← Тараджим

Тараджим · id 888

الإمام الأشعري حياته وأطواره العقدية

صالح بن مقبل العصيمي

Полный текст (380 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

في اللمع فهذا يدل على أن الرجل رجع للاعتدال. رابعاً: حاول أصحاب هذا القول تفنيد خلو العمد من ذكر الإبانة، والتي هي من الأدلة التي اعتمد عليها أصحاب قول إن الإبانة، هي آخر كتبه وعليها استقر مذهبه. فقالوا: إن ابن عساكر لم يهمل ذكر كتاب الإبانة لأنه ذكر كتاب المختصر في التوحيد والقدر. والراجح أنه كتاب الإبانة، ودليل ذلك أن ابن عساكر ذكر أنه في أبواب من الكلام وفي إثبات رؤيا الله في الأبصار والكلام في سائر الصفات .. الخ ما ذكره (١). وعندما نطابق بين موضوعات الإبانة وبين هذا الكتاب يتبين اتفاقهما موضوعاً وترتيباً (٢). وقد انتقد فاروق دسوقي هذا القول فقال: إن هذا لا يكفي بأن يكون الكتابان كتاباً واحداً، لمجرد تشابه الموضوعات وترتيبها، لأن ذلك قائم بين كثير من كتب علم الكلام وبين كتب الأشعري. بدليل اتفاق بعض الأبواب بين اللمع والإبانة، كما أن ابن عساكر ذكر أن في كتاب المختصر كلاماً في التولُّد (٣). بينما ليس في الإبانة ذلك (٤).

стр. 177

خامساً: قصة عزوها لابن خلكان، ومضمونها: أنَّ الأشعري بعد رجوعه دفع للناس ما كتبه على طريقة الجماعة من الفقهاء، والمحدثين، والإبانة هو الذي كتبه الأشعري على هذه الطريقة (١). وقد بحثت في وفيات الأعيان فلم أ﴾ جدها في ترجمة الأشعري وقلت لعلها في قصة مناظرته مع الجبائي، فبحثت فيها في ترجمة الجبائي وقصة المناظرة فلم أعثر عليها (٢). كما بين الدكتور المحمود أنه لم يعثر عليها، حيث قال: والقصة نسبت إلى طبعة الدكتور عرفان عبد الحميد، وبعد الرجوع إلى هذه الطبعة لم أجدها، كما لم أجدها لا في الطبعة الأولى ولا في طبعة دار صادر (٣). قلت: ولو فرضنا أن القصة حقيقية، فما الذي يؤكد أن المقصود بهذا الكتاب هو الإبانة. خاصة وأن غالب الأشاعرة يرون أن منهجهم هو منهج أهل الحديث ومما يؤكد ذلك أن ابن عساكر المتوفى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، ذكر أنَّ الأشعري قد دفع للناس بكتاب اللمع، وابن خلكان المتوفى بعده بمئة وعشر سنوات قد ذكر أنه قذف إليهم بالكتاب الذي ألفه على طريقة الفقهاء، والمحدثين فيكون ابن خلكان، قد وصف اللمع بهذا الوصف، فهم يرون اللمع من وجهة نظرهم هو آخر كتاب وأنهم أهل الحديث، فيكون هذا مؤكداً على أن مقصد ابن خلكان لو كانت القصة صحيحة هو اللمع، فهنا تتعاضدُ الأقوال على أن

стр. 178

اللمع هو أول مُؤلَّفٍ للأشعري بعد الاعتزال، والله أعلم. سادساً: استبعد أصحاب هذا القول أن يتخلى الأشعري عن مُبَاحَثَاتِهِ الكلامية إلى هذه العقيدة البسيطة، التى قلد فيها الإمام أحمد ﵀ فالأشعري عندهم من أبرع الناس في المناظرات ولا يمكنه أن يتخلى عن هذا. والرد على هذه الشبهة: أ ـ أن هذا مبني على تخرصات لا دليل عليها، بل الدليل ضدها، فإذا كانت عقيدة الإمام أحمد ﵀ بسيطة ووصفوها بغيرها من الألفاظ الموجعة المؤلمة التي أستحي من ذكرها، فإن الإمام الأشعري ﵀ قد أعلن رجوعه إليها واقتناعه بها مع بساطتها كما يدعون تهكماً بها وسخرية، بل وأعلن تخليه عن الباطل ولو كان عميقاً بظنهم. فهذا هو القرار الذي اتخذه، والعقيدة التي آمن بها. فلماذا تفرون من الحقيقة؟! ب ـ غاب عن هؤلاء أن الإمام الباقلاني ﵀ وهو من أشهر أتباع الإمام الأشعري ﵀ قد أخذ بكل ما في كتاب الإبانة من حيث إثبات الصفات الخبرية والاستواء والكلام والرؤيا وغيرها، فدل هذا على أنه قد اطلع على كتب شيخه واختار أفضلها وأنقاها وأحظاها بالدليل وآخرها. فقولهم من أبعد الأقوال عن الحق. جـ ـ ويرد عليهم أيضاً بما رُدَ فيه على أصحاب القول الثاني ويزاد عليه، أن الإبانة هي آخر مؤلفاته. وقد سلك فيها منهج السلف الصالح ﵏ ورضي عنهم ـ.

стр. 179

القول الخامس: أنه مر بعد الاعتزال بطورين: أ- أنه تابع ابن كلاب. ب -أنه رجع إلى مذهب الحق، ولكنه بقيت عليه بقايا اعتزالية، وهذا قول لبعض العلماء وبعض الباحثين منهم: ١ ـ ما ذكره الحافظ ابن عساكر ﵀ عن بعض أهل المغرب أنه قال لما سئل هل الأشعري كان معتزلياً؟ فأجاب أنه لما رجع عن ذلك أبقى للمعتزلة نكتاً لم ينقضها (١). قلت: وهذه العبارة قد يفهم منها أنها بقايا بقيت عنده بعد رجوعه عن الاعتزال وهذا هو الأرجح، وقد يفهم منها أنه لم يقم بالرد على جميع شبه المعتزلة، ولكن قد يكون هذا القول ناشئاً عما ذكره في كتبه الأولى، وليس عما كتبه في الإبانة وإذا كان هذا فلا خلاف؛ لأن ما في كتبه الأولى لا تخلو من هذه البقايا، والله أعلم. ٢ ـ الشيخ الدكتور عبد الرحمن المحمود حيث قال بعد مناقشته للأدلة: وهذه الأدلة تدل على أن الأشعري وإن كان في الإبانة قد قرب كثيراً من مذهب أهل السنة إلا أنه قد بقيت عليه بقايا من مذهب ابن كلاب، والله أعلم (٢). ٣ ـ قال الفيومي: «والحق أن من ينظر في توسط الأشعري، وفي

стр. 180

استخدامه منهج المعتزلة في الجدل والمناظرة ودفاعه عن الخوض في علم الكلام يلمس أثر المعتزلة الواضح في فكر أبي الحسن، ويرى صدق عبارة ابن تيمية من أن فيه بقايا من اعتزال (١). واستدل أصحاب هذا القول بأن مسألة القول أن الأشعري في كتابه الإبانة رجع رجوعاً كاملاً لمنهج السلف ينغص عليه ما في الإبانة من المسائل التي خالف فيها الأشعري السلف وذكروا ملاحظات على الإبانة ستتم مناقشتها، ولكن لابد من معرفة بعض القواعد قبل المناقشة، ومن أهمها: ١ - رد ما أجمله إلى ما فصله. فرد المجمل إلى المفصل هو المنهج السليم للحكم على الإنسان ٢ - الحكم على ظاهر قوله لا على باطنه، وحمل كلامه على الوجه الحسن، خير من حمله على مقصد آخر لم يتفوه به، مما يؤدي إلى أن يُحمل كلامه على خلاف ما يريد، كما من الواجب أن يحكم على صريح قوله لا على لازم قوله، وخاصة في قضية الحكم على عقيدة الإنسان. ٣ - أن يحاكم من خلال آخر ما كتب لا أوله، وعدم ربط كلامه القديم بكلامه الجديد، خاصة إذا كان الكلام القديم موهماً، والكلام المتأخر واضحاً، فكيف بمثل هذا العالم الذي يكاد أهل السنة أن

стр. 181

يتفقوا على أنه مر في كتابه الإبانة بطور ثالث خالف فيه ما كان يعتقده في كتبه السابقة، بل وحدث شبه إجماع بينهم بأن هذا الكتاب هو آخر كتبه. ٤ - جمع شتات كلامه في المسألة الواحدة من نفس الكتاب حتى يرد المجمل إلى المفصل والمبهم إلى المفسر لا العكس. قال شيخ الإسلام ﵀: «يجب أن يُفسر كلام المتكلم بعضه ببعض، ويُؤخذ كلامه هاهنا وهاهنا (١)، والمنهج العلمي بجمع شتات ما كتبه في جميع مؤلفاته، وسني عمره منهج سليم لا إشكال فيه، ولكنه خاص بمن عنده ثبات في المنهج ولم يعلن عن تغيره وتراجعه، ولم يمر بأطوار متعددة، بل جميع حياته طور واحد، وهذا لا ينطبق على الإمام الأشعري الذي مر بأطوار متعددة، يبحث من خلالها عن منهج أهل السنة والجماعة، ولذا فمن الصعب أن يُجمع شتات ما كتبه للحكم على عقيدته، بل لو سُلك هذا المنهج معه سيجعل هناك من يُعيده إلى طور الاعتزال، فهذا الإمام أعلن عن رجوعه وتخليه عن عقيدة الاعتزال الفاسدة، بل وأعلن صراحة بأنه يسير على منهج الإمام أحمد وجعله الرئيس الكامل؛ لذا فالحكم على عقيدته من خلال ما كتبه في الإبانة فقط هو

стр. 182

منهج العدل معه خاصة وقد صرح في مقدمتها أنه يسير في هذا الكتاب على منهج الإمام، وعندما استعرضت ما أبداه أصحاب هذا القول على كتاب الإبانة ظهر لي أنهم لم يجدوا في الإبانة ما يسعفهم لترجيح ما ثبت عنده، ولذلك ربطوا بين ما سطره الأشعري في كتبه القديمة بما سطره في كتاب الإبانة، حيث لم يجدوا فيما ظهر لي ملحظاً واحداً مما لاحظوه يستطيعوا من خلاله بأن يجزموا أن الأشعري خالف السلف في كتابه الإبانة، وسوف أستعرض ما ذكروه من ملاحظات حتى أستطيع من خلالها أن أثبت ما لاحظوه على الإبانة أو أنفيه، فأقول: - الملاحظة الأولى: قول الأشعري: (فلما كان الله لم يزل عالماً، لم يجز أن يكون بخلاف العلم موصوفاً، استحال أن يكون لم يزل بخلاف الكلام موصوفاً، لأن خلاف الكلام الذي لا يكون معه كلام سكوت أو آفة، كما أن خلاف العلم الذي لا يكون معه علم هو جهل، أو شك أو آفة، ويستحيل أن يوصف ربنا بخلاف العلم، ولذلك يستحيل أن يوصف بخلاف الكلام من السكوت والآفات، فوجب لذلك أن يكون لم يزل متكلماً، كما وجب أن يكون لم يزل عالماً) (١)، وقالوا: ويلاحظ في هذا

стр. 183

النص أن الأشعري جعل كلام الله أزلياً، كما أن علم الله أزلي، ثم ذكر أنه يستحيل أن يكون لم يزل بخلاف الكلام موصوفاً، وخلاف الكلام يفسره بأنه سكوت أو آفة وهذا واضح الدلالة أنه قصد أن الله لا يتكلم بكلام بعد كلام، بل كلامه كله قديم أزلي، ثم وضح ذلك بقوله: (فوجب لذلك أن يكون لم يزل متكلماً كما وجب أن يكون لم يزل عالما). ويمكن أن يقارن بكلام له مشابه في كتاب اللمع -يقول في كتابه هذا: «ومما يدل من القياس على أن الله تعالى لم يزل متكلما أنه لو كان لم يزل غير متكلم وهو ممن لا يستحيل عليه الكلام لكان موصوفاً بضد من أضداد الكلام من السكوت أو الآفة» مناقشة هذه الملاحظة: - ١ - لا يفهم في أي حال من الأحوال أن قصد الإمام الأشعري في هذا الكلام أن كلام الله قديم في الأزل غير متجدد، وبأن الله غير متكلم حيث شاء متى شاء وكيف شاء. فهذا لم يذكره الأشعري في كلامه هذا، بل إن قوله: «إن الله لم يزل متكلماً لأن ضد الكلام سكوت أو آفة»، دليل قاطع على أن الأشعري يرى أن صفة الكلام صفة ذاتية فِعْلِية، ويؤكد ذلك أنه جعل خلاف عدم الكلام السكوت. فلو كان قصد الأشعري بأنه متكلم في القديم وليس له كلام بعد كلام ما استقام مع قوله لم يزل متكلماً؛ لأن الكلام القديم الذي ليس بعده كلام يناقض تماما قوله لم يزل متكلما؛ لأن عبارة لم يزل متكلما، تدل

стр. 184

على أن صفة كلام الله عند الأشعري صفة فعلية اختيارية، فهو لم يقل أن الله متكلماً بالأزل، بل قال لم يزل متكلما، ففرق بين هذا وذاك، ولذا نجد السلف يذكرون في كتبهم عندما يبينوا بأن صفة الكلام صفة فعلية اختيارية يُعَبِّرُون عن ذلك بعبارة لم يزل متكلماً. قال الإمام ابن منده (بياناً آخر يدل على أن الله لم يزل متكلماً (١). فعبارة: لم يزل متكلماً تدل صراحة على أن صفة الكلام صفة فعلية اختيارية، لا تعبر لا عن الكلام النفسي ولا على الكلام القديم. ٢ - عندما شبه الأشعري صفة الكلام بالعلم، لم يرد المطابقة بين الكلام والعلم في جميع الحالات كما هو واضح من طريقة مناقشته ومجادلته لخصومه، وإنما أراد أن يثبت للخصوم بأن عدم الاتصاف بالكلام كعدم الاتصاف بالعلم. فهو يقول لهم: ما الذي يجعلكم تثبتون صفة العلم، ولا تثبتون صفة الكلام؟ فهو إذاً سلك هنا معهم مسلكاً سلكه القرآن مع أهل الشرك في مسألة تقرير الألوهية، فقد أرشدهم الله بأن يستدلوا بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية؛ لأن المشركين كانوا يسلمون بتوحيد الربوبية وينازعون بالألوهية، كقوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ

стр. 185

اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس: ٣١] وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥)﴾ [سورة المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]. قال العلامة محمد بن إبراهيم (١) في شرحه لكشف الشبهات: وهذا مما احتج به تعالى عليهم، حيث احتج عليهم بما أقروا به من ربوبيته، على ما جحدوه من توحيد العبادة، فإن توحيد الربوبية هو الأصل وهو الدليل على توحيد الألوهية (٢). فأنت تجد هنا أن الأشعري سلك مع المعتزلة مسلك إقرارهم وإلزامهم بالمُجْمَع عليه. على المخْتَلف فيه؛ لأن المجمع عليه يدل على المختلف فيه ولا يلزم المطابقة من كل وجه كما سبق أن بينت.

стр. 186

٣ - إن هذا المسلك يجعل الإقرار بصفة العلم يقتضي الإقرار بصفة الكلام مسلكاً سلكه الأشعري في الكثير من القضايا في كتابه هذا؛ بل نجده حتى في مسألة العلم عندما نفى بعضهم علم الله. قال لهم: إذا أَوْجَبْتُم أن لله كلاماً، وليس له علم، لأن الكلام أخص من العلم، والعلم أعم منه، فقولوا: أن لله قدرة، لأن العلم عندكم أعم من القدرة ..... ، بل نجده يلزمهم بالإقرار بصفة الإرادة قياساً على صفة العلم، والشاهد هنا أن هذه الإلزامات التي سلكها لا تقتضي فيما يظهر أنه يقصد المطابقة من كل وجه. ٤ - لو فرضنا صحة ما ذكره أصحاب هذا القول، فإن هذا لازم قول الأشعري، وليس صريح قوله. ولازم القول ليس بقول، كما أن لازم المذهب ليس بمذهب. فما بالنا والإمام الأشعري ﵀ لم يقل ذلك ولم يقصده فيما يظهر من خلال نصوصه؛ لأن نصوصه ناطقةٌ بأن ربنا لم يزل متكلماً، لأن لم يزل تقتضي الاستمرار، فوصف الأشعري لله بهذه الجملة﴾ لايزال متكلماً﴾ إنما يفيد التجدد والاستمرار. فإن ثمة فرقاً بين أن يقال:﴾ إنه تعالى كان متكلماً﴾ أو: «إنه تعالى - تكلم وانتهى من الكلام»، وبين أن يقال: «إنه سبحانه - لايزال متكلماً» فإن العبارات الأولى تفيد الانقطاع عن الكلام. وأما العبارة الأخيرة فتفيد - يقيناً وبالنص - التجدد والاستمرار. وذلك يتضح مما لو قلنا هل انتهى الخطيب من خطبته؟

стр. 187

فتقول: لم يزل يخطب ولا يفهم السامع من قولك لم يزل بأن هذا الخطيب قد خطب وانتهى وخطبته قديمة؛ بل يفهم السامع أن هذا الخطيب كان وما زال على منبره يخطب، وكقولك: لم يزل المطر نازلاً، ففرق بين كلمة لم يزل وفي الأزل فلو قال الإمام الأشعري بأن كلام الله أزلي لكان مع أصحاب هذا القول وجه احتجاج لكنه ما قال قط أزلي بل قال لم يزل فثمة فرق بين هذا وذاك. ٥ - شهد الأئمة الأثبات أن الأشعري في مسألة القرآن على منهج السلف الصالح، كشيخ الإسلام ﵀ (١). ٦ - المتتبع لما ذكره الأشعري في كتاب الإبانة حول الكلام لا يجده ولو مرة واحدة ينطق بالكلام القديم، أو الكلام النفسي كما هو منهج عامة الأشاعرة، بل تجد له عبارات تدل على أنه يرى بأن صفة الكلام لله صفة ذاتية اختيارية فعلية وهذا واضح من أقواله الآتية. أ- واعلموا - رحمكم الله - أن أقوال الجهمية: إن كلام الله مخلوق يلزمهم به أن يكون الله لم يزل كالأصنام التي لا تنطق ولا تتكلم لو كان لم يزل غير متكلم؛ لأن الله يُخْبرُ عن إبراهيم ﵇ أنه قال لقومه لما قالوا له: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ

стр. 188

هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾ [الأنبياء: ٦٢ - ٦٣] فاحتج عليهم بأن الأصنام إذا لم تكن ناطقة متكلمة لم تكن آلهه، وأن الإله لا يكون غير ناطق ولا متكلم، فلما كانت الأصنام التي لا يَسْتَحِيْلُ أن يحييها الله وينطقها لا تكون آلهة، فكيف يجوز أن يكون من يَسْتَحِيْلُ عليه الكلام في قدمه إلهاً. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وإذا لم يجز أن يكون الله سبحانه في قدمه بمرتبة دون مرتبة الأصنام التي لا تنطق، فقد وجب أن يكون لم يزل متكلماً (١). قلت: فأنت تلحظ هنا أنه احتج عليهم بأن الإله لابد أن يكون متكلماً بعكس الأصنام التي لا تنطق، ثم استدل بأن الله إذا لم يجز أن يكون في قدمه بمرتبة دون مرتبة الأصنام التي لا تنطق، فقد وجب أن يكون لم يزل متكلماً وهذا كلام منه واضح وصريح بأن الله لم يزل متكلماً حقيقةً وليس كلامه قديم ولا نفسي، بل لأنه الإله المتكلم بالقديم المنزه عن مشابهة الأصنام، كذلك يجب أن يكون متكلماً في الحاضر والمستقبل، وهذه دلالة أكيدة لمن تأملها بأن الأشعري يفرق بين الأزل ولم يزل، ويقصد بلفظة لم يزل صفة الكلام الفعلية الاختيارية.

стр. 189

ب - بل له نص أوضح من ذلك، حيث قال ﵀: (وقد قال الله تعالى مخبراً عن نفسه أنه يقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] وجاءت الرواية أنه يقول هذا القول فلا يرد عليه أحد شيئاً، فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] فإذا كان الله قائلاً مع فناء الأشياء إذ لا إنسان ولا ملك ولا حي ولا جآن ولا شجر ولا مدر فقد صح أن كلام الله خارج عن الخلق؛ لأنه لا يوجد شيء من المخلوقات موجود. (١) قلت: فهذا نص صريح منه بأن الله تعالى متكلم مع فناء الأشياء، وهذا لا يقتضي أن يكون الكلام عنده قديماً ولا نفسياً بل كلام حقيقي يليق بجلاله لا قديماً ولا نفسيّاً لا يعبر عنه أحد من خلقه، بل هو المتكلم في وقت لا يوجد فيه أحد من الخلق وهذه من أوضح الدلالات أن الأشعري يرى أن الكلام من صفات الذات الفعلية بل بيَّن شيخنا المحمود - وفقه الله - في كتابه أنه نُسب للأشعري في كلام الله أقوال ليست موجودة في كتبه الموجودة (٢) قلت: وهذا فيما يظهر لي تنبيه منه- وفقه الله - بعدم اعتبار مثل تلك النقول التي لا توجد في كتبه بل لعل تلك إشارة

стр. 190

منه بأن المعتمد هو ما سطره في كتبه لا ما نقل عنه خاصة وقد ثبت أن هناك من قَوَّل الأشعري ما لم يقله كابن فورك ﵀. لذا ينبغي أن يستحضر المتكلم في هذه القضية وغيرها أن ثمة فرقاً حقيقياً - وليس لفظياً - بين عقيدة أبي الحسن الأشعري - رحمه الله تعالى-بعامة، وصفة الكلام بخاصة وبين عقيدة الأشاعرة باعتبارها فرقة كلامية شهيرة. من حيث أن الأشعري ﵀ قد رجع عن آرائه الكلامية التي قال بها في فورة حنقه على المعتزلة وخروجه عنها، وبراءته منها. إن هذا الذي نقوله وننبه إليه يشمل كافة ما قاله الأشعري ﵀ مخالفاً السلف. حيث رجع عنه في الجملة عند الجميع، وفي التفصيل عند المحققين حيث أن الشيخ أبا الحسن قد شهد وأشهد على نفسه، في كلام صريح واضح لا لبس فيه ولا خفاء، أنه قد رجع عما كان عليه إلى عقيدة السلف الصالح - رضوان الله عليهم -، وتحديداً إلى عقيدة الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وكرر ذلك وأكده وأثبته. ومقتضى ذلك لدى المنصف؛ أن ننظر في عقيدة السلف الصالح والإمام أحمد ﵏، ونقرر أنها هي عينها عقيدة الشيخ أبي الحسن ﵀. جـ - بل للأشعري ﵀ نص صريح أَقْوَى من جميع ما سبق يهدم من خلاله عقيدة الكلام النفسي، حيث قال: وقد قال

стр. 191

الله : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤] والتكليم هو المشافهة بالكلام، ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم حالاً في غيره، مخلوقاً في شيء سواه، كما لا يجوز ذلك في العلم (١) قلت: فهذا تصريح منه بأن الكلام يقتضي المشافهة، وهذا يخالف ما عليه كثير من الأشاعرة، والماتريدية والكلابية، بأن كلام الله معنىً واحد قائم بالنفس (٢). وهذا يدل على أن الأشعري ﵀ مخالف لما عليه الأشاعرة من اعتقادهم بالكلام النفسي؛ لأن المشافهة في لغة العرب - كما ذكر ابن منظور - هي المخاطبة من فيَّك إلى فيه (٣) وهذا دليل بين في أنه يثبت بأن الله جل وعلا شافه موسى ﵊، فخاطبه جل وعلا وسمع موسى كلام الله حينئذ بلا واسطة ولا يمكن أن يكون هذا إلا بحرف وصوت مسموع. د - ومما يؤكد أن الإمام الأشعري ﵀ يقصد بقوله: لم يزل متكلماً إثبات الصفة الفعلية، وليس قصده أنه تكلم بالأزل ثم لم يعد متكلماً. أنه نقل كلام الإمام أحمد عندما قال: فالقرآن

стр. 192

من علم الله وفيه أسماء الله، فلا نَشُكُّ أنه غير مخلوق، وهذا كلام الله ولم يزل الله به متكلماً (١). فنقله كلام الإمام أحمد إقرار منه وتأييد. هـ - وقال في موطن آخر: ويقال لهم: «خبرونا أن من زعم أن الله متكلم قائل لم يزل آمراً ناهياً» لا قول له ولا كلام، ولا أمر ولا نهي، أليس هو مناقض خارج عن جملة المسلمين؟ فلابد من نعم، يقال لهم: فكذلك من قال: إن الله: عالم ولا علم له، كان مناقضاً خارجاً عن جملة المسلمين (٢). وفي الجملة، هذه بعض النقول التي أوردها الإمام الأشعري في كتابه الإبانة عن مسألة الكلام. فجلى بوضوحٍ منهجه ومذهبه الموافق للسلف بأن صفة كلام الله عند الأشعري صفة ذاتية فعلية. ٧ - إن المنهج السليم عند النقد أن يقوم الناقد بإجراء الكلام على ظاهره، بل نص الأشعري بوجوب «أن يجري الكلام على ظاهره ولا يزول عن ظاهره إلا بحُجَّة» (٣). فالتزام الأشعري بهذه القاعدة العظيمة دليلٌ على اتباعه للسلف الذين يرفضون التأويل

стр. 193

والتعطيل؛ لذا كان على أصحاب هذا القول أن يجروا كلام الأشعري على ظاهره. ٨ - لقد بين الأشعري في مقدمة كتابه الإبانة أنه متبع للإمام أحمد، بل ونقل عنه مؤيداً له في مسألة عدم خلق القرآن، وكذلك نقله عن العشرات من أئمة السلف يقتضي أن الأشعري في الإبانة وافق كلامه كلام السلف في مسألة عدم خلق القرآن وبأنه كلام الله غير مخلوق وبأن الله لم يزل متكلماً. الملاحظة الثانية: أورد أصحاب هذا القول بأن في الإبانة أدلة أخرى تدعم فيها ما ذهبوا إليه. من أن الأشعري مخالف للسلف في مسألة صفة الكلام، حيث أورد ما قاله الأشعري في كتابه الإبانة عندما قال: وقال الله : ﴿قُلْ لَوْ … كَانَ … الْبَحْرُ … مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ … قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ … رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]. فلو كانت البحار مداداً لكتبه لنفدت البحار وتكسرت الأقلام - ولم يلحق الفناء كلمات ربي، كما لا يلحق الفناء علم الله ، ومن فني كلامه لحقته الآفات وجرى عليه السكوت، فلما لم يجز ذلك على ربنا صح أنه لم يزل متكلماً؛ لأنه لو لم يكن متكلماً وجب السكوت والآفات - تعالى ربنا عن قول الجهمية علواً كبيراً. قال أصحاب هذا القول: فقد ربط - الأشعري - الكلام بالعلم في كونه صفة أزلية قائمة بذات الله أزلاً وأبداً، وكلمات الله لا نهاية لها كما دلت على

стр. 194

ذلك هذه الآية وغيرها، لكنها لا تدل على أن الله لا يتكلم بكلام بعد كلام إذا شاء متى شاء، وأنه كلم موسى بعد أن لم يكن مكلماً له، والأشعري جعل ضد الكلام السكوت وهذا يوحي بأنه يمنع من ذلك (١). وهذه الملاحظة تُناقش بما يلي: ١ - بما سبق من الرد على الملاحظة الأولى ٢ - لم يقل الأشعري بهذا الكلام الذي أورده أصحاب هذا القول بأن الله لا يتكلم بكلام بعد كلام؟! فليس بالنص كلمة واحدة توافق هذا الحكم الذي ظهر لأصحاب هذا القول، بل النص الذي أورده الأشعري يقتضي بأن الله متكلم بالقديم وفي الحال وفي المستقبل، لأنه جعل ضد الكلام السكوت، بل لو جعل أصحاب هذا القول الخلل عند الأشعري نفيه لصفة السكوت لكانوا قد أصابوا كبد الحقيقة. ٣ - ليس شرطاً على الأشعري أنه كلما أثبت صفة الكلام أثبت جميع لوازم هذه الصفة؛ لأن لكل استدلالٍ ما يناسبه، فهو هنا في مقام إثبات صفة الكلام وبأنه غير مخلوق وليس بصدد بيان صفة الكلام ومقتضيات الصفة؛ لأنه هنا يناقش خصوماً يرون بأن القرآن ليس كلام الله وبأنه مخلوق.

стр. 195

٤ - الدليل القرآني الذي استدل به الأشعري في هذا المقام على أن الله لم يزل متكلماً وهو قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿قُلْ لَوْ … كَانَ … الْبَحْرُ … مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [آية ١٠٩] هو نفس الدليل الذي استدل به السلف بأن الله لم يزل متكلماً (١). وهذا الدليل يستدل به من يرى استمرار صفة الكلام وعدم انقطاعها ولا يستدل به من يره الكلام القديم. ٥ - أن الإمام الأشعري قد وصف الله بأنه لا يزال متكلماً باعتبار الكلام المتجدد والمستمر صفة كما يتصف الله تعالى بها. ثم نزه ربه سبحانه - عن صفة النقص التي تتمثل - كما قال الأشعري - في وصفه - تعالى - بالسكوت أو عدم الكلام أو الآفة التي تمنع عن الكلام .. فلو أنه ﵀ قد وصف ربه بصفة الكلام الذاتي الذي لا يتجدد ولا يستمر، لتحقق فيه - تعالى الله - ما اعتبره الأشعري صفة نقص وآفة وهو السكوت عن الكلام، أو عدم الكلام. فكلام الشيخ الأشعري ﵀ واضح في أنه سبحانه إذا لم يكن متكلماً فهو موصوف بالسكوت أو الآفة. وكلاهما صفة نَقْصٍ يتنزه الله عنها. وهذا النقص الذي نزه الأشعري ربنا عنه.

стр. 196

٦ - الذي يظهر أن مقصود الأشعري بالسكوت الذي نزه الله عنه هو السكوت الدائم بعد الكلام القديم ولا يظهر لي أن قصده أن الله لا يتصف بصفة السكوت التي أجمع عليها السلف فثمة فرق بين مقصده بالسكوت وما أجمع عليه السلف بأن الله يوصف بالسكوت وبأنه صفة من صفات الله الفعلية الاختيارية المتعلقة بمشيئته ولا يوجد ثمة تعارض بين إثبات صفة السكوت وبين إثبات صفة الكلام، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع بأن الله يوصف بالسكوت (١). ٧ - استدلاله ﵀ بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ … كَانَ … الْبَحْرُ … مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ … قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ (٢) دليل على ان كلام الله ليس قديماً ولا منتهياً؛ فهو عنده غير منتهى، وهذا مخالف لما عليه بعض متأخري الأشاعرة والكلابية، ومن وافقهم. الملاحظة الثالثة: والأشعري يقول: إن إرادة الله أَزَلِيَّةٌ، ولا يجعلها من صفات الأفعال بأنه يريد في وقت دون وقت، ويقرن الإرادة بالكلام في هذا الباب كما يربطهما جميعاً بالعلم، فكما أن علم الله صفة لذاته وأنه أزلي وأنه لا يجوز أن يقال علم بعد أن لم يكن عالماً

стр. 197

لأنه يدل على وصف الله بالنقص، فكذلك الإرادة والكلام، يقول في الإبانة: (يقال لهم [أي للمعتزلة]: ألستم تدعون أن الله تعالى لم يزل عالماً؟ فمن قولهم: نعم، قيل لهم: فلم لا قلتم: إن مالم يزل عالماً أنه يكون في وقت من الأوقات لم يزل مريداً أن يكون في ذلك الوقت، ومالم يزل عالماً أنه لا يكون فلم يزل مريداً أن لا يكون، وإنه لم يزل مريداً أن يكون ما علم كما علم؟ (١). ثم قال: (فإن قالوا: لا يجوز أن يكون علم الله محدثاً، لأن من لم يكن عالماً ثم علم لحقه النقصان، قيل لهم: ولما لا يجوز أن تكون إرادة الله محدثة مخلوقة، لأن من لم يكن مريداً ثم أراد لحقه النقصان، وكما لا يجوز أن تكون إرادته تعالى محدثة مخلوقة كذلك لا يجوز أن يكون كلامه محدثاً مخلوقاً (٢)، ثم قالوا: وقد يَتَبَادَرُ إلى الذهن أنه قصد الرد على من قال بخلق القرآن - وهذا حق - لكنه قصد أيضاً المنع من أن الله يتكلم بكلام بعد كلام بإرادته ومشيئته، وأن الله يريد إذا شاء، متى شاء وعلل ذلك بأنه يلزم منه أن يلحقه النقصان (٣). الرد على هذه الملاحظة من وجوه:

стр. 198

١ - لقد استقر فيما يظهر لي عند أصحاب هذا القول أن الأشعري يرى بأن كلام الله قديم وبأنه غير متكلم متى شاء، كيف شاء، وتقرر ذلك عندهم، مما جعلهم يحملون جميع ما يذكره الأشعري بناء على هذا الحكم المسبق الذي استقوه من كتبه السابقة على الإبانة وإلا فالإمام الأشعري في هذا النص الذي نقله أصحاب هذا القول لم يذكر فيه الإمام الأشعري أن إرادة الله أزلية، ولم ينف أنها من صفات الأفعال بل أراد أن يثبت صفة الإرادة مع قوم ينفون هذه الصفة، فقياسه صفة الإرادة بصفة العلم والكلام عائد عنده إلى محاكمتهم بالمتفق عليه حتى يؤمنوا بالمختلف فيه. وليس مقصوده في هذا القياس المطابقة من كل وجه كما سبق بيانه والله أعلم. ٢ - فهم أصحاب هذا القول بأنه قد يتبادر إلى الذهن أنه قصد الرد على من قالوا بخلق القرآن، ثم قالوا: وهذا حق (١). قلت: فطالما أنهم فهموا بأن هذا هو المتبادر إلى الذهن، وبأن المتبادر إلى الذهن من قول الأشعري حق، فلما لم يكتفوا بهذا الحق؟ خاصة وأن هذا الحق واضح وَجَلِيٌّ وتم الوصول إليه بلا تكلف، والإنسان دائماً يبحث عن ما فيه الاعتذار لأخيه المسلم، فكيف لإمام من أئمة أهل الإسلام؟! فليتهم اكتفوا بهذا الحق دون أن يبحثوا عما يصرفهم

стр. 199

عن هذا المحمل الطيب الذي ألجأهم إلى ربط كلام الأشعري في الإبانة بكلامه في رسالته إلى أهل الثغر التي قالها في مرحلة التوسط فكان عليهم أن يُجْرُوا كلام الأشعري على ظاهره خاصة وأن المتبادر إلى الذهن من كلامه هو موافقته للسلف في هذه المسألة وهو استخدام هذا الدليل بالرد على من قال بخلق القرآن، ومن هنا يتجلى أن هذه الملاحظة التي أوردها أصحاب هذا القول مبنية على حكم مسبق استقر عندهم بسبب إلمام بعضهم بكتب الأشعري السابقة، ولذا تجدهم يربطون بين كلام الأشعري في هذا الكتاب بكلامه في كتبه السابقة وهذا كما قلت هو المنهج الحق بالأصل لكن مع غير الإمام الأشعري وكتابه الإبانة لأن الأشعري في كتابه هذا استقر على منهج السلف الصالح أما لو كان الأشعري غير مُغَيِّرٍ لمنهجه أو أن أصحاب هذا القول لا يرونه مر بثلاثة أطوار لكان معهم هنا الحق فيما توصلوا إليه، خاصة وقد أرشد أهل العلم إلى ذلك بأن الحكم على الشخص يكون من خلال جميع كتبه (١). أما الأشعري فالإبانة هي آخر ما كتب ونقض فيها الكثير مما أورده في

стр. 200

كتبه السابقة فما سطره بها هي ما استقر عليه مذهبه، فلا حاجة هنا إلى الرجوع إلى كتبه السابقة لمعرفة عقيدته التي استقر عليها. الملاحظة الرابعة: ذكر أصحاب هذا القول بأن: الرضا والغضب، عند الكلابية: أزليان، ولذلك التزموا بالقول بالموافاة، ومقتضاهما أن الله لم يزل راضياً عمن يعلم أنه يموت مؤمناً، وإن كان أكثر عمره كافراً، ساخطاً على من يعلم أنه يموت كافراً، وإن كان أكثر عمره مؤمناً ثم بين أصحاب هذا القول بأن معناه: بأن الله لم يزل راضياً عن الصحابة، حتى وهم قبل إسلامهم يقاتلون المسلمين، ويشركون بالله، ورضاه عنهم أزلي، وكذلك العكس، وهذا حتى لا يقولوا بتجدد الحوادث في ذاته، تعالى إذا قيل إنه كان ساخطاً على هذا ثم رضي عنه، ثم نقلوا قول الأشعري في الإبانة (ثم يقال لهم: إن كان غضب الله مخلوقاً، وكذلك رضاه وسخطه. فإن قلتم لا. قلتم: إن كلامه غير مخلوق؟ ومن زعم أن غضب الله مخلوق لزمه أن غضب الله وسخطه على الكافرين يفنيان، وإن رضاه عن الملائكة والنبيين يفنى حتى لا يكون راضياً عن أوليائه، ولا ساخطاً على أعدائه، وهذا الخروج عن الإسلام (١). قال بعدها أصحاب هذا القول: «قول الإمام الأشعري: (لزمه أن غضب الله وسخطه على الكافرين يفنيان) (٢) هذا

стр. 201

عنده خاص فيمن عُلم أنه يموت كافراً، أما الإنسان لو عاش سنين طويلة كافراً ثم أسلم ومات على إسلامه، فهذا - عند الأشعري - لا يجوز أن يقال إن الله كان ساخطاً عليه في وقت كفره، ثم رضي عنه لما أسلم، وإنما يقال: إن الله لم يزل راضياً عنه حتى في حال كفره لأنه علم أنه يموت مؤمناً، وهذا بناء على أصله الكلابي (١). الرد على هذه الملاحظة: ١ - الذي يظهر هنا أن الأشعري في هذا النص ليس بصدد تقرير عقيدة الموافاة فعقيدة الموافاة ما قال بها الأشعري في هذا النص قط ولم يَتَفَوَّه بها. ٢ - أن المتأمل في هذا النص يجعله يحكم بأن الأشعري يهدم عقيدة الموافاة لأنها عقيدة بدعية قد تقتضي الخروج عن الإسلام وكما قال أبو محمد بن حزم في تعريفها قائلاً: (اختلف المتكلمون في معنى عبروا عنه بلفظ الموافاة وهو أنهم قالوا في إنسان مؤمن صالح مجتهد في العبادة ثم مات مرتداً كافراً وآخر كافراً متمرداً أو فاسقاً ثم مات مسلماً تائباً: كيف كان حكم كل واحد منهما قبل أن ينتقل إلى ما مات عليه عند الله تعالى؟ ثم بين بأن الأشاعرة يذهبون إلى أن الله لم يزل راضياً عن الذي مات مسلماً تائباً، ولم يزل ساخطاً

стр. 202

على الذي مات كافراً أو فاسقاً ثم ذكر بأنهم احتجوا بأن الله لا يتغير علمه، ولا يرضى ما سخط، ولا يسخط ما رضي، لأن الرضى والسخط عند الأشاعرة من صفات الذات لم يزالا ولا يتغيران، ثم بين بأن هذا المذهب مخالف لما عليه سائر أهل الإسلام وشبَّه ابن حزم احتجاج الأشاعرة هنا باحتجاج اليهود في إبطال النسخ ثم شرع في الرد على هذه العقيدة الفاسدة بمالا نظير له (١) .. قلت: فهل في كلام الأشعري ما يدل على أنه يقول بهذه العقيدة، بل المدقق في كلامه يجعله يعتقد بأنه مخالف لها؛ لأنه جعل أن من اعتقد بمعتقد المعتزلة يقوده اعتقاده هذا إلى أن رضا الله وسخطه يفنيان، وهذا ليس له علاقة بعقيدة الموافاة التي ترى استمرار الرضا والسخط ففرق بين هذا وذاك، بل نجد الأشعري في كتاب المقالات ينسب هذه العقيدة الضالة إلى ابن كُلاب، وهو يفرق في المقالات بين جملة أقوال أصحاب عبدالله بن سعيد بن كلاب وبين أهل الحديث، فنجده في المقالات يقول: قال عبدالله بن كلاب: لم يزل الله راضياً عمن يعلم أنه يجوز مؤمناً وإن كان أكثر عمره كافراً … إلخ (٢). فأنت تلحظ هنا أنه نسب القول بالموافاة لابن كلاب، وأخرجها من جملة أقوال أصحاب الحديث التي يؤمن بها، ومن

стр. 203

عرف قاعدة الأشعري ومنهجه في المقالات عرف أنه يورد أقوال المخالفين جملة، وقد يكون في أقوالهم بعض الحق، ثم يورد أقوال أهل السنة الموافقة لهم، فإذا أورد قولاً لأهل البدع، ثم أورد أقوال أهل السنة ولم يورد ذلك القول الذي أورده من جملة أقوال المبتدعة علم أن ذلك القول لا يُعد عنده من أقوال أهل السنة، ولذا لم يورد عقيدة الموافاة من اعتقادات أهل السنة، مع أنه أوردها من ضمن اعتقادات أصحاب ابن كُلاب. فهل بعد هذا يجوز أن ينسب له القول بهذه العقيدة الفاسدة؟. ٣ - ذهب أصحاب هذا القول إلى أن هذا عند الأشعري خاص فيمن عُلم أنه يموت كافراً أما الإنسان لو عاش سنين طويلة كافراً ثم أسلم ومات على إسلامه فهذا عند الأشعري لا يجوز أن يُقال إن الله كان ساخطاً عليه في وقت كفره (١) .. قلت: فما أدري من أين جاء أصحاب هذا القول بهذا التفصيل؟ وما الذي جعلهم يحملون كلام الأشعري على هذا المقتضى بل وقادهم هذا الفهم بأن يجعلوا مقصد الأشعري فيمن عُلم أنه يموت كافراً، مع أن الأشعري ﵀ لم يتطرق إلى هذا التفصيل ولم يفرق بين الحالات، بل هذا الذي فهمه أصحاب هذا القول هو على خلاف ما ساقه الأشعري

стр. 204

فيما يظهر لي، لأن الأشعري قال بأن قول المعتزلة يقتضي فناء سخط الله ورضاه وبيَّن أن هذا هو الخروج عن الإسلام، فما علاقة هذا الكلام بعقيدة الموافاة؟ ٤ - كلام الإمام الأشعري في هذا الباب هو في معرض تقرير أن كلام الله غير مخلوق وأثبت هذا بحجة عقلية وليس بصدد تقرير عقيدة الموافاة أو نفيها ففرق بين هذا وذاك خاصة وأن كلامه الذي نقل منه أصحاب هذا القول لو لم يقتطع منه هذا الجزء لتجلى بوضوح أن غرض الأشعري من إيراد هذا الاستدلال هو إثبات صفة الكلام. الملاحظة الخامسة: ذكر أصحاب هذا القول أن المعتزلة استدلوا على قولهم بأن القرآن مخلوق بقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)﴾ (١) [الأنبياء: ٢]. ثم نقلوا إجابة الأشعري على هذه الآية بقوله الذكر الذي عناه الله ليس هو القرآن، بل هو كلام الرسول ﷺ ووعظه إياهم (٢) فعقب أصحاب هذا القول بقولهم: (والذي دعاه إلى هذا التأويل البعيد خوفه من أن يوصف القرآن بأنه محدث، والحدوث: في اصطلاح أهل الكلام بمعنى الخلق، فالمحدث هو المخلوق،

стр. 205

وهذا هو الذي فر منه الأشعري، لكن الحدوث في لغة العرب يكون بمعنى التجدد، فيسمون ما تجدد حادثاً، وما تقدم على غيره قديماً، فلماذا لم يفسر الأشعري هذه الآية بالمعنى الثاني وهو أن المقصود به القرآن؟ ولا يقتضي ذلك أن يكون مخلوقاً، وقد بوب الإمام البخاري في صحيحه لذلك فقال: (باب قول الله تعالى: ﴿كُلَّ … يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩]، ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق: ١]، وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾. [الشورى: ١١]، وقال ابن مسعود (١)، عن النبي ﷺ : «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث، أن لا تكلموا في الصلاة» (٢)، ثم قالوا وهذا بناء على قول أهل السنة: إن الله يتصف

стр. 206

بالصفات الاختيارية، وإن من صفات كماله تعالى أنه لم يزل متكلماً إذا شاء، وهذا الذي قال به الإمام أحمد والبخاري وغيرهما وردوا على الكلابية الذين ينكرون هذا (١). ثم قال أصحاب هذا القول: والظاهر أن تأويل الأشعري للآية ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] اشتهر عند الأشاعرة الذين التزموا هذا الأصل (٢). الرد على هذه الملاحظة ١ - لاشك بأن القول الراجح في تفسير الآية بأنه القرآن، ولكن من حق الأشعري كإمام أن يختار القول الراجح عنده من بين هذه الأقوال؛ لأن القول بأن المقصود بالذكر هنا السنة، ليس تأويلاً كما ذكروا بل هو القول الثاني لأهل السنة، أورده أئمة من أئمة أهل السنة عند تفسيرهم للآية، فمثلاً الإمام البغوي ذكر عند تفسيره للآية بأنه القرآن ثم قال: وقيل الذكر المحدث ما قاله النبي ﷺ وبينه من السنن والمواعظ (٣). كذلك فعل الإمام أبو المظفر

стр. 207

السمعاني في تفسيره (١). فلو كان تأويلاً ما ذكراه من دون أن ينكراه. ٢ - لماذا حكم أصحاب هذا القول على الأشعري أنه رجح هذا القول فراراً من أن يقول بالصفات الفعلية؟ ولماذا جعلوا اختيار هذا القول تأويلاً للآية عند الأشعري. مع أن هذا القول هو القول الثاني عند أهل السنة؟ فهل يُوصف كل من اختار القول الثاني ـ بأنه السنة ـ بأنه مؤول؟! لا أعتقد أن أصحاب هذا القول يحكمون على كل من اختار هذا القول بأنه مؤول بل هو قول وجيه مع من اختاره حجة. ثم هناك ثمة تساؤل! هل فعلاً الأشعري لا يقول بالصفات الفعلية الاختيارية كما ذكر أصحاب هذا القول؟ ولذا يفر من كل ما يقتضي إثبات صفات الأفعال؟ الجواب: لا. بل الأشعري مُثْبتٌ للصفات الفعلية الاختيارية وقد شهد بذلك له شيخ الإسلام، حيث قال: بعد ما ذكر الأشعري آيات سورة النجم ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٨ - ٩] حيث أثبت شيخ الإسلام عند هذا الموضع بأن الأشعري من القائلين بالصفات الفعلية الإختيارية عندما قال ﵀: واستدلاله بهذه الآيات - يعني الأشعري في الإبانة - يدل على أن الله فوق العرش عنده ويقتضي كلامه هذا أن الله عنده هو الذي يأتي ويجيء إذ لولا ذلك لم يصح الدليل

стр. 208

كما تقدم (١). وقال أيضاً وهذا صريح في أن قربه إلى خلقه عنده - أي الأشعري - من الصفات الفعليه، حيث قال كيف يشاء. والقرب بالعلم والقدرة لايجوز تعليقه بالمشيئة، لأن علمه، وقدرته من لوازم ذاته، فهذا من اتفاق عامة الصفاتية على إثبات قرب الخلق إلى الله وقربه إليهم، وهذا (الذي) قاله الأشعري وحكاه عن أهل السنة، تلقاه عن زكريا بن يحيى الساجي وغيره من أئمة البصريين، وهذا اللفظ الذي ذكره في القرب محفوظ عن حماد بن زيد إمام أهل السنة في عصر مالك والثوري (٢) (٣). وقال شيخ الإسلام أيضاً: (بعد قول الأشعري أن الله رفع عيسى): فهذه دلالة الأشعري، وهو من أكبر أئمة المتكلمين الصِّفاتيَّة،

стр. 209

تصرح بأنه كان يثبت أن الله نفسه تأتيه عباده ويأتي عباده، مع قوله بأنه ليس بجسم، وكذلك أبو محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب قبله وغيرهما. فإذا كان هؤلاء يقررون هذا التقرير، فكيف بمن لا ينفي الجسم ولا يثبته، أو بمن يثبته؟! وهذا الاستدلال منه ومن غيره من علماء الأمة وسلفها بهذه الأحاديث على أن الله فوق، يبين أن نزول الرب عندهم، ليس مجرد نزول شيء من مخلوقاته، مثل ملائكته، أو نعمته أو رحمته، ونحو ذلك، إذ لو كان المراد بهذا الحديث عندهم: هو نزول بعض المخلوقات لم يصح الاحتجاج به، على أنه فوق العرش، فإن ذلك يكون كإنزال المطر، وخلق الحيوان، وذلك مما لايستدل به على مسألة العرش، كما يستدل بقوله: (ينزل ربنا) فلما استدلُّوا بقوله: (ينزل ربنا) علم أنهم كانوا يقولون: إن الله هو الذي يُنزل لتستقيم الدلالة. ولهذا كل من أنكر أن الله فوق العرش، لا يمنع أن الله ينزل - ذلك الوقت - بعض المخلوقات (١). قلت: بل صرح الأشعري كما في المقالات بالمجيء والنزول، حيث قال عند ذكر مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث جملةً: ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن الرسول ﷺ «إن الله ينزل إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر؟» (٢) كما جاء في الحديث، وَيُقِرُّونَ أن الله يجئ

стр. 210

يوم القيامة كما قال ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (١) وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء، قال -تعالى- ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ … مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ (٢) إلى أن قال: فهذه جملة مما يأمرون به ويستعملونه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب وما توفيقنا إلا بالله (٣). فهل يقال بعد هذه الشهادة من شيخ الإسلام ابن تيمية والمدعومة بالدليل بأن الأشعري ليس من القائلين بالصفات الفعلية؟ والذي أظنه وأعتقده أن الذي دفع أصحاب هذا القول إلى إبداء هذه الملاحظات عدم ثبوت قول الأشعري بالصفات الفعلية عندهم، ولعل إيراد هذه النقول عن شيخ الإسلام دافع للتأمل وإعادة النظر فيما ذكره الأحياء من أصحاب هذا القول من ملاحظات على الإبانة خاصة وأن هذه الملاحظات التي أوردوها وذكروا بأنها مخالفة لأهل السنة لم يتطرق إليها علماء أفذاذ، كشيخ الإسلام ابن تيمية الذي نقل من الإبانة كثيراً (٤)، ولم يجعلها مخالفة

стр. 211

لأقوال أهل السنة. وما ذكرته لا يعني الانتقاص أبداً من قدر ومقام أصحاب هذا القول بل هو بحث علمي يسعى من خلاله الجميع إلى ذكر ما يدينون به الرب جل وعلا والحق أحق أن يتبع، مع التأكيد على أن أصحاب هذا القول متفقون مع القول السادس ـ إلى حد كبير ـ؛ لأنهم أثبتوا أنه مر بالتوسط لوجود اللمع والمقالات وغيرها، فلم يجعلوا رجوعه كلياً للسلفية ثم أثبتوا الإبانة، ولكن لوجود بعض المخالفات لمنهج أهل السنة والجماعة فيها، كما ظهر لهم ما جعلهم يتجهون لهذا القول، وأن إقرارهم ـ من وجهة نظرهم ـ برجوعه الكلي يقتضي نسبة هذه الأقوال لمنهج السلف وهذا خطأ جسيم ـ عندهم ـ، ورفض الإبانة كلياً خطأ أكبر، فأقروا برجوعه إلى السلف مع وجود بقايا اعتزالية عنده، من وجهة نظرهم ـ وهو إلى أهل السنة والحديث أقرب ـ عندهم ـ فهو سلفي من أهل الحديث ولكن ما عنده من أخطاء ينبه عليها. ولكن يُعاب عليهم أنهم جعلوه في صفة الكلام مخالف لأهل السنة، والمخالفة في صفة الكلام مخالفة في الأصول مع أنه موافق كما ظهر في هذا الأصل لأهل السُّنة؛ بل لو كان في صفة الكلام مخالفاً لأهل السنة لحُكم عليه من السلف بأنه لم يسلك إلا طوراً واحداً، والله أعلم.

стр. 212

القول السادس: إن الأشعري مر بعد طور الاعتزال بطورين: أ ـ التوسط والسير على طريقة ابن كلاب وألف في ذلك كتبه المختلفة كاللمع، والمقالات. ب ـ رجوعه أخيراً إلى مذهب السلف، من خلال تأليفه كتاب الإبانة. وهذا قول عدد كبير من أهل العلم منهم: ١ ـ شيخ الإسلام ﵀ حيث قال: وكنت أقرر هذا للحنابلة وأبين أن الأشعري وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب فإنه كان تلميذ الجبائي، ومال إلى طريقة ابن كلاب، وأخذ عن زكريا الساجي أصول الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنابلة بغداد أموراً أخرى، وذلك آخر أمره كما ذكره هو وأصحابه في كتبهم (١). ووضح قوله في هذه القضية أكثر عندما قال: وأبو الحسن الأشعري عندما رجع عن مذهب المعتزلة سلك طريقة ابن كلاب، ومال إلى أهل السنة والحديث، وانتسب إلى الإمام أحمد، كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها كالإبانة، والموجز، والمقالات، وغيرها، وكان مختلطاً بأهل السنة والحديث كاختلاط المتكلم بهم (٢). فشيخ الإسلام هنا أقر بانتساب الأشعري

стр. 213

للإمام أحمد وبين أنه مال إلى أهل السنة، وهذا دليل على أنه من أهل السنة. وقد يقول قائل: إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال في موضع آخر: والأشعري وأمثاله برزخ بين السلف والجهمية. أخذوا من هؤلاء كلاماً صحيحاً ومن هؤلاء أصولاً عقلية ظنوها صحيحة وهي فاسدة. فمن الناس من مال إليه من الجهة السلفية، ومن الناس من مال إليه من الجهة البدعية الجهمية (١). وقوله: «وكذلك سائر أهل السنة والحديث يقولون: إن هذا تناقض ـ أي كلام الأشعري ـ، وإن هذه بقية عليه من كلام المعتزلة» (٢). وقال في موطن آخر بوجود بعض البقايا عند الأشعري عندما قال: وأما مسألة قيام الأفعال الاختيارية به: فإن ابن كلاب والأشعري وغيره ينفونها، وعلى ذلك بنوا قولهم في مسألة القرآن (٣)، وبسبب ذلك وغيرهم تكلم الناس فيهم في هذا الباب بما هو معروف في كتب أهل العلم، ونسبوهم إلى البدعة وبقايا بعض الاعتزال فيهم (٤). وهنا أكد ﵀ على أن الأشعري بقيت عليه بقايا اعتزالية. لأن أئمة السنة ينكرون على ابن كلاب والأشعري بقايا من

стр. 214

التَّجَهُّمِ والاعتزال. وإنكار اتصاف الله بالأفعال القائمة التي يشاؤوها، ويختاروها، وأمثال ذلك من المسائل التي أشكلت على من كان أعلم من الأشعري بالسنة والحديث وأقوال السلف والأئمة (١). قلت: والذي يظهر لي بأن شيخ الإسلام ﵀ يتحدث هنا عن الطور الثاني الذي مر به الأشعري لسببين: السبب الأول: لأنه هنا أنكر على الأشعري عدم قوله بالصفات الفعلية وذكر في موطن آخر أن الأشعري من القائلين بالصفات الفعلية واستشهد على هذا بما ذكره الأشعري في الإبانة في مسألة القرب وربطه له بالمشيئة، حيث قال شيخ الإسلام معلقاً على ما ذكر الإمام الأشعري في مسألة القرب مستدلاً بآيات سورة النجم ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٨ - ٩] واستدلاله بهذه الآيات - يعني الأشعري في الإبانة - يدل على أن الله فوق العرش عنده، ويقتضي كلامه هذا أن الله عنده هو الذي يأتي ويجيء، إذ لولا ذلك لم يصح الدليل كما تقدم (٢). وقال أيضاً: وهذا صريح في أن قربه إلى خلقه عنده - أي الأشعري - من الصفات الفعلية، حيث قال كيف يشاء. والقرب بالعلم والقدرة لا يجوز تعليقه بالمشيئة، لأن علمه، وقدرته من لوازم ذاته، فهذا من اتفاق عامة الصفاتية على إثبات قرب الخلق إلى الله

стр. 215

- وقربه إليهم، وهذا الذي قاله الأشعري وَحَكَاهُ عن أهل السنة، تلقاه عن زكريا بن يحيى الساجي وغيره من أئمة البصريين وهذا اللفظ الذي ذكره في القرب محفوظ عن حماد بن زيد (١) إمام أهل السنة في عصر مالك والثوري (٢). قلت: فهنا شهد ابن تيمية للأشعري بأنه من القائلين بصفات الأفعال الاختيارية، وهذا دليل واضح بأن شيخ الإسلام عندما انتقد الأشعري كان يتكلم عن مرحلة التوسط التي مر بها الأشعري وهي أشهر مراحلة، وهي التي أكثر فيها التصنيف والتأليف؛ لأن ذكر في موضع أن الأشعري لا يقول بصفات الأفعال الاختيارية وهنا يقول بها. السبب الثاني: توضيح شيخ الإسلام السبب الذي من أجله وصف الإمام الأشعري بأن لديه بقايا كلامية، حيث ذكر شيخ الإسلام: بأن ما ذكره الأشعري واستدل به على حدوث محل الصفات والأعراض، يقصد من
следующие страницы →