← Адаб

Адаб · id 8949

الأدب المقارن - جامعة المدينة (ماجستير)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (585 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

كما عرف الفرس ملحمة "الشاهنامه"، التي تحكي أحداث مملكة الفرس، وكذلك كتب الهنود ملحمة "المهابهاراتا" في مائة ألف بيت، حول صراع أبناء أسرة واحدة على المُلك، مما أدى إلى فنائهم جميعًا. وقد قل شأن هذا اللون من الشعر في العصر الحديث، إذ لم يعد الإنسان تطربه خوارق الأساطير الممعنة بالخيال بقدر اهتمامه بأحداث الحاضر المعبر عن واقعه وهمومه، وآماله وآلامه، وقد بدأ الشعر الملحمي الغربي بـ"الإلياذة" و"الأوديسا"، ويعتقد الباحثون أن هذين العملين قد كتبهما "هوميروس"، وهو شاعر يوناني أعمى عاش في القرن السابع قبل الميلاد، وبني جزء من كل منهما على التاريخ، والجزء الآخر على الأسطورة المتصلة بحرب طروادة، ووضع النقاد الأدب من الإغريق والرومان قواعد للملاحم الشعرية، مبنية على أسلوب "هوميروس" وأسلوب "فرجيل" أهم تابعيه، وقد نصت هذه القواعد على وجوب بدء الملحمة في منتصف الأحداث، أي: أن تبدأ القصة بعد أن يكون جزء كبير من أحداثها قد وقع، وكان على الشعراء أيضًا أن يكتبوا بأسلوب رفيع، وأن يبدأوا بالابتهال إلى آلهة الإلهام، يطلبون منها الوحي الشعري. ومع مرور الزمن أُهمِلت قواعد الملاحم الشعرية اليونانية والرومانية، وقام الشعراء خلال العصور الوسطى بكتابة الملاحم الشعرية بأسلوب طبيعي، ومن الملاحم المهمة في العصور الوسطى "الملحمة الإنجليزية" "بيولف" في القرن الثامن الميلادي، والفرنسية "أغنية رولان" في القرن الثاني عشر الميلادي، والأسبانية "قصيدة السِّيد" حوالي عام ألف ومائة وأربعين للميلاد، وفي القرن السابع عشر قام الشاعر الإنجليزي "جون ملتون" بتقليد "هومر" و"فرجيل" في ملحمته الشعرية

стр. 107

"الفردوس المفقود"، ومع بداية القرن الثامن عشر أسهم رواج الأدب النثري الواقعي، وخصوصًا الروايات في تراجع الشعر الملحمي، وكذلك كَتَبَ الهنود ملحمة "المهابهاراتا"، وتعد "المهابهاراتا" أطول قصيدة في العالم، حيث تتكون من مائتين وعشرين ألف بيت مقسمة إلى ثمانية عشر فصلًا، وقد كتبت القصيدة باللغة السنسكريتية، وهي اللغة القديمة المقدسة للهند، وتُرجمت إلى عدد من اللغات الهندية الحديثة؛ لأن القصة التي ترويها ذات شعبية واسعة في الهند كلها، وقد عرضت عدة صيغ للقصة التي ترويها القصيدة في التلفاز الهندي، وفي تلفازات عدد من الأقطار الأخرى. وتعني كلمة "المهابهاراتا" الملك العظيم باهارتا، وتتحدث القصيدة عن المنافسات والنزاعات والمعارك، التي دارت بين الكوارافاس والبندافاس، وهما فرعان من أسرة بهارتا الحاكمة، وينحدر الكوارافاس من أبيهم الذي عرف باسم دريت رشترا، وكان دريتارشتا أعمى؛ ولذا فشل في أن يكون ملكًا واعتلى العرش بدلًا منه أخوه بندو الذي ينحدر منه البندافاس، وتنازل بندو عن العرش فيما بعد؛ ليصبح راهبًا متدينًا، وتولى دريت رشترا زمام الملك، ونشأ أبناؤه الكوارافاس وأبناء عمهم بندو الخمسة معًا، ولكن المنافسات كانت تحتدم دائمًا بين الأسرتين، وبعد نزاع مرير تم إرسال البندافاس إلى المنفى. وتواصل القصيدة وصف مغامراتهم الكثيرة، ومن ضمنها إقامتهم في بلاط الملك دوروبادا، وهناك تزوج كل من الأخوين المنفيين ابنة الملك التي كانت تعرف باسم دراوبادي، وخلال فترة المنفى قابل البندافاس كرشنا، واعترفوا به

стр. 108

فيما بعد تجسيدًا لمعبودهم فشنون، الذي ساعد بقوته ونصائحه في تقويتهم في معاركهم التالية ضد الكوارافاس. وبعد رجوع البندافاس من المنفى اقتسموا المملكة مع أبناء عمهم الكارافاس، ولكن ذلك لم يحقق سلامًا دائمًا، وقد لعب أكبر الأخوين البندافا ويودهشترانرد مع أحد الكورافا، الذي كان يطلق عليه اسم دوريودانا، ولقي دوريودانا عونًا من عمه شاكوني، وكان دائمًا يستعمل الزهر المشحون، وبسبب ذلك فقد يودهشترا كل شيء بما في ذلك زوجته دراوبادي، ومرة أخرى أجبر البندافاس على الذهاب إلى المنفى، وامتدت محنتهم حتى معركة كوركشترا الكبرى، التي نشبت بين عامي ثمانمائة وخمسين وستمائة وخمسين قبل الميلاد على أرجح الظنون بالقرب من عاصمة الهند الحديثة دلهي، وقد قتل كل أمراء الكورافاس في هذه المعركة؛ وبذا أصبح يودهشترا ملكًا، واستمر في حكمه حتى شعر أنه قد أتم مهمته في الحياة، وهنا تنازل عن العرش، وبدأ رحلة الصعود إلى السماء هو وإخوته البندافاس الآخرون وزوجتهم دراوبادي، وقد رافقهم في هذه الرحلة كلب كان يمثل معبودهم دارما، وهو إله الواجب والقانون الأخلاقي في الأساطير الهندية، وبعد مغامرات عديدة اتحد البندافاس مرة أخرى في السماء في خاتمة المطاف. وتشكل هذه القصة التي تكون الموضوع الرئيسي "للمهابهاراتا" نحو ربع القصيدة فقط، وتتخللها كثير من الحكايات الأخلاقية والأساطير والطرائف، المليئة بالتعاليم الدينية والمبادئ الفلسفية الهندية، كما تشتمل أيضًا على مقاطع على مقاطع عن فن الحكم والحكومة الصالحة، وتحتوي كذلك على عدد من القصص الشعبية الأخرى بما في ذلك (قصة نالاود أمايانتي)، و (قصة سفتري وساتياوال)، و (قصة راما)، و (قصة شاكونتالا)، وتقدم معركة كوركسترا فرصة لدراسة الاستراتيجية

стр. 109

العسكرية، ولكن الفكرة الرئيسية "المهابهاراتا" تتعلق بالواجب الأخلاقي، والسلوك القويم من وجهة النظر الهندية. وقد أتاح الصراع الطويل والمعقد الذي مزق أسرة بهارتا الملكية الفرصة لبيان الواجبات والسلوك المتوقع للملك، كما أنها أيضًا تبين مثاليات السلوك للرعايا والجند، ورهبان الدين والناس الذين يعانون من المحن والبلايا، وجرى التقليد على اعتبار العالم القديم فياسا هو مؤلف "المهابهاراتا"، ولكن الأرجح أنه جمعها فقط، فالملحمة تبدو كمجموعة كتابات لمؤلفين متعددين، عاشوا في أزمنة مختلفة، إذ الأجزاء القديمة يرجع عمرها في الغالب إلى نحو ألفين وخمسمائة عام، بينما يمكن تتبع بعضها إلى وقت متأخر يرجع إلى عام خمسمائة ميلادية. وقد تطورت أهمية كرشنا في التفكير الهندوسي بصفته إلهًا رئيسيًّا في هذه الملحمة في الفترة بين مائتين قبل الميلاد ومائتين بعده، ونتيجة لذلك يمكن استخدام "المهابهاراتا" لتتبع انتشار، وتطور الفكر الفشنافي نسبة لإله فشنو في الهندوسية، وقد صار الإله فشنو معبودًا ذاتيًّا لعابديه عبر ظهوره في صورة كرشنا الناصح والصديق للأمير أرجونا في "المهابهاراتا"، وتوجد اليوم نحو ألف وثلاثمائة مسودة "المهابهاراتا" تختلف عن بعضها اختلافًا كبيرًا، وكلها يظهر الملحمة في شكلها المتأخر؛ لأن أقدمها يرجع إلى القرن الخامس عشر الميلادي. وأشهر الإضافات "للمهابهاراتا" هي الباجا فجيتا، الموجودة في الكتاب السادس، وهي الآن أكثر النصوص الهندوسية المقدسة شهرة، وتحكي الباجا فجيتا كيف أن أرجونا الأمير الثالث للبندافا كانت له شكوك وهواجس عما إذا كان يتعين عليه محاربة بني عمومته الكوارافاس أو لا، وقد قام كرشنا متحدثًا

стр. 110

باسم سلطة الإله فشنو في إقناعه أن عمله هذا عادل، وبعد ذلك كانت مهارة أرجون العسكرية عاملًا حاسمًا لانتصار البندافا، وتشكل تعاليم البجافجيتا جوهر الهندوسية الحديثة. وهناك نسخة لاحقة معروفة "المهابهاراتا" هي الهارفامشا، التي تصف خلق العالم، وتعطي سلسلة نسب لفشنو، وتتحدث عن مغامرات كرشنا في طفولته بصفته مجسدًا لفشنو، وتنتهي الهارفامشا نهاية قاتمة بانحطاط الإنسانية؛ بسبب الطريقة التي يفسد بها الإنسان العالم ويلوثه، ومثلها مثل الجزء الرئيسي من "المهابهاراتا"، فإن الهارفامشا هي مجموعة كتابات لمؤلفين متعددين، وقدمت القصة الرئيسية "للمهابهاراتا" والأساطير المستمدة منها مصدرًا مثمرًا للمسرحية، والفن، والنحت، والشعر، والنثر الهندي، وساهمت الملحمة من عدة أوجه في إغناء الثقافة والعقيدة الهندوسية. ملحمة "الإلياذة" وملحمة "الأوديسا " ومن الملاحم القديمة الشهيرة أيضًا ملحمة "الإلياذة"، التي تعد أقدم الملاحم الإغريقية الباقية، ويعتقد أن الذي نظمها هو الشاعر الإغريقي القديم "هومر"، وربما كان ذلك في القرن الخامس قبل الميلاد. وتصف "الإلياذة" أحداثًا معينةً في العام الأخير من حرب طروادة، التي نشبت بين بلاد الإغريق وطروادة، وطبقًا للأسطورة فإن حرب طروادة دامت عشر سنوات، حتى تمكن الإغريق أخيرًا من هزيمة طروادة، ويعتقد معظم علماء الآثار أن تلك الحرب نشبت خلال منتصف القرن الثالث عشر قبل الميلاد، إذ إن بعد الأحداث في "الإلياذة" قد بنيت على وقائع حدثت خلال تلك الفترة،

стр. 111

وقد نشبت حرب طروادة بسبب هيلين الجميلة زوجة مينلاوس ملك إسبرطة، وقام باريس وهو من أبناء بريام ملك طروادة باختطاف هيلين من إسبرطة إلى طروادة، وقاد أجمنون شقيق مينلاوس جيشًا من أبطال الإغريق لإعادة هيلين إلى إسبرطة، وتنقسم "الإلياذة" إلى أربعة وعشرين فصلًا، وتغطي أحداثها نحو ما يقرب من أربعة وخمسين يومًا، وتقع معظم الأحداث في المعسكر الإغريقي، وداخل أسوار طروادة والمناطق المجاورة لها. وتروي الملحمة أن نزاعًا نشب بين أجمنون وأخيل أعظم الأبطال الإغريق الشبان، فقد شعر أخيل بأنه لا يكافأ بما فيه الكفاية نظير خدماته للإغريق، وشعر أجمنون هو الآخر بأن أخيل لا يكن له الاحترام الكافي بوصفه قائدًا للجيش، فانسحب أخيل لخيمته، ورفض القتال واستمرت الحرب دون أخيل، وتراجع الإغريق أمام قوات طروادة بقيادة هيكتور أحد أبناء بريام، وتوجه بطروكلس أقرب أصدقاء أخيل لمساعدة الإغريق، وهو يرتدي درع أخيل، إلا أن هيكتور قتل بطروكلس مما دعا أخيل للنهوض للأخذ بثأره، وبعدها قتل أخيل هيكتور خارج طروادة وتنتهي القصة بجنازة هكتور. وقد ظلت "الإلياذة" لحقبة طويلة تعبيرًا حيًّا عن البطولة والمثالية، ومأساوية الحرب، وبالإضافة إلى مشاهد المعركة، فإن "الإلياذة" تتحدث عن الحياة داخل طروادة، فتصف زيارة هيكتور مع بارس وهيلين، والوداع العاطفي بين هيكتور وزوجته أندرماك، التي تنبأت بموته، وكان هيكتور جنديًّا عظيمًا، ولكنه كان يمثل رجل الأسرة الذي دُعي للدفاع عن بلاده، وعند القيام بذلك فقد حياته من أجلها. ومن الإبداعات الملحمية القديمة كذلك ملحمة "الأوديسا" التي قد تكون أكثر الأعمال شعبية في الأدب الإغريقي القديم، و"الأوديسا" من أشهر قصص المغامرات في الأدب، وقد أصبحت مثالًا لكثير من قصص المغامرات مؤخرًا،

стр. 112

وألف "الأوديسا" حسبما هو متعارف عليه الشاعر الإغريقي "هومر"، ربما في القرن الثامن قبل الميلاد، والشخصية التي تدور حولها الأحداث هو أدسيوس أو يوليسس في اللاتينية ملك إيساكا، وهي دولة مدينة في بلاد اليونان القديمة، وتصف القصيدة رحلة عودة أدسيوس بعد أن حارب مع الإغريق ضد مدينة طروادة في حرب طروادة، وكتب المؤلف عن هذه الحرب في "الإلياذة". وتتكون "الأوديسا" من أربعة وعشرين كتابًا أو قسمًا، ووقعت القصة خلال فترة عشر سنوات تقريبًا، وتبدأ الرواية بعد وقوع أحداث كثيرة منها، وتسمى هذه الطريقة -أي: طريقة بداية القصة من منتصفها ثم الرجوع إلى البداية- تسمى الحبكة القصصية، وقد استخدمها الكثير من الكتاب مؤخرًا. وقصة "الأوديسا" تبدو على جزيرة أوججيا التي كان فيها أدسيوس سجينًا للحرية كلبسو لمدة سبع سنوات، وقد قرر سايوس أنه آن أوان عودة أدسيوس إلى زوجته بنلون في إيساكا، ثم يتغير المشهد إلى قصر أدسيوس بأوساكا، حيث استقرت مجموعة من النبلاء يريدون أن تفترض بنلوب أن زوجها قد مات، وطلبوا أن تتزوج من أحدهم، وبالتالي يتم اختيار ملك جديد لإيساكا، وقد انتهض كلمكيوس بن أدسيوس من النبلاء، واقترحت الإلهة أثينا أن يذهب في رحلة للبحث عن أخبار والده، ووافق تليماخوس وغادر إيساكا. وتعود القصة بعد ذلك إلى مغامرة أدسيوس، حيث يطلب الإله هرمس من كلبسو إخلاء سبيل أدسيوس ويبحر أدسيوس في طوف، لكن إله البحر بوزدون يثير عاصفة شديدة، وتتحطم سفينته في جزيرة الفاشيان وتكتشفه ناوزيكا ابنة ملك الفاشيان الجميلة، ويصف أدسيوس تجواله منذ حرب طروادة، عندما كان

стр. 113

ضيفًا على الفاشيان، إذ قص علينا زيارته لأرض أكلة اللوتس، الذين يجعلون أكلهم السحري الناس ينسون أوطانهم، وقد أراد بعض رجاله الذين أكلوا الطعام البقاء مع أكلة اللوتس، لكن أدسيوس أجبرهم على الذهاب معه، ثم أبحر الجميع إلى إحدى الجزر، حيث أمسك بهم بلومفيوس، وهو عملاق بعين واحدة يسمى أيضًا سيكلوب، وقد تمكنوا من الهرب بعد أن فقأوا عين السيكلوب، ويسأل السيكلوب والده بوزدوم بأن يجعل عودة أدسيوس إلى وطنه صعبة بكل سبيل. وبعد عدة مغامرات رست السفينة التي كانت تحمل أدسيوس ورجاله في جزيرة الساحرة سرسي، حيث حولت سرسي رجال أدسيوس إلى خنازير، وجعلت من أدسيوس عشيقًا لها، وأخبرت أدسيوس بأنه لكي يعود إلى وطنه يجب عليه زيارة العالم السفلي لاستشارة الرسول تليسياس، وفي العالم السفلي رأى أودسيوس شبح أمه، وأبطال حرب طروادة، كما شاهد عقاب الأشرار. وقد حذر تنسيوس أودسيوس من الأخطار التي تنتظره، وأخبرته سيرسي بكيفية تخطي مسخي البحر سيلا وشاربديز، كذلك حذرته من الصافرات السيرانات أي: حوريات البحر التي تستخدم غناءها الجميل لاستدراج البحارة إلى الهلاك في جزيرة السحر، وأبحرت سفينة أودسيوس عبر هذه الأقطار، وكانت تبدو وكأنها سوف تصل إلى إيساكا بدون أية معضلات، لكن بعض رجال أدسيوس قام بسرقة الماشية المخصصة لعبادة الشمس، وأكلها في جزيرة سرناسيا، وكعقاب لأدسيوس تحطمت السفينة من جراء عاصفة رعدية، وغرق رجاله، ووصل أودسيوس إلى أوجيجيا وهو في غاية الإرهاق حيث بدأت القصة. وبعد أن أكمل أودسيوس قصته أخذه الفاشيان إلى إيساكا، وأخبرت أثينا عن النبلاء في قصره، ونصحته أن يرجع إلى داره متنكرًا، وذهب أودسيوس إلى

стр. 114

قصره متنكرًا في شكل شحاذ، وقد وافقت بنيلوب على الزواج من الرجل الذي يستطيع أن يوتر قوس أدسيوس الضخم، ويرمي بسهم من خلال اثني عشر محورًا. وقد كتبت "الأوديسا" بمهارة وتدمج القصة الروايات الحقيقية عن الحياة الإغريقية القديمة، وعناصر أحداث تاريخية مع قصص الجن عن جزر خيالية، وتحتوي كذلك على تصوير ماهر للشخصيات الروائية، ويمثل أدسيوس نموذج الرجل الشجاع الحاسم، فبالرغم من العقبات الكثيرة لم يتخل عن هدفه في العودة إلى دياره، لكنه يحمل سمات إنسانية أخرى تحول دون أن يكون أنموذجًا كاملًا. وفي الحقيقة فإن أحد كاتبي الدراما الإغريق المتأخرين جعل من أدسيوس نموذجًا للخداع، ومثلت بنيلوب الزوجة المخلصة المحبة، وكان تليماك نموذجًا للشاب الذي ينضج بمواجهة التحديات الصعبة، ويمكن أن تمثل الملحمة رحلة الإنسان عبر الحياة، والبحث عن تحقيق الذات ومعرفتها. ملحمة (الإنياذة) وملحمة (الكوميديا الإلهية) و (رسالة الغفران) ومن الملاحم القديمة أيضًا ملحمة "الإنياذة"، التي ألفها الشاعر الروماني فرجيل، بين عامي ثلاثين وتسعة عشر قبل الميلاد، وكانت تلك الفترة بمثابة حقبة كبرياء قومي للرمانيين، فقد أكمل الإمبراطور أغسطس لتوه توحيد شعب شبه الجزيرة الإيطالية؛ ليتغلب على أعداء روما في الأقاليم الشرقية، واختار فرجيل أسطورة البطل الطروادي إنياس للتعبير عن

стр. 115

قيم روما القديمة الأخلاقية والدينية، ولتكريم أغسطس الذي كان يعتقد بأنه سليل لإنياس، وتحوي الإنيادة اثني عشر كتابًا، تقلد الستة الأولى منها الملحمة الإغريقية "الأوديسا"، وتصف مغامرات إنياس في البحر عبر استيلاء الإغريق على طروادة أثناء الحرب الطروادية، وتبدأ الملحمة بعاصفة تحطم سفينة إنياس وأتباعه الطرواديين قرب قرطاج بشمال إفريقيا، حيث يقع إنياس في غرام ملكتها ديدو غير أن الآلهة الوثنية تأمره بالرحيل إلى إيطاليا. ويدفع اليأس ديدو للانتحار، وبعد وصول إنياس إلى إيطاليا في نهاية المطاف يهبط إلى العالم السفلي، ويحيط علمًا بأن سلالته المستقبلية هم الرومانيون، ويبني فرجيل الكتب الستة الأخيرة من "الإنياذة" على أساس من ملحمة "الإلياذة" اليونانية، وتبدأ بوصول إنياس قرب روما حيث يقدم له الملك المحلي لاتينوس أرضًا لأتباعه، ويعرض عليه الزواج من ابنته لافنيا، ويقوم ترنوس طالب يد لافنيا الغيور بالهجوم على الطرواديين، ويقتل الجندي الشاب بالاس، الذي وعده إنياس بالحماية، وفي وقت لاحق يصارع إنياس ترنوس ويقتله عقابًا لموت بالاس. ومن الملاحم الشهيرة ملحمة (الكوميديا الإلهية) للشاعر الإيطالي "دانتي أليجري"، الذي بدأها عام ألف وثلاثمائة وثمانية للميلاد، وانتهى منها بعد ذلك بنحو ثلاث عشرة سنة، وموضوعها الرئيسي هو الحياة بعد الموت، و"دانتي" هو الشخصية الرئيسية فيها، وتنقسم الكوميديا الإلهية إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي: الجحيم والمطهر والفردوس، وقد أطلق عليها دانتي الكوميديا؛ لأنها انتهت نهاية سعيدة، ثم

стр. 116

أضافت إليها الأجيال اللاحقة صفة إلهية، فأصبحت تسمى (الكوميديا الإلهية)، وقسم "دانتي" الأقسام الثلاثة للقصيدة إلى أجزاء أخرى تسمى بالأجزاء الداخلية، ويضم كل من قسمي المطر والفردوس ثلاثة وثلاثين جزءًا، أما الجحيم فيضم أربعة وثلاثين جزءًا، وتتميز جميع الأجزاء بالإيقاع القوي؛ نظرًا لمقاطعها الموشحية ذات الأبيات الثلاثة. وفي هذا الشكل الشعري الذي اخترعه "دانتي"، نجد أن البيتين الأول والثالث من كل مقطوعة يأتي على وزن البيت الأوسط من المقطوعة السابقة، وتبدأ القصة بـ"دانتي" المفقود في غابة مظلمة، وفي يوم جمعة صحوة، وبعد ليلة من التجوال المؤلم يتقابل مع الشاعر الروماني فرجيل، الذي يعده بأن يخرجه من تلك الغابة، ويقوده إلى رحلة في العالم الآخر ويدخل الاثنان الجحيم، وهو حفرة فظيعة على هيئة مخروط عميق في باطن الأرض، وفي الحفرة تسع دوائر حيث يريان جموعًا من الأفراد يعانون العذاب، الذي تصبه فوق رؤسهم الوحوش الخرافية والشياطين والمخلوقات الأخرى؛ عقابًا على خطاياهم، وهؤلاء الملعونون المعذبون شخصيات تاريخية معروفة جيدًا، بعضها من عصر سابق لـ"دانتي"، غير أن معظمهم من عصر "دانتي" نفسه. ومن هذه الشخصيات ابن رشد وصلاح الدين، وللأسف وضع هذا الغبي الكافر الرسول محمدًا ﵊ في أسفل دركات الجحيم، ويغادر كل من "دانتي" وفرجيل الجحيم ويصلان إلى جبل المطهر، ومن هناك يتسلقان إلى شرفات مضيئة فيها الموتى، الذين وهبوا الخلاص يبحثون عن الغفران من الخطايا التي اقترفوها على الأرض، ويملأ جو من الأمان والأمل ذلك المكان الخاص بالتطهر، على عكس المعاناة الكبيرة واليأس اللذين مرا بهما في الجحيم.

стр. 117

وعند وصولهما إلى الجنة الأرضية على قمة جبل المطهر، يوصي فرجيل "بدانتي" إلى مرشدة جديدة هي بياتروس وتعد هذه الملحمة من نواح عدة قصيدة حب تمتدح جمال بياتروس الأخلاقي، وقدرتها على الوصول بدانتي إلى رؤية الخير الأعظم، إذ إنها تقوده خلال طبقات السماوات العشر، حيث يلتقي بأرواح المباركين، ويقف "دانتي" في بهجة ونشوة، ويتفهم في النهاية الحقيقة النهائية للحياة، وما يعنيه الكون، وتذهب جماعة مؤرخي الأدب ونقاده إلى أن "دانتي" تأثر في هذا العمل بقصة الإسراء والمعراج، وربما أيضًا بـ (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري، وأخذ الفكرة والمنهج عنه. و (رسالة الغفران) كما جاء في المادة المخصصة لها في "الموسوعة العربية العالمية" هي رحلة خيالية كتبها أبو العلاء المعري، الذي توفي في منتصف القرن الخامس الهجري، ردًّا على رسالة وجهها إليه علي بن منصور الحلبي، المعروف بابن القارح يسأله فيها عن جملة من الأمور تتصل بالتاريخ والفقه والتصوف والأدب والنحو والسيرة النبوية والزندقة، وقد جاء رد أبي العلاء على رسالة ابن القارح من شقين: الشق الأول هو الشق الخيالي ويتصور فيه المعري ابن القارح في رحلة إلى العالم الآخر على غرار أدب المعراج، وسماها الغفران، أي: غفران الله لابن القارح وغيره من الشعراء زلاتهم وخطاياهم، والشق الثاني ينطوي على رد أبي العلاء المعري على المسائل، التي تؤرق ابن القارح وهي قضايا فكرية وعلمية وتاريخية ودينية، كما ألمحنا من قبل.

стр. 118

ورغم أن أبا العلاء يطلعنا مباشرة على موقفه من القضايا المطروحة في المعارف والفنون والعلوم في شق رسالة الغفران الثاني، فإن الشق الأول وهو الرحلة الخيالية هو الذي كُتِبَ له الخلود، وفيه يرد المعري على أسئلة ابن القارح ردًّا غير مباشر، مازجًا الجد بالسخرية. وتنقسم رحلة ابن القارح التي يتخيلها المعري ثلاثة أقسام هي: الصعود ثم زيارة الجحيم ثم الجنة، وقد استفاد المعري من أدب الإسراء والمعراج والقرآن والتفسير والحديث الشريف في إبداع تلك الرحلة، وخلال ذلك يلتقي ابن القارح بشخصيات متعددة، تمثل الشعراء والأدباء والنقاد والمفكرين، فيحاورهم مثيرًا معهم طائفة من القضايا الفكرية والأدبية والنقدية والدينية، ويستقي المعري من مصادر متعددة كالأدب واللغة والشعر والنثر والاجتماع والأخلاق والتاريخ والدين، يستقي المادة التي تملأ إطار الرسالة، فقد عاش ابن القارح كما يصوره خيال أبي العلاء يوم الموقف، وما فيه من هول وشفاعة، ثم رأى نعيم الفردوس، ثم انتقل إلى الجحيم وعذابه، ثم عاد إلى الفردوس والخلد في نهاية المطاف. ورسالة الغفران غنية بالعناصر القصصية، ففيها حبكة وحوار ورسم شخصيات، ويتحدث فيها ابن القارح إلى الشعراء والكتاب ويحاورهم في مسائل وقضايا، تتصل بمعارفهم وإبداعاتهم، ويبدع أبو العلاء فيما يقدمه من خيالات تتعلق بآدم وإبليس والعفاريت والملائكة والشعراء، مما يخرج الواقع التاريخي للشخصيات إلى إطار متخيل مدهش. وهناك أيضًا تشابه كبير بين (رسالة الغفران) و (رسالة التوابع والزوابع) لابن شهيد الأندلسي، فكلتاهما تعرض القضايا الأدبية بأسلوب قصصي، وكلتاهما

стр. 119

اتخذت مسرحها خارج هذا العالم الأرضي، وكان المعري وابن شهيد متعاصرين، إذ توفي المعري عام أربعمائة وتسعة وأربعين هجرية، على حين توفي ابن شهيد عام أربعمائة وستة وعشرين من الهجرة. وقد ظهرت بعد (رسالة الغفران) بفترة طويلة (الكوميديا الإلهية) لـ"دانتي" الإيطالي و (الفردوس المفقود) لـ"مِلتون" الإنجليزي، وقد عثر مستشرق أسباني معاصر على مخطوطتين لترجمتين مختلفتين لقصة (المرار)، خلص منهما إلى نظرية تثبت أن "دانتي" قد بنَى كوميدياه على أصول إسلامية من بينها (رسالة الغفران) وقصة المعراج. كذلك تركت (رسالة الغفران) تأثيرها على أدب الرحلات إلى العالم الآخر في الأدب العربي الحديث، إذ تأثرت بها قصيدة الزهاوي القصصية المطولة المسماة "ثورة في الجحيم"، ومطولة "شاطئ الأعراف" لمحمد عبد المعطي الهمشري، و"بين النهايتين" لمحمد سعيد السحراوي، و"الأخيران" من شعراء الجيل الثاني لحركة أبوللو في مصر. هل يوجد في الأدب العربي ما يسمى بالملاحم ؟ والسؤال الآن، هل في أدبنا ملاحم كتلك التي يعرفها كثير من الآداب الأخرى؟ الجواب هو: لم يعرف الأدب العربي هذا اللون من القصص أو الملاحم في شعره القديم، ولكن في العصر الحديث حاول الشعراء العرب استيحاء التاريخ قديمه وحديثه؛ لتصوير البطولات العربية والإسلامية، فكتب الشاعر المصري أحمد محرم، المتوفى عام ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين للميلاد "الإلياذة" الإسلامية في أربعة أجزاء، يحكي في الجزء الأول منها حياة الرسول بمكة، ثم هجرته إلى المدينة، كما يتناول غزواته وأحداثها وبطولاتها، ويستمر الحديث عن الغزوات والبطولات في الجزئين الثاني والثالث، أما الجزء الرابع فيخصصه للحديث عن الوفود التي

стр. 120

قدمت على الرسول ﷺ والسرايا التي اتجهت إلى مختلف أنحاء الجزيرة العربية، وقد كتب خليل مطران قصيدة قصصية عنوانها: فتاة الجبل الأسود تصور ثورة شعب الجبل الأسود ضد الأتراك، ومحورها بطولة فتاة تنكرت في زي فتًى واقتحمت موقعًا للأتراك، وقتلت بعض رجالهم، وعندما أسرت اكتشف الأتراك حقيقتها، فأعجبوا ببطولتها، وأطلقوا سراحها. هذا عن الأدب العربي الفصيح أما الأدب الشعبي فيمكن القول: أنه قد عرف على نحو ما فن الملاحم، وما زال المنشدون يرددون ملحمة عنترة أبي الفوارس، وتغريبة بني هلال، وهما من القصص الطويلة التي تؤدي فيها الأسطورة والخيال دورًا مهمًّا في تصوير الوقائع والبطولات، هذا باختصار. أما بالتفصيل فنقول: إنه بالنسبة إلى الأدب الفصيح القديم لا يوجد شيء يمكن أن يقال عنه: إنه ملحمة أو يشبه الملحمة بالمعنى الذي شرحناه هنا، ولقد فاخر ابن الأثير وهو من أهل القرنين السادس والسابع الهجريين في كتابه (المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر) بما يوجد في آداب الفرس من القصائد الطويلة التي تبلغ الواحدة منها عدة آلاف من الأبيات كـ (الشاهنامه) وما إليها، فكان رد صلاح الدين الصفدي من أهل القرن الثامن الهجري في كتابه (نصرة الثائر على المثل السائر) هو التذكير بما في أدبنا من منظومات، وقصص طويلة أشار إلى بعضها. ومن الواضح أنه ظن المسألة في الطول وحده، وإلا فإن الأمثلة التي ضربها على ما في بعضها من إبداع أدبي جميل ورائع ليست من سبيل الملحمة، ولا الملحمة من سبيلها، وكان ابن الأثير في كتابه المذكور يوازن بين فني النثر والشعر، ويرصد

стр. 121

الفروق بينهما إلى أن أتى إلى مسألة التطويل والتقصير، فقال: إنه مما لا يحسن في الذوق العربي أن يطول الشاعر قصائده، ويشقق المعاني، ويستوفي الكلام فيها مما هو أليق بالنثر، ثم انطلق في موازنة بين العرب والفرس في تلك النقطة، قائلًا: إن الشاعر إذا أراد أن يشرح أمورًا متعددة ذوات معان مختلفة في شعره، واحتاج إلى الإطالة بأن ينظم مائتي بيت أو ثلاثمائة أو أكثر من ذلك، فإنه لا يجيد في الجميع ولا في الكثير منه، بل يجيد في جزء قليل، والكثير من ذلك رديء غير مرضي، والكاتب -يقصد: الناثر- لا يؤتى من ذلك، بل يطيل الكتاب الواحد إطالة واسعة تبلغ عشر طبقات من القراطيس أو أكثر، وتكون مشتملة على ثلاثمائة سطر أو أربعمائة أو خمسمائة، وهو مجيد في ذلك كله. وهذا لا نزاع فيه؛ لأننا رأيناه وسمعناه وقلناه، وعلى هذا فإني وجدت العجم يفضلون العرب في هذه النقطة المشار إليها، فإن شاعرهم يذكر كتابًا مصنفًا من أوله إلى آخره شعرًا، وهو شرح قصص وأحوال، ويكون مع ذلك في غاية الفصاحة والبلاغة في لغة القوم، كما فعل الفردوسي في نظم الكتاب المعروف بـ (شاهنامه)، وهو ستون ألف بيت من الشعر يشتمل على تاريخ الفرس، وهو قرآن القوم، وقد أجمع فصحاؤهم على أنه ليس في لغتهم أفصح منه، وهذا لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها، وتشعب فنونها وأغراضها، وعلى أن لغة العجم بالنسبة إليها كقطرة من بحر. هذا ما قاله ابن الأثير. فكان من جراء ذلك أن ألف صلاح الدين الصفدي كتابه (نصرة الثائر على المثل السائر)؛ للرد على بعض ما جاء في كتاب ابن الأثير السابق الذكر، كما هو واضح من عنوانه، وهذا الرد يجري على النحو التالي. قال -أي: ابن الأثير- في تفضيل النثر على النظم في آخر الكتاب: إن الشعر إذا أراد أن يشرح أمورًا متعددة ذوات معان مختلفة في شعره، واحتاج إلى الإطالة من

стр. 122

أن ينظم مائتي بيت أو ثلاثمائة أو أكثر من ذلك، فإنه لا يجيد في الجميع ولا في الكثير منه، بل يجيد في جزء قليل والكثير من ذلك رديء غير مرضي، والكاتب لا يؤتى من ذلك بل يطيل في الكتاب الواحد إطالة واسعة تبلغ عشر طبقات من القراطيس أو أكثر، وتكون مشتملة على ثلاثمائة سطر أو أربعمائة أو خمسمائة، وهو مجيد في ذلك كله، وهذا لا نزاع فيه؛ لأننا رأيناه وقلناه، وعلى هذا فإني وجدت العجم يفضلون العرب في هذه النقطة المشار إليها، فإن شاعرهم يذكر كتابًا مصنفًا من أوله إلى آخره شعرًا، وهو شرح قصص وأحوال يكون مع ذلك في نهاية الفصاحة والبلاغة في لغة القوم، كما فعل الفردوسي في نظم الكتاب المعروف (شاهنامه) وهو ستون ألف بيت من الشعر يشتمل على تاريخ الفرس، وهو قرآن القوم، وقد أجمع فصحاؤهم على أنه ليس في لغتهم أفصح منه، وهذا لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها وتشعب فنونها وأغراضها، وعلى أن لغة العرب بالنسبة إليها كقطرة من بحر. ثم يعقب صلاح الدين الصفدي، قائلًا: قد ختم ابن الأثير -رحمه الله تعالى- كتابه بهذه النكتة التي مال فيها إلى الشعوبية، وما قال معمر بن المثنى ولا سهل بن هارون ولا ابن غرسيا في رسالته مثل هذا، وقد وجد في أهل اللسان العربي مَن نظم الكثير أيضًا، وإن عد هو الفردوسي عددت له مثل ذلك جماعة: منهم من نظم تاريخ المسعودي نظمًا في غاية الحسن، ومنهم من نظم كتاب (كليلة ودمنة) في عشرة آلاف بيت، ونظمها أبان اللاحقي أيضًا، وأخبرني الشيخ الإمام الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد الذهبي أن مكي بن أبي محمد بن محمد بن أبيه الدمشقي، وقد عرف بابن الدجاجية نظم كتاب (المهذب)، وهو قصيدة على روي الراء سماها (البديعة في أحكام الشريعة). قلت -أي: قال صلاح الدين الصفدي-: والمهذب في أربع مجلدات، وبعض المغاربة امتدح سيدنا رسول الله ﷺ في قصيدة عدتها ثمانية عشر ألف بيت،

стр. 123

ولابن الهبارية كتاب (الصادح والباغ) في ألف بيت كل بيت منها قصر مشيد، ونكتة ما عليها في الحسن مزيد، يشتمل على الحكايات والنوادر والأمثال والحكم، وكلها في غاية الفصاحة والبلاغة ليس فيها لو ولا ليت. وأما من نظم الألف وما دونه فكثير جدًّا لا يبلغهم الحصر، وأما (الشاطبية) وما اشتملت عليه من معرفة القراءات السبع واختلافها، وتلك الرموز التي ظاهرها الغزل وباطنها العلم، فكتاب اشتهر وظهر، وخلب سحره الألباب وبهر، وأما أراجيز النحو والعروض والفقه، كالذي نظم الوجيز ومنظومية الحنفية وغير ذلك من الطب وغيره من العلوم، فكثير جدًّا إلى الغاية التي لا يحيط بها الوصف. هذا ما قاله الصفدي إذن، ففي أدبنا الفصيح القديم لا وجود لهذا الفن الشعري، ولكنا لدينا مع هذا ما يسمى بالسير الشعبية كسيرة عنترة، وسيرة سيف بن ذي يزن، وسيرة الهلالية، وسيرة ذات الهمة، وسيرة حمزة البهلوان، وسيرة فيروز شاه، وسيرة علي الزيبق، وسيرة أحمد الدنف، وهي تقترب جدًّا من فن الملحمة، فهي قصص وهي شديدة الطول حتى لا تتجاوز سيرة عنترة كمثلًا ثلاثة آلاف صفحة وخمسين، إلا أن هذه السير ليست مصوغة كلها شعرًا، بل هي عمل نثري في المقام الأول تكلل أشعار على ألسنة بعض أبطالها، مع تفاوت في مقدار هذا الشعر بين سيرة وأخرى، ومع هذا لا يصح أن نغفل أنها مصبوبة في قالب السجع، الذي يقترب خطوة من الشعر، أي: أن أسلوب السيرة النثرية ليس خاليًا من النغم هو أيضًا. كذلك لا يوجد لها مؤلف معين، إذ هي من إبداع المخيلة الشعبية، ولعلنا لم ننس أن الملاحم الأولى الموغلة في القدم هي أيضًا عارية عن أسماء مؤلفيها، بل إن من الدارسين من ينفي أن يكون "هوميروس" هو صاحب "الإلياذة" قائلًا:

стр. 124

إنها عمل شعبي عام اكتمل على مدار الزمان، ومن هنا كان أسلوب السير الشعبية مختلفًا عن أسلوب الأدب الرسمي، رغم أنها مكتوبة بالفصحى، إذ هي فصحى تنفح بالنكهة الشعبية من حيث بساطتها، وعدم احتفالها بالصياغة اللغوية بوجه عام. وفوق ذلك ففي السير تداخل بين الأماكن والأحداث والأزمنة التاريخية، كما هو الحال مثلًا في سيرة عنترة، حيث نرى عنترة في اليمن وفارس والشام ومصر، وحيث تستغرق الأحداث ما يقرب من ستة قرون، وكما هو الحال أيضًا في سيرة الظاهر بيبرس حيث يشتبك العصر العباسي والعصر الأيوبي والعصر المملوكي. ووجه الشبه بين السير الشعبية والملاحم أنها شديدة الطول، وأن الأبطال فيها يتميزن بالشجاعة الخارقة، كما تختلط الأحداث التاريخية بكثير من الخرافات والأساطير، فضلًا عن اتساع رقعة الأديان التي تتحرك فيه الوقائع والشخصيات، كذلك فالجن والسحر والمعجزات والكرامات والرؤى والنبوءات الصادقة وجودٌ في تلك السير، وقد أشار إليها "روجر ألن" في كتابه " An Introduction to Arabic literature" بوصفها ملاحم شعبية، وللدكتور عبد الحميد يونس ودكتور نبيلة إبراهيم والأستاذ فاروق خورشيد وغيرهم دراسات هامة حول تلك الأعمال. أما في العصر الحديث فقد ظهرت بعض الأعمال الشعرية العربية التي أطلق عليها ملاحم، رغم أنها لا تتطابق والملاحم القديمة التي نعرفها، إلا أن فيها مع ذلك

стр. 125

بعض السمات التي تصلها على نحو ما بها، فهي أعمال قصصية طويلة يقع بعضها في عدة آلاف من الأبيات، كملحمة "راديب" لبولس سلامة اللبناني النصراني، الذي لم تمنعه نصرانيته الإعجاب ببطولة ختم النبي ﷺ والعكوف على سيرته وشخصيته، يدرسهما ويستوحيهما؛ حتى أخرج لنا في نهاية الأمر عملًا ملحميًّا يصور بطولاته ﷺ وإنجازاته الخارقة، على حين يكتفي البعض الآخر بعدة مئات من الأبيات، كـ"ترجمة شيطان"، التي صور بها العقاد ما حاق بنفسه عقب الحرب العالمية الأولى، من شكوك في قدرة البشرية على مصارعة عوامل الشر والانتصار عليها، ويأس من انتصار الخير في دنيانا هذه؛ بسبب الأهوال وألوان الدمار، والتقتيل التي أنزلتها تلك الحرب ببني الإنسان. والأولى تتناول سيرة بطل عربي مسلم مشهور بالشجاعة غير الاعتيادية، وله إنجازاته الحربية التي أسهمت في تغيير مجرى التاريخ، وهو الصحابي الجليل علي بن أبي طالب على حين تحكي الثانية قصة الشيطان في تمرده المستمر على رب العباد، وعمله على بث الغواية في كل مكان، رغم معرفته بما ينتظره من عقاب رهيب في نهاية المطاف، فهي إذن تدور حول قضية فلسفية ودينية خطيرة، هي قضية الخير والشر والصراع بينهما، ووقوع الإنسان بين شقي الرحى، وقد أثارت قصيدة العقاد إعجاب ناقد كالدكتور زكي نجيب محمود إلى أبعد مدى؛ حتى إنه ترجمها إلى الإنجليزية ترجمة مرموقة في تقدير من اطلعوا عليها، كما لفت النظر إلى أن العقاد بقصيدته

стр. 126

هذه قد فتح في الشعر العربي فتحًا، سبق به قصيدة الأرض الخراب لإليوت، تلك القصيدة التي كان لوقعها من الدوي ما جعلها معلمًا من معالم القرن العشرين الأدبية. وكما يرى القارئ، فإن في هاتين الملحمتين العنصر الخارق وهناك أيضًا ملحمة "عبقر" لشفيق المعلوف، و"محمد" لعلي شلق، و"الإلياذة" الإسلامية لأحمد محرم، الذي جاء عمله أقرب إلى السرد التاريخي منه إلى الملحمة، رغم أن الأسلوب الذي كتب به ذلك العمل أسلوب شعري، إذ ينقصه البناء القصصي تمامًا، فهو من هذه الناحية يشبه أرجوزة ابن عبد ربه التي بلغت أربعمائة وخمسًا وأربعين بيتًا في تعديد مآثر الخليفة الأموي عبد الرحمن الثالث بقرطبة، وأرجوزة ابن المعتز في الخليفة العباسي المعتضد بالله، والتي نيفت على أربعمائة بيت من نحو عشرين بيتًا، وإن كان عمل محرم أطول من ذلك كثيرًا جدًّا. ولا مانع أن تعد تلك الأعمال الحديثة من الملاحم، ما عدا "الإلياذة" الإسلامية؛ لافتقارها إلى أهم عناصر الملحمة وهو العنصر القصصي، ولا ريب أن من الصعب استمرار ملامح جنس أدبي ما دون تغيير أو تعديد أو تطوير طوال كل هاتيك القرون الشاسعة، وهناك مقال لـ"ماتيا كافانيا" يتناول بعض الأعمال الأدبية الفرنسية المعاصرة، فيعدها من الملاحم رغم أنها لا تتوفر فيها كل العناصر الملحمية، ذلك أن هذه الأعمال قد ساهمت في إحداث ذلك التغيير، الذي كان من جرائه أن أصبحت الملاحم تُكتب نثرًا، بعد أن كانت على الدوام تصب في قالب الشعر علاوة على غلبة الطابع العاطفي عليها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

стр. 127

الدرس: ٦ الأجناس الأدبية وتبادل التأثير والتأثر فيها عبر الآداب العالمية .

стр. 128

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس (الأجناس الأدبية وتبادل التأثير والتأثر فيها عبر الآداب العالمية) التعريف بأحمد شوقي، وبمسرحياته، وتحليلها جاء في "الموسوعة العربية العالمية" في المادة المخصصة لأحمد شوقي: أنه عَلَمٌ من أعلام الشعر العربي في القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين الميلاديين، وقد ولد في القاهرة من عائلة تلتقي فيها الدماء العربية والكردية والتركية والشركسية واليونانية، ونشأ منذ طفولته وعاش في سعة من الرزق ورغَد في العيش بسبب صلته بالخديوي إسماعيل، ومَن جاء بعده من أبنائه. تعلم شوقي في الكُتَّاب أولًا، ثم في المدارس الابتدائية فالثانوية التي تخرج فيها سنة ألف وثمانمائة وخمس وثمانين للميلاد، ثم انتظم بعد ذلك في مدرسة الحقوق والترجمة، وتخرج بعد أربع سنوات، فألحقه الخديوي توفيق بخدمته، ثم أرسله في بعثة دراسية على حسابه الخاص إلى فرنسا. وكان أثناء دراسته الحقوق في مصر وفرنسا مكبًّا على دراسة الشعر العربي واستظهاره، وحفظ نوادره إلى جانب اطلاعه الواسع على روائع الأدب الفرنسي، وكان يرسل قصائده من فرنسا في مديح الخديوي توفيق، وكانت تلقى صدًى من القراء والأدباء في مصر، وبعد ثلاث سنوات عاد شوقي من بعثته، وقد تولى الخديوي عباس الحكم بعد وفاة والده، فانضم إلى ديوانه، وبدأت مرحلة جديدة في حياته هي مرحلة شعر القصر، التي قام فيها بكل ما يتطلبه هذا المنصب من التزامات سياسية واجتماعية، فأصبح بيته مقصدًا لذوي الحاجات بسبب موقعه في القصر.

стр. 129

كما أصبحت علاقاته كذلك مرتبطة باتجاهات القصر، واستمرت العلاقة بينه وبين الخديوي عباس حلمي قوية؛ حتى عزل الخديوي سنة ألف وتسعمائة وأربع عشرة إلى الميلاد، ونفي شوقي إلى الأندلس بسبب تلك العلاقة، وهنا بدأت مرحلة جديدة أخرى في حياته حياة المنفى، حيث عاش في إسبانيا أربع سنوات لا ينغص عليه سوى حنينه الشديد إلى مصر وأهلها، وفي ذلك يقول: وطني لو شغلت بالخلد عنه ... نازعتني إليه في الخلد نفسي ثم عاد إلى الوطن بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وأصبح عندئذ أشد التصاقًا بالشعب وأكثر تعبيرًا عن آرائه وآماله بعد أن تحرر من قيود القصر، وتعد مرحلة ما بعد المنفى أغزر فترات حياته إنتاجًا، فقد كثرت فيها قصائد المناسبات الاجتماعية والوطنية، كما اتجه إلى كتابة المسرحيات المستمدة من التاريخ، وفي سنة ألف وتسعمائة وسبع وعشرين ميلادية، اجتمع شعراء الأمة العربية في مهرجان كبير بالقاهرة؛ لتكريمه ومبايعته بإمارة الشعر عرفانًا منهم بفضله ومكانة شعره، الذي كان كما وصفه في ذلك الحفل بقوله: كان شعر الغناء في فرح الشرق، وكان العزاء في أحزانه، وأصبح منذ ذلك الحين يلقب بأمير الشعراء. وقد أكمل شوقي المهمة التي بدأها البارودي لإحياء تراث الشعر العربي، وإعادة مجده في أيامه الزاهرة، فنظم في جميع الأغراض الشعرية، وأكثر من معارضة القصائد المشهورة في الشعر العربي القديم معتمدًا على موهبة شعرية فذة، ولغة طيعة رائعة، وترك شوقي وراءه ديوانه (الشوقيات) في أربعة مجلدات و (دول العرب) و (عظماء الإسلام)، وهي أراجيز تتحدث عن تاريخ الإسلام وعظمائه منذ عهد النبوة إلى عهد الفاطميين، وله من المسرحيات الشعرية ست

стр. 130

هي (مصرع كليوباترا) و (مجنون ليلى) و (عنترة) و (قمبيز) و (علي بك الكبير) و (الست هدى)، وله مسرحية نثرية واحدة هي (أميرة الأندلس). أما في النثر فله كتاب (أسواق الذهب)، وقصائده المشهورة كثيرة جدًّا من أشهرها أندلسياته التي كتبها من منفاه، وجارَى في واحدة منها سينية البحتري المشهورة، فقال: اختلاف النهار والليل ينسي ... اذكرا لي الصبا وأيام أنسي كذلك جارى نونية ابن زيدون، فقال: يا نائح الطلح أشباه عوادينا ... نشجى لواديك أم نأسى لوادينا هذا فضلًا عن همزيته في مدح رسول الله، ومطلعها: وُلد الهدى فالكائنات ضياء ... وفم الزمان تبسم وثناء ومن أرق شعره وأعذبه "جارة الوادي" التي منها قوله: يا جارة الوادي طربت عادني ... ما يشبه الأحلام من ذكراك مثلت في الذكرى هواك وفي الكرى ... والذكريات صدت سنين الحاكي وقد جاء في كتاب (المسرح) لمحمد مندور ما يفهم منه أن تأثر شوقي بالأدب الفرنسي وإقباله على الإبداع المسرحي، هو حصيلة إقامته في فرنسا أيام طلبه العلم في مدرسة الحقوق بمونبليه، والواقع أن كان في مصر من قبل ذلك نشاط أدبي مسرحي شعري ونثري تأليفًا وترجمة،

стр. 131

ومن المؤلفين المسرحيين الغربيين الذين تُرجمت بعض أعمالهم في تلك الفترة المبكرة: "شكسبير" و"راسين" و"كورنيه" و"موليير"، ومن الأسماء التي برزت في تلك الفترة محمد عثمان جلال وسليم النقاش وخليل اليازجي ونجيب الحداد وعبد الله فكري ومصطفى كامل مثلًا، وكانت هناك كتابات نقدية واعية بهذا الفن وأصوله، تدل على أن أصحابها درسوا هذا الفن، وعرفوا أصول نقده من خلال ما قرأوه في الأدب والنقد الغربيين. وهذه الكتابات نجدها في مقدمات المسرحيات المنشورة في ذلك الوقت، أو في بعض المجلات والصحف، ومن هنا فإني قد لا أشاطر الدكتور مندور هذا الرأي، وأرى أن شوقي قد تأثر في الأصل بالتأليف المسرحي، الذي كان موجودًا ونشطًا بمصر قبل سفره إلى فرنسا، وبخاصة أنه لم يقبل على المشاركة بذلك التأليف، إلا في أخريات حياته بعدما عاد من فرنسا بزمن جد طويل، بل بعدما عاد أيضًا من إسبانيا، ولو أضفنا إلى هذا وذاك أنه لم يقم بترجمة أي من المسرحيات الغربية؛ لتبين أن الرأي الذي ذكرته أحرى أن يكون هو الصواب، وإن لم أستبعد أن تكون إقامته في فرنسا أيام الدراسة قد أغرته بالإقبال على المسرح الفرنسي قراءة ومشاهدة، مما أسهم في ثقل موهبته المسرحية. كذلك يقول الدكتور محمد مندور في سياق انتقاده لشوقي: إن شوقي حين شرع الكتابة المسرحية كان تأثره أوضح ما يكون بالمسرح الكلاسيكي، لكنه لم يكن قد تعمق دراسة المذاهب المسرحية المختلفة، ومن ثم لم يكن قادرًا على اختيار مذهب من تلك المذاهب عن وعي واختيار، بل جاء تأثره بالكلاسيكية بطريقة تلقائية غير منهجية؛ ولهذا لا نراه يتقيد في مسرحه بجميع الأصول الكلاسيكية، بل يأخذ بما هداه إليه إحساسه. هذا ما قاله الدكتور مندور.

стр. 132

وبعيدًا عن المستوى الفني لمسرح شوقي نود أن نعرب بقوة عن مخالفتنا للدكتور مندور، إذ من الواضح أنه يرى أن مكاننا في الإبداع الأدبي لا بد أن يأتي تابعًا للغربيين، فإذا ذهبوا يمينًا وجب أن نذهب وراءهم ذات اليمين، وإذا راحوا شمالًا كان علينا أن نوجه وجوهنا وراءهم جهة الشمال وهكذا، وبنفس الطريقة لا بد لنا إما نكون إما كلاسيكيين أو رومانسيين أو واقعيين صِرفًا، ما دامت هناك مذاهب كلاسيكية ورومانسية وواقعية صرفًا، ولا يحق لنا أن نمزج بين مذهبين، وهذا ما يوجبه النقاد المشيعون لكل ما يأتي من الغرب، فنراهم يعيبون أيضًا أي ناقد لا يتقيد بمذهب بعينه، ويزعمون أن نقده فاسد، وغير منهجي مع أن تلك المذاهب الأدبية والنقدية ليست نازلة من السماء، بل هي نتائج بشري فيه الصواب وفيه الخطأ، ومن حق أي أحد أن يتصرف فيها على النحو الذي يراه صحيحًا، ومن ثم فإننا مبدئيًّا لا نرى فيما فعله شوقي طبقًا لما يقوله الدكتور مندور من عدم تعبده لمذهب بعينه على النحو الذي يريده ذلك الناقد، لا نرى في ذلك شيئًا يُعاب، بل هو التصرف الأقرب إلى الحكمة. ثم إن شوقي لم يؤلف وهو في فرنسا إلا مسرحية واحدة هي مسرحية (علي بك الكبير)، الذي عاد تأليفها بعد ذلك بسنوات طوال في أخريات حياته. كذلك فقول مندور: إن استقاء شوقي مسرحياته من التاريخ قد وقف حاجزًا بينها وبين الجمهور، الذي كان يفضل أن يرى في المسرحية عرضًا لمشاكله المعاصرة، بدلًا من معالجة الأحداث التاريخية، التي بعد بها العهد فلم يعد لها تأثير يذكر في حياته واهتماماته، هذا القول يدل على أن مندور قد فاته التنبه إلى أن كثيرًا جدًّا

стр. 133

من المسرحيات المعاصرة لشوقي والسابقة عليه، كانت مسرحيات تاريخية، وراجت لدى الجمهور المصري أيما رواج، وإلا فلم استمر الشعراء ينسجون مسرحياتهم من خيوط التاريخ إذن؟ إن انحياز شوقي لإبداع المسرحيات التاريخية في كل أعماله تقريبًا، إنما هو اتباع لما كان يجري عليه التأليف المسرحي في مصر في كثير من الأحيان، إذ كان التاريخ والقصص الشعبي أهم مصادر التأليف المسرحي العربي، كما جاء في مادة المسرحية العربية في الموسوعة العربية العالمية، التي أضافت أن المسرحية العربية تقسم إلى ثلاثة أنواع: مسرحية تاريخية، ومسرحية تراثية، ومسرحية شعرية، وأن المسرح التاريخي قد شغل حيزًا كبيرًا في التراث الأدبي المسرحي على امتداد الوطن العربي، وفي مختلف مراحل تاريخ المسرحية العربية، ومنه على سبيل المثال في تلك الفترة المبكرة مسرحية (المروءة والوفاء) لخليل اليازجي، و (السلطان صلاح الدين في مملكة أورشليم) لفرح أنطون. أما المسرح التراثي في تلك الفترة ذاتها، فيمكن الاستشهاد له بمسرحية (أبو الحسن المغفل) لمارون النقاش، المستوحاة من قصص (ألف ليلة وليلة)، وكاد أبو خليل القباني الرائد الثاني لكتابة المسرحية أن يعتمد كليًّا على القصص الشعبي في كتابة مسرحياته، وهي في معظمها مأخوذة من قصص (ألف ليلة وليلة)، وقد اعتمدت الموضوعات في هذه الفترة على ما يجد القبول لدى العامة من أحاديث الحب والخيانة، والبطولة والشهامة، ومما قاله الدكتور مندور أيضًا عن مسرح شوقي حسبما رأينا: إنه مسرح كلاسيكي، لكن فاته أن المسرح الكلاسيكي يفصل تمام الفصل بين المأساة والملهاة، فلا يخلط بينهام في العمل المسرحي الواحد، فضلًا عن أن زمن المسرحية فيه ينبغي ألا يتجاوز أربعًا وعشرين ساعة،

стр. 134

وبالمثل ينبغي ألا يتسع المحيط المكاني الذي تقع فيه أحداثها ويتحرك فيه أبطالها عن المحيط الذي يمكن أن يتحرك فيه الإنسان خلال تلك الساعات الأربع والعشرين. ومن ثم، فإننا لا نوافق مندور على تصنيفه هذا لمسرح شوقي، إذ كانت مسرحياته تضم أحيانًا عناصر مأساوية وأخرى ملهاوية، كما لم تلتزم بتاتًا بالوحدات الثلاث التي كان المسرحيون الكلاسيكيون يلتزمون بها. لم يبق إلا أن موضوعات مسرحياته كلها تقريبًا موضوعات تاريخية، لكن هل يكفي هذا للحكم عليها بأنها مسرحيات كلاسيكية على اعتبار أن المسرحيات الكلاسيكية كانت تعالج في الغالب موضوعات تاريخية؟ لا أظن هذا سببًا كافيًا للقول بأن شوقي شاعر مسرحي كلاسيكي، بل إن مندور نفسه قد عاد في موضع آخر من ذات الكتاب الذي نحن بصدده وهو كتاب (المسرح)، فذكر أن شوقي كان حريصًا على أن يضفي على مسرحيته (مجنون ليلى) مثلًا ما يسمى باللون المحلي والطابع التاريخي الشعبي، وهو سمة من سمات المسرح الرومانسي. كما لا ينبغي أن يفوتنا أن بعض مسرحيات شوقي تشتمل على أبيات رومانسية، ينصرف البطل إلى إلقائها حيث تسكن حركة المسرحية، وينصرف المشاهد إلى استماع تلك القصيدة مغمورًا بالانبهار، وليس في هذا أدنى شيء من الاتجاه الكلاسيكي، ولعل ما كتبه الدكتور جمال الدين الرمادي عن مسرحيات شوقي، من أنها لا تمت بصلة إلى مذهب أدبي محدد، بل تأخذ من هذا المذهب شيئًا، ومن ذاك المذهب شيئًا آخر، فجاء فنه يتأرجح على غير هدى لعل هذا الكلام هو أقرب شيء إلى واقع الأمر، وقد ذكره في كتابه (مسرحية كليوباترا بين

стр. 135

الأدب العربي والإنجليزي)، ومن العجيب أن يكتب مندور في كتابه (مسرحيات شوقي): أنه إذا كانت الكلاسيكية تحافظ على مبدأ فصل الأنواع أي: جعل المأساة مأساة خالصة، والملهاة ملهاة صرفة، فإن الرومانسية قد خلطت بين الأمرين، وهو ما صنعه شوقي أيضًا، فضلًا عن أنه قد ضمن مسرحياته قصائد غنائية؛ إرضاءً للذوق العربي والمصري، الذي يعشق الطرب والغناء. بل لقد أكد الدكتور مندور أن شوقي لم يتقيد بتيار خاص ولا بمذهب معين، بل جمع بين الشرق والغرب، وبين مذاهب الأدب المختلفة والظاهر أنه لم يتعمق دراسة فلسفة الأدب ولم يكون لنفسه حصيلة نظرية من تلك الفلسفة، وإنما كان يستهدي ذوقه الخاص وتفكيره القريب المنال؛ ليعود فيقول عكس هذا تمامًا حين قرر أننا لا ينبغي أن نأخذ بالأصول، التي سار عليها هذا المذهب أو ذاك في الأدب الغربي، فالكثير من تلك الأصول نسبي لم يتحرج الغربيون من الخروج عليها، حتى لو كانت مما نظنه بديهيًّا مثل ضرورة انتهاء المسرحية إلى خاتمة ما، وهو ما يعني صحة كل ما قلناه آنفًا مخالفين فيه الدكتور مندور. وبالمثل نرى الدكتور محمد حامد شوكت يقرر أن شوقي قد تأثر في مسرحياته بالاتجاه الكلاسيكي في فرنسا، قال ذلك في كتابه (الفن المسرحي في الأدب العربي الحديث)، وذلك أنه رغم أنه عنون الفصل الذي ورد فيه هذا الحكم، وهو الفصل الثاني من الكتاب الذي نحن بصدده بالمسرح الرومانسي المنظوم. وبالنسبة لاختيار شوقي موضوعات مسرحياته التاريخية يرى الدكتور علي الزبيدي أن شوقي لم يكن بالمناضل المستعد للتضحية في سبيل حبه لبلاده، بل كان يلجأ إلى الوسائل السلمية التي لا تكلف تعبًا ولا تجر وراءها أذى لصاحبها، رغم أن شوقي قد عاش فترة تفرض حب مصر والتضحية لها، والجهاد من أجل تحقيق آمال شعبها.

стр. 136

ولم يكن شوقي في نظر الزبيدي مناضلًا؛ لأنه بطبعه يحب الاعتدال فهو يحب أن يتخذ المواقف الوسط؛ ليرضي الشعب والسرايا والعلماء والنقاد في ذات الوقت؛ لذلك نراه يفر من واقعه إلى التاريخ أحيانًا، ويعمل قوافيه في حقائقه وواقعه حسبما يجب أن يكون، لا كما هو التاريخ، أو كما روى المؤرخون أن التاريخ كان. فإذا كانت الدعوة إلى الجهاد ومغالبة النفس إلى التضحية في سبيل الوطن واجبة، فإنه لا يدعو إلى ذلك مباشرة في مسرحياته، بل ينتخب من التاريخ فترات الاضمحلال أو الفساد، مثل الفترة التي شهدت نهاية الحكم الروماني في (مصرع كليوباترا)، وآخر أيام العرب في الأندلس في (أميرة الأندلس)، وفوضى الانحلال أيام المماليك في مسرحية (علي بك الكبير)، وانهزام مصر أيام (قمبيز) في المسرحية المسماة بهذا الاسم، ونراه يحمل هذه الفترات السود ما لا تحتمل من بطولات يريد أن يدعو إليها، وليس من عيب على شوقي كما يقول الزبيدي: أن يختار فترات الاضمحلال والانهزام والفساد، فلعل هذه الفترات أغنى من الناحية الدرامية بالمشاهد المأساوية، والمواقف التي تخدم الصراع الدرامي بكل قوة، ولكنه يختار هذه الفترات؛ ليصور أبطالًا لا على أنهم معالم حجار، وإنما على أنهم عناصر قوة وسط الضعف، وكأنما نصب نفسه محاميًا عن هذه الفترات العاثرة من تاريخ مصر والعرب. ويقول الدكتور عز الدين إسماعيل في المقدمة، التي كتبها للأعمال الكاملة لأحمد شوقي، والتي صدرت عن هيئة الكتاب سنة ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين: إنه على الرغم من تنوع مسرح شوقي من حيث مصادر مادته، ومن حيث أساليب معالجته، فإن القارئ المتأمل لهذا النتاج في مجموعه يستطيع أن يستشف صدور شوقي في هذا النتاج كله عن مبدأ أخلاقي يحكم نظرته إلى

стр. 137

التاريخ، أو ما يشبه التاريخ من جهة، وفهمه لوظيفة المسرح من جهة أخرى فهو فيما يختار من أحداث تاريخية يدير حولها بعض مسرحياته، يكون مدفوعًا بمشاعر وطنية، وأعراف وتقاليد اجتماعية يستهدف تعميقها في نفوس الجماهير، وتأكيدها في ضمائرهم. ومن أجل ذلك لا يفسر غدر كيلوباترا بأنطونيو على أساس من الانحلال في سلوكياتها، أو ميلها إلى النجم الساطع آنذاك، وهو أكتافيو بقصد إغوائه، وبرغبتها في تحقيق أمجادها الشخصية، بل يفسر هذا الغدر في ضوء سياسة وطنية، كانت كيلوباترا في رأيه تتبناها مؤداها أن توقع بين قواد الرومان؛ حتى يفني بعضهم بعضًا، فتتمكن بهذا من بسط نفوذها على مصر، وعلى الإمبراطورية الرومانية نفسها، وكأن شوقي قد حدث من هذه المعالجة إلى إحداث نوع من التعاطف بين الجماهير وبينها، وكسب عطفهم عليها، أما أن يكون قد نجح في تحقيق هذا الهدف أو لم ينجح فهذه مسألة أخرى. ويرتبط بهذا المنزع عند شوقي ما يمكن ملاحظته من اختياره من حياة الأمة الحقب التاريخية، التي تكون فيها في حالة انكسار، أو تكون قد ألمت بها فيها بعض الكوارث، فالنظرة العجلى قد ترى في هذا الاختيار تعارضًا مع أهدافه الوطنية، وإلا فقد كان الأَولى به أن يختار الحقبة التي يبلغ فيها الوطن أوج الازدهار، والتي يحقق فيها أمجاده. هذا فيما يتصل بمسرحياته الأربعة ذوات العلاقة الوثيقة بالتاريخ المعترف به. أما فيما يتصل بمسرحيات (عنترة) و (مجنون ليلى)، فالهدف الأخلاقي يتركز في تأكيد المبادئ والأعراف والتقاليد، التي درَجَ عليها المجتمع، فالقيم والأعراف الاجتماعية

стр. 138

السائدة تمثل عند شوقي الإطار المرجعي للحكم الأخلاقي على شخوصه، فإذا استغرت مشاعر الفرد بأعراف الجماعة كان على الفرد أن يضحي بمشاعره في سبيل تحقيق هذه الأعراف، وفي هذا يتمثل الصراع الذي كتب على الشخصية المأزومة عنده أن تخوضه، وهذا المنحى يدل على رغبة شوقي في عدم الاصطدام بالتقاليد والأعراف، أو إحداث أي هِزة لها ومَيْله على العكس إلى تأكيدها. وعلى الجملة يمكن أن يقال: إن التزام شوقي الأخلاقي بوجهيه الوطني والعرفي هو المسئول عما يكشف عنه تحليل الصراع في مسرحياته التاريخية وشبه التاريخية من نجاح أو إخفاق. هذا ما قاله الدكتور عز الدين إسماعيل. وهذه الملاحظة التي لاحظها الدكتور على مسرحيات شوقي التاريخية، واختياره فترات الانحلال والضعف في تاريخ مصر والعرب، قد لاحظها غيره من النقاد، وقد تناول الدكتور مندور هذا الموضوع فأشار إلى استنكار أولئك النقاد الذين لم يعجبهم اختيار شوقي لفترات الانحلال من تاريخ العرب والمصريين موضوعًا لمسرحياته التاريخية، ما دام قد ألفها من أجل الدفاع عن بلاده وأمته، ولست أرى لهذا الاستنكار معنًى؛ لأن حب الإنسان لوطنه وأمته ليس معناه أن أغفل عن عيوبهما، وأعمل على تصيير مساوئهما حسناتٍ، إن هذا ليس حبًّا، بل تزييفًا وتمكينًا للعيوب التي يعاني منها الوطن والأمة من البقاء والاستطان؛ فنظل متخلفين ضعفاء يرتع فينا الفساد، وتسرح ديدانه كما يحلو لها. وإذا كان شوقي قد انتقد الشعب المصري في مسرحيته (مصرع كيلوباترا) مثلًا؛ فلأنه يستحق الانتقاد، إذ يبدو في بعض الفترات التاريخية وكأنه لا يعرف شيئًا اسمه الإنكار على الاستبداد والفساد، والثورة على ظالميه، والتمرد على مَن يسومونه سوء الطغيان والعذاب، بله الخروج إلى الميادين والشوارع للهتاف بحياة

стр. 139

الطغاة اللصوص القتلة المفسدين، وإلا فلو صوره رغم ذلك في صورة مشرقة جميلة، لكان بهذا يمد في عمر تلك العيوب ويضعفها ويقويها، وليس ذلك من حب الأوطان والأهلين في شيء، ولقد استدرك مندور نفسه في هذا الموضوع قائلًا: إن شوقي رغم ذلك قد تغنى فأجاد التغني بمصر ومجدها وعظمتها وخلودها، وأكد أنها دائمًا مقبرة للغزاة. وفي الكتيب الذي وضعه رفعت سلام عن المسرح الشعري العربي نراه يتناول هذه النقطة قائلًا عن حق: إنه في ظل الانهيارات المدمرة والصراعات المتوالية، والمصائر الدامية لفرسان المقاومة، فإن الموقف العام للشعب في مسرح شوقي يتسم بالسلبية والتخاذل، فالشعب لديه يتلقى الصدمات المتوالية، وصنوف القهر والعذاب دون أن يتفض ضد قاهريه، هو شعب كما قال: أثر البهتان فيه ... وانطلى الزور عليه ملأ الجو هتافًا ... بحياتي قائليه لا يشارك في حركة الصراع إذ هو مفعول به وليس فاعلًا، وهذا الضعف الشديد الذي يتسم به الشعب إنما هو نتيجة انعدام الوعي الذي يقود إلى الانصياع وراء الحاكم المستبد، دون أن يتخطى موقفه مرحلة التذمر والسخط والشكوى، وفي الحالة النادرة التي تخطى ممثلو الشعب فيها هذا الموقف السلبي، وجنحوا إلى تكوين التنظيم الثائر في مصرع كيلوباترا، فإنهم ركنوا إلى الثرثرة دون الفعل، والكلام المتذمر دون التضحية الحقيقية المطلوبة، ولم ينطلق شوقي في نظرته هذه إلى الشعب من موقف التعالي والاحتقار، كما زعم البعض، ولكن من الأسى للدرك الذي وصلت إليه سلبية الشعب في مواجهة الحكام وتردي أوضاعه.

стр. 140

وقد ذكر الأستاذ رفعت سلَّام هذا الكلام في كتابه (المسرح الشعري العربي) الصادر في سلسلة المكتبة الثقافية في مصر، وبالنسبة لموقف شوقي من وقائع التاريخ وحقائقه، والانتفاع بذلك في مسرحياته نراه يلتزم أحيانًا ما نقلته الكتب إلينا بعجره وبجره، كما هو الحال في مسرحية (مجنون ليلى)، التي لاحظ النقاد أنه قد نقل النقاد أنه قد نقل فيها ما كتبه الأصفهاني في كتابه (الأغاني) عن هذا الموضوع دون تصرف تقريبًا، حتى إنه قد نقل ما لم يكن يقبل التصديق منه، رغم ما هو معروف من أن أبا الفرج يورد في (الأغاني) كل ما يصله من روايات، بغض النظر عن صحتها أو لا. وأحيانًا نرى شوقي يتصرف في المادة التاريخية، التي وقعت له لكن في الأمور الثانوية لا الأساسية، وكذلك في تفسير الحوادث والتصرفات كما هو الحال مثلًا في تقديمه لكيلوباترا في المسرحية التي تتحدث عن مصرعها بوصفها ملكةً مصريةً، كانت تعمل طوال الوقت للحفاظ على استقلال مصر، وإن كنا لا نقر شوقي في هذه النقطة الأخيرة، إذ من الصعب أن نفهم كيف خطر له أن يصير كيلوباترا ملكة مصرية صميمة، رغم أنها لم تكن كذلك يقينًا، بل كانت من قوم يحتلون مصر منذ زمن طويل، وعرفت أسرتها بالفساد والتطاحن على الملك، وتآمر بعضهم على بعض، بل وقتل بعضهم بعضًا، وكذلك رغم ما عرف عنها من انحراف خلقي غير كريم أراد شوقي أن يلبسه تاج الوطنية عبثًا. مآخذ النقاد على إبداعات شوقي ومما أخذه النقاد على إبداعات شوقي المسرحية ما كتبه الدكتور علي الزبيدي في مقاله الآنف الذكر، إذ قال: إن زوال دولة الأندلس قد ألهم شوقي روائع شعره: يا أخت أندلس عليك سلام ... ......................... إلى آخره.

стр. 141

ولكن مأساة المعتمد بن عباد لم تلهمه إلا أقل مسرحياته نجاحًا، حتى إنها المسرحية الوحيدة التي كتبها نثرًا، فلم يتح لها الشعر الذي ينقذها من مصيرها الفاشل، وبدل مأساة اعتماد والمعتمد نرى قصة غرام بنت المعتمد بثينة بالفتى العربي حسون، التي تنتهي نهاية مفتعلة بدخول الحبيبين على المعتمد في سجنه في "أغمات" عند ملك المرابطين في شمال لإفريقيا؛ ليعقدا زواجهما داخل السجن، حتى شخصية المعتمد لم تنل حظها الواجب من عناية شوقي، وكأنما أراد لنا مسرحية ترفيهية تضمد جراحنا لمأساة آخر ملوك العرب على أرض الأندلس. وهكذا نجد هذه الشخصية المفتعلة بثينة صورة نسائية مكررة من امرأة تحب، بل إنها تحب وتفوز بمن تحب، فلا نجد لها مأساة ولا مواقف تهز الإحساس، وتفجر الحب نحوها أو العطف عليها، لقد كتب شوقي سبع مسرحيات لعبت المرأة في ست منها أدوارًا رئيسة، ولم تبق إلا مسرحية علي بك الكبير، التي بدأ بها أيام كان لا يزال في فرنسا في فجر شبابه، ثم أعاد لنا كتابتها بعد ظهور (مصرع كيلوباترا) ونجاحها، فإننا نجد دور المرأة فيها باهتًا لا يكاد يذكر. وفي مسرحياته التاريخية (مصرع كيلوباترا) و (أميرة الأندلس) و (قمبيز) نرى المرأة المثالية في حبها، وفي المسرحيات التي تعتمد على ما يشبه الأسطورة باسم (مجنون ليلى) و (عنترة)، نرى المرأة المتدلهة في الحب التي تصارع التقاليد، والعجيب أن التي تصارع التقاليد الأقل مدعاة إلى صراعها هي التي تقود الصراع الأعنف، فليلى تصارع مجرد تقليد ألا تتزوج الفتاة بمن شغف بحبها علنًا، بينما عبلة تصارع تقاليد التفرقة العنصرية والعنجهية القبلية أو الطبقية، ومع ذلك فكل أمورها تسير هينة لينة؛ حتى هونت المسرحية ولينتها، فانزلقت بها من مأساة إلى تراجيديا كوميديا أو فوفيل.

стр. 142

بقيت مسرحية (الست هدى)، وهي ذات وضع خاص بين كل مسرحياته، إنها الوحيدة التي تعالج الواقع المعاصر، ومع ذلك فقد اختار لها أسلوب الشعر لا النثر، هل كان ذلك ليثبت أنه بالشعر يستطيع أن يخرج لنا المأساة والملهاة، أم تراه فعل ذلك لسبب آخر؟ وإنها لظاهرة شاذة حقًّا. فمأساة الأندلس التي حركت أدق مشاعره وأعمقها يكتب عنها مسرحية نثرية، والواقع العادي في حي الحنفي يكتب عنه مسرحية شعرية، ولكن (الست هدى) كوميديا رغم الشعر، وليس شوقي بالنسبة لهذا الواقع فيها بأقرب منه بالنسبة لواقع التاريخ أو الأسطورة، إن حي الحنفي بعيد عنه بعد أيام المماليك، وقمبيز والأندلس وبعد صحراء ليلى وقيس وعنترة وعبلة، ولكن (الست هدى) نفسها واقع في حياة شوقي، إنها المرأة التي يطمع الرجال فيها لمالها، وهي امرأة عادية صادقة تعد نموذجًا من النماذج بين نساء عصرها، إنها امرأة تريد زوجًا؛ لأن امرأة بلا زواج نموذج إنساني غير مألوف، بل هو مستهجن، هدفها في الحياة أن تتزوج ويتتابع الأزواج طامعين في مالها حسبما تقص هي علينا في شريط سينمائي في فصل من فصول المسرحية، والتركيز على الزوج الأخير الذي ظفر بما لم يظفر به من سبقوه، وهو أنه عاش بعد أن ماتت (الست هدى). ولكن (الست هدى) لم تنهزم؛ لأنها كانت قد أوصت بمالها لبعض صديقاتها وبعض جهات البِر، وخرج الرجل الذي فاز بما لم يفز به غيره في الظاهر صفر اليدين مشيعًا بضحكات النظارة في المسرح، وقد جن جنونه بعد أن كان قد تصور أنه ظفر بما كان يحلم به.

стр. 143

ليس في هذه الكوميديا الناجحة حب ولا صورة لامرأة تحب، وإنما هي صورة امرأة من طراز لم يألف شوقي تصويره في مسرحياته، صورة سيدة من واقع حياة شوقي أسكنها حيًّا يبعد عنه بعد التاريخ والأسطورة، ولكنه استطاع بشاعريته أن ينبضه، كما أنبض التاريخ والأسطورة بالحياة والحيوية الدافئة. إن (الست هدى) من أنجح ما ألف شوقي، والشعر فيها لا يرتفع إلى مستوى الغنائية العبقرية المتجلية في سائر المسرحيات؛ لأنه شعر عادي يصور الحياة اليومية والمشاعر العادية، ومن هنا نراها ترتفع بحيوية الحوار، وبرسم الشخصيات كشخصية الزوج الأخير و (الست هدى) نفسها عن المستوى العادي في مسرحياتها الأخرى. إن (الست هدى) نموذج من السيدات في زمانه، يحيا في المسرحية كما يحيى في الواقع وتتخلل السخرية والإيحاءات والتورية حوار المسرح؛ فيرفع من نبضها وحركتها وحيويتها، وتتوالى الأحداث متصاعدةً نحو قمة معلومة في أسلوب هندسي، ومع صعوده تنتقل شخصية (الست هدى) من طور إلى طور، إن مشهد استرجاعها لحياتها حيث تصور طابور الأزواج واحدًا إثر واحد على باب مالها؛ حتى عندما تترحم على الموظف مشهد حي خفيف الروح: لم أنسه منذ مات يومًا ... ما كان أظرف كان خفيفًا وكان حلوًا ... ومن نسيم الربيع ألطف ونكاد نحس نبرة مأساة وشبه حزن، ثم نراها تردف: ما كنت أدري إذا تولى ... أجيبه أم قفاه أنظف يرحمه الله مات ما وجدوا ... في جيبه قطعة ذهبي وسبحة من خزانتي سرقت ... كانت على الرف من وفاة أبي

стр. 144

فلا نكاد نهم بالأسى حتى نضحك من هذا الذي لم تنسه منذ مات، فلقد كان حريًّا بحبها ولكنه أيضًا حري بسخريتها وضحكنا منه، وسط هذا العرض للأزواج نجد هذا الذي يمثل عليها دور الغيور، وهو مفضوح في حبها لمالها، أو هذا الصحفي المدعي الذي يرفع الناس ويحط من شأنهم، وهو كاذب مدع لا يصدق إلا في أنه يعيش عالةً على (الست هدى)، وسط هذا العرض الذكي الفكه المملوء بالحركة، نكاد نحس مأساة (الست هدى)، ولكن شوقي حريص على تصوير امرأة من نوع جديد، امرأة راضية بالأمر الواقع وكارهة لأن تستغل، فهي تدافع عن نفسها ما استطاعت أن توفق بين أن تكون متزوجة في مجتمع يفرض عليها أن تكون، وبين ألا تكون مستغلة لمالها. هذا ما قاله الدكتور الزبيدي في مقال له بعنوان: قراءة في مسرحيات شوقي، منشور بجريدة مدى، في الثاني عشر من ديسمبر سنة ألفين وتسع للميلاد. ولقد أخذ مندور أيضًا على شوقي أنه لم يستطع التعمق الصراع في نفوس أبطال مسرحياته، إذ كانوا سرعان ما يستجيبون للضغط الواقع عليهم من حولهم، دون أن يكون هناك أخذ ورد داخل نفوسهم، وكأن النفس البشرية من الطواعية لمثل تلك الاعتبارات، بحيث لا يحتاج الأمر إلى أكثر من حضور ذلك العامل الضاغط؛ حتى تتم الاستجابة دون توتر ومعاناة، ويضرب لذلك بعض الأمثلة، ومنها أن ليلى في مسرحية (مجنون ليلى) ما إن يترك لها أبوها حرية اتخاذ قرار الزواج من قيس أو عدمه؛ حتى تسارع فتختار وردًا لها قرينا بدلًا من قيس، الذي كانت مدلهة في هواه، والسبب هو أن قيسًا كان قد كتب شعرًا فيها، وفي حبه لها والتقاليد عند العرب تحرم عليهم تزويج بناتهم لمن يشبب ويشهر بهن.

стр. 145

وأنا من رأي الدكتور مندور بل أزيد عليه أنه لو كان ذلك صحيحًا لما ترك لها أبوها حرية اتخاذ القرار، بل لكان أصدر أمره بالرفض المبدئي القاطع، بل لما جرأ قيس على طلب يدها، بل لما فكر منذ البداية في التشبيب أصلًا ما دام يريد الزواج بها، إذ هو بكل تأكيد أنه بتشبيبها سوف يقف حائلًا بينه وبين الاقتران بها، والطريف أننا في مسرحية عنترة مثلًا نشاهد عبلة، وهي تزق عنترة ببعض تمرات من فمها والناس من حولهما يشاهدونهما، فهل كانت التقاليد العربية تسمح بشيء من هذا، وبخاصة بين فتاة حرة هي ابنة زعيم القبيلة، وعبد أسود لا هو زوجها، ولا هو حتى خطيبها؟ وهل كانت التقاليد العربية في الجاهلية تقبل من فتاة كعبلة أن ترد على أخيها الذي كان موجودًا حين كان أبوها يأخذ رأيها في رجل تقدم لطلب يدها، فرفضته، وسخرت به، والذي أنكر هذا الرفض وأراد تحسن الرجل في عينيها، فتقول له ما معناه: ولماذا لا تتزوجه أنت؟ والغريب العجيب أن يكون كل ما رد به أبوها على كل الوقاحة، التي لا يمكن تصور صدورها من فتاة عربية في ذلك الوقت هو: أزوج الرجال بالرجال ... ذاك لعمري منتهى الخبال وأغرب من ذلك وأعجب أن يجيء تعقيب أخوها المطعون في كرامته ورجولته على النحو البارد التالي: استهترت أختي فما تبالي ... .......................................... ز وإضافة إلى ذلك يذكر عمر الدسوقي أن ليلى قد أكرهت إكراهًا على التزوج بمن تزوجته، فلم تختره بنفسها على عكس ما جاء في مسرحية شوقي، ويضيف الدسوقي قائلًا: وقد آثر شوقي أن يجعل ليلى ترفض الزواج من قيس حين خيرت في ذلك؛ محافظةً على التقاليد العربية مع أن التاريخ يذكر أنها أكرهت على
следующие страницы →