه وكرم اللَّه وجهه؛ كما بينته ثَم وأطلتُ الكلام فيه أيضًا. * * *

стр. 608

الحديث الأربعون [اغتنام الأوقات قبل الوفاة] عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: "كُنْ فِي الْدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ" وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ. . فَلَا تَنْتَظِرِ الْصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ. . فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمن حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). (عن ابن عمر رضي اللَّه) تعالى (عنهما قال: أخذ رسول اللَّه ﷺ بمنكبي) هو بفتح الميم وكسر الكاف: مجمع العضد والكتف، ويروى بالإفراد والتثنية، وفيه: مسُّ المعلم أو الواعظ بعضَ أعضاء المتعلم أو الموعوظ عند التعلم أو الوعظ، ونظيره: قول ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه: (علمني رسول اللَّه ﷺ التشهد كفِّي بين كفيه) (٢). وحكمة ذلك: ما فيه من التأنيس والتنبيه والتذكير؛ إذ محالٌ عادةً أن ينسى مَنْ فُعِلَ معه ذلك ما يقال له معه، وهذا لا يفعل غالبًا إلا مع من يميل إليه الفاعل، ففيه دليلٌ على محبته ﷺ لهما. (فقال: كلن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) (٣) زاد الترمذي: "وعدَّ نفسك

стр. 609

من أهل القبور" (١)، وأحمد والنسائي أولَهُ: "اعبد اللَّه كأنك تراه، وكن في الدنيا. . . " إلى آخره (٢). ثم هذا الحديث أصلٌ عظيمٌ في قِصَر الأمل في الدنيا، وأن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذها وطنًا ومسكنًا، بل ينبغي له أن يكون فيها كأنه على جناح سفر؛ يهيئ جهازه للرحيل، وقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم عليهم الصلاة والسلام. وفيه: الابتداءُ بالنصيحة، والإرشادُ لمن لم يطلب ذلك، وحرصُه ﷺ على أصل الخير لأمته؛ لأن هذا لا يخص ابن عمر، بل يعم جميع الأمة، والحضُّ على ترك الدنيا والزهد فيها، وألَّا يأخذ منها إلا مقدار الضرورة المعينة على الآخرة؛ إذ الغريب المقيم ببلد الغربة متوحشٌ لا يجد من يستأنس به، ولا مقصد له إلا الخروج عن غربته إلى وطنه من غير أن ينافس أحدًا في مجلسٍ أو غيره، أو يتأثر بنحو لبسه لغير لائقٍ به. وكذلك عابر السبيل -أي: المار على الطريق، وهو المسافر- إذ لا أرب له إلا فيما يُبَلِّغه إلى وطنه واجتماعه بأهله، فلا يتخذ في بعض المراحل نحو دارٍ ولا بستانٍ؛ لعلمه بقلَّة إقامته، وأنه لو أمكنه الطيران. . فَعَلَه ولا يُعرِّج على غير سبب الوصول، فمن ثَمَّ أوصى ﷺ ابن عمر أن يكون على أحد هذين الحالين؛ يُنَزِّل نفسه منزلةَ غريبٍ، فلا يعلِّق قلبه ببلد الغربة، بل بوطنه الذي يرجع إليه؛ إذ إقامته إنما هي لبعض مؤنة جهازه إلى الرجوع إلى وطنه، أو منزلةَ مسافر ليله ونهاره إلى مقصده، فلا همة له إلا في تحصيل زاد السفر دون الاستكثار من أمتعة أخرى. ومن ثم أوصى ﷺ جماعةً من أصحابه بأن يكون بلاغهم من الدنيا

стр. 610

كزاد الراكب (١)، وذلك لأن الإنسان إنما أُوجد ليمتحن بالطاعة فيثاب، وبالمعصية فيعاقب: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، فهو كعبدٍ أرسله سيده في حاجةٍ، فهو إما غريبٌ، أو عابر سبيل، فشأنه أن يبادر بقضائها ثم يرجع لوطنه. فكل هذه الأحوال ينبغي لطالب الآخرة أن يكون متلبسًا بها؛ ليحوز ما أعده اللَّه تعالى له من النعيم المقيم: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيْكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ وفقنا اللَّه تعالى لذلك بمنِّه وكرمه. (وكان ابن عمر رضي اللَّه) تعالى (عنهما يقول: إذا أمسيت. . فلا تنتظر) بأعمال الليل (الصباح، وإذا أصبحت. . فلا تنتظر) بأعمال الصباح (المساء) لأن لكلٍّ منهما عملًا يخصه، فإذا أُخِّر عنه. . فات ولم يُستدرك كمالُه وإن شُرِع قضاؤه، فطلبت المبادرة بعمل كلٍّ في وقته. أو المراد: إذا أمسيت. . فلا تحدِّث نفسك بالبقاء إلى الصباح، وإذا أصبحت. . فلا تحدث نفسك بالبقاء إلى المساء، بل انتظر الموت في كل وقتٍ، واجعله نصب عينيك (٢). وعقَّب به المصنف ما قبله؛ لأن ذلك للحضِّ على ترك الدنيا والزهد فيها، وهذا للحض على تقصير الأمل، فذاك متوقفٌ على هذا؛ لأنه المصلح للعمل، والمنجي من آفات التراخي والكسل؛ فإنه من طال أمله. . ساء عمله، فعلم أن هذا سببٌ للزهد في الدنيا. وقولهم: (إنه هو) (٣) أرادوا به أن بينهما تلازمًا صيَّرهما كالشيء الواحد، فهو مجاز، وإلَّا. . فالحقيقة ما قلناه، فمن قصر أمله. . زهد، ومن طال أمله. . طمع

стр. 611

ورغب، وترك الطاعة، وتكاسل عن التوبة، وقسا قلبه؛ لنسيانه الآخرة ومقدماتها (١) من الموت وما بعده من الأهوال، وإنما رقة القلب وصفاؤه بذكر ذلك؛ قال تعالى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. وجاء عن ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه قال: خطَّ النبي ﷺ خطًا مربعًا، وخطَّ خطًا في الوسط، وخطَّ خطًا خارجًا، وخط خطوطًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من حواليه فقال: "هذا الإنسان -يعني الخطَّ الذي في الوسط- وهذا أجله محيطٌ به، وذاك أمله خارج الخط، وقد حالَ الأجل بينه وبين أمله، وهذه المخطوط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا. . نهشه هذا، وإن أخطأه هذا. . نهشه هذا، وإن أخطأتْهُ كلُّها. . أصابه الهرم" (٢). وهذا صورته: [صورة] وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: خطَّ النبي ﷺ خطوطًا فقال: "هذا الإنسان، وهذا الأمل، وهذا الأجل، فبينما هو كذلك. . إذ جاءه الخط الأقرب" (٣) وهو أجله المحيط به. وهذا تنبيهٌ منه ﷺ على تقصير الأمل، واستشعار الأجل خوف بغتته، ومن غُيِّب عنه أجله. . فهو حريٌّ بتوقعه وانتظاره خشية هجومه عليه في حال

стр. 612

غرةٍ وغفلةٍ (١)، فينبغي للعاقل أن يجاهد أمله وهواه؛ فإن ابن آدم مجبولٌ على الأمل، وورد أنه ﷺ قال: "لا يزال قلب الكبير شابًا في حب الدنيا وطول الأمل" (٢). وقال ابن عمر: رآني رسول اللَّه ﷺ وأنا أصلح خُصًّا، فقال: "ما هذا؟ " قلت: خُصٌّ لنا نصلحه، فقال: "ما أرى الأمر إلا أقرب من ذلك" (٣). فعلم أن قصر الأمل أصل كل خير، وطوله أصل كل شر؛ فان من لا يقدِّر في نفسه أنه يعيش غدًا. . لا يسعى لكفايته ولا يهتم بها، فيصير حرًا من رق الحرص والطمع والذل لأبناء الدنيا، ومن يقدِّر أنه يعيش عشر سنين مثلًا. . يصير عبدًا لهذه الأوصاف الذميمة، ولا يكفيه شيءٌ من الدنيا، ولا يملأ عينه وبطنه إلا التراب؛ كما جاء في الحديث (٤). (وخذ من صحتك لمرضك) (٥) أي: اغتنم العمل حال الصحة؛ فإنه ربما عرض مرضٌ مانعٌ منه، فتقدَم المعاد بغير زاد. (ومن حياتك لموتك) أي: اغتنم ما تلقى نفعه بعد موتك ما دمت حيًا؛ فإن من مات. . انقطع عمله، وفات أمله، وحق ندمه، وتوالى حزنه وهمه، فاستسلفْ منك لك، واعلم: أنه سيأتي عليك زمانٌ طويلٌ وأنت تحت الأرض، لا يمكنك أن تذكر اللَّه ، فبادر في زمن قوَّتك وحياتك، واغتنم فرصة الإمكان لعل أن تسلم من العذاب والهوان (٦).

стр. 613

وما ذكره ابن عمر مقتضبٌ من معنى الحديث؛ لأن الغريب إذا أمسى في بلد غربته. . لا ينتظر الصباح، وإذا أصبح. . لا ينتظر المساء، فكذلك الإنسان في الدنيا المشبه للغريب في حاله، وإمكانِ حدوث ترحاله. وقد ورد معنى هذه الوصية عنه ﷺ من عدة طرقٍ؛ منها خبر الحاكم: أنه ﷺ قال لرجلٍ وهو يعظه: "اغتنم خمسًا قبل خمسٍ: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك" (١). وفي الحديث أيضًا: "بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم" (٢) أي: لما صح: "ثلاثٌ إذا خرجن. . لم ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانُها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض" (٣). وروى الترمذي: "ما من ميتٍ يموت إلا ندم" قالوا: وما ندامته؟ قال: "إن كان محسنًا. . ألَّا يكون زاد، وإن كان مسيئًا. . ألَّا يكون استعتب" (٤) أي: تاب وأصلح شأنه؛ فلذا يتعيَّن اغتنام ما بقي من العمر؛ إذ هو لا قيمة له، قال ابن جبير: (كل يوم يعيشه المؤمن غنيمة) (٥). (رواه البخاري) وهو حديثٌ شريفٌ، عظيم القدر، جليل الفوائد، جامعٌ لأنواع الخير وجوامع المواعظ، فانظر إلى ألفاظه ما أحسنها، وأشرفها، وأعظمها بركة، وأجمعها لخصال الخير، والحث على الأعمال الصالحة أيام الصحة والحياة! * * *

стр. 614

الحديث الحادى والأربعون [اتباع النبي ﷺ ] عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُوَنَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ" حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَيْنَاهُ في كُتَابِ "الْحُجَّةِ" بِإسْنَادٍ صَحِيحٍ. (عن أبي محمد) ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو نُصير (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضي اللَّه) تعالى (عنهما) القرشي السهمي، روي أنه ﷺ قال فيهما وفي أمه: "نِعمَ البيت عبد اللَّه، وأبو عبد اللَّه، وأم عبد اللَّه" (١)، وكان يفضله على أبيه، وهو أكبر منه باثنتي عشرة سنة، وقيل: بإحدى عشرة سنة. أسلم قبل أبيه، وكان غزير العلم، مجتهدًا في العبادة، وهو أجلُّ العبادلة؛ إذ هو من عُبَّاد الصحابة وزُهَّادهم وفضلائهم وعلمائهم، ومن اكثرهم رواية، قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: (ما أحدٌ أكثر حديثًا عن رسول اللَّه ﷺ منِّي إلا عبد اللَّه بن عمرو؛ فإنه كان يكتب وكنت لا أكتب) (٢). روي له سبع مئة حديث، اتفقا على سبعة عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين، وروايته أكثر من ذلك كما مر، وإنما توعَّرتِ الطرق في الرواية عنه، فكان ذلك سببًا في قلة ما أُثر وصح عنه، وقد كان استأذن النبي ﷺ في الكتابة عنه في حال الرضا والغضب، فأذن له، فقال: إنه حفظ عنه ﷺ ألف مَثَلٍ، وكان قد قرأ الكتب (٣).

стр. 615

وكان يصوم النهار، ويقوم الليل، ويرغب عن غشيان النساء (١)، لازم أباه حتى توفي بمصر، ثم انتقل إلى الشام حتى مات يزيد، ثم انتقل لمكة ومات بها -وقيل: بالطائف، وقيل: بالشام، وقيل: بمصر- سنةَ خمس أو سبع أو تسع وستين عن اثنين وسبعين أو تسعين سنة، وقد عمي آخر عمره رضي اللَّه تعالى عنه. (قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لا يؤمن أحدكم) أي: إيمانًا كاملًا (حتى يكون هواه) بالقصر: ما يهواه؛ أي: ما تحبه نفسه وتميل إليه (٢)، فحقيقته: شهوات النفوس، وهي ميلها إلى ما يلائمها، وإعراضها عمَّا ينافرها، مع أنه كثيرًا ما يكون عطبها في الملائم، وسلامتها في المنافر. ثم المعروف في استعمال الهوى عند الإطلاق: أنه الميل إلى خلاف الحق؛ ومنه: ﴿وَلَا تَتَّبعٍ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى الْنَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾. وقد يطلق بمعنى مطلق الميل والمحبة، فيشمل الميل للحق وغيره. وبمعنى محبة الحق خاصة والانقياد إليه، ومنه ما في هذا الحديث، وقول عائشة رضي اللَّه تعالى عنها لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿تُرْجِى مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتَؤِىَ إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ للنبي ﷺ : (ما أرى ربك إلا يسارع في هواك) (٣)، وقول عمر رضي اللَّه تعالى عنه في قصة المشاورة في أُسارى بدر: (فهَوِيَ رسول اللَّه صلى اللَّه

стр. 616

عليه وسلم ما قال أبو بكرٍ، ولم يَهْوَ ما قلت) (١). وجمعه أهواء، وجمع الممدود -وهو: ما بين السماء والأرض وكلِّ متجوف- أهويةٌ. (تبعًا لما جئت به) من هذه الشريعة المطهَّرة الكاملة؛ بأن يميل قلبه وطبعه إليه كميله لمحبوباته الدنيوية التي جُبل على الميل إليها من غير مجاهدةٍ، وتصبُّرٍ، واحتمال مشقة، أو بعض كراهةٍ ما، بل يهواها كما يهوى المحبوبات المشتهيات؛ إذ من أحب شيئًا. . أتبعه هواه، ومال عن غيره إليه، ومن ثم آثر ﷺ التعبير بذلك على نحو: حتى يأتمر بكل ما جئت به؛ لأن المأمور بالشيء قد يفعله اضطرارًا. واعلم: أن الهوى يميل بالإنسان بطبعه إلى مقتضاه، ولا يقدر على جعله تبعًا لما جاء به ﷺ إلا كل ضامرٍ مهزولٍ (٢). (حديث صحيح رويناه في كتاب "الحجة) في اتباع المحجَّة" في عقيدة أهل السنة؛ لتضمنه ذكر أصول الدين على قواعد أهل الحديث، وهو كتابٌ جيدٌ نافعٌ، وقدره كـ "التنبيه" مرةً ونصفًا تقريبًا، ومؤلفه هو العلامة أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ، كذا قاله بعضهم، وخالفه غيره فقال: إنه أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الفقيه الشافعي الزاهد نزيل دمشق (٣). (بإسناد صحيح) قال بعضهم: هو كما قال، وبيَّن ذلك، ويؤيده: أن الحافظ أبا نعيم أخرجه في "كتاب الأربعين" التي شرط أولها: أن تكون من صحاح الأخبار وجياد الآثار، ومما أجمع الناقلون على عدالة ناقليه.

стр. 617

وأخرجه أئمةٌ آخرون في مسانيدهم كالطبراني وزاد بعد (به): "لا يزيغ عنه" والحافظ أبو بكر بن أبي عاصم الأصبهاني (١)، لكن اعترض بعضهم تصحيحه بقوادح أبداها في سنده، حاصلها: أنه تعارض في اثنين من رجاله توثيقٌ وتجريحٌ، وتعيينٌ وإبهامٌ، ولا شك أن التعيين مقدَّمٌ، وكذا التوثيق من الأعلم الأدرى (٢)، ولا يبعد أنه هنا كذلك، كيف والبخاري خرج له ووثقه آخرون غيره؟! فلذا آثر المصنف هؤلاء على المجرِّحين له وإن كثروا وجلُّوا أيضًا. وهو على وجازته واختصاره يجمع ما في هذه الأربعين وغيرها من دواوين السنة، وبيانه: أنه ﷺ إنما جاء بالحق وصدق المرسلين، وهذا الحق إن فسر بالدين. . شمل الإيمان، والإسلام، والنصح للَّه، ولرسوله ﷺ ، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم، والاستقامة، وهذه أمورٌ جامعةٌ لا يبقى بعدها إلا تفاصيلها، أو بالتقوى (٣). . فهي مشتملةٌ على ما ذكرناه أيضًا، فإذا كان كذلك. . كان هوى الإنسان تبعًا لما جاء به النبي ﷺ من الدين والتقوى. وعلم من الحديث: أن مَنْ كان هواه تابعًا لما جاء به النبي ﷺ . . كان مؤمنًا كاملًا، وضده؛ وهو مَنْ أعرض عن جميع ما جاء به -ومنه الإيمان-. . فهو الكافر، وأما مَنِ اتبع البعض؛ فإن كان ما اتبعه أصلَ الدين -وهو الإيمان- وترك ما سواه. . فهو الفاسق، وعكسه المنافق، واستمداده من قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِمُوْكَ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، الآية؛ إذ فيها غاية التعظيم لحقه ﷺ ، والتأدُّب معه، ووجوب محبته واتباعه فيما يأمر به من غير توقفٍ ولا تلعثمٍ، ومن ثم لم يكتف بالتحكيم، بل عقَّبه بـ: ﴿ثمَّ لَا يَجِدُوْا فِىَ أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ﴾، ولم يكتف بهذا أيضًا، بل زاد التأكيد بقوله:

стр. 618

﴿وَيُسَلِمُّوْا﴾، ولم يكتف به أيضًا، بل زاد فيه فأتى بالمصدر الرافع لاحتمال التَّجَوُّز فقال: ﴿تَسلِيمًا﴾، وبهذا التسليم تكون النفس مطمئنةً لحكمه، منشرحةً به، لا تَوَقُّف عندها فيه بوجه. وسبب نزولها مَنْ تقدَّم ذكره ممَّن أراد التحاكم إلى الطاغوت كما يقتضيه السياق، أو قتل عمر مَنْ لم يرضَ بحكم النبي ﷺ وطلب منه أن يرده إلى عمر، فعتب النبي ﷺ في قتله مؤمنًا، فنزلت تبرئةً له رضي اللَّه تعالى عنه (١). أو تخاصم الزبير رضي اللَّه تعالى عنه وأنصاري -وزعمُ أن حاطب بن أبي بلتعة البدري هو خصمه وَهَمٌ- في ماءٍ فامر ﷺ الزبير بسقي أرضه ثم تسريحه إلى أرض خصمه؛ لكونه -أعني الزبيرَ- أعلى وأقرب إلى مجتمع السيل، ومن كان كذلك. . يستحق الشرب وحبس الماء إلى أن يبلغ الكعبين ثم يسرحه لمن تحته، وهكذا، فقال الأنصاري: يا رسول اللَّه؛ أن كان ابن عمتك؟! فتلوَّن وجه رسول اللَّه ﷺ ، ثم أمر الزبير بأن يحبس الماء حتى يبلغ الجُدْر -بضم فسكون، وفي رواية: (حتى يبلغ الكعبين) (٢)، والروايتان متقاربتان- ثم بإرساله لخصمه، فاستوفى رسول اللَّه ﷺ لما أغضبه ذلك الرجل بذلك الذي نسبه إلى الجور للزبير حقَّه بعد أن كان أولًا أمره بالمسامحة بترك بعض حقه، فنزلت تلك الآية ردًا على ذلك الرجل وأمثاله (٣)؛ فإنه إما منافقٌ؛ إذ لا يصدر مثل ذلك من مسلمٍ، أو مسلمٌ لكن صدر منه ذلك بادرةَ نفس وزلةَ شيطان كما اتفق لأصحاب الإفك كحسان ومسطح، ولم يقتله ﷺ ؛ لعظيم حلمه وصفحه، وخشيةً من تنفير غيره. ولزوال هذين بوفاته ﷺ وجب قتل مَنْ صدر منه نحو ذلك ما لم يتب عندنا، ومطلقًا عند مالك وجماعة.

стр. 619

ونظيره: قول آخر في قسمةٍ قسمها النبي ﷺ : إنها لقسمةٌ ما أُريد بها وجه اللَّه، فبلغه ﷺ ذلك فغضب، ثم قال: "يرحم اللَّه أخي موسى؛ لقد أُوذي بأكثر من هذا فصبر" (١). وفيه فضيلة الصبر، وفضائله كثيرة؛ منها: أنه تعالى جعل في مطلق الأعمال الحسنة بعشر، والصدقة بسبع مئة مع المضاعفة عليها لمن يشاء تعالى، وجعل جزاء الصابرين بغير حساب، ومر ذلك قريبًا. وسبب تميزه بذلك: ما فيه من مجاهدة النفس وقمعها عن شهواتها مع كونها جُبلت على الانتقام ممن آذاها، ومن ثم شقَّ عليه ﷺ ما نسبه إليه هذان، لكن سكَّن ذلك منه علمُهُ بعظيم جزاء الصبر، وورد: (أنه نصفُ الإيمان) (٢)، وأنه: لا عطاءَ خيرٌ ولا أوسع منه. ويوافق حديث الباب أيضًا قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده؛ لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه، وولده، وأهله، والناس أجمعين" رواه الشيخان (٣). واستفيد منه توقف الإيمان على تقديم محبته ﷺ على محبة جميع الخلائق، ومحبته تابعةٌ لمحبة مُرسِلِه، والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في محبة ما يحب وكراهة ما يكره، وكلا هذين من جوامع كلمه ﷺ ، أما الأول. . فلما مر في شرحه، وأما الثاني. . فلأنه جمع فيه أقسام المحبة الثلاثة: محبة الإجلال كمحبة الوالد، والشفقة كمحبة الولد، والاستحسان والمشاكلة كمحبة سائر الناس. فمعنى الحديث: أَن مَنِ استكمل الإيمان. . علم أن حقه ﷺ آكد من حق أبيه وأمه والناس؛ لأنه استنقذنا من النار، وهدانا من الضلال، بل ومن حق نفسه، ومن ثم وجب بذلها دونه.

стр. 620

ولما قال له عمر: يا رسول اللَّه؛ أنت أحب إليَّ من كل شيءٍ إلا من نفسي، فقال: "حتى من نفسك" فسكت ساعةً، ثم قال: حتى من نفسي، فقال: "الآن يا عمر" (١). ولما صدقت محبة الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم له ﷺ ، وكان هواهم تبعًا لما جاء به. . قاتلوا معه آباءهم وأبناءهم، حتى قتل أبو عبيدة أباه؛ لإيذائه لرسول اللَّه ﷺ ، وتعرَّض أبو بكر لولده عبد الرحمن رضي اللَّه تعالى عنهما يوم بدرٍ ليقتله. فالواجب على كل مؤمنٍ أن يحب ما أحبه اللَّه تعالى محبةً توجب له الإتيان بما وجب عليه منه، فإن زادت محبته حتى أتى بمندوبه أيضًا. . كان أكمل، وأن يكره ما كرهه اللَّه تعالى كراهةً توجب كفه عما حُرِّم عليه منه، فإن زادت الكراهة حتى أوجبت الكف عما كرهه تنزيهًا. . كان أفضل، وجميع المعاصي إنما تنشأ من تقديم هوى النفس على محبة اللَّه ورسوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾، وكذلك البدع؛ إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع؛ ولهذا يسمى منتحلوها أهل الهوى (٢). * * *

стр. 621

الحديث الثاني والأربعون [سعة مغفرة اللَّه ] عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا بْن آدَمَ؛ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالِي، يَا بْنَ آدَمَ؛ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ الْسَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي. . غَفَرْتُ لَكَ، يَا بْنَ آدَمَ؛ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِك بِي شَيْئًا. . لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ﵀ وَقَالَ: حدِيثٌ حسَنٌ (١). (عن أنس رضي اللَّه) تعالى (عنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: قال اللَّه تعالى: يا بن آدم) (٢) هو أبو البشر ﷺ ، وهو غير منصرف؛ للعلمية ووزن الفعل؛ إذ وزن (أَأْدم): (أفعل) أبدلت فاؤه ألفًا (٣)، مشتقٌّ من أديم الأرض، أو من الأُدْمة: حمرة تميل إلى السواد، لا (فاعَلَ)، خلافًا لمن زعمه، وإلَّا. . لصرف كعالَم، والعلمية وحدها لا تؤثر، وليس بأعجميٍّ، وقيل: أعجميٌّ لا اشتقاق له. وفي الحديث: "خُلق آدم من أديم الأرض كلها، فخرجت ذريته على نحو ذلك،

стр. 622

فيهم الأبيض، والأسود، والأحمر، والسهل، والحزن، والطيب، والخبيث" (١). (إنك ما دعوتني) بمغفرة ذنوبك، كما يدل عليه السياق الآتي؛ أي: مدة دوام دعائك، فهي مصدريةٌ ظرفيةٌ (٢)، وغلط من جعلها شرطية. (و) الحال أنك قد (رجوتني) بأن ظننت تفضلي عليك بإجابة دعائك وقبوله؛ إذ الرجاء: تأميل الخير وقرب وقوعه (غفرت لك) ذنوبك؛ أي: سترتها عليك بعدم العقاب عليها في الآخرة؛ لأن الدعاء مخ العبادة كما ورد (٣)، وروى أصحاب "السنن" الأربعة: "إن الدعاء هو العبادة" ثم تلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٤). وروى الطبراني: "من أعطي الدعاء. . أعطي الإجابة؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ " (٥)، وفي حديث آخر: "ما كان اللَّه ليفتح على عبدٍ باب الدعاء ويغلقَ عنه باب الإجابة" (٦). والرجاء يتضمن حسن الظن باللَّه تعالى، وهو يقول: "أنا عند ظن عبدي بي" وعند ذلك تتوجه رحمة اللَّه تعالى للعبد، وإذا توجهت. . لا يتعاظمها شيء؛ لأنها وسعت كل شيء (٧).

стр. 623

(على ما كان منك) من المعاصي وإن تكررت (ولا أبالي) أي: لا أكترث بذنوبك ولا أستكثرها وإن كثرت؛ إذ لا يتعاظمه تعالى شيء؛ كما في الحديث الصحيح: "إذا دعا أحدكم. . فليعظم الرغبة؛ فإن اللَّه تعالى لا يتعاظمه شيء" (١). ولأنه لا حجر عليه تعالى فيما يفعله، ولا معقب لحكمه، ولا مانع لتفضله وعطائه سبحانه. ومعنى قولك: (لا أبالي بكذا) أي: لا يشتغل بالي به، وهذا موافقٌ لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآيةَ، ولقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ولقوله في الحديث القدسي: "أنا عند ظنِّ عبدي بي، فليظن بي ما شاء" (٢)، وفي رواية: "فلا تظنوا باللَّه إلا خيرًا" (٣). وورد: (إن العبد إذا أذنب ثم ندم فقال: أي رب؛ إني أذنبت ذنبًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي. . قال: فيقول اللَّه تعالى: أذنب عبدي ذنبًا وعلم أن له ربًا يغفر الذنوب، ويأخذ بالذنب، أشهدكم أني قد غفرت له، ثم يفعل ذلك ثانية وثالثة، فيقول اللَّه ﷻ في كل مرةٍ مثل ذلك، ثم يقول: اعمل ما شئت فقد غفرت لك) (٤) يعني: ما أذنبت واستغفرت. وفي ذلك حثٌّ أكيدٌ على الدعاء، والمخالفُ في ذلك لا يُعبأ به (٥)؛ فإن الآيات والأحاديث الكثيرة الشهيرة تردُّ عليه، ولا ينافي ما مر تخلف الإجابة عن الدعاء كثيرًا؛ لأن ذلك غالبًا لانتفاء بعض شروط الدعاء، أو وجود بعض موانعه، وقد

стр. 624

استوفيت بيانها مع ما يتعلَّق بها بما لا مزيد على بسطه واستيعابه وتحقيقه في "شرح العباب" وغيره، وقدمتُ من ذلك نبذةً في شرح (الحديث العاشر) (١). ومن أعظم شرائطه: حضور القلب، ورجاء الإجابة من اللَّه تعالى؛ لخبر الترمذي: "ادعوا اللَّه وأنتم موقنون بالإجابة؛ فإن اللَّه لا يقبل دعاءً من قلبٍ غافل" (٢)، وخبر أحمد: "إن هذه القلوب أوعية، فبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم اللَّه تعالى. . فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة؛ فإن اللَّه تعالى لا يستجيب لعبدٍ دعاءً عن ظهر قلبٍ غافلٍ" (٣)؛ ولذا نهي العبد أن يقول في دعائه: (اللهم؛ اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن اللَّه تعالى لا مكره له) (٤). ونهي أن يستعجل ويترك الدعاء لاستبطاء الإجابة (٥)، وإنما جعل ذلك من موانع الإجابة؛ حتى لا يقطع العبد دعاءه وإن أبطأت عليه الإجابة؛ لأنه تعالى يحب الملحِّين في الدعاء (٦)، وأخرج الحاكم في "صحيحه": "لا تعجزوا عن الدعاء؛ فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد" (٧). ومن أهم ما يسأل مغفرةُ الذنوب أو ما يستلزمها؛ كالنجاة من النار، أو دخول الجنة؛ فقد قال ﷺ : "حولها ندندن" (٨) يعني: حول سؤال الجنة والنجاة من النار. ومن رحمة اللَّه تعالى بعبده أن يدعوه لحاجةٍ دنيويةٍ فلا يستجيبها له، بل يعوضه

стр. 625

خيرًا منها صرْفَ سوء عنه، أو ادخارها له في الآخرة، أو مغفرة ذنب؛ فقد أخرج أحمد والترمذي: "ما من أحدٍ يدعو بدعاءٍ إلا آتاه اللَّه ما سأل، أو كفَّ عنه من السوء مثله ما لم يدعُ بإثمٍ أو قطيعة رحم" (١). وأحمد والحاكم في "صحيحه": "ما من مسلمٍ يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ أو قطيعةُ رحمٍ إلا أعطاه اللَّه بها إحدى ثلاثٍ: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها في الآخرة، وإما أن يكشف عنه من السوء مثلها" قالوا: إذًا نكثر، قال: "اللَّه أكثر" (٢)، ورواه الطبراني وأبدل الأخيرة بقوله: "أو يغفر له بها ذنبًا قد سلف" (٣). وزاد تعالى ذلك تأكيدًا مبالغة في سعة رجاء خلقه فيما عنده من مزيد التفضل والإنعام فقال: (يا بن آدم؛ لو بلَغَت ذنوبك) عند فرضها أجرامًا (عَنَان) بفتح المهملة؛ أي: سحاب (السماء) بأن ملأت ما بينها وبين الأرض؛ كما في الرواية الأخرى: "لو أخطأتم حتى بلغت خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم اللَّه تعالى. . لغفر لكم" (٤) وقيل: عَنَانها: ما عنَّ لك منها -أي: ظهر- إذا رفعت رأسك إليها (٥). (ثم استغفرتني) أي: تُبتَ توبةً صحيحةً بأن أقلعت عن المعصية للَّه، وندمت عليها من حيث كونها معصية، وعزمت على ألَّا تعود إليها، ورددتها إن كانت ظلامةً إلى أهلها أو تحلَّلت منهم (غفرت لك) وإن تكرر الذنب والتوبة منه مرارًا في اليوم الواحد، ومن ثم ورد عنه ﷺ : "ما أصرَّ من استغفر -أي: تاب- وإن عاد في اليوم سبعين مرة" (٦) وأنبأ بهذا المثال الذي هو النهاية في الكثرة على أن كرمه وفضله وعفوه ومغفرته لا نهاية لها ولا غاية، فذنوب العالم كلها متلاشيةٌ عند

стр. 626

حلمه وعفوه؛ إذ لو بلغت ذنوب العبد ما عسى أن تبلغ ثم استقال منها بالاستغفار. . غفرت؛ لأنه طلب الإقالة من كريم، والكريم محل إقالة العثرات، وغفر الزلات. وقد طلب تعالى منا الاستغفار ووعد بالإجابة في آيٍ كثيرةٍ من كتابه العزيز. وما ذكرناه من أن المراد بالاستغفار التوبة لا مجرد لفظه. . هو ما ذكره بعضهم، وهو الموافق للقواعد بالنسبة للكبائر؛ إذ لا يكفرها إلا التوبة، بخلاف الصغائر؛ فإن لها مكفراتٍ أُخر؛ كاجتناب الكبائر، والوضوء، والصلاة، وغيرها، فلا يبعد أن يكون الاستغفار مكفرًا لها أيضًا، وينبغي أن يحمل على ذلك أيضًا تقييدُ بعضهم جميع ما جاء في نصوص الاستغفار المطلقة بما في آية (آل عمران) من عدم الإصرار؛ فإنه تعالى وعد فيها المغفرة لمن استغفره من ذنوبه ولم يصر على ما فعل، قال: فتحمل نصوص الاستغفار المطلقة كلها على هذا المقيد. اهـ نعم؛ نحو (أستغفر اللَّه) و (اللهم؛ اغفر لي) من غير توبةٍ دعاءٌ، فله حكمه من أنه قد يُجاب تارةً، وقد لا يُجاب أُخرى؛ لأن الإصرار قد يمنع الإجابة كما أفاده مفهوم آية (آل عمران) السابقة، وأخرج ابن أبي الدنيا: "المستغفر من ذنبٍ وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه" قيل: رفعه منكر، ولعله موقوفٌ على راويه ابن عباس. اهـ (١) ويُجاب بأنه حجةٌ وإن فرض أنه موقوفٌ؛ لأن مثله لا يقال من قِبَلِ الرأي، وكلُّ موقوفٍ كذلك. . له حكم المرفوع. وأخرج ابن أبي الدنيا مرفوعًا: "بينا رجل مستلقٍ. . إذ نظر إلى السماء وإلى النجوم فقال: إني لأعلم أن لكِ ربًا خالقًا، اللهم؛ اغفر لي، فغفر له" (٢). ويؤيده خبر "الصحيحين": "إن عبدًا أذنب ذنبًا فقال: رب أذنبت ذنبًا فاغفر لي، فقال اللَّه : علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، غفرتُ لعبدي، ثم مكث ما شاء اللَّه، ثم أذنب ذنبًا آخر" فذكر مثل الأول مرتين أخريين (٣).

стр. 627

وفي روايةٍ لمسلم: أنه قال في الثالثة: "قد غفرت لعبدي فلعمل ما شاء" (١) أي: ما دام على هذا الحال كلَّما أذنب. . استغفر ولم يصر. وأخرج أبو داوود والترمذي: "ما أصرَّ مَنِ استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة" (٢)، فالاستغفار التام الكامل، المسبب عنه المغفرة: هو ما قارن عدم الإصرار؛ لأنه حينئذٍ توبةٌ نصوحٌ، وأما مع الإصرار. . فهو مجرد دعاءٍ كما مر. ومن قال: (إنه توبة الكذابين) مراده: أنه ليس بتوبة حقيقة؛ خلافًا لما تعتقده العامة؛ لاستحالة التوبة مع الإصرار، على أن من قال: (أستغفر اللَّه وأتوب إليه) وهو مصرٌّ بقلبه على المعصية كاذبٌ آثم؛ لأنه أخبر أنه تائبٌ وليس حاله كذلك؛ فإن قال ذلك وهو غير مصرٍّ بأن أقلع بقلبه عن المعصية. . فقالت طائفةٌ من السلف: يكره له ذلك، وبه قال أصحاب أبي حنيفة رحمهم اللَّه تعالى؛ لأنه قد يعود إلى الذنب فيكون كاذبًا في قوله: (وأتوب إليه)، والجمهور على أنه لا كراهة في ذلك؛ لأن العزم على ألَّا يعود إلى المعصية واجبٌ عليه، فهو مخبرٌ عمَّا عزم عليه في الحال، فلا ينافي وقوعه منه في المستقبل، فلا كذب بتقدير الوقوع. وفي حديث كفارة المجلس: "أستغفرك اللهم وأتوب إليك" (٣). وأخرج أبو داوود: أنه ﷺ قطع إنسانًا ثم قال له: "استغفر اللَّه وتب إليه" فقال: أستغفر اللَّه وأتوب إليه، فقال: "اللهم؛ تب عليه" (٤)، بل استحبَّ جمعٌ من السلف قول ذلك مع زيادة: (توبةَ مَنْ لا يملك لنفسه ضرًا، ولا نفعًا، ولا موتًا، ولا حياةً، ولا نشورًا).

стр. 628

وللاستغفار ألفاظٌ شهيرةٌ جاءت في السنة؛ منها: سيد الاستغفار، ولم نذكره لشهرته، ومنها: (أستغفر اللَّه العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه) أخرج أبو داوود والترمذي: أن من قاله. . غفر له وإن كان فرَّ من الزحف (١)، وهذا أبلغ ردٍّ على من كره: (وأتوب إليه) (٢). وأخرج النسائي عن أبي هريرة: (ما رأيت أحدًا أكثر أن يقول: أستغفر اللَّه وأتوب إليه من رسول اللَّه ﷺ (٣). ثم زاد تعالى ذلك تأكيدًا ثالثًا فقال: (يا بن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض) بضم القاف، وهو الأشهر، وبكسرها؛ أي: بقريب ملئها، أو بملئها، وهذا أبلغ مما قبله، خلافًا لمن فسَّره بما يوهم اتحادهما؛ لأن قرابها ملؤها، وهو يشمل ملء ما بينها وبين السماء وملء طبقاتها السبع. وفسَّرناه بالملء وإن كان حقيقةً في قرب الملء؛ لأن ذلك أبلغ في سعة العفو الدال عليها السياق، ثم رأيت بعضهم فسره بما يقتضي أنه حقيقةٌ في كلٍّ من الملء ومقاربه، فإن صح ذلك. . فلا إشكال. (خطايا ثم لقيتني) أي: مت حال كونك (لا تشرك بي شيئًا) لاعتقادك توحيدي والتصديق برسلي وبما جاؤوا به (لأتيتك بقرابها) عبَّر به للمشاكلة، وإلَّا. . فمغفرة اللَّه تعالى أعظم وأوسع من ذلك. (مغفرةً) ويرادفها العفو، لكن فُرِّق بينهما: بأنها لِمَا لم يَطَّلع عليه أحدٌ، وهو لما اطُّلِع عليه، وهو بالتحكم أشبه، فعلم أن الإيمان شرطٌ في مغفرة ما عدا الشرك؛ لأنه الأصل الذي ينبني عليه قبول الطاعة وغفران المعصية، وأما مع الشرك. . فلا أصل ينبني عليه ذلك: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. فالسبب الأعظم للمغفرة هو التوحيد، فمن فقده. . فقد فقدها، ومن أتى به ولو

стр. 629

وحده بأن لم يكن له عمل خير غيره. . فقد أتى بأعظم أسبابها، لكنه تحت المشيئة، وعلى كلٍّ فمآله إلى الجنة (١). وأما من كمل توحيده وإخلاصه وقام بشرائطه وأحكامه. . فإنه يُغفَر له ما سلف من ذنوبه، ولا يدخل النار إلا لتَحِلَّة القسم (٢)؛ فقد أخرج أحمد: "لا إله إلا اللَّه لا تترك ذنبًا ولا يسبقها عمل" (٣). (رواه الترمذي) بتثليث الفوقية، وكسر الميم أو ضمها، وإعجام الذال ﵀ تعالى (وقال: حديث صحيح) (٤) وفي نسخة: (حسن) وفي أخرى: (حسنٌ غريبٌ لا نعرفه إلا من هذا الوجه) وعلى كلٍّ: فسنده لا بأس به، وقد أخرجه أحمد وأبو عوانة أيضًا في "مسنده الصحيح" من حديث أبي ذر (٥)، والطبراني عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما (٦)، ووَقْفُه في بعض الطرق لا يؤثر؛ لأن مع الرافع زيادةَ علمٍ. وفيه بشارةٌ عظيمةٌ، وما لا يُحصى من أنواع الفضل والامتنان، وهو نظير الحديث الصحيح أيضًا: "واللَّهِ؛ للَّهُ أفرح بتوبة عبده من أحدكم بضالته لو وجدها" (٧)، والحديث الحسن: "لولا أنكم تذنبون. . لخلق اللَّه خلقًا يذنبون فيغفر لهم" (٨)، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنوبَ جمَيعًا﴾ أي: إلا الشرك؛ للآية السابقة، وهذا

стр. 630

الحديث على عمومه؛ لأن الذنب إما شركٌ فيغفر بالاستغفار منه وهو الإيمان، أو غيره فيغفر بالتوبة، وكذا بسؤال المغفرة بنحو: (اللهم؛ اغفر لي)، أو: (أستغفر اللَّه) لأنه خبرٌ في معنى الطلب. واعلم: أن المصنف رحمه اللَّه تعالى وشكر سعيه صدَّر في الخطبة أنه يأتي بأربعين حديثًا، وقد زاد عليها اثنين فزاد خيرًا، وكأنهما أعجباه، وهما جديران بذلك، فناسب الختم بهما؛ لأن أولهما من باب الوعظ بمخالفة الهوى ومتابعة الشرع، وهذا جامعٌ لجميع ما في هذه "الأربعين" وسائر دواوين السنة، بل ولما في الكتاب العزيز أيضًا كما مر، وثانيهما ترغيبٌ في الدعاء والرجاء والاستغفار من الذنوب، والطمع في رحمة علام الغيوب. نسأل اللَّه تعالى المانَّ بفضله أن يرحمنا برحمته الخاصة والعامة، وأن ينجينا من أهوال الحاقة والطامة، وأن يمنَّ علينا بتوفيقه، والهداية إلى سواء طريقه، ونتوسَّل إليه به، وباسمه الأعظم، وبكل اسمٍ هو له، استأثر به في علم غيبه، أو علَّمه لأحدٍ من خلقه، وبشرف كتبه المنزلة، وأنبيائه ورسله، وبخاتمهم وأفضلهم محمد ﷺ ، وبملائكته المقربين. . أن يختم لنا بالحسنى، وأن يبلغنا من فضله المقام الأرفع الأسنى، وأن يوفقنا من القول والعمل لما يحبُّه ويرضاه، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقاه، وأن يقربنا لديه (١)، ولا يخجلنا بين يديه؛ إنه الجواد الكريم، الرؤوف الرحيم. والحمد للَّه الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللَّه. يا ربنا؛ لك الحمد حمدًا يوافي نعمك، ويكافئ مزيدك، كما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك، سبحانك، لا نُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. والصلاة والسلام على أشرف مخلوقاتك، وعين أخصَّائك محمدٍ صلى اللَّه عليه

стр. 631

وسلم، وعلى آله وصحبه، وشيعته وحزبه؛ كما تحب وترضى، عدد معلوماتك، ومداد كلماتك، ورضا نفسك، وزنة عرشك، كلما ذكرك وذكره الذاكرون، وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون، دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد للَّه رب العالمين (١).

стр. 632

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 633

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 634

[خَاتمَة الكِتَاب] (١) فَهَذَا آخِرُ مَا قَصَدْتُهُ مِنْ بَيَانِ الأَحَادِيثِ الَّتِي جَمَعَتْ قَوَاعِدَ الإِسْلَامِ، وَتَضَمَّنَتْ مَا لَا يُحْصَى مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ فِي الأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَالآدَابِ وَسَائِرِ وُجُوهِ، الأَحْكَامِ. وَهَأَنَا أَذْكُرُ بَابًا مُخْتَصَرًا جِدًّا في ضَبْطِ أَلْفَاظِهَا مُرَتَّبَةً؛ لِئَلَّا يُغْلَطَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَلِيَسْتَغْنِيَ بِهَا حَافِظُهَا عَنْ مُرَاجَعَةِ غَيْرِهِ فِي ضَبْطِهَا، ثُمَّ أَشْرَعُ في شَرْحِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى في كِتَابٍ مُسْتَقِلٍّ، وَأَرْجُو مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنِي فِيهِ لِبَيَانِ مُهِمَّاتٍ مِنَ اللَّطَائِفِ، وَجُمَلٍ مِنَ الْفَوَائِدِ وَالْمَعَارِفِ، لَا يَسْتَغْنِي مُسْلِمٌ عَنْ مَعْرِفَةِ مَثْلِهَا، وَيَظْهَرُ لِمُطَالِعِهَا جَزَالَةُ هَذِهِ الأَحَادِيثِ وَعِظَمُ فَضْلِهَا، وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْنَّفَائِسِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا، وَالْمُهِمَّاتِ الَّتِي وَصَفْتُهَا، وَيَعْلَمُ بِهَا الْحِكْمَةَ فِي اخْتِيَارِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الأَرْبَعِينَ، وَأَنَّهَا حَقِيقَةٌ بِذَلِكَ عِنْدَ النَّاظِرِينَ. وَإِنَّمَا أَفْرَدْتُهَا عَنْ هَذَا الْجُزْءِ؛ لِيَسْهُلَ حِفْظُ ذَا الْجُزْءِ بِانْفِرَادِهِ، ثُمَّ مَنْ أَرَادَ ضَمَّ الشَّرْحِ إِلَيْهِ. . فَلْيَفْعَلْ، وَللَّهِ عَلَيْهِ الْمِنَّةُ بِذَلِكَ؛ إِذْ يَقِفُ عَلَى نَفَائِسِ اللَّطَائِفِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ كَلَامِ مَنْ قَالَ اللَّهُ فِي حَقِّهِ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وَللَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ أَوَّلًا وَآخِرًا، بَاطِنًا وَظَاهِرًا عَلَى نِعَمِهِ (٢). * * *

стр. 635

بَابُ الإِشَارَاتِ إِلَى ضَبْطِ الأَلْفَاظِ الْمُشْكِلَاتِ هذا الباب وإن ترجمته بالمشكلات فقد أُنبِّه فيه على ألفاظٍ من الواضحات. في الخطبة "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً" روي بتشديد الضاد وتخفيفها، والتشديد أكثر؛ ومعناه: حسَّنه وجمَّله. الحديث الأول (أميرُ المُؤمنِينَ) عمر ﵁، هو أول من سمي أمير المؤمنين. قوله ﷺ : "إنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ" المزاد: لا تُحسب الأعمال الشرعية إلَّا بالنِّيَّة. قوله ﷺ : "فَهِجرَتُهُ إلَى اللَّهِ ورَسُولِه" معناه: مقبولة. الحديث الثاني (لا يُرى عليهِ أثَرُ السَّفَرِ) هو بضم الياء من (يُرى). قوله: "تُؤمِنَ بالقدرِ خيرهِ، وشرِّهِ" معناه: تعتقد أن اللَّه تعالى قدَّر الخير والشرَّ قبل خلق الخلق، وَأن جميع الكائنات قائمة (١) بقضاء اللَّه تعالى وقدره وهو مريدٌ لها. قوله: "فأخبرني عن أمارتها" هو بفتح الهمزة؛ أي: علامتها، ويقال: (أمار) بلا هاء لغتان، لكن الرواية بالهاء. قوله: "تلِدَ الأمَةُ ربَّتَهَا" أي: سيِّدتها؛ ومعناه: أن تكثر السَّراري حتى تلد الأمة السّرِّية بنتًا لسيدها، وبنت السيد في معنى السيد، وقيل: يكثر بيع السَّراري، حتى
следующие страницы →