← Тараджим

Тараджим · id 888

الإمام الأشعري حياته وأطواره العقدية

صالح بن مقبل العصيمي

Полный текст (380 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وعرى الكعبة، ثم ذكر قصة أسر القرامطة أحد أهل الحديث حيث قال: وأخبرني رجل من أصحاب الحديث أسرته القرامطة واستعبدته سنين، ثم هرب منها إلى أمكنة قال: وكان يملكني رجل منهم يسومني سوء العذاب، يستخدمني أعظم خدمة، ويعربد إذا سكر فسكر ليلة وأقامني حياله، وقال: ما تقول في محمد هذا صاحبكم؟ فقلت: لا أدري، ولكن ما تعلمني أيها المؤمن أقوله، فقال كان رجلاً سائساً قال: - فما تقول في أبي بكر (١)؟ قلت: لا أدري، قال: كان رجلاً ضعيفاً مهيناً، قال: فما تقول في

стр. 72

عمر؟ (١) قلت: لا أدري، قال: كان والله فظاً غليظاً، قال فما تقول في عثمان؟ (٢) قلت: لا أدري قال: كان جاهلاً أحمق، قال: فما تقول في

стр. 73

علي؟ قلت: لا أدري، قال: - كان ممخرقاً (١)، ثم قال المحدث: فإذا القوم زنادقة، لا يؤمنون بالله، ولا يفكرون في أحد من الصحابة» (٢). ومما يؤكد بأن هؤلاء القوم زنادقة، ما ذكره ابن الجوزي في المنتظم، حيث قال نقلاً عن أحد الشهود: كنت أطوف بالبيت فإذا بقرمطي سكران وقد دخل المسجد بفرسه، حتى بال في الطواف، وجرد سيفه ليضرب به من لحق به، وكنت قريباً منه، فعدوت، فلحق رجلاً كان إلى جنبي فضربه فقتله، ثم وقف وصاح: يا حمير أليس قلتم في هذا البيت من دخله كان آمناً، فكيف يكون آمناً، فكيف يكون آمناً وقد قتلته الساعة بحضرتكم. قال: فخشيت من الرد عليه أن يقتلني، ثم طلبت الشهادة، فجئت حتى لصقت به وقبضت على لجامه وجعلت ظهري مع ركبتيه لئلا يتمكن من ضربي بالسيف، ثم قلت: اسمع قال: قلت: إن الله لم يرد أن ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٣)، إنما أراد من دخله فأمنوه، وتوقعت أن يقتلني، فلوى رأس فرسه وخرج من المسجد وما كلمني (٤). ولاشك فإن فتنة هؤلاء

стр. 74

القوم، كانت كبيرة، وأثرهم كان عظيماً، وبلغ من استهانتهم في حرمات الله، مالا يتصوره عاقل، ولاشك بأن هذه الأفعال والتصرفات تدل دلالة واضحة على ضعف الخلافة العباسية، وضعف حمايتهم لبيت الله الحرام. ثالثاً: كما كان هذا العصر الذي عاشه أبو الحسن امتداداً لما قبله، والذي شهد سيطرة الأتراك على جميع أمور الدولة. فكان الخليفة في أيديهم كالأسير، حتى بلغ من سيطرتهم وسطوتهم أنهم يعزلون من الخلفاء من يشاءون، فمن أعجبهم من الخلفاء أبقوه، ومن لم يعجبهم خلعوه أو قتلوه، وكانت السيطرة والسطوة للوزير، أما الخليفة فليس له إلا الاسم. وكان الوزراء، إذا مات خليفة أو خلعوه، اختاروا خليفة من بعده ممن ليس أهلاً لها إما لصغر سنه أو ممن يتوسمون فيه الخضوع والانقياد لرغباتهم، أما إذا كان الخليفة يظهر القوة والتعنت، بادروا للتخلص منه، كما كانوا لا يتورعون زرع الفتنة وإثارة الخلاف بين بني العباس، حتى تدوم لهم سيطرتهم ومثال ذلك: عندما ولوا المقتدر بالله أبا الفضل جعفر ابن المعتضد، وكان عمره ثلاث عشرة سنة، قال ابن كثير: «وكان في بيت مال الخاصة خمسة عشر ألف ألف دينار، وفي بيت مال العامة ستمائة ألف دينار ونيف، وكانت الجواهر الثمينة،

стр. 75

بالحواصل (١) من لدن بني أمية، وأيام بني العباس، قد تناهى جمعها، فما زال يفرقها في حظاياه وأصحابه حتى أنفذها، ثم قال: وكان له من الخدم والحجاب والحشمة التامة شيء كثير جداً» (٢). قلت: ولاشك بأن هذا الإسراف والعبث في أموال بيت المال وإنفاقه، على الوزراء والحاشية يدل على خلوص هؤلاء الأتراك إلى مبتغاهم. وقد تحدث محمود شاكر ﵀ فقال: (٣) «لقد كثرت حوادث النهب والسلب من قبلهم علاوة على التعديات وارتكاب المنكرات، هذا بالإضافة إلى الصراع الذي كان يحدث بين القادة العسكريين فيقتل بعضهم بعضاً ويسير جيشاً وراء أمير ليقضي على قائد، وضعف الحكم وقل الأمن وعمت الفوضى» (٤). قلت:

стр. 76

وسيطرة الأتراك استمرت حتى زعزعت دولة بني العباس. رابعاً: وكانت تلك الأمور السياسية هي أبرز الأحداث، ويضاف إلى ما سبق أن هذه الفترة كانت فترة انشغال خلفاء بني العباس عمَّا أوجب الله عليهم، حيث انشغلوا في الدنيا، وتعامل بعضهم مع الرعية تعاملاً فيه الكثير من القسوة. ومن أولئك المقتدر: قال عنه الذهبي: كان جيد العقل، صحيح الرأي، ولكنه كان مؤثراً للشهوات، نقل ذلك عن أبي علي التنوخي (١) قال: وكان منهوماً باللعب، والجواري لا يلتفت إلى أعباء الأمور فدخل عليه الداخل، وكان سمحاً، متلفاً للأموال حيث محقَ مالاً لا يعد ولا يحصى (٢). ٥ - انشغل بعض خلفاء هذه الحقبة بالمجون والفسق وإشباع الشهوات، واللهو عن كثير من أمور الخلافة. ٦ ـ كما أن من الأمور الملاحظة في هذا العصر رجوع بعض الخلفاء إلى أقوال الناس وسيطرة المرأة، وغلبت آرائهن على الرجال فمثلاً، الخليفة المقتدر جعل الأمر والنهي بيد أمه (٣) حتى أطلق عليها المؤرخون اسم

стр. 77

السيِّدْ (١). قال ابن الأثير (٢): إن المقتدر أهمل من أحوال الخلافة كثيراً، وحكم فيها النساء والخدم، وفرط في الأموال، كما أنها ـ أي والدته ـ عينت

стр. 78

قهرمانتها (١) مسؤولة عن المظالم، وبذلك تعدى الأمر جلوس الوزراء للمظالم إلى جلوس بعض النساء (٢)، فانظر إلى ما بلغه نفوذ تلك المرأة الرومية، بل إِنها إذا غضبت هي أو قهرمانتها، من أحد الوزراء، أصبح مصيره العزل لا محالة. وقال ابن كثير: «كان المقتدر يبذر ويفرط في الأموال وطاعة النساء، وعزل وزراء حتى قيل: إن جملة ما صرفه في الوجوه الفاسدة والتبذير ما يقارب ٨٠ ألف ألف دينار «٨٠ مليون دينار» (٣). ومما يدل على شدة سيطرتها، أن القاهر لما تولى الخلافة استدعى أم المقتدر وهي مريضة، وقد تزايد بها الوجع من شدة جزعها على ولدها حين بلغها قتله، وكيف بقي مكشوف العورة فبقيت أياماً لا تأكل شيئاً، ثم وعظها النساء حتى أكلت شيئاً يسيراً من الخبز والملح، ومع هذا كله استدعاها القاهر، فقررها على أموالها، فذكرت ما يكون للنساء من الحلي والمصاغ والثياب، ولم تقر بشيء من الأموال والجواهر، وقالت له: لو كان عندي من هذا شيء ما سلمت ولدي، فأمر بضربها وعلقت من رجليها، ومسها بعذاب شديد من العقوبة وأشهدت على نفسها ببيع أملاكها، وأرادها على بيع أوقافها، فامتنعت من ذلك وأبت أشد الإباء (٤).

стр. 79

المبحث الثاني الحالة الاجتماعية لقد عاش الأشعري في هذه الحقبة التي كثرت فيها الاضطرابات والفتن، والتمزق الذي كانت تعيشه الدولة العباسية، كل ذلك كان مؤثراً تأثيراً ملموساً على الناحية الاجتماعية، وذلك لما تم بيانه من قبل، فعدم الاستقرار السياسي أدى إلى عدم الاستقرار الاجتماعي، فقد عمت الفوضى، ومن ذلك مثلاً: أنه في سنة سبع وثلاثمائة كسرت العامة الحبوس فأفلت من كان فيها (١). كذلك ارتفعت الأسعار في سنة ثمان وثلاثمائة فاضطربت العامة لذلك، وذهبوا إلى قصر الإمارة، وقتل منهم جماعة، ومنعوا يوم الجمعة الإمام من الصلاة، وهدموا المنابر، وخربوا مجالس الشرطة، وأحرقوا الجسور وأمر السلطان بمحاربة العوام، فأخذوا وضربوا (٢). ووقع في سنة ٣٢٢ نهب ببغداد (٣) (٤)،

стр. 80

ومن ذلك أيضاً في سنة ٣٢٤ هـ أن الجند أحدقوا بدار الخلافة، ونصبوا خيامهم فيها وحولها وملكوها (١) وكان كثير من الخلفاء يستأثرون بالمال على الناس، ويخزنونها لأنفسهم، ويجعلون الناس في جوع وفقر مع أن بيت المال مليء، وقد ذكر أحمد أمين (٢) بأن الناس في عصر الأشعري كانوا ينقسمون من الناحية الاجتماعية إلى ثلاث فئات: ١ - الفئة الأولى: طبقة الأرستقراطيين من خلفاء ووزراء وتجار كبار وأشراف. ٢ - الفئة الثانية وهي الفئة الوسطى من تجار متوسطين وملاك متوسطين ونحوهم. ٣ - الفئة الثالثة وهي فئة فقيرة وهي عامة الشعب من صغار الفلاحين وصغار العمال، والعلماء الذين بعدوا عن الخلفاء، والأمراء (٣).

стр. 81

وكان المجتمع في هذا العصر العباسي يتألف من أجناس متعددة من عرب وفرس وبربر وأتراك، كما أن من فئات المجتمع طبقة الأرقاء، الذين تكونت من خلالهم فتنة الزنج التي استمرت خمسة عشر عاماً من ٢٥٥ إلى ٢٧٠، وكلفت الكثير من الأموال والدماء. وكانت نظرة خلفاء بني العباس إلى هؤلاء الأرقاء لم تكن نظرة ازدراء، ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك: مؤنس، الخادم الأكبر عند المعتضد، حيث قال عنه الذهبي: «مؤنس، الخادم الأكبر، الملقب بالمظفر المعتضدي أحد الخدام الذين بلغوا رتبة الملوك، وكان خادماً أبيضَ فارساً شجاعاً سائساً داهية، وبقي مؤنس ستين سنة أميراً وعاش تسعين سنة. وخلف أموالاً لا تحصى (١). ولعل السر في نظرة الخلفاء للأرقاء نظرة احترام يعود كما قال أحمد أمين: «لأن كثيرين منهم كانت أمهاتهم من الرقيق، وقد أولع الخلفاء وكبار ورجال الدولة باتخاذ الإماء من غير العرب، حتى إنهم كانوا يفضلونهن، أحياناً على العربيات الحرائر» (٢). أما اليهود والنصارى في ذلك العصر، فكانوا في غالب الأقطار الإسلامية، وكانوا يتمتعون بعدل الإسلام (٣). أما عامة الناس، فكانوا يعانون من فقر وفاقة، ذكر ابن العماد الحنبلي أنه في سنة ٢٦٠ كان

стр. 82

كسر (١) الحنطة بمئة وخمسين ديناراً، ودام أشهراً (٢)، وفي عام ٢٧٨ غار ماء النيل (٣). وقال ابن كثير: (٤) «في هذه السنة غار ماء النيل، وهذا شيء لم يعهد مثله ولا بلغنا في الأخبار السالفة، فغلت الأسعار بمصر بسبب ذلك جداً (٥). كما غلت الأسعار في سنة ثمان وثلاثمائة قال ابن كثير: غلت الأسعار في هذه السنة ببغداد فاضطربت العامة (٦). كما ذكر ابن كثير أنه في سنة ثلاثمائة وثلاث وعشرين، غلت الأسعار حتى بيع الكرس من

стр. 83

الحنطة بمئة وعشرين ديناراً (١). كما ذكر ابن كثير بأنه كان بُخراسان (٢) غلاءٌ شديدٌ وفناءٌ كثير، بحيث كان يهمهم أمر دفن الموتى (٣). كما وقع ببغداد في سنة أربع وعشرين وثلاثمائة غلاء عظيم وفناء كثير بحيث انعدم الخبز فيها خمسة أيام، ومات من أهل البلد خلق كثير، وأكثر ذلك كان من الضعفاء، وكان الموتى يلقون في الطرقات ليس لهم من يقوم بأمرهم، ويحمل على الجنازة الواحدة الاثنان من الموتى، وربما يوضع معهم صبي، وربما حفرت الحفرة الواحدة فتوسع حتى يوضع فيها جماعة، ومات من أصبهان (٤) نحو مائتي ألف ــــــــــــــــــــــــــــــ

стр. 84

إنسان (١). وقال ابن العماد إنه في سنة أربع وعشرين وثلاثمائة اشتد الجوع وكثر الموت، فمات بأصبهان نحو مائتي ألف (٢). أما الأمراض وغيرها ففي هذا العصر الكثير من المآسي، ففي سنة ثلاثمائه مثلاً كثرت الأمراض ببغداد والأسقام والآلام وكَلِبَت الكلاب (٣) حتى الذئاب في البادية، وكانت تقصد الناس والبهائم بالنهار، فمن عضته أهلكته (٤). وكانت تطلب الناس والدواب، فإذا عضت إنساناً هلك.

стр. 85

المبحث الثالث الناحية العلمية لقد شهد العصر الذي عاشه الأشعري ازدهاراً من الناحية العلمية وتميز بوجود عدد من العلماء، سواء من أئمة الحديث أو الفقه، كذلك بعض الأئمة في العقيدة، كما وُجدَ بعض الأعلام لبعض الفرق والطوائف، والعصر الذي عاشه الأشعري على الرغم مما فيه من اضطرابات وفتن وقلاقل، إلا أنه يعد من أزهى العصور العلمية والفكرية التي شهدتها الأمة، وخاصة في بغداد. كما شهد هذا العصر فتنة الحلاج (١). وفي هذا العصر دونت بعض كتب السنة من قبل الأئمة،

стр. 86

ومن أهمها صحيح مسلم (١) وكتاب السنن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

стр. 87

للإمام ابن ماجه (١)، وكتاب السنن للإمام أبي داود السجستاني (٢)، وسنن الترمذي (٣).

стр. 88

وكتاب السنن الكبرى للإمام النسائي (١). فأنت تلحظ هنا خمسة من الكتب الستة دونت في عصر أبي الحسن الأشعري ﵀، مما يدل على ارتفاع شأن الحديث في عصره أما كتب السنة التي دونت في عصره من غير الكتب الستة فكثيرة، ومن أهمها: السنن للدارمي (٢).

стр. 89

وصحيح ابن خزيمة (١)، كما دون في هذا العصر الإمام الطحاوي (٢) كُتبه النافعة كمشكل الآثار، ـ وعقيدته ـ التي شرحها ابن أبي العز (٣) التي

стр. 90

نفع الله بها، وكتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل (١). كما صنف في هذا العصر أعظم كتب التفسير جامع البيان للإمام الطبري. و من أئمة هذا العصر أيضاً، الإمام أبو بكر المروذي (٢). ومن العلماء الكبار في هذا العصر الإمام بقي بن مخلد (٣). كما تميز هذا العصر، بوجود

стр. 91

عدد من الفقهاء، منهم، داود بن علي الظاهري (١)، والربيع بن سليمان المرادي (٢)، والإمام ابن قتيبة (٣). ومن أئمة هذا العصر أيضاً الإمام

стр. 92

إبراهيم بن إسحاق الحربي (١). والإمام محمد بن نصر المروزي (٢). ولم يقتصر التميز العلمي لعلماء هذا العصر على علماء الحديث والفقه فقط، بل حتى أئمة اللغة حيث برز بعضهم في هذا العصر، ومنهم المبَرِّد (٣)،

стр. 93

كما صُنف في هذا العصر مرجع من أهم مراجع اللغة، وهو كتاب الصِّحاح للجوهري (١). ومن علماء الكلام، أبو منصور الماتريدي (٢). كما وُجد في هذا العصر بعض علماء الاعتزال، ومن أشهرهم: أبو علي الجبائي، وأحمد بن مخالد (٣). وشيخ المعتزلة الكعبي (٤)، كما ظهر في هذا

стр. 94

العصر بعض أعلام المتصوفة، ومنهم سهل بن عبد الله التستري (١)، والجنيْد (٢). كما وُجد في هذا العصر، بعض أعلام الرافضة، وكان من أبرزهم الكُليني (٣)، والحسين بن أحمد (٤). وبعض أعلام الملاحدة ومنهم

стр. 95

ابن الراوندي (١)، كما وجد كثيرٌ من الأعلام، سواء أكانوا من الأتقياء الأخيار أو من الفسقة الفجار، ومع وجود بعض أعلام الملاحدة والرافضة، إلاَّ أن أهل السنة كانت لهم قوة ومنعة، ولله الحمد والمنة، لوجود أعلامهم الكبار، ومن دلالة ارتفاع قدرهم، أمْرُ أمير المؤمنين المعتضد بنوادي بغداد، بألا يُمَكَّنَ أحدٌ من القُصَّاص ومن أشبههم من الجلوس في المساجد أو الطرقات، وألا تُباع كُتب الكلام والفلسفة والجدل بين الناس (٢). كما شهد العصر، انحسار المذهب المعتزلي، بعد أن استطاع علماء أهل السُّنة الانتصار عليهم وتفنيد شبهاتهم. والخلاصةُ أن هذا العصر يُعَدُّ من أثرى العصور في كثرة المؤلفات، التي نفع الله بها المؤمنين، وخاصة كتب السُنَّة، التي سبق أن مرَّ معنا أن خمسةً من الكتب الستةِ عاش مؤلفوها في هذا العصر.

стр. 96

الفصل الثالث تطور حياته العقدية وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: طور الاعتزال. المبحث الثاني: أسباب رجوعه عن الاعتزال. المبحث الثالث: ما بعد مرحلة الاعتزال.

стр. 97

الفصل الثالث تطور حياته العقدية والفكرية من الأمور المهمة في هذا البحث، معرفة الأطوار العقدية التي مر بها الأشعري، حتى يتم التوصل إلى آخر أطواره العقدية التي استقرت عليها عقيدته، خَاصةً وأنها قد شغلت الناس قديماً وحديثاً، فما المتقدم من هذه الأطوار؟ وما المتأخر؟ حتى يستطيع الباحث أن يحكم بكل تجرد واعتدال، على الطور الأخير الذي استقر عليه الأشعري؟ وهل له علاقة بما حدث عند الأشاعرة من تطوراتٍ، أم لا؟ ومعرفة الطور النهائي له دور في معرفة آخر الكتب التي ألفها الأشعري، مع التأكيد على أن هذا البحث سيبحث هذه المسألة بكل تَجَرُّدٍ وإنصاف ـ بحول الله تعالى ـ. حتى يتم الوصول إلى الحقيقة، فهذه الأطوار العقدية قد تناولها كثيرٌ من الباحثين، وسبب ذلك: أن مذهب الأشاعرة انتشر في جميع أنحاء العالم الإسلامي، حتى كاد يستقر في بعض الأزمنة والأمكنة ما استقر في بعض الأذهان، من أن مذهبه هو مذهب أهل السنة والجماعة. ولاشك بأن هذا القول فيه جور على أهل السنة والجماعة؛ لأن في غالب ما سطره الأشعري، قبل تحوله، وما سطره الأشاعرة من بعده، وخاصة متأخروهم، مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة. كما أن من اللافت للنظر: أنه في هذه العصور المتأخرة أصبح كثير من دور العلم

стр. 98

والجامعات، في العالم الإسلامي، تُدَرِسُ هذا المذهب وتقرره (١)، ولذا فإن معرفة الطور الذي استقر عليه الأشعري، أمر في غاية الأهمية، حتى يعلم المنتسبون إليه، هل هم فعلاً مُنْتَمُونَ لما هو عليه شيخهم، أم أنهم يسيرون في طريق مخالف لما هو عليه في آخر أطواره. والله أسأل أن يوفقني لمعرفة هذا الطور، الذي استقر عليه الإمام الأشعري ﵀. وسوف أُقَسِّمُ هذا الفصل إلى عدة مباحث:

стр. 99

المبحث الأول طور الاعتزال لقد مر فيما سبق أن والده توفي عنه وهو صغير، وأوصى به إلى الإمام الساجي من أهل السنة والجماعة، ولكن والدته تزوجت بعد وفاة والده من أبي علي الجبائي وكان من رموز المعتزلة في ذلك الوقت، فاحتضن هذا الصبي ورباه على فكره، وهذا الطور لم أجد أحداً خالف في أنه الطور الأول عند الأشعري، فقد أثبت جميع من ترجم للأشعري أن طوره الأول كان هو الاعتزال، حيث لم يشك أحد في هذا، وإليك أقوال أهل العلم في المسألة: ١ ـ أقدم هذه الأقوال ما ذكره ابن النديم في الفهرست، حيث قال عندما ترجم للأشعري: «وكان أولاً معتزلياً، ثم تاب من القول بالعدل وخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة في يوم الجمعة، رقى كرسياً ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه نفسي: أنا فلان ابن فلان، كنت أقول بخلق القرآن وأن الله لا يرى بالأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة، فخرج بفضائحهم ومعايبهم» (١).

стр. 100

٢ ـ وقد أكد هذا القول الإمام أبو نصر السجزي ﵀ (١) حيث ذكر في رسالته المسماة الرد على من أنكر الحرف والصوت نقلاً عن خلف المعلم (٢)، بأن الأشعري أقام أربعين سنة على الاعتزال، ثم أظهر التَوْبَةَ، فرجع عن الفروع وثبت على الأصول، وقال بعدها وهذا كلام خبير بمذهب الأشعري وغوره (٣). ٣ ـ كما أكد هذا التحول ابن الجوزي حيث قال ﵀ عندما ترجم له: «وكان على مذهب المعتزلة زماناً طويلاً، ثم عَنَّ له مخالفتهم، وأظهر مقالة خبطت عقائد الناس، وأوجبت الفتن المتصلة، وكان الناس لا يختلفون في أن هذا المسموع كلام الله، وأنه نزل به جبريل ﵇ على محمد ﷺ ، فالأئمة المعتمد عليهم قالوا إنه قديم، والمعتزلة قالوا: هو

стр. 101

مخلوق، فوافق الأشعري المعتزلة في أن هذا مخلوق، وقال: ليس هذا كلام الله، إنما كلام الله صفة قائمة بذاته، ما نزل ولا هو مما يسمع، ومازال منذ أظهر هذا خائفاً على نفسه لخلافه أهل السنة. ثم ذكر قصة رجوعه وهو في المسجد، وقال بعدها: كان الأشعري تلميذ الجبائي يدرس عليه ويتعلم منه، لا يفارقه أربعين سنة، ثم قال بعد ذلك: قد رجعت عن الاعتزال (١). ٤ ـ وأكد ذلك ابن خلكان أيضاً حيث قال: (وكان أبو الحسن الأشعري، أولاً معتزلياً، ثم تاب من القول بالعدل، وخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة) (٢)، ثم ذكر تمام القصة التي مرت معنا. ٥ ـ كما أكد ذلك أيضاً، عبد القادر بن أبي الوفاء القرشي الحنفي. حيث قال: (كان حنفي المذهب، معتزلي الكلام، لأنه كان رَبيْبَ أبي علي الجُبائي، وهو الذي رباه وعلمه الكلام) (٣)، ثم قال في موضع آخر: (ثم إنه فارق أبا علي لشيء جرى بينهما وانضم إلى ابن كُلاب (٤)، وأمثاله،

стр. 102

وانشق عن أصول المعتزلة، واتخذ مذهباً لنفسه، ورد على المعتزلة) (١). كما أكد ذلك، الإمام ابن كثير، حيث قال: وقد كان معتزلياً قبل ذلك، فتاب منه بالبصرة (٢). ٧ ـ وأكد ذلك الذهبي حيث قال: (وبلغنا أن أبا الحسن تاب وصعد منبره بالبصرة، وقال: إني كنت أقول بخلق القرآن وأن الله لا يرى بالأبصار وأن الشر فعلي ليس بقدر، وإني تائب معتقد الرد على المعتزلة) (٣). ٨ ـ وذكر أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي، ذلك فقال: «وكان معتزلياً ثم تاب» (٤). ٩ ـ كما ذكر القاضي شهبة رجوعه، فقال: (أخذ علم الكلام أولاً عن الجبائي شيخ المعتزلة ثم فارقه، ورجع عن الاعتزال، وأظهر ذلك

стр. 103

وشرع في الردِّ عليهم، والتصنيف على خلافهم) (١). ١٠ ـ وأكد ذلك أيضاً السبكي حيث قال: «قام على الاعتزال أربعين سنة، حتى صار للمعتزلة إماماً، فلما أراد الله نصر دينه، وشرح صدره لاتباع الحق، غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يوماً، ثم خرج إلى الجامع وصعد المنبر وقال: - معاشر الناس! إنما تغيبت عنكم هذه المدة لأني نظرت، فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي شيء على شيء، فاستهديت الله تعالى، فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقد كما انخلعت من ثوبي هذا، وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به، ودفع الكتب التي ألفها على مذاهب أهل السنة إلى الناس» (٢). ١١ ـ وذكر ابن العماد الحنبلي ما يؤكد ذلك، حيث قال: «إنه أخذ علم الجدل والنظر عن أبي علي الجبائي، ثم رد على المعتزلة، ثم ذكر قوله في كتاب الإبانة» (٣). ١٢ ـ وذكر الزركلي ذلك فقال: - (وتلقى مذهب المعتزلة وتقدم فيهم، ثم رجع وجاهر بخلافهم) (٤).

стр. 104

١٣ ـ وقال الألوسي: والأشعري كان قد نشأ على الاعتزال، ثم ذكر القصة التي سبق ذكرها في رجوعه (١). ١٤ ـ وقال أحمد أمين: إنه نشأ معتزلياً ولكنه تَحَوَّلَ (٢). فهذه الأقوال جميعها تؤكد بأنه كان على مذهب أهل الاعتزال في بداية حياته، حتى بلغ الأربعين سنة في بعض الروايات. والخلاصة أن هناك روايتين: الأولى: تقول بأنه ظل على الاعتزال أربعين سنة، وعلى هذه الرواية تكون سنه حين عودته فوق الخمسين؛ لأن الأربعين التي ظل فيها على الاعتزال يضاف إليها بضع عشرة سنة تلك التي كان فيها صغيراً لا يتحمل أياً من المذاهب والمعتقدات. الثانية: تلك الرواية والتي تقول: «إنه ظل على الاعتزال حتى بلغ الأربعين .. » وعلى هذا لا يكون أبو الحسن ﵀ قد أمضى في الاعتزال أربعين سنة؛ بل انخلع عنه عند بلوغه الأربعين. فيحسم من هذه الأربعين بضع عشرة سنة، تلك التي كانت قبل القدرة على تحمل المذاهب والمعتقدات .. على هذا يكون أبو الحسن قد أنفق في الاعتزال حوالي ثمانية وعشرين عاماً.

стр. 105

المبحث الثاني أسباب رجوعه عن الاعتزال؟ اُخْتُلِفَ في سبب رجوعه، فبعض الروايات تجعل رجوعه مَنَامات رآها، وبعضهم يرى بأن ذلك من خلال خلل بان له في مذهب المعتزلة، اكتشفها في بعض مناظراته لهم، إلى غير ذلك، فأسهمت في رجوعه. ولعلي هنا استعرض الأقوال في ذلك: القول الأول: الرؤى التي رآها في منامه: الرؤيا الأولى: ذكرها ابن عساكر في تبيينه، فقال: «فأما سبب رجوع أبي الحسن عما كان عليه وتبرؤه مما كان يدعو إليه، فسببه، أن الشيخ أبا الحسن ﵀، لما تبحر في كلام الاعتزال، وبلغ الغاية، كان يورد الأسئلة على أستاذه في كل درس ولا يجد فيها جواباً شافياً فتحير في ذلك، فحكى عنه أنه قال: (وقع في صدري في بعض الليالي شيء مما كنت فيه من العقائد فقمت وصليت ركعتين، وسألت الله تعالى أن يهديني الطريق المستقيم، ونمت، فرأيت رسول الله ﷺ في المنام، فشكوت إليه بعض ما بي من الأمر، فقال رسول الله ﷺ : «عَلَيْكَ بسُنَّتِي» فانتبهت، وعارضت مسائل الكلام بما وجدت في القرآن والأخبار، فأثبته ونبذت ما سواه ورائي ظِهْرِيّاً») (١).

стр. 106

الرؤيا الثانية: وذكر رواية أخرى قريبة منها قال: «بينما أنا نائم في العشر الأول من شهر رمضان، رأيت المصطفى ﷺ فقال: يا علي! انصر المذاهب المروية عَنِّي؛ فإنها الحق، فلما استيقظت دخل علي أمر عظيم، ولم أزل مفكراً مهموماً لِرُؤْيَايَ، ولما أنا عليه من إيضاح الأدلة في خلاف ذلك، حتى كان العشر الأوسط، فرأيت النبي ﷺ في المنام فقال لي: ما فعلت فيما أمرتك به؟» فقلت: يا رسول الله! وما عسى أن أفعل، وقد خرَّجت للمذاهب المروية عنك وجوهاً يحتملها الكلام، واتبعت الأدلة الصحيحة التي يجوز إطلاقها على الباري ؟ فقال لي: انصر المذاهب المروية عني؛ فإنها الحق، فاستيقظت وأنا شديد الأسف والحزن، فأجمعت على ترك الكلام، واتبعت الحديث وتلاوة القرآن، فلما كانت ليلة سبع وعشرين ـ وفي عادتنا بالبصرة أن يجتمع القراء وأهل العلم والفضل، فيختمون القرآن في تلك الليلة ـ مكثت فيهم على ما جرت عادتنا، فأخذني من النعاس مالم أتمالك معه أن قمت. فلما وصلت إلى البيت نمت وبي من الأسف على ما فاتني من ختم تلك الليلة أمر عظيم، فرأيت النبي ﷺ فقال لي: ما صنعت فيما أمرتك؟ فقلت: قد تركت الكلام ولزمت كتاب الله وسنتك، فقال لي: «أنا ما أمرتك (١) بترك الكلام، وإنما أمرتك بنصرة المذاهب المروية عني، فإنها الحق. فقلت: يا

стр. 107

رسول الله! كيف أدع مذهباً تصورت مسائله وعرفت أدلته منذ ثلاثين سنة لرؤيا؟ فقال لي: لولا أني أعلم أن الله تعالى يمدك بمدد من عنده لما قمت عنك حتى أبين وجوههم، وكأنك تعدُّ إتياني إليك هذا رؤيا، ورؤياي جبريل كانت رؤيا، إنك لا تراني في هذا المعنى بعدها، فجد فيه فإن الله سيمدك بمدد من عنده، فقال: فاستيقظت وقلت: ما بعد الحق إلا الضلال، وأخذت في نصرة الأحاديث في الرؤية والشفاعة والنظر وغير ذلك، فكان يأتيني شيء والله ما سمعته من خصم قط، ولا رأيته في كتاب، فعلمت أن ذلك من مدد الله تعالى، الذي بشرني به رسول الله ﷺ » (١). الرؤيا الثالثة: وقد وردت رواية ثالثة أخرى في كتاب تبيين كذب المفتري تقول: «إن الشيخ أبا الحسن ﵀ لما تبحر في كلام الاعتزال وبلغ غاية، كان يورد الأسئلة على أستاذيه في الدرس، ولا يجد فيها جواباً شافياً، فتحير في ذلك فحكى عنه أنه قال: وقع في صدري بعض الليالي شيء مما كنت فيه من العقائد، فقمت وصليت ركعتين، وسألت الله تعالى أن يهديني الطريق المستقيم، ونمت، فر أيت رسول الله ﷺ في المنام، فشكوت إليه بعض ما بي من الأمر، فقال رسول الله ﷺ : عليك بسنتي، فانتبهت وعارضت مسائل الكلام، فما وجدت في القرآن

стр. 108

والأخبار أثبته، ونبذت ما سواه ورائي ظهرياً» (١) قلت: وهذا هو السبب الأول الذي أدى إلى تحول الأشعري عن الاعتزال عند بعض الباحثين، ومما لاشك فيه، أن الرؤى من الأمور التي أقرت بها الشريعة الإسلامية. حيث قال ﷺ : «لم يبق من النبوة إلا المبشرات»، قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة» (٢). فالرسول ﷺ جعل الرؤيا من المبشرات، بل قد يرى المؤمن في منامه رؤيا تحثه على طاعة الله، ومن ذلك مثلاً ما أخرجه الإمام البخاري ﵀ (٣) عن سالم بن عبد الله بن عمر (٤)، عن أبيه

стр. 109

عبد الله بن عمر (١) قال: (كان الرجل في حياة النبي ﷺ إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله ﷺ ، فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله، وكنت غلاماً شاباً، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ ، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني، فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: -

стр. 110

فلقينا ملك آخر فقال لي: لَمْ تُرَعْ؟ فقصصتها على حفصة، (١) فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ ، فقال «نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل، فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً» (٢) فهذه الرؤيا تعامل معها ابن عمر ﵁ بما ينبغي. فلا ريب إذاً أن الرؤيا لها اعتبارها متى ما توفرت الصفات والشروط والاعتبارات الأخرى التي ليس هنا مجال بحثها. كما أن رؤيا النبي ﷺ حقٌ، حيث وردت في ذلك أحاديث كثيرة، لقوله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي» (٣). قلت: وهذا لا إشكال فيه عند أهل السنة والجماعة، ولكن، هل ما نقل عن رؤى الأشعري حقيقية أم مكذوبة؟ فالمتأمل في هذه الروايات لمنامات الأشعري يلحظ أنها لا
следующие страницы →