← Тараджим

Тараджим · id 888

الإمام الأشعري حياته وأطواره العقدية

صالح بن مقبل العصيمي

Полный текст (380 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

استخدام عقله. بل الأشعري رجع عندما ظهر له عوار المعتزلة، ورجوعه دليل على رجاحة عقله وقوة حجته وضعف المذهب الفاسد، فالتعليل عليل وضعيف. القول الحادي عشر: عدم الاطمئنان للفكر المعتزلي. قال فاروق الدسوقي: إن منهج المعتزلة الفكري يحتم على صاحبه أن لا يطمئن ولا يثق إلا في النتائج المتفقة مع أحكام العقل حسب زعمهم. أما الأشعري فقد نبذ هذا السبيل العقلي المحض، حيث لم يحصل به في صدره الاطمئنان حيال نتائجه، كما أن تفكيره العقلي نقضه وأظهر له معايبه وعجزه. فلجأ إلى سبيل آخر هو الدعاء وطلب الهدى من الله ولهذا دلالة منهجية هامة، وهي أن الأشعري ترك العقل كقبلةٍ أولى وأساس وحيد ومرجع أسمى وحكم أعلى ينبغي على المفكر المعتزلي أن يتوجه إليه في هذا كله، ويعول عليه أولاً وأخيراً (١). قلت: ولا شك بأن هذا سبب ولَّد الحيرة عند الأشعري ﵀ ولكن لا يستقل لوحده بكونه سبب التحول. القول الثاني عشر: موت قريب له. ذكر بعض خصومه: أن سبب رجوعه هو: أن قريباً له مات، فتاب لئلا يمنعه الحاكم من الميراث، حيث كان قريبه ذا مال كثير، وكان قاضي

стр. 142

البصرة في ذلك الوقت يغلو في السنة، فقال للأشعري: أهل ملتين لا يتوارثان، فمنعه من الميراث بتأويل تَأَوَّلَهُ، فأظهر التوبة وأخذ الميراث (١). وهذا التعليل غريب وعجيب لأسباب: ١ ـ لم نسمع أن معتزلياً منع من الميراث، وكيف يحرم والمعتزلة من أهل القبلة؟ ٢ ـ كما أن فيها تهمة، بأن الأشعري باع عقيدته من أجل مَتَاعٍ قليل في الدنيا. ولو فرضنا جدلاً بأنه فعلاً رجع من أجل هذا السبب، فما الدافع الذي جعله يستمر في الرد على المعتزلة بعد استلامه الميراث إذا كان قد تركهم عن غير اقتناع كما يزعمون؟! ولكن الخصوم، يصنعون من المبررات ما هو ممجوج حتى يثبتوا بأن من تركهم لم يكن مقتنعاً بقولهم، وإنما الأمور الدنيوية المادية هي سبب ذلك، مع أن الأشعري كما في بعض الروايات كان زاهداً في دُنْيَاهُ، حيث كانت نفقته في كل سنة سبعة عشر درهماً (٢)، فكيف يقال بعد ذلك أنه كان من أهل الدنيا، بل وباع عقيدته من أجلها ـ سبحانك ربي هذا بهتان عظيم ـ؟! القول الثالث عشر: غيرة الأشعري من ابن زوج أمه أبي هاشم الجبائي. حيث كان تلميذاً لأبيه، ولذا ترك الأشعري المعتزلة ويؤكد ذلك أن الأشعري قد أغفل ذكر أبي هاشم الجبائي مع مكانته في كتابه المقالات

стр. 143

ولم يتطرق له (١). قلت: هذا التعليل عَلِيْلٌ لأمور: أ ـ لم يذكره المؤرخون من قبل. ب ـ عدم ورود أي دليل على أن هناك غيرة حدثت بينهما، أو أن الجبائي قدم ولده، بل الظاهر أنَّ الجبائي عُني بالأشعري كثيراً؛ بل قد يكون أكثر من ولده الذي ولد قبل الأشعري بثلاث عشرة سنة، فلا مجال للغيرة بينهم فهو ليس من أقرانه بالسن. جـ ـ عدم الرد على أبي هاشم في المقالات لا يدل على غيرته منه، بل الأشعري لا يرد إلا على الخصوم، ورده ليس مزية يُكرِمُ بها من يرد عليه؛ لذا حَرَمَ منها أبا هاشم، بل رده نقد ومذمة للمردود عليه، وخصومه أولى بالنقد والذم، ولو كان يغار من ابن زوج أمه، لبادر بالرد عليه، فكيف جعلوا هذا سبباً؟. د ـ ثبت أن الأشعري رد على أبي هاشم الجبائي في كتاب أسماه «جوابات عن أسئلة أبي هاشم» أَمْلَاهُ استجابة لطلب ابن صالح الطبري (٢)، على حسب قائمة ابن فورك، وهذا وحده كافٍ لإسقاط هذا السبب.

стр. 144

القول الرابع عشر: البحث عن المنزلة. ذكر بعض خصوم الأشعري أنه ترك هذا المذهب لأنه لم يظفر عند العامة بسمو المنزلة وأظهر التوبة ليؤخذ عنه ويقبل عليه ويجعل له منزلة، فبلغ بذلك بعض ما أراد (١) قلت: وهذا التعليل ذكره بعض خصومه من أجل إسقاطه، وقد رد ابن عساكر على هذا التعليل بقوله: «وقول من زعم أنه أظهر التوبة ليؤخذ عنه ويسمع ما يُلقى إلى المتعلمين منه، وتعلو منزلته عند العامة، فذلك مالا يصفه من يؤمن بالبعث يوم القيامة، كيف يستجيز مسلم أن يظهر ضد ما يبطن ويضمر خلاف ما يبدي ويعلن لاسيما فيما يتعلق بالاعتقادات (٢)؟! قلت: وهذه التهمة كسابقتها من التهم التي يريد أن يخلص من خلالها إلى أن مذهب أصحابها حقٌ، ولا يمكن أن يدعه إنسان إلا لأسباب خارجية، وإلا فمن المعلوم أنَّ أصحاب المذاهب غالباً ما تنتشر مذاهبهم بعد سنين من وفاتهم وليس في حال الحياة كما صورها هذا القول، وهذه هي أهم الأسباب التي ذكرت حول سبب تركه لمذهب الاعتزال. الترجيح: لقد شغلت الأسباب التي أدت إلى ترك الأشعري مذهب الاعتزال

стр. 145

الباحثين في القديم والحديث، ولم يتفق جميع الباحثين على سبب واحد من بين الأسباب الكثيرة التي جُعلت سبباً لتحوله، فالمناظرات مثلاً أقنعت فئة ولم تقنع أخرى، وكذلك ا لرؤى المنامية وغيرها. ١ ـ فابن عساكر مثلاً بعد ما عرض عدداً من الأقوال، رأى بأن السبب الرئيس في تحوله هو اتباعه الحق لما بان له وترك ما عداه، دونما جعل سبب بعينه هو سبب التحول (١). ٢ ـ أما عبد الرحمن بدوي، فيرى أن عدم وجود جواب شافٍ من أساتذته على أسئلته هو الأقرب للتصديق، وذلك لأنه عنده يبين ما يعقل وقوعه للأشعري. (٢) ٣ ـ أما الشيخ الدكتور عبد الرحمن المحمود فإنه يرى بأن كل ما ذكر لا يرقى أي منه إلى درجة اليقين، لأنه لم يرد عن الأشعري عن طريق صحيح، أو في أحد كتبه المعتمدة السبب المباشر عن تحوله ورجوعه، ثم قال: لذلك لابد من التماس ذلك في أكثر من سبب، علماً بأن الرجوع إلى الحق ونبذ الباطل إنما هو عودة إلى الهداية الموافقة للفطرة، وهو أمر يقذفه الله في قلب عبده المؤمن، فليس الأمر غريباً أو مخالفاً للمعقول حتى يتلمس له السبب، والله أعلم (٣). ٤ ـ في حين رجح محمود غرابه، بأن سبب الرجوع كان أمراً دينياً،

стр. 146

وهداية نبوية، وردت إليه في صورة رؤيا، وهي صدى لما أحسه أبوالحسن في نفسه من مشاكل نفسية وروحية (١). ٥ ـ ورجح أحمد أمين كراهية الناس للمعتزلة بسبب ما صنعوه في الناس في قضية خلق القرآن (٢). الترجيح: أما الذي يترجح عندي في مسألة سبب تحوله، أنها ليست مقصورة على سبب واحد فقط بل عدة أسباب مجتمعة؛ حيث إن غالب الأسباب التي ذكرت لا تعارض بينها، فقد تكون حيرته هي السبب ثم عدم إجابة مشايخه في مرحلة الاعتزال على أسئلته التي حيرته والتي كان يظهر من خلالها عجز المعتزلة عن الإجابة عليها وزاد من ذلك تمجيدهم الزائد للعقل، فاضطر بعد ذلك لإجراء مناظرة مع شيخه، فانكشف له ضعف حجة شيخه، ثم تأكد عنده فساد مذهبهم من خلال الرؤيا التي رآها، فلا أجد ثمة تعارض بين غالب هذه الروايات، وبخاصة أن أوجه الجمع بينها ممكنة، أما ما ذكره المعتزلة من أسباب فمرفوضة جملة وتفصيلاً؛ لأنها ناشئة عن حقد وعداوة ناهيك عن افتقارها للأدلة والبراهين المؤيدة لها. والخلاصة: أن هذه الأسباب غير كافية لبيان سبب رجوع الرجل عن مذهبه الذي عاش عليه طويلاً وإنما السبب المقنع الذي يمكن قبوله هو بيان الحق له وهداية الله إياه وهو كغيره من الناس قد

стр. 147

يضل ثم يهتدي، وما كنت أرغب أن أعطي هذه القضية حيزاً كبيراً لولا أن العلماء والباحثين في القديم والحديث قد اعتنوا بها، فأحببت جمع جميع هذه الأقوال في موضع واحد حتى يسهل للقارئ الاطلاع عليها، خاصة وأنني لم أجد من قام بجمعها في كتابٍ واحدٍ؛ بل هي متناثرة في بطون عشرات الكتب.

стр. 148

المبحث الثالث ما بعد مرحلة الاعتزال مما لاشك فيه أن الأشعري كان في الطور الأول من حياته معتزلياً، ثم بعد ذلك رجع عن هذا الاعتزال وَاخْتُلِفَ في هذا الرجوع، فهناك من جعله يرجع عن الفروع ويبقى على الأصول، وهناك من جعله يمر بعد الاعتزال بطورين: أ- موافقة السلف الصالح وأهل الحديث. ب-اتباع ابن كلاب، وهناك من جعل العكس. أ-اتباع ابن كلاب. ب-موافقة السلف الصالح وأهل الحديث. وهناك من جعله بعد الاعتزال يمر بطور واحد وهو اتباع أهل الحديث، وهناك من جعله يمر بطور واحد أيضاً ولكنه قائم على منهج التوسط بين أهل الحديث والمعتزلة، وهناك من جعله يمر بطور التوسط ثم متابعة ابن كلاب مع وجود بقايا كلامية عنده لم يتخلص منها. فهذه ستة أقوال: وَلَعَلِّي في هذا المبحث أتعرض لهذه الأقوال وَأُبِيِّنُ ما هو الطور الأخير الذي انتهى إليه أمر الأشعري ﵀؟

стр. 149

القول الأول: هناك من يرى أنه عند رجوعه عن منهج المعتزلة الفاسد كان رجوعاً عن الفروع فقط، مع بقاء الأصول، وقال بهذا القول خلف المعلم، حيث قال: «أقام الأشعري أربعين سنة على الاعتزال، ثم أظهر التوبة، فرجع عن الفروع وثبت على الأصول (١). وقال أبو نصر السجزي مؤيداً لقول خلف المعلم: «وهذا كلام خبير بمذهب الأشعري وغوره» (٢). بل وشنع السجزي على الأشعري وقال: «الأشعري وأقرانه يتظاهرون بالرد على المعتزلة وهم معهم، بل أخس حالاً منهم في الباطن» (٣). قلت: أما أصحاب هذا القول، فلقد جافوا الحقيقة؛ لأنه ﵀ رجع عن كثيرٍ من أصولهم بعد تركه الاعتزال مباشرة، ويلحظ ذلك من قرأ كتبه التى ألفها قبل الإبانة سواء: المقالات، أو الموجز، أو حتى اللمع. أما في الإبانة فقد رجع عن جميع أصولهم، ومقولة أنه رجع عن الفروع فقط قول غير صحيح، لذا رد شيخ الإسلام ﵀ على هذا

стр. 150

القول، وأوضح مقصد قائله. فقال: ليس مراده بالأصول ما أظهروه من مخالفة السنة فإن الأشعري مخالف لهم فيما أظهروه من مخالفة السنة، كمسألة الرؤية، والقرآن، والصفات. ولكن أصولهم الكلامية العقلية التي بنوا عليها الفروع المخالفة للسنة، مثل هذا الأصل الذي بنوا عليه حدوث العالم وإثبات الصانع، فإن هذا أصل أصولهم وأن الأصل الذي بنت عليه المعتزلة كلامها في أصول الدين، هو هذا الأصل الذي ذكره الأشعري، لكنه مخالف لهم في كثير من لوازم ذلك وفروعه، وجاء كثير من أتباعه المتأخرين، فأعطوا الأصول ـ التي سلَّمها للمعتزلة ـ حقها من اللوازم، فوافقوا المعتزلة على موجبها وخالفوا شيخهم أبا الحسن وأئمة أصحابه، فنفوا الصفات الخبرية، ونفوا العلو، وفسروا الرؤية بمزيد علم لا ينازعهم فيه المعتزلة، وقالوا: ليس بيننا وبين المعتزلة خلاف في المعنى، وإنما خلافهم مع المجسمة، وكذلك قالوا في القرآن: إن القرآن، الذي قالت المعتزلة: إنه مخلوق، نحن نوافقهم على خلقه، ولكن ندعي ثبوت معنى آخر، وأنه واحد قديم (١). قلت: ومخالفة الأشعري في بداية تحوله لغالب أصول المعتزلة يظهر بأن هذا القول ضعيف، فمسألة الرؤيا ومسألة خلق القرآن من أعظم

стр. 151

أصول الأشاعرة ومع ذلك فقد نقضها أمَّا في طوره الأخير فقد نقضها كلها، وهذا يدل على أن رجوعه كان عن الأصول وليس عن الفروع فقط والله أعلم.

стр. 152

القول الثاني: أن الأشعري مر بعد الاعتزال بطور واحدٍ وهو: اتباع منهج السلف الصالح. ولكن منهج السلف في نظرهم هم الأشاعرة والكلابية، وهذا ما اتجه إليه أغلب الباحثين والمؤرخين لحياة الأشعري، فإنهم لا يذكرون في الغالب إلا طوراً واحداً بعد الاعتزال: ١ ـ فابن النديم أقدم من أرخ للأشعري ذكر في الفهرست: أن الأشعري كان معتزلياً ثم تاب من القول بالعدل، وخلق القرآن (١). فهو هنا لم يذكر إلا طوراً واحداً بعد الاعتزال. وهكذا أغلب من ترجموا للأشعري لم يذكروا له إلا طوراً واحداً. ٢ ـ أبو بكر ابن فورك حيث قال: انتقل الشيخ أبو الحسن من مذاهب المعتزلة إلى نصرة مذاهب أهل السنة والجماعة بالحجج العقلية وصنف بذلك الكتب (٢). ٣ ـ فوقية حسين: ترى أن الأشعري مر بعد طور الاعتزال بطور الانتماء إلى عقائد السلف، وبقي على هذا الطور حتى مات. وتعلن استبعادها لمختلف الفروض الأخرى، فهي ترفض أن يكون الأشعري صاحب موقف متوسط بين المعتزلة والسلف، كما ترفض فرضية أنه تخلص من مرحلة الاعتزال تدريجياً، كما رفضت، الفرضية القائلة: بأنه

стр. 153

أخذ بأصول السلف ثم رجع إلى الاعتزال (١). ٤ ـ وقد أيد إبراهيم برقان هذا الرأي، وذكر حجة غريبة له: وهي أنه ارتأى هذا القول من باب تعزيز الجوامع المشتركة دون التفصيل في مواضع الاختلافات (٢). ٥ ـ فاروق الدسوقي حيث قال: إن الإمام الأشعري انتقل بشعلة الفكر الإسلامي المتوهجة من المنهج العقلي المتطرف عند المعتزلة إلى رواق أهل السنة والجماعة، حيث ظلال القرآن الكريم، والحديث الشريف، أما الذين أحدثوا عقيدة وسطاً بين المعتزلة وبين السلف فهم الأشاعرة اللاحقون على الأشعري، أما الأشعري فإن هذا الأمر يبدو لنا بعيداً تماماً عنه، فلقد ترك لنا الأشعري من أعماله الفكرية ما يجعلنا نضعه مع السلف الذين يتمسكون بظاهر النص مع التنزيه المطلق لله كالحنابلة، والحجة البالغة على هذا القول كتابه الإبانة عن أصول الديانة، حيث يبدأ فيه بالهجوم العنيف على المعتزلة والجهمية والرافضة. كما أن الأشعري بين أن القرآن والسنة هما مصدرا العقيدة، وذكر أن طريقة الإمام أحمد بن حنبل في فهم هذين المصدرين ومنهجه في التعامل الفكري هو المنهج الصحيح، ومن هنا يحق لنا القول: بأن الأشعري في

стр. 154

كتابه الإبانة ليس إلا واحداً من الحنابلة في الأصول منهجاً وموضوعاً (١). قلت: ولكن المشكلة عند أصحاب هذا القول أنهم يفهمون السلفية فهماً خاطئاً، ودليل ذلك: أن فاروق الدسوقي مثلاً يعلن عدم التعارض بين كتابي الإبانة واللمع، مع أن التعارض بينهما واضح. حيث قال: والذي أراه وأقرره في اطمئنان: هو أن الكتابين متفقان تماماً منهجاً وموضوعاً، والاختلاف الظاهر هو نتيجة للنظرة السطحية فيما لا يمس المنهج ولا العقيدة التي يحتويها كل منهما، وممالا شك فيه أن الأشعري عاد من الاعتزال إلى عقيدة السلف مرة واحدة، وظل عليها حتى موته. ثم قال: إن دعوى اختلاف اللمع عن الإبانة دعوة باطلة، يحاول ترسيخها أعداء السلف وأهل البدع من المسلمين وأهل الزيغ من الملحدين، ثم قال مناقضاً نفسه: إنه مما لاشك فيه، أن بين الكتابين اختلافاً لكن الذي نرفضه، هو أن يكون بين العقيدة المتضمنة في كل منهما اختلاف، وذلك يُحَتِّمُ علينا أن نجيب عن هذا السؤال: هل الاختلاف بين عقيدة الكتابين يصل إلى حد التناقض، أو التغاير؟! حتى يتحتم علينا أن ننسخ أحدهما بالآخر تبرئة لصاحبهما من التناقض أم أن الأمر لا يستحق ذلك؟! ثم أجاب على هذا السؤال بقوله: علينا أولاً أن

стр. 155

ننظر في اسمي الكتابين، لما لهما من دلالة في تحقيق نصوص الكتابين، ومقارنة العقيدة في كُلٍّ منهما، فالإبانة يوحي بأن الأشعري في ذهنه القديم عقيدة القرآن الكريم والسنة إلى المسلمين وبالذات إلى عامة المسلمين، لأن المقصود بالديانة هنا الإسلام. ومن هنا يمكننا القول: إن كتاب الإبانة مكتوب وموجه للباحثين عن الحق من المسلمين، المخلصين، لإزالة شبهات المبطلين والمشككين من نفوسهم. إذاً، هدف الإبانة: تبيين أصول الدين للمسلمين أما اسم كتاب اللمع: فهو اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، واسم الكتاب يدل دلالة قاطعة على أن الاختلاف بينه وبين الإبانة ليس في العقيدة ولكن في أمرين هامين يؤثران في منهج الكتاب وأسلوبه: ١ - الهدف: ثم بين أن الهدف من كتاب الإبانة: هو تبين أصول الدين للمسلمين. بينما الهدف من اللمع هو: الرد على أهل الزيغ من غير المسلمين، وأهل البدع من المسلمين. ٢ - اختلاف المخاطب أيضاً، فكتاب الإبانة مكتوب وموجه للباحثين عن الحق من المسلمين، بينما اللمع يخاطب به الأشعري أهل الزيغ من الملاحدة؛ أن الكتاب يبدأ بالدليل على وجود الصانع والخالق للمحدثات، ثم يدلل بعد ذلك على أنه لا يشبه المخلوقات، ثم يبرهن

стр. 156

على وحدانيته، كما أنه يبرهن على البعث .. الخ (١). والرد على هذا القول بما يلي: أ ـ لاشك بأن هذا الكلام يحمل الكثير من التناقض فغالب من رد عليهم في الإبانة هم من رد عليهم في اللمع وإن كان أضاف في اللمع طوائف أخرى، فهذا لا يعني اختلاف الهدف والمخاطب، وإنما اختلف الأسلوب والمنهج، ولكن الذي يظهر أن الدكتور فاروق لم يقرأ الإبانة كاملة، أو قرأها على عجالة من أمره، وإلا فهي مليئة بالردود على الجهمية والمعتزلة، ولكنها زادت عن غيرها بأن فيها بياناً واضحاً لمنهج أهل السنة، ورأيُ فاروق هنا غير مسبوق. إذن أصحاب هذا القول: يرون أنه رجع إلى منهج السلف والحديث ولكن مفهوم أهل الحديث عندهم هم من يثبتون الصفات السبع، وهذا خطأ جسيم؛ لأن هذا منهج المتكلمة لا أهل السنة. ب ـ وَيُرَدُّ على أصحاب هذا القول أيضاً! بأن الأشعري قد ألف العديد من الكتب بعد رجوعه كاللمع والمقالات وفيها مخالفة صريحة لأقوال أهل السنة، ومثال ذلك ما نقله عنه ابن حزم أنه قال: روى عن الأشعري أنه قال: المعجز الذي يتحدى الناس بالمجياء بمثله، هو الأول

стр. 157

الذي لم يزل مع الله تعالى، ولم يفارقه قط، ولا أنزل إلينا ولا سمعناه (١). قال ابن حزم: وهذا كلام في غاية النقصان والبطلان، إذ من المحال، أن يكلف أحد أن يجياء بمثل ما لم يعرفه قط ولا سمعه فيلزمه ولابد، بل هو نفس قوله: إنه إذا لم يكن المعجز إلا ذلك فإن المسموع المتلو عندنا ليس معجزاً، بل مقدور عليه، أو على مثله وأيضاً فإنه خلاف القرآن، لأن الله تعالى ألزمهم بسورة أو عشر سور فيه (٢). فهل هذا قول من اتبع السلف الصالح؟ إن القول بأن الأشعري قد رجع رجوعاً كاملاً من بداية أمره مردود بالأدلة، مدموغ بالبرهان، وفي اللمع ورسالة استحسان الخوض في علم الكلام براهين واضحة على ذلك. ولا غرابة من أصحاب هذا القول لأنهم يرون أن منهج الأشعري في المقالات واللمع هي أقوال أهل الحديث. جـ ـ ومما يؤكد أنه عند رجوعه مباشرة عن الاعتزال لم يسلك مسلك السلف الصالح، ذلك أنه في المقالات قال تحت باب: أقوال مثبتي أنه في مكان «وقال أهل السنة: ليس بجسم» (٣). مع أن أهل السنة لا يقولون مثل هذه العبارات لا نفياً ولا إثباتاً بل يفصلون القول بالمسألة.

стр. 158

قال شيخ الإسلام ﵀ إن لوازم نفاة الجسم أعظم من لوازم مثبتيه، فإن من نفاه يُقال عنه إنه يلزمه أن الله لا يُرى، وأن الله لا يتكلم، وأن القرآن مخلوق، وأن الله ليس على العرش، وأنه لا يقوم به صفة (١)، ثم قال متأخرو الأشعرية: يلزمه القول بأنه جسم، وكذلك كل من أثبت الرؤية يقول نُفاتها: وكثير ممن يثبتها أنه يلزمه القول بالتجسيم، وإن كان لا يقول بذلك (٢)، وقال أيضاً: فكلام السلف والأئمة كثير مشهور في أن الجهمية وهم أول من نفى الجسم، وملازمه في الإسلام إنما هم معطلون في الحقيقة (٣). وقال أيضاً: فإننا نعلم خلقاً من الجهمية الذين ينكرون الصفات، ويقولون هذا تجسيم والله ليس بجسم (٤)، وقال أيضاً: ليس هناك قولاً مأثوراً لا من كتاب ولا عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أحد من سلف الأمة وأئمتها، فإنه ليس في هؤلاء من نفى ما ينفيه هؤلاء بلفظ الجسم (٥)، وقال أيضاً: فلفظ المجسمة لا يوجد فيه ذكر في الكتاب والسنة، وكلام السلف والأئمة لا بمدح ولا بذم، ولا يوجد أيضاً ذم هذا المعنى

стр. 159

الذي سمي تجسيماً في كلام أحد من سلف الأمة وأئمتها (١) وقال أيضاً: كلام السلف كثير مستفيض في ذم الجهمية والمعتزلة على نفي الصفات، ولم يعرف عن السلف ذم لهؤلاء الرافضة على ما يقال إنه التجسيم، ولا شاع عنهم من عيب الرافضة بذلك، ما شاع عنهم من عيب المعتزلة عن النفي، ولا يحفظ عن أحد من السلف ذم المجسمة، ولا ذم من يقول بالجسم، ولا نحو هذا أصلاً، فإذا كانوا متفقين على ذم الجهمية نفاة الصفات بنفي الجسم وملازمته، ولم يذموا أحداً لخصوص كونه أثبت الجسم، ولم ينفه كما نفاه نفاة الجسم، على أن ذم هؤلاء ذم لا أصل له في الكتاب والسنة، ولا كلام أحد من سلف الأمة، وأن النفاة مذمومون بالكتاب والسنة والإجماع، نعم ذم السلف من كان يزيد في الإثبات على ما جاء في الكتاب والسنة من المشبهة والمجسمة، كما وجد هذا في كلام غير واحد من السلف ﵃، فيذموهم ذماً خاصاً على ما زادوا من الباطل، وما وصفوا الله تعالى به، مما هو مُنَزَّهٌ عنه، وذموهم على التجسيم الذي ابتدعوه، وخالفوا به الكتاب والسنة، ولم يكن في كلامهم نفياً عاماً وذماً عاماً، كما يوجد في كلام النفاة (٢). وقال أيضاً: من نفى الجسم من أهل الإثبات وأراد بنفيه ما يتضمنه من الباطل دون

стр. 160

الحق لم يكن هذا مما يذم في العقل والدين (١)، والخلاصة أن أهل السنة يفصلون في المسألة إزاء مثل هذه الألفاظ، ويستفسرون عن معناها، فإن أراد مُطْلقُها نفياً أو إثباتاً معنى باطلاً كفهم المعتزلة، إن كل شئ حلت فيه الأعراض فهو جسم، ولذا نفوا الصفات عن الله لاعتقادهم أن الصفات أعراض، فلو اتصف الله بها ـ عندهم ـ للزم من ذلك أن يكون جسماً والله عندهم منزه عن الجسمية (٢). ونفاه بسبب هذا الفهم الخاطئ للجسم الكلابية والأشاعرة لأنهم يرون أنها أعراض، والعرض لا يكون إلا في جسم (٣). فأهل السنة يردون هذا القول، وإن أراد النافي أو المثبت معني صحيحاً موافقاً للشرع قبل قوله، ولكن يوضح له المعنى الشرعي والوقوف علي ما نص عليه الله في كتابه أو بينه رسوله ﷺ ؛ لأن الأسماء والصفات توقيفية (٤). وللأشعري في رسالته لأهل الثغر مخالفات لأهل السنة في مسألة القبيح والحسن، وبأن مصدرهم الشرع فقط (٥). فهو نفى أن يكون للعقل دور في معرفة الحسن والقبيح

стр. 161

وقصرهما على الدليل الشرعي فقط، مع أن للعقل دوراً في معرفة الحسن والقبيح (١). قلت: بالعقل تعرفُ أضرار النجاسات فهذا يدل اعتماد العقل في معرفة الحسن والقبيح إذا لم يعارض الشرع، والخلاصة أن الأشعري عند رجوعه مباشرة جاء بما فيه مخالفة صريحة لأهل السنة، وهذا يؤكد على أنه مر قبل رجوعه بمرحلة التوسط.

стр. 162

القول الثالث: إن الأشعري مر بعد الاعتزال بطور واحد وهو متابعته لابن كلاب. وإن كانت له آراء مستقلة، توسط فيها بين المعتزلة والمثبتة نشأ عنها ما يسمى بالمذهب الأشعري، وهذا قول عامة الأشاعرة، أما كتاب الإبانة فإما أن يتغافلوا عنه أو يقولوا بإثباته. لكنهم يفسرون ما فيه من الإثبات، بأن ذلك جاء على طريقة التفويض، وأن هذا لا يتعارض مع القول بتأويل بعض الصفات (١). وهذا القول شبيه بالقول الثاني إلا أن أصحابه يؤكدون بأن هذا الرجوع لم يكن رجوعاً لأهل الحديث، وإنما كان اتباعاً لمنهج ابن كلاب ومسلكه الكلامي. ١ ـ وقد نص على هذا القول ابن فورك (٢)، حيث ذكر: أن أصولهما واحدة، فقال في كتابه الذي سماه مقالات الشيخ الإمام أبي محمد عبدالله ابن سعيد: «أنه هو إمام المتكلمين الصفاتية، وهو الذي سلك سبيله، وأتمَّ به أبو الحسن الأشعري، ثم قال بعد ذلك: إن قواعد دينهم وطرائقهم، متساعدة غير مختلفة، وأنه ليس بينهم خلاف يَبْرَأُ بعضهم من بعض لأجله، ثم قال: إن في كلام شيخنا أبي الحسن ﵀ في كتاب مقالات أهل القبلة ما يَدُلُّ على ما أقول، وإن مذهب الشيخ الإمام

стр. 163

الأوحد أبي محمد عبد الله بن سعيد هو مذهب مشايخ أهل الحديث وأئمتهم، في الأصول والفروع المتعلقة بها. وإنَّ شيخنا علي بن إسماعيل الأشعري، إنما بنى على ما أسس، ورتب الكلام على ما هذب، وفرَّع على ما أصَّل غير ناقض منه أصلاً، ولا حالٍّ منه عقداً، ثم قال الفصل الأول: في ذكر ما حكى شيخنا أبو الحسن في كتاب المقالات من جمل مذاهب أصحاب الحديث وقواعده، وما أبان في آخره، أنه يقول بجميع ذلك وأن الشيخ أبا محمد عبد الله بن سعيد وأصحابه بذلك يقولون وبأكثر منه (١). وقد انتقد شيخ الإسلام ﵀ ما ذكره ابن فورك فقال: «لقد نقل ألفاظ أبي الحسن الأشعري من كتاب المقالات وفي مواضع غيَّر كلامه بزيادة ونقصان تارة غلطاً وتارة عمداً باجتهاده لاعتقاده أن الصواب هو الذي ذكره دون ما وجده فيما ذكره أبو الحسن» (٢) ثم شرعَ ﵀ في بيان الحق، حيث قال: إن أبا الحسن قد حكى عن أهل الحديث أنهم يقولون: الإيمان قول وعمل وأنه يزيد وينقص، وابن فورك قد حكى عن ابن كلاب: إنكار أن يكون العمل إيماناً (٣). وما قاله ابن فورك ليس صحيحاً، فالأشعري في المقالات يُفرق

стр. 164

بين جملة أقوال أهل الحديث وأقوال أصحاب ابن كُلاب (١) مع أن الأشعري ﵀ يُفرق بين أصحاب الحديث وأصحاب ابن كُلاب، والشاهد أن ابن فورك نص على متابعة الأشعري لابن كلاب، ولم يذكر أن للأشعري طوراً بعد الاعتزال غير هذا الطور. ٢ ـ وقال الشهرستاني (٢): إن عبد الله بن سعيد، كان من جملة السلف إلاَّ أنه باشر علم الكلام، وأيد عقائد السلف، بحجج كلامية، وبراهين أصولية، حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه مناظرة في مسألة من مسائل الصلاح والأصلح، فتخاصما، وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة، فأيد مقالاتهم بمناهج كلامية، وصار ذلك مذهباً لأهل السنة والجماعة، وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية (٣). فهنا الآن نص من الشهرستاني على أن الأشعري بعد طور الاعتزال سلك طريقة ابن

стр. 165

كلاب ولم يذكر طوراً غيره. ٣ ـ المقريزي، حيث قال: وكان أبو الحسن علي الأشعري قد أخذ عن أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي ولازمه عدة أعوامٍ، ثم بدا له فترك مذهب الاعتزال، وسلك طريق أبي محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن كلاب، ونسج على قوانينه في الصفات والقدر (١)، وقال في موضع آخر وسلك بعض طريق ابن كلاب (٢). ٤ ـ وذكر الألوسي: أنَّ الأشعري عندما ترك الاعتزال سلك طريق ابن أبي كلاب حيث قال: إن الأشعري قد نشأ على الاعتزال ثم رجع عن الاعتزال، وأخذ في الرد عليهم، وسلك بعد ذلك طريق ابن كلاب، وبقي على قواعده، وصنف تصانيف كثيرة (٣). فقد صرح الألوسي بأن الأشعري اتبع بعد الاعتزال طريق ابن كلاب واستمر على قواعده، ولم يذكر هنا أنه انتمى للسلف الصالح أصحاب أهل الحديث. ٥ ـ الكوثري، حيث قال: أما (الإبانة) التي كان قدمها إلى البربهاري في أوائل انتقاله إلى معتقد أهل السنة، فتحتوي على بعض آراء غير مبرهنة جارى فيها النقلة ليتدرّج بهم إلى الحقّ، لكنه لم ينفع ذلك ـ على

стр. 166

تلاعب الأقلام فيها ـ فاستقر رأيه ـ بعد عهد في الإفراط والتفريط ـ على ما نقله هؤلاء عنه من الآراء المعتدلة (١)، والخلاصة: أن أصحاب هذا القول رجحوا بأنه في طوره الأخير سلك طريق ابن كلاب وأدلتهم: أ ـ استقرائي تاريخي، وذلك لأن عامة الأشاعرة وأئمة أصحابه هم أعلم الناس بأحواله وكتبه وقد قرروا من المذهب الأشعري الذي نسبوه إليه ما يختلف اختلافاً واضحاً في كثير من مسائله مع منهج السلف الصالح، ولذا تجدهم ينسبون أنفسهم إليه ولو كان عندهم علم أصول السلف ومنهجهم لما انتسبوا إليه وتركوا من هم أجل وأفضل علماً من الأشعري بالاتفاق، كمالك وأحمد والشافعي وأبي حنيفة ﵏ فانتسابهم للأشعري وتركهم لهؤلاء دليل واضح على مخالفة الأشعري عندهم لهؤلاء الأئمة ومن ثم انتسبوا إليه وتركهم. ب ـ ما في كتبه غير الإبانة من مخالفة صريحة لأهل السنة والحديث، انظر على سبيل المثال: نفيه لصفات الأفعال الاختيارية في رسالته لأهل الثغر (٢). ويرد على أصحاب هذا القول بما يلي: أ ـ أن الأشعري أعلن عند رجوعه أنه متبع لأهل السنة، بل وأعلن

стр. 167

في الإبانة، انتسابه للإمام أحمد، فكيف يقال أنه اتبع ابن كلاب؟! وهو الذي أعلن أيضاً أن منهج ابن كلاب مخالف لمنهج أهل الحديث الذين ينتمي إليهم الأشعري حيث قال في المقالات: - عند شرحه قول ابن كلاب في الأسماء: «وكان يَزْعُمُ أن صفات الباري لا تتغاير»، وهذا الكلام يقتضي مخالفته ثم ذكر بعدها عبارة، واختلف أصحاب عبد الله بن كلاب» (١)، ولم يذكر أنه من أصحاب ابن كلاب. بل ووصف ابن كلاب بأنه كان يزعم أن صفات الباري لا تتغاير، فهل هذه عبارة يقولها تابع بحق إمامه؟!! بل إنه أعلن صراحةً أنه من أهل الحديث وأن أهل الحديث مُغَايرُون لابن كلاب، فعند ذكره جملة أقوالهم قال: - «وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب». ثم قال بعدها، ذكر قول أصحاب عبد الله بن سعيد القطان (٢). قلت: فهل يُلزم أصحاب هذا القول الأشعري أن يكون كلابياً، وقد بين إنه من أهل الحديث، وأصحاب ابن كلاب ليسوا منهم. نعم الأشعري وافق ابن كُلاب في الكثير من القضايا الكلامية، ولكنه لم يقصد الانتماء إليه بل حدث التوافق في الأقوال وهذا لا يلزم أن يكون الأشعري تلميذاً أو تابعاً لابن كلاب، خاصة وأنه قد بين أن ما يقول به مخالف لقول أصحاب ابن كلاب، لكنه قد يكون موافقاً لابن كلاب في بعض آرائه، واتفاق أصحاب المذاهب على بعض

стр. 168

الأقوال لا يعني أنّ أحدهما تابعٌ للآخر. ب ـ أن كتاب الإبانة يَدُلُّ دلالة أكيدة على أن الأشعري، رجع إلى منهج السلف الصالح، وإنما التأثر كان في المرحلة الثانية من حياته. فهذا القول مرفوض مطلقاً، وكما قال الشيخ المحمود: «إن هذا القول مع ظهور ضعفه فهو خارج محل النقاش لأنه يقوم على دعوى أن الأشعري يتأول أحياناً الصفات الخبرية، وأنه قال بالتفويض، أو المجاملة للحنابلة حين ألف الإبانة وإلا فليس هذا معتقده، وكل هذا من أجل تبرير التطور الذي حدث للمذهب الأشعري حين انحرف الأشعرية عن كثير من آراء شيخهم أبي الحسن ﵀» (١). قلت: وأول من قال إن الأشعري ألف الإبانة مجاملة ووقاية، هو أبو علي الأهوازي عندما قال: «وللأشعري لعنه الله وأخزاه كتاباً في السنة قد جعله أصحابه وقاية لهم من أهل السنة سماه كتاب الإبانة صنَعه في بغداد لما دخلها فلم يقبل ذلك من الحنابلة وهجروه» (٢). وقد دافع شيخ الإسلام ﵀ عن فرية اتهام أبي الحسن ﵀ أنه ألف الكتاب مجاملة فقال: - والأشعري ابتلي بطائفتين: طائفة تبغضه وطائفة

стр. 169

تحبه، كل منهما يكذب عليه ويقول: إنما صنف هذه الكتب تقية وإظهاراً لموافقة أهل الحديث والسنة من الحنبلية وغيرهم وهذا كذب على الرجل، فإنه لم يوجد له قول باطن يخالف الأقوال التي أظهرها، ولا نقل أحداً من خواص أصحابه، ولا غيرهم عنه ما يناقض هذه الأقوال الموجودة في مصنفاته، فدعوى المدعي أنه كان يبطن خلاف ما يظهر دعوى مردودة شرعاً وعقلاً، بل من تدبر كلامه في هذا الباب - في مواقع - تبين له قطعاً أنه كان ينصر ما أظهره، ولكن الذين يحبونه ويخالفونه في إثبات الصفات الخبرية يقصدون نفي ذلك عنه، لئلا يقال إنهم خالفوه، مع كون ماذهبوا إليه من السنة، قد اقتدوا فيه بحجته التي على ذكرها يعولون، وعليها يعتمدون (١). قلت وقد افتراها عليه بعض من أحبوه وطائفة ممن كرهوه. وهذه الفرية أكدها المستشرق مكدونالد (٢) أيضاً حيث قال: إن الأشعري اضطر إلى كتابة الإبانة وهو لا يؤمن بما فيها وذلك على سبيل

стр. 170

التقية من الحنابلة أصحاب النفوذ في بغداد أو في أخريات أيامه (١). كما أكدها أيضاً حموده غرابة نقلاً عن ماكدونالد وموافقاً له حيث قال: الأشعري اضطر إلى ترك الصورة العقلية وإثبات الوجه واليدين وغير ذلك بعد رحيله إلى بغداد وهو بذلك اصطنع هذه الكتب إرضاءً للحنابلة، وربما لِيَدْفَعَ شَرَّهم أيضاً، فليست المسألة مسألة عقيدة ولكنها مسألة ملاءمة للظروف ومراعاة لما تقتضيه. ثم عقب على قول المستشرق بقوله: ولعل ما يشهد لذلك قول بعضهم: إن الأشاعرة قد جعلوا الإبانة من الحنابلة وقايةً ولكن السادة السلفية لا يرضيهم هذا التعليل (٢). قلت: وليت حموده غرابة رد هذا القول كما رَدَّه دسوقي، عندما قال: وهذا تعريض حاقد من مستشرق بأحد أئمة المسلمين، حيث يصفه بالجبن كما أنه يصف الحنابلة بالاستبداد الفكري وهذا قول ينقصه الدليل (٣). إن من الخطأ والظلم أن يُتَّهَمَ الإنسان في عقيدته، ويشتد ذلك عندما تأتي هذه التهمة من بعض المنتمين إليه، ولو قبلنا بمثل هذا القول لادعى بعض المعتزلة، أن الأشعري ترك الاعتزال تقية أيضاً، لأن المعتزلة في ذلك الوقت قد خبا نجمهم، ولذا اتبع مخالفيهم تقية، وهكذا يصنع كل مخالف مع من خالفه مثل هذا القول، فما أسهل وأيسر التُهم عند عجز بعض

стр. 171

الباحثين عن الوصول إلى الحقيقة. فما الذي يجعلنا أن نقبل دعوى الأول ونرفض دعوى الثاني؟ هذا كلام ممجوج مرفوض لا يدعمُه دليل. جـ ـ كما أنه يلاحظ على أصحاب هذا القول أنهم يفرقون بين اللمع والإبانة، وقد رد عليهم الدكتور المحمود بقوله: - أمّا رأي الدكتور فاروق دسوقي - ومن وافقه - مبناه على أن الأشعري من المثبتة، وأنه قال بأقوال أهل السنة والإمام أحمد، وبنى ذلك على أنه ليس هناك تعارض بين اللمع والإبانة وأن مباحثهما متقاربة، وإنما الاختلاف فقط في الأسلوب والطريقة، لأن الأشعري هدف من اللمع الرد على أهل الزيغ والبدع. وهدف من الإبانة بيان الأدلة على أصول الديانة، فخلص من هذه الدراسة والمقارنة إلى أن الأشعري رجع إلى مذهب الإمام أحمد، وهذا القول ربما يكون له وجاهة - مع بعض التحفُّظ أيضاً - لو أن الأشعري ليس له إلا هذين الكتابين، أما وقد ثبت أن للأشعري كتباً كثيرة نقل منها العلماء، وهي تدل على أن للأشعري بعض الآراء الكلابية التي لا توافق مذهب السلف، فيصبح هذا الرأي ضعيفاً جداً (١). قلت: وأما ما ذكره الكوثري ـ عفا الله عنا وعنه ـ ظناً منه أنه بهذا القول يدافع عن الأشعري، فوقع من حيث يدري أو لا يدري في الطعن فيه، فكان عليه على الأقل إن كان لا يرى أن مرحلة الإبانة

стр. 172

مرحلة استقر بها الأشعري على قوله الأخير، فعليه أن يجعلها من وجهة نظره مرحلة خاطئة مرّ بها الأشعري كخطئه عندما مر في مرحلة الاعتزال. وإن كان لا يوافق على هذا القول لو نحاه واتجه له، أما أن يجعل الأشعري أَلَّفَه كوسيلة لاستدراج الناس لا كعقيدة يؤمن بها، فهذه فرية يكذبها الواقع، فكان على الكوثري أن يجعل الأشعري قد مرّ بعدة أطوار ويتعامل مع الحقائق التاريخية كوقائع يفسرها بما أملى عليه اجتهاده، ولكنه فيما يظهر لي قدّم معتقده وحكم على كتاب الإبانة بما يوافق معتقده؛ لكي ينسجم مع ما مال إليه من تجهم واعتزال، والأشعري منه برئ كبراءة الذئب من دم يوسف ﵊ وإلا فلا يمكن لإمام أن يؤلف كتاباً في الاعتقاد للناس وهو لا يعتقد بما فيه، هذا رأي مبني على تخرصات وتخمينات يكذبها منهج الإمام الأشعري، ويرفضها التاريخ، وأحببت أن أنبه إليها كي لا يغتّر أحد بكلامه الذي قلب فيه الحقائق.

стр. 173

القول الرابع: أن الأشعري مَرَّ بعد رجوعه في طَوْرَيْنِ، وهما: ١ - أنه رجع أولاً إلى مذهب السلف. ٢ - أنه انتقل بعد مذهب السلف إلى التوسط واستقر عليه، ونشأ عنه ما يسمى بالمذهب الأشعري، وأدلة هؤلاء تقوم على أن كتاب اللمع هو آخر كتبه ومن أدلتهم ما يلي: أولاً: أن الأشعري عندما رجع من الاعتزال انتقل إلى مذهب السلف الذي يسمي بالحنابلة، وقاده إلى ذلك الحماس والاندفاع، ثم بعد ذلك انتقل إلى الطور الأخير الذي توسط فيه. قال حموده غرابه: فقد اندفع الرجل في طريقه متحمساً حماسة قد يشفق عليه الإنسان منها، وأخذت كتاباته في أول عهده تفيض حرارة وتبجيلاً لمذهب السلف وطعناً في المعتزلة. ولعلَّ كتاب الإبانة وهو يصور هذه المظاهر يعود إلى تلك الفترة من حياته، كما نلاحظ أن هذا الاندفاع وتلك الحماسة في إثبات الوجه واليدين والعرش وما إلى ذلك كما تقول الحنابلة قد أخذت تخف مع الزمن، وشرع الرجل في استعادة توازنه يوماً بعد يوم، إلى أن انتهى إلى مكانه الوسط بين المعتزلة، والحنابلة، حيث تجلت فيه تلك الملكة النقدية العميقة التي استفاد أصولها من أساتذته الأُوَلْ (١). ولعل كتاب «اللمع» ـ كما نرجح ـ هو الذي يمثل مذهبه الوسط في صورته النهائية ثم قال

стр. 174

(ورأيي يعتمد على حقيقةٍ نفسية وأخرى علمية). أ ـ فمن الناحية النفسية، يكون المرء في أثناء تحوله من رأي إلى رأي أشد عداءً لرأيه الأول، ولاشك أن إثبات الوجه واليدين والعرش إلى غير ذلك على أية صورة مما يتفق مع هذه الحقيقة لبعد ذلك بعداً سحيقاً عن آراء المعتزلة. ب ـ أما من الناحية العلمية فإننا نجد الكتب التي تجنبت ذكر ذلك أعمق وأدق في تصوير مذهبه من الكتب المثبتة لها مما يدل على أن هذه الكتب العميقة لم تكتب إلا بعد أن تركز المذهب في صورته الصحيحة، وهذا يستلزم أو على الأقل يرجح أنها كانت متأخرة في الزمن عن الكتب التي صدرت عن الأشعري في بدء تحوله، من مذهب إلى مذهب، وأياً كانت الحقيقة فقد ظل الأشعري مخلصاً في عدائيته للمعتزلة حتى آخر رمق من حياته (١)، قلت: وهذا لا يستند إلى أدلة تاريخية أو علمية بل أدلة تحليلية صوابها أكثر من خطئها. ثانياً: البعد والعمق في اللمع ـ من وجهة نظرهم ـ: حيث قال جلال موسى: والذي يمكن استخلاصه من ذلك: أن مرحلة الإبانة أسبق من مرحلة اللمع، لأننا نلمس في اللمع عمقاً ودقة لا نجدهما في الإبانة، الذي يكاد يكون مجموعة من الردود تتوالى على المسألة الواحدة فالإبانة

стр. 175

من مؤلفات مرحلة التحول واللمع من مؤلفات مرحلة النضج، وأي مقارنة بين الكتابين تؤكد صحة هذا الرأي (١). قلت: وهذا القول لا يستند إلى أدلة علمية بل في الإبانة من القوة العلمية واستحضار الأدلة ما ليس في اللمع. «والإبانة كتاب احتجاج وليس كتاب حجة لنقل مذاهب الناس» (٢). فهو هنا لم يوضح لنا مقصده في العمق والنضج، فهل يقصد بالعمق طريقة الاستدلال بالأدلة العقلية وتأويل الأدلة النقلية، كما هى في اللمع، إن كان هذا مقصده بالعمق والنضج فلا بأس بالمقصد، ويقال له ألا ترى أن الأشعري ﵀ عندما كان معتزلياً كان أكثر نضجاً وعمقاً في هذا الاتجاه، بل كان إماماً في اعتماد التأويلات العقلية وتعطيل الأدلة النقلية، ومع ذلك فر ﵀ من هذا العمق المزعوم والنضج المكذوب!! فهل يُسمى التعطيل للوحيين عمقاً؟! وتقديم النقل عليهما نضجاً؟!! ـ سبحانك ربي هذا بهتان عظيم. ثالثاً: قالوا: ومن المؤكد على أن الإبانة هي المتقدمة أننا نجد أن الأشعري فيها متحمساً، ومتحاملاً على المعتزلة، وأبعد ما يكون عن آرائهم، وهذه ظاهرة نفسية، يجدها المرء في نفسه تجاه رأيه الذي يتركه إبان تركه أو بعد التخلي عنه (٣). وهذه القوة في الهجوم ليست موجودة

стр. 176

في اللمع فهذا يدل على أن الرجل رجع للاعتدال. رابعاً: حاول أصحاب هذا القول تفنيد خلو العمد من ذكر الإبانة، والتي هي من الأدلة التي اعتمد عليها أصحاب قول إن الإبانة، هي آخر كتبه وعليها استقر مذهبه. فقالوا: إن ابن عساكر لم يهمل ذكر كتاب الإبانة لأنه ذكر كتاب المختصر في التوحيد والقدر. والراجح أنه كتاب الإبانة، ودليل ذلك أن ابن عساكر ذكر أنه في أبواب من الكلام وفي إثبات رؤيا الله في الأبصار والكلام في سائر الصفات .. الخ ما ذكره (١). وعندما نطابق بين موضوعات الإبانة وبين هذا الكتاب يتبين اتفاقهما موضوعاً وترتيباً (٢). وقد انتقد فاروق دسوقي هذا القول فقال: إن هذا لا يكفي بأن يكون الكتابان كتاباً واحداً، لمجرد تشابه الموضوعات وترتيبها، لأن ذلك قائم بين كثير من كتب علم الكلام وبين كتب الأشعري. بدليل اتفاق بعض الأبواب بين اللمع والإبانة، كما أن ابن عساكر ذكر أن في كتاب المختصر كلاماً في التولُّد (٣). بينما ليس في الإبانة ذلك (٤).

стр. 177

خامساً: قصة عزوها لابن خلكان، ومضمونها: أنَّ الأشعري بعد رجوعه دفع للناس ما كتبه على طريقة الجماعة من الفقهاء، والمحدثين، والإبانة هو الذي كتبه الأشعري على هذه الطريقة (١). وقد بحثت في وفيات الأعيان فلم أ﴾ جدها في ترجمة الأشعري وقلت لعلها في قصة مناظرته مع الجبائي، فبحثت فيها في ترجمة الجبائي وقصة المناظرة فلم أعثر عليها (٢). كما بين الدكتور المحمود أنه لم يعثر عليها، حيث قال: والقصة نسبت إلى طبعة الدكتور عرفان عبد الحميد، وبعد الرجوع إلى هذه الطبعة لم أجدها، كما لم أجدها لا في الطبعة الأولى ولا في طبعة دار صادر (٣). قلت: ولو فرضنا أن القصة حقيقية، فما الذي يؤكد أن المقصود بهذا الكتاب هو الإبانة. خاصة وأن غالب الأشاعرة يرون أن منهجهم هو منهج أهل الحديث ومما يؤكد ذلك أن ابن عساكر المتوفى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، ذكر أنَّ الأشعري قد دفع للناس بكتاب اللمع، وابن خلكان المتوفى بعده بمئة وعشر سنوات قد ذكر أنه قذف إليهم بالكتاب الذي ألفه على طريقة الفقهاء، والمحدثين فيكون ابن خلكان، قد وصف اللمع بهذا الوصف، فهم يرون اللمع من وجهة نظرهم هو آخر كتاب وأنهم أهل الحديث، فيكون هذا مؤكداً على أن مقصد ابن خلكان لو كانت القصة صحيحة هو اللمع، فهنا تتعاضدُ الأقوال على أن

стр. 178

اللمع هو أول مُؤلَّفٍ للأشعري بعد الاعتزال، والله أعلم. سادساً: استبعد أصحاب هذا القول أن يتخلى الأشعري عن مُبَاحَثَاتِهِ الكلامية إلى هذه العقيدة البسيطة، التى قلد فيها الإمام أحمد ﵀ فالأشعري عندهم من أبرع الناس في المناظرات ولا يمكنه أن يتخلى عن هذا. والرد على هذه الشبهة: أ ـ أن هذا مبني على تخرصات لا دليل عليها، بل الدليل ضدها، فإذا كانت عقيدة الإمام أحمد ﵀ بسيطة ووصفوها بغيرها من الألفاظ الموجعة المؤلمة التي أستحي من ذكرها، فإن الإمام الأشعري ﵀ قد أعلن رجوعه إليها واقتناعه بها مع بساطتها كما يدعون تهكماً بها وسخرية، بل وأعلن تخليه عن الباطل ولو كان عميقاً بظنهم. فهذا هو القرار الذي اتخذه، والعقيدة التي آمن بها. فلماذا تفرون من الحقيقة؟! ب ـ غاب عن هؤلاء أن الإمام الباقلاني ﵀ وهو من أشهر أتباع الإمام الأشعري ﵀ قد أخذ بكل ما في كتاب الإبانة من حيث إثبات الصفات الخبرية والاستواء والكلام والرؤيا وغيرها، فدل هذا على أنه قد اطلع على كتب شيخه واختار أفضلها وأنقاها وأحظاها بالدليل وآخرها. فقولهم من أبعد الأقوال عن الحق. جـ ـ ويرد عليهم أيضاً بما رُدَ فيه على أصحاب القول الثاني ويزاد عليه، أن الإبانة هي آخر مؤلفاته. وقد سلك فيها منهج السلف الصالح ﵏ ورضي عنهم ـ.

стр. 179

القول الخامس: أنه مر بعد الاعتزال بطورين: أ- أنه تابع ابن كلاب. ب -أنه رجع إلى مذهب الحق، ولكنه بقيت عليه بقايا اعتزالية، وهذا قول لبعض العلماء وبعض الباحثين منهم: ١ ـ ما ذكره الحافظ ابن عساكر ﵀ عن بعض أهل المغرب أنه قال لما سئل هل الأشعري كان معتزلياً؟ فأجاب أنه لما رجع عن ذلك أبقى للمعتزلة نكتاً لم ينقضها (١). قلت: وهذه العبارة قد يفهم منها أنها بقايا بقيت عنده بعد رجوعه عن الاعتزال وهذا هو الأرجح، وقد يفهم منها أنه لم يقم بالرد على جميع شبه المعتزلة، ولكن قد يكون هذا القول ناشئاً عما ذكره في كتبه الأولى، وليس عما كتبه في الإبانة وإذا كان هذا فلا خلاف؛ لأن ما في كتبه الأولى لا تخلو من هذه البقايا، والله أعلم. ٢ ـ الشيخ الدكتور عبد الرحمن المحمود حيث قال بعد مناقشته للأدلة: وهذه الأدلة تدل على أن الأشعري وإن كان في الإبانة قد قرب كثيراً من مذهب أهل السنة إلا أنه قد بقيت عليه بقايا من مذهب ابن كلاب، والله أعلم (٢). ٣ ـ قال الفيومي: «والحق أن من ينظر في توسط الأشعري، وفي

стр. 180

استخدامه منهج المعتزلة في الجدل والمناظرة ودفاعه عن الخوض في علم الكلام يلمس أثر المعتزلة الواضح في فكر أبي الحسن، ويرى صدق عبارة ابن تيمية من أن فيه بقايا من اعتزال (١). واستدل أصحاب هذا القول بأن مسألة القول أن الأشعري في كتابه الإبانة رجع رجوعاً كاملاً لمنهج السلف ينغص عليه ما في الإبانة من المسائل التي خالف فيها الأشعري السلف وذكروا ملاحظات على الإبانة ستتم مناقشتها، ولكن لابد من معرفة بعض القواعد قبل المناقشة، ومن أهمها: ١ - رد ما أجمله إلى ما فصله. فرد المجمل إلى المفصل هو المنهج السليم للحكم على الإنسان ٢ - الحكم على ظاهر قوله لا على باطنه، وحمل كلامه على الوجه الحسن، خير من حمله على مقصد آخر لم يتفوه به، مما يؤدي إلى أن يُحمل كلامه على خلاف ما يريد، كما من الواجب أن يحكم على صريح قوله لا على لازم قوله، وخاصة في قضية الحكم على عقيدة الإنسان. ٣ - أن يحاكم من خلال آخر ما كتب لا أوله، وعدم ربط كلامه القديم بكلامه الجديد، خاصة إذا كان الكلام القديم موهماً، والكلام المتأخر واضحاً، فكيف بمثل هذا العالم الذي يكاد أهل السنة أن
следующие страницы →