← Джавами‘

Джавами‘ · id 8903

المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة

-

Полный текст (317 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

التفرقة في التخصص وبعد انتهاء الدراسة في الكلية يتخصص الطلاب في شعب ثلاث بعد دراسة ميول كل طالب واستعداداته للعمل بالمنطقة التي تناسب ظروفه الصحية والعقلية والعلمية ليلحق بالشعبة التي تناسبه من الشعب الثلاث الآتية: الشعبة الأولى: وتخصص لإعداد الدعاة لأهم الميادين. وهو الميدان الداخلي في العالم الإسلامي حيث نقل الأعداء إليهم ميدان دعوتهم. ونجحوا في بلبلة أفكار الكثيرين من أهله. ولا يزالون يقذفون في هذا الميدان بدعاتهم ومطبوعاتهم ورشاويهم ويعملون جادين على إلحاق من يربونهم بوسائل الإعلام المختلفة لينفوا مناهجهم التي رسموها كما يعملون جادين بوسائل مختلفة على رفعهم إلى مكان الصدارة فيها. تخصص هذه الشعبة لإعداد الدعاة للعمل في العالم الإسلامي للرجوع به إلى أسسه السليمة وإلى تعاليم الإسلام الرشيدة. قبل أن يهوي به حكامه بعيدا عن الإسلام بدساتيرهم الصناعية التي تبيح أنواع الكبائر كما تبيح الإرتداد عن الإسلام تحت إسم الحرية الدينية وفي الوقت نفسه تحمي القائمين بإنتهاك الحرمات والأعراض وتحليل الكبائر والدعوة إلى الإلحادية والزندقية من سخط الجماهير المتدينة تشجيعا للأولين وإذلالا للآخرين. ولكي يؤدي هؤلاء واجبهم على الوجه المرغوب ويحققوا الثمرة الموجودة من دعوتهم وجب أن يختار لها أوسع العلماء أفقا وأرجحهم عقلا وأقواهم إدراكا وأشدهم تمسكا بالصحيح. فلا تسيطر عليهم تعقيدات المتأخرين من المؤلفين ولا تخريجات ـ المتساهلين التي توقع الناس في الحيرة وتدعهم يسيرون في متاهات من المجادلات تضيع في زحمتها حقائق الإسلام النقية الصافية. ويدرس هؤلاء في هذه الشعبة عادات وتقاليد البلاد التي سيوفدون إليها وأنواع البدع والخرفات السائدة فيهم ولغتهم

стр. 142

إن كانوا يتكلمون بغير العربية وأنظمة الحكومة ومراكز القوة والطرق الصوفية التي تعمل هناك ومواضع مخالفتها للعقيدة الصحيحة وكذلك المذاهب والمبادئ الفاسدة والتي تعمل ضد الإسلام ليكون عند الداعي الإدراك الكامل عما في المنطقة وعن علاجه قبل أن يذهب إلى عمله حتى لا يتعثر إذا عرضت عليه وواجهته على غير علم بها. الشعبة الثانية: تخصص هذه الشعبة لتأهيل الدعاة الذين يوفدون إلى البلاد الوثنية أوـ اللادينية ويدرس هؤلاء جغرافية البلاد التي سيعملون بها من ناحية طبيعتها ومناخها ونباتاتها وحيواناتها وأمطارها وأنهارها. وأهم مدنها وقراها. وما فيها من أمن وإضطراب وقلق. ومصادر ثروتها الطبيعية والصناعية والزراعية. كما يدرسون تاريخ البلاد وأجناس سكانها وخصائصهم وعباداتهم وعقائدهم وتقاليدهم وعاداتهم وخرافاتهم وما اعترى سكان هذه البلاد من أطوار سياسية وتحولات اجتماعية ومن استعمار وعلاقاتها بالدول المجاورة وبالشعوب الأخرى وبالعالم الإسلامي في الماضي والحاضر وعلاقات الأكثرية الوثنية بالأقلية المسلمة. ثم أحوال المسلمين الدينية ومذاهبهم العقائدية والتعبدية. والطرق الصوفية. ودراسة النشاط الديني (مسيحي أو بوذي أو غيرهما) والإرساليات التي تعمل بهذه البلاد وأجناسها ومذاهبها الدينية وخلافاتها الأصلية وما آلت إليه. وأسباب نجاح الإرساليات أو فشلها ونظرة المواطنين إليها وعلاقتها بالحكام. كما يدرس هؤلاء لغة أو لغتين من أهم اللغات المحلية. فإنه لا يكفي أن يعرف المبعوث اللغة الأجبنية (إنجليزية أو فرنسية) التي تنتشر في هذه المنطقة لأنه لا يبعث للمثقفين والمتعلمين فقط لأنهم قلة قليلة بل سيخاطب القاعدة الشعبية والمثقفون والجماهير يتكلمون جميعا بلغتهم المحلية والداعي الذي يكلم القوم بلسانهم أقرب إلى قلوبهم وفي استطاعته أن يتسلط عليهم. ومن أمثلة اللغات المحلية الهامة في بعض المناطق: ١ـ في جنوب السودان: لغة الدينكا والنوير والزاندي. ٢ـ في شرق إفريقيا وجنوبها: اللغة السواحلية. ٣ـ في غرب إفريقيا: اللغة الهوساوية.

стр. 143

مع مراعاة أن يكون عند المبعوث إلمام بالمبادئ العامة للتمريض. فهو في أشد الحاجة إليها في هذه المناطق. كما أن لها أثراً كبيراً في التأثير على سكانها. وإذا ضم إلى المبعوث من يعرف بعض الصناعات المناسبة للخدمات الموجودة في البيئة يكون النجاح كبيراً إن شاء الله تعالى. الشعبة الثالثة: وتخصص لإعداد الدعاة الذين يبعثون إلى أوربا وأمريكا لنقل ميدان الدعوة إلى الإسلام إلى بلادهم. ولوجود البيئة الخصبة لفهم قواعد الإسلام التي يجدون فيها طلباتهم وبغيتهم والذي يؤهل للدعوة في هذه البلاد ينبغي أن يدرس جغرافية البلاد التي يذهب إليها وتاريخها وتطوراتها في الصناعة ومختلف العلوم. وأن يتسلح بالعلوم الحديثة فوق إلمامه بمنطق القرآن وأحكامه وتفسيره وأن يكون ذا دراية تامة بالسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي وإلمامه بحكمة التشريع وتاريخ التشريع بما يجعل موقفه قوياً وسط قوم وصلوا إلى درة عالية من العلم والمعرفة. ثم لا بد من إتقانه إحدى اللغتين الإنجليزية والفرنسية لأنهما المنتشرتان في أوربا وأمريكا أوإتقانه لغة البلاد الخاصة. كما يدرس الخلافات المسيحية التي نشبت بين الكاثوليك والأرثوذكس من ناحية وبين الكاثوليك والبروتستانت من ناحية أخرى ودراسة قرارات المجامع المسيحية التي غيرت وجهها إلى وجه وثني كالح غير مترابط الجزئيات مع مناقضته التامة للمعقول. ودراسة علاقة أوربا بأمريكا والعكس ودراسة الاستعمار القديم والحديث وأثرهما السيئ في المجتمع الإسلامي من تفكك وتخلف وفقر وانحدار. وكذلك دراسة ما أحدثته الحضارة الحديثة في العالم من شرور وآثار سيئة وانحلال خلقي ظهرت آثاره في المجتمعات الغربية (الهيبية وإخواتها) وكذلك دراسة الحروب الصليبية بأسبابها ونتائجها وما اتسمت به من تعصب أعمى وإلى أين انتهت كما يدرس رأي الطبقات المستنيرة هناك عن الدينين: اليهودي والنصراني. وعن الكنيسة والبابوات وتقاليدهما وعاداتهما. ونظرة المثقفين إلى الإسلام من خلال كتبه وفلسفته ومن خلال سلوك المسلمين وأحوالهم وتخلفهم وفقرهم ونظرتهم إلى الأديان الأخرى. ودراسة الصهيونية وموقفها من المسيحية ومن الإسلام وأثرها في تدعيم الإستعمار ووقوفها مع مراكز القوة الدولية من غير مبدأ ثابت. ورغبتها في السيطرة على العالم أجمع. وكذلك دراسة الشيوعية وما يسبقها من نظريات ماركسية

стр. 144

وفلسفات لينينة. ثم دراسة ما كتبه.. المستشرقون عن الإسلام وعن نبي الإسلام ودراسة ما نمقوه وزوروه في تلك البلاد التي خلت من مناقش لهم أو محاسب كما خلت من كاشف للحقيقة وفاضح للأكاذيب والكذابين أول بأول. ودراسة الردود الحاسمة على كل ما كتب. ثم لتعقب ما يكتب بعد ذلك والرد عليه في حينه ليطلع الرأي العام والقراء على الاتهام وعلى الرد الصحيح.

стр. 145

(الناحية العملية في تربية الدعاة) يعنى بتربية الدعاة عمليا من أول يوم يدرسون في الكلية. وتشمل التربية العملية أمرين اثنين:- ١ـ العناية الفائقة بالناحية الروحية فإن الناحية الروحية في أعلى القمة لتربية الداعي. فإنه إذا كان معقود الصلة بالله تعالى. وكان قلبه محرابا لا يعبد فيه غير الله لا يشاركه فيه مال أو جاه أو سلطان. وكانت نيته الخالصة إقامة دين الله تعالى كان عون الله يلاحقه في كل عمل وكان الله لسانه الناطق وقويت فراسته وصدقت ظنونه. وعلا بنفسه وبدعوته عن سفساف الأمور. واستطاع بصفاء نفسه وقوة روحه أن يؤثر في الناس حوله وأن يكون تأثيره فيهم عميقاً ودائما. ٢ـ العناية بالتدريبات العملية في الخطابة والوعظ في الدروس العامة في البيئات المختلفة تبدأ من البدائية والبدوية ثم في المساجد ليتعود الطلاب على مقابلة الجماهير والتحدث إليهم. ويقضي الطلاب كثيراً من أيام العطلات خارج المدينة في معسكرات بصحبة بعض الأساتذة لتأكيد الناحية الروحية عندهم. وفي الإجازات الصيفية يقضي الطلاب بصحبة بعض الأساتذة جزءاً منها في بعض البلاد الداخلية البعيدة أو في البلاد الخارجية التي تختار لهم ليتعرفوا أحوال الناس وليتعودوا على السفر والإقامة بعيداً عن أهليهم وليتمرنوا على الدعوة. مع مراعاة العناية بالناحية الروحية العالية وفي الصيف الأخير يرسل كل فريق إلى البلاد التي سيكلفون موضعاً لعملهم. للتعرف عليها ولتطبيق ما درسوه على واقع الحياة هناك. وليكون لكل طالب ألف بالبيئة الجديدة.

стр. 146

واجب الدعاة نحو أنفسهم وعلى الدعاة أنفسهم أن يكونوا مثلا يحتذى فإن وجودهم في البيئة دعوة

стр. 147

وسيرهم في الطريق العام للدعوة وكلامهم دعوة وعملهم دعوة. فليتقوا الله في أنفسهم وليعلموا أنهم محط الأنظار وموضع القدوة وعلى كل داع أن يراعي ما يلي:- ١ـ أن يكون معقود الصلة بالله ﵎ وأن يكون قلبه معلقاً به وعليه ألا يغفل عن ذكر الله عند كل عمل أو قول وأن يظل دائم الرجاء لله. ٢ـ أن يؤمن إيماناً جازماً بأن ما يدعو إليه هو الحق لا شك فيه والصحيح الذي لا خطأ فيه ليكون تأثيره قويا وأن يؤمن كذلك بأنه يقوم بأشرف الأعمال وأعظمها أجرا لأنه يعمل على تحقيق قوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ كما أنه نائب عن رسل الله جميعا. ٣ـ أن يلتزم التزاما كاملا في قوله وفعله وتفكيره وسلوكه بأحكام الإسلام وتشريعاته. وأن ينظر للحياة كلها بمنظار الإسلام حتى لا يكون مزدوج الشخصية بين ما يدعوإليه وبين ما يأتيه في سلوكه فيهدم دعوته بنفسه. ٤ـ أن يتفرغ للدعوة ولا يشتغل بغيرها من التجارة أو الزراعة.. إلخ. ٥ـ أن يبتعد عن السياسة مطلقاً حتى لا يكون هدفاً سهلاً لسهام خصومه ويتجرأ عليه الناس١. ٦ـ أن يكون شجاعاً في مواجهة الأمور من غير تهور في إبداء رأيه وأن يثبت بجانب الحق لا يتلون. ٧ـ أن يتجمل بالصبر وعدم استعجال النتائج فقد بقي رسول الله ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو قومهم فلم يزد عدد من آمن به عن خمسين ومائة فرد. ٨ـ أن يتعود التدرج في الدعوة وتقديم الأهم على المهم وتلك كانت دعوة الرسل ودعوة الرسول صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً. يشهد بذلك نصيحة الرسول ﷺ لمعاذ بن جبل المذكورة في الصحيحين أن النبي ﷺ قال له "أنك ستأتي قوماً أهل كتاب فادعوهم إلى شهادة ألا إله إلا الله وأني رسول الله. فإن هم

стр. 148

أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض خمس صلوات في اليوم والليلة. فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم.. الحديث ". وكذلك كانت تشريعات الإسلام. ٩ـ أن يوطن نفسه بأنه ستسلط عليه حرب الأعصاب من جبهات متعددة فعليه الثبات على حقه في صبر وليقرأ في ذلك ما وجه إلى الرسول منها في مثل ما أشار إليه القرآن بقوله ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ .. الآيات وغيرها. وكذلك حرب الدعايات بين الدول قديما وحديثا والتاريخ الحديث مفعم بالكثير منها وليعلم أن خصوم الإسلام وخصوم العقيدة الصحيحة لن يتركوه يسير على أرض مفروشة بالورود. كما عليه أن يعلم أن المعاكسة له أمر عادي لأن انتزاع الناس من عقيدة امتزجت بدمائهم وتوارثوها جيلاً بعد جيل من أصعب الأمور وأشقاها على النفوس فليكن حكيما في دعوته وطبيبا في علاجه. ١٠ـ ألا يهاجم غيره ولا يسفه رأي الآخرين. وإنما يعرض الإسلام وتشريعه في مقابلة ما يراه خطأ وألا يهاجم إلا إذا دعته الضرورة القصوى وليكن دستوره في دعوته هو دستور الله ﵎ ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ حتى لا يتحزب الناس ضده وقد يسلط عليه من يضايقه من سفهاء القوم حتى يفلت منه الزمام وينطلق لسانه بالشتم والقذف والسب. فليعف بلسانه عن النزول إلى هذا الدرك وليعلم أن هذا مقصود لجره إليه ولتكن قدوته برسل الله ﵎ ومنهم الرسول الكريم ﷺ فقد كان يدفع السيئة بالحسنة بل ويعطي من شتمه وفوق ذلك كان يدعو لمن أساءه فيقول اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون. ١١ـ ألا يتقيد بزمان أو بمكان في دعوته والا تحول إلى مدرس أو موظف وطبيعة عمل كل منهما تختلف عن طبيعة عمل الداعي ومهمته.

стр. 149

١٢ـ أن يعف عما في أيدي الناس (وليكن ممن يعطي لا ممن يأخذ) فإن من مد يده إلى ما في أيدي الناس لم يستطع أن يمد لسانه ينهاهم عن منكر يفعلوه. ١٣ـ أن يتواضع وألا يتعالى على الضعفاء وعلى الفقراء وعليه أن يجعل نفسه أباً للجميع يحس بإحساسهم ويتألم لآلامهم ويفرح لفرحهم. لينصره الله وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم. وهذا جهدي و (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) ..

стр. 150

مشكلات الدعوة والدعاة في العصر الحديث وكيفية التغلب عليها؟ للدكتور محمد حسين الذهبي مدخل ... مشكلات الدعوة والدعاة في العصر الحديث وكيفية التغلب عليها؟ للدكتور محمد حسين الذهبي الأستاذ بجامعة الأزهر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد ـ فالدعوة إلى الله وإلى دينه الحق هي وظيفة الأنبياء والرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ثم هي واجب العلماء من أتباعهم، ومسئولية المؤمنين جميعاً من أممهم. يقول الحق تعالى مخاطباً رسوله محمد ﷺ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ يوسف (١٠٨) . وهكذا حددت الآية السبيل لرسول الله ﷺ ولكل من اتبعه، وجعلت غايتها الدعوة إلى الله على بصيرة ومعرفة، وأصبحت الدعوة بنص هذه الآية فريضة مستمرة، ينهض بها العلماء، ويضطلع بأعبائها المسلمون في تكافل وتعاون يجعل من عملهم المشترك استمراراً لجهاد رسول الله ﷺ لإعلاء كلمة الله. الدعوة إلى الله واجب عام، مسئولية الوفاء به في أعناق المسلمين جميعاً، وهي مسؤلية يجب للوفاء بها توفير أمرين لا بد منهما ـ وأول الأمرين ـ ما يلزم للدعوة ومتطلباتها الشاملة من مال ينفق منه على ما تقتضيه مجالاتها المتعددة ـ من إعداد للدعاة، وتهيئة للوسائل الضرورية من كل ما هو لازم لتوصيل دعوة الحق إلى الناس داخل بلاد المسلمين وخارجها على السواء، فالدعوة إلى الإسلام لا يجوز الوقوف بها عند حدود عالمنا الإسلامي، بل يجب أن تصل هذه

стр. 151

الدعوة وتبلغ إلى كل ما طلعت عليه الشمس، وكل ما دخل عليه الليل. إن كتاب الله تعالى أنزل ليكون نذيراً للناس كافة، وما بدأه رسول الله ﷺ على طريق هذا الإنذار العام من دعوة لملوك الأرض وشعوبها الذين أتيح له أن يدعوهم. ما بدأه رسول الله ﷺ علينا أن نكمله، فنصل بالدعوة إلى كل مكان نستطيع الوصول بها إليه، تحقيقاً لقول الحق ﵎ لنبيه وعلى لسانه ـ ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ الأنعام ١٩ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ الأعراف ١٥٨ وهو معنى التعميم في آية البلاغ ـ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ المائدة ٦٧ ـ بحذف المفعول، فمعناه ـ والله أعلم ـ بلغ كل من يمكن تبليغه. وإذا كان مجال الدعوة بهذه السعة، وبخاصة في عصرنا الذي يسرت وسائل الاتصال فيه الوصول إلى كل شبر في أرض الله ـ تبين لنا حجم المال الذي لا بد منه للوفاء بمطالب دعوة جادة، تخرج الأمة من دائرة التقصير والتفريط في جنب الله في عالم ضاقت فيه المسافات وألغت الحواجز بين الدول والشعوب. وثاني الأمرين ـ ما يلزم للدعوة من جهاز متكامل ينهض بها في داخل بلاد المسلمين وخارجها. جهاز تتوافر فيه المقومات والخصائص التي تناسب طبيعة الإسلام من تاحية. وتلائم طابع العصر من ناحية أخرى. إن الله يقول ـ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ إبراهيم ٤. لا بد للدعوة من لسان مشترك بين الداعي والمدعو، واللسان المشترك أوسع دلالة من مجرد معرفة لغة مشتركة بل لا بد من معرفة بما تحويه هذه اللغة من ثقافة المدعو وخصائص بيئته، وما يشكل موقفه من أفكار ومعتقدات وما يحكم تفكيره من عادات وتقاليد، لا بد للداعية من إلمام بها حتى يستطيع إحكام خطته في غزو الحصن من حيث يتمكن من فتحه بإذن الله. ولا بد في خطاب البشر خطاباً ناجحاً من مراعاة طبيعة البشر العامة فيهم أولا، ومراعاة الخصائص الجنسية والعرقية ثانياً، ثم مراعاة الفروق الفردية في النهاية. إن عقلية الإنسان هي نتاج تشكله عوامل كثيرة تختلف من شعب لآخر، ومن بيئة لأخرى ومن فرد لفرد.

стр. 152

هذه الفروق الجنسية والفردية على مستوى الشعوب والأفراد أصبحت أساسا مقررا وحقيقة مسلمة لدى علماء النفس والإجتماع وخبراء التربية، وقد إعتمدت عليها نظم التعليم في كل الدنيا، وآن لنا أن نستفيد منها في مجال الدعوة الذي رأينا كيف أسسه القرآن الكريم على أساس الفهم المشترك العميق بين الداعي والمدعو، ليتم الإتصال الذي يحقق الغاية كاملة. لابد للدعوة من توافر هذين الأمرين ـ التمويل الكافي والجهاز المقتدر ويبقى بعد توافر هذين العاملين شرط إذا لم يتوافر هو الآخر ضاعت الآمال المعلقة بالدعوة، وتبخرت الأهداف المنوط بها تحقيقها. وهذا الشرط يتمثل في توفير مناخ صالح تنطلق فيه الدعوة إلى الله خالصة من كل قيد، متجردة من كل غاية إلا غاية وحيدة هي ـ هداية الخلق إلى صراط الله مستقيم، ومعناه ـ أن ترفع عن أجهزة الدعوة في كل بلاد المسلمين أثقال أجهزة السلطة التي تمنعها حرية الكلمة، وتوجهها في كثير من الأحيان لتتحول من دعوة إلى الله، إلى بوق من أبواق الدعاية أو وسيلة من وسائل الإعلام، أوتجمد حركتها بحيث تصبح مجرد وظيفة إجتماعية تتيح لصاحبها موردا للرزق يصبح الحصول عليه هو الغاية الأخيرة. تمويل الدعوة، جهازها، مناخها - هذه الثلاثة هي الميادين التي يجب البحث فيها عن مشكلاتها، والتي يمكن معالجة هذه المشكلات في نطاقها أيضاً. ولنتناول بإيجاز مشكلات كل ميدان من الثلاثة مقترحين ما نراه من علاج ملائم..

стр. 153

أولا: تمويل الدعوة ـ وقد آثرنا البدء به، لأنه يمثل عنق الزجاجة، ويعتبر الصخرة التي تؤسس للبناء أو تصطدم بها وتتحطم عليها الجهود. نحن في عصر تحول فيه صراع الأمم والشعوب من صراع عسكري إلى صراع إقتصادي في جوهره، يتخفى وراء صراع فكري عقدي أو مذهبي، وأصبح من المصطلحات الشائعة في عالم اليوم ما يتردد عن)) الغزو الفكري ((الذي اشتدت ضراوته، واصطنعت له الأساليب والمناهج التي خدمها العلم بجانبيها النظري والعملي على السواء. هذا الغزو الفكري المتبادل بين الشرق

стр. 154

والغرب, وبين مختلف النظم والمذاهب المعاصرة بعضها وبعض، يركز ويكثف جهوده على بلاد العالم الإسلامي بخاصة، وعلى البلاد النامي بوجه عام، فهي- من جهة- مطمح نظره، يرى فيها طلبته التي تحقق مطامعه الإقتصادية، ومن جهة ثانية، يراها مختلفة، وتخلفها يجعلها أكثر طواعية وتقبلا لما يقذف به إليها من فكر، يراد منه أن يكون رباطا وثيقا يشد إليه عقول أبنائها على نحو يجعل منهم تابعين مخلصين، ينفذون له مخططاته في بلادهم دون أن يضطر إلى الكشف عن وجهه القبيح، كما يوفر عليهم الكثير من الجهود والمال لو أنهم اصطنعوا للسيطرة وجه آخر. هذا الغزو الفكري ترصد له ميزانيات ضخمة، وتقام له مؤسسات وأجهزة تخطط له، وترسم له المناهج والأساليب وتعد له من الوسائل والأدوات ما يجعله قادرا على تحقيق غاياته. إن المراكز الثقافية وما إليها، والإذاعات الموجهة، مسموعة ومرئية، والسينما، ودور النشر، وفروع الجامعات الأجنبية والمكتبات العامة الأجنبية التي لها امكانات تجعلها مقصد طلاب البحث العلمي في جامعات كثيرة من بلادنا الإسلامية والعربية وبلاد العالم النامي ـ فضلا عن الصحافة التي تتخذ منبرا يصل صوته إلى كل مكان ـ هذه كلها من أدوات ((الغزو الفكري)) المباشرة، ولعل غير المباشر من هذه الأدوات أشد خطورة وأخفى آثارا. لعل هذا يصور لنا حجم التمويل والمال المرصود لهذا النشاط الزاحف الشرس المصر الدءوب. هذا النشاط الضخم بإمكاناته الهائلة يلقي بنتائجه في طريق الدعوة إلى الإسلام داخل بلاده وخارجه على السواء، نتائج هي عقبات وحواجز وسدود تعترض طريقها من ناحية، وهي معاول تخلخل وتهدم من ناحية أخرى. فإذا رجعنا إلى ((الدعوة الإسلامية)) وقارنا ما هو مخصص لتمويلها في ميزانيات الدول الإسلامية بما تملكه أجهزة)) الغزو الفكري ((وما يرصد لها في ميزانيات الدول التي تمارسه، بدا لنا العجز الكبير في امكانات ((الدعوة)) على المستويين الداخلي والخارجي من حيث القدرة المادية الازمة، والتي بدون توافرها تصبح هذه الدعوة بين موجات الغزو الفكري المضاد قزما بين عمالقة شداد؟؟؟. إن قصور التمويل عن الوفاء بمتطلبات ((الدعوة)) وأجهزتها، وفاء يمكنها من

стр. 155

أن تصمد في معركة الصراع، وتطور من أسلحتها ووسائلها، وتكيف نفسها بالأساليب الملائمة في حرب المواجهة الفكرية والمذهبية، جعلها كالحمائم بين النسور.. وإذا كان ((الغزو الفكري)) ينطلق من مرتكز سياسي في الأساس، فهناك حركة أخرى تنطلق من مرتكز مختلف، ونعني بها حركة التبشير الجديد، والتي تلبس في عصرنا ثيابا وأزياء تمعن في التخفي وتعمية ما وراءها وتجد من مصادر التمويل الرسمية من ميزانيات الدول، والشعبية من تبرعات الأفراد، المؤسسات، والجمعيات، مايجعلها وافرة القدرة بالغة النشاط، تصل بنشاطها إلى كل ركن معلوم أو مجهول في عالمنا.. إنه لولا المناعة الذاتة التي يتمتع بها الإسلام كدين، ولولا جوانب ضعف موضوعية في تلك الدعوات المضادة لا تفلح كل وسائل التمويه في سترها.. لكانت نتائج عدم التكافؤ الخطير بين ممكنات الدعوة الإسلامية وامكانات أعدائها أضعاف أضعاف ما هو واقع فعلا ـ وصدق الله العضيم ـ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ ـ الأنفال ٣٢ إن مقارنة بين ((الفاتيكان)) وحده، بإمكاناته وطاقاته وسلطانه على الشعوب والحكومات المسيحية في العالم الغربي.. وبين أجهزة الدعوة مجتمعة في عالمنا الإسلامي تكشف لنا وتجسد ما تعانيه الأخيرة، وتهيب بنا جميعا أن نبحث عن مخرج لانتشالها من مأزقها.. وهنا نقترح أن تخصص نسبة مئوية من ميزانية كل دولة إسلامية لتمويل الدعوة في الداخل والخارج، نسبة مئوية يتحقق بها لعدل والتضامن في تحمل أعباء هذا الواجب الخطير، وتفي بمتطلبات المهمة الخطيرة التي تنتظر المسلمين اليوم، وفاء بحق دينهم، وبحق الإنسانية التي ضلت طريقها، ولا سبيل لهدايتها إلا عن طريق تعريفها بالدين الذي جاء لهداية البشر جميعا. إن (١%) واحد في المائة، بل نصفا من المائة من ميزانيات كل الدول الإسلامية الغنية والفقيرة، يحقق حصيلة ضخمة تمول منها حركة الدعوة الإسلامية داخل بلاد المسلمين وخارجها تمويلا جماعيا، يتحدد نصيب كل منها بحسب ما تحتاجه لا بحسب ما أسهمت به. إن بلدا إسلاميا كبيرا هو ((أندونسيا)) التي تعتبر أكبر دولة مسلمة في عصرنا عددا يتعرض الآن لحركة تبشير ضخمة وشرسة، استطاعت أن تقتطع من

стр. 156

أبنائه المسلمين نسبة مئوية عالية، حددها بعض المشغولين فيهم بهذه المشكلة بنحو ٤٠% من جملة السكان، وهو رقم مهما كان فيه من مبالغة فإن ما يتبقى بعد حذف كل ما فيه من مبالغة أو تهويل، يكفي لأن يوقظنا من غفلتنا، ويقتضينا أن نسارع بتنفيد هذا الإقتراح على الفور، وتعبئة جيش من الدعاة القادرين لمواجهة هذه المأساة المروعة.. وما يتعرض له المسلمون في الفلبين ألا يدخل في نطاق ما تطالبنا به الآية الكريمة اتجاه المستضعفين من المسلمين حيث كانوا ـ ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ؟ ـ الأنفال٧٢. إن الواجب نصرهم كيفما كانت تبعاته أو أهواله، فكيف بنا إذا لم نتقدم لهم حتى مجرد الدعم الروحي والمعنوي؟ تمويل الدعوة تمويلا يمكنها من الإنطلاق دون معوقات هو أول ما يجب التركيز عليه واتخاذ قرار بشأنه، حتى لا يتحول الحديث إلى مجرد أفكار ونظريات لا تجد لها طريقا لأن توضع موضع التطبيق.

стр. 157

ثانيا ـ جهاز الدعوة وبناء هذا الجهاز بوجهيه البشري، والمادي، رهن بما يتوافر للدعوة من مال تسهم فيه الحكومات بنسبة مئوية كما اقترحنا، ويضم إليه ما يمكن تقديمه من قبل الأفراد والمؤسسات والجمعيات الإسلامية في كل بلاد المسلمين، ومن خلال دعوة جادة ومؤثرة، ندعو للإسهام والتبرع لهذا العمل الجليل.. وجهاز الدعوة يقوم على دعامتين دعامة بشرية هي الأساس وهي القوة الضاربة في الميدان، ودعامة مادية تتمثل في مؤسسات الدعوة مقارها، وأدوات توصيلها ونشرها وكل ما يعتبر وسيلة معينة على تحقيق الإتصال الناجح المؤثر بين الدعاة والمدعوين. ومشكلة جهاز الدعوة الإسلامية اليوم بوجهيه البشري والمادي، تتمثل في عجزه عن الوفاء بمتطلبات الدعوة تحت ظروف العصر عجزا مزدوجا يشمل الكم والكيف معا.. فمن حيث الكم نجد قصورا واضحا في أعداد الدعاة والمشتغلين في مجال الدعوة على وجه العموم، فالمساجد ـ مثلا ـ لا تجد من الأئمة والخطباء من يقومون بهذه الوظائف بأعداد تكفي لتغطية حاجتها جميعا, والواقع حتى في أحسن المجتمعات الإسلامية ظروفا من هذه الناحية ينطق بهذا النقص..

стр. 158

ومثل ذلك يقال عن عدد الوعاظ فالمأهلون منهم قلة محدودة جدا، وبجانبهم أعداد هائلة ممن يمارسون الوعظ هواية أو من خلال جمعيات تعد لهم مستويات من الدراسة تتيح لهم حد أدنى من المعرفة الدينية الضرورية التي قد تكفي لمواجهة حاجات البيئات المحدودة الفكرة والثقافة، ولكنها لا تفي بحاجة الإنسان الذي نال قسطا كبيرا من ثقافة العصر، وتعرض لمؤثراته الفكرية والحضارية..إن ساحة الدعوة الإسلامية داخل البلاد الإسلامية نفسها خالية ـ إلا نسبة محدودة منها ـ من دعاة حقيقين، قادرين على حمل أمانتها والوفاء بتبعاتها... فإذا ألقينا ببصرنا على ساحة الدعوة خارج بلاد المسلمين، وحيث يوجد ملايين البشر مازالوا على فطرتهم، أوشابتهم وثنية انتقلت إليهم بالعدوى، وحيث يوجد ملايين من أصحاب الديانات الأخرى يعانون القلق، ويبحثون عن معتقد تطمئن إليه نفوسهم التي يرهقها الآن أن تتقبل عقائد ومذاهب يصعب على عقل أضاءه العلم وصقلته الحضارة أن يتقبلها. هؤلاء حيارى يتلمسون الضوء في ظلمات بعضها فوق بعض، ولو أن دعوة الإسلام بلغتهم في خطاب يفهمونه وأسلوب حكيم يفتح لها الطريق الصحيح إلى عقولهم وضمائرهم لكان لهم من الإٍسلام موقف آخر، ولغدوا جنودا مخلصين، يستطيعون ويملكون من وسائل نشر الإسلام بين أقوامهم ما لا نملكه نحن في بلاد المسلمين. إن الإسلام ليس ملكا لنا، وإنما هو أمانة الله في أعناقنا، ومن الوفاء بالأمانة أن تودى إلى من هو أقدر على القيام بها والحفاظ عليها، وهو مغزى قول رسول الله ﷺ في حجة الوداع ـ " ليبلغ الشاهد الغائب " ـ رواه البخاري ـ وقوله ـ " رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " ـ رواه الترمذي وحسنه ـ لقد انتشر الإسلام في إفريقيا وآسيا على أيدي التجار المسلمين بأكثر مما انتشر على أيدي الدعاة الرسميين، ذلك أن)) الإحتساب ((غير)) الإحتراف ((وليس من قبيل المصادفة أن يكون هذا القول الكريم ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ شعارا مشتركا بين رسل الله أجمعين. نحن بحاجة إلى تأمل المغزى العميق وراء هذا الشعار لنصل إلى معادلة صحيحة نحل بها مشكلة الدعوة العويصة في عالمنا وهي كيف نوفق بين كون الدعاة غاية يجب التجرد لها والتضحية

стр. 159

في سبيلها، وبين كونها مصدرا ضروريا لرزق من تناط بهم وظائفها في عالم أصبح توزيع العمل والتخصص في المعرفة سمة من سماته؟.. كم من ((الدعاة)) يبشرون اليوم بالإسلام على سطح هذا الكوكب الذي نعيش فيه؟ لو تصورنا أن مليون من البشر يكفيهم داعية واحد ـ وهو فرض أقرب إلى الخيال ـ لكان العدد المطلوب من ((الدعاة)) بضعة آلاف داعية فهل نستطيع أن نحصي على مستوى العالم غير الإسلامي كله أكثر من بضع عشرات؟ تلك حقيقة يجب أن نذكرها وأن نذكر بها.. هذه مشكلة ((الدعوة)) وجهازها من حيث عدد ((الدعاة)) وهم العنصر الأساسي فيها. فإذا انتقلنا إلى مشكلة الدعوة من حيث نوعية الدعاة صدمنا الواقع صدمة قاسية ـ إن مستوى الداعية في أحسن حالاته اليوم لا يفي على الإطلاق بحاجة من يدعوهم. إن انسان العصر يريد أن يجد في ((الدين)) حلولا لكل مشكلات الحياة التي تعترضه سواء في سلوكه الشخصي، أو في علاقاته الأسرية، أو في معاملاته الإقتصادية، ويريد أن يجد في الدين كلمة تضيء له طريقه في قضايا الحكم، ومسائل السياسة، ومشكلات الإقتصاد. والشباب ـ بخاصة ـ في حاجة إلى أن يقدم لهم من خلال الدين نظرة متكاملة للحياة، تستطيع إشباع حاجتهم للمعرفة، وتتيح لهم ما يبحثون عنه من سكينة نفس. واطمئنان الضمير. هذه المطالب المعقدة المتشابكة، يقدم ((الدين)) حلولا جذرية عميقة لها، ولكن السؤال هو ما مدى ادراك ((الداعية)) لهذه المشكلات؟ ثم ما مدى قدرته على استنباط حلولها والإجابات الصحيحة عنها من المصدر الأصيل للدين ممثلا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ يعتمد عليهما أساسا ويستعين بعد ذلك بما يراه ملائما من الأدوات؟.. هل يملك ((داعية)) العصر القدرة على الاقتراب المباشر من هذا المصدر، وأخد الأحكام والحلول لقضايا الحياة المعاصرة ومشكلاتها من خلال نصوصه مباشرة؟ هنا يبرز لنا قصور الإعداد ونقصه حتى على مستوى حملة الشهادات العلمية التي تجيزهم بأهلية العمل في مجال الدعوة، وتقرر صلاحيتهم لها...

стр. 160

هذا القصور إذا أردنا تحديد أسبابه وجب أن نتجه على الفور إلى الجهات التي تتولى إعداد هؤلاء الدعاة، ونتفحص مناهج إعدادهم ووسائل تكوينهم ... وأول ما يلاحظ على هذه المناهج والأساليب – (١) أنها بدلا من وصل الطالب وصلا مباشراً بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ أحلت بديلاً منهما يتمثل في كتب ومذكرات مهما كانت قيمتها فلن تصلح بديلاً في يد داعية لا بد أن يكون على بصيرة في دين الله، يستمدهامن مصادره الموثوقة، وليس من آراء البشر، واجتهاداتهم، وشروحهم وتفسيراتهم، مهما بدت قيمتها في نظر من يضعون المناهج.. (٢) وهذا يقودنا إلى أصل الداء في الدراسات الدينية المعاصرة، ويتمثل في قصور الأدوات التي لا بد من توافرها للتمكن في هذه الدراسات، وفي مقدمة هذه الأدوات ((العربية)) ، وفقه لغة القرآن الكريم والسنة الشريفة. إن مجتهدي الفقهاء لم يتمكنوا من الاجتهاد الفقهي إلا بعد امتلاك ناصية اللغة امتلاكاً تاماً، وعلم ((أصول الفقه)) ـ في جملته وتفصيله ـ هو علم لغوي في أساسه.. وهل استطاع أو يستطيع مفسر جاد أن يجلس إلى كتاب الله هو آية بيانية معجزة وأداته اللغوية لم تكتمل، وذوقه اللغوي لم يصل إلى القمة؟ .. إن فهم مراد الله من كتابه مرهون بالقدرة على النفاذ إليه من خلال أسلوب عربي شاء الله له أن يكون معجزة بلاغية في صياغيته.. وقصارى أمر من يحاول التفسير دون استكمال عدته اللغوية أساساً، أن يكون راوياً لأقوال الآخرين، أو جامعاً منظماً لها، أما أن يكون مفسراً بنفسه، فهذا ما لا سبيل له إليه.. وقل مثل ذلك بالنسبة لمن يفسر أحاديث رسول الله ﷺ .. إن كل خلاف في آراء المفسرين مرده إلى أساس لغوي بالدرجة الأولى، وكل ترجيح بين رأيين فمستنده أساس لغوي كذلك، فكيف يسوغ الترخص في هذا التكوين اللغوي للدعاة وهو أداة الأدوات في يد كل باحث،

стр. 161

ومفكر، ودارس، ومعلم يبلغ عن الله ما جاء على لسان رسول الله ﷺ . إن إعداد الدعاة ـ مهما تضخمت المناهج وتشعبت ـ يضل عاجزاً عن ربطهم ربطاً وثيقاً بمصدر الدين الأساسي طالما بقيت هذه الثغرة.. أعني هبوط المستوى اللغوي في هذا الإعداد. (٣) إذا كانت ثقافة العصر تفرض نفسها على عقول الناس وتخلق فيها من المشكلات ما لم يكن في عقول السابقين فالضرورة قاضية بأن يلم الداعية بتيارات هذه الثقافة، ووزنها، وتمييز ما هو حق فيها وما هو باطل، ثم يسلح بأسلحة ملائمة للهجوم وللدفاع في معارك الفكر التي لا بد له أن يخوضها إذا كان يريد أو يراد له ـ حقاً ـ أن يؤدي رسالته على وجهها. أصالة الثقافة بربطها بالمصدر الأول للإسلام، ومعاصرتها بالتفتح على ثقافات العصر وميادين المعرفة اليوم، كلاهما ضروري لداعية العصر، وإلا كان سطحياً غير عميق الجذور إذا فقد شرط الأصالة، أو منغلقاً ضيق الأفق إذا فقد شرط المعاصرة. لقد حفل تاريخ الدعوة الإسلامية وتطورها بنماذج فريدة من ((الدعاة)) المدافعين عن الإسلام، تمكنوا من قديمهم، وتسلحوا بأسلحة عصرهم. فلم يتهيبوا ميدان النزال، بل اقتحموا وصالوا وجالوا، وغلبوا ورفعوا راية الحق عالية يقذفون الباطل من تحتها بقذائف لم تكن لتخطئ مقاتله.. إن هذا التاريخ ليذكر بالفخر والاعتزاز أمثال أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن حنبل رضوان الله عليهم. ويذر أمثال الحسن البصري وابن سيرين وأبي الحسن الأشعري. ويذكر الباقلاني، والغزالي، وابن رشد، ومن إليهم ممن كانوا حصونا ومعاقل تقف لترد عن الإسلام هجمات الطاعنين والمفترين. ويذكر ابن تيمية، وابن القيم، والشاطبي.. وابن كثير.. ويذكر في عصرنا الحديث محمد بن عبد الوهاب والأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، والكواكبي، ممن كانوا شهبا راصدة تنقض على كل من يحاول النيل من الإسلام بالطعن والتشكيك. إن العودة لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، واستمداد مناهج إعداد الدعاة منهما مباشرة، وتمكين الأساس اللغوي للدعاة، هو نقطة بدأ لا بد من التفكير فيها تفكيراً عميقاً، ومخلصاً، ووثقاً من أن ذلك

стр. 162

هو الطريق لنهضة الدعوةا والدعاة والذي لا طريق سواه، ثم يكون بعد ذلك الانفتاح على ثقافات العصر. (٤) كل ما مضى يتصل بالتكوين العلمي أو المعرفي والثقافي للدعاة، ويحدد جوانب النقص فيه. وبقي جانب وهو أخطر الجوانب كلها في تظرنا، لأن نقصه يذهب بكل النتائج التي نرجيها من وراء تصحيح المسار في التكوين العلمي النظري لمن يوكل إليهم أمر الدعوة ومهامها. إن فلسفة إعداد الدعاة تبدو لنا ناقصة نقصاً خطيراً، ذلك أنها تعنى بالجانب التعليمي التلقيني، أو بالجانب النظري من الإعداد، بينما هي تهمل إهمالاً شبه كامل الجانب التربوي الذي هو الوجه المكمل للوجه النظري. إن العلم وحده لا يكفي لتكوين داعية، والمعرفة وحدها لا تصنع داعية كذلك لقد قال رسول الله ﷺ : "أخوف ما أخاف على أمة كل منافق عليم اللسان" رواه ابن عدي عن عمر. إن العلم إذا لم يستند إلى خلق يحميه من نزوات النفس وطغيان الشهوات ويصونه عن الدنايا وسفاسف الأمور، يصبح كارثة حين يوجه لغايات آثمة، أو يستغل في مآرب خبيثة. إن تنمية الإحساس بأن ((الداعية)) صاحب رسالة: هي امتداد لوظيفة النبوة، ومسؤليتها ـ لذلك ـ مسؤلية ضخمة، والتبعة فيها على قدر سموها وجلالها. تنمية الإحساس بهذه المعاني شرط أولي يجب أن تحرص على التمكين له فلسفة إعداد ((الدعاة)) ولا تغفل عنه في خطوة من خطوات هذا الإعداد. يجب أن يختار ((الدعاة)) اختياراً مدققاً، بحيث تتوافر فيهم مقومات إذا تخلفت كانت البداية خاطئة وغير موصلة إلى الغاية المرجوة. إن المستوى العقلي الجيد، والذكاء بدرجة واضحة ضروري هنا، ومن المقرر: أن الفطانة من صفات الأنبياء ﵈. فلنتعلم جيداً من قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ـ الأنعام ١٢٤. والمستوى الخلقي الممتاز ضرورة فوق كل الضرورات، فالدعوة أمانة لا رقيب على صاحبها سوى ربه وضميره، ومن المقرر كذلك: أن الأمانة من صفات الأنبياء صلوات الله عليهم. والالتزام الديني بالإسلام فكراً وسلوكاً في كل صغيرة وكبيرة مما يجب تمكينه

стр. 163

تمكيناً متأصلا في أنفس الدعاة ومن الخطورة أن نقدم للناس دعاة يقولون ما لا يفعلون أو يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، أو ينهون عن المنكر ولا يتناهون هم عن فعله. إن الداعية قدوة وشرط القدوة تطابق القول والعمل بعد استقامتها على نهج صحيح. تربية الداعية دينياً، وتدريبه على تطبيق الإسلام في حياته عملياً، وتزكية نفسه بما يجعلها متأبية على الدنايا، وأخذه أخذاً بما يحصنه ضد فتنة المال وإغراءات الحياة ثم الترقي به ليعيش في المستوى ((التجرد)) لرسالته مطمئنا ومستعداً للتضحية في سبيلها بكل ما يستطيع.. هذه التربية ضرورية، ولازمة، وبدونها لا يكون هناك معنى للحديث عن دعوة ودعاة: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ـ الأنعام ١٦٢. هذا ما ينبغي أن يكون شعار الدعاة. هذا الجانب التربوي من الإعداد غائب تماماً الآن في بيئات إعداد الدعاة وكيف ننتظر داعية حقيقياً ألف أن تمر عليه مواقيت الصلاة وهو في قاعات الدرس مثلاً مع أساتذته العلماء دون أن يكون من حوله ما يوحي أن هناك التزاماً بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ ـ النساء ١٠٣ ـ ويكفينا هذا المثال. هذه التربية العملية للدعاة على قيم الإسلام ومثله وعلى شرائعه وشعائره، وعلى مفاهيمه وعقائده، لا يغني فيها التلقين ولا المعرفة النظرية، بل لا بد لاستكمال هذا الجانب الخطير من تغير جذري يمس فلسفة الإعداد. ويعدل من المناهج والأساليب، ولن يتم ذلك إلا بأن يتم الإعداد والدراسة والتربية من خلال حياة متكاملة، يتخلق كل العاملين في إطارها بخلق القرآن، ويلتزمون التزاماً كاملا بتطبيق الإسلام شعائر وآداباً وقيما وضوابط للسلوك بحيث يترجم ما يدرسه الطالب نظرياً إلى حياة وممارسة. هل تصلح معاهد اعداد الدعاة الحالية لهذا اللون من التربية؟ بالقطع هي لا تفي بهذا، ولم تصمم مبانيها ومناهجها ولا فلسفاتها على هذا الأساس. وهنا نقترح: انشاء كلية ((للدعوة الإسلامية)) بتمويل إسلامي عام، ويختار لها الدارسون اختيار دقيقا من كل أنحاء العالم الإسلامي، من خلال نظام محكم للقبول لا يمر منه إلا من تتوافر فيه

стр. 164

مقومات خاصة، تؤهله لأن يكون ((داعية)) بمفهوم الداعية الصحيح. هذه الكلية يجب أن تختلف كلية عن المألوف في النظم الجامعية أو المدرسية العادية. فالدراسة والتربية فيها متكاملتان، وتبدآن من سن باكرة ١٢ ((سنة مثلا)) . والمراحل فيها مترابطة تسلم كل منها إلى ما يليها. والحياة فيها تصمم بحيث تتيح لأصحابها معايشة الإسلام معايشة حية تحوله إلى نسيج نفسي وعقلي داخل الدارسين، وإلى ظواهر صادقة في سلوكهم. ونظم التقويم فيها يجب أن تشمل الجانبين العلمي والتربوي أو المعرفي والسلوكي. وهيئة التدريس وجهاز التربية فيها يجب أن يكون كله من رجال لهم ـ إلى جانب علمهم وخبرتهم ـ اهتمام بالدعوة إلى لله، بدرجة تجعل منهم مجاهدين محتسبين، وليس مجرد موظفين يتقاضون أجورا يتنافسون عليها.. أما المناهج: فيجب أن يتوافر فيها ما يغطي جوانب النقص التي فصلناها هنا وفي مقدمتها: ـ ١ـ ثغرة الضعف في التكون اللغوي. ٢ـ ثغرة الإنفصام عن المصدر الأصلي للإسلام ممثلا في الكتاب والسنة. ٣ـ ثغرة الإنغلاق وعدم الإقتحام لثقافات العصر وتحديد مواقف منها. وليس ثمة ما يمنع أن يكون في خطة الدراسة مجال واسع لتدريب عملي على البحث العلمي من ناحية، وعلى ممارسة فنون الدعوة العملية: من خطابة ومحاضرة، ودرس، وحوار، ومناظرة واذاعة.. إلخ. إن تركيز جهود الإعداد في ((كلية إسلامية)) كبرى يمكن تطويرها لتصبح جامعة للدعوة خير بكثير من تفتيت الجهود في وحدات صغيرة الإمكانات، عاجزة عن تطبيق مثل هذه الفلسفة. ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى ضرورة العناية بتدريس اللغات الأساسية المنتشرة في بلاد العالم الإسلامي غير الناطقة بالعربية، وبلغات العالم المعاصر الحية والواسعة الإنتشار. ٥ـ بقي جانب مهم لاينال ـ في واقعنا ـ ما يستحق من عناية في مناهج اعداد الدعاة ونعني به الجانب الفني العملي للدعوة في مجال الممارسة والتطبيق. إن ((الدعوة)) حين يمارسها الداعية خطابة، ووعظا، وفتيا، ودرسا، ومحاضرة، وحديثا اذاعيا، وحوارا، ومناضرة، وهجوما، ودفاعا..

стр. 165

هي في كل ذلك ذات وجه فني يتمثل في أساليبها وطرقها. وإذا كان الفن في ذاته استعداد بالدرجة الأولى، فإن ذلك لا يغني عن دراسة الأصول العامة التي تكشف عن حقائقه، وتصقل مواهبه، وتعين عل الإبداع والتطوير الناجح خلال الممارسة. وإذا كانت مناهج الدراسة تزود الداعية بالمضمون الفكري الذي يستمد منه، وإذا كانت التربية المتكاملة التي اقترحناها تكوّن شخصية تكويناً متوازناً يؤهله لرسالته، فإن استكمال هذا الجانب الفني المتصل بالأساليب والأدوات لا بد منه. الخطابة ـ مثلا ـ فنّ، أساسه استعداد فطري لا شك، لكن فهم الخطيب لطبيعة موقف الخطابة، وتكيفه بظروف الحاضرين، وأنها لون من السياسة النفسية للجماهير، وتصلح لتناول موضوعات دون غيرها، وتحتاج لاصطناع أسلوب غير ما يحتاج إليه في محاضرة مثلا، إلى ما يكون للآداء الصوتي من تأثير، بتلوين نبرات الصوت ودرجته، والوقفات والسكتات التي تتخللها، والسرعة والبطء، وطول الجمل وقصرها، وكونها مرسلة أو مسجوعة أو متوازنة.. وكيف يكون تفجير طاقات الناس واستفسارهم، أو استهواؤهم. وتهيئة قابليتهم لما يلقى إليهم، كل أولئك مما يفيد ((الداعية)) معرفته، ويزيد من بصيرته بفنه الذي يمارسه. إن القرآن الكريم، حافل بالمناهج، والأساليب، والطرائق التي يتمكن الاستنباط منها والاستهداء بها في كل موقف نوعي يقفه الداعية أو يتعرض له: خطابة، وحواراً، وقصصاً، وموعظة، وتقريراً في تنوع يقدم لكل مقام ما يلائمه، ولكل موضوع ما يناسبه. وفي سنة النبي ﷺ ومواقفه العملية ذخيرة ثمينة وثرية لو تناولها باحث بالدرس والاستقراء، واستنبط منها الأصول النفسية والاجتماعية والدينية التي تفسر نفاذ النبي ﷺ إلى قلوب الناس وعقولهم. في سنة النبي هذه ما لو تناوله باحث حصيف لقدم لنا ما يمكن أن نسميه: علم نفس الدعوة، على غرار ما يعرف من علم النفس التعليمي أو التربوي. ويعمق أكثر فيما يتصل بطبيعة النفس، إذا كان منهج النبوة في دعوة الناس منهجاً ربانياً ألهمه إياه ربنا الذي أعطى كل شيئ خلقه ثم هدى..

стр. 166

وفي وصايا النبي ﷺ لمبعوثيه الذين أرسلهم معلمين هنا وهناك من أمثال معاذ بن جبل، وفي إجاباته عن أسئلة محددة من أشخاص ذوي سمات خاصة مجال واسع لتأمل رشيد، يعود على صاحبه بما يفتح بصيرته على رؤى ومدارك لم يكن يراها من قبل. إن العصر الذي نعيشه ابتكر من وسائل الاتصال والتوصيل ما لم تعرفه الدنيا ولا سمعت به قبل قرن واحد. وكلها مما يتوسل به لتوصيل الكلمة نافذة مؤثرة بأقصى ما تحتمل من هذا التأثير. والدعوة الإسلامية ـ وأداتها الكلمة ـ لا بد لها من تفكير جاد في دراسة وسائلها التقليدية لتطورها من جهة، ولتكملها بما استحدثه العصر من وسائل تلائمها وتجعله أكثر قدرة على النفاذ إلى القلوب والعقول. إن نقاء أجهزة الدعوة الإسلامية في عالمنا مقيدة بهذه الحدود والوسائل الضيقة التي دفعت إلى مضايقها دفعاً خلال فترات مختلفة من تاريخ المسلمين، يجعلها متخلفة عن الوفاء بحاجة العصر. والمسلمون طوروا كل أساليب حياتهم تقريباً. واستحدثوا كل جديد رأوه نافعاً في مجالات الحياة، ومن واجبهم أن يعطوا ((الدعوة)) إلى الله جانباً من هذه العناية.

стр. 167

ثالثا: مناخ الدعوة وهو الميدان الثالث الذي تنبثق منه مشكلات كثيرة تتصل بالدعوة والدعاة بل لعله أخطر الميادين كلها على الدعوة سلباً وإيجاباً. إن مناخ ((الدعوة)) حينما يكون ملائماً يتيح لها من الحرية والانطلاق ما هو شرط ضروري لازدهارها وإيجابيتها، وحين يكون هذا المناخ غير موات بما يسوده من كبت وتقييد تفقد الدعوة أول شرط لحياتها، وتصبح مختنقة محبوسة الأنفاس. حينما قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ـ الجن ١٨ فقد قرر حق الدعوة في حرية مطلقة لا قيود عليها، وأوجب على الدعاة ألا يذعنوا لأي نوع من أنواع الضغط أو التوجيه الذي ينال من تجردهم للغاية التي جندوا أنفسهم لها. وإذا كان من واجب حكام المسلمين أن يوفروا للدعوة هذه الحرية الكاملة فمن واجب الدعاة كذلك ألا يسيئوا استخدام هذه الحرية بما يسئ إلى أممهم ودولهم دون غاية من دين أو دنيا تبرر هذه الإساءة. وإذا كان لا بد هنا من ضابط لهذه الحرية فهذا الضابط يتمثل في أمرين:

стр. 168

١ـ تجريد الغاية كلية لله، فلا هوى ولا غرض، ولا مرض ولا عرض من أعراض الدنيا. ٢ـ سمو الأسلوب، واستقامة المنهاج بالالتزام بما أرسته الآية المباركة. ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ النحل الآية ١٢٥. إن حرية الدعوة يقابلها الالتزام بهذا الأدب الإلهي الذي سنه الله تعالى لإمام الدعوة صلوات الله وسلامه عليه. حرية الدعوة والتزامها على هذا النحو هي الصيغة الوحيدة التي يمكن على أساسها حل المشكلة الأساسية التي تعاني منها)) الدعوة الإسلامية ((في كثير من البلدان، وهي مشكلة كونها تابعة للحكومات والسلطات. والمشكلة هنا ذات أبعاد يجب تأملها ليمكن تصورها على نحو صحيح. ماذا تعني تبعية أجهزة الدعوة في بلد ما للحكومة المسؤولة فيه؟ تعني أولاً: أن ينسحب منطق الوظيفة على هذا الجهاز.. فالعاملون فيه موظفون تحدد عليهم واجبات، وتقرر لهم حقوق، ويخضعون لنظام من التوجيه والرقابة تشبه إلى حد كبير ما يسود مجالات الحياة الأخرى، كما يتعرضون لنظام العقاب والثواب أسوة بغيرهم من موظفي الدولة هنا وهناك. هذا الإطار الوظيفي إن صلح لأي مجال آخر في الحياة فهو في مجال الدعوة غير صالح على الإطلاق، فالدعوة إنما تقوم أٍساساً على الالتزام أمام الله وليس على الالتزام من جانب السلطات كائنة ما كانت. ونظام الرقابة في هذا المجال لا يمكن أن يأتي من خارج الإنسان، وإنما يجب أن يتولد من داخله خلال عملية الإعداد والتربية والتكوين. إن ضمير الداعية يجب أن يكون الفيصل في مسألة الرقابة وما يتصل بها وحاجة الدعاة إلى رقابة خارجية معناه: فشل إعدادهم وتربيتهم من ناحية، وعدم صلاحيتهم لمهمتهم من ناحية أخرى، وخير للدعوة ـ ألف مرة ـ أن ينحى عن مجالها كل من يحتاج لرقابة خارجية من بقائه في ساحتها. وتعني ثانياً: إحساس جهاز الدعوة التابع بأن مصيره وقدره مرتبط بطاعته لأولي الأمر، وأن مخالفته إياهم ـ ولو كان فيها إرضاء الله ـ يعرض حياته وحياة من يعولهم لخطر يتصل بمصدر رزقهم.

стр. 169

هذا الإحساس يهدهد من شجاعة الدعاة في الجهر بكلمة الحق، وينمي، بالتدريج روح الهوينى ويبرر الخمول والكسل، حتى ينتهي الأمر إلى أداء شكلي هزيل ... وتعني ثالثاً: أن يدخل ((الدعاة)) في معركة المطالبة بتحسين الأوضاع، فهم جزء من جهاز الدولة يتأثر بما حوله، ودخول الدعاة في هذا الجو مشغلة من جهة تصرفهم عن وجهتهم، وتبدد الكثير من طاقاتهم، ومن جهة أخرى ينال من صورتهم ـ كمثل وقدوة ـ في أنظار الناس، وعلى هذه الصورة يتوقف الكثير من استجابة الناس لهم ورفضهم إياهم. وتعني رابعاً: أن على جهاز الدعوة أن يختار أحد طريقين: إما أن يساير ما يجري في مجتمعه ما دامت القائمة تقره، وإما أن يقول كلمة الحق معلناً أن السلطات تخالف حكم الله في هذا الذي أقرته، هذا الصراع النفسي داخل الداعية موجود مستمر طالما ظل هناك انفصال بين مواقف الحكام في التشريع والتطبيق وتنظيم الحياة، وبين توجيه الإسلام. والحق أن هذه المشكلة من أعقد مشكلات الدعوة. فتبعية الدعوة للحكومات تضمن لها وللقائمين عليها مواد يصعب تدبيره عن طريق آخر ومعناه: أن قطع هذه التبعية يقتلها قتلاً! واستمرار هذه التبعية يعرض الدعوة في كثير من الأحيان لضغوط تشل فاعليتها وتفرغها من مضمونها! والحل في نظرنا يمكن تحقيقه على النحو التالي: ١) توفير ضمانات كافية تؤمن ((الدعاة)) تأمينا كاملا فيما يتصل بأرزاقهم، بمعنى أنهم لا يصادرون في أرزاقهم مهما كانت المآخذ أو حتى التهم التي توجه إليهم! ٢) أن تتولى محاسبة من يرى أنه ارتكب ما يوجب المحاسبة هيئة علمية تحاكمه على أساس واضح من مقررات الإسلام التي لا يجوز للداعية أن يذعن لغيرها، ولا يجوز لغيره أن يحاكمه إلا على أساسها. ٣) التفكير في نظام يكفل تمويل الدعوة على مستوى العالم الإسلامي ـ كما اقترحنا في صدر البحث ـ وبحيث لا يكون هناك سلطان مباشر للحكومات على الدعاة. هذه هي المجالات الثلاثة الكبرى

стр. 170

التي تتركز فيها مشكلات الدعوة والدعاة.

стр. 171

عقبات وتحديات تعترض طريق الدعوة ... وبقيت أمور تمثل عقبات وتحديات تعترض طريقها وسوف نشير إلى أهمها فيما يلي: أولاً: عقبات داخل مجال الدعوة نفسها: ١) ومن ذلك تعدد أجهزة الدعوة، كيانا، وتوجيها، وإشرافا، وهو أمر له خطره المتمثل في تضارب الاتجاهات، وما يترتب على ذلك من شقاق، وبلبلة تهز ثقة الناس، وتجعلهم يتساءلون: ترى من المحق من كل هذه الطوائف؟ ولماذا يكون بعضها أولى بالحق من الآخرين. ٢) ومن ذلك ترك ساحة الدعوة فوضى يتجول فيها هواة، ومشعوذون، ودجالون، ومرتزقة كاذبون، ولعل ما يجري تحت اسم الطرق الصوفية في أنحاء العالم الإسلامي أسوأ ما يعترض طريق الدعوة الحقة!! ٣) ومن ذلك مناهضة أجهزة الإعلام والثقافة العامة بوعي وبدونه لأجهزة الدعوة مناهضة تملك من الوسائل والطاقات ما يكاد يذهب بأثر الأخيرة ذهاباً كلياً، ومن أخطر ما يجري في هذا القطاع التعريض بالدعوة ورجالها، والنيل من مكانتهم، ومحاولة التأثير على صدورتهم عند الجماهير بما يضعف استجابتهم لهم. ٤) ومن ذلك ميل كثير من العاملين في مجال الدعوة إلى الهروب من الميدان، والاتجاه إلى مجالات أخرى يرونها أكثر سخاء في العطاء الدنيوي وهذا أكبر دليل على أن فكرة)) الرسالة ((والإحساس بها لم تنشأ في نفوسهم، ولم يعن بتنميتها فيهم من خلال مراحل الإعداد!!.. ثانياً تحديات من خارج المجال: وفي مقدمة هذه التحديات ما يتستر ويتخفى تحت شعار العلم متخذا منه قناعاً من جهة ومعبراً يعبر منه إلى عقول الشباب المعاصر من جهة أخرى! من هذه التحديات: ١) تلك النزعات والمذاهب والفلسفات المادية التي تفد من الشرق ومن الغرب على السواء، والتي تلتقي على غاية واحدة، قلع بذور الدين والتدين من العقول والقلوب وأصحاب هذه الاتجاهات يحاولون إضفاء صفة العلم عليها، لما للعم اليوم من سلطان على العقلية المعاصرة

стр. 172

وخاصة في بلاد العالم الصناعي، حيث قدم العلم إنجازات جعلت تلك المجتمعات تقيم منه إلها تعبده، وتتعبد في محرابه. إن فتنة العلم في عصرنا هي أخطر ما يجب مواجهته، وكشف ما ينطوي عليه من مغالطات وتجن على الحقيقة، وافتعال الإدعاء بأن الدين عدو للعلم. ٢) ومن فروع هذه الشجرة الآثمة ذلك الاتجاه ((العلماني)) الذي يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، وهو اتجاه قد يكون له ما يبرره في بلاد نبذت الدين كلية، أو فشلت في محاولة التوفيق بين نظرة العلم ونظرة الدين الذي تدين به للحياة، لكن هذا إذا ساغ في أي مجتمع يستظل بأي دين فإنه في مجتمع يستظل بالإسلام لا يزيد عن تقليد جاهل أو محاولة مغرضة تريد حرمان المجتمع الإسلامي من أعظم مقوماته، ومن أعمق دوافعه، ومن أقوى حصونه في الصمود والدفاع عن نفسه في مواجهة أعدائه. في مجتمع الإسلام لا مكان لهذه المشكلة، بالمرة، فالدين الحق والعلم الصحيح أخوان، وفي تعاونهما معاً ازدهار الحياة وتقدمها، والداعون للعلمانية في مجتمعات الإسلام هم ـ بحق ـ الرجعيون الذين ينطلقون من منطلقات جاهلة أو حاقدة.. ٣) ومن فروع هذه الشجرة الآثمة أيضاً ما نراه من انفصام بين الجامعات والمراكز التي تتولى شئون البحث العلمي في بلاد إسلامية متعددة، وبين روح الإسلام ونظرته للعلم والعلماء، وهي ثمرة مرة جاءت نتاجاً غير صالح لما كان من فصل متعمد بين التعليم الديني والتعليم المدني أرسى الاستعمار قواعده، ورسخ أصوله، وأحدث ثغرة هائلة في بنية المجتمع الإسلامي المعاصر، يجسدها هذا الانفصام بين مراكز التوجيه والقيادة الفكرية فيه، وبين الإسلام على درجات متفاوتة. ٤) ومن التحديات التي تواجه الأديان بوجه عام ما يبدو من ميل علم كذلك إلى التحلل من الدين، والتخفف من تبعات التدين، وهي ظاهرة عامة في كل المجتمعات تعكس روح العصر، ومن الغريب أنها بدأت تنحسر في المجتمعات المتقدمة وظهرت فيها نزعات

стр. 173

تطالب بالعودة إلى الدين، هذا بينما هي في المجتمعات النامية ما زالت تأخذ صورة المد، ولم تنحسر بعد. ٥) وهناك تحد خطير، لأنه يمثل خميرة الشيطان في مجتمعات المسلمين لقد تمكن الملاحدة من الماركسيين وغيرهم في كثير من بلاد العالم الإسلامي من أن يكون لهم وجود منظم أو معترف به، في شكل أحزاب، أو تجمعات تمارس نشاطها علانية أو تحت الأرض. هذه التجمعات الإلحادية تركز نشاطها على الشباب، وتستثمر الظروف الصعبة التي تعانيها بعض تلك المجتمعات، لحساب مبادئها الهدامة، وأغراضها المشبوهة وقد مكنها ما أضفى عليها من شرعية في بعض تلك البلدان من أن تستعلن، وتفصح عن مبادئها، وتدعو إليها جهاراً نهاراً. وبعد فلعلنا نكون ـ بهذا التفاؤل الموجز ـ قد ألقينا ضوءا كافياً على ما يعترض الدعوة الإسلامية من مشكلات وما يعترض ((الدعاة)) من عقبات حرصنا على أن نضعها في أطرها العامة ليسهل التعرف عليها، والنفاذ إلى جذورها وأسبابها، بما يهيء السبل الصحيحة لعلاجها والخلاص منها. إننا لو استطعنا تحقيق وتطبيق معطيات هذه الآيات الكريمة في محيط الدعوة الإسلامية ومجالاتها لكان لها من هذا التطبيق ما يخلصها من مشكلاتها، ويمنحها قوة دافعة تسرع بها نحو غايتها. لنرفع قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ شعاراً لتجرد الدعوة والدعاة. ولنرفع قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ عهداً بالتضحية والفداء. ولنرفع قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ تذكرة بالاحتساب. ولنتخذ من قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ معياراً لما يجب أن يكون عليه الداعية تفقهاً في دين الله، ومعرفة بالطريق إليه. ثم لنتخذ من قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ، منهاجاً ودستوراً وأدباً يتخلق به الدعاة. وأخيراً لنتخذ من قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ مناراً نطل منه على آفاق الدعوة التي يجب أن نبلغ بها إليها. والله من وراء القصد موفق ومعين، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون.

стр. 174

من هنا فلنبدأ أعمالنا للدعوة للشيخ محمد المجذوب تمهيد ... من هنا.. فلنبدأ أعمالنا للدعوة لفضيلة الشيخ محمد المجذوب المحاضر بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة تمهيد: لو أن راصداً لألوان المحاولات الإصلاحية، في عالم الإسلام الرسمي المعاصر، أراد أن يشير إلى واحد منها يتخذه إطاراً لها جميعاً لكان محقاً أن يختار له اسم (المؤتمرات الإسلامية) فقد تعددت هذه المؤتمرات، وتعددت أغراضها، وتعددت أمكنتها، وتعدد شهودها، من حكام وعلماء ومفكروين واقتصاديين وليس آخرها هذا المؤتمر المقصور على شئون الدعوة. وهي ظاهرة أيا كانت حصائدها من حقها أن تحرك موات الأمل في مستقبل يرجى أن يكون أفضل بما لا يقدر من الحاضر، إذا تولته عناية الله الذي نزل الذكر وتعهد حفظه بقدرتها التي لا يعجزها شيء. إلا أن من أولى مهام الناهضين بأعباء هذه المؤتمرات أن يتوقفوا بين الحين والحين لمراجعة حساباتهم، وتقدير المسافة التي قطعوها إلى أهدافهم. وعلى ضوء المحصلات يمن تثبيت الخطى أو تعديلها في المسيرة الطويلة. وأنا كمسلم، تتحد رؤيته للهدف بأنه تحقيق المجتمع الإسلامي، الذي يطلع إليه ضمير الإنسان ـ الذي اضطربت رؤيته، وزاغت بصيرته، فبات كالضارب في صحراء لا مخطط لها ولا دليل عليهاـ لايغلبني التشاؤم فأنكر على هذه المؤتمرات خيرها، ولا أستسلم للتفاؤل فأبالغ في تضخيم محصولها.. ولكنني أوثر تقويم الواقع للإنطلاق منه الى التي هي أحسن. من هنا أراني مضطرا، بإزاء هذا المؤتمر المرموق، الذي يعقد لبحث متطلبات الدعوة، في الجامعة الإسلامية التي انشئت لخدمة الدعوة على مستوى العالم الإسلامي، وفي مهبط الوحي الذي منه انطلقت أشعة الوحي لتضيء

стр. 175

طريق الإنسانية، أجدني مضطرا إلى التذكير بالحقيقة التالية: إن الإسلام هو دعوة الله الخالدة الشاملة، وكل مؤمن بها فردا أو جماعة مكلف اذا عتها ونشرها في حدود طاقته ووسائله.. ولكن أول شروط الداعي وضوح الرؤية لديه بحيث يعرف من أين يبدأ أو إلى أين يريد أن ينتهي، وما حدود المجال الذي سيعمل فيه.. وعلى هذا لا مندوحة عن الإجابة مبدئيا على هذا السؤال:

стр. 176

من أين نبدأ: في مطالع البعثة النبوية كان على الداعي الأول ﷺ أن يؤمن بنفسه أولا نبيا مختارا من قبل الله، حتى إذا تضلع من اليقين بهذه الحقيقة جاءه الأمر الأعلى بدعوة الآخرين من عشيرته الأقربين، ومن ثم، وبعد أن أخذ الإيمان مستقره في صدور الصفوة من هؤلاء، استقبلت الدعوة مرحلتها العالمية فراحت تنتشر مع الشمس في كل اتجاه من دنيا الناس، تحملها نفوس صفت التربية الربانية مقوماتها من عوامل الضعف والهبوط، فكانت بنفسها صورة نموذجية للخير الذي تدعوا البشر إليه. تلك حقيقة يعرفها كل واع لتاريخ الدعوة الإسلامية، ولا مندوحة عن اعتبارها المنطلق الأول لكل تحرك في هذه السبيل: وعي الدعاة لما يريدون دعوة الناس إليه، ثم إيمان يسترخص كل شيء دونه وفي سبيله، ثم تميز بصفاته الواضحة عن كل ما عداه من الدعوات والمذاهب، فلا مساومة ولا مشاركة، ولا أنصاف حلول، وإنما هو تصميم قاطع على التحقق بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ..﴾ . وعلى هذا فلا مناص للعاملين فب نطاق الدعوة من تحديد نقطة البدء في منطلقهم، وهي تكوين أنفسهم، وتنظيم طاقاتهم على روح الدعوة التي آمنوا بها، حتى لا يلحظ الآخرون أي تناقض بين ما يقولون وما يفعلون. فإذا كان الداعي فردا من المثقفين كانت عدته الأولى بالحق الذي يريد اشاعته، وإذا كان الداعي دولة أو حاكما فالتبعة أكبر وأثقل، لأنها تقتضيه أن يكون الحارس الأمين لمبادئ دعوته، يستلهم أحكامها في كل صغيرة وكبيرة من عمله، فلا يحيد عنها في قضاء أو تدبير أو تنفيد.. ويكون في سلوكه الشخصي صورة حية من العدالة والنزاهة، اللتين يتميز بهما الحاكم المسلم، فيستحق أن يكون

стр. 177

القدوة الصالحة لمن تحت يده من المؤمنين بهذا الدين والجاهلين له على سواء. أجل.. تلك هي الحقيقة، التي لابد من التزامها لإنجاح العمل، الذي ينعقد هذا المؤتمر المبارك من أجله.. ولذلك كان لزاما على كل مفكر يؤمن بهذه الحقيقة أن يحاول جهده الإرتفاع إلى مستواها أولا، لئلا يندرج تحت قوله تعالى ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ..﴾

стр. 178

الإسلام والجاهليات منذ انبثق فجر الإسلام بدأت معاركه مع الظلمات الجاهلية، فما تخمد نار احداها حتى تستعر أخرى وقد استطاعت أن تمد ألسنتها في الكثير من الأحايين إلى قلب حصونه، فتدمر وتشوه، وتزلزل أعصاب الكثيرين من ضعفاء الوعي، فتؤلف منهم عصائب وفرقا، ما زالت بهم حتى جعلت منهم أشد أعداء الإسلام نكاية له، وتصميما على استئصاله.. وفي عصرنا الراهن نماذج رهيبة من هذه المعارك، اختلفت أدواتها، وتباينت أساليبها، ولكنها تلتقي جميعها على الغاية الواحدة التي هي تدمير الإسلام. ومعلوم لكل ذي لب أن خصوم الإسلام في هذه المرحلة الرهيبة قد حققوا غير قليل من النجاح في صميم العالم الإسلامي، إذاستطاعوا بوسائلهم المدروسة البالغة الدقة أن يتسللوا إلى كل معقل منه، فيعملوا فيه هدما وافسادا. لقد أخذوا على المسلمين سبل الحياة جميعا، فأفقدوهم الثقة في أنفسهم ومقوماتهم أولا، ثم أقنعوا أولى السلطة منهم ـ إلا من رحم الله ـ ألاّ منفذ إلى أي تقدم إلا عن طريقهم وبتوجيههم.. وهكذا أصبح المسلمون في كل مكان، وبأيحاء هذا الإيهام، رمز الأمة التي قدر لها أن تكون نموذج التخلف في قافلة البشرية، بعد أن كانت رائدة الركب الحضاري، لاعمل لها إلا حراسة الخامات التي أنعم الله بها عليها لتقدمها إلى خصومها بأرخص الأثمان، كي يردوها إليها مصنعة بأضعاف أثمانها. وعلى دأب المستضعفين في الإعجاب بالمستضعفين أقبل المسلمون على تعقب آثار هؤلاء دون تفريق بين الضار والنافع، والصحيح والفاسد، بل لقد أسرفوا في الجانب الادني من شؤنهم، حتى أوشكوا أن يتميزوا به.. فطرز أبنيتهم صورة مكرورة لمنازلهم القائمة على النظام الوثني،

стр. 179

الذي لا يقيم وزنا لفضائل الإسلام، ومناهجهم الدراسية نسخ منسوخة من مقرراتهم التي لا تقبل التعامل مع حقائق الوحي، إلا ما بقي من آثار لا وزن لها في نتائج اإمتحانات وفي الغالب من ديار الإسلام: وقد اكتسحت بيوت المسلمين فنون الكفرة، فهي تغزوهم بالمنظور والمسموع من الملهيات المنافية لكل ما أمرالله به ورسوله ويألفونها شيئا فشيئا حتى تطرد من حياتهم كل ما يعارضها من الأخلاق الإسلامية كما تطرد العملة الزائفة الصحيحة، وكأنهم بذلك إنما يحققون باختيارهم ما حذرهم منه نبيهم المعصوم بقوله الخالد: "لتتبّعنّ سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم.. " ١

стр. 180

تصحيح الداخل أولا: هذا الواقع الرهيب هو الذي أطمع بالمسلمين أولئك الأفاكين من أدعياء العلم في الغرب، فراحوا يشنون حروبهم على الإسلام بإسم العلم، فيحرفون الكلم من بعد مواضعه، ويقلبون الحقائق، ليدفعوا تلاميذهم من أبناء المسلمين إلى التنكر لدينهم. ثم أولئك الأفاقين الآخرين من دعاة النصرانية، الذين يئسوا من استبقاء دينهم في الأجيال الغربية، التي كفرت بقداسة الكنيسة فألقوا بثقلهم على الشرق الإسلامي، يستغلون الفراغ الذي تعانيه الكثرة من قلوب أبنائه، ليسلخوهم من بقايا هويتهم، الإسلامية، وليجعلوا منهم عصائب جديدة من الحاقدين على الإسلام، المحاربين له كأسلافهم الأولين من المرتدين. ومن هنا كان تصورنا لهذا الواقع في داخل كياننا حقيقيا بأن يدفعنا دفعا إلى البدء بتصحيحه، قبل أي تحرك إلى الخارج. لا جرم أن من واجب المؤتمر مواجهة كل محاولة تستهدف النيل من الإسلام في كل لغة وكل مكان وذلك هو الطابع الرئيسي الذي يتجلى في كل اجتماع يعقد لخدمة الدعوة، وفي كل بحث يكتبه غيور على حرمتها.. لكن.. أليس من حق الإسلام كذلك أن نوجه بعض هذا الجهد إلى ذلك الواقع الذاتي الذي سيمدنا بكل أسباب الفلاح أو الإخفاق في جهادنا من أجل الدعوة! من أبسط البديهيات أن الجيش المحارب
следующие страницы →