الرؤيا الثانية: وذكر رواية أخرى قريبة منها قال: «بينما أنا نائم في العشر الأول من شهر رمضان، رأيت المصطفى ﷺ فقال: يا علي! انصر المذاهب المروية عَنِّي؛ فإنها الحق، فلما استيقظت دخل علي أمر عظيم، ولم أزل مفكراً مهموماً لِرُؤْيَايَ، ولما أنا عليه من إيضاح الأدلة في خلاف ذلك، حتى كان العشر الأوسط، فرأيت النبي ﷺ في المنام فقال لي: ما فعلت فيما أمرتك به؟» فقلت: يا رسول الله! وما عسى أن أفعل، وقد خرَّجت للمذاهب المروية عنك وجوهاً يحتملها الكلام، واتبعت الأدلة الصحيحة التي يجوز إطلاقها على الباري ؟ فقال لي: انصر المذاهب المروية عني؛ فإنها الحق، فاستيقظت وأنا شديد الأسف والحزن، فأجمعت على ترك الكلام، واتبعت الحديث وتلاوة القرآن، فلما كانت ليلة سبع وعشرين ـ وفي عادتنا بالبصرة أن يجتمع القراء وأهل العلم والفضل، فيختمون القرآن في تلك الليلة ـ مكثت فيهم على ما جرت عادتنا، فأخذني من النعاس مالم أتمالك معه أن قمت. فلما وصلت إلى البيت نمت وبي من الأسف على ما فاتني من ختم تلك الليلة أمر عظيم، فرأيت النبي ﷺ فقال لي: ما صنعت فيما أمرتك؟ فقلت: قد تركت الكلام ولزمت كتاب الله وسنتك، فقال لي: «أنا ما أمرتك (١) بترك الكلام، وإنما أمرتك بنصرة المذاهب المروية عني، فإنها الحق. فقلت: يا
стр. 107
رسول الله! كيف أدع مذهباً تصورت مسائله وعرفت أدلته منذ ثلاثين سنة لرؤيا؟ فقال لي: لولا أني أعلم أن الله تعالى يمدك بمدد من عنده لما قمت عنك حتى أبين وجوههم، وكأنك تعدُّ إتياني إليك هذا رؤيا، ورؤياي جبريل كانت رؤيا، إنك لا تراني في هذا المعنى بعدها، فجد فيه فإن الله سيمدك بمدد من عنده، فقال: فاستيقظت وقلت: ما بعد الحق إلا الضلال، وأخذت في نصرة الأحاديث في الرؤية والشفاعة والنظر وغير ذلك، فكان يأتيني شيء والله ما سمعته من خصم قط، ولا رأيته في كتاب، فعلمت أن ذلك من مدد الله تعالى، الذي بشرني به رسول الله ﷺ » (١).
الرؤيا الثالثة: وقد وردت رواية ثالثة أخرى في كتاب تبيين كذب المفتري تقول: «إن الشيخ أبا الحسن ﵀ لما تبحر في كلام الاعتزال وبلغ غاية، كان يورد الأسئلة على أستاذيه في الدرس، ولا يجد فيها جواباً شافياً، فتحير في ذلك فحكى عنه أنه قال: وقع في صدري بعض الليالي شيء مما كنت فيه من العقائد، فقمت وصليت ركعتين، وسألت الله تعالى أن يهديني الطريق المستقيم، ونمت، فر
أيت رسول الله ﷺ في المنام، فشكوت إليه بعض ما بي من الأمر، فقال رسول الله ﷺ : عليك بسنتي، فانتبهت وعارضت مسائل الكلام، فما وجدت في القرآن
стр. 108
والأخبار أثبته، ونبذت ما سواه ورائي ظهرياً» (١) قلت: وهذا هو السبب الأول الذي أدى إلى تحول الأشعري عن الاعتزال عند بعض الباحثين، ومما لاشك فيه، أن الرؤى من الأمور التي أقرت بها الشريعة الإسلامية. حيث قال ﷺ : «لم يبق من النبوة إلا المبشرات»، قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة» (٢). فالرسول ﷺ جعل الرؤيا من المبشرات، بل قد يرى المؤمن في منامه رؤيا تحثه على طاعة الله، ومن ذلك مثلاً ما أخرجه الإمام البخاري ﵀ (٣) عن سالم بن عبد الله بن عمر (٤)، عن أبيه
стр. 109
عبد الله بن عمر (١) قال: (كان الرجل في حياة النبي ﷺ إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله ﷺ ، فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله، وكنت غلاماً شاباً، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ ، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني، فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: -
стр. 110
فلقينا ملك آخر فقال لي: لَمْ تُرَعْ؟ فقصصتها على حفصة، (١) فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ ، فقال «نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل، فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً» (٢) فهذه الرؤيا تعامل معها ابن عمر ﵁ بما ينبغي. فلا ريب إذاً أن الرؤيا لها اعتبارها متى ما توفرت الصفات والشروط والاعتبارات الأخرى التي ليس هنا مجال بحثها. كما أن رؤيا النبي ﷺ حقٌ، حيث وردت في ذلك أحاديث كثيرة، لقوله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي» (٣). قلت: وهذا لا إشكال فيه عند أهل السنة والجماعة، ولكن، هل ما نقل عن رؤى الأشعري حقيقية أم مكذوبة؟ فالمتأمل في هذه الروايات لمنامات الأشعري يلحظ أنها لا
стр. 111
تخلو من ركاكة في الأسلوب، وتكلف وتصنع، توحي للمتأمل عدم صحتها، أو على الأقل عدم دقة نقلها، لذا انتقدها عدد من الباحثين، منهم:
١ ـ الدكتور عبد الرحمن المحمود حيث قال: «ويلاحظ ما دخل هذه الرويات من زيادات حتى يقول الرسول: «انظر علم الكلام»، وقد يكون لمسألة الرؤيا أصل، لكن ليس بهذه الأساليب والروايات التي لم يتصل سند شيءٍ منها» (١).
٢ ـ جلال موسى، حيث قال: هذه الرواية - على طولها - قد أثبتناها هنا لنكشف بالتحليل عن مقدار الوضع فيها، فرؤية الرسول في هذه الرسالة وضعت بدقة بحيث تكون في أول رمضان والثلث الثاني والثالث وفي ليلة القدر (٢) بالذات، وهذا راجع للمأثور عن فضائل هذا الشهر وتلك الليلة بالذات، وحتى يكون مجيء النبي لأبي الحسن الأشعري في هذه الأوقات خاصة أمراً يكاد يكون أقرب إلى التصديق، حتى لا ينكشف أمر الصنعة في الرواية، ثم إن أسئلة رسول الله تنحصر في مسائل معينة بالذات، هي التي تهم أبا الحسن الأشعري، كموقفه من التأويل العقلي، ومسألة رؤية الله في الآخرة. والمعروف عن الأشعري أنه يعارض المعتزلة في تأويلهم للآيات ولا يوافق عليه ويخشاه، ثم إذا كان رسول الله وافق على رأيه. فلماذا يسكت الأشعري، ولا يظهر للناس شيئاً، حتى
стр. 112
يأتيه رسول الله في العشر الثاني ليسأله عما فعل، فيجمع كتب الكلام، ويشتغل بكتب الحديث وتفسير القرآن؟ وهذا مخالف تماماً لما نعرفه من استحسان الأشعري الخوض في الكلام ودفاعه الحار عن علم الكلام، بل هو الذي أيد عقيدة أهل السنة والجماعة بالبراهين العقلية والأدلة المنطقية (١). قلت: في هذا الكلام وجه حق، ولكن يُعَابُ على المؤلف جرأته وقطعه بأن جميع هذ الرؤى موضوعة.
٣ ـ إبراهيم برقان حيث قال: إن الأحاديث النبوية الشريفة وإن أكدت صدق رؤية النبي ﷺ في المنام، فإنه لا ينكر من يراه ﷺ كذلك ويحدثه بأمر من الأمور، يكون ذلك سبباً في تغيير مجرى حياته الفكرية، لكن رواية ابن عساكر لا تعتبر دليلاً قاطعاً على حدوث مثل هذه الرؤى للأشعرى، وتبقى فرضاً بحاجة إلى إثبات. ويصعب على الباحث الموضوعي، أن يقبل بهذه الرواية، قبولاً تاماً، وبخاصة أن مضمونها يوحي إلى تكلف فيها، وذلك عندما رد الأشعري على الرسول ﷺ في المرة الثالثة بقوله: كيف أدعُ مذهباً تصورت مسائله، وعرفت أدلته منذ ثلاثين سنة لرؤيا، فالذي يرى الرسول ﷺ في المنام لا يجادله، وإنما يقف موقف الممتثل له، ناهيك عن أنني بذلْتُ جهداً لكي أتحقق من صحة سند هذه الروايات التي ذكرها ابن عساكر إلا أنني لم أجد ترجمة لرجال السند
стр. 113
تجريحاً أو تعديلاً (١). قلت: وكذلك صنعت فلم أجد.
٤ ـ كما تعجب عبد الرحمن بدوي (٢) من هذه الرؤى وعلق بقوله:
أ- إن فيها الدفاع عن علم الكلام وأنه لا يتنافى مع السنة، مما يؤذن بأَنَّ أصحابها أشاعرة ـ أي من قالوا بالرؤى المنامية ـ.
ب - الدفاع عن مذهب الأشعري بوصفه مطابقاً لسنة النبي.
جـ- بعضها يرمي إلى الطعن في مذهب المعتزلة ودمغه بالكفر، وإن كان اللجوء إلى الرؤى التي فيها يشاهد النبي ﷺ يأمر بكذا وكذا أمراً شائعاً لدى الفقهاء، بل وبعض المتكلمين، إلا أنَّ الرواية المذكورة في مجموعها تَتَنَافَى مع واقع الحال من ضرورة التطور الذهني بحيث تبدأ الشكوك تتزايد حتى تؤدي إلى التحول وإعلان القطيعة مع ما سار عليه الأمر حتى ذلك الوقت، وهذا لا يتفق مع هذه الرؤى التي تكاد أن تكون
стр. 114
تعبيراً عن تَحَوُّلاتٍ مُفَاجِئة (١).
الترجيح: الذي يترجح عدم صحة الرؤى المنامية جملة لما يلي:
أ ـ إن الأسلوب الذي عرضت فيه هذه الرؤى لا يمكن قبوله، فكيف جعلها بعض المؤرخين هي السبب الرئيس في تَحَوُّلِ الأشعري؟ فهذا محل نظر!
ب ـ كما لا يمكن تصديق هذه الروايات التي ذكرت الرؤى، لأنها لا تخلو حقيقة من تكلف، بل يظهر في بعضها أسلوب الوضع، ولعل أقرب الأدلة على ذلك، أنه أظهر الرسول ﷺ مستحسناً لعلم الكلام عندما قال: - «أنا ما نَهَيْتُكَ عن علم الكلام؟» وعلم الكلام مذموم عند أهل السنة والجماعة، وما كان يعرف عند أصحاب القرون المفضلة، فكيف يظهر أنَّ الرسول ﷺ يُقره؟! هذه وحدها كافية لرد بعض هذه الرؤى.
جـ ـ من الأمور التي تدعو لعدم قبول هذا السبب أنَّ من سبقوا ابن عساكر ﵀ لم يذكروها. مع أنهم أقرب عهداً بهذه الرؤى المنامية ـ لو صحت منه ـ، ناهيك عن أن هذه الرؤى لم تثبت بأسانيد صحيحة أو متصلة، وعلى هذا، فلا يمكن أن يُعَوَّلَ عليها.
د ـ إن كثيراً من هذه الروايات فيها زيادات وإضافات لا يشكُّ بأنها موضوعة مكذوبة، لذا يتوجب علينا أن نخضع هذه المرويات للنقد
стр. 115
العلمي المتجرد من العاطفة، ناهيك عن أن غالب هذه المرويات قد ذكرت في كتب التراجم، وغالبها من غير أسانيد، لذا فإن اعتمادها وجعلها حقيقة واقعة يرفضه الشرع والعقل، وعلينا أيضاً ألا ندعها بكلية ونسقط قيمتها، بل علينا أن نأخذ ما تؤيده الشواهد وحفّت به القرائن، فينبغي أن نميز ما فيها من زيادات وإضافات موضوعة فلا نرفضها جملة واحدة ولا نقبلها جملة واحدة دون بيان؛ لأن هناك من قبلها بالكلية ورفض مجرد الحوار حول مصداقيتها، فجعلها حقيقةً ثابتة هي عنده بحكم النص المُنَزَّل، فالطعن فيها عنده كالطعن بالشرع.
هـ ـ هناك عبارة وردت في إحدى هذه الرؤى، وهي الرؤيا الثالثة، وفيها قول الرسول ﷺ : «وإنما أمرتك بنصرة المذاهب المروية عني، فإنها الحق» وهنا ثمة سؤال يُطْرَح: هل روي عن الرسول ﷺ مذاهب كما في هذه الرواية، أم منهج واحد كما هو معروف؟ وهو منهج الحق، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١) فالحق واحد والباطل سُبُله كثيرة، وهذه الإشكالية تؤكد عدم صحة هذه الرؤى، أو على الأقل عدم إيرادها بألفاظها الصحيحة، وإن كنت أَمِيْلُ بأن لهذه الرؤى المنامية أصلاً صحيحاً، بل قد تكون ساعدت وأسهمت في تحوّل الإمام الأشعري إلى منهج الحقّ لكن مع التأكيد بعدم قبول جميع هذه
стр. 116
الروايات دون تمحيص أو تدقيق، كما سبق أن بينته، والله أعلم.
القول الثاني: مناظراته مع شيخه الجبائي.
يُعَدُّ هذا السبب، أكثر الأسباب شيوعاً، وقناعة وقبولاً عند أهل العلم؛ لأن مناظراته مع شيخه الجبائي، وخاصة مناظرته حول الصلاح والأصلح، كان لها دور فاعل في رجوع الأشعري عن مذهبه، وهذه المناظرات دونت بعدة صِيَغٍ، ولعل أشهر هذه الروايات والصيغ ما أوردها ابن خلكان في ترجمة الجبائي، حيث قال:
المناظرة الأولى: أن أبا الحسن سأل أستاذه أبا علي الجبائي عن ثلاثة إخوة أحدهم كان مؤمناً، براً، تقياً، والثاني كان كافراً، فاسقاً، شقياً، والثالث كان صغيراً، فماتوا فكيف حالهم؟ فقال الجبائِي: أما الزاهد ففي الدرجات، وأما الكافر ففي الدركات، وأما الصغير فمن أهل السلامة، فقال الأشعري: إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات الزاهد هل يؤذن له؟ فقال الجبائي: لا، لأنه يقال له: إن أخاك إنما وصل إلى هذه الدرجات بسبب طاعته الكثيرة، وليس لك تلك الطاعات، فقال الأشعري: فإن قال ذلك الصغير: التقصير ليس مني، فإنك ما أَبْقَيْتَنِي ولا أقدرتني على الطاعة فقال الجبائي: يقول الباري جل وعلا: كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت وصرت مستحقاً للعذاب الأليم، فراعيت مصلحتك، فقال الأشعري: فلو قال الأخ الكافر: يا إله العالمين، كما علمت حاله فقد علمت حالي، فلم راعيت مصلحته دوني؟ فقال الجبائي للأشعري: إنك
стр. 117
مجنون، فقال: لا، بل وقف حمار الشيخ في العقبة، فانقطع الجبائي. وهذه المناظرة دالة على أن الله تعالى خص من شاء برحمته وخص آخر بعذابه، وأن أفعاله غير معللة بشيء من الأغراض (١).
المناظرة الثانية: حيث أوردها الفخر الرازي (٢) بصياغة أخرى قريبة من هذه، ولكنه جعل المخاطب للجبائي امرأة عجوز ألقمها الأشعري
стр. 118
السؤال حيث كان يقصد من خلاله إحراجه، حيث قال: إن الشيخ أبا الحسن الأشعري لما فارق مجلس أستاذه أبي علي الجبائي، وترك مذهبه، وكثر اعتراضه، على أقاويله، عظمت الوحشة بينهما، فاتفق أن يوماً من الأيام عقد الجبائي مجلس التذكير وحضر عنده عالم من الناس، وذهب الشيخ أبو الحسن إلى ذلك المجلس، وجلس في بعض الجوانب مختفياً عن الجبائي، وقال لبعض من حضر هناك من العجائز: إني أعلمك مسألة، فاذكريها لهذا الشيخ، قولي له: كان لي ثلاثة من البنين، واحد كان في غاية الدين والزهد، والثاني كان في غاية الكفر والفسق، والثالث كان صبياً لم يبلغ، فماتوا على هذه الصفات فأخبرني أيها الشيخ عن أحوالهم؟ فقال الجبائي: أما الزاهد ففي درجات الجنة، وأما الكافر ففي دركات النار وأما الصبي فمن أهل السلامة. قال قولي له: لو أن الصبي أراد أن يذهب إلى تلك الدرجات العالية، التي يصل منها أخوه الزاهد هل يمكنه منه؟ فقال الجبائي: لا، لأن الله يقول: إنما وصل إلى تلك الدرجات العالية بسبب أنه أتعب نفسه في العلم والعمل، وأنت ليس معك ذلك، فقال أبو الحسن: قولي له لو أن الصبي حينئذ يقول: يارب العالمين! ليس الذنب لي، لأنك أمتني قبل البلوغ، ولو أمهلتني فربما زدت على أخي الزاهد في الزهد والدين؟ فقال الجبائي: - يقول الله له: علمت أنك لو عشت لطغيت، وكفرت وكنت تستوجب النار، فقبل أن تصل إلى تلك الحالة راعيت مصلحتك، وأمتك حتى تنجو من العقاب، فقال أبو
стр. 119
الحسن: قولي له: لو أن الأخ الكافر الفاسق رفع رأسه من الدرك الأسفل من النار، فقال: يارب العالمين ويا أحكم الحاكمين ويا أرحم الراحمين، كما علمت من ذلك الأخ الصغير أنه لو بَلَغَ كَفَرَ، علمت مني ذلك، فلم راعيت مصلحته وما راعيت مصلحتي؟ قال الراوي: فلما وصل الكلام إلى هذا الموضع انقطع الجبائي، فلما نظر أبو الحسن، علم أن هذه المسألة منه، لا من العجوز (١). وقد انتقد مؤلف نشأة الأشعرية وتطورها، هذه المناظرة فقال: إن العقل لا يقبل أن تكون مسألة كهذه سبباً في ترك مذهب اعتنقه الأشعري أربعين عاماً، وإنما الرواية وضعت لبيان عجز الجبائي، وتفوق الأشعري عليه، ونحن لا نمانع أن يكون التلميذ أبلغ من أستاذه، ولكن ذلك لا يكون دافعاً لترك قوله (٢).
قلت: ودعوى الوضع هنا، ليس مقبولاً، لافتقاره للأدلة، كما أن احتجاجه بأن مثل هذا السبب لا يكون دافعاً لترك هذا المذهب الذي عاش فيه أربعين سنة، ليس بحجة، لأن الإنسان قد يعيش في الكفر ستين أو سبعين سنة أو أكثر أو أقل، ثم بعد ذلك يستجيب للإسلام، فإذا كان هذا ملموساً واقعاً، ومقبولاً عقلاً، على أنه تخلى عما كان عليه بالكلية، فكيف بمسلم قد ضل عن الحق مع بقاء أصل الإسلام عنده؟ فلاشك بأن هذا
стр. 120
الرجوع أقرب وأولى، فليس هناك وجه للإنكار بناءً على مثل هذه الحجج الواهية، بل لو فرض بأنها موضوعة كما يقول، أليس فيها دلالة على فساد مذهب الاعتزال؟! أو ليس من أصول أهل الاعتزال: تقديم العقل على النقل، والقول بفعل الأصلح، الذي نقضته هذه القصة، بعيداً عن كونها حقيقة وقعت أو حكاية لُفِقت! فدعوى الوضع قول بلا برهان، ولا يسلم لقائله.
المناظرة الثالثة: وهناك مناظرة أخرى حول هل يسمى الله عاقلاً؟ أدت إلى رجوع الأشعري، وهي: «دخل رجل على الجبائي فقال هل يجوز أن يسمى الله تعالى عاقلاً؟ فقال: الجبائي: لا، لأن العقل مشتق من العقال وهو المانع، والمنع في حق الله محال، فامتنع الإطلاق. قال الشيخ أبو الحسن فقلت له: فعلى قياسك لا يسمى الله حكيماً، لأن هذا الاسم مشتق من حكمة اللجام، وهي الحديدة المانعة للدابة من الخروج، ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت ﵁ (١):
стр. 121
فنحكم بالقوافي من هجانا … ونضرب حين تختلط الدماء (١)
وقول الآخر وهو: جرير (٢):
أبني حنيفة أَحْكِمُوا سفهاءكم … إني أخاف عليكم أن أغضبا (٣)
أي نمنع القوافي من هجانا، وامنعوا سفهاءكم، فإذا كان اللفظ مشتقاً من المنع، والمنع على الله محال، لزمك أن تمنع إطلاق حكيم عليه، . قال: فلم يحرهُ جواباً إلا أنه قال لي: فلم منعت أنت أن يسمى الله عاقلاً، وأجزت أن يسمى حكيماً؟ قال: - فقلت له: لأن طريقتي في مأخذ أسماء الله الإذن الشرعي دون القياس اللغوي، فأطلقت حكيماً لأن الشرع أطلقه، ومنعت عاقلاً لأن الشرع منعه، ولو
стр. 122
أطلقه الشرع لأطلقته (١). وقد انتقد صاحب كتاب نشأة الأشعرية، هذه الرواية أيضاً. وقال: «لقد وضعها أعداء المعتزلة لتشويه آراء الجبائي، مع أننا لا ننكر أن للجبائي وسائر المعتزلة بعض الآراء المتطرفة، ولكن هذا لا يمنع من القول بأن الرواية يُشم منها الوضع هي الأخرى لإلزام المعتزلة أقوالاً تتنافى مع مرادهم، وإن كان سياق المذهب في النهاية يؤدي إليها، إلا أن الحقيقة أن لازم المذهب ليس بمذهب (٢)، قلت: بأن ما ذكره جلال موسى لا يجافي الحقيقة فيما يظهر، والله أعلم. وإن كانت هذه القصة تحكي الواقع الحقيقي لهذا المذهب الفاسد. والناقد عليه أن يناقش الأصل فهل ما قيل في هذه المناظرة عن الاعتزال حقيقي أم كذب؟ فكون القصة صنعت لهدم المذهب المعتزلي لا يعنينا، وإنما الذي يعنينا هل هي افترت على المعتزلة، وأظهرتهم بغير صورتهم الحقيقية؟ أم أنها ذكرت ما في هذا المذهب الفاسد من تَخَبُّطَاتٍ بكل صراحة، فلماذا هذا التشكيك؟ إن الحقيقة تقول لا، بل هي تناقش قضية مُسلَّماً بها عند المعتزلة، والذي يظهر أن هذه المناظرة ـ لو صحت ـ لكانت حدثت بعد رجوعه، لأنها سبب من أسباب رجوعه لأن المناظرة أثبت فيها الأشعري أن مُعْتَقَدَهُ ومنهجه الاعتماد على النقل وتقديمه على العقل، والسياق لا يدل على أن هذا المنهج قد جدَّ عند الأشعري أثناء المناظرة. وهذه الرواية تدل
стр. 123
أيضاً على أن المناظرات بينهما كثيرة بعضها وقعت قبل الرجوع وكانت سبباً من أسبابه، وبعضها وقعت بعد الرجوع؛ لأنه لا مانع عقلاً ولا شرعاً من تكرار هذه المناظرات وقصرها على طور واحد، تحكم بلا دليل، والله أعلم.
القول الثالث تكافؤ الأدلة:
إن سبب رجوع الأشعري هو حيرته من جراء تكافؤ الأدلة بين الفرق عنده، بحيث لم يعد لطائفة عنده مزية عن طائفة.
١ ـ قال ابن عساكر: الأشعري شيخنا وإمامنا ومن عليه معولنا قام على مذاهب المعتزلة أربعين سنة، وكان لهم إماماً ثم غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يوماً، فبعد ذلك خرج إلى الجامع، فصعد المنبر» وقال: «معاشر الناس! إني إنما تغيبت عنكم في هذه المدة، لأني نظرت فَتَكَافَأَتْ عندي الأدلة، ولم يترجح عندي حق على باطل ولا باطل على حق، فاستهديت الله ﵎، فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به ودفع الكتب إلى الناس، فمنها كتاب «الُّلمَع» وكتاب أظهر فيه عوار المعتزلة سماه بكتاب «كشف الأسرار وهتك الأستار» وغيرهما، فلما قرأ تلك الكتب أهل الحديث والفقه من أهل السنة والجماعة أخذوا بما فيها وانتحلوه واعتقدوا تقدمه، واتخذوه
стр. 124
إماماً حتى نسب مذهبهم إليه» (١).
٢ ـ وانفرد ابن عساكر برواية أخرى قريبة من هذه، حيث قال: «لم يشعر الناس يوم الجمعة إلا وإذا بالأشعري، قد طلع على منبر الجامع بالبصرة بعد صلاة الجمعة ومعه شريط شده في وسطه ثم قطعه وقال: «اشهدوا علي! إني كنت على غير دين الإسلام، وإني قد أسلمت الساعة، وإني تائب، مما كنت فيه، من القول بالاعتزال»، ثم نزل (٢). وقد شكك جلال موسى، في هذه أيضاً فقال: - مما لاشك فيه أن ابن عساكر هو مصدر هذه الرواية التي أخذها عنه ابن خلكان والسبكي، فابن عساكر يُصَرِّحُ أن الكتب التي دفعها إلى الناس، منها، كتاب اللمع، وكتاب كشف الأسرار وهتك الأستار، كشف فيها عوار المعتزلة وهذا وحده يكفي دليلاً على وضع هذه الرواية، وعدم الدقة فيها.
١ ـ فلا يعقل أن يكون الأشعري ألف هذين الكتابين خلال الخمسة عشر يوماً التي غابها.
стр. 125
٢ ـ ولا يعقل كذلك أن يكون ألفها وهو على مذهب المعتزلة وقبل رؤية الرسول ﷺ التي يذكر الأشعري أنها كانت السبب في التحوُّلِ، وإلا كان الرجل غير صادق العقيدة، إذ يؤمن بمذهب ويؤلف على مذهب آخر، وليس الأمر بمثل هذه البساطة.
٣ ـ ثم إننا لا نصدق أن الأشعري يتعرى من ثوبه، وهو على المنبر ويوم الجمعة كدليل على تركه أقوال المعتزلة فهو تشبيه يتسم بالبساطة والسَّذَاجَةِ، وليست هناك غاية وراء غيابه هذه الفترة اليسيرة، إلا إذا كان ابن عساكر، يعتبرها فترة تحول بين مذهبين مختلفين.
٤ ـ ثم إن كتاب اللمع من المعتقد أنه من مؤلفات الأشعري في فترة النضج وليس من مؤلفات فترة التحول (١). والدكتور جلال موسى شكك في هذه الرواية أيضاً فهو لا يتصور أن يؤلف الأشعري كتابين خلال خمسة عشر يوماً، ولم يذكر دليلاً واحداً على صدق دعواه سوى ترديده عبارة: لا يعقل كذا ولا يعقل كذا .. وسيعارض بقول قائل: بل يعقل كذا ويعقل كذا، وسيحتار القراء إلى أي العقلين يحتكمون؟! كما أن هذا مردود عليه، لأن العالم إذا تفرغ للتأليف والتصنيف قد يُصنف أكثر من ذلك، فمثلاً، شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) ﵀ أصل لقضية القضاء
стр. 126
والقدر في مجلس واحد .. عندما قال له السائل وهو من النصارى
أيا علماء الدين ذمي دينكم … تحير دلوه بأوضح حجة
إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم … ولم يرضه مني، فما وجه حيلتي
فرد عليه شيخ الإسلام في نفس المجلس بما يزيد على مائة وعشرين بيتاً نظماً، وكان من حوله يظنونه سيرد نثراً: فابتدأ بقوله:
سؤالك يا هذا سؤال معاند … مخاصم رب العرش باري البرية
стр. 127
ومن يك خصماً للمهيمن يرجعن على أم رأس هاو في الحفيرة (١)
وهذا الحافظ ابن حجر (٢) ﵀ ألف متناً في المصطلح وأسماه نخبة الفكر، وهو مسافر، ذكر ذلك ابن الوزير (٣) حيث قال: إن الحافظ ابن حجر، كتبها في سفره إلى مكة سنة سبع عشرة (٤) ونظمها الإمام الصنعاني (٥) ﵀ في يوم واحد بأكثر من مائتي بيت من الشعر
стр. 128
المنظوم، حيث قال:
وبعد فالنخبة في علم الأثر … مختصر يا حَبَّذا من مختصر
ألفها الحافظ في حال السفر … وهو الشهاب بن علي بن حجر
كذلك قال:
طالعتها يوماً من الأيام … فاشتقت أن أودعها نظامي
فتم من بكرة ذاك اليوم … إلى المسا عند وفود النوم (١)
فإذا كان هؤلاء الأعلام، قد أَلَّفُوا ونظموا في خلال سُويعات، فلماذا نتعجب من أن يُؤَلِّفَ الأشعري في خمسة عشر يوماً؟ وهو منقطع عن الناس انقطاعاً تاماً ثم ما المانع، أن يكون صَنَّف هذه الكتب بعد الرؤيا؟
والخلاصة، أن ما ذكره من علة للقدح في القصة لا يسلم له به خاصة وأنه رد جميع ما ذكر من غير مستند، أو دليل أو حجة بينة. أما مسألة تعجّبه من خلع الأشعري ثوبه، كدلالة على انخلاعه من الاعتزال فمعه في هذا حق من وجهة نظري، لأن مثل هذا الفعل لا يتصور من إنسان عادي، فكيف من عالم! وإن كان بعضهم قد ذكر بأن الأشعري قد يكون:
أ ـ لبس أكثر من ثوب، وبخاصة أن الروايات لم تذكر أنه تعرى،
стр. 129
وفعله لا يَتَعَدَّى أن يكون اجتهاداً منه في هذه المسألة، وهذا هو المتوقع بلا ريب، إن كان هذا قد حصل فعلاً.
ب ـ قد يكون قصده لفت الأنظار من أجل انقداحها في الأذهان، وذلك لأنه أراد أن يترك أثراً في نفوس الناس محسوساً وشاهداً ملموساً على تركه وبراءته من الاعتزال وطبعي أن يكون قد رتب لهذا قبل الخروج إلى المسجد، فالطبيعي إذاً أن يكون قد لبس غير الثوب الذي خلعه وإن كنت أميل إلى عدم قبولها خاصة وغالب الروايات لم تذكرها، ناهيك عن أن خلع الرجل ثوبه أمام الرجال أمرٌ مذموم حتى ولو كان قد لبس أكثر من ثوب، مع التأكيد أنه يجب استبعاد أن يكون الأشعري قد تعرى أمام الناس؛ لأن مثل هذا الظن والتصور لا يرد إلا على ذهن من يريد دفع هذه الرواية ونفيها ابتداء دون بحث أو تأمل وتدقيق، وأمّا استدلاله على عدم صحة الخير بحجة تأخر تأليف اللمع، فهذا كلام بعيد تماماً عن المنهج العلمي في البحث، فهذه دعوى لم يذكر على صحتها دليلاً واحداً؛ بل هذه الرواية لو صحت لكانت دليلاً وحجة لمن يَرَوْنَ تأخر تأليف كتاب الإبانة، وبأن اللمع من مؤلفات الأشعري بعد التحول مباشرة، والله أعلم.
القول الرابع: حيرته.
عد بعض أهل العلم أن سبب تحول الأشعري، هي الحيرة التي أَقْلَقَتُهُ بسبب عدم اقتناعه بالاعتزال فكانت سبباً رئيساً لتركه الاعتزال. حيث
стр. 130
ذكر ابن عساكر: أن الأشعري كان يعيش في حيرة من أمره، وكان يطرح الأسئلة على أساتذته في الدرس، ولا يجد فيها جواباً شافياً، فتحير في ذلك، فحكي عنه أنه قال: وقع في صدري، في بعض الليالي، شيء مما كنت فيه من العقائد، فقمت فصليت ركعتين، وسألت الله - تعالى - أن يهديني الطريق المستقيم (١). فالحيرة والشك كانت دافعاً عند الأشعري، حتى إنها قادته إلى ترك الاعتزال. «العصر الذي نشأ فيه الأشعري، كان عصراً برزت فيه المناظرات، وأظهرت له هذه المناظرات، ما في الفكر المعتزلي من مغالطات، وأيقظت له هذه المناظرات بواكير نشأته السنية، وكشفت له عوارض اعتزالية، مما أثمر عن عدم قناعة الأشعري بالفكر المعتزلي» (٢). قلت: وفي هذا إشارة لوجود تأثر قديم عند الأشعري من جراء تتلمذه على شيخه زكريا الساجي ﵀. ولاشك، أن الباحث عن الحقيقة، والراغب في الوصول إلى الحق، والبعد عن الأهواء وَالأَمْزِجَة، سيكتشف، عوار المعتزلة وغيرها من الفرق الضالة. وسيعلم بأن الحق، هو اتباع ما في الكتاب والسنة والسير على نهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، في فهمهما.
стр. 131
القول الخامس: قسوة المعتزلة في امتحان العلماء.
هناك من الباحثين المعاصرين، من عزا ذلك إلى ما اشتهر عن المعتزلة من القسوة في التعامل مع مخالفيهم، فممارسات المعتزلة في امتحان العلماء والمخالفين لهم في الرأي، وإكراههم على التسليم لهم، بما يعتقدونه من آراء كمحاولة إجبار الناس والعلماء على قبول قول المعتزلة في قضية خلق القرآن (١) مثلاً أدى إلى تَوَلُّدِ كراهية هذا الفكر عند
стр. 132
الأشعري. يقول أحمد أمين: «إنّ الناس كانوا قد مَلُّوا كثرة المناظرات، والمحن التي شهدوها أو سمعوا بها، كمحنة خلق القرآن، فكرهوا هذه الطائفة التي سببت لهم كل هذه المشاكل، وأخذ كثير منهم بأزر من يجابههم (١). إن ممارسات المعتزلة في امتحان العلماء المخالفين لهم في الرأي، وإكراههم على القول بخلق القرآن، ولَّد نفوراً لدى العلماء. كما نفر منهم الناس، وجعلهم في معزل عن مشاركتهم في أمور حياتهم (٢). وهذا أمر لا ينكر، فابن كثير مثلاً يذكر من أساليب المعتزلة في القول بخلق القرآن، أنهم كانوا يعزلون من لا يجيب من وظائفه، وإن كان له رزق على بيت المال قطع، وإن كان مفتياً منع من الإفتاء، وإن كان شيخ حديث مُنعَ عن الإسماع والأداء، ووقعت فتنة صماء ومحنة شنعاء وداهية دهياء، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم (٣). ولكن الجزم بأن هذا هو السبب غير مقبول، لأن تحول إنسانٍ عن معتقده بناء
стр. 133
على مثل هذا السبب مستبعد، نعم قد يكون هذا سبباً مع أسبابٍ أخرى يُقَوِّي بعضها بعضاً، أمَّا أن يستقل وحده برجوع الشيخ عن الاعتزال فبعيد جداً، بل انتصار الخلفاء لقول المعتزلة في خلق القرآن كان قبل مولد الأشعري، بل قبل نهيهم عن القول بخلق القرآن، وكان قبل مولده أيضاً، بل الأشعري كان معتزلياً عشرات السنين في وقت كان الخليفة ينهى عن هذا القول الضال ومع ذلك اعتنق الأشعري هذا التيار الذي لم يكن منصوراً من الخليفة في زمانه، ولكن الذي يظهر أنه ترك هذا المذهب الفاسد بعد أن بان له فساده وهداية الله له.
القول السادس: قوة أبي الحسن في المناظرات:
ذكر أحمد أمين: أن أبا الحسن كان قوي الحجة، فلفت الأنظار إليه، وكان مع قوة حَجَّتِهِ معروفاً بالصلاح والتقوى وحسن المنظر، مما جذب نفوس الناس إليه، حيث وجدوا فيه الشخص الذي يلقون حملهم عليه إذا عدل عن الاعتزال (١). وما أدري كيف استساغ أحمد أمين، أن يجعل هذا سبباً؟! فالمتأمل في هذا الكلام لا يجد فيه سبباً للتحول بل هذا الكلام يستساغ عندما يجعل هذا سبباً لمن أراد كثرة الأتباع، أما جعله سبباً لتحوله عن عقيدته فغير مقبول إطلاقاً ولذلك ظهر عنده الخلط، فقال قبل هذا التعليل: «فكان ذلك من الأسباب، التي دعته إلى ترك الاعتزال،
стр. 134
وفي نظري أنه انتصر على المعتزلة لأسباب، ثم ذكر أسباباً بعضها مُتَعَلِّقٌ بشخص أبي الحسن، والآخر متعلق بأسباب تَحَوُّلِهِ (١)، والغريب أنه جعل من الأسباب حاجة الناس إلى من يلقون عليه حملهم إذا عدل عن الاعتزال» (٢). قلت: وما أدري كيف تجرأ أحمد أمين على ذلك الزمن الذي وجد فيه العديد من الأئمة: كمسلم والترمذي وأبي داود والنسائي وبقي بن مخلد، والدارمي، وعبد الله ابن الإمام أحمد، وإبراهيم بن إسحاق وغيرهم من الأعلام، حتى يجعل أحمد أمين الناس قد افتقدوا القدوة، ولم يجدوا عالماً، بل قوله يُوحي: بأن الناس كانوا معتزلة، أو غالبهم على أقل تقدير، ثم تحولوا عن الاعتزال إلى مُتابعة الأشعري ﵀ وإن كانت عبارته، تدل على أنه قصد جميع الناس من أهل الإسلام، لأنه قال: مما جذب نفوس الناس إليه، ووجدوا فيه الشخص الذي يلقون حملهم عليه، إذا عدلوا عن الاعتزال. ولاشك بأن في هذا قدحاً في أهل ذلك الزمن، فأهله عنده كانوا معتزلة، وكأن أهل السنة والحديث لا وجود لهم، ثم بعد ذلك تحولوا إلى الأشعرية، مع أن الأشعري ﵀ لم ينتشر مذهبه إلا بعد وفاته بقرنين، بل ولم يعرف له تلامذة معاصرين له إلا قلة قليلة. فكيف تجرأ أحمد أمين على هذا التحليل الغريب العجيب وكيف استساغه؟!
стр. 135
القول السابع: تَخَلِّي السلطات عن نصر الاعتزال.
ذكر أحمد أمين: أن السلطات الحكومية من عهد المتوكل (١) قد تَخَلَّت عن نصرة المعتزلة، وأغلبُ الناس يمالئون الحكومة أينما كانت، ويخافون أن يعتنقوا مذهباً لا ترضاه، فهربوا من الاعتزال إلى من يهاجم الاعتزال (٢). وكلام أحمد أمين يوحي بأن الأشعري ليس وحده الذي ترك الاعتزال، بل غالب الناس تركوا الاعتزال من جراء هذا السبب. وقد علق جلال موسى على هذا الكلام فقال: إن هذا التفسير يعني: أن الناس إذا كانت قبلت مذهب الأشعري فلم يكن ذلك عن رضا واقتناع، وإنما لأن السلطات الحكومية ترغب ذلك وترضاه، ولأن دولة المعتزلة كانت قد ذلت، ولكن ذلك لا يقوم دليلاً على أن الأشعري ترك مذهب المعتزلة
стр. 136
لأسباب سياسية (١).
قلت: ولاشك بأن هذا التفسير غير مقبول لأسباب:
١ - إن وصف الإمام الأشعري بأنه غير عقيدته إرضاء للحاكم تهمة بلا دليل، وحكم على النوايا والخفايا التي لا يعلمها إلا الله.
٢ - إن المتوكل ﵀ توفي قبل مولد الأشعري بثلاث عشرة سنة، وأصبح الحكام من بعده يحرصون على نصر السنة. فالأشعري إذاً، ولد ونشأ ومات في عصر ارتفاع مقام أهل السنة، وظل هو مخالفاً لما هم عليه ـ أي أهل السنة ـ عشرات السنين. فدل على أن اعتزاليته كانت عن قناعة، وتحوله عن قناعة، فليس للحكومات في ذلك دور. بل لم يثبت أنه تعرض لأذى حاكم، حتى يقال إن هذا كان سبباً في التحول. والذي يظهر أن هذا السبب من أضعف الأسباب مع الذي قبله.
القول الثامن: إسراف المعتزلة في تمجيد العقل.
عدَّ بعض الباحثين أن إسراف المعتزلة في تمجيد العقل له دور في ذلك. لأنّ إسراف المعتزلة في اعتمادها على العقل، وفي تأويلها العقلي للنصوص المخالفة لآرائها، وتوغلها في قضايا الفلسفة والمنطق، جعلها تبتعد عن الغاية الرئيسة للهدف الذي سخرت نفسها من أجله، كل ذلك ولدّ في الأشعري رد فعل جعله يتجه إلى الأخذ بالنصوص النقلية مطوعاً
стр. 137
العقل في خدمتها (١). ولاشك بأن هذا السبب مقبول ومنطقي، لكنه لا يصح أن يفرد وحده، لأنه قد يكون سبباً في الحيرة وسبباً في المناظرة أيضاً.
القول التاسع: رغبة الأشعري بالجمع بين الفقه والكلام.
عزا بعض الباحثين سبب رجوع الأشعري إلى رغبته بأن يجمع بين الفقهاء والمحدثين، وبين أهل الكلام، رغبة منه في جمع الكلمة بعد اشتداد العداوة بين أهل الحديث وأهل الكلام، فقاده فكره إلى التحول عن الاعتزال مع استفادته منهم في بعض المسائل، وانضمامه لأهل الحديث. قال جلال موسى: الأشعري كان رجلاً ألْمعياً ذا نظر ثاقب ورأي، رأى أن الفقهاء والمحدثين قصروا همتهم على التفقه في الدين بدلائله وحججه من التفسير والحديث والإجماع والقياس، ورأى المتكلمين قصروا همتهم على الدفاع عن الدين ضد غوائل أعدائه، مستخدمين نفس أسلحتهم من الجدل والمنطق وتحكيم العقل وطرح النص جانباً، وكان العداء بين الفريقين شديداً، فساءل الأشعري نفسه: - وما الذي يمنع أن يكون المرء فقيهاً متكلماً ويجمع بين الأمرين وهو ليس جمعاً بين متناقضين؟ وكما رأى المعتزلة تجعل العقل رائداً والحنابلة تجعل النص رائداً، فساءل نفسه: وهل
стр. 138
هناك ما يمنع من الجمع بين الاثنين؟ (١) ولذلك يقول الكوثري (٢): إن الأشعري نشأ في ظروف حرجة تعاني منها الأمة، فغار الإمام أبو الحسن على ما حل بالمسلمين من ضروب النكال، فقام لنصر السنة، وقمع البدعة، فسعى أولاً للإصلاح بين الفريقين من الأُمة بإرجاعهما عن تطرفهما إلى الوسط العدل قائلاً للأولين: أنتم على الحق إذا كنتم تريدون بخلق القرآن اللفظ والتلاوة والرسم، وللآخرين: أنتم مصيبون إذا كان مقصودكم بالقديم: الصفة القائمة بذات الباري غير البائنة منه (٣). قلت: هذا الذي يزعم الكوثري أنَّ الأشعري يُريد أن يجمع الناس عليه مذهبٌ باطل وهو أنّ كلام الله معنى واحد قائمٌ بذاته وأمّا ألفاظ القرآن وحروفه
стр. 139
فهي مخلوقة، يُعد خليطاً بين مذهب متأخري الأشاعرة ومذهب المعتزلة، وهذا التحليل عن الكوثري انتصار لما هو عليه من مذهب باطل. ولاشك بأن هذا التعليل للمتأمل عَليلٌ، والتعليل به غير مقبول إطلاقاً، فالأشعري ﵀ لم تكن مشكلته مع المعتزلة، وخلافه حول قضية خلق القرآن فقط، بل خلافه معهم في عشرات القضايا، بل حتى خلاف في مصادر التلقي الأساسية، كما أنه أعلن التخلي التام عن هذا المذهب الفاسد، بل ورد عليهم وقدح بهم على رؤوس الأشهاد. فهل الذي يريد التوفيق والإصلاح يسعى لإسقاط شيوخه من المعتزلة؟ وهل الذي يسعى للإصلاح يعلن تخليه التام عن ذلك المذهب الفاسد وعلى رؤوس الأشهاد؟ بل ويخلع ثيابه ـ إن صحت الرواية ـ دلالة على خلعه مذهبهم، بل في بعض الروايات يعلن أن لم يسلم إلا اليوم ثم يقال بأن الأشعري كان يريد التوسط، هذا قول غير مقبول ويفتقر إلى الأدلة. والغريب أن هذا القول وجد من يؤيده، فهذا أحدُ الباحثين يقول: إن الأشعري رأى أن طريقة المعتزلة ستؤدي بالإسلام إلى الدمار، كما أن طريقة المحدثين والمشبهة ستؤدي إلى الجمود والانهيار مع ما في ذلك من تفرقة كلمة الأمة وغرس بذور الشقاق بينها، وأنه من الخير لهذه الجماعة أن يلتقي العقليون والمنطقيون على مذهب وسط يُوَحِّدُ القلوب، ويعيد الوحدة إلى الصفوف
стр. 140
مع احترام النص والعقل معاً (١). قلت: وما أدري! كيف قبلوا بهذا التعليل مع أنهم يرددون ويؤكدون بأن الأشعري قد انخلع من الاعتزال، وحجر المعتزلة في أقماع السمسم كما يعلنون؟! بل ويعلن أحدهم أن الأشعري وجد الأدلة متكافئة، فاستهدى الله، فهداه إلى منهجه، وأيده في طريقه برؤية رسوله ﷺ فمضى قدماً وأخرج للناس مذهباً جديداً؟ تلقاه أغلبها بالقبول والاطمئنان (٢). قلت: إن الإعلان بأن أبا الحسن أتى بمذهب جديد قدح به، وكافٍ لرد مذهبه لأن الإسلام قد كمل بوفاته ﷺ وليس بحاجة إلى إكمال، وهذا وحده كاف لرد مثل هذا السبب.
القول العاشر: حدوث تغير في عقله.
زعم بعض المعتزلة أن الأشعري رجع عن الاعتزال بسبب تغير حدث في عقله (٣). وقد انتقد ابن عساكر هذا القول بشدة، وحق له، حيث قال: هذا قول جاهل لم يؤته الله في دينه بصيرة وقائله من المعتزلة الضلال (٤).
قلت: ولاشك بأن هذا القول، وهذا التعليل، محجوج وغير مقبول. وليس هذا غريباً على المعتزلة، لأنهم يرون أن من خالفهم لا يحسن
стр. 141
استخدام عقله. بل الأشعري رجع عندما ظهر له عوار المعتزلة، ورجوعه دليل على رجاحة عقله وقوة حجته وضعف المذهب الفاسد، فالتعليل عليل وضعيف.
القول الحادي عشر: عدم الاطمئنان للفكر المعتزلي.
قال فاروق الدسوقي: إن منهج المعتزلة الفكري يحتم على صاحبه أن لا يطمئن ولا يثق إلا في النتائج المتفقة مع أحكام العقل حسب زعمهم. أما الأشعري فقد نبذ هذا السبيل العقلي المحض، حيث لم يحصل به في صدره الاطمئنان حيال نتائجه، كما أن تفكيره العقلي نقضه وأظهر له معايبه وعجزه. فلجأ إلى سبيل آخر هو الدعاء وطلب الهدى من الله ولهذا دلالة منهجية هامة، وهي أن الأشعري ترك العقل كقبلةٍ أولى وأساس وحيد ومرجع أسمى وحكم أعلى ينبغي على المفكر المعتزلي أن يتوجه إليه في هذا كله، ويعول عليه أولاً وأخيراً (١). قلت: ولا شك بأن هذا سبب ولَّد الحيرة عند الأشعري ﵀ ولكن لا يستقل لوحده بكونه سبب التحول.
القول الثاني عشر: موت قريب له.
ذكر بعض خصومه: أن سبب رجوعه هو: أن قريباً له مات، فتاب لئلا يمنعه الحاكم من الميراث، حيث كان قريبه ذا مال كثير، وكان قاضي
стр. 142
البصرة في ذلك الوقت يغلو في السنة، فقال للأشعري: أهل ملتين لا يتوارثان، فمنعه من الميراث بتأويل تَأَوَّلَهُ، فأظهر التوبة وأخذ الميراث (١). وهذا التعليل غريب وعجيب لأسباب:
١ ـ لم نسمع أن معتزلياً منع من الميراث، وكيف يحرم والمعتزلة من أهل القبلة؟
٢ ـ كما أن فيها تهمة، بأن الأشعري باع عقيدته من أجل مَتَاعٍ قليل في الدنيا. ولو فرضنا جدلاً بأنه فعلاً رجع من أجل هذا السبب، فما الدافع الذي جعله يستمر في الرد على المعتزلة بعد استلامه الميراث إذا كان قد تركهم عن غير اقتناع كما يزعمون؟! ولكن الخصوم، يصنعون من المبررات ما هو ممجوج حتى يثبتوا بأن من تركهم لم يكن مقتنعاً بقولهم، وإنما الأمور الدنيوية المادية هي سبب ذلك، مع أن الأشعري كما في بعض الروايات كان زاهداً في دُنْيَاهُ، حيث كانت نفقته في كل سنة سبعة عشر درهماً (٢)، فكيف يقال بعد ذلك أنه كان من أهل الدنيا، بل وباع عقيدته من أجلها ـ سبحانك ربي هذا بهتان عظيم ـ؟!
القول الثالث عشر: غيرة الأشعري من ابن زوج أمه أبي هاشم الجبائي.
حيث كان تلميذاً لأبيه، ولذا ترك الأشعري المعتزلة ويؤكد ذلك أن الأشعري قد أغفل ذكر أبي هاشم الجبائي مع مكانته في كتابه المقالات
стр. 143
ولم يتطرق له (١). قلت: هذا التعليل عَلِيْلٌ لأمور:
أ ـ لم يذكره المؤرخون من قبل.
ب ـ عدم ورود أي دليل على أن هناك غيرة حدثت بينهما، أو أن الجبائي قدم ولده، بل الظاهر أنَّ الجبائي عُني بالأشعري كثيراً؛ بل قد يكون أكثر من ولده الذي ولد قبل الأشعري بثلاث عشرة سنة، فلا مجال للغيرة بينهم فهو ليس من أقرانه بالسن.
جـ ـ عدم الرد على أبي هاشم في المقالات لا يدل على غيرته منه، بل الأشعري لا يرد إلا على الخصوم، ورده ليس مزية يُكرِمُ بها من يرد عليه؛ لذا حَرَمَ منها أبا هاشم، بل رده نقد ومذمة للمردود عليه، وخصومه أولى بالنقد والذم، ولو كان يغار من ابن زوج أمه، لبادر بالرد عليه، فكيف جعلوا هذا سبباً؟.
د ـ ثبت أن الأشعري رد على أبي هاشم الجبائي في كتاب أسماه «جوابات عن أسئلة أبي هاشم» أَمْلَاهُ استجابة لطلب ابن صالح الطبري (٢)، على حسب قائمة ابن فورك، وهذا وحده كافٍ لإسقاط هذا السبب.
стр. 144
القول الرابع عشر: البحث عن المنزلة.
ذكر بعض خصوم الأشعري أنه ترك هذا المذهب لأنه لم يظفر عند العامة بسمو المنزلة وأظهر التوبة ليؤخذ عنه ويقبل عليه ويجعل له منزلة، فبلغ بذلك بعض ما أراد (١) قلت: وهذا التعليل ذكره بعض خصومه من أجل إسقاطه، وقد رد ابن عساكر على هذا التعليل بقوله: «وقول من زعم أنه أظهر التوبة ليؤخذ عنه ويسمع ما يُلقى إلى المتعلمين منه، وتعلو منزلته عند العامة، فذلك مالا يصفه من يؤمن بالبعث يوم القيامة، كيف يستجيز مسلم أن يظهر ضد ما يبطن ويضمر خلاف ما يبدي ويعلن لاسيما فيما يتعلق بالاعتقادات (٢)؟!
قلت: وهذه التهمة كسابقتها من التهم التي يريد أن يخلص من خلالها إلى أن مذهب أصحابها حقٌ، ولا يمكن أن يدعه إنسان إلا لأسباب خارجية، وإلا فمن المعلوم أنَّ أصحاب المذاهب غالباً ما تنتشر مذاهبهم بعد سنين من وفاتهم وليس في حال الحياة كما صورها هذا القول، وهذه هي أهم الأسباب التي ذكرت حول سبب تركه لمذهب الاعتزال.
الترجيح:
لقد شغلت الأسباب التي أدت إلى ترك الأشعري مذهب الاعتزال
стр. 145
الباحثين في القديم والحديث، ولم يتفق جميع الباحثين على سبب واحد من بين الأسباب الكثيرة التي جُعلت سبباً لتحوله، فالمناظرات مثلاً أقنعت فئة ولم تقنع أخرى، وكذلك ا لرؤى المنامية وغيرها.
١ ـ فابن عساكر مثلاً بعد ما عرض عدداً من الأقوال، رأى بأن السبب الرئيس في تحوله هو اتباعه الحق لما بان له وترك ما عداه، دونما جعل سبب بعينه هو سبب التحول (١).
٢ ـ أما عبد الرحمن بدوي، فيرى أن عدم وجود جواب شافٍ من أساتذته على أسئلته هو الأقرب للتصديق، وذلك لأنه عنده يبين ما يعقل وقوعه للأشعري. (٢)
٣ ـ أما الشيخ الدكتور عبد الرحمن المحمود فإنه يرى بأن كل ما ذكر لا يرقى أي منه إلى درجة اليقين، لأنه لم يرد عن الأشعري عن طريق صحيح، أو في أحد كتبه المعتمدة السبب المباشر عن تحوله ورجوعه، ثم قال: لذلك لابد من التماس ذلك في أكثر من سبب، علماً بأن الرجوع إلى الحق ونبذ الباطل إنما هو عودة إلى الهداية الموافقة للفطرة، وهو أمر يقذفه الله في قلب عبده المؤمن، فليس الأمر غريباً أو مخالفاً للمعقول حتى يتلمس له السبب، والله أعلم (٣).
٤ ـ في حين رجح محمود غرابه، بأن سبب الرجوع كان أمراً دينياً،