بعناية العلامة الشيخ صالح الفوزان.
ب ـ الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وقد اعتنى بها العلامة حماد الأنصاري ﵀ وقدم لها الإمام عبدالعزيز بن باز ﵀ ولم يذكرا ملاحظات عليها.
جـ ـ ها هي جامعة أم القرى تتبناها كرسالة علمية يُشرف عليها العلامة عبد الله الغنيمان ـ حفظه الله ـ فكل هذه المؤكدات رَجَّحت لدي القول بأنه رجع رجوعاً تامًّا، وهذا ما أدين الله به وما توفيقي إلا بالله.
١٥ ـ إن أهم الملاحظات التي ذكرها أصحاب القول الخامس تتعلق بصفة الكلام وعدم قوله بالصفات الفعلية، وقد تم توضيحها ـ ولله الحمد ـ وثبت بأنه من القائلين بالصفات الفعلية، ومن المثبتين لصفة الكلام على الوجه اللائق به ، بل لو كان الأمر كما قالوا لما قيل: بأن عليه بقايا فقط، بل لقيل: بأن هناك أصولاً للمعتزلة ثبت عليها ولم يتراجع عنها أو ينقضها وهذا ما لم يقله أصحاب القول الخامس بل قاله أصحاب القول الأول، ومن ثم فلم تعد هناك ملاحظات جوهرية يمكن اعتبارها لترجيح القول الخامس، فترجح لدى القول السادس والذي ينص على رجوعه إلى منهج أهل السنة والجماعة ولله الحمد رجوعاً تاماً.
стр. 247
مسألة: هل كان الإمام الأشعري مكفراً لأهل القبلة؟
من الأمور التي أثارها بعض أهل العلم على الإمام الأشعري ﵀ القول بأنه يكفر العامة، وهذا الكلام قبل الخوض في تفاصيله لا بد من معرفة قواعد مهمة وهي:
١ ـ أنَّ الإنسان محاسب بما خطه يراعه، أو نقله عنه الثقات من أتباعه، فإذا وجد ثمة تعارض فيما خطه في كتبه مع ما نقل عنه، فإن العدل والإنصاف يقتضي أن نقدم ما كتبه، على ما نقل عنه، خاصة إذا كانت القضية تتعلق بمسائل الاعتقاد.
٢ ـ كما أنه من العدل والإنصاف أن يعتبر في الحكم على الإنسان بما ذكره في كتبه المتأخرة، إذا عارضت كتبه المتقدمة، فالمتأخر ناسخ للمتقدم، وهذه مسألة لابد من معرفتها قبل مناقشة ما أثير عن الإمام أبي الحسن الأشعري ﵀ من أنه رجع عن تكفير أهل القبلة. فهل ما أثير عنه صحيح؟؟ أم لا أصل له؟؟ وبعد التتبع والتأمل، وجدت أن لهذا الكلام أصلاً، ووجدت مصدرين لهذا القول:
المصدر الأول: ما نقله الإمام البيهقي في سننه، وهو كما لا يخفى على باحث متتبع أنه أشعري في المعتقد؛ حيث قال في السنن: (سمعت أبا حازم عمر بن أحمد العبدوي الحافظ يقول: سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري ﵀ في داري ببغداد دعاني فقال: أشهد علي أنني لا أكفر أحداً من أهل هذه
стр. 248
القبلة؛ لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد وإنما هذا اختلاف العبارات) (١).
المصدر الثاني: ما نقله العز بن عبدالسلام ﵀ في قواعده وهو أيضاً معروف بأشعريته، حيث قال: (وقد رجع الأشعري ﵀ عند موته عن تكفير أهل القبلة؛ لأن الجهل بالصفات ليس جهلاً بالموصوفات، وقال: اختلفنا في عبارات، والمشار إليه واحد) (٢).
مناقشة القول:
١ - المتأمل في هذه النقول يجد أنها نقول لا يعتد بها؛ وذلك لوجود الاختلاف في ألفاظها ومعانيها، فنجد مثلاً:
أولاً: فيما نقله البيهقي مسنداً لا تجد في عباراته أنه قال: أتراجع عن التكفير؛ بل أكد منهجه عندما قال: «أشهد علي أنني لا أكفر أحداً من أهل القبلة»، وهنا لم يبين هل كان يكفر العامة أم الخاصة، العلماء أم المقلدين؟ وإنما بين منهجاً عاماً، وهو أنه لا يكفر أحداً من أهل القبلة.
ثانياً: نجد فيما نقله العز بن عبدالسلام، غير مسندٍ بين أنه رجع عن تكفير أهل القبلة، وهذا النقل لا يعتد به لأمور:
стр. 249
أ- أنه غير مسند حتى تتضح صحة الرواية من عدمها.
ب- مناقض لما ذكره الأشعري في كتبه الأخيرة.
جـ- عدم اتفاقه مع ما نقله الإمام البيهقي في سننه.
٢ - مما لا شك فيه أن الإمام الأشعري ﵀ كان في بداية حياته معتزلياً، ومن المعروف أن الفكر المعتزلي، كالفكر الخارجي القائم على التكفير لمرتكبي كبائر الذنوب والمعاصي، والإمام الأشعري ﵀ كان متأثراً بهذا الفكر في طور الاعتزال ومعتنقاً له، ولا يمكن أن يلام على فكر مذهب تخلص منه وتاب عنه.
٣ - عندما انتقل الإمام الأشعري إلى طور موافقة ابن كلاب، تخلص من الفكر المعتزلي، ولم يَظهر عليه في كتبه في تلك الفترة أثرٌ من الفكر المعتزلي في التكفير، بل الذي يظهر خلاف ذلك.
٤ - في طور الأشعري الأخير، وانتمائه للسلف الصالح، واتباعه للإمام أحمد، وتأليفه في هذا الطور كتابه: (الإبانة) أظهر سيره على منهج السلف في البعد عن تكفير العامة، والمذنبين. والعدل والإنصاف يقتضي الحكم عليه فيما سطره في آخر كتبه حتى يتسنى لنا أن نعرف منهجه. والمتتبع لكتابه الإبانة يجد نصوصاً صريحة في بعده عن منهج التكفير في المسائل التي لا تقتضي التكفير، فمثلاً:
١ - نجده يقول: (وندين بأن لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب
стр. 250
يرتكبه. كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، كما دانت بذلك الخوارج وزعمت أنهم كافرون) (١).
فهنا أعلن صراحة بأن منهجه أن لا يكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، ويعلن أنه مخالف لمنهج الخوارج القائم على التكفير، وهذا دليل صريح على بعده عن منهج التكفير غير المنضبط بضوابط الشرع.
٢ - كما نجده في الإبانة يعلن بأن فاعل الكبيرة لا يكفر عنده بمجرد إتيان الكبيرة، وإنما يكفر عنده إذا كان مستحلاً لهذا الفعل؛ حيث قال: (ونقول: إن من عمل كبيرة من هذه الكبائر مثل: الزنا والسرقة، وما أشبههما مستحلاً لها غير معتقد بتحريمها كان كافراً) (٢).
٣ - وأكد الإمام الأشعري في كتابه الإبانة اتباعه لمنهج السلف في الصلاة خلف كل بر وفاجر، حيث قال: (ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد وسائر الصلوات والجماعات خلف كل بر وغيره) (٣).
فهذه النقول التي أوردها في كتابه الإبانة تؤكد أن منهجه الذي استقر عليه هو: منهج أهل السنة البعيد كل البعد عن التكفير لمرتكبي الصغائر
стр. 251
والكبائر من الذنوب والمعاصي غير المخرجة من الملة، وهذا المنهج لم يلتزم به في مرض موته فقط، وإنما التزم به في آخر حياته.
والخلاصة: إنَّ الإمام الأشعري ألف كتاب الإبانة في الأربع سنوات الأخيرة من عمره، ولا يُعلم هل هو في آخر سنة من حياته؟ أم قبلها بثلاث سنوات؟ وهو يعبر بوضوح عن منهجه السلفي الوسطي المعتدل والله أعلم.
стр. 252
الفصل الرابع
مؤلفاته
و فيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: المصنفات التي وصلت إلينا وبعضها مطبوع الآن.
المبحث الثاني: النُسخ المخطوطة.
المبحث الثالث: المؤلفات التي لم تصل إلينا ونسبها بعض الباحثين للإمام الأشعري.
المبحث الرابع: الكتب التي ألفها من عشرين وثلاثمائة إلى وفاته أربع وعشرين وثلاثمائة.
стр. 253
الفصل الرابع
مؤلفاته
لاشك أن الأشعري نال هذه المنزلة وهذه الرفعة من خلال ما تركه من آثار ومصنفات، وقد اختلف الباحثون في عددها. فهناك من أوصلها إلى خمس مؤلفات ومنهم من أوصلها إلى ثمانين وثلاثمائة مصنف. ومنهم مَنْ توسط في ذلك، فلم يبالغ في الزيادة أو في النقصان. وسوف أورد ما أجمل ثم أفصل، فمثلاً: ابن النديم وهو صاحب أقدم كتاب ترجم للأشعري، أثبت خمسة كتب وهي كتاب اللمع، وكتاب الموجز، وكتاب إيضاح البرهان. وكتاب التبيين عن أصول الدين، وكتاب الشرح والتفصيل في الرد على أهل الإفك والتضليل (١). وقد جعل صاحب نشأة الأشاعرة؛ أن هذا دليل واضح على الحقد الذي ملأ قلب ابن النديم على الأشعري وذلك يعود إلى كونه معتزلياً شيعياً، وإلا فكيف يجعل غزيرُ الإنتاج، عميق البحث، ذو الأفق الواسع، لا تتعدى مؤلفاته خمس مؤلفات؟ (٢) وأما ابن عساكر فقد أوصلها إلى - أكثر من ثلاثمائة مصنف (٣) وابن تيمية أوصلها إلى ٣٨٠ (٤). وكتاب
стр. 254
ابن عساكر أوسع المصادر التي ذكرت مصنفات الأشعري؛ حيث ذكر فيها أسماء ثمانية وتسعين مصنفاً، مع نبذة مختصرة عن بعضها. وقد قسمها إلى قسمين:
القسم الأول: يضم ما صنفه إلى سنة ٣٢٠ هـ، وقد ذكر فيها: - اثنين وسبعين مصنفاً.
القسم الثاني: مصنفاته من سنة ٣٢٠ هـ إلى وفاته، وذكر فيها ثلاثة وعشرين مصنفاً. كما ذكر ابن عساكر أن ابن حزم (١) ذكر أن لأبي الحسن خمسة وخمسين تصنيفاً (٢) وعلق ابن عساكر على هذا بقوله: «وقد ترك ابن حزم من عدد مصنفاته أكثر من مقدار النصف» (٣). وقد التمس السبكي العذر لابن حزم بقوله: إن ابن حزم ذكر مقدار ما وقف عليه في بلاد
стр. 255
الغرب. (١) وهذه الروايات المختلفة تدل على غزارة الإنتاج عند الأشعري. ولا يستطيع أحد من خلالها أن يحدد مقدارها بالدقة خاصة وأنه لم يصل إلينا إلا عددٌ قليلٌ منها. وسوف يتم التطرُق إلى ذكر المؤلفات التي كتبها، ووصلت إلينا معلومات عنها، وسوف يقسم هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث:
стр. 256
المبحث الأول
المصنفات التي وصلت إلينا وبعضها مطبوع الآن وهي:
أولاً: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين:
يعتبر هذا الكتاب من أهم الكتب التي ألفها الأشعري، واشتهرت عنه، ولم يعرف أن هناك من أنكره ولكن الملاحظ أن عنوان الكتاب عند من أثبتوه هو مقالات المسلمين (١)، وقد أثنى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على هذا الكتاب فقال: وكتاب مقالات الإسلاميين للأشعري؛ وهو أجمع كتابٍ رأيته في هذا الفن (٢) في حين أنه في الكتب
стр. 257
المطبوعة بعنوان مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ولذا ينبغي أن يسمى الكتاب باسمه الذي جاء على عنوان المخطوطات (١). وقد نشر الكتاب لأول مرة في استنبول (٢) سنة ١٩٢٩ م ضمن مجموعة النشريات الإسلامية، برقم ١٢ في مجلدين يحتويان على النص، ومجلد فهارس، وقد استند في نشرته إلى خمس مخطوطات أهمها:
أ ـ أيا صوفيا برقم ٢٣٦٣/ ٦.
ب ـ حيدر أباد برقم ٢٩٢٠.
ومن هذه الطبعة النقدية الممتازة أعيد طبعه في القاهرة في جزأين سنة ١٩٥٠ م دون فهارس ولا ذكر للفروق بين النسخ، مع مزيد من الأخطاء
стр. 258
والتحريفات، ومع حواش لا قيمة لها؛ بل هي مجرد لغو وحشو (١). وقد أثنى الدكتور: المحمود على هذه الحواشي فقال: إنها حواشٍ جيدة (٢). ثم أعيد طبعه في سنة ١٤١١ هـ ـ ١٩٩١ م. أما آخر طبعاته فهي طبعة المكتبة العصرية في بيروت عبارة عن جزأين في مجلد واحد، صدر في عام ١٤٢٦ هـ. وقد بين المحقق أنه قام بضبط النص من خلال العودة إلى الأصول التي استقى منها المؤلف، والكتاب يدل عنوانه على موضوعه حيث تناول الفرق الإسلامية الرئيسة، وينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: يتعرض من خلاله المصنف إلى التعريف بأهم الفرق، فهو يعرف بالشيعة، وفرقها، وبالخوارج، وفرقها، والمعتزلة والمرجئة (٣)،
стр. 259
وفرقها، وأصحاب الحديث، وأهل السنة، إلى غير ذلك من الفرق.
أما القسم الثاني: فيتناول مسائل في دقيق الكلام وآراء مختلف الفرق فيها، وخاصة المعتزلة، وبالجملة: فإن الكتاب ينم عن معرفة الأشعري الواسعة بمذاهب أهل الكلام، وخاصة المعتزلة، ولذلك فصل أقوالهم ومذاهبهم وفروق أقوالهم الدقيقة، وهناك سمات وملاحظات عامة على الكتاب من أهمها:
١ - التكرار: فالأشعري كثيراً ما يكرر الأقوال، وخاصة حينما يتكلم عن الطوائف وأقوالها، ثم يعيد الكلام عن بعض الموضوعات وأقوال الطوائف فيها. لذلك قال هلموت ريتر (١) ـ أحد ناشري الكتاب ـ في مقدمته لنشرته: إن المؤلف ألف كتابه: - بعضه بحسب ترتيب الفرق الدينية، وبعضه بحسب ترتيب المسائل. وزاد في التقسيمات والتفريعات. وقسم كتابه إلى قسمين:
الأول: في المسائل الكبرى في علم الكلام (الجليل).
стр. 260
والثاني: في المسائل الدقيقة في علم الكلام (الدقيق)، ويذكر تفصيلاً في القسم الثاني ما سبق أن أجمله في القسم الأول؛ لهذا اضطر إلى التكرار، وذكر الشيء نفسه في مواضع متعددة. وهذا يعد عيباً في التأليف (١). وذكر الدكتور بدوي، أن رتر استند في تأييده إلى ما ذكره الحسن العسكري (٢) ـ وهو أحد المخلصين للأشعري ـ عندما قال عن الأشعري: «ولم يكن من أهل التصنيف، وكان إذا أخذ القلم يكتب ربما ينقطع ويأتي بكلام غير مرض» (٣). فقال رتر: هذا ما لاحظه حتى تلاميذ الأشعري الأقدمين، أن شيخهم غير متقن للتصنيف، وإن حاول ابن عساكر في دفاعه الشامل عن الأشعري دون تمييز أن يضع مبرراً للأشعري عندما قال: «إن هذا كان حاله في الابتداء، أما بعد أن من الله عليه في الهداية فتصانيفه مستحسنة، مهذبة، وتواليفه وعباراته مستجادة مستصوبة» (٤). وقد أيد عبد الرحمن بدوي حكم الحسن العسكري وحكم رتر، وقال: إنه صائب تماماً. إذ يلاحظ في هذا الكتاب «مقالات الإسلاميين» كثرة التفريع ـ أحياناً ـ بدون موجب، وكثرة التكرار للرأي الواحد في مواضع متعددة، وعدم
стр. 261
الفصل بين مذاهب الفرق بوضوح (١). بل أدى هذا التكرار إلى أن يطرح البعض تساؤلاً: هل هذا الكتاب بنصه الحالي كتاب واحد أم ثلاثة كتب؟ لأن هذا النص حدث فيه تملص وتحول في مواضعه بعضها إلى بعض. ولذا فإن القول بأن هذا الكتاب، هو في الحقيقة نص لثلاثة كتب مختلفة، متباينة، هي المقالات وكتاب في دقيق الكلام، وكتاب في الأسماء والصفات (٢). وقد انتقد بدوي هذا القول بشدة فقال: «ولا أدل على سخف هذا الرأي من أنه كان يكفي صاحبه أن يرجع إلى أسماء مؤلفات الأشعري في الإثبات كلها، ليرى أنه لا يوجد له كتب بهذه العناوين الثلاثة، وإنما يوجد فقط اسم «مقالات المسلمين» (٣). فمن أين له ـ إذن ـ أن يزعم هذا الزعم الغريب؟! وهذه حجة فيلولوجيه لا سبيل إلى دحضها، ولا معنى للدفاع عن مقدرة الأشعري على إحكام التأليف بانتحال هذا الافتراض الذي لا يقوم على أي أساس. ثم من قال إن الأشعري كان محكم التأليف مرتب التنظيم بحيث لا نفترض في تأليفه تكراراً أو اضطراباً؟! خصوصاً وهو يتناول موضوعاً متشعباً كل التشعب وهو اختلاف المسلمين في مسائل الكلام (٤). أما ما استند إليه صاحب
стр. 262
هذا القول من أن كون مؤلفات الأشعري الأخرى كالإبانة واللمع، ليس فيها مظهر الاضطراب المتجلي في كتاب مقالات الإسلاميين فغير صحيح؛ لأمور منها:
أ ـ إن في الإبانة واللمع تكراراً، فهما غير خاليان من التكرار؛ بل يوجد فيهما تكرار.
ب ـ إن موضوع الإبانة، وموضوع اللمع لا يحتملان التكرار الكثير؛ لأنه يعرض فيهما مذهبه، وهذا لا يمكنه من التكرار. بعكس عرض آراء الفرق التي تحتاج إلى تكرار (١). وقد أكد الدكتور: المحمود على مسألة التكرار حيث قال: «ويلاحظ على هذا الكتاب التكرار»؛ فكثيراً ما يكرر الأقوال، وخاصة حين يتكلم عن الطوائف وأقوالها ثم يعيد الكلام عن بعض الموضوعات وأقوال الطوائف فيها (٢). قلت: والتكرر عيب في حالات ومزية في حالات، والتكرار الذي عند الأشعري في المقالات أمر طبيعي، لأن أقوال الفرق تتوافق مما يلزمه بإعادة ذكرها، خاصة إذا كانت فرقاً من طائفة واحدة. أما من ادعى أنه غير مُحسن للتصنيف فهذه بينها وبين الحق خرط القتاد (٣) فتصانيفه ماتعة وحججه داحضة، وهو كغيره
стр. 263
من البشر لا يبلغ الكمال.
٣ - أن الكتاب يعتبر من أهم المراجع لأقوال المعتزلة، بل وفيه أقوال عدة لشيخ أبي الحسن في مرحلة الاعتزال أبي علي الجبائي، الذي لم يصل إلينا من مؤلفاته شيء ولكن في هذا الكتاب عدة أقوال له. مما يجعله المصدر الرئيس لأقوال الجُبائي.
٤ - في هذا الكتاب ذكر لأقوال علماء السلف، الذين يسميهم الأشعري مرة بأهل الحديث ومرة بأهل السنة بإجمال. وقد يعود هذا إلى كونه غير خبير بتفاصيل أقوالهم؛ مثال ذلك: أنه ذكر عنهم أنهم يقولون: «إن أحداً لا يستطيع أن يفعل شيئاً قبل أن يفعله» وهذا ليس من مذهب أهل السنة (١).
ثانياً: رسالته إلى أهل الثغر.
لم يذكر الأشعري ﵀ عنواناً معيناً لهذا الكتاب وسبب ذلك يعود لأن هذا الكتاب عبارة عن أجوبة موجهة إلى أهل الثغر (٢)، ولذا، اختلفت التسميات فيما بعد، كل على حسب فهمه، ومن الأمثلة على ذلك.
أ ـ ابن عساكر أسماها جواب ومسائل، كتب بها إلى أهل الثغر في
стр. 264
تبيين ما سألوه عنه من مذاهب أهل الحق (١).
ب ـ شيخ الإسلام ابن تيمية أسماها: رسالة إلى أهل الثغر (٢).
جـ ـ وقد استشهد بها ابن القيم في نونيته.
وكذا علي الأشعري فإنه … في كتبه قد جاء بالتبيان
من موجز وإبانة ومقالة … ورسائل للثغر ذات بيان (٣)
وهذه الرسالة قد أثبتها عدد من الأعلام وأول من قام بنشرها، مجموعة كلية الإلهيات ٧/ ١٥٤ وما يتلوها و ٨/ ٥٠ وما يتلوها سنة ١٩٢٨ كما ذكر ذلك بدوي (٤). ورسالته إلى أهل الثغر هي من الكتب
стр. 265
التي لها نسخ خطية. وحققت رسالة علمية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام ١٤٠٧ هـ للدكتور عبد الله شاكر الجنيدي، وقد شكك بعض الباحثين في صحة نسب هذا الكتاب للأشعري؛ لوجود بعض العلل منها:
١ - إنه ورد في نسختها عبارة تاريخ ٢٦٧.
٢ - عدم تطرقه فيها لآراء المعتزلة.
٣ - التحفظ في تقرير الموقف للقول بإن القرآن قديم وغير مخلوق (١).
وقد ردت الدكتورة فوقية حسين هذا الاعتراض بقولها:
١ - إن الأشعري قد تناول مسألة خلق القرآن في هذه الرسالة عندما قال: إن الله لم يزل موجوداً، حياً، قادراً عالماً مريداً، متكلماً، سميعاً، بصيراً (٢). ثم قال بعد ذلك: «وأجمعوا على إثبات حياة لله ، لم يزل بها حياً، وعلمٍ لم يزل به عالماً، وقدرة لم يزل بها قادراً، وكلامٍ لم يزل به متكلماً، وبإرادةٍ لم يزل بها مُريداً، وسمعٍ وبصرٍ لم يزل به سميعاً بصيراً» (٣). ثم قالت فوقية: «فأنا أرى أن الأشعري قد أثبت أن كلام الله قديمٌ بلا تحفظ، وأن كل ما هنالك أنه تناول المسائل في هذه الرسالة بأسلوب يبعد عن عنف الحِجَاجْ الذي لا يلجأ إليه إلا إذا كان يواجه
стр. 266
خصوماً، وهو في هذه الرسالة لا يواجه خصماً وإنما يرد على استفسار لجماعة من المؤمنين بجهة من جهات العالم الإسلامي المترامي الأطراف» (١).
قلت: ولاشك أن الأشعري، قد قرر هنا أن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما رد محقق رسالة أهل الثغر على هذا بقوله: «إن الأشعري قد قرر في هذه الرسالة أن القرآن كلام الله غير مخلوق»، ويظهر ذلك في قول الأشعري في الإجماع السادس «وأجمعوا على أن أمره وقوله غير محدث ولا مخلوق، وقد دل الله على صحة ذلك بقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. [الأعراف آية ٥٤]. ففرق الله بين خلقه وأمره، وقال تعال: - ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: الآية ٨٢]». إلى غير ذلك مما ذكره الأشعري في هذه الرسالة مستدلاً به على أن القرآن كلام الله غير مخلوق (٢).
قلت: وأمَّا أنه يقول بأن كلام الله قديم فليس واضحاً ولا صريحاً أمَّا في الإبانة فلا شك أنه قد نفى الكلام القديم ببيانه أن موسى ﵇ كلم ربه وذكر بأن التكليم هو بالمشافهة، وهذا
стр. 267
نقض للكلام النفسي والقديم، ولله الحمد والمنة.
٢ ـ عدم تطرقه لآراء المعتزلة:
قالت فوقية: إن عدم ورود إشارة عن المعتزلة؛ فلأنه في هذه الرسالة لم يتعرض للمعتزلة. فلماذا يجب أن يزج بهم حيث لا حاجة إليهم؟! فإن الأشعري في هذه الرسالة في معرض الحديث عما يلائم ظروف أهل باب الأبواب الفكرية، فهم يواجهون فئات أخرى غير المعتزلة. إنهم أولاً وقبل كل شيء في حاجة إلى شرح تقريري لأصول السلف، وهو ما فعله الأشعري في هذه الرسالة إليهم (١). وقد أيد محقق رسالة إلى أهل الثغر ما ذهبت إليه فوقية، وزاد على ذلك بقوله: «هذه الرسالة ـ أيضاً ـ رد فيها على المعتزلة؛ عندما أثبت عقيدة السلف. وقد دخل معهم في مناقشات ـ أيضاً ـ كما في الاجماعين: الثالث والخامس من هذه الرسالة» (٢).
قلت: وليس شرطاً أن يتطرق العالم لجميع الفرق في جميع رسائله، فإذا كان الأشعري تخصص في بيان مثالب المعتزلة فليس لزاماً عليه أن يذكرهم في كل ما يكتبه، والتشكيك بعدم صحة نسبة الكتاب إليه بناءً على هذا التعليل غير مقبول البتة.
стр. 268
٣ - ومن الأمور التي شككت في صحة نسبة هذه الرسالة هو ورود تاريخ ٢٦٧، عندما قال الأشعري في الرسالة: «ووقفت ـ أيدكم الله ـ على ما ذكرتموه من إحمادكم جوابي عن المسائل التي كنتم أنفذتموها إلي في العام الماضي، وهو سنة سبع وستين ومائتين» (١). وقد ذكر بدوي أن أحد الباحثين فسر التاريخ المذكور بأنه ربما ورد محرفاً، وصوابه مائتين وسبع وتسعين (٢).
قلت: ولاشك أن هذا التاريخ خطأ يقيناً، فإما أن يكون تصحيفاً من أحد النساخ، والصواب مائتين وسبع وتسعين، أو أنه من وضع أحد النُساخ من خصومه، من أجل التشكيك في نسبة الكتاب لأنه لا يعقل أن يكون الأشعري قد ألفه وهو لم يبلغ السابعة من عمره؟! خاصة وأنه حتى عمر الأربعين كان معتزلياً. وذلك لأنَّ هذا الكتاب مخالف لما عليه أهل الاعتزال. والذي يترجح ـ عندي ـ أن العبارة مقحمة، والأقرب أنها من أحد النُسَّاخ ومتعمدة؛ لأن الأشعري ليس من منهجه ذكر التواريخ، والعبارة لمن تأملها واضحة الإقحام؛ لأن من كتبها يريد إبراز عام سبع وستين ومائتين (٣)، والتكلف يظهر في قوله: «إنني وقفت على إحمادكم جوابي، في المسائل التي كنتم أنفذتموها إلي في العام الماضي، وهو سنة سبع وستين ومائتين، فلو
стр. 269
كانت من قوله ﵀ لكان كاف أن يقول في العام الماضي، فلفظه العام الماضي ثم إظهار تاريخ العام الماضي الذي يظهر أنه قد ألفها وهو في السابقة من عُمره كاف لرد هذه العبارة. وإن كنت لا أميل ـ غالباً ـ إلى التشكيك في الكتب، وإظهار أن فيها دساً؛ لأن في هذا فتح باب شر، وجعل الهوى حاكماً في مثل هذه القضايا، ولكن في هذه المسألة، والتي يرفض العقل قبول أن تؤلف ولم يتجاوز عمر مؤلفها سبع سنوات، متوجه لردها أو على الأقل قبول التعليل بأنها مصحفة.
موضوع الكتاب:
يعتبر هذا الكتاب ذو قيمة علمية عالية لمكانة مؤلفه ولأن فيه جمعاً لعقيدة السلف في الجملة؛ حيث عرض ما أجمع عليه السلف في مسائل العقيدة المختلفة، كالصفات والرؤية، والقدر، والنبوة، والإيمان، وعذاب القبر والصراط، والشفاعة، ومكانة الصحابة … الخ. وقد لاحظ المحقق أن المؤلف في هذه الرسالة عنده ميول إلى النزعة الكلامية التي ورثها من المعتزلة، كذلك استخدامه لبعض الألفاظ التي لم يستعملها السلف لا إثباتاً ولا نفياً، كنفي لفظة الجسم (١). كما لم يكن المؤلف صريحاً في بعض المواقف، كحديثه عن صفة الرضا والغضب (٢).
стр. 270
ثالثاً: - اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع:
هذا الكتاب لم يشك أحد في نسبته إلى أبي الحسن الأشعري. وقد أثبته ابن عساكر في (التبيين)، حيث نقل عن ابن فورك الذي ذكر مؤلفات الأشعري كما أوردها في كتابه (العُمَد في الرؤيا) حيث وصف الأشعري كتابه اللمع بقوله: «وألفنا كتاباً لطيفاً، سميناه كتاب «اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع» (١) كما أثبته شيخ الإسلام ابن تيمية (٢). وهذا الكتاب نشر لأول مرة، عن طريق الأب ريتشارد يوسف مكارثي اليسوعي (٣)، في بيروت سنة ١٩٥٣ م. ثم أعاد نشره الدكتور حموده زكي غرابه، في القاهرة سنة ١٩٥٥ م. وقد دُرس منهج الأشعري وآراءه الكلامية في هذا الكتاب، في جامعة آل البيت في الأردن عن طريق الباحث: إبراهيم محمد خالد عبدالفتاح برقان في عام ١٩٩٧ م.
стр. 271
قيمة الكتاب العلمية:
للكتاب قيمة علمية كبيرة لأمور منها:
١ - قيمة مؤلفه العلمية حيث يُعَدُّ من أعلام العقيدة وعلم الكلام.
٢ - إن بعض أهل العلم قاموا بشرحه كالباقلاني (١).
٣ - إن هذا الكتاب يعد من أهم المصادر للوقوف على أهم آراء الأشعري الكلامية من خلال ردوده على الخصوم ودحضه لاستدلالاتهم.
٤ - إن فيه الكثير من القضايا الكلامية التي رد فيها على المعتزلة.
موضوع الكتاب.
قسم الأشعري كتابه هذا إلى مقدمة وعشرة أبواب وناقش في الأبواب المسائل الآتية: الله وصفاته، الكلام في القرآن، الكلام في الإرادة، وأنها تعم سائر المحدثات، الكلام في الرؤية، الكلام في القدر، والكلام في الاستطاعة، والكلام في التعديل والتجوير، الكلام في الإيمان، الكلام في الخاص والعام، والوعد والوعيد، والكلام في الإمامة (٢).
стр. 272
رابعاً: رسالة استحسان الخوض في علم الكلام
هذه الرسالة من الرسائل التي لا يمكن الجزم بأنها من مؤلفات الأشعري، ولم يذكرها ابن فورك في مؤلفات الأشعري، كذلك لم يذكرها ابن عساكر في استدراكه على ابن فورك. وهذه الرسالة طبعت لأول مرة في الهند في حيدرآباد سنة ١٣٢٣ هـ، ثم أعيدت طباعتها سنة ١٣٤٤ هـ، ثم أعاد طباعتها مكارثي في بيروت سنة ١٩٥٣ م، وهذه الرسالة ليست لها أية مخطوطات. وإن كانت فوقية تميل إلى أن كتاب (رسالة في الرد على من ظن أن الاشتغال بالكلام بدعة) هي رسالة استحسان الخوض في علم الكلام (١). وهذا أمر غير بعيد لتطابق الأسماء، كما أنَّ من غير المستبعد أن يكون تغيير عنوان الكتاب قد حصل من أحد النساخ. وأما التشكيك في صحة نسبتها إلى الأشعري فيرجع إلى ما يلي:
١ - أنها خلت من قائمة ابن فورك وما استدركه عليه ابن عساكر. وهما من أحرص الناس على معرفة كتب الإمام أبي الحسن، كما لم يذكرها ابن النديم من قبلهم. وإن كان ابن النديم لم يقصد سرد مؤلفات الإمام الأشعري، بل ذكر خمسة كتب على سبيل المثال لا الحصر، فلا يمكن الاحتجاج بقوله.
٢ - انعدام أيَّة مخطوطات عنها.
стр. 273
٣ - شكك مكارثي في صحة نسبتها؛ حيث يميل إلى أنها من تأليف أحد متأخري الأشاعرة.
٤ - ذكر بدوي أن أسلوبها يختلف عن أسلوب الأشعري في سائر كتبه.
٥ - يميل بدوي أيضاً لتأكيد صحة مقولة: إن مشكلة الخوض في علم الكلام أو الإمساك عنه مشكلة متأخرة عن عصر الأشعري، ولم يكن ثمة أمر يدعو للخوض فيه.
٦ - وقد ذكرت فوقية حسين، أنها قامت بتحقيق الرسالة لإثبات عدم صحة نسبتها إلى الأشعري تحت عنوان (كتب منسوبة للأشعري)، وذكرت أنه مازال تحت الطبع (١). أما الدكتور: عبد الرحمن المحمود فله رأي آخر؛ حيث يميل إلى صحة نسبتها؛ حيث قال: «إن الرسالة مروية بالإسناد، ولها نسخ خطية، كما أن هناك تشابهاً في بعض العبارات مع اللمع الثابت نسبته إلى الأشعري. ولعلها هي المقصودة برسالة الحث على البحث التي ذكرها ابن عساكر، ولا يمنع أن تكون من مؤلفات الأشعري الأولى» (٢). والذي يترجح صحة نسبتها؛ لأن الخلاف ـ هنا ـ بين من نفاها وبين ما أثبتها قائماً
стр. 274
في الأصل على عدم وجود مخطوط وطالما أن الدكتور المحمود قد أثبت وجود مخطوط، فقد زال الإشكال، ودل هذا على صحة نسبتها خاصة، وأن الخلاف ليس حول موضوع التأويل والإثبات حتى يظن بأنَّ من أثبتها قد أثبتها لنصرة مذهبه، بل من أثبتها لا يحبذ الاشتغال بعلم الكلام فيتوجه القبول بصحة نسبتها؛ لأنه يرى أن اختلاف الاسم واتفاق المضمون بينها وبين رسالة الحث على البحث موجود، والتحريف وقع في الاسم فقط، ورسالة الحث على البحث أثبتها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ نقلاً عن الحافظ ابن عساكر ﵀ (١).
خامساً: الإبانة: وسيأتي لها تفصيل خاص.
سادساً: رسالة في الإيمان: - تعد هذه الرسالة من الرسائل التي استدركها ابن عساكر على ابن فورك، حيث قال: «وقد وقع لي أشياء لم يذكرها في تسمية تواليفه، منها: رسالة في الإيمان (٢)، ولها مخطوط في مكتبة الجامعة الأردنية بعنوان مسألة الإيمان وتحت رقم ٣٨٥٤ ورقة ٥٠ - ٥٢، وهذه الرسالة ذكر حمودة بأنها محققة، ولم يجدها بعد البحث والسؤال، وقد بذل جهداً ـ كما ذكر ـ، لكنه لم يحصل على ما يفيد عنها شيئاً (٣). قلت:
стр. 275
كذلك فعلتُ حيث بحثت عنها فلم أجدها بعد بحث وتقصٍ وأسفار.
سابعاً: العُمد في الرؤية:
وقد أثبت هذا الكتاب ابن عساكر حيث قال: إن أبا الحسن، ذكر في كتابه الذي سماه العُمد في الرؤية أسامي أكثر كتبه (١). كما ذكره السبكي في الطبقات (٢) وشيخ الإسلام ـ ابن تيمية (٣). ولكن لم تصل منه إلا قطعة صغيرة، أورد منها ابن عساكر جزءاً في كتابه التبيين، أما الكتاب كاملاً وبقيته فمفقود غير موجود كغالب مؤلفات الأشعري.
ثامناً: - تفسير القرآن:
وقد أورده ابن عساكر فقال: «وله كتاب صنفه في تفسير القرآن يعتبر أدل دليل على تبرزه في العلم على الأقران، وهو الذي سماه تفسير القرآن، والرد على من خالف البيان من أهل الإفك والبهتان» (٤). كما أثبت هذا الكتاب المقريزي، وقال: «وللأشعري كتاب في تفسير القرآن يقال أنه في سبعين مجلداً» (٥). وهذا الكتاب - ورد بأن اسمه المخترن حيث ذكر ابن عساكر أن الأشعري ألف في القرآن كتابه الملقب
стр. 276
بالمختزن، وذكر بأن بعض أصحابه قد اطلع على طرف منه، وكان قد بلغ سورة الكهف، وقد انتهى إلى مائة كتاب، ولم يترك الأشعري آية تعلق بها بدعي إلا أبطل تعلقه بها وجعلها حجة لأهل الحق، وبين المُجمل، وشرح المشكل (١). وقد أثبت أبو بكر ابن العربي (٢) ﵀ الكتاب حيث قال: «وانتدب أبو الحسن إلى كتاب الله فشرحه في خمسمائة مجلد، وسماه بالمختزن، فمنه أخذ الناس كتبهم ومنه أخذ عبد الجبار الهمذاني كتابه في تفسير القرآن، الذي سماه بالمحيط في مائة سفر، قرأته في خزانة المدرسة النظامية بمدينة السلام [ثم ذكر قصة إحراق نسخة تفسير الأشعري ثم قال: «ففقدت بين أيدي الناس، إلا أني رأيت الأستاذ الزاهد الإمام أبا بكر ابن فورك يحكي عنه، فلا أدري وقع على بعضه أم أخذه من أفواه الرجال» (٣). وذكر السبكي: أن الأشعري قد روى عن جمع من المحدثين ومنهم زكريا الساجي. الكثير من الأحاديث في تفسيره،
стр. 277
ثم ذكر بأن تفسيره كتاب حافل جامع، ثم ذكر بأنه قد اطلع على الجزء الأول منه فوجده بأنه كله رد على المعتزلة وتبيينٌ لفساد تأويلاتهم، وكثرة تحريفهم، ثم بين أن في مقدمة تفسيره ما يقضي ناظره العجب منه. ثم ذكر أن شيخه الذهبي ذكر أن الأشعري لما صنفه كان على مذهب الاعتزال (١). وقد عقب الكوثري على هذا القول بقوله: «وغريب من الذهبي أن يزعم أن هذا التفسير مما ألفه على طريقة الاعتزال، وأنت ترى أنه ما ألفه إلا للرد على المعتزلة، ويقع للذهبي أمثال هذا في تراجم المتكلمين من أهل السنة ـ سامحه الله ـ (٢).
قلت: ولعل مستند الكوثري، تناقض الروايتين اللتين أوردهما السبكي، فمرة يبين أنه كله رد على المعتزلة، ومرة بأنه ألفه حين كان معتزلياً، وقول ابن العربي (أن القاضي عبد الجبار قد نقل منه، يعتبر مؤكداً بأنه قد ألفه حينما كان معتزلياً، والعجيب أن السبكي ﵀ أورد قول الذهبي ﵀ بدون تعقيب مع أن منهجه التعقيب، خاصة على شيخه الذهبي والطبقات شاهدٌ على ذلك) (٣) مع العلم بأنني قد اطلعت في السير على قول الذهبي فلم أجده ذكر هذا القول، فلعل
стр. 278
السبكي أخذه عنه مشافهة أو وجده في مؤلفٍ آخر غير السير. فأنت تلحظ هنا أن ابن عساكر أسماه مرة في تفسير القرآن، ومرة بالمختزن، فلعلهما مسميان لكتاب واحد وقد ذكر الذهبي: (أن هذا الكتاب من مؤلفات الأشعري) (١). ولكن الغريب أن الأشعري ذكر في كتابه العمد أن له كتاباً اسمه المختزن، وذكر أنه ألفه في ضروب من الكلام (٢). وهاهنا إشكال يطرح السؤال التالي: هل المختزن هذا الذي ألفه في علم الكلام - غير المختزن الذي ألفه في تفسير القرآن؟! فبعض الباحثين يرى أن للأشعري كتابين اسمهما المختزن، أحدهما: في علم الكلام، والآخر في تفسير القرآن (٣). وقد رفضت فوقية هذا الرأي، وقالت: «هذا أمر غير مقبول، بل إن ابن فورك قد أخطأ في تسجيل اسم أحد الكتابين» (٤).
قلت: والذي يترجح أن هناك كتابيْن اسمهما المختزن، وقد أوردهما ابن عساكر، ورفض فوقية ليس له ما يبرره خاصة وأنه ليس هناك ما يمنع ـ عادة ـ من تكرار الاسم، بل ولعل أحدهما ألفه قبل الاعتزال كما ذكر الذهبي ويُفهم من كلام ابن العربي، والآخر بعد تركه الاعتزال، والله أعلم. وهذه هي الكتب التي وصلت إلينا، وبعضها قد اندثر كتفسيره للقرآن، والعمد
стр. 279
في الرؤية، أما البقية فهي مطبوعة ومتداولة، أما بقية الكتب فإنما تُعرف بأسمائها دون أن يذكر أحد أنه اطلع عليها حتى يبين مضمونها، وغاية ما هنالك اجتهادات لبيان مضمون الكتاب من خلال العنوان فقط، وأظن هذا لا يكفي، والله المستعان.
стр. 280
المبحث الثاني
الكتب التي لها نسخ مخطوطة ولم تطبع حتى الآن
ذكر ابن فورك وابن عساكر والسبكي، ومن بعدهم فوقية حسين، بأن للأشعري عشرات الكتب والمؤلفات، ولكن وللأسف أن غالب هذه الكتب والمؤلفات لا تعرف إلا من خلال اسمها أما مضمونها فنادراً ما يعرف. وسوف أورد هنا ما وقفت عليه من أسماء مؤلفاته التي لها نسخ خطية ولم تطبع حتى الآن من خلال ما ذكره الباحثون هي كالتالي:
أولاً: شجرة اليقين: هذا الكتاب لم يورده ابن عساكر ولا ابن فورك من قبله، كما لم يذكره بروكلمان، والباحثون من بعده، ولكن فوقية حسين ذكرت بأنه قد ورد في فهرس مخطوطات دار الكتب المصرية، ص ٣ منه. كما أن له نسخة أخرى بالخزانة الملكية بالرباط بالمغرب، وذكرت بأن بياناته كما في الفهرس كالآتي: مصنف مرتب على جملة أبواب في النور المحمدي، والملائكة، وخلق الموت، وحيل الشيطان، وذكر الأرض، والقبر والصبر، وجواب منكر ونكير، وأحوال البعث والنشر، ويلي ذلك وصيتان، إحداهما في التمسك بالصبر والأخرى في كيفية أداء الحج. ثم ذكرت تفصيلات أخرى عن هذا المؤلف (١). كما ذكر إبراهيم برقان: أنه
стр. 281
وقف على مخطوطة لهذا الكتاب في مكتبة الأسد بدمشق (١) تحت رقم ١٨٢٨٦ ومصدره حلب برقم ٧٣٧، وتاريخ النسخ ٥٠٦ هـ، وعدد الأوراق ٥٢ ورقة، كما ذكر أنه قد اطلع على مطبوع لهذه النسخ الخطية في مكتبة الجامعة الأردنية (٢). وهنا لدي ملاحظات:
١ ـ إنَّ هذا الكتاب يحتاج في إثبات نسبته إلى الأشعري إلى مزيد من البحث؛ خاصة وأن الباحثين في القديم لم يشيروا إليه.
٢ ـ من اطلع على بعض عباراته ـ كما أوردت الدكتورة فوقية ـ رحمها الله ـ نصاً منه ـ يشعر بأنه لمتصوف لا لمتكلم، حيث قال في العبارة: «بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد وآله: كتاب شجرة اليقين تأليف الإمام أبي الحسن الأشعري ﵁، وقد جاء في الخبر أن الله تعالى، خلق شجرة لها أربعة أغصان فسماها شجرة
стр. 282
اليقين، ثم خلق نور محمد ﷺ » (١)، ثم ذكرت بعد ذلك عبارات يشم من رائحتها ومن ركاكة أسلوبها أنها لصوفي أراد أن يروج لها، فانتحل اسم الأشعري، فاسمها ومضمونها بعيدان كل البعد عن الأشعري وأسلوبه.
ثانياً: كتاب مقدمة سيدي أبي الحسن الأشعري في علم التوحيد وهذا الكتاب ذكرت فوقية (أنه من المخطوطات المنسوبة للأشعري)، وهذا الكتاب خلت منه قائمتا ابن فورك وابن عساكر ولكنه وجد في جامعة الأزهر في قسم العقيدة، (الأزهر ٢٧٨٠٠٣ عقيدة، برقم ٣٢٠٣، أربع ورقات تاريخ النسخ ١١٥٠)، وله رقم آخر (عام وهو ٤١١٤٥ توحيد)، وأول هذا المؤلف: «بسم الله الرحمن الرحيم، وبه ثقتي، قال الشيخ أبو الحسن الأشعري ـ رحمه الله تعالى، ورضي عنه ـ أول واجب النظر، وذلك بلوغ المكلف الذي يلفظه بالكلام» .. ثم يستمر الكلام في هذه المخطوطة فيتعرض لصفات الله جل وعلا. ثم يتعرض لرؤية الله في الأبصار في الآخرة، وأما آخره فيبين بأن جميع الصحابة أفضل ممن بعدهم، وأن فاطمة سيدة نساء العالمين (٢). وفضلها جماعة على عائشة،
стр. 283
ووقف الشيخ أبو الحسن الأشعري في تفضيل إحداهما على الأخرى. ثم أشارت فوقية ـ بعد ذلك ـ أنه بعد البحث تبين لها أن مقدمة سيدي أبي الحسن الأشعري ليست بقلمه، ثم ذكرت أنها ستقدم مزيداً من الدراسة عنها بكتاب لها تحت الطبع بعنوان (مصنفات منسوبة إلى الأشعري) (١). وقد ذكر الشيخ المحمود في تعليقه ـ على نسخته الخاصة ـ على نسخة فوقية عند عبارة «وفاطمة سيدة نساء العالمين، وفضلها جماعة على عائشة»، بأنها ليست للأشعري (٢).
قلت: والذي يترجح عندي أن هذا الكتاب ليس للأشعري؛ لأمور منها:
١ - إنها خلت منها قائمتا ابن فورك وابن عساكر، ولم يذكرها أحد من أهل العلم الذين ترجموا للأشعري ﵀.
٢ - أن عنوان الكتاب يدل على أنَّ من قد كتبها غير أبي الحسن؛ لأن العنوان (سيدي أبي الحسن الأشعري في علم التوحيد).
٣ - أن لفظة (سيدي)، ليست من الألفاظ المشتهرة عند السلف؛ بل هي من الألفاظ المستحدثة؛ وغالباً ما تستعمل هذه اللفظة عند المتصوفة.
стр. 284
المبحث الثالث
المؤلفات التي لم تصل إلينا ولا أعلم لها نسخ خطية
وإنما نسبها بعض الباحثين للأشعري
ذكر ابن فورك وابن عساكر بأن للأشعري العشرات من الكتب، ولكن هذه الكتب لم تصل إلينا، بل لم يطلعوا عليها في الغالب، وسوف أتطرق إليها في هذا القسم أما ما وصل إلينا أو نقلوا جزءاً منه في كتبهم، فتَّم التطرق إليه في القسم الأول. ولعل أهم مصدر لهذه الكتب هو كتاب ابن فورك الذي عنون له تحت مسمى ـ مجرد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري ـ وقد تطرق شيخ الإسلام ﵀ لهذا الكتاب في الدرء ونقل عن ابن فورك قوله: وكان ذلك على أثر ما جمعت من متفرق مقالات شيخنا الأشعري (١). وكتاب ابن فورك هذا طبع سنة ١٩٨٧ بتحقيق دانيال جيماريه، وذكر ابن عساكر بأن هذه الكتب صنفها الأشعري إلى سنة عشرين وثلاثمائة وهذه الكتب سيتم تقسيمها إلى فرعين: - الفرع الأول: الكتب التي ألفها إلى سنة عشرين وثلاثمائة وهي:
أولاً: الفصول: في الرد على الملحدين والخارجين عن الملة كالفلاسفة
стр. 285
والطبائعيين، والدهريين وأهل التشبيه، والقائلين بقدم الدهر على اختلاف مقالاتهم، وأنواع مذاهبهم، ثم رد فيه على البراهمة (١) واليهود والنصارى والمجوس، وهو كتاب كبير يشتمل على اثنى عشر كتاباً، أول كتاب إثبات النظر وحجة العقل والرد على من أنكر ذلك. ثم ذكر علل الملحدين والدهريين وما احتجوا به في قدم العالم وتكلم عليها. واستوفى ما ذكره ابن الراوندي في كتابه المعروف بكتاب التاج وهو الذي نصر فيه القول بقدم العالم (٢). كما أثبته شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣). وقد علق مكارثي على هذا القول بأنه ربما يكون عنوان الكتاب، أصول وليس فصول. وقد أظهر اطمئنانه إلى صحة نسبة الكتاب إلى الأشعري لما تضمنه الكتاب من مسائل تطرق لها في كتب أخرى (٤). وقد أيدت فوقية ما ذكره مكارثي، إلا أنها رأت التريث لحين العثور على الكتاب