لأقوال أهل السنة. وما ذكرته لا يعني الانتقاص أبداً من قدر ومقام أصحاب هذا القول بل هو بحث علمي يسعى من خلاله الجميع إلى ذكر ما يدينون به الرب جل وعلا والحق أحق أن يتبع، مع التأكيد على أن أصحاب هذا القول متفقون مع القول السادس ـ إلى حد كبير ـ؛ لأنهم أثبتوا أنه مر بالتوسط لوجود اللمع والمقالات وغيرها، فلم يجعلوا رجوعه كلياً للسلفية ثم أثبتوا الإبانة، ولكن لوجود بعض المخالفات لمنهج أهل السنة والجماعة فيها، كما ظهر لهم ما جعلهم يتجهون لهذا القول، وأن إقرارهم ـ من وجهة نظرهم ـ برجوعه الكلي يقتضي نسبة هذه الأقوال لمنهج السلف وهذا خطأ جسيم ـ عندهم ـ، ورفض الإبانة كلياً خطأ أكبر، فأقروا برجوعه إلى السلف مع وجود بقايا اعتزالية عنده، من وجهة نظرهم ـ وهو إلى أهل السنة والحديث أقرب ـ عندهم ـ فهو سلفي من أهل الحديث ولكن ما عنده من أخطاء ينبه عليها. ولكن يُعاب عليهم أنهم جعلوه في صفة الكلام مخالف لأهل السنة، والمخالفة في صفة الكلام مخالفة في الأصول مع أنه موافق كما ظهر في هذا الأصل لأهل السُّنة؛ بل لو كان في صفة الكلام مخالفاً لأهل السنة لحُكم عليه من السلف بأنه لم يسلك إلا طوراً واحداً، والله أعلم.
стр. 212
القول السادس:
إن الأشعري مر بعد طور الاعتزال بطورين:
أ ـ التوسط والسير على طريقة ابن كلاب وألف في ذلك كتبه المختلفة كاللمع، والمقالات.
ب ـ رجوعه أخيراً إلى مذهب السلف، من خلال تأليفه كتاب الإبانة. وهذا قول عدد كبير من أهل العلم منهم:
١ ـ شيخ الإسلام ﵀ حيث قال: وكنت أقرر هذا للحنابلة وأبين أن الأشعري وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب فإنه كان تلميذ الجبائي، ومال إلى طريقة ابن كلاب، وأخذ عن زكريا الساجي أصول الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنابلة بغداد أموراً أخرى، وذلك آخر أمره كما ذكره هو وأصحابه في كتبهم (١). ووضح قوله في هذه القضية أكثر عندما قال: وأبو الحسن الأشعري عندما رجع عن مذهب المعتزلة سلك طريقة ابن كلاب، ومال إلى أهل السنة والحديث، وانتسب إلى الإمام أحمد، كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها كالإبانة، والموجز، والمقالات، وغيرها، وكان مختلطاً بأهل السنة والحديث كاختلاط المتكلم بهم (٢). فشيخ الإسلام هنا أقر بانتساب الأشعري
стр. 213
للإمام أحمد وبين أنه مال إلى أهل السنة، وهذا دليل على أنه من أهل السنة. وقد يقول قائل: إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال في موضع آخر: والأشعري وأمثاله برزخ بين السلف والجهمية. أخذوا من هؤلاء كلاماً صحيحاً ومن هؤلاء أصولاً عقلية ظنوها صحيحة وهي فاسدة. فمن الناس من مال إليه من الجهة السلفية، ومن الناس من مال إليه من الجهة البدعية الجهمية (١). وقوله: «وكذلك سائر أهل السنة والحديث يقولون: إن هذا تناقض ـ أي كلام الأشعري ـ، وإن هذه بقية عليه من كلام المعتزلة» (٢). وقال في موطن آخر بوجود بعض البقايا عند الأشعري عندما قال: وأما مسألة قيام الأفعال الاختيارية به: فإن ابن كلاب والأشعري وغيره ينفونها، وعلى ذلك بنوا قولهم في مسألة القرآن (٣)، وبسبب ذلك وغيرهم تكلم الناس فيهم في هذا الباب بما هو معروف في كتب أهل العلم، ونسبوهم إلى البدعة وبقايا بعض الاعتزال فيهم (٤). وهنا أكد ﵀ على أن الأشعري بقيت عليه بقايا اعتزالية. لأن أئمة السنة ينكرون على ابن كلاب والأشعري بقايا من
стр. 214
التَّجَهُّمِ والاعتزال. وإنكار اتصاف الله بالأفعال القائمة التي يشاؤوها، ويختاروها، وأمثال ذلك من المسائل التي أشكلت على من كان أعلم من الأشعري بالسنة والحديث وأقوال السلف والأئمة (١). قلت: والذي يظهر لي بأن شيخ الإسلام ﵀ يتحدث هنا عن الطور الثاني الذي مر به الأشعري لسببين:
السبب الأول: لأنه هنا أنكر على الأشعري عدم قوله بالصفات الفعلية وذكر في موطن آخر أن الأشعري من القائلين بالصفات الفعلية واستشهد على هذا بما ذكره الأشعري في الإبانة في مسألة القرب وربطه له بالمشيئة، حيث قال شيخ الإسلام معلقاً على ما ذكر الإمام الأشعري في مسألة القرب مستدلاً بآيات سورة النجم ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٨ - ٩] واستدلاله بهذه الآيات - يعني الأشعري في الإبانة - يدل على أن الله فوق العرش عنده، ويقتضي كلامه هذا أن الله عنده هو الذي يأتي ويجيء، إذ لولا ذلك لم يصح الدليل كما تقدم (٢). وقال أيضاً: وهذا صريح في أن قربه إلى خلقه عنده - أي الأشعري - من الصفات الفعلية، حيث قال كيف يشاء. والقرب بالعلم والقدرة لا يجوز تعليقه بالمشيئة، لأن علمه، وقدرته من لوازم ذاته، فهذا من اتفاق عامة الصفاتية على إثبات قرب الخلق إلى الله
стр. 215
- وقربه إليهم، وهذا الذي قاله الأشعري وَحَكَاهُ عن أهل السنة، تلقاه عن زكريا بن يحيى الساجي وغيره من أئمة البصريين وهذا اللفظ الذي ذكره في القرب محفوظ عن حماد بن زيد (١) إمام أهل السنة في عصر مالك والثوري (٢). قلت: فهنا شهد ابن تيمية للأشعري بأنه من القائلين بصفات الأفعال الاختيارية، وهذا دليل واضح بأن شيخ الإسلام عندما انتقد الأشعري كان يتكلم عن مرحلة التوسط التي مر بها الأشعري وهي أشهر مراحلة، وهي التي أكثر فيها التصنيف والتأليف؛ لأن ذكر في موضع أن الأشعري لا يقول بصفات الأفعال الاختيارية وهنا يقول بها.
السبب الثاني: توضيح شيخ الإسلام السبب الذي من أجله وصف الإمام الأشعري بأن لديه بقايا كلامية، حيث ذكر شيخ الإسلام: بأن ما ذكره الأشعري واستدل به على حدوث محل الصفات والأعراض، يقصد من
стр. 216
خلاله أن هذه الطريقة تغني الناس عن تلك الطريقة الطويلة، الكثيرة المقدمات، الغامضة التي يقع فيها نزاع، فبحث الأشعري مع المعتزلة في هذه الطريقة من جنس بحوثه معهم في غير ذلك من أصولهم، فإنه يُبَيِّنُ تناقضهم، ويلزمهم فيما نفوه نظير ما يلزمونه لأهل الإثبات فيما أثبتوه، فيستفاد من مناظرته لهم معرفة فساد كثيرٍ من أصولهم، ولكن سلم لهم أصولاً وافقهم عليها، فقال جمهور طوائف العقلاء من أهل السنة والحديث وغيرهم، ومن المعتزلة: إن هذه مناقضة مخالفة لصريح المعقول. ولهذا من قال: بقيت عليه بقية من الاعتزال، وقالوا: إنه وافقهم على بعض أصولهم. وليس مراده بالأصول ما أظهروه من مخالفة السنة، فإن الأشعري مخالف لهم فيما أظهروه من مخالفة السنة، كمسألة الرؤيا، والقرآن (١)، والصفات. ولكن أصولهم الكلامية العقلية التي بنوا عليها الفروع المخالفة للسنة كالأصل الذي بنوا عليه حدوث العالم وإثبات الصانع، فإن هذا أصل أصولهم، ذكره الأشعري، لكنه مخالف لهم في كثير من لوازم ذلك وفروعه، وجاء كثير من أتباعه المتأخرين فوافقوا المعتزلة على موجبها، وخالفوا شيخهم أبا الحسن وأئمة أصحابه، فنفوا الصفات الخبرية، ونفوا العلو، وفسّروا الرؤية بمزيد علم لا ينازعهم فيه المعتزلة، وقالوا: ليس بيننا وبين المعتزلة خلاف في المعنى، وإنما خلافهم مع
стр. 217
المجسّمة، وكذلك قالوا في القرآن: إن القرآن، الذي قالت المعتزلة: إنه مخلوق، نحن نوافقهم على خلقه، ولكن ندَّعي ثبوت معنى آخر، وأنه واحد قديم (١).
السبب الثالث: ومما يدل على أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرى بأن رجوعه رجوعاً تاماً أنه نسب كتاب الإبانة ـ وهو آخر كتبه ـ لمنهج أهل السنة والجماعة وليس الإمام الأشعري ﵀ فحسب، بل جميع من اتبعوه على ما قاله في كتابه الإبانه، ولم يظهروا مقالة تناقض الإبانة وساروا في فلكه في هذا المضمار عُدّوا من أهل السنة. حتى قال شيخ الإسلام: «وأما من قال منهم بكتاب الإبانة الذي صنفه الأشعري في آخر عمره، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة (٢). بل قال ﵀ الإبانة صنفها الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك (٣)، وقال: «هو آخر كتبه، وقد صنفه في بغداد في آخر عمره لما زاد استبصاره بالسنة (٤). فكل هذه مؤكدات بأنه يرى بأن رجوعه كان تاماً.
السبب الرابع: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لم يذكر ملاحظة واحدة على الإبانة مع أنها أكثر كتب الأشعري التي نقل منها، محتجاً بها،
стр. 218
فدل هذا دلالة أكيدة على أنه يراها طوره الأخير. والخلاصة أن الحق أن يجمع شتات كلام شيخ الإسلام بعضه مع بعض حتى يُحكم على قوله الأخير، فتحمل نقوده التي وجهها للأشعري على ما كتبه في مرحلة التوسط؛ لأن ما كتبه الإمام الأشعري في تلك المرحلة، وفي ذلك الطور كثيراً جداً، بل هي التي انتشرت في الآفاق، وهي التي حاكمه عليها غالب العلماء، بعكس طوره الأخير الذي كان في آخر عمره؛ لذا لم يتمكن أن يؤلف فيه إلا مؤلفاً واحداً فقط وهو كتابه النفيس الإبانة؛ ولذا فإن علينا الفصل بين ما كتبه في مرحلة التوسط، وبين ما تكتبه في مرحلة الرجوع التام، والذي ثبت لي أن النقود التي وجهها شيخ الإسلام للأشعري هي لأقواله في مرحلة التوسط؛ لأنه نسب له مرة عدم القول بصفات الأفعال الاختيارية، ثم نسب له القول بها، ومعلوم بأن الإثبات مقدم على النفي. فيُعد هو المتأخر، ولا يمكن أن نصف شيخ الإسلام بأنه متناقض؛ بل يقال: نفى قول الأشعري بصفات الأفعال بناء على ما كتبه في مرحلة التوسط، ولما اطلع على الإبانة وثبت لديه بأنها آخر مؤلفات الأشعري وظهر له قوله فيها بصفات الأفعال أثنى عليه وشهد له بها، وهذا دليل على عدله وإنصافه ﵀.
٢ ـ وقد أيد هذا القول الإمام ابن القيم حيث قال ﵀: ولما رجع الأشعري عن مذهب المعتزلة سلك طريق ابن كلاب ومال إلى
стр. 219
أهل السنة والحديث، وانتسب إلى الإمام أحمد، كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها كالإبانة، والموجز، والمقالات وغيرها (١).
٣ ـ الإمام الذهبي: حيث قال: الأشعري كان معتزلياً ثم تاب، ووافق أصحاب الحديث في أشياء يخالفون فيها المعتزلة، ثم وافق أصحاب الحديث في أكثر ما يقولونه، فله ثلاثة أحوال: حال كان معتزلياً، وحال كان سنياً في بعض دون البعض، وكان في غالب الأحوال سنياً، وهو الذي علمناه من حاله، فرحمه الله وغفر له وسائر المسلمين (٢). وفي هذا الكلام ما يدل على أنه لا يراه قد رجع رجوعاً تاماً، ولكنه قال فيما بعد بأنه رجع ووافق أئمة الحديث في جمهور ما يقولونه، وهذا يقتضي الرجوع التام، حيث قال في العلو: «كان أبو الحسن أولاً معتزلياً أخذ عن أبي علي الجبائي ثم نابذه ورد عليه، وصار متكلماً لأهل السنة، ووافق أئمة الحديث في جمهور ما يقولونه، وهو ما سقناه عنه من أنه نقل إجماعهم على ذلك وأنه موافقهم، وكان يتوقد ذكاءً، أخذ علم الأثر عن الحافظ زكريا الساجي. فلو انتهى أصحابُنا المتكلمون إلى مقالة أبي الحسن هذه ولزموها لأحسنوا» (٣)، وهذا الكلام يدل دلالة واضحة أنه يرى بأن الأشعري مر بالأطوار الثلاثة، وبأن طوره الأخير هو الرجوع لأهل السنة
стр. 220
وموافقته لجمهور أهل الحديث في جمهور ما يقولونه.
٤ ـ الحافظ ابن كثير، حيث قال: ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة.
الحالة الثانية: إثبات الصفات العقلية السبع، وهي: الحياة، والعلم والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. وتأويل الخبرية، كالوجه، واليدين، والقدم، والساق، ونحو ذلك.
الحالة الثالثة: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جرياً على منوال السلف، وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخراً وشرحها الباقلاني ونقلها ابن عساكر، وهي التي مال إليها الباقلاني وإمام الحرمين (١) وغيرهما من أئمة الأصحاب المتقدمين في أواخر أقوالهم والله
стр. 221
أعلم (١).
٥ ـ الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (٢)، حيث قال ﵀ بأن الأشعري رجع عن مذهب المعتزلة، واعتنق مذهب أهل السنة من غير تحريف ولا تعطيل (٣). وهذا كلام واضح وصريح بأن الإمام ابن باز يرى بأن رجوعه كان رجوعاً تاماً.
٦ ـ محب الدين الخطيب (٤)، حيث قال: أبو الحسن علي بن إسماعيل، نشأ في أول أمره على الاعتزال، ثم أيقظ الله بصيرته فأعلن رجوعه عن ضلالة الاعتزال ومضى في هذا الطور الثاني نشيطاً يؤلف، ويناظر،
стр. 222
ويلقي الدروس في الرد على المعتزلة، سالكاً طريقاً وسطاً بين طريقة الجدل والتأويل، وطريقة السلف. ثم محض طريقته، وأخلصها لله بالرجوع الكامل إلى طريقة السلف. وقال في مكان آخر: إن أبا الحسن كانت له ثلاثة أطوار:
أولاها: انتماؤه إلى المعتزلة.
والثاني: خروجه عليهم، ومعارضته لهم بأساليب متوسطة بين أساليبهم ومذهب السلف.
والطور الثالث: انتقاله إلى مذهب السلف وتأليفه في ذلك كتاب الإبانة (١).
٧ ـ كما أَيَّدَ هذا القول: الشيخ محمد بن صالح العثيمين (٢). حيث قال في كتابه القواعد المثلى: إن أبا الحسن كان له مراحل ثلاث في العقيدة:
стр. 223
المرحلة الأولى: مرحلة اعتناق الاعتزال أربعين عاماً.
ثم مرحلة ثانية: بين الاعتزال المحض والسنة المحضة حيث سلك فيها طريق ابن كلاب.
ثم المرحلة الثالثة: وهي مرحلة اعتناق مذهب أهل السنة والحديث. مقتدياً بالإمام أحمد ﵀ كما قَرَّرَهُ في كتابه الإبانة عن أصول الديانة وهو من آخر كتبه أو آخرها (١).
٨ ـ حافظ حكمي، حيث بين أن الأشعري صنف الإبانة على قول أهل الحديث (٢).
٩ ـ إسماعيل الأنصاري (٣)، حيث بين أن الأشعري تاب من الاعتزال وألف الإبانة من دون تأويل ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل (٤).
١٠ ـ صالح بن فوزان الفوزان (٥)، حيث قال: استقر الأشعري بعد
стр. 224
الاعتزال على عقيدة السلف التي جاء بها القرآن وسنة النبي ﷺ (١).
١١ ـ حماد الأنصاري: حيث قال: ثبت ثبوتاً لا شك فيه ولا مرية أن أبا الحسن الأشعري استقر أمره أخيراً بعد أن كان معتزلياً على عقيدة السلف (٢).
١٢ ـ عبد الله شاكر الجنيدي محقق رسالة الأشعري إلى أهل الثغر: حيث قال: الأطوار التي مر بها الأشعري ثلاثاً، وذكر الطور الثالث، وذكر فيه أن الأشعري انتسب إلى الإمام أحمد وطابق كلامه كلامه في الصفات كصفة الكلام (٣). وبالجملة فهذا القول قال به عدد من أهل العلم وبعض المستشرقين (٤). ومستند هؤلاء الأعلام ما يلي:
الدليل الأول: أن الأشعري مَرَّ في طور الاعتزال عشرات السنين، وكان بعيداً كل البعد عن فهم مذهب السلف فرجع بعد الاعتزال إلى مرحلة
стр. 225
التوسط بين الاعتزال وأهل الحديث، ولم يكن في هذه المرحلة قد فهم منهج أهل الحديث كما ينبغي فألف في هذه الفترة بعض الكتب التي تابع فيها ابن كلاب، كاللمع، ثم بعد ذلك بان له الحق وانجلت عنه الظلمة فألف كتاب الإبانة. فالإنسان يغلب عليه التدرج شيئاً فشيئاً في تنقلاته، لأن الإنسان يتضح له الأمر شيئاً فشيئاً. وينتقل إليه خطوة خطوة، فالأشعري قد وصل إلى الحق على مراتب، فترك أولاً مذهب المعتزلة إلى مذهبه العقلي، ثم ترك أخيراً مذهبه العقلي إلى مذهب السلف، فأصاب الحق كله ومات مرضياً عنه (١). وقال باحث آخر: «من غير المعقول أن يتحول إنسان كائناً من كان، بين عشية وضحاها من عقيدة إلى عقيدة مضادة لها تماماً، وإنما يترك مذهب المعتزلة إلى مذهب كلامي أقل غلواً في تمجيد العقل وهو مذهب ابن كلاب، ثم يتخلص من كل الآثار الكلامية في آخر مراحل تطوره، فيتبنى المذهب السلفي ويؤلف كتاب الإبانة (٢).
الدليل الثاني: إن عدداً من علماء الكلام رجعوا في أواخر حياتهم عن مذاهبهم الكلامية واتبعوا ما قاله السلف محتذين بذلك حذو شيخهم من هؤلاء (٣):
стр. 226
أ ـ الغزالي (١) حيث ذكر ابن أبي العز الحنفي أن الغزالي ﵀ انتهى أمره إلى الوقف والحيرة في المسائل الكلامية ثم أعرض عن تلك الطرق وأقبل على أحاديث الرسول ﷺ فمات والبخاري على صدره (٢).
ب ـ كذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، حيث قال: لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن؛ اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣) ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (٤)، واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ … شَيْءٌ﴾ (٥)، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (٦). ثم قال:
стр. 227
«ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي» (١). وقال أبياته الشهيرة (٢):
نِهايةُ إقدمِ العُقولِ عِقالُ … وأكثر سعي العالمين ضلالُ
وأرواحنا في وحشةٍ من جُسومِنا … وحاصل دُنيانا أذىً ووَبالُ
ولم نَستفِد من بحثنا طول عُمِرنا … سِوى أن جمعنا فيه قِيلَ وقالوا
وكم مِنْ جِبالٍ قد عَلَتَ شُرُفاتِها … رِجالٌ فزالوا والجبالُ جِبالُ
وكم قد رَأينا من رجالٍ ودولةٍ … فبادُوا جميعاً مسرعين وزالوا
والحاصل أن عدداً من أساطين الفلاسفة وعلم الكلام رجعوا عن مذاهبهم الكلامية عند وفاتهم فلماذا يستغرب مثل هذا على الأشعري خاصة وأنه ألف كتاباً فيه عقيدته الموافقة في مجمله لأهل الحديث بل وأعلن قبل ذلك عن رجوعه صراحة.
الدليل الثالث: كيف يعقل أن يعلن رجل عرف بإمامته كالأشعري بأن قوله الذي يقول به وديانته التي يدين بها التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ثم يتراجع عنه، وهل الرجوع عن هذا الحق ـ لو كان حاصلاً ـ إلا رجوع ما قد فرّ
стр. 228
منه وهو التجهم والاعتزال.
الدليل الرابع: أنّ ما كتبه الأشعري في الإبانة لا يمكن أن ينسخه أي كتاب من كتبه إلا في حالين اثنين، وهما في غاية البطلان:
أ ـ أن يرجع عمَّا في الإبانة وهذا رجوع عمَّا في الكتاب والسنة، والأشاعرة يُقرون بأن ما في الإبانة هو الإثبات وبأنهم متأولة فإليك قول أحد رموز الأشاعرة في الأزمنة المتأخرة يقرون بأن الصورة السلفية التي عليها شيخ الإسلام ابن تيمية والوهابية والتي تجلت في الإبانة هي منهج الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ حيث قال حمودة غرابة: (بل إني أعتقد أن الصورة السلفية كما اعتنقها الصحابة والإمام أحمد وربما ابن تيمية والوهابيون لا يتعارض إلا قليلاً جداً مع مذهب الأشاعرة الذين أولوا هذه الأشياء؛ أعني الوجه واليدين والاستواء إلى غير ذلك، بالذات والقدرة والاستيلاء مثلاً (١). فهو هنا اعترف بأن متأخري الأشاعرة قد خالفوا الصحابة والإمام أحمد ـ وكفى بهذه حجة ـ فهذا اعتراف بأن الأشعري في الإبانة وافق الصحابة وابتعد عن فكرة التنزيه التي سلكها متأخرو الأشاعرة هرباً من التمثيل والتشبيه فوقعوا في التعطيل (٢).
ب ـ أو أن الرجل منافق ـ وحاشاه ذلك ـ في قوله أنه يأخذ بما دل
стр. 229
عليه الكتاب والسنة وهو لا يعتقد ذلك. وهذان الاحتمالان باطلان يقيناً ويجزم بذلك من يعرف سيرة الرجل وثناء العلماء عليه، بل كان الرجل في قمة انحسار المذهب الاعتزالي انتسب إليه ودافع عنه ونافح فلو كان منافقاً لما نصر الاعتزال أربعين عاماً من عمره وهم في مرحلة ضعف وانحسار.
الدليل الخامس: الأشعري في كتاب مقالات الإسلاميين يذكر باباً بعنوان: «هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة» وَيُورِدُ فيه عقيدة أهل الإثبات كما يراها أهل الحديث، وكما هي في الإبانة تماماً، ثم يعقب في النهاية عليها بقوله: «فهذه جملة ما يأمرون به وما يستعملونه ويرونه وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله. ثم ذكر عقيدة ابن كلاب في الباب الذي يلي هذا الباب فقال: «فأما أصحاب عبد الله بن سعيد القطان، فإنهم يقولون بأكثر مما ذكرناه عن أهل السنة» ثم لم يُعَقِّب بعد ذلك بانتسابه إلى عقيدته، كما فعل مع أصحاب الحديث وأهل السنة؛ لأن ابن كُلاب يستعمل التأويل (١). وأنت تَلْحَظُ عبارته التي ينفي فيها أن يكون بينه وبين ابن كلاب اتفاق تام، إذا قال: بأنهم يقولون بأكثر مما ذكرنا عن أهل السنة. وهذا يَدُلُّ على تركه طريقة ابن كُلاب.
стр. 230
الدليل السادس أدلة كون الإبانة آخر كتب الإمام الأشعري:
وذلك لأن اللمع يحكي انتسابه لابن كُلاب، وأما الإبانة فتدل على انتمائه للسلف، والإبانة هي آخر كتبه، وطالما أنها من آخر كتبه فهي تعبر عن منهجه، ومذهبه، وأدلة كون الإبانة هي آخر كتبه متعددة، فمنها مثلاً:
أولاً: ما ذكره ابن عساكر في قصة رجوع الأشعري: أنه عندما صعد على المنبر وأعلن رجوعه، ودفع بالكتب إلى الناس فمنها كتاب اللمع وكتاب أظهر فيه عوار المعتزلة سماه بكتاب كشف الأسرار وهتك الأستار وغيرهما (١). فأنت تَلْحَظُ هنا أن الأشعري قد ألف اللمع في مرحلة ما بعد الاعتزال مباشرة، وهذا دليل على أن الإبانة متأخرة عنه، وقد كتبت بعده لأنها قطعاً، ليست من مؤلفاته قبل الاعتزال وما قال أحد بذلك، ولم تكن من الكتب التي دفعها للناس بعد تحوله مباشرة، فدل ذلك على تَأَخُّرِ تأليفها.
ثانياً: أن الأشعري، لما ذكر مؤلفاته في كتابه العمد لم يذكر منها الإبانة، مع أن ابن فورك قد بَيَّنَ أن هذه المؤلفات التي أوردها في العمد ألفها إلى سنة عشرين وثلاثمائة. فلو كانت من ضمنها لذكرها، ولما أضاف ابن فُورك ما ألفه بعد ذلك لم يذكر من ضمنها الإبانة؛ لأسباب سَيَتمُّ التطرُّق لها في الفصل الخاص بالإبانة. وابن عساكر قد نقل نصوصاً
стр. 231
من الإبانة، وإن لم يذكرها ضمن ما اسْتَدْرَكَهُ على ابن فورك بسبب أنه نقل نصوصاً منها فرآها كافية لإثباتها ولبيان معرفته بها، بل هذا النقل منها أقوى من مجرد ذكر عنوان الكتاب بأسلوب السرد الخالي من التفصيل.
ثالثاً: أن من المؤكدات القوية أيضاً على تأخر تأليف كتاب الإبانة قصة الأشعري مع البربهاري (١) شيخ الحنابلة، وذلك أن الأشعري، لما قدم بغداد جاء إلى أبي محمد البربهاري، فجعل يقول: - رددت على الجبائي، رددت على المجوس، وعلى النصارى. فقال أبو محمد: لا أدري ما تقول! ولا نعرف إلا ما قاله الإمام أحمد. فخرج وصنف الإبانة، فلم يقبل منه (٢). وهذه القصة دليل على تأخر كتاب الإبانة.
стр. 232
رابعاً: نجد في الإبانة إثبات الصفات الخبرية والعقلية كالاستواء، بل ونجد فيها الاعتماد على الوحيين ونبذ التأويل، ولا يتحدث فيها الأشعري عن القضايا الكلامية التي ذكرها في اللمع، وهذا دليل على تدرجه بالتخلي عن علم الكلام؛ لأن معرفته في هذه المرحلة لعلم الكلام أكثر من معرفته لمنهج أهل الحديث، لذا كان اللمع أقرب لمنهج المتكلمة من منهج أهل الحديث كحال مؤلفه في تلك الفترة.
خامساً: إن عدداً من الأعلام قالوا: بأن الإبانة هي آخر مؤلفاته، ومنهم:
١ ـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. حيث قال في بيان التلبيس: وهذا الكتاب هو من أشهر تأليف الأشعري وآخرها (١). وقال في موضع آخر: قال أبو الحسن في كتابه الذي سماه الإبانة: وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه، وعليه يعتمدون في الذب عنه عند من يطعن عليه (٢) وقال في موطن آخر: الإبانة صنفها الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك (٣). وقال في موطن آخر: هذا آخر كتبه وقد صَنَّفَهُ في
стр. 233
بغداد في آخر عمره لما زاد استبصاره بالسنة (١).
٢ ـ ابن درباس (٢): - حيث قال ﵀ في رسالته في الذب عن الأشعري: أما بعد، فاعلموا معاشر الإخوان، وفقنا الله وإياكم للدين القويم، وهدانا أجمعين، للصراط المستقيم بأن كتاب الإبانة عن أصول الديانة الذي ألفه الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، هو الذي استقرَّ عليه أمره فيما كان يعتقده (٣).
٣ ـ ابن العماد الحنبلي، حيث قال: الإبانة في أصول الديانة وهو آخر كتاب صنفه وعليه يعتمد أصحابه، في الذب عنه، عند من يطعن عليه (٤).
٤ ـ الحافظ بن كثير، حيث قال: وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخراً (٥).
стр. 234
٥ ـ نعمان الألوسي (١)، حيث قال: - تحت عنوان عقيدة الأشعري، روى غير واحد من المصنفين عن الشيخ أبي الحسن الأشعري أنه قال في كتابه الإبانة في أصول الديانة»: وهو آخر كتاب صنفه (٢).
٦ ـ خالد النقشبندي (٣)، حيث قال: نرى كتب الأشعري في العقائد مشحونة بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة، والخوض في كثير من التأويلات والتدقيقات، ثم اعتذر في كتابه الإبانة عن أصول الديانة، الذي هو آخر مؤلفاته، وعليها التأويل في مذهب الأشعري (٤).
٧ ـ حافظ حكمي، حيث قال: وأمّا أبو الحسن الأشعري ﵀
стр. 235
فالذي قَرَّرَهُ في كتابه الإبانة الذي هو من آخر ما صنف (١).
٨ ـ محب الدين الخطيب، حيث قال: وكتب بذلك كتبه الأخيرة، ومنها في أيدي الناس كتاب الإبانة وقد نص مترجموه على أنها آخر كتبه (٢).
٩ ـ الشيخ الدكتور عبد الرحمن المحمود، حيث قال: هذه خلاصة أدلة الذين يقولون بتأخر الإبانة عن اللمع، وهي كما يلاحظ أدلة علمية تعتمد على نقل العلماء وأقوالهم. أما أدلة القول الأول فليس في واحد منها ما يَنُصُّ على تأخر اللمع وتقدم الإبانة؛ فعبارة ابن خلكان مجملة، وجميع الذين يميلون إلى المذهب الأشعري يقولون: إن كتبه كلها تسير على طريقة الفقهاء والمحدثين، لا يفرقون بين الإبانة واللمع، أمَّا الدليل النفسي وأن الإنسان عند انتقاله يكون متحمساً فيقابله دليل نفسي آخر وهو التدرج الذي ورد في أدلة القول الآخر، أمَّا مسألة النضج، ففي الإبانة مناقشات للمعتزلة لا تَقِلُّ قوة عمّا في اللمع، فيتبين بذلك أن الإبانة آخر مؤلفات الأشعري (٣).
١٠ ـ عبد الفتاح أحمد (٤)، حيث ذكر الخلاف حول أيهما الذي صنفه
стр. 236
الأشعري بعد طور الاعتزال، وذكر أنه يرجح أنَّ كتاب اللمع هو الذي ألفه الأشعري في تلك الفترة لأنه هاجم المعتزلة هجوماً شديداً، لكنه لم يتحول دفعة واحدة إلى مذهب السلف، فلم يذكر في اللمع الإمام أحمد، وإنما كان هذا الطور بمثابة مرحلة وُسْطَى بين علماء السلف وبين المتكلمين المناصرين للسنة، خاصة ابن كُلاب (١).
١١ ـ أحمد بن حجر آل بوطامي حيث قال: فإن قال قائل بأي دليل تُرَجِّحُون قَوْلَكم: إن الإبانة متأخر عن كتابه اللمع وأمثاله. فالجواب
أ ـ أنه اللائق بإمامته وجلالة قدره.
ب ـ إن الذين كتبوا عنه من المؤرخين ذكروا عنه هذا المعتقد الصحيح، ثم قال: فلو كان الإمام استقرت عقيدته على التأويل في آخر الأمور، لذكر ابن عساكر وغيره من المؤرخين (٢).
١٢ ـ راجح الكردي، حيث قال: ولكن الواقع أن الرأي الذي انتهى إليه هو اعتبارها صفات، وخاصة في كتابه الأخير كتاب الإبانة عن
стр. 237
أصول الديانة (١). وهذا القول قال به عدد كبير من الباحثين أيضاً (٢).
خامساً: لو أن الإبانة قبل اللمع لأعلن رجوعه عما أقره في كتاب الإبانة، كما أعلن رجوعه عن الاعتزال من قبل. ولو قال قائل: وهو أيضاً في الإبانة لم يعلن رجوعه عن العقيدة التي أقرها في اللمع. فالجواب
أ ـ إن هذا لا يستدعي هذا الإعلان، لأنه هنا قد أتم انضمامه لعقيدة السلف التي سبق وأن أعلن انتماءه إليها (٣).
ب ـ وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مُزيلاً شبهة عدم براءته من اقواله السابقة: أن الإبانة صنفه ببغداد في آخر عمره لما زاد استبصاره في السنة، ولعله لم يفصح في بعض الكتب القديمة، بما أفصح به فيه وفي أمثاله، وإن كان لم ينف فيها ما ذكره هنا في الكتب المتأخرة، ففرق بين عدم القول وبين القول، وبين القول بالعدم (٤).
جـ ـ ليس من المناسب أن يعلن رجوعه عما في كتبه السابقة قبل
стр. 238
الإبانة، كما أعلنه بعد رجوعه عن الاعتزال، وذلك يعود إلى أن تلك الكتب في مرحلة الاعتزال كلها ضلال، أما بعد رجوعه فإن في غالبها الكثير من الحق؛ لأنه لم يصل إلى الحق جملة واحدة، فلو أعلن رجوعه لأعلن رجوعه عن الحق. فلعله اكتفى بأنه إذا أورد مسألة في كتبه الجديدة تخالف السابقة فإن هذا بمثابة الرجوع ولو لم يعلنه، بل اعتقد بأن إعلانه في الإبانة اتباعه للإمام أحمد تأكيداً على رجوعه التام ولله الحمد.
سادساً: أن الأشعري في الإبانة رفض التأويل مطلقاً، وقدم النقل على العقل، وهاجم تفسير الاستواء بالاستيلاء، وأورد الآيات القرآنية الدالة على الاستواء. كما أثبت صفات الله كالوجه والعين واليدين على قول أهل السنة، فلا يعقل أن يرجع إلى عقيدة التأويل مرة أخرى، خاصة وأنه أثبت أن التأويل منهج للفرق الضالة. وإلا لاعتبر متذبذباً غير مستقر، فمرة معتزلي ثم متأولاً ثم سلفياً على منهج أهل الحديث ثم مؤولاً. ثم لو كانت عقيدته استقرت على التأويل لذكره ابن عساكر وغيره من المؤرخين (١). إن هذه الأدلة كافية لإثبات أن الأشعري قد ألف الإبانة متأخراً. وبأن منهجه الذي استقرَّ عليه والطور الذي لقي بعده ربه هي عقيدته السلفية التي أثبتها في الإبانة، وهذا هو القول الراجح بالنسبة لما ألف أخيراً. وأصحاب هذا القول أنه مر بالتوسط،
стр. 239
ومن ثم السير على منهج السلف، وبأن رجوعه كان رجوعاً تاماً، فقولهم لا يجافي الحقيقة، خاصة وعمدتهم على هذا القول هو كتابه الإبانة الذي يُعد آخر مؤلفاته وقد أقرها أئمة السلف، بل وجعلوا من قال بما فيها من أهل السنة والجماعة.
стр. 240
الترجيح:
إن من أصعب الأمور التي مَرَّت عَلَيَّ في بحثي هذا هو الترجيح في مثل هذه المسألة الشائكة، والتي يجبُ على الإنسان عدم التسرع في القول فيها دون إمعان نظر وتأمل وتدبر، ولكن بعد تأمل وتدبر ومناقشات واستخارة اتضح لي أن الخلاف قد انحسر بين الرأيين الخامس والسادس.
والمتأمل يجد أن القول السادس والذي يرى بأنه رجع رجوعاً تامّاً هو الأقرب للصواب، وذلك للأمور الآتية:
١ - أن الإنسان عندما ينتمي لمذهب فاسد عدة سنين لابد أن يتأثر به، ويغلب عليه، وعندما يعود إلى الحق فقد تكون معرفته بالمذهب الصحيح ناقصة، وهذا ما عاناه الإمام الأشعري ﵀ بشكل واضح، ولذا تأثر في بداية تحوله بمذهب ابن كلاب ظناً منه انه منهج أهل السنة والجماعة، دون أن يقصد بذلك متابعة ابن كلاب أو أن يدور في خلده أنه على خلاف الحق. بدليل أنه أعلن في المقالات أنه من أهل الحديث بعكس أصحاب ابن كلاب كما مر من قبل.
٢ - أن الأشعري بعد أن قرأ وتدبر وأمعن النظر في الفرق والمذاهب تبين له الحق، فوفقه الله لتأليف كتاب الإبانة فألفه على منهج أهل السنة والجماعة.
٣ - أن الأشعري عندما ألف كتاب الإبانة كان يقصد ويرغب أن يكون موافقاً لأهل السنة على أكمل وجه، ولكن بقاءه عشرات السنين
стр. 241
على مذهب المعتزلة جعله لا يحيط بمذهب السلف في جميع المسائل.
٤ - إن أخطاء الأشعري في عدة قضايا، لا تمنع في أي حال من الأحوال من الحكم بأنه رجع إلى منهج السلف؛ لأن هذه المخالفات لا تَعْدُو أموراً منها:
أ ـ أن هذه الأخطاء إن وجدت فهي من دقائق علم الكلام الذي لم يكن معروفاً عند السلف، وكما قال شيخ الإسلام: بأن هذه المسائل أشكلت على من كان أعلم من الأشعري بالسنة والحديث وأقوال السلف والأئمة (١).
ب ـ أن هذه الأخطاء ليست من صريح قوله، بل غالبها من لازم قوله، ولازم القول ليس بقول.
٥ ـ اعتمد الأئمة الأعلام كتاب الإبانة وشهدوا بأنه من مصنفات أهل السنة (٢).
٦ - شيخ الإسلام ﵀ من أعلم الناس بأمور أهل الكلام والعقائد لم يذكر على الأشعري خطأ واحداً في الإبانة، مع أنه نقل منه عشرات الصفحات في غالب كتبه مستشهداً بقوله راداً به على أتباع الأشعري، وغيرهم من الجهمية والمعتزلة، وكذلك فعل الإمام ابن
стр. 242
القيم ﵀.
٧ - كتاب الإبانة نُسب وهو آخر كتبه لمنهج أهل السنة والجماعة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وليس هو فحسب، بل جميع من اتبعوه على ما قاله في كتابه الإبانه، ولم يظهروا مقالةً تُنَاقِضُ الإبانة وَسَارُوا في فَلَكِهِ في هذا المضمار عُدّوا من أهل السنة. حتى قال شيخ الإسلام: «وأما من قال منهم بكتاب الإبانة الذي صنفه الأشعري في آخر عمره، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة (١).
٨ - وإن قال قائل: أن الأشعري في الإبانة لم يذكر البراءة من أقواله السالفة التي خالف فيها السلف في بعض المسائل فذلك يعود لأنه:
أ- ربما لم يَتَنَبَّه لذلك؛ لأن المخالفات تَخَلَّصَ منها تدريجياً فتجده في اللمع والتي أظنها من أقدم كتبه بعد الاعتزال تميل لأهل السنة أكثر من المتجهمة والمعتزلة، ثم نجده في المقالات يقارب أهل السنة كثيراً، ثم استقر في الإبانة على المنهج الحق، ولذا فالأمر عنده كان تلقائياً، وكل كتابٍ يَنْسَخُ ما قَبْلَهُ، إذا حدث التعارض، فليس ملزماً أنه في كل مسألة يذكر براءته من قوله السابق، بل قوله اللاحق ينسخ السابق.
ب- وربما ـ وهو الراجح ـ أنه اكتفى بما كتبه في الإبانة وهو في حد ذاته براءة كاملة من كل ما كان عليه.
стр. 243
جـ - وربما لم يهتم بما كان عليه، بل كان همه بيان ما صار إليه.
د- قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مُزيلاً شبهة عدم براءته من أقواله السابقة: أن الإبانة صنفه ببغداد في آخر عمره لما زاد استبصاره في السنة، ولعله لم يفصح في بعض الكتب القديمة، بما أفصح به فيه وفي أمثاله، وإن كان لم ينف فيها ما ذكره هنا في الكتب المتأخرة، ففرق بين عدم القول، وبين القول، وبين القول بالعدم (١). قلت: إن إعلانه في الإبانة اتباعه للإمام أحمد تأكيداً على رجوعه التام ولله الحمد.
٩ - إن الخلاف الناشئ بين أيهما صنف آخراً الإبانة أم اللمع؟ لأنه لابد لأحدهما أن ينسخ الآخر، بسبب الاختلاف الناشئ بينهما في بعض المسائل، وتبين بعد التحقيق أن الإبانة هو آخر مصنفاته، لأن الواقع يقول: أن ما كتبه في الإبانة لا يمكن أن ينسخه أى كتاب من كتبه؛ لأن جميع كتبه بينها توافق من خلال المنهج والأسلوب ماعدا الإبانة، فكونها أولاً يكذبه التاريخ والواقع، وكونها وسطاً يكذبه العقل والمنطق للمتأمل؛ لأن هذا لا يحدث إلا من:
أ - مضطرب لا يعي ما يقول، وحاشا الإمام الأشعري ذلك.
ب - أو منافق مراوغ ألفه تقية، وهذه فرية زرعها معتزلي وسقاها مستشرق وتبنَّاها متجهمة ومتأخرِّو الأشاعرة وحاشا الأشعري ذلك.
стр. 244
١٠ - إن تسلسل رجوع الإمام الأشعري ﵀ يُؤَكِّدُ أنه رَجَعَ إلى عقيدة السلف الصالح القائمة على الكتاب والسنة، التي كان عليها الصحابة والتابعون وأئمة أهل السنة والجماعة.
١١ - أنه أَعْلَنَ انتماءه لمذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ ومما يؤكد ذلك أن الأشعري ﵀ اعتمد بعد رجوعه على نصوص الكتاب والسنة، وارتفعت مكانتهما عنده. فهو يقول بكل وضوح: (قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب ربنا ، وسنة نبينا محمد ﷺ ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة المحدثين، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل ـ نضر الله وجهه، ورفع درجته وأجزل مثوبته، قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مُقَدَّمٍ وجليل معظم وكبير مفهم (١). إن مجرد إعلان انتماءه للإمام أحمد وبذله غاية الجهد في معرفة الحق دليلٌ كافٍ على أنه رجع لأهل السنة، بل وأعلن ذلك في الإبانة ولم يعلنه باللمع.
стр. 245
١٢ - لو أن كل إمام وقع منه خطأ في العقيدة أبعد عن أهل السنة ووصف بأنه ضال؛ لأُخرج من أئمة أهل السنة عدداً لا بأس به كالإمام ابن خزيمة عندما نفى صفة الصورة. ولذا قال الإمام الذهبي ﵀ «ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه وتوخيه لاتباع الحق أهدرناه، وبدعناه، لقل من يسلم من الأئمة معنا. رحم الله الجميع بمنه وكرمه» (١)، فهذه لا تعدو إن وجدت أن تكون أخطاء واجتهاداتٍ يُرجَى لصاحبها الأجر والمغفرة، ويلتمس له العذر قدر المستطاع، أمَّا من كان ديْدنه وغالب أحواله وأقواله المخالفة فهذا لا يُنسبُ لأهل السنة.
١٣ - أن وصفنا بأن عنده بقايا وجدت أيضاً في كتاب الإبانة تدل على أنه وقع فيها عامداً متعمداً لمخالفة أهل السنة في هذه المسال ومقتنعاً بأن ما عليه أهل الباطل من جهمية ومعتزلة في هذه المسائل هو الحق، ومع عليه أهل السنة في هذه المسائل باطل، أما لو قلنا بأنه أخطأ في بعض القضايا فهذا يدل على أنه هذا اجتهاده ففرق بين هذا وذاك.
١٤ ـ هناك عدة جامعات سلفية اعتمدتها وقامت بطباعتها وهي:
أ ـ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وحظيت هذه الطبعة
стр. 246
بعناية العلامة الشيخ صالح الفوزان.
ب ـ الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وقد اعتنى بها العلامة حماد الأنصاري ﵀ وقدم لها الإمام عبدالعزيز بن باز ﵀ ولم يذكرا ملاحظات عليها.
جـ ـ ها هي جامعة أم القرى تتبناها كرسالة علمية يُشرف عليها العلامة عبد الله الغنيمان ـ حفظه الله ـ فكل هذه المؤكدات رَجَّحت لدي القول بأنه رجع رجوعاً تامًّا، وهذا ما أدين الله به وما توفيقي إلا بالله.
١٥ ـ إن أهم الملاحظات التي ذكرها أصحاب القول الخامس تتعلق بصفة الكلام وعدم قوله بالصفات الفعلية، وقد تم توضيحها ـ ولله الحمد ـ وثبت بأنه من القائلين بالصفات الفعلية، ومن المثبتين لصفة الكلام على الوجه اللائق به ، بل لو كان الأمر كما قالوا لما قيل: بأن عليه بقايا فقط، بل لقيل: بأن هناك أصولاً للمعتزلة ثبت عليها ولم يتراجع عنها أو ينقضها وهذا ما لم يقله أصحاب القول الخامس بل قاله أصحاب القول الأول، ومن ثم فلم تعد هناك ملاحظات جوهرية يمكن اعتبارها لترجيح القول الخامس، فترجح لدى القول السادس والذي ينص على رجوعه إلى منهج أهل السنة والجماعة ولله الحمد رجوعاً تاماً.
стр. 247
مسألة: هل كان الإمام الأشعري مكفراً لأهل القبلة؟
من الأمور التي أثارها بعض أهل العلم على الإمام الأشعري ﵀ القول بأنه يكفر العامة، وهذا الكلام قبل الخوض في تفاصيله لا بد من معرفة قواعد مهمة وهي:
١ ـ أنَّ الإنسان محاسب بما خطه يراعه، أو نقله عنه الثقات من أتباعه، فإذا وجد ثمة تعارض فيما خطه في كتبه مع ما نقل عنه، فإن العدل والإنصاف يقتضي أن نقدم ما كتبه، على ما نقل عنه، خاصة إذا كانت القضية تتعلق بمسائل الاعتقاد.
٢ ـ كما أنه من العدل والإنصاف أن يعتبر في الحكم على الإنسان بما ذكره في كتبه المتأخرة، إذا عارضت كتبه المتقدمة، فالمتأخر ناسخ للمتقدم، وهذه مسألة لابد من معرفتها قبل مناقشة ما أثير عن الإمام أبي الحسن الأشعري ﵀ من أنه رجع عن تكفير أهل القبلة. فهل ما أثير عنه صحيح؟؟ أم لا أصل له؟؟ وبعد التتبع والتأمل، وجدت أن لهذا الكلام أصلاً، ووجدت مصدرين لهذا القول:
المصدر الأول: ما نقله الإمام البيهقي في سننه، وهو كما لا يخفى على باحث متتبع أنه أشعري في المعتقد؛ حيث قال في السنن: (سمعت أبا حازم عمر بن أحمد العبدوي الحافظ يقول: سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري ﵀ في داري ببغداد دعاني فقال: أشهد علي أنني لا أكفر أحداً من أهل هذه
стр. 248
القبلة؛ لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد وإنما هذا اختلاف العبارات) (١).
المصدر الثاني: ما نقله العز بن عبدالسلام ﵀ في قواعده وهو أيضاً معروف بأشعريته، حيث قال: (وقد رجع الأشعري ﵀ عند موته عن تكفير أهل القبلة؛ لأن الجهل بالصفات ليس جهلاً بالموصوفات، وقال: اختلفنا في عبارات، والمشار إليه واحد) (٢).
مناقشة القول:
١ - المتأمل في هذه النقول يجد أنها نقول لا يعتد بها؛ وذلك لوجود الاختلاف في ألفاظها ومعانيها، فنجد مثلاً:
أولاً: فيما نقله البيهقي مسنداً لا تجد في عباراته أنه قال: أتراجع عن التكفير؛ بل أكد منهجه عندما قال: «أشهد علي أنني لا أكفر أحداً من أهل القبلة»، وهنا لم يبين هل كان يكفر العامة أم الخاصة، العلماء أم المقلدين؟ وإنما بين منهجاً عاماً، وهو أنه لا يكفر أحداً من أهل القبلة.
ثانياً: نجد فيما نقله العز بن عبدالسلام، غير مسندٍ بين أنه رجع عن تكفير أهل القبلة، وهذا النقل لا يعتد به لأمور:
стр. 249
أ- أنه غير مسند حتى تتضح صحة الرواية من عدمها.
ب- مناقض لما ذكره الأشعري في كتبه الأخيرة.
جـ- عدم اتفاقه مع ما نقله الإمام البيهقي في سننه.
٢ - مما لا شك فيه أن الإمام الأشعري ﵀ كان في بداية حياته معتزلياً، ومن المعروف أن الفكر المعتزلي، كالفكر الخارجي القائم على التكفير لمرتكبي كبائر الذنوب والمعاصي، والإمام الأشعري ﵀ كان متأثراً بهذا الفكر في طور الاعتزال ومعتنقاً له، ولا يمكن أن يلام على فكر مذهب تخلص منه وتاب عنه.
٣ - عندما انتقل الإمام الأشعري إلى طور موافقة ابن كلاب، تخلص من الفكر المعتزلي، ولم يَظهر عليه في كتبه في تلك الفترة أثرٌ من الفكر المعتزلي في التكفير، بل الذي يظهر خلاف ذلك.
٤ - في طور الأشعري الأخير، وانتمائه للسلف الصالح، واتباعه للإمام أحمد، وتأليفه في هذا الطور كتابه: (الإبانة) أظهر سيره على منهج السلف في البعد عن تكفير العامة، والمذنبين. والعدل والإنصاف يقتضي الحكم عليه فيما سطره في آخر كتبه حتى يتسنى لنا أن نعرف منهجه. والمتتبع لكتابه الإبانة يجد نصوصاً صريحة في بعده عن منهج التكفير في المسائل التي لا تقتضي التكفير، فمثلاً:
١ - نجده يقول: (وندين بأن لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب
стр. 250
يرتكبه. كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، كما دانت بذلك الخوارج وزعمت أنهم كافرون) (١).
فهنا أعلن صراحة بأن منهجه أن لا يكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، ويعلن أنه مخالف لمنهج الخوارج القائم على التكفير، وهذا دليل صريح على بعده عن منهج التكفير غير المنضبط بضوابط الشرع.
٢ - كما نجده في الإبانة يعلن بأن فاعل الكبيرة لا يكفر عنده بمجرد إتيان الكبيرة، وإنما يكفر عنده إذا كان مستحلاً لهذا الفعل؛ حيث قال: (ونقول: إن من عمل كبيرة من هذه الكبائر مثل: الزنا والسرقة، وما أشبههما مستحلاً لها غير معتقد بتحريمها كان كافراً) (٢).
٣ - وأكد الإمام الأشعري في كتابه الإبانة اتباعه لمنهج السلف في الصلاة خلف كل بر وفاجر، حيث قال: (ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد وسائر الصلوات والجماعات خلف كل بر وغيره) (٣).
فهذه النقول التي أوردها في كتابه الإبانة تؤكد أن منهجه الذي استقر عليه هو: منهج أهل السنة البعيد كل البعد عن التكفير لمرتكبي الصغائر