← Адаб

Адаб · id 8949

الأدب المقارن - جامعة المدينة (ماجستير)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (585 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ولكن مأساة المعتمد بن عباد لم تلهمه إلا أقل مسرحياته نجاحًا، حتى إنها المسرحية الوحيدة التي كتبها نثرًا، فلم يتح لها الشعر الذي ينقذها من مصيرها الفاشل، وبدل مأساة اعتماد والمعتمد نرى قصة غرام بنت المعتمد بثينة بالفتى العربي حسون، التي تنتهي نهاية مفتعلة بدخول الحبيبين على المعتمد في سجنه في "أغمات" عند ملك المرابطين في شمال لإفريقيا؛ ليعقدا زواجهما داخل السجن، حتى شخصية المعتمد لم تنل حظها الواجب من عناية شوقي، وكأنما أراد لنا مسرحية ترفيهية تضمد جراحنا لمأساة آخر ملوك العرب على أرض الأندلس. وهكذا نجد هذه الشخصية المفتعلة بثينة صورة نسائية مكررة من امرأة تحب، بل إنها تحب وتفوز بمن تحب، فلا نجد لها مأساة ولا مواقف تهز الإحساس، وتفجر الحب نحوها أو العطف عليها، لقد كتب شوقي سبع مسرحيات لعبت المرأة في ست منها أدوارًا رئيسة، ولم تبق إلا مسرحية علي بك الكبير، التي بدأ بها أيام كان لا يزال في فرنسا في فجر شبابه، ثم أعاد لنا كتابتها بعد ظهور (مصرع كيلوباترا) ونجاحها، فإننا نجد دور المرأة فيها باهتًا لا يكاد يذكر. وفي مسرحياته التاريخية (مصرع كيلوباترا) و (أميرة الأندلس) و (قمبيز) نرى المرأة المثالية في حبها، وفي المسرحيات التي تعتمد على ما يشبه الأسطورة باسم (مجنون ليلى) و (عنترة)، نرى المرأة المتدلهة في الحب التي تصارع التقاليد، والعجيب أن التي تصارع التقاليد الأقل مدعاة إلى صراعها هي التي تقود الصراع الأعنف، فليلى تصارع مجرد تقليد ألا تتزوج الفتاة بمن شغف بحبها علنًا، بينما عبلة تصارع تقاليد التفرقة العنصرية والعنجهية القبلية أو الطبقية، ومع ذلك فكل أمورها تسير هينة لينة؛ حتى هونت المسرحية ولينتها، فانزلقت بها من مأساة إلى تراجيديا كوميديا أو فوفيل.

стр. 142

بقيت مسرحية (الست هدى)، وهي ذات وضع خاص بين كل مسرحياته، إنها الوحيدة التي تعالج الواقع المعاصر، ومع ذلك فقد اختار لها أسلوب الشعر لا النثر، هل كان ذلك ليثبت أنه بالشعر يستطيع أن يخرج لنا المأساة والملهاة، أم تراه فعل ذلك لسبب آخر؟ وإنها لظاهرة شاذة حقًّا. فمأساة الأندلس التي حركت أدق مشاعره وأعمقها يكتب عنها مسرحية نثرية، والواقع العادي في حي الحنفي يكتب عنه مسرحية شعرية، ولكن (الست هدى) كوميديا رغم الشعر، وليس شوقي بالنسبة لهذا الواقع فيها بأقرب منه بالنسبة لواقع التاريخ أو الأسطورة، إن حي الحنفي بعيد عنه بعد أيام المماليك، وقمبيز والأندلس وبعد صحراء ليلى وقيس وعنترة وعبلة، ولكن (الست هدى) نفسها واقع في حياة شوقي، إنها المرأة التي يطمع الرجال فيها لمالها، وهي امرأة عادية صادقة تعد نموذجًا من النماذج بين نساء عصرها، إنها امرأة تريد زوجًا؛ لأن امرأة بلا زواج نموذج إنساني غير مألوف، بل هو مستهجن، هدفها في الحياة أن تتزوج ويتتابع الأزواج طامعين في مالها حسبما تقص هي علينا في شريط سينمائي في فصل من فصول المسرحية، والتركيز على الزوج الأخير الذي ظفر بما لم يظفر به من سبقوه، وهو أنه عاش بعد أن ماتت (الست هدى). ولكن (الست هدى) لم تنهزم؛ لأنها كانت قد أوصت بمالها لبعض صديقاتها وبعض جهات البِر، وخرج الرجل الذي فاز بما لم يفز به غيره في الظاهر صفر اليدين مشيعًا بضحكات النظارة في المسرح، وقد جن جنونه بعد أن كان قد تصور أنه ظفر بما كان يحلم به.

стр. 143

ليس في هذه الكوميديا الناجحة حب ولا صورة لامرأة تحب، وإنما هي صورة امرأة من طراز لم يألف شوقي تصويره في مسرحياته، صورة سيدة من واقع حياة شوقي أسكنها حيًّا يبعد عنه بعد التاريخ والأسطورة، ولكنه استطاع بشاعريته أن ينبضه، كما أنبض التاريخ والأسطورة بالحياة والحيوية الدافئة. إن (الست هدى) من أنجح ما ألف شوقي، والشعر فيها لا يرتفع إلى مستوى الغنائية العبقرية المتجلية في سائر المسرحيات؛ لأنه شعر عادي يصور الحياة اليومية والمشاعر العادية، ومن هنا نراها ترتفع بحيوية الحوار، وبرسم الشخصيات كشخصية الزوج الأخير و (الست هدى) نفسها عن المستوى العادي في مسرحياتها الأخرى. إن (الست هدى) نموذج من السيدات في زمانه، يحيا في المسرحية كما يحيى في الواقع وتتخلل السخرية والإيحاءات والتورية حوار المسرح؛ فيرفع من نبضها وحركتها وحيويتها، وتتوالى الأحداث متصاعدةً نحو قمة معلومة في أسلوب هندسي، ومع صعوده تنتقل شخصية (الست هدى) من طور إلى طور، إن مشهد استرجاعها لحياتها حيث تصور طابور الأزواج واحدًا إثر واحد على باب مالها؛ حتى عندما تترحم على الموظف مشهد حي خفيف الروح: لم أنسه منذ مات يومًا ... ما كان أظرف كان خفيفًا وكان حلوًا ... ومن نسيم الربيع ألطف ونكاد نحس نبرة مأساة وشبه حزن، ثم نراها تردف: ما كنت أدري إذا تولى ... أجيبه أم قفاه أنظف يرحمه الله مات ما وجدوا ... في جيبه قطعة ذهبي وسبحة من خزانتي سرقت ... كانت على الرف من وفاة أبي

стр. 144

فلا نكاد نهم بالأسى حتى نضحك من هذا الذي لم تنسه منذ مات، فلقد كان حريًّا بحبها ولكنه أيضًا حري بسخريتها وضحكنا منه، وسط هذا العرض للأزواج نجد هذا الذي يمثل عليها دور الغيور، وهو مفضوح في حبها لمالها، أو هذا الصحفي المدعي الذي يرفع الناس ويحط من شأنهم، وهو كاذب مدع لا يصدق إلا في أنه يعيش عالةً على (الست هدى)، وسط هذا العرض الذكي الفكه المملوء بالحركة، نكاد نحس مأساة (الست هدى)، ولكن شوقي حريص على تصوير امرأة من نوع جديد، امرأة راضية بالأمر الواقع وكارهة لأن تستغل، فهي تدافع عن نفسها ما استطاعت أن توفق بين أن تكون متزوجة في مجتمع يفرض عليها أن تكون، وبين ألا تكون مستغلة لمالها. هذا ما قاله الدكتور الزبيدي في مقال له بعنوان: قراءة في مسرحيات شوقي، منشور بجريدة مدى، في الثاني عشر من ديسمبر سنة ألفين وتسع للميلاد. ولقد أخذ مندور أيضًا على شوقي أنه لم يستطع التعمق الصراع في نفوس أبطال مسرحياته، إذ كانوا سرعان ما يستجيبون للضغط الواقع عليهم من حولهم، دون أن يكون هناك أخذ ورد داخل نفوسهم، وكأن النفس البشرية من الطواعية لمثل تلك الاعتبارات، بحيث لا يحتاج الأمر إلى أكثر من حضور ذلك العامل الضاغط؛ حتى تتم الاستجابة دون توتر ومعاناة، ويضرب لذلك بعض الأمثلة، ومنها أن ليلى في مسرحية (مجنون ليلى) ما إن يترك لها أبوها حرية اتخاذ قرار الزواج من قيس أو عدمه؛ حتى تسارع فتختار وردًا لها قرينا بدلًا من قيس، الذي كانت مدلهة في هواه، والسبب هو أن قيسًا كان قد كتب شعرًا فيها، وفي حبه لها والتقاليد عند العرب تحرم عليهم تزويج بناتهم لمن يشبب ويشهر بهن.

стр. 145

وأنا من رأي الدكتور مندور بل أزيد عليه أنه لو كان ذلك صحيحًا لما ترك لها أبوها حرية اتخاذ القرار، بل لكان أصدر أمره بالرفض المبدئي القاطع، بل لما جرأ قيس على طلب يدها، بل لما فكر منذ البداية في التشبيب أصلًا ما دام يريد الزواج بها، إذ هو بكل تأكيد أنه بتشبيبها سوف يقف حائلًا بينه وبين الاقتران بها، والطريف أننا في مسرحية عنترة مثلًا نشاهد عبلة، وهي تزق عنترة ببعض تمرات من فمها والناس من حولهما يشاهدونهما، فهل كانت التقاليد العربية تسمح بشيء من هذا، وبخاصة بين فتاة حرة هي ابنة زعيم القبيلة، وعبد أسود لا هو زوجها، ولا هو حتى خطيبها؟ وهل كانت التقاليد العربية في الجاهلية تقبل من فتاة كعبلة أن ترد على أخيها الذي كان موجودًا حين كان أبوها يأخذ رأيها في رجل تقدم لطلب يدها، فرفضته، وسخرت به، والذي أنكر هذا الرفض وأراد تحسن الرجل في عينيها، فتقول له ما معناه: ولماذا لا تتزوجه أنت؟ والغريب العجيب أن يكون كل ما رد به أبوها على كل الوقاحة، التي لا يمكن تصور صدورها من فتاة عربية في ذلك الوقت هو: أزوج الرجال بالرجال ... ذاك لعمري منتهى الخبال وأغرب من ذلك وأعجب أن يجيء تعقيب أخوها المطعون في كرامته ورجولته على النحو البارد التالي: استهترت أختي فما تبالي ... .......................................... ز وإضافة إلى ذلك يذكر عمر الدسوقي أن ليلى قد أكرهت إكراهًا على التزوج بمن تزوجته، فلم تختره بنفسها على عكس ما جاء في مسرحية شوقي، ويضيف الدسوقي قائلًا: وقد آثر شوقي أن يجعل ليلى ترفض الزواج من قيس حين خيرت في ذلك؛ محافظةً على التقاليد العربية مع أن التاريخ يذكر أنها أكرهت على

стр. 146

الزواج من غيره إكراهًا، ولعله أراد بذلك أن يرفع ليلى إلى مصاف الأبطال؛ لأنها ضحت بحبها في سبيل المجتمع وعاداته وإرضاءً لوالدها وقومها، وقد جعلها شوقي في بيت الزوجية مثالًا للمرأة المتيمة بحبيبها قيس، تعيش بقلبها وروحها معه، وهو في البادية في حين يضمها وزوجها وردًا بيت واحد؛ ولذلك احترم زوجها هذا الحب، فعاملها معاملة الشقيقة للزوجة، فظلت في كنفه عذراء إلى أن ماتت. من كتاب (المسرحية نشأتها وتاريخها وأصولها) للأستاذ عمر الدسوقي. وهو ما يعني أن شوقي لم يوفق على أي وضع في تصوير وقع الصراع بين الحب والتقاليد في نفسية ليلى. وعلى ذكر استغراب البعض من اختيار شوقي للست هدى، التي كانت تعيش في حي الحنفي الشعبي، أبعد ما تكون عن مجال الشعر الأرستقراطي واهتماماته، يرى الدكتور محمد مندور في كتابه (مسرحيات شوقي) أن العبقرية كفيلة بأن تفسر لنا سر نجاح شوقي في معالجة هذا الموضوع رغم تلك الملاحظات، إذ إن المبدع يجد من موهبته وخصوبة خياله، وقراءاته المتنوعة فضلًا عما هو مشترك عام بين بني البشر، مهما اختلفت طبقاتهم الاجتماعية يجد في ذلك كله ما يعوضه عن عدم المررو بتجارب أبطاله المختلفة المنازع والبيئات، وهذا صحيح، وإلا فلو كان مطلوبًا من كل مبدع أن يعيش عيشة أبطاله، إذن فلن يكون هناك إبداع ولا مبدعون إلا في أضيق نطاق، وهو ما تكذبه الشواهد الإبداعية في كل الآداب، والمهم ألا يكون هناك افتعال في اختيار الموضوع، أو اعتساف في معالجته، إذ لكل مبدع مدًى لا يمكنه العمل بنجاح خارجه، وهذا المدى يختلف من مبدع إلى آخر حسب الموهبة والجد والاجتهاد والقراءة، وفتح العين والأذن على تجارب الآخرين، والتعاطف معهم واختزان ذلك كله لوقت الحاجة.

стр. 147

وبالنسبة للحبكة المسرحية لدى شوقي، نجد الدكتور مندور يقرر أنها في بعض المسرحيات تكون حبكة قوية، كما هو واضح في مسرحيات (علي بك الكبير) و (مجنون ليلى) و (عنترة)، إذ نرى في المسرحية الأولى منها كما يقول: كيف وُفق شوقي في استخدام موضوعها الثانوي المتمثل في حب مراد بك لآمال الجارية التي تزوجها علي بك الكبير، والتي ربط شاعرنا موضوعها بالموضوع الأصلي، وهو غدر محمد بك أبو الدهب بسيده علي بك الكبير، إذ كان هذا الحب سببًا في انضمام مراد بك إلى جانب أبي الدهب للتخلص من علي بك الكبير، وقتله كي يفوز بآمال، على حين أننا نفتقد ذلك في بعض المسرحيات الأخرى كمسرحية (مجنون ليلى)، حيث نرى بعض المناظر التي لا صلة بينها وبين مجرى المسرحية. إذ يصف أمير الشعراء مثلًا مرور موكب الحسين سيد الشهداء في صحراء الحجاز، وتهليل العرب وتكبيرهم حينما رأوا الموكب، وكذلك مشاهد الجن وندوات غناء الغريض -المغني الأموي- وذلك دون أن يكون للموكب أو المشاهد أو الندوات أي تأثير في سير المسرحية أو في نفوس شخصياتها على الإطلاق، وإن كان الدكتور محمد حامد شوكت يفسر موقف الجن مثلًا بأنه ربما كان تجسيمًا لأوهام عقل قيس السقيم. كذلك تناول الدكتور محمد حامد شوكت في كتابه (الفن المسرحي في الأدب العربي الحديث) سمة أخرى من سمات المسرح الشوقي، ألا وهي بروز ظاهرة القصائد الغنائية في إبداعات شوقي المسرحية يقول ما نصه: ولا تكاد تخلو مسرحية من مسرحياته عدا الملاهي أو المسرحية النثرية من مقطوعات وضعت لتغنَّى،

стр. 148

موضوعها عاطفة شائعة بين الناس كالهوى والموت، ففي (مصرع كليوباترا) نشيد على الحب والحياة، وآخر عن الموت، وفي (مجنون ليلى) أغان عن الحب، وفي (قمبيز) أناشيد مدح، وفي (علي بك الكبير) أغاني زواج، وجميعها تتشبع تشبعًا عاليًا بالأخيلة والموسيقى والرخامة. ومن هذه القصائد الغنائية التي وردت في خلال الحوار الأبيات التالية، التي يتغنى فيها قيس بجبل التوباد في مسرحية (مجنون ليلى)، حيث كان هو وليلى يلتقيان في شبابهما، فيرعيان الغنم ويلعبان، ويخطان الرمل: جبل التوباد حياك الحيا ... وسقى الله صبانا ورعى فيك ناغينا الهوى في مهده ... ورضعناه، فكنت المرضعا وحدونا الشمس في مغربها ... وبكرنا فسبقنا المطلعا وعلى سفحك عشنا زمنًا ... ورعينا غنم الأهل معًا هذه الربوة كانت ملعبًا ... لشبابينا وكانت مرتعا كم بنينا من حصاها أربعًا ... وانثنينا فمحونا الأربعا وخططنا في نقى الرمل ... فلم تحفظ الريح ولا الرمل وعى لم تزل ليلى بعيني طفلة ... لم تزد عن أمس إلا أصبعا ما لأحجارك صمًّا كلما هاج ... بالشوق أبت أن تسمعا كلما جئتك راجعت الصبا ... فأبت أيامه أن ترجعا قد يهون العمر إلا ساعة ... وتهون الأرض إلا موضعا ويرى الدكتور مندور أن تلك المقطوعات الغنائية التي تتخلل مسرحيات شوقي، وإن تكن من الشعر الغنائي الجميل كثيرة ما كانت تبدو دخيلة على الحوار، وكأنها قصائد غنائية قائمة بذاتها، فهي لا تخبرنا بجديد ولا تؤدي إلى تطور في

стр. 149

أحداث المسرحية، وإنما هي تغن خالص بالحب ولواعجه أو حنين إلى الماضي وذكرياته، ولقد يحدث أن نلتقي في بعض المسرحيات العالمية الكبيرة بمنولوجات فيها بعض ما يشبه هذا الغناء، ولكنها تحتوي في الغالب على اعترافات تنبئنا بما نجهل، أو تكشف الستار عن مخبوء أو تضيء بعض حنايا الشخصية المسرحية، وأما مجرد الغناء العاطفي بأشجان النفس أو بمظاهر الطبيعة، وما يختلط بها من مشاعر الشخصيات وذكرياتهم، فذلك ما لم نعد نشهد له وجودًا في المسرح الحديث، بعد أن تخلص من الجوقة التي كانت تردد مثل هذه الأغاني في المسرح اليوناني القديم، والأمثلة لهذه الأغاني كثيرة في مسرح شوقي، حتى لقد استطاع بعض الملحنين أن ينتزعوا بعضها من سياق المسرحيات، وأن يلحنوها منفردة كقصائد قائمة بذاتها، وأن يتغنوا بها. أما دكتور محمد حامد شوكت فقد يبدو أن له موقفًا يختلف قليلًا أو كثيرًا عن موقف مندور، إذ يرى أن الحوار في مسرحيات شوقي يتطور في حدود شعر شوقي الغنائي، الذي يصور رواسب الشعر العربي كما كان في أوجه عند أبي تمام والبحتري والمتنبي بالإضافة إلى ذاته وغيرهم، ذلك الشعر الذي يصور أحاسيس الكاتب في لغة منسقة ذات موسيقى وخيال وعاطفة، وحافظ شوقي على نظام القصيدة في البحر والقافية، وفي المسرحيات الأولى يتجلى لون الغنائي المسرحي، ففي (مصرع كليوباترا) مقطوعات كثيرة على نظام القصيدة تكاد تجعل الشعر الغنائي غاية، وكثيرًا ما يسترسل المؤلف في تلك المقطوعات، التي تدور حول الشكوى والنجوى والرثاء والمديح، وقد نجح مسرح شوقي لطبيعة الجمهور المسرحي المحب للغناء وسماع الشعر بل شعر شوقي.

стр. 150

وعلى نفس الوتيرة يشير عمر الدسوقي إلى أن معظم المسرحيات، التي سبقت أعمال شوقي كانت تضع في حسبانها الجمهور المصري المرح، الذي يحب الفكاهة والغناء الجيد، وإن أضاف إلى ذلك أن المسرح المصري ربما تأثر في تلك النزعة الغنائية التي غلبت عليه بالمسرح الإيطالي كما ظهر في عصر الخديوي إسماعيل، علاوةً على انتشار ممارسة المطربين كسلامه حجازي مثلًا لفن التمثيل في بداية عهد مصر بذلك الفن. كما يبرز الدسوقي ماضي شوقي الشاعر الغنائي بوصفه عاملًا مهمًّا آخر في شيوع القصائد الغنائية في مسرحياته، فيقول: لم يكن من اليسير على شوقي وقد تمرس بالشعر الغنائي طوال حياته أن يبرع في الشعر المسرحي دفعة واحدة، ويجمع بين الصياغة القرائية وحسن الأداء، وبين مقتضيات الفن المسرحي، وهو لم يعالجه من قبل؛ ولذلك نرى فنه المسرحي يتطور بالتدريج كان يكثر من المقطوعات، التي هي من صميم الشعر الغنائي في مسرحياته الأولى (كيلوباترا) و (مجنون ليلى) مثلًا، ولا سيما في مواقف الغزل والثراء والفخر، وقد ابتدأ فنه المسرحي في أول الأمر اقتباسًا، ثم سار نحو الابتكار والتجديد، ومن منهج وصفي تتحرك فيه الحوادث تحت تأثير الصدف، وتوصف به الحوادث والشخصيات وصفًا لا يمثل الحركة على المسرح إلى منهج تحليلي يعمد إلى أن تعبر الشخصيات والحوادث عن نفسها عمليًّا على المسرح. لقد كان وراء شوقي في أول الأمر ماضيه في الشعر الغنائي، ووراءه كذلك الجمهور الذي يعجب ويطرب لهذا اللون من الشعر، وقد ألف مسرح الشيخ سلامة حجازي وسيد درويش وأضرابهما، وكان يذهب في الغالب إلى المسرح الذي يشهد مأساة حقيقية، وإنما ليستمتع بالأغاني التي تجري على ألسنة الممثلات، ويخلق لها الحوادث خلقًا، ولكن شوقي بجانب هذا قد قرأ كثيرًا من

стр. 151

الأدب الفرنسي، قرأ الأدب التقليدي ممثلًا في "كورنيه" و"راسين" و"موليير"، وقرأ الأدب الإبداعي لدى "هيجو" و"شكسبير" مترجمًا، ونعلم أن "هيجو" قد تأثر بـ"شكسبير" وأن كلًّا منهما قد اتجه نحو التاريخ الأوربي الحديث والقديم، فيكتب "شكسبير" (هنري الرابع) و (هنري الخامس) و (كليوباترا) و (يوليوس قيصر) و (الملك لير)، ويخرج لنا "هيجو مار نيودور" و"كرومويل" من تاريخ انجلترا الحديث، و"هرناني" من التاريخ الأسباني أثناء محاكم التفتيش وغير ذلك. وقد تأثر شوقي بكل هذا إذ رأى أعلام الأدب الأوربي يتجهون إلى التاريخ، فلجأ إليه يستقي منه موضوعات مسرحياته، ورأى النزعة القومية الطبيعية غالبة على المدرسة الفرنسية المعاصرة تسايرها في وجهتها، وإحياء التاريخ المصري فرعونيًّا أو عربيًّا أو إسلاميًّا كان يعده شوقي اتجاهًا قوميًّا، ورأى أن جمهوره لا يزال ميالًا إلى الغناء، فأكثر من مقطوعاته الغنائية، فضلًا عن أنه لم يستطع هو نفسه التخلص من فنه الغنائي، الذي مارسه طول حياته في قصائده، أضف إلى كل هذا أن شوقي كان بعيدًا عن حياة الشعب؛ لأنه كان حبيسًا في قفص من ذهب، مقيدًا بقيود القصر وغل الحاشية، ولم يكن يدري شيئًا عما يعانيه شعب مصر من مذلة وهوان وفاقة، وإذا درى فقلما كان يحس بتلك الآلام أو يتذكرها، وليس له بها عهد، ولا ريب أن بُعده عن الشعب جعله لا يتجه أي وجهة واقعية أو اجتماعية في مسرحياته، اللهم إلا في روايته الأخيرة (الست هدى). ونحن نعلل هذا الاتجاه الأخير بكثرة تردده على المسرح وإدراكه ما يطلبه الجمهور، وما يقتضيه التنويع في فنه، ثم لتلك النهضة الاجتماعية الشعبية ممثلةً في الصحافة والمسرح، ولقد سبق أن سمعنا الدكتور مندور يقرر أن تلك القصائد الغنائية التي تتضمنها مسرحيات شوقي تناسب طبيعة ذوق الجمهور العربي والمصري. وإن الإنسان ليتساءل مجرد تساؤل: ما دامت الجوقة في المسرح الإغريقي كانت تقوم بذلك الدور، ألا يمكن النظر إلى صنيع شوقي هذا بوصفه تطويرًا لدور

стр. 152

الجوقة، إذ بدلًا من استجلاب جوقة من خارج المسرحية؛ لتؤدي هذا الدور يقوم بطل المسرحية ذاته بالتعبير عن مشاعره بنفسه، مما يعجب الجمهور المشاهد في بعض البلاد؟ إنه مجرد تساؤل واستفسار ليس إلا. بل لقد كتب الدكتور مندور بأننا نصر على أن مآسي شوقي المسرحية لو أتيح لها الموسيقيون والمغنيون، الذين يستطيعون تحويلها إلى أوبرا لأصابت نجاحًا كبيرًا، ومن منا لا يطرب لأنا أنطونيو وأنطونيو أنا، أو جبل التوباد حياك الحيا، أو تلفتت ظبية الوادي أو غيرها من المقطوعات التي لحنها وغناها المطرب محمد عبد الوهاب؟ فما بالنا لو لحنت كل تلك المآسي من مطلعها إلى نهايتها، ومثلت بالغناء وكلها مآس تصلح بموضوعاتها ولوحاتها وأشعارها لأن تكون أوبرات رائعة مستوفية لكافة العناصر، وبذلك يستمر المسرح المصري الغنائي في تطوره الغنائي، وبكل ما ابتدأه سلامه حجازي وسيد درويش. وبالمثل نرى مندور يقول في كتابه عن المسرح في ذات الموضوع: لن نمل القول: بأن مسرحيات شوقي خليقة بأن تلقى أكبر النجاح لو أنها لحنت، وتغني بها وقدمت للجمهور كمسرحيات غنائية، فعندئذٍ لن تلوح المقطوعات الغنائية دخيلة عليها، بل ستزيدها جمالًا وتزيد من متعتنا الروحية بسماع هذا الشعر الرائع ملحنًا منغمًا كفن جميل مكتف بذاته. والواقع أن كلام مندور هذا يعني أنه من الممكن جدًّا تطوير نظام المسرحية الغربية على نحو أو على آخر، وهو ما أردت الإيحاء به حين أوردت التساؤل الآنف الذكر، وإن وضع مندور نصب عينيه أثناء هذا التطوير فنًّا غربيًّا آخرَ هو فن الأوبرا. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 153

الدرس: ٧ مسرحية كليوباترا بين شوقي والآداب العالمية .

стр. 154

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع (مسرحية كليوباترا بين شوقي والآداب العالمية) قصة مسرحية كيلوباترا، وظروف تأليف شوقي لها فنقول: كليوباترا ملكة من ملكات مصر القديمة، ومن أكثر النساء اشتهارًا بالسحر والجاذبية على مدى التاريخ، لم تكن صارخة الجمال لكنها اشتهرت بالذكاء والفطنة والحصافة والطموح، وكانت تتصف في بعض الأحيان بقسوة القلب، أحبت يوليوس قيصر ومارك أنطوني، القائدين الرومانيين المشهورين في زمانهما، وكانت لها معهما علاقات غرامية وزواج، وكانت كليوباترا هي الملكة الأخيرة في الأسرة الحاكمة التي أنشأها بطليموس الأول عام ثلاثمائة وثلاثة وعشرين قبل الميلاد، وكان في الأصل قائدًا في جيش الفاتح المقدوني الشهير الإسكندر الأكبر، واسمها كاملًا كليوباترا السابعة، إذا كانت ملكة مصر السابعة، التي تحمل هذا الاسم نفسه من السلالة المقدونية، وقد اعتلت كليوباترا العرش عام ٥١ قبل الميلاد، بعد وفاة والدها بطليموس الثاني عشر، وأصبح أخوها بطليموس الثالث عشر الذي كان في العاشرة من عمره حينئذٍ شريكها في الحكم، وزوجها كذلك؛ جريًا على ما كان شائعًا في ذلك الزمان من زواج اقتران الأخ بأخته. وانفرد الأوصياء الذين كانوا يتولون رعاية بطليموس الصغير بالسلطة دونه عام ثمانية وأربعين قبل الميلاد، وخلعوا كليوباترا عن العرش، وفي ذلك الوقت وصل يوليوس قيصر إلى الإسكندرية عاصمة مصر حينئذ، حيث التقى بكليوباترا وربط الحب بينهما، فوقف إلى جانبها ونصرها على معارضيها، وغرق أخوها بطليموس الثالث عشر وهو يحاول الهرب، وأعادها قيصر إلى العرش مع شقيق آخر لها وبطليموس الرابع عشر، وقد وضعت بُعيدَ ذلك طفلًا عام سبعة

стр. 155

وأربعين قبل الميلاد، وسمته قيصرون وأعلنت أنه ابن قيصر، وفي عام ستة وأربعين قبل الميلاد لبت دعوة قيصر، وذهبت هي وابنها قيصرون وأخوها بطليموس الرابع عشر إلى روما، وظلت هناك حتى عام أربعة وأربعين قبل الميلاد، حين قامت مجموعة من أشراف روما الأرستقراطيين بقتل قيصر، وحينئذٍ عاد إلى مصر حيث دبرت مقتل أخيها بطليموس الرابع عشر؛ حتى يتمكن قيصرون من الحكم. وفي عام ٤١ قبل الميلاد وجه مارك أنطونيو دعوة إلى كليوباترا لزيارته في طرسوس في آسيا الصغرى -وهي تركيا الآن- وكان أنطونيو في ذلك الوقت أحد حكام روما مع جايوس أكتافيوس أوغسيوس ومارك لبيدس، وكان قد التقى بكليوباترا أثناء إقامتها في روما في ضيافة قيصر، وكان يود أن يحكم روما وحده، ويأمل أن يحصل على مساعدة مادية من كليوباترا، وقد ربط الحب بينهما عام ٤٠ قبل الميلاد، ووضعت كليوباترا مولودين توأمين، أحب أنطونيو كليوباترا وطفليها إسكندر هيليوس وكليوباترا سيلين التوأمين، ولكنه تركهم جميعًا ليتزوج أوكتافيا شقيقة أوكتافيوس شريكه في الحكم، وكان زواجه بمثابة وسيلة سياسية للوصول إلى السلطة، إلا أنه افتقد كليوباترا فترك أوكتافيا وعاد إلى حبيبة قلبه وتزوجها عام سبعة وثلاثين قبل الميلاد. وبعد ذلك بعام رزقت كليوباترا بغلام آخر منه هو بطليموس فلادلفوس، وقد تعاون الاثنان لتحقيق أهدافهما، وكان هو يعتقد أن ثروة مصر ستساعده؛ ليصبح الحاكم الوحيد لروما، أما هي فكانت تأمل أن تجعل من أولادها، وخصوصًا قيصرون حلقات في سلسلة حكام روما. وفي عام ٣٤ قبل الميلاد عينها حاكمًا على مصر وقبرص وكريت وسوريا، ومنح أبناءه منها كثيرًا من الأراضي التي كان يحكمها الإسكندر الأكبر، مما أغضب

стр. 156

مشاركيه ومنافسيه في الحكم، وكان أوكتافيوس يرى أن كليوباترا امرأة جشعة ذات أطماع واسعة، وأحس أنها حولت أنطونيو إلى شخص مسلوب الإرادة، تحركه كما تشاء. وفي عام اثنين وثلاثين قبل الميلاد أعلن أوكتافيوس الحرب على أنطونيو، ودارت معركة بين الفريقين عند أكتيوم على الشاطئ الغربي من بلاد اليونان، خسرها أنطونيو وكليوباترا، فعاد الاثنان إلى الإسكندرية، حيث حضر أوكتافيوس بعد بضعة أشهر لملاحقتهما، وبعد أن وصل بقواته إلى مصر عام ثلاثين قبل الميلاد أشاعت كليوباترا أنها انتحرت، وسمع أنطونيو بالنبأ، فقتل نفسه بالخنجر حزنًا عليها وحمله أتباعه إلى كليوباترا، حيث لفظ أنفاسه الأخيرة بين ذراعيها. وهنا اعتقدت كليوباترا أن أوكتافيوس سوف يهينها على الملأ في روما، فحاولت أن تعقد السلام معه، ولكنها فشلت فشعرت باليأس مما دفعها إلى الانتحار بأن وضعت حية سامة على صدرها أو ذراعها، وبعد وفاتها قتل الرومان قيصرون؛ خشيةَ أن يطالب بالإمبراطورية الرومانية بوصفه وريثًا لقيصر وولي عهده. وترجع شهرة كليوباترا في التاريخ إلى وجهة نظور أوكتافيوس، الذي وصف أنطونيو بأنه ضحية لصدمة حبه من امرأة ساحرة لعوب. وقد نقلنا هذه الترجمة السريعة عن "الموسوعة العربية العالمية" بشيء من التصرف و"الموسوعة البريطانية"، عام العام ٢٠٠٩ و"موسوعة اليونيفرسالس" في نفس العام و"موسوعة الويكيبيديا" بنسختيها الإنجليزية والعربية، و"موسوعة الإنكارتا" بنسختيها الإنجليزية والفرنسية. وقد استلهمت أعمال أدبية كثيرة من شخصية كليوباترا، ومن يرد أن يعرف شيئًا عن هذا الموضوع فليرجع إلى النسخة الفرنسية بـ"موسوعة الإنكارتا".

стр. 157

أما بالنسبة لتأليف أحمد شوقي أمير الشعراء مسرحيته (مصرع كليوباترا)، فتتحدث الممثلة المصرية المعروفة فاطمة رشدي في مذكراتها عن الظروف التي أحاطت بتأليفها، فقالت: ذات ليلة بين فصول إحدى المسرحيات طرق باب مقصورتي عزيز عيد، ودخل علي ومعه أحمد شوقي أمير الشعراء، وقدمه إلي وكانت أول مرة أتعرف فيها بشوقي، وجلس معي فترة في مقصورتي، وقال لي: إنه يتابع مسرحياتي الواحدة بعد الأخرى، وإنه معجب بي وبفني كل الإعجاب، وقال في النهاية وهو يصافحني: سأهديك هدية عظيمة تستحقينها ولم تغب عني طويلًا هدية أمير الشعراء، وكانت هدية عظيمة وعظيمة جدًّا، كانت معجزة ومثلت دور كليوباترا أحد أدوار عمري الخالدة، وجاءني شوقي بمحمد عبد الوهاب؛ ليغني في مسرحيته أنا أنطونيو أنطونيو أنا لحنه الخالد، وقررت له أجرًا في كل ليلة عشرة جنيهات، فلما مثلنا المسرحية في الأوبرا توقف وساومني أن أرفع أجره كل ليلة إلى ثلاثين جنيهًا بدون فصال، واضطررت إلى مداراته والموافقة حتى ينتهي موسم الأوبرا. (مسرحية كيلوباترا) بين شكسبير وأحمد شوقي لسوف نقف عند مسرحية شكسبير بالذات من بين المسرحيات التي ألفت عن كليوباترا في الآداب الأخرى غير العربية، ونقارن بينها وبين مسرحية أمير الشعراء أحمد شوقي. وإذا شرعنا في المقارنة بين المسرحيتين، نجد أن كلتا المسرحيتين قد بدأت أحداثها في غرفة من غرفات قصر كليوباترا، فأما لدن شكسبير فهي غرفة مجهلة لم تحدد، إذ يقول: ألكسندريا رووم إن كليوباترا إز بالاس، وهذا كل ما هنالك، وأما لدن شوقي فهي المكتبة تحديدًا ولا فرق يذكر بين المكانين، كما هو بين لا يحتاج إلى توضيح، فهل هذا الأمر تم عفوًا؟ أم هل تأثر شوقي بمسرحية شكسبير التي كان قد قرأها قبل أن يؤلف مسرحيته هو، فكان أن بدأ مسرحيته على هذا النحو؟

стр. 158

وقد وصفت كليوباترا في النظرات التحليلية التي ذيلت بها مسرحية (مصرع كليوباترا) لأحمد شوقي بالملكة المصرية المظلومة، مؤكدًا كاتبها أنها اكتسبت مصريتها من واقع حكم أسرتها لأرض الكنانة ثلاثة قرون، هي عمر الدولة البطلمية، التي وفدت إلينا من اليونان واحتلت بلادنا. كذلك انبرى كاتب النظرات يدافع عن كليوباترا أيما دفاع، إذ نعتها بالوفاء والإخلاص لمصر، ورد ما اتهمها به مؤرخو اليونان في عرضها وحكمتها، واصفين إياها بأنها حية النيل العجوز، مبينًا أنه إذا كان شوقي قد أخذ على عاتقه مهمة كتابة مسرحية تنصف هذه المصرية المضطهدة، ويثبت لها سمو الغاية ونبالة القصد على حد تعبيره، فهذا أمر طبيعي استوحى فيه المنطق، واتجاه البحث العلمي الذي يكشف كل يوم من أمر كليوباترا شيئًا جديدًا ينسخ ما كان متعارفًا من قبل، والواقع الذي نعرفه ولا نعرف سوه حتى الآن على الأقل، هو أن كليوباترا كانت امرأة لعوبًا حسبما رأينا من ترجمتها الآنفة فضلًا عن أنها ليست مصرية أبدًا، فكيف يقلب شوقي حقائق التاريخ، ويسيرها مصرية طاهرة الذيل، لقد أطلق للسان في المسرحية العنان، فوصف الشعب المصري بأنه شعب ثرثار رعديد يسمع كلام حاكميه، ولا يفكر يومًا في الثورة عليهم، بل يخرج للهتاف بحياتهم والتصفيق لهم مهما استبدوا به، وأجحفوا بحقوقه وساموه سوء العذاب. ولم نجد في ذلك ما يقدح في وطنيته، إذ ليس مطلوبًا من الأديب أن يزيف حقائق الأمور، فيرسم لشعبه صورة براقة نظيفة في الوقت الذي ليست صورته الحقيقية براقة ولا نظيفة، فكيف إذن انقلبت الأمور على يدي شوقي بالنسبة إلى كليوباترا، فحرص على تطهيرها وتصويرها في أبهى حلة وأنقاها وهي ليست كذلك؟

стр. 159

ترى هل السبب في هذا يرجع إلى أن في عروق شوقي أيضًا شيئًا من الدم اليوناني، وأنه ليس مصريًّا بالجنس، بل بإقامة أسرته فيها زمنًا، مثلما هو الوضع في حالة كليوباترا؟ يقول كاتب النظرات التحليلية في نهاية المسرحية: ما فتئ المؤلف منذ مقطع الرواية إلى مقطعها يؤكد جنسية كليوباترا المصرية، وإن تحدرت من نبعة أجنبية، فقد كان الزمن الطويل الذي قضاه أجدادها في مصر، كما أسلفنا كافيًا لتمصيرها، وعبث أن نختار من الرواية قطعًا دون أخرى لإثبات هذه الجنسية، فالرواية كلها دليل متصل نسجل منه على سبيل المثال قولها: أموت كما حييت لعرش مصر ... وأبذل دونه عرش الجمال وقولها: موقف يعجب العلا كنت فيه ... بنت مصر وكنت ملكة مصر ثم قولًا آخر احتال فيه المؤلف على تبرير هذه الجنسية، متحاشيًا في هذا التبرير إلا مجرد التلميح من بعيد لدمها القديم، وذلك إذ يقول حابي لزنون: أخي هذا أثيني ... وخلي ذاك مقدوني كلا الخلين ذو جد ... بأرض النيل مدفون فليس في هوى مصر ... وفي طاعتها دوني وتصور الرواية كل بطل من نواح ثلاث يستحسن أن نبحثها منفصلةً، الأولى من حيث هي امرأة، والثانية من حيث هي ملكة، والثالثة من حيث هي شخص سياسي. هذا ما قاله كاتب الملاحظات النقدية التي ألحقت بمسرحية (مصرع كليوباترا)، لكن كيف فات شوقي أن ثمة فرقًا هائلًا بين البطالمة، الذين اقتحموا مصر بالقوة الغشوم محتلين، وحكموها مستبدين ولثرواتها مستنزفين، ولشعبها قاهرين؟

стр. 160

كيف فاته أن ثمة فرقًا هائلًا بينهم وبينه هو وأمثاله ممن أتوا إلى مصر بوصفهم أفرادًا، وامتزجوا بالمصريين امتزاجًا، وصاروا منهم بالطريق الطبيعي وبالرضا؟ ثم إن كليوباترا خاضت بركة من الدماء في سبيل التشبث بالسلطان، وقتلت أخاها وفرطت في عرضها واتبعت سبيل شهواتها، واستغلت جسدها من أجل الإيقاع بقادة روما في غرامها واحدًا وراء الآخر، غير عابئة بمبدأ أو قيمة، وما هكذا تخدم الأوطان، إن الأوطان إنما تخدم بالشرف والكرامة والعزة والعفة لا بإزالة العرض وابتذاله. ثم إن البطالمة إنما كانوا يعملون على نشر الثقافة الإغريقية، ويقربون إليهم أبناء بلادهم الأصلية دون المصريين، وإلى القارئ ما كتبته "الموسوعة العربية العالمية" مثلًا في المادة الخاصة ببطليموس الأول مؤسس دولة البطالسة بمصر، أسس أسرة من الحكام الذين حكموا مصر بين عام ثلاثمائة وثلاثة وعشرين، وعام ثلاثين قبل الميلاد، وعرفت هذه الأسرة بالبطالسة، وقد حكم بطليموس الذي اتخذ لقب ملك مصر من سنة ثلاثمائة وخمس قبل الميلاد؛ حتى سنة مائتين وخمس وثمانين قبل الميلاد، وولد في مقدونيا وهي منطقة شمال اليونان، وصار قائدًا بارزًا في جيش الإسكندر الأكبر، وهو الملك المقدوني الذي أنشأ إمبراطورية ضمت مصر، وأغلب بلاد غرب آسيا وبعد موت الإسكندر عام ثلاثمائة وثلاثة وعشرين قبل الميلاد، استولى بطليموس على مصر، وبسط حكمه إلى جزيرة قبرص، وجنوب فلسطين وبرقة وهي مستعمرة إفريقية في شمال إفريقيا، وجند بطليموس المقيمين من الإغريق، والمقدونيين في جيشه وبحريته وإدارته، ومنح المستوطنين الأراضي وشجع على تنمية الثقافة الإغريقية.

стр. 161

وعلى العكس مما كتبه صاحب النظرات التحليلية الملحقة بمسرحية (مصرع كليوباترا)، يرى فتحي سعيد أن شوقي حين اختار كليوباتر موضوعًا لمسرحيته كان حريصًا على ألا يغضب ولي النعم أو جناب السلطان الأكبر، فكليوباترا سليلة البطالمة وليست بنت مصر، أما شكسبير فيصورها حسبما كتب صاحب المادة الخاصة بها في "الموسوعة المشباكية الحرة" المسماة بـ"الويكيبديا" يصورها امرأة مغرورة متصنعة تستثير الضيق والاحتقار متهالكة لا تعرف الوفاء، ولا ترعى العهود، فهي تخون أنطونيو في الحب وفي الحرب على السواء، إذ ما يأتيها رسول أوكتافيوس؛ ليبلغها رسالة ذلك الخصم أنطونيو، التي يطلب فيها منها أن تسلمه أنطونيو؛ حتى تنسى أنطونيو وتشرع في مغازلة الرسول، كما أنها قد تخلت عنه في ميدان القتال مرتين وانسحبت بسفنها تاركة إياه يواجه عدوه وحده، رغم ما كان بينهما من اتفاق بأن يحارباه معًا، وعزم أنطونيوس على أن ينتقم منها لتلك الخيانة، ويقتل تلك المصرية الدنسة كما جاء في المسرحية، إلا أنها تشيع أنها قد انتحرت وأن اسمه كان آخر ما تلفظت به، وذلك بغية استحثاثه على الإسراع إليها، والترامي على عتباتها بحبه القديم، إلا أن خطتها فشلت بانتحار أنطونيو؛ حُزنًا عليها. أما في مسرحية شوقي فالمسئول عن إشاعة انتحارها هو الطبيب، وليس كليوباترا وقد أراد أمير الشعراء إبراءها من تهمة دفع أنطونيو إلى الانتحار، يقول صاحب (النظرات التحليلية): إن كليوباترا هي المسئولة أمام التاريخ عن انتحار أنطونيوس، بينما يبرئها المؤلف من هذه التهمة، ويخلق شخصية خيالية يلقي عليها هذه التبعة هي شخصية الطبيب أوليمبوس، ونرى ذلك حيث تتساءل كليوباترا في لوعةٍ ولهفةٍ: مَن نعاني كذبًا من قالها لك؟ وإذ يجيبها أنطونيوس: أوليمبوس النذل الخؤون، وحيث نسمع أوليمبوس في الفصل الثاني من الرواية

стр. 162

مهددًا ناقمًا: أوروس أنطونيو حسابكما غدًا، روما الأبية لم تنم عن ثأرها. وحيث نلمس مكمن الحيلة بين هذه النقمة وذلك الانتقام. ولقد أشرنا من قبل إلى ما كتبه صاحب (النظرات التحليلية) الملحقة بمسرحية شوقي من أن الصورة السيئة، التي اشتهرت لكليوباترا سببها ما كتبه المؤلفون الرومان عنها بعد هزيمتها، وبالذات بلوتارك، ويا ويل التاريخ من أقلام المنتصرين. ومعروف أن شكسبير إنما اعتمد في صياغة مسرحيته على ما كتبه بلوتارك عن كليوباترا في كتابه Lies of the Rappel Grecian and Roman together Cumbered وهذا هو السبب في اختلاف النظرتين إلى تلك المرأة، فقد أراد شوقي أن يقدم للقراء والمشاهدين كليوباترا الأخرى، غير التي كتب عنها "بلوتارك" وأمثاله من المؤلفين الرومان، فرسم صورة ملكة مصرية تحب بلادها، وتعمل بكل سبيل لمصلحتها، وتضحي بنفسها في سبيل رفعتها، وهنا لا يستند في هذا الموقف إلى شيء سوى رغبته في تقديم صورة مغايرة للملكة البطليموسية، إذ ليس فيما بين أيدينا من الكتابات التاريخية ما يقول شيئًا من هذا، ولو على سبيل التلميح. أما شكسبير فلم تشغله مسألة الدفاع عن كليوباترا على الإطلاق، بل رأيناه يرسم لها صورة امرأة غادرة لا تبالي بمبدأ أو تحترم قيمة، وقد علق الدكتور محمد غنيمي هلال على موقف كتاب الغرب الزاري على كليوباترا، عازيًا إياهم إلى أنهم كانوا يرون فيها صورة للعقلية الشرقية في نظرهم، في ميلها إلى لذة العيش ومتاعه، والانتصار بالخديعة لا الجهد، وسلوك سبل المكر والحيلة، وأنهم طالما هاجموا الشرق فيها وهاجموا مصر في القديم.

стр. 163

والعجيب أنها لم تكن مصرية بل لم تكن شرقية البتة، إذ كانت من بلاد اليونان كما قلنا، فهي إذن أوربية صرفة، وكان ينبغي أن يضع هؤلاء المؤرخون هذا الأمر في حسبانهم، لكنهم إنما كانوا يريدون الزراية على الشرق، وكأنهم طوال تاريخهم ناس متحضرون وراقون، وكأن الشرق كان على الدوام متخلفًا منحطًّا، وذلك رغم أنهم إلى ما قبل عدة قرون فقط كانوا في غاية التخلف والتوحش والانحطاط، في الوقت الذي كنا فيه سادة لهم في مختلف مناحي الحضارة. ولقد سماها أنطونيو بالمصرية، إذ قال: إن هذه المصرية القذرة قد خانتني " This Faull Egyptian has Betrayed me" لكن دون أن يدل هذا بالضرورة على أنها مصرية بالمعنى الذي قصده شوقي، إذ قد يكون كل المقصود هنا هو الإشارة إلى أنها تعيش في مصر، وتحكم المصريين لا أنها تنتمي إليهم، ولقد عرفنا شكسبير بها في بداية المسرحية فقال: ملكة مصر: " Cleopatra Queen of Egypt" كما أنها هي أيضًا تسمي نفسها ملكة مصر: " Egyptien Queen " وعلى نفس الشاكلة نسمع ألكسس يناديها بعاهلة مصر: Sov Of Egypt وهذا كل ما نجده لدى شكسبير فيما يخص مسألة مصريتها أو عدمها. ومع هذا، فإنه لمن الغريب في مسرحية الشاعر الإنجليزي أن كليوباترا التي قدمت لنا بوصفها امرأة لا تبالي بأية قيمة كريمة تؤثر أن تقتل نفسها على أن تستسلم لأوكتافيو؛ كي لا يذلها بعرضها أسيرة في موكبه الانتصاري في روما، ولكن أغرب منه كثيرًا أن يصورها شكسبير في موتها سعيدةً، رغم أنها ماتت في المسرحية بلدغة صل مصري، فهل يمكن أن يستعلي المنتحر بهذه السهولة على آلام السم البشعة، التي لا تحتمل ويميت ميتة نشوى، كما جاء في مسرحية

стр. 164

شكسبير، فضلًا عن أن يكون ذلك المنتحر هو كليوباترا الملكة المترفة التي لم تتعود تحمل الآلام قط، وهو ما صنعه شوقي أيضًا، فقد أنطقها عقب لدغ الأفعى لها في صدرها بالأبيات التالية، التي تخاطب فيها وصيفتيها اللتين كانتا حاضرتين تنفيذ الانتحار، والتي تشف عن فرح خالص لا شائبة من ألم فيه: يا ابنتي ودي هلما، زيناني للمنيه غللاني طيباني بالأفاويه الزكيه ألبساني حلة تعجب أنطونيو سنيه من ثياب كنت فيها أتلقاه صبيه ناولاني التاج تاج الشمس في ملك البريه وانثرا بين يدي عرش الرياحين البهيه ويؤكد هذا ما قاله أنوبيس حين رآها عقب موتها بسم الصِّل: جبين مشرق الغرة ووجه ضاحك النضره ... وعينان كأن الموت في جفنيهما كسره وهذا فم تبدو المنايا عنه مفتره ... ولكن قيصر ادن انظر هنا السر هنا العبره فبين السحر والنحر كمثل الخدش من إبره ... مكان الناب من صل شديد البأس والشره فهل هذا كله توارد خواطر، أم هل تأثر شوقي بمسرحية نظيره الإنجليزي؟ فإذا عدنا إلى ما أراد شوقي إقناعنا به من أن كليوباترا إنما كان يحركها حبها لمصر لا رغبتها في الرجال، والعبث بألبابهم، رأينا أمير الشعراء العرب لا يعد تركها لأنطونيو في المعركة يواجه غريميه وحده خيانةً وغدرًا، بل سياسة تستهدف مصلحة مصر، وهذا ما كتبه صاحب (النظرات التحليلية) في ذلك الموضوع. وكانت كليوباترا أثيرة عواطف ثلاث: الأولى: حبها لمصر وحرصها على مستقبل تاجها، وقد رأينا أن الرواية ملأى بدلائل هذا الحب والحرص، حينما تكلمنا عن جنسية كليوباترا. الثانية: حبها لأنطونيوس، ومن العبث أن نستشهد على هذا الحب بنجواها الغرامية المتصلة وحدها، كلما جمع المجال بينها وبين أنطونيوس، فلقد تتهم هذه

стр. 165

النجوى بشيء من المبالغة والرياء، وخير أن نقصر هذا الاستشهاد على حديثها عنه في غيبته، إذ تقول: علم الله قد خذلت حبيبي، وإذ تقول في موقف آخر: هو أنطونيوس زخري وطريفي وتليدي، وعلى الوفاء له بعد موته وقد أسلفنا عليه الدليل، ومهما يكن من اتقاد هذه العاطفة في قلبها، فقد كانت هذه العاطفة لديها كما قلنا عاطفة ثانوية كلما تعارضت مع حبها لمصر. ففي سبيل وطنها كانت مستعدة للتضحية بكل شيء، وكانت تعتقد حقيقةً أن المجد لا يسأل عن صاحبة ولا ولد، وكانت مخلصة حينما استنهضت حماسة أنطونيو بهذه الكلمة الجامعة عد ظافرًا أو لا تعد، وهي في استعدادها للتضحية بغرامها في سبيل سياسة بلادها، قولها عقب فرارها من أكتيوم: علم الله قد خذلت حبيبي ... وأبا صبيتي وعوني وذخري والذي ضيع العروش وضحى ... في سبيلي بألف قطر وقطر موقف يعجب العلا كنت فيه ... بنت مصر وكنت ملكة مصر الثالثة: بغضها لروما وإشفاقها من طغيان سلطانها المكين، ويبدو هذا البغض في عدة مواقع منها قولها: لا تسيروا على ولائم روما سرفًا في الفسوق واستهتارًا. ومنها قول أحد القواد الرومان لزميل له: أتسمع ما تقول عدو روما، أتسمع ما تقول عدو روما؟ وقولها: دعوا روما ولا تجروا لها ذكرًا ... ..................................... وقولها: حبرا أعندك سحر يشل طاغوت روما ... ويجعل الناس فيها حجارة ورسوما وقولها في موقف مفاضلة بين ألوان الشراب:

стр. 166

جنان مصر لا جنان الروم ... .................................... ثم شعور الناس جميعًا حتى خصومها بذلك البغض، وفي ذلك يقول حابي لزينون قبل أن ينزل عن رأيه فيها: ولم يبق على الود لروما غير زينون ... ..................................... وإشباعًا لهذه العواطف جميعًا رسمت كليوباترا لنفسها ثلاث غايات: الأولى: أن تستخلص الشرق لنفسها مستقلًّا عن كل نفوذ. الثانية: أن تضعف قوى روما ما استطاعت مع المحافظة على قواها هي. الثالثة: أن تعكس الآية السياسية الموجودة يومئذٍ؛ فتسود روما من خلال سيادة قيصر ضعيف تضمن أن يخضع لفتنة جمالها دائمًا، كما تضمن أن يخشى قوة بأسها ثانيًا، وكل هذه الشروط كانت تجتمع في أنطونيوس، وتحمل كليوباترا غايتها الأولى والثالثة في قولها لأنطونيوس: أنت لروما في غد وقيصرون بعد غد ... وشرق سلطان الذي إكليله لي انعقد ثم تبسط غايتها الثالثة، إذ تقول: قلت: روما تصدعت فترى شطرًا ... من القوم في عداوة شطر وتبينت أن روما إذا زالت ... عن البحر لم يسد فيه غيري والوسيلة التي ظنتها كليوباترا كفيلة بتحقيق هذه الغايات أن تقف من القيصرين المتحاربين موقف الحياد، فقد كانت تؤمن بتكافؤ قواهما الحربية؛ لأنهما تقاسما الفلك والجيش، وبات كلاهما شطرًا من القوم في عداوة شطر. وقد أثبت تداول النص بينهما قبل المعركة الفاصلة صدق هذا اليقين، وقدرت كليوباترا أن حيادها هذا يكفل لها الاحتفاظ بقواها في البر والبحر، بينما ينهك

стр. 167

القتال قوى القيصرين المنتصر هو المخذول؛ حتى إذا قرت الحرب بينهما وظهرت بجيشها وأسطولها؛ لتجهز على أوكتافيوس إذا ظفر وهو متعب منهوك؛ ولتحيي أنطونيوس إذا كان هو الظافر تحية القوي للضعيف، لا تحية التابع إلى المتبوع، لكن الحياد الصريح كان معناه المحتوم أن تفقد أنطونيوس، وأن تفقد كل أمل في هواه، وأن ينهار بفقدان هذه الأمل صرح أمانيها جميعًا، فاصطنعت كليوباترا لنفسها حيادًا مقنعًا تتظاهر فيه بالقيام بنصيبها من أعمال الحرب إلى جانب أنطونيوس؛ حتى إذا نشبت المعركة فرت بجيشها أو أسطولها تاركة لفرار أنطونيوس القوي مهمة التماس الأعذار لضعفها، وفرارها من حومة القتال ناطقة على لسانه: فقلت: انسحبت ضعفًا، وقال الناس: بل غدرًا ... ولو كان لهم قلب كقلبي التمسوا العذرا ومهمة أخرى هي إلقاء تبعة الغدر والخيانة على من يشاء من قوادها: فيا قائد الأسطول هل من مكيدة ... تدبر لي خلف الشراع وما أدري وما من شك أنها مهمات يسيرة إزاء مهمة الاعتذار لخيانتها السافرة، لو أنها وقفت منه موقف الحياد الصريح، وما من شك كذلك أن هذه المهمات قد أداها غرام أنطونيوس بنجاح، فقد عفا عن ضعف حبيبته مرتين ومات راضيًا عنها كل الرضا. ونستطيع استخلاص هذه الخطة التي اتخذتها كليوباترا من أربعة مواضع: الأول: في موقف كليوباترا من حاشيتها بعد وقعة أكتيوم تبرر فرارها في هذه الأبيات: قلت روما تصدعت فترى ... شطرًا من القوم في عداوة شطر

стр. 168

بطلها تقاسم الفلك والجيش ... وشب الوغى ببحر وبر فتأملت حالتي مليًّا ... وتدبرت أمر صحوي وسكري وتبينت أن روما إذا زالت ... عن البحر لم يسد فيه غيري كنت في عاصف سللت ... شراعي منه فانسلت البوارج إثري خلصت من رحى القتال ومما ... يلحق السفن من دمار وأسر الثاني: في قول أنطونيوس: أسطولها إلى مراسيه أوى ... وجيشها ألقى السلاح ونجا ولقد كانت كليوباترا في مسرحية شوقي تتوقع ما سوف يقال عنها بعد مماتها، وهي تذكر ذلك تفصيلًا وفي وضوح تام يخلو من أية غمغمة تقول في أواخر المسرحية: أراني لم يحسن إلي معاصري ... ولم أجد الإنصاف عند لدات فكيف إذا ما غيب الموت زادتي ... وبدد أنصاري وفض حُماتي؟ كأني بعدي بالأحاديث سُلطت ... على سيرتي أوكلت بحياتي وبالجيل بعد الجيل يروي زخارفًا ... فمن زور أخبار وإفك رواتي يقولون: أنثى أفنت العرش بالهوى ... بهيمية اللذات والشهوات فدًى لغرام بالرجال وحسنهم ... غرام الغواني أو هوى الملكات فليس الغلام البارع الحسن فتنتي ... ولا الرائع الأجلاد والعضلات ولم يستثر وجدي من الروم فتية ... جنون العذارَى فتنة الخفرات ولكن لغصن من بني مصر مائل ... يطير إليه قلب كل فتاة يموتون بي عشقًا ويشقون بالهوى ... فكم من حياة في يدي وممات ولكن عشقت العبقرية طفلةً ... وفي الغافلات البله من سنوات

стр. 169

كلفت بكهل أحرز الأرض سيفه ... وحِيزت له الدنيا من الجنبات إذا هب من غرب البلاد تلفتت ... بلاد بأقصى الشرق منذعرات تعثر حظي بعد طول سلامة ... وأقلع نَجمي بعد طول ثبات ومن يمشي في ورد الأمور وشوكها ... يعد الخطى أو يحسب العثرات كذلك من الغريب أيضًا بعد موتها أن ينقلب أوكتافيو، الذي كان قد أغراها من قبل بالتخلي عن أنطونيو في الحرب، وإسلامه إياها له، فيمجدها هي وأنطونيو، ويأمر بدفنهما في قبر واحد قائلًا: إنه ليس ثمة قبر في الدنيا يضم مثل هذين الحبيبين، فضلًا عن أن يتم الدفن بمراسم رسمية تكريمية، كما هو الأمر في المسرحية الشكسبيرية، وبالمثل نرى أوكتافيو في مسرحية شوقي يغير موقفه من أنطونيو فور تحققه من موته، ويشرع في تمجيده ويوصيه بكل كريم من الفعال، كما هو الحال في المشهد التالي حين جرى على كيلو باترا، وجرى الحديث بينهما على هذا النحو: أوكتافيوس: سلام ملكة الوادي ... سلام كاهن الملك يقول الناس: أنطونيو ... هنا لم يبتعد عنك كليوباترا: نعم لم نفترق بعد ... وإن أمعن في تركي وهذا الجسد الفاني ... جلاء الريب والشك أوكتافيوس: إذًا قد قضي الأمر ... وصار الليث للهُلك كليوباترا لا تخشي ... فلن آخذه منك

стр. 170

كليوباترا: أِبِي تهزأ أم بالميت ... أم بالموقف الضنك؟ إن استطعتَ على مالك ... من بطش ومن فتك وما حولك من خيل ... وما تحتك من فُلك فخذه من يد الموت ... ومن عاجزة تبكي يدنو الجندي من جنود أوكتافيوس ليتحقق موت أنطونيوس. كليوباتر: مكانَك يا عبد لا تهتكن ... على سيد الهالكين القناع تريد لتكشف عنه الغطاء ... عسى تحته حيلة أو خداع عبثت به وهو تحت الطيالس ... ملقى السلاح قليل الدفاع ولم تحتشم بُقعًا من دم ... عليهن تحسن مصر البقاع رويدك ما الموت مستبعد ... ولا هو مستغرب من شجاع وإن التماوت فعل الثعالب ... ليس التماوت فعل السباع أوكتافيو: أناتك سيدتي إنه فتى ... طاهر القلب حر الطباع أراد ليحتاط لي جهده ... ويخلص في خدمتي ما استطاع تنح أخا الجند ما أنت والميت ... لا يقرب الشمس إلا شعاع أتأذن سيدتي أن أطيف ... بخدن الصدام رفيق الصراع ومن كنت تحت القنا ظله ... ومن كان ظلي تحت الشراع وكنا نشيد ضروم الفخارَى ... ونجري لها الغار من كل قاع ونأتي القناع فنحتلها ... وإن بعُدت كالنجوم القلاع

стр. 171

ونركز في السهل أرماح روما ... ونطلع أعلامها في اليفاع بإذنك كليوباترا: قيصر لا إذن لي ... أيأمر وينهى مَن لا يطاع فصار بجسمانه كيف شئت ... فليس له اليوم منك امتناع وما جثة الليث إلا لقى ... إذا الناب طاحت أو ظفر ضاع يتقدم أوكتافيوس، ويرفع القناع عن وجه أنطونيو: أوكتافيوس: لقد حسم الموت ما بيننا ... وغض اللجاج وفض النزاع فبحقي اليوم بل واجب ... علي أقدسه أن يضاع أقبل ما قبل الغار منك ... وأهتف أنطونيوس الوداع ومرة أخرى: هل كان هذا توارد خواطر بين الشاعرين الكبيرين، أم هل كان شوقي يجري في أعقاب الشاعر الإنجليزي الذي قرأ مسرحيته قبل أن يضع هو (مصرع كليوباترا)؟ وبالإضافة إلى هذه الملاحظات التي قمنا بها يذكر الدكتور محمد غنيمي هلال ملاحظات أخرى، منها أن شوقي في مشهد الوليمة، وهو يشغل معظم الفصل الثاني من مسرحيته قد تأثر بشكسبير، الذي جعل جوها كله مرحًا وشرابًا ورقصًا، وإن اختلف زمان الوليمة، ومكانها بين المسرحيتين، فعلى حين نجدها في مسرحية شكسبير مصنوعة في إيطاليا فوق ظهر سفينة، فإنها في مسرحية شوقي قد صنعت في الإسكندرية في قصر كليوباترا، كذلك نسمع أحد الجنود الرومان ينال من الملكة واصفًا إياها بالبغي، لما تلفظت من إهانة لروما، وهو ما نجده أيضًا في مسرحة الشاعر الإنجليزي، إذ يدعوها أحدهم في الفصل السادس والسابع من

стр. 172

تلك المسرحية بغيًّا، وللوليمة كما ذكر الدكتور هلال أصل فيما سجله قلم بلوتراك في كتابه المعروف. أما شوقي فقد اختصر جغرافية مسرحيته على مصر وحدها، وبالتحديد على الإسكندرية وأرباضها، ولا أظن السبب في هذا تمسك شوقي بوحدة المكان المقننة في المسرح الكلاسيكي، كما يقول بعض من كتبوا عن هذه المسرحية، إذ إنه لم يتقيد في أي من مسرحياته عمومًا بالوحدات الثلاث على ما هو معروف، ولو كان يتقيد بهذه الوحدات لحصر أحداث مسرحيته هذه في أربع وعشرين ساعة، ولكنه مطها أطول من ذلك، فغطت الأيام التي تشمل وقعة أكتيوم البحرية بين أنطونيو وكليوباترا، وبين أوكتافيو وما تلَا ذلك وصولًا إلى انتحارها. هناك أيضًا المناظر التي أبدع فيها شوقي شعرًا يمكن تحويله إلى قصائد غنائية شديدة مستقلة إذا أحببنا، وهو ما فعله في بعض الأحيان المطرب محمد عبد الوهاب، فمن ذلك قول كليوباترا مثلًا في وصف معركة أكتيوم: شيرميون اهدئي فما أنت إلا ... ملك صيغ من حنان وبِر أنت لي خادم ولكن كأنا في ... الملمات أهل قربى وصهر إنما الخادم الوفي من الأهل ... وأدنى في حال عسر ويسر اسمعي الآن كيف كان بلائي ... انظري كيف في الشدائد صبري أيها السادة اسمعوا خبر الحرب ... وأمر القتال فيها وأمري واقتحام العُباب والبحر يطغى ... والجواري به على الدم تجري بين أنطونيو وأوكتافا يوم عبقري ... يسير في كل عصر أخذت فيه كل ذات شراع ... أهبة الحرب واستعدت لشر لا ترى في المجال غير سبوح ... مقبل مدبر مكر مفر

стр. 173

وترى الفلك في مطاردة الفلك ... كنسر أراد شرًّا بنسر وترى الدخان في جنبات الجو ... جنحًا من ظلمة الليل يسري ودوي الرياح في كل لج ... هزج الرعد أو صياح الهزبر وترى الماء منه عود سرير ... لغريق ومنه أحناء قبري يغسل الجرح شر من غسل ... الجرح ويأس من الحياة ويبري كنت في مركبي وبين جنودي ... أزن الحرب والأمور بفكري قلت روما تصدعت فترى شطرًا ... من القوم في عداوة شطري بطلها تقاسم الفلك والجيش ... وشب الوغى ببحر وبر وإذا فرق الرعاة اختلاف ... علموا هارب الذئاب التجري فتأملت حالتي مليًّا ... وتدبرت أمر صحوي وسكري وتبينت أن روما إذا زالت عن ... البحر لم يسد فيه غيري كنت في عاصف سللت شراعي ... منه فانسلت البوارج إثري خلصت من رحى القتال ... ومما يلحق السفن من دمار وأسر فنسيت الهوى ونصرة أنطونيوس ... حتى غدرته شر غدر علم الله قد خذلت حبيبي ... وأبا صبيتي وعوني وذخري والذي ضيع العروش وضحى ... في سبيلي بألف قطر وقطري موقف يعجب العلا كنت فيه ... بنت مصر وكنت ملكة مصر ومنه كذلك غناء إياس على لسانها بالأبيات العبقرية التالية: أنا أنطونيو وأنطونيو أنا ... ما لروحينا عن الحب غنى غننا في الشوق أو غنِّ بنا ... نحن في الحب حديث بعدنا رجعت عن شجونا الريح الحنون ... وبعينينا بكى المزن الهتون

стр. 174

وبعثنا من نفاثات الشجون ... في حواشي الليل برقًا وسن ا خبري يا كأس واشهد يا وتر ... واروِ يا ليل وحدث يا سحر هل جنينا من ربى الأنس السمر ... ورشفنا من دواليها المنى الحياة الحب والحب الحياة ... ومن سرحتها سر النواة وعلى صحرائها مرت يداه ... فجرت ماء وظلًّا وجن ا نحن شعر وأغاني غدا ... بهوانا راكب البيد حدَا وبنا الملاح في اليم شدا ... وبكى الطير وغنى موهنا من يكن في الحب ضحى بالكرى ... أو بمسفوح من الدمع جرى نحن قربنا له ملك الثرى ... ولقينا الموت فيه هينا في الهوى لم نأل جهد المؤثر ... وذهبنا مثلًا في الأعصر هو أعطى الحب تاج قيصري ... لم لا أعطي الهوى تاجي منَى أما مسرحية شكسبير فتخلو من مثل تلك القصائد الغناية، بل إن المسرحية كلها قد صيغت بأسلوب الشعر المرسل، أي: الشعر الموزون غير المقفى. وقد كتب الناقد الإنجليزي "وليم هازلت" عن المسرحية قائلًا: this a very novel play though not in the first class of Shakespeare's productions is stands next to them and is we think the finest of his historical plays that is of those in which he might poetry organ of history ١٦: ٣٧ - ٣٧:٥٣ إلا أن الدكتور جمال الدين الرمادي قد ترجم حكم "هازلت" هذا على المسرحية الشكسبيرية على النحو التالي: إن مسرحية شكسبير (أنطونيو وكليوباترا)، لتعد في المرتبة الأولى من إنتاج شكسبير، رغم أن الناقد الإنجليزي لم يقل كذلك، بل قال كما هو بين

стр. 175

تمامًا من النص الإنجليزي الذي أمامنا: إنها وإن لم تأتِ في المرتبة الأولى بين مسرحيات الشاعر تجيء تاليةً لها، لكن الدكتور ماضي سها فيما يبدو، ولم يتحرز تحرز "هازلت". وبتلك المناسبة نشير إلى ما يذكره التاريخ من أن أستاذ الأدب الإنجليزي في الجامعة المصرية في ثلاثينيات القرن الماضي، قد حاول أن ينال من اللغة العربية أمام طلبته المصرية قائلًا: إن هذه اللغة تعجز عن كتابة المسرحية الشعرية؛ لِمَا يلتزم بها شعرها من قيود الوزن والقافية، فما كان من الطالب علي أحمد باكثير الحضرمي الأصل، إلا أن أتاه في اليوم التالي وقد ترجم في أسلوب شعري ولكن دون التقيد بالوزن والقافية على النحو القديم، بل بطريقة ما صار يسمى بعد ذلك بالشعر الجديد أو شعر التفعيلة، ترجم بعض مشاهد من المسرحية التي كانوا يدرسونها آنذاك مع هذا الأستاذ لوليم شكسبير. وفي هذا السياق لا ينبغي أن يفوتنا دلالة العنوان في كل من المسرحيتين، فمسرحية شوقي تسمى (مصرع كليوباترا)، أما شكسبير فأعطى المسرحية عنوان (أنطونيو وكليوباترا)، وواضح أن التركيز في مسرحية شوقي على كليوباترا، وهذا صحيح، إذ المسرحية تدور حول تلك المرأة، التي لعبت أو أرادت أن تلعب بألباب ثلاثة من قادة روما الكبار، أما باقي أبطال المسرحية فيأتون في المركز الثاني على عكس مسرحية شكسبير، إذ كان تركيزها على أنطونيو، الذي أتى اسمه في العنوان قبل اسم كليوباترا، علاوةً على أنه وحده الذي ورد ذكره في المسرحية من بين مَن أوقعت كليوباترا، أو أرادت أن توقعهم في عشقها.

стр. 176

وبالمناسبة فقد حُوِّلت مسرحية شكسبير إلى فيلم مرارًا متعددةً، طبقًا لما أوردته المادة الخاصة بتلك المسرحية في النسخة الفرنسية من "الموسوعة المشباكية الحرة الويكيبديا"، أما مسرحية شوقي فلم يتفق لها شيء من هذا، بل إنها لم تعد تمثل على خشبة المسرح أصلًا، وصارت حبيسة الكتاب لا تبرحه. ولقد لاحظت في (مصرع كليوباترا) أن أنوبيس الكاهن يحلف بإيزيس بوصفها إلهة يقسم باسمها، وهو ما لاحظته أصلًا في مسرحية شكسبر، إذ كان يتم القسم فيها بإيزيس كذلك، فهل كان تم ذلك عند شوقي عفوًا وتوارد خواطر ليس إلا، أم هل أخذها عن شكسبير حتى لو كان تأثرًا دون قصد واعٍ؟ من الصعب علي أن أتصور شوقي لا يخطر على باله من آلهة مصر القديمة إلا إيزيس، وبالذات بالنسبة لعصر كليوباترا غير المصرية من جهة، والمتأخر كثيرًا جدًّا جدًّا عن نص إيزيس وأوزيريس من جهة أخرى، وبخاصة أن المصريين القدماء كانت لهم آلهة متعددة، ولم تكن إيزيس أشهرهم ولا من أشهرهم، بل إن الوعي بألوهيتها عند الناس بوجه عام ليس حاضرًا، ولو كان شوقي قد استبدل "رع" بها مثلًا لما بَدَا الأمر غريبًا على الإطلاق. ومن هنا نجد برناردشو في مسرحيته عن كليوباترا " Caesar and Cleopatra " يأتي بالإله "رع" في أول المسرحية؛ كي يلقي على الجمهور خطبة عصماء، وإن جاء ذكر إيزيس لدى ذلك الأيرلندي الساخر رغم هذا مرة، وذلك في قول: FTATATEETA: We shall see whom Isis loves best: her servant Ftatateeta or a dog of a Roman. على كل حال، هذا أنوبيس الكاهن في مسرحية شوقي يبتهل إلى إيزيس، امتثالًا لأمر كليوباترا، التي طلبت منه الدخول إلى الهيكل، والصلاة من أجلها:

стр. 177

إيزيس ذات الحجاب ... مالكة العالمين شعبك لاقى العذاب ... من عبث الظالمين يا من خفضنا الجباه ... لعزها ساجدين صغنا إليك الصلاة ... من أدمع النادمين كما نسمع في ختام مسرحية شوقي يقول: أكثري أيها الذئاب عواء ... وادعي في البلاد عزًّا وقهرًا أنشدي واهتفي وغني وضجي ... واسبحي في الدماء نابًا وظفرًا لا وإيزيس ما تملكت إلا واديًا ... من ضياغم الغاب قفرًا قسمًا ما فتحتم مصرا ... لكن قد فتحتم بها لرومة قبرا وبالمثل يجري على لسان كليوباترا اسمها أول ما رأت الأفاعي، التي أطلع عليها ذلك الكاهن حين صارحته بأنها تعتزم الانتحار، وسألته عن أفضل وسيلة لذلك، قالت: أفاع أبي نحها أخفها ... أعوذ بإيزيس من كل شر فماذا تريد بإحرازهن ... وهل يقتنع عاقل بما يضر وجوابًا على طلب كليوباترا منه أن يكون مستعدًّا بالأفاعي عندما تقرر الانتحار فعلًا، يقول: يمينًا بإيزيس أحملهن إليك ... ولو في سنان الخضر إذا بات في خطر تاج مصر ... سبقت إليك بهن الخطر وحين تهم كليوباترا بتنفيذ الانتحار تجثو أمام تمثال إيزيس، وتأخذ في الابتهال إليه قائلة: إيزيس ينبوع الحنان تعطفي ... وتلفتي بضراعتي وسؤالي

стр. 178

وفي مسرحية شكسبير نسمع كليوباترا تقسم بها قائلة: By Isis , I will give thee bloody teeth, If thou with Caesar paragon again. My man of men. ..، وتقول شيرمان في مسرحية شكسبير مبتهلة لإيزيس: O' let him marry a woman that cannot go, sweet Isis, I beseech thee! .... Good Isis, hear me this prayer, though thou deny me a matter of more weight; good Isis, I beseech thee! وكان "بلوتارك" قد ذكر أثناء ترجمته لمارك أنطونيو في كتابه المذكور عن عظماء روما واليونان، ذكر إيزيس عدة مرات من بينها ما كتبه عن كليوباترا من أنها خلال تتويجها على يد أنطونيو ملكة على مصر وغيرها، كانت ترتدي ملابس الإلهة إيزيس، وثمة إشارة في الكتاب إلى وجود معبد لإيزيس في ذلك العصر، إلا أن معجم الآلهة والإلهات: Dictio nary of gods أو Jods words، في مادة أيزيس يحدد الفترة التي كانت تًعبد فيها بأرض مصر بعام ٢٧٠٠ قبل الميلاد تقريبًا، وربما قبل ذلك، أي: عام أربعمائة بعد الميلاد. كذلك لاحظ النقاد أن كثيرًا من عبارات شكسبير في مسرحيته قد أخذها أخذًا مباشرًا من كتاب "بلوتارك" الذي اعتمد عليه في أحداث المسرحية ورسم شخصية كليوباترا، أما شوقي فاقتبس من القرآن المجيد، ومن الشعر العربي القديم جميعًا كقوله: يا سماء احفظي ويا أرض صوني ... أظهرت عطفها على زينون فالشطر الأول من البيت يذكرنا بقوة بقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ (هود: ٤٤)، الذي استلهمه شوقي مع بعض التحويرات في السياق والتركيب والألفاظ، وكقول أنطونيو: جنود أكتافا أدركوني ... يا ليت مِت قبل هذا

стр. 179

فهو مأخوذ من قوله سبحانه على لسان العذراء مريم في السورة المسماة باسمها: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ (مريم: ٢٣). وكالبيت التالي: لا ترى في المجال غير سبوح ... مقبل مدبر مكر مفر الجاري على نمط بيت امرئ القيس الشهير في معلقته: مكر مفر مقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل وكالبيت التالي أيضًا: اليوم شرب وغدًا حرب ... ................................ وهو نفس عبارة الملك الضليل حين جاءه نعي أبيه وهو يشرب الخمر، فكان المتوقع أن يترك ما هو فيه ويهب لأخذ ثأر أبيه، إلا أنه استمر في الشرب قائلًا قولته المشهورة: اليوم خمر وغدًا أمر، فذهبت مثلًا. وفي كتاب الدكتور جمال الدين الرمادي (مسرحية كليوباترا بين الأدب العربي والأدب الإنجليزي)، يلفي القارئ شواهدَ أخرى غير قليلة، ويبقَى ما قاله يسري عبد الغني من أن شوقي ينقل في مسرحيته عن شكسبير أحيانًا مشاهد كاملة، ولكن دون أن يورد على ما يقول شواهد تصدقه، فظل كلامُه مجرد دعوى تحتاج إلى دليل يعضدها. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 180

الدرس: ٨ ليلى والمجنون بين الأدبين العربي والفارسي .
следующие страницы →