Полный текст (585 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وبالمناسبة فقد حُوِّلت مسرحية شكسبير إلى فيلم مرارًا متعددةً، طبقًا لما أوردته المادة الخاصة بتلك المسرحية في النسخة الفرنسية من "الموسوعة المشباكية الحرة الويكيبديا"، أما مسرحية شوقي فلم يتفق لها شيء من هذا، بل إنها لم تعد تمثل على خشبة المسرح أصلًا، وصارت حبيسة الكتاب لا تبرحه.
ولقد لاحظت في (مصرع كليوباترا) أن أنوبيس الكاهن يحلف بإيزيس بوصفها إلهة يقسم باسمها، وهو ما لاحظته أصلًا في مسرحية شكسبر، إذ كان يتم القسم فيها بإيزيس كذلك، فهل كان تم ذلك عند شوقي عفوًا وتوارد خواطر ليس إلا، أم هل أخذها عن شكسبير حتى لو كان تأثرًا دون قصد واعٍ؟
من الصعب علي أن أتصور شوقي لا يخطر على باله من آلهة مصر القديمة إلا إيزيس، وبالذات بالنسبة لعصر كليوباترا غير المصرية من جهة، والمتأخر كثيرًا جدًّا جدًّا عن نص إيزيس وأوزيريس من جهة أخرى، وبخاصة أن المصريين القدماء كانت لهم آلهة متعددة، ولم تكن إيزيس أشهرهم ولا من أشهرهم، بل إن الوعي بألوهيتها عند الناس بوجه عام ليس حاضرًا، ولو كان شوقي قد استبدل "رع" بها مثلًا لما بَدَا الأمر غريبًا على الإطلاق.
ومن هنا نجد برناردشو في مسرحيته عن كليوباترا " Caesar and Cleopatra " يأتي بالإله "رع" في أول المسرحية؛ كي يلقي على الجمهور خطبة عصماء، وإن جاء ذكر إيزيس لدى ذلك الأيرلندي الساخر رغم هذا مرة، وذلك في قول: FTATATEETA: We shall see whom Isis loves best: her servant Ftatateeta or a dog of a Roman.
على كل حال، هذا أنوبيس الكاهن في مسرحية شوقي يبتهل إلى إيزيس، امتثالًا لأمر كليوباترا، التي طلبت منه الدخول إلى الهيكل، والصلاة من أجلها:
стр. 177
إيزيس ذات الحجاب ... مالكة العالمين
شعبك لاقى العذاب ... من عبث الظالمين
يا من خفضنا الجباه ... لعزها ساجدين
صغنا إليك الصلاة ... من أدمع النادمين
كما نسمع في ختام مسرحية شوقي يقول:
أكثري أيها الذئاب عواء ... وادعي في البلاد عزًّا وقهرًا
أنشدي واهتفي وغني وضجي ... واسبحي في الدماء نابًا وظفرًا
لا وإيزيس ما تملكت إلا واديًا ... من ضياغم الغاب قفرًا
قسمًا ما فتحتم مصرا ... لكن قد فتحتم بها لرومة قبرا
وبالمثل يجري على لسان كليوباترا اسمها أول ما رأت الأفاعي، التي أطلع عليها ذلك الكاهن حين صارحته بأنها تعتزم الانتحار، وسألته عن أفضل وسيلة لذلك، قالت:
أفاع أبي نحها أخفها ... أعوذ بإيزيس من كل شر
فماذا تريد بإحرازهن ... وهل يقتنع عاقل بما يضر
وجوابًا على طلب كليوباترا منه أن يكون مستعدًّا بالأفاعي عندما تقرر الانتحار فعلًا، يقول:
يمينًا بإيزيس أحملهن إليك ... ولو في سنان الخضر
إذا بات في خطر تاج مصر ... سبقت إليك بهن الخطر
وحين تهم كليوباترا بتنفيذ الانتحار تجثو أمام تمثال إيزيس، وتأخذ في الابتهال إليه قائلة:
إيزيس ينبوع الحنان تعطفي ... وتلفتي بضراعتي وسؤالي
стр. 178
وفي مسرحية شكسبير نسمع كليوباترا تقسم بها قائلة: By Isis , I will give thee bloody teeth, If thou with Caesar paragon again. My man of men. ..، وتقول شيرمان في مسرحية شكسبير مبتهلة لإيزيس: O' let him marry a woman that cannot go, sweet Isis, I beseech thee! .... Good Isis, hear me this prayer, though thou deny me a matter of more weight; good Isis, I beseech thee!
وكان "بلوتارك" قد ذكر أثناء ترجمته لمارك أنطونيو في كتابه المذكور عن عظماء روما واليونان، ذكر إيزيس عدة مرات من بينها ما كتبه عن كليوباترا من أنها خلال تتويجها على يد أنطونيو ملكة على مصر وغيرها، كانت ترتدي ملابس الإلهة إيزيس، وثمة إشارة في الكتاب إلى وجود معبد لإيزيس في ذلك العصر، إلا أن معجم الآلهة والإلهات: Dictio nary of gods أو Jods words، في مادة أيزيس يحدد الفترة التي كانت تًعبد فيها بأرض مصر بعام ٢٧٠٠ قبل الميلاد تقريبًا، وربما قبل ذلك، أي: عام أربعمائة بعد الميلاد.
كذلك لاحظ النقاد أن كثيرًا من عبارات شكسبير في مسرحيته قد أخذها أخذًا مباشرًا من كتاب "بلوتارك" الذي اعتمد عليه في أحداث المسرحية ورسم شخصية كليوباترا، أما شوقي فاقتبس من القرآن المجيد، ومن الشعر العربي القديم جميعًا كقوله:
يا سماء احفظي ويا أرض صوني ... أظهرت عطفها على زينون
فالشطر الأول من البيت يذكرنا بقوة بقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ (هود: ٤٤)، الذي استلهمه شوقي مع بعض التحويرات في السياق والتركيب والألفاظ، وكقول أنطونيو:
جنود أكتافا أدركوني ... يا ليت مِت قبل هذا
стр. 179
فهو مأخوذ من قوله سبحانه على لسان العذراء مريم في السورة المسماة باسمها: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ (مريم: ٢٣).
وكالبيت التالي:
لا ترى في المجال غير سبوح ... مقبل مدبر مكر مفر
الجاري على نمط بيت امرئ القيس الشهير في معلقته:
مكر مفر مقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
وكالبيت التالي أيضًا:
اليوم شرب وغدًا حرب ... ................................
وهو نفس عبارة الملك الضليل حين جاءه نعي أبيه وهو يشرب الخمر، فكان المتوقع أن يترك ما هو فيه ويهب لأخذ ثأر أبيه، إلا أنه استمر في الشرب قائلًا قولته المشهورة: اليوم خمر وغدًا أمر، فذهبت مثلًا.
وفي كتاب الدكتور جمال الدين الرمادي (مسرحية كليوباترا بين الأدب العربي والأدب الإنجليزي)، يلفي القارئ شواهدَ أخرى غير قليلة، ويبقَى ما قاله يسري عبد الغني من أن شوقي ينقل في مسرحيته عن شكسبير أحيانًا مشاهد كاملة، ولكن دون أن يورد على ما يقول شواهد تصدقه، فظل كلامُه مجرد دعوى تحتاج إلى دليل يعضدها.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 180
الدرس: ٨ ليلى والمجنون بين الأدبين العربي والفارسي .
стр. 181
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن
(ليلى والمجنون بين الأدبين العربي والفارسي)
ليلى والمجنون في الأدب العربي
فعلى بركة الله نقول: مجنون ليلى هو حسب المتعارف قيس بن الملوح أحد شعراء العصر الأموي، وأخباره متاحة بوفرة في كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني، وبدرجة من التفصيل أقل في كتاب (الشعر والشعراء) لابن قتيبة وغيره، وهي أخبار متناثرة كديدن أمثالها من أخبار القدماء، وقد اختلف الناس حول وجوده، فمنهم من يثبته ومنهم من ينكره، ومن المنكرين المتشددين في الإنكار الدكتور: طه حسين على عادته في التسرع إلى إنكار بعض الشخصيات، أو الفنون الأدبية دون ترو أو دليل، ففي الجزء الأول من كتابه (حديث الأربعاء) نراه ينكر وجود المجنون مؤكدًا أنه اختراع خيالي من صنع الرواة والإخباريين؛ بُغية تسلية الناس، زاعمًا أن الذين يضيقون بإنكار وجود قيس بن الملوح، إنما يريدون أن يضيفوا إلى المجد العربي مجدًا، ويجعلوا من أمة العرب أشرف الأمم، ومن لغاتهم أحسن اللغات وأدبهم أروع الآداب.
وهو يقصد بذلك أن العرب قليلو المجد، وأن آدابهم لا تبلغ في روعتها آداب غيرها من الأمم. وهذا كلام ينقصه النضج والحصافة والجد، إذ ما علاقة إثبات الدارسين لوجود المجنون أو إنكارهم لهذا الوجود، ما علاقته بتشييد دعائم مجد العرب أو هدمها؟ وهل إثبات وجود هذه الشخصية هو الذي سوف يدعم مجد العرب، بحيث إذا جاء منكر كطه حسين مثلًا أو غيره، فأثبت أنها لم يكن لها وجود حقيقي انهدم ذلك المجد؟ ألا إن الأدب العربي لأدب تافه حقًّا، وفاشل حقًّا إذا كان كل مجده ينحصر في ذلك الأمر.
стр. 182
إن معنى هذا أنه لا يوجد في الأب العربي شيء آخر سوى أشعار ابن الملوح، وهو ما يقول به إلا مجنون فقد عقله.
إن ذلك الأدب حتى في ميدان الغزل، والغزل العفيف وحده دون سواه، لغني بالنماذج الكثيرة، التي لا يعد شعر المجنون بالقياس إليها إلا قطرة على روعة ذلك الشعر المجنوني إن صح اللفظ.
ثم هب أن المجنون قد ثبت أنه من بنيات الخيال والأوهام، وأن شعره ليس له هو نفسه؛ لأنه ليس له وجود حقيقي، فهل يطعن هذا في شعر العرب؟ فمن نظم ذلك الشعر إذن، أليس من نظمه عربيًّا من العرب، ومن ثم فهذا الشعر ينتسب إلى العرب، إذن فلينقص من مجد العرب شيء، كل ما في الأمر أن ذلك الشعر سوف ينسب إلى شخص آخر غير المجنون، ولكنه في نهاية المطاف شخص عربي أم إن هناك احتمالًا آخر؟ ألا يرى القارئ والسامع مدى تفاهة ما كتبه طه حسين وضحالته؟ إن الرجل إنما يريد الإساءة إلى العرب بكل سبيل، ويطلب التمرد والعصيان طلبًا، يريد بذلك الخروج عما هو مقرر في العقول والنفوس، دون أن يقدم دليلًا يثبت به صحة ذلك العصيان، وهو يقيم إنكاره لشخصية المجنون على أن الرواة لم يتفقوا له على اسم ولا نسب ولا على أحداث حياته، لكن هل اتفق الناس فيما يخص كل شاعر من الشعراء القدماء، وبخاصة في الجاهلية وصدر الإسلام على مثل تلك الأشياء؟
إن الاختلاف في تلك الأشياء بالنسبة لهؤلاء الشعراء لكثير، وهذا معروف لدارسي تلك العصور فهم لا يستغربونه، بل يلقونه كثيرًا وطه حسين يلجأ إلى السفسطة حين يريد أن يقرر في النفوس أن القدماء كلهم كانوا يشكون في وجود قيس بن الملوح، ذلك أن الشاكين لم يكونوا يمثلون إلا جزءًا يسيرًا ليس إلا،
стр. 183
لكن طه حسين يخلط بين وجود المنكرين، وبين انتشار الشك بين جميع الدارسين وهذا غير ذاك، لكنها سفسطة طه حسين التي اشتهر بها، وهو يضيف إلى هذا قوله: إن أبا الفرج الأصفهاني كان لا بد أن يروي أخبار المجنون نزولًا على وضع كتابه (الأغاني) ذلك الكتاب الذي كان يتطلب ذكر المجنون وأمثاله تطلبًا، يقصد أنه كان للمجنون أغان تغنَّى في العصر العباسي، وأن طبيعة كتاب الأصفهاني هي تتبع مثل تلك الأغاني، والتحدث عنها وعن أصحابها، والترجمة لهم والاستشهاد بأشعارهم، فكان لا بد لأبي الفرج الأصفهاني ما دام هناك أغانٍ تنسب للمجنون من أن يريد تلك الأغاني، ويترجمها لصاحبها، ومع ذلك كله فإن أبا الفرج قد أعلن وبالغ في الإعلان أنه يخرج عن عهدة هذه الأخبار التي يوردها عن المجنون، ويتبرأ منها، ويضيف العهدة فيها إلى الرواة الذين ينقل عنهم.
فهل هذا هو موقف الأصفهاني لقد قال الرجل في بداية الصفحات التي خصصها للمجنون ما يلي: هو على ما يقوله من صحح وحديثه قيس وقيل: مهدي، والصحيح أنه قيس بن الملوح بن مزاحم بن عدس بن ربيعة بن جعد بن كعب بن ربيعة إلى آخره، ومن الدليل على أن اسمه قيس قول ليلى صاحبته فيه:
ألا ليت شعري والخطوب كثيرة ... متى رحل قيس مستقل فراجع
وأخبر الحسن بن علي قال: حدثنا أحمد بن زهير قال: سمعت مَن لا أحصي يقول: اسم المجنون قيس بن الملوح، وأخبرني هاشم محمد الخزاعي قال: حدثنا الرياشي وأخبره الجوهري عن عمر بن شبة أنهما سمعا الأصمعي يقول: وقد سئل عنه: لم يكن مجنونًا ولكن كانت به لوثة كلوثة أبي حية النميري.
стр. 184
إذن هناك في رأي الأصفهاني مَن يصحح نسب المجنون، بل إنه هو نفسه يرى أن الصحيح في أمره هو كذا وكذا، بما يدل على أن الأصفهاني لا يرى وهمية المجنون كما يزعم طه حسين، أما ما نقله طه حسين عن إعلان الأصفهاني لخروجه من عهدة الأخبار والأشعار التي تروى للمجنون وعنه، فهذا نص ما قاله الأصفهاني نفسه، وأنا أذكر مما وقع إليه من أخباره جملًا مستحسنة متبرئًا من العهدة فيها، فإن أكثر أشعاره المذكورة في أخباره ينسبها بعض الرواة إلى غيره، وينسبها من حكيت عنه إليه، وإذا قدمت هذه الشريط برئت من عين طاعن ومتتبع للعيوب، وأول كل شيء هو أن الأصفهاني قد قال ذلك بعدما أورد أخبارًا وأشعارًا كثيرة للمجنون، ولم يقله في مبتدأ كلامه عنه، أي: أن التحرز والتحفظ إنما يختص بما سوف يأتي من كلامه لا بما مضى، ثم إننا لو فلينا عن معنى هذا النص لاتضح لنا أن الأصفهاني إنما يشير إلى الاختلاف الحاصل في ذلك، وأنه غير مسئول عنه، وأنه لم يحاول تمحيصه وتفليته، وأن في بعض تلك الأخبار مبالغات واضحة غير مستساغة، وليس إلى أنه يشك في وجود الشاعر نفسه.
وشيء ثالث أنه لم يقل: إن الخلاف يعم كل ما يتعلق بالشاعر، بل لقسم منه فحسب ثم إن الاختلاف بشأن شخص من الأشخاص أو شيء من الأشياء لا يعني بالضرورة أنه باطل، بل أنه مختلف فيه وهذا كل ما هنالك، ولو كان العلم ومنهجه يقتضيان إنكار كل ما اختلف الناس حوله، إذن لقد بطل كل شيء في الدنيا؛ لأن الناس لم تتفق في أمور الحياة إلا على القليل، وحتى هذا القليل نراهم يختلفون في كثير من تفاصيله.
ولقد مازح المرحوم إبراهيم المازني الدكتور طه حسين ذات مرة في مقال له عن كتابه (في الشعر الجاهلي)، فشكك بنفس الطريقة في وجود طه حسين ذاته تبعًا
стр. 185
لاختلاف الناس بشأن تفصيلات حياته وشخصيته، وللأسف يكرر الدكتور محمد مندور كلام طه حسين عن موقف الأصفهاني من قصة المجنون، وإن كان قد سلب على الدكتور طه أولية التشكيك في هذه القصة قائلًا: إن أكبر مصدر لها وهو أبو الفرج الأصفهاني قد شكك فيها، وفي تفاصيلها، ورواها بكل حذر واحتياط، وذلك كله قبل طه حسين بزمن طويل.
ويبقى الأساس الفني الذي اعتمد عليه طه حسين في إنكار قيس بن الملوح، وهو أن الشعر المنسوب إليه لا يشير إلى شخصية واحدة، ولا إلى نفس واحد، والحق أن هذا دليل منهار، فإن ذلك الشاعر لا يعبق إلى حد بعيد بالأنفاس ذاتها فنًّا ومضمونًا واستيلاءً على القلب، ولست أدري كيف وقع طه حسين في تلك الغلطة المضحكة، اللهم إلا إذا استحضرنا ما كان يسيطر عليه في كثير من كتاباته ومواقفه من عناد ورغبة في الشذوذ مهما يكن من تهافت الاعتبارات، التي يقدمها بين ذلك العناد والشذوذ.
ونص ما قاله هو: هل نستطيع أن نجد للمجنون شخصية ظاهرة بينة في هذه الأشعار الكثيرة المختلفة التي يرويها له أبو الفرج وغيره من الرواة؟ أما أنا فأزعم أن ليس إلى ذلك من سبيل لا أطيل في إثبات هذا الرأي، وإنما ألخص لك ما انتهيت إليه بعد البحث.
أما ذلك البحث الذي أدى بطه حسين إلى ذلك الإنكار، فها هو ذا نسوقه إلى القارئ كما سجله طه حسين قال: كل هذا الشعر الذي يُضاف إلى المجنون لا يخلو من أن يكون شعرًا قد قاله شعر معروف، وأخطأ الرواة فأضافوه إلى المجنون، أو قاله شاعر مجهول ووجد الرواة فيه ليلى فأضافوه إلى المجنون، أو انتحله الرواة أنفسهم أو انتحله المغنون وأصحاب الموسيقى وأضافوه إلى المجنون، ولقد
стр. 186
أجهدت نفسي في البحث عن شخصية ظاهرة مشتركة تظهر في هذا الشعر كله أو بعضه، فلم أوفق من ذلك إلى شيء.
وواضح من هذا النص أن كاتبه وهو الدكتور طه حسين يدور في حلقة مفرغة، إذ يتخذ من نفسه شاهدًا على نفسه دون أن يقدم دليلًا واحدًا على ما يقول، وإلا لقد كان عليه إيراد الأشعار التي يرى أنها لا تعكس شخصية واحدة في الفن أو في المحتوى، ثم يبين لنا دلالتها على ما يريد التدليل عليه، أما أن يكتفي بالزعم الذي لا يثبته شيء سوى زعم له آخر بأنه قد تعب في البحث، فلم يصل إلى شيء، فهذا ليس من البحث العلمي في قليل أو كثير.
وشيء آخر في هذا الكلام هو أن طه حسين لا يستطيع للأسف التفرقة بين النحل والانتحال، فنراه يقول: إن الرواة والمغنين انتحلوا كذا وكذا من الأشعار على حين أن المقصود هو أنهم قد نحلو المجنون تلك الأشعار لا أنهم انتحلوها، إذ الانتحال هو استيلاء الشخص على شعر الغير ونسبته إلى نفسه لا نسبته إلى شخص ثالث، كما يتوهم الدكتور طه، وقد وقع بعد ذلك مرارًا في هذه الغلطة، حين ألف كتابه (في الشعر الجاهلي) بعد عشر سنوات تقريبًا من مقالاته، التي نشرها في الصحف، ثم جمعها في (حديث الأربعاء) ومنها مقاله عن مجنون ليلى، ومعنى هذا أنه قد استمر على الأقل نحو عقد من الزمان يكرر ذات الخطأ الفادح دون أن يتنبه.
نخرج من هذا بأن المجنون ليس شخصية وهمية، ولكن من الممكن أن يكون شعره قد اختلطت به أشعار الآخرين، وأن تكون أخباره قد دخلتها المبالغات على ما يحدث في مثل تلك الحالة، وهذا ما يراه أيضًا الدكتور محمد غنيمي هلال الذي يؤكد أنه لا يجد فيما قاله عنه المشككون من الرواة دليلًا يقطع بعدم وجوده، وإن
стр. 187
كانت بعض أخباره يظهر فيها التمحل والاختراع أو المبالغة والإسراف، إذ متى كانت المبالغة في الأخبار دليلًا على عدم وجود صاحبها، ومعروف أن كل من نبغ في أمر أو شذ فيه يحاط كما يقول الدكتور هلال بهالة من الأساطير في حياته أو بعد مماته، وبخاصة أن أخبار المجنون قد وصلت إلينا عن طريق الرواية، والروايات تصيب وتخطئ، ولا ينبغي أن نتخذ الخطأ في بعضها ذريعة لإنكارها كلها، وإلا لتعرضت أكثر شخصيات عظماء التاريخ للشك والارتياب، وما قاله الدكتور هلال صحيح تمام الصحة. أما أن نعتمد في إنكار وجود مثلًا على ما ورد في بعض أخباره في كتاب (الأغاني) من أن أحدهم قد مر ببطون بني عامر بطنًا بطنًا يسألهم عن المجنون، فلم يجد أحدًا يعرف عن أمره شيئًا، فهو كلام مضحك.
إذ مَن ذا الذي لديه مثل ذلك الفراغ الطويل والصبر العجيب حتى لا يطوف ببطون بني عامر كلها سائلًا في كل بطن عن الشاعر، وكأنه يؤدي مهمة مقدسة، وهل كان الناس ليتركوا مثل ذلك الملحف في السؤال والبحث، فلا يجعلوه هدفًا لعبثهم وتهكمهم إن لم يكن لشتمهم واتهامهم إياه في عقله؟ بل كيف سكت بنو عامر فلم يصلنا عن أحد منهم أن رجلًا أتاهم ذات يوم، فجعل يطوف بهم بطنًا بطنًا يسألهم عن مدى صحة الوجود التاريخي للمجنون، فأجمعوا كلهم على بكرة أبيهم أنه ليس له وجود، وبالمناسبة فهناك من الباحثين من يصف قيس بن الملوح وغيره من الشخصيات، التي تتضمنها أخباره بأنها شخصيات شبه تاريخية، وصاحب هذا الكلام هو كاتب المادة الموجودة في "الموسوعة الإيرانية إنسيكلوبيديا إيرانيكا" باسم: "ليلى أو مجنون"، ومعنى ذلك أنه لا ينكر وجود المجنون وأصحابه على سبيل القطع
стр. 188
مثلما لا يثبته على سبيل القطع أيضًا، بل يضعها كما يقول المعتزلة في حق مرتكب الكبيرة: في منزلة بين المنزلتين.
لكن يلاحَظ أنه لم يحاول أن يسوق الحيثيات التي دفعته إلى إصدار هذا الحكم، ومن (سير أعلام النبلاء) للحافظ الذهبي نقرأ في ترجمة قيس بن الملوح ما نصه: المجنون قيس بن الملوح وقيل: ابن معاذ، وقيل: اسمه بحتري بن الجعد، وقيل: غير ذلك من بني عامر بن صعصعة، وقيل: من بني كعب بن سعد، الذي قتله الحب في ليلى بنت مهدي العامرية، سمعنا أخباره من تأليف ابن المرزبان، وقد أنكر بعضهم ليلى والمجنون، وهذا دفع بالصدر، فما مَن لم يعلم حجة على من عنده علم، ولا المثبت كالنافي، ولكن إذا كان المثبت لشيء شبه خرافة، والنافي ليس غرضه دفع الحق، فهنا النافي مقدم، وهو كلام علمي إلى مدى بعيد، ولكن أخبار المجنون ليست من الخرافات في شيء، اللهم إلا بعض المبالغات كما شرحت آنفًا، أما شعره فيقول الذهبي في الحكم عليه: وشعره كثير من أرق شيء وأعذبه، وهو ما يدل على أن ذلك الشعر ذو ماء واحد، وينفح بعبق واحد كما قلنا، ومعروف أن قيس بن الملوح ينتمي إلى العصر الأموي، طبقًا لأخباره وأسماء الولاة والشخصيات التاريخية الشهيرة التي يرد ذكرهم فيها.
ويقول الحافظ الذهبي: إنه كان في دولة يزيد وابن الزبير، ومن ثَم فحكايته حتى لو صدقنا أنها حكاية خرافية لا يمكن أن تنتمي إلى ما قبل تلك الفترة، فضلًا عن أن تسبق الإسلام، كما يدعي إبراهيم العريس في مقال له بجريدة الحياة اللبنانية بتاريخ الرابع عشر من شهر ديسمبر سنة ٢٠٠٩ عنوانه: ألف وجه لألف عام مجنون ليلى على الطريقة الفارسية، صورة حضارات مشتركة، إذ يقول: إن
стр. 189
حكاية ليلى والمجنون في الأصل حكاية عربية، تنتمي من دون ريب إلى عصور ما قبل الإسلام، حتى وإن كان ثمة تخمينات وفرضيات تقول: إنه أعيد الاشتغال عليها شعريًّا ورواية حتى من بعد ظهور الإسلام، وهذه نظرية يدعمها طه حسين في كتابه الشهير، والمثير الجدل (في الشعر الجاهلي).
انتهى كلامه.
ولقد بحثت في كتاب طه حسين المذكور، فلم أجده قال هذا الكلام، وكل ما عثرت عليه هو قوله: للعرب خيالهم الشعري، وهذا الخيال قد جد وعمل وأثمر، وكانت نتيجة رده وعمله وإثماره هذه الأقاصيص والأساطير، التي تروى لا على العصر الجاهلي وحده، بل عن العصور الإسلامية التاريخية أيضًا، وقد رأيت في فصولنا التي سميناها (حديث الأربعاء) أَنَّا نشك في طائفة من هذه القصص الغرامية، التي تروى عن العذريين وغيرهم من العشاق في العصر الأموي، يجب حقًّا أن نلغي عقولنا كما يقول بعض الزعماء السياسيين؛ لنؤمن بأن كل ما يروى لنا عن الشعراء والكتاب والخلفاء والقواد والوزراء صحيح؛ لأنه ورد في كتاب (الأغاني) أو في كتاب الطبري، أو في كتاب المبرد أو في سفر من أسفار الجاحظ، ولا وسيلة بينه وبين زعمه إبراهيم العريس، كما هو ظاهر جلي.
والعجيب في قصة ليلى والمجنون، أنها رغم تشكيك بعض الباحثين في تاريخيتها قد حظيت باهتمام بالغ في الآداب والفنون غير العربية، ربما لم تحظ بها أية قصة عربية سواها.
فنقرأ مثلًا في مقال إبراهيم العريس السابق الذكر ما يلي: الحكاية بالتأكيد عربية إذن، ولكن من الواضح في الوقت نفسه أن شعوبًا أخرى وكتابًا آخرين من غير العرب قد اشتغلوا عليها وطوروها وحولوها إلى أجزاء من تراثهم الأدبي والعاطفي،
стр. 190
وربما أكثر من هذا أيضًا طوال القرون التي تلت ظهورها في المحيط العربي، صحيح أن حكاية مجنون ليلى أو ليلى والمجنون أعيد إليها الاعتبار عربيًّا في القرن العشرين، فحولت مثلًا إلى مغناة رائعة لحنها وغناها محمد عبد الوهاب وأسمهان في صيغة اشتغل عليها أحمد شوقي، مازجًا أشعارًا حديثة بالأشعار القديمة المنسوبة إلى قيس بن الملوح المعروف بالمجنون، كما حولت إلى مسرحيات وأفلام سينمائية، كان منها فيلم تونسي "الطيب الوحيشي"، إضافة إلى استلهامها في أعمال أدبية حديثة عدة، ولكن في المقابل ظل الإهمال من نصيب هذا العمل القديم المتميز في العالم المعرفي في وقت كان العالم كله يستلهمه أو يؤممه، أو يصيغ على منواله أعمالًا لا تقترب منه، أو تدنو بحسب الظروف وبحسب الثقافات، ومن هنا مثلًا نجد مخرجًا أرمينيًّا جورجيًّا مثل "بارجانوف" يحقق أكثر من فيلم تلوح من خلاله الحكاية نفسها عاشق غريب مثلًا.
ليلى والمجنون في الأدب الفارسي
بل إننا لو تبحرنا في آداب شعوب عدة لن يفوتنا أن نرى الحكاية نفسها تتكرر لاسيما في مناطق وسط آسيا، التي نعرف أنها تأثرت كثير بالحضارة العربية، وأثرت فيها ثم يمضي العريس قائلًا: وفي هذا السياق تحديدًا يكون لافتًا أن نذكر أن الثقافة الفارسية بالتحديد، وعلى بعض كبار شعرائها وكتابها كانت من أكثر ثقافات العالم اهتمامًا بهذه الحكاية شعرًا ورواية ورسمًا؛ حتى إلى درجة يمكن معها القول: إن فارس كانت هي لا الثقافة العربية المكان الذي حفظ الحكاية على مر العصور، ومن دون إنكار لأصولها العربية على أية حال.
وإذ نذكر فارس وثقافتها في هذا المجال يصبح لا بد لنا من أن نتوقف عند اثنين من كبار الشعراء الفرس، اهتمامًا بحكاية ليلى والمجنون، وهما نظامي وجامي،
стр. 191
الأول: خلال القرن الثاني عشر والثاني: خلال القرن الخامس عشر، كما يصبح لا بد لنا من التوقف عند عدد من كبار رسامي المنمنات الفارسية من الذين أنفقوا وجهدًا كبيرًا؛ لتحقيق رسوم رائعة تصور بعض فصول الحكاية.
ومن أبررزهم أغا ميرك، ومير سيد علي، وميرزا علي، والشيخ محمد، وإن بقيت رسوم أغا ميرك الأجمل، إذ ارتبطت بالصيغة التي كتبها نظامي للحكاية.
وإضافة إلى ما تقدم يفصل الكاتب الأمر قائلًا: إن الباحثين يذكرون أن نظامي وجامي اشتغلا على الحكاية نفسها من ناحية الأحداث، ولكن ثمة فارقًا كبيرًا بين عمل الأول وعمل الثاني، ذلك أن نظامي المتوفى في سنة ألف ومائتين واثنتين أعاد صوغ الحكاية كما هي، أي: أنه ركز على أحداثها الظاهرة وبُعدها العاطفي، واقفًا مع حق الإنسان في الحب مدينًا للأهل الذين سعوا بكل جهدهم؛ كي يحولوا دون تحقيق اللقاء بين الحبيبين.
أما جامي فإنه استخدم الحكاية في صورة رمزية خالصة؛ كي يتحدث من خلالها عن الحب الإلهي بصيغة صوفية، حيث إن العاشقين يمثلان هنا بالنسبة إليه ذلك الحب السامي الذي تتفانى من خلاله الروح لكي تذوب في الذات العليا، والحال أن هذين البعدين المختلفين الذين أسبغا على الحكاية نفسها في الثقافة الفارسية، إنما يعبران خير تعبير عن المزاج العام الذي كان يعتمل في فارس كل حقبة من الحقبتين اللتين عاش في أولاهما نظامي فيما عاش جامي في ثانيتهما، ففي عصر نظامي كان شيء من الفكر المادي الدنيوي يسيطر أيام ازدهار الأوضاع الاقتصادية، وبدء ظهور النزعات الإنسانية، وصولًا إلى انتشار الدعوات الواقعية، التي تتعاطى مع شئون الحياة الدنيا،
стр. 192
أما في عصر جامي، فكان ثمة نقوص في اتجاه الغيبيات والصوفية، كرد على ما انتاب الأمة من تفكك وعلى ذلك الغرض السابق في الشهوات والدنيويات.
وإذا كان العملان قد لاقيا رواجًا واستحسانًا لدى أجيال متعاقبة من القراء في بلاد الشرق، فإن ما يجب لفت النظر إليه هنا هو أن التعامل العام معهما كان واحدًا، حيث إن البعد الصوفي السماوي لقصيدة جامعي ظل بعيدًا من تفسير القراء العاديين، ومن هنا تم التعامل معها دائمًا من منطلق شعبي كتطوير لغوي لا أكثر لقصيدة نظامي، ذلك أن لغة الشعر كانت تطورت حقًّا خلال المائتي عام التي تفصل بين زمن الأول وزمن الثاني، ومع ذلك لن يغيب عن بالنا هنا أن القصيدة التي كتبها نظامي حظيت دائمًا بالشهرة الأكبر، وبقبول أعم لدى القراء الفرس.
ونظامي اكتفى كما أشرنا بصوغ الحكاية كما هي في التراث العربي القديم، الشاعر الجاهلي قيس بن الملوح الذي سيلقب لاحقًا بالمجنون يعيش حبًّا رائعًا مع حبيبته البدوية مثله ليلى، وهو هنا عند نظامي ابن ملك من ملوك الجزيرة العربية، لكن انتماءه الملكي لم يسهل عليها الحصول على يدها ذلك أن أهل ليلى كانوا يعيشون عداوة حادة مع أهل قيس؛ لذلك يرفضون تزويجه ابنتهم، فيجن قيس ويشعر بإحباط وألم شديدين يدفعانه إلى محاولة اختطاف ليلى بالقوة، غير أن محاولته تفشل فلا يكون كما حال الشنفرَى وغيره من الشعراء الصعاليك، إلا أن يتوجه إلى الصحراء؛ ليعيش فيها وحيدًا مع حيواناتها الضارية، التي ستكون أكثر حنوًا عليه من البشر، ومع مناخاتها المتقلبة التي سيمكنه احتمالها أكثر من احتماله غلاظة البشر.
في تلك الأثناء تكون ليلى تزوجت من شخص آخر، غير أنها أبدًا لم تنس حبها لقيس، بل إنه صار يحدث لها بين الحين والآخر أن تهرب سرًّا إلى الصحراء،
стр. 193
حيث توافي حبيبها في وحدته ووحشته، ولاحقًا حين يموت زوجها توافيه الصحراء؛ لتتحد حياته بحياتها نهائيًّا، ويتزوجان هناك، لكن ليلى سرعان ما تموت فلا يكون منه إلا أن يلحق بها إلى القبر، حيث يوحد الموت والشجر بينهما، كما ستكون حال روميو وجولييت بعد ذلك بقرون عدة.
قصيدة نظامي هذه تعتبر إذن من عيون الأدب الفارسي، ولكن في الوقت نفسه لا تقل عنها أهمية تلك الرسوم الرائعة التي أعطت فنًّا المنمنمات الفارسية ألقى هو جماله عبر العصور، ولا تزال محفوظة حتى يومنا هذا، كدليل حي على ارتباط فن الرسم بالفنون الأدبية في الحضارة الإسلامية ليس بالضرورة العربية التي لطالما اعترض بعض مفكريها المعاصرين على أن تشمل إبداعاتها رسم الأشخاص، ومع هذا لم تخل بدورها من رسوم عرفت طريقها إلى العيون والعقول، وحفظت عبر التاريخ حتى من دون أن تصل إلى روعة إبداعات الرسوم المنمنمات الفارسية والمغولية، التي لا شك في أن العدد الأكبر منها يمكن اعتباره دائمًا تحفًا فنية، تضاهي أروع ما أنتجته الإنسانية من لوحات غرامية رومانتيكية.
انتهى كلام الكاتب.
لكن لي تعليقًا سريعًا على وصفه للمجنون بأنه شاعر جاهلي، وهو وصف غير صحيح، إذ المجنون إنما ينتمي كما رأينا إلى عصر الأموي لا الجاهلي، ولا حتى إلى عصر صدر الإسلام، وفي مكان خاص بالشاعر الفارسي نظامي تلقي "الموسوعة المشباكية الحرة الويكيبيديا" بعض الضوء على حياة ذلك الشاعر وإبداعاته، فتذكر أنه ولد عام ٥٧٠ للهجرة في الكنجة بإيران القديمة وتقع حاليًا في أذربيجان وأمه كردية، وقد عاش شاعرنا خلال فترة حكم السلاجفة، وتزوج ثلاث مرات وأنجب ولدًا واحدًا اسمه محمد، ثم توفي عام ستمائة وأربعة عشر للهجرة، ويعترف النقاد والشعراء وكتاب التراجم
стр. 194
من الفرس وغيرهم على السواء بمكانة نظامي الشعرية، ومن بينهم عوفي وحمد الله المستوفي، ودولة شاه سمرقندي، ولطفي علي بك، وسعدي، وحافظ، وجامي، وعصمت البخاري، ومن أشهر مؤلفاته: (بنج غنج) ومعناها الكنوز الخمسة و (مخزن الأسرار) و (خسرو وشرين) و (هفتبيكر) أي: العروش السبعة و (إسكندر نامه)، ومعناه كتاب الإسكندر المقدوني، و (ديوان فان) للنظامي، وكذلك (ليلى والمجنون).
وهذه القصة لا تحدث وقائعها في إيران بل تقع في بلاد العرب، وهي لا تمثل شخصية ملكية، بل تمثل شخصين عاديين من عرب الصحراء البطل وحبيبته، لكن نظامي استطاع أن يصبغها بالصبغة الفارسية، وقد اختار لها وزن الهزج المسدس الأحدب المقبوض المحذوف، وتشتمل على أكثر من أربعة آلاف بيت.
وفي موقع Iran Saga History Iran Saga History , art and culture نجد مقالًا عنوانه: the lenged of lila and magnon، جاء فيه: أن هذه القصة العاطفية الرومانسية يمكن أن تعود في صورتها الأصلية إلى النصف الثاني من القرن السابع الميلادي، وأن مضمون القصة حسبما أمكن استخلاصه من النسخ المختلفة هو مضمون بسيط نسبيًّا، وإن كان هناك منذ البداية نسختان مختلفتان، فأما في الأولى فلدينا شاب وفتاة كانا يقضيان وقتهما معًا يرعيان الغنم، وأما في الأخرى فنرى المجنون واسمه في الحقيقة قيس كما تقول الروايات، يقابل ليلى مصادفةً في جمع من الفتيات مقابلةً كان لها تأثير مدمر عليه، ويسارع إلى نحر ناقته لإطعامهن، وتقع ليلى في غرامه من أول نظرة، ويتقدم لطلب يدها من أبيها إلا أنها كانت مخطوبة من قبل، مما فقد معه قيس عقله فانطلق هائمًا على وجهه شبه عار يعيش بين الحيوانات البرية، رافضًا ما يقدم له من طعام، وعبثًا
стр. 195
يحاول أبوه أن ينسيه ليلى، إذ أخذه معه إلى الحج إلا أن جنونه لا ينقص بل يزيد.
ومع هذا كانت تمر به لحظات من الصفاء ينظم فيها أشعاره العاطفية، ثم يموت وحيدًا ولكن بعدما يقابل ليلى مرة أخرى، ثم يمضي كاتب المادة قائلًا: إن من الصعب معرفة أصل تلك القصة، إذ يظن أنه من الممكن إرجاعها إلى حكاية شاب من قبيلة بني أمية يلقب بالمجنون، نظم بعض الأشعار التي يتغنى فيها بحبه لابنة عمه، إلا أن القصة بهذا الشكل تبدو منفصلة عن سياقها، كما أن الشاعر يظل مجهولًا، ومع هذا فكون القصة تشتمل على اسم نوفل بن مساحق هذه الكلمة المدينة يوحي بأن القصة الأخيرة قد ظهرت على صفحة الوجوه في تلك الفترة تقريبًا، أما ناظم تلك الأشعار أو بالأحرى ناظموها، وكذلك مؤلفو الأخبار المتعلقة بها، فسوف يظلون دائمًا مجهولين، وهو ما يزيد من غموض القصة وحيرة الباحثين فيها.
هذا ما قاله الكاتب.
ومن الواضح أنه قد وقع في بعض الأخطاء التاريخية الساذجة، إذ جعل قيسًا من قبيلة أمية، على حين أن ارتباطه بالأمويين يقتصر على أنه كان يعيش في عصرهم ليس إلا، أما هو وحبيبته فكانا من بني عامر، ثم هناك شيء آخر وهو أن الكاتب يعود بالقصة إلى ما قبل ذلك قائلًا: إن الحلقة الخاصة بقيس هي آخر الحلقات، وهو ما لم يسق أي دليل عليه.
ثم يتتبع كاتب المقال رحلة القصة خارج الأدب العربي قائلًا: إن أشعار المجنون وأخباره قد انتقلت إلى الأدب الفارسي، وأصبحت جزءًا منه، حيث استعملت تلك الأشعار والأخبار على أنحاء مختلفة، بل إن بعض الأعمال النثرية الفارسية تحتوي على أشعار لقيس، وفي عام ألف ومائة وثمانية وثمانين يقوم نظامي الكنجوي بنظم قصة ليلى والمجنون في آلاف الأبيات، ويصرح الشاعر الفارسي
стр. 196
في مقدمة القصيدة بأنه كان في البداية مترددًا في القيام بهذا العمل، إذ كان يشك في أن تكون تلك القصة التي مِحورها الجنون والهيام على الوجه في البرية صالحة للبلاط الملكي، والمقصود أن حاكم أذربيجان كلفه بنظمها فخشي ألا تسعفه القصة الأصلية في القيام بالمراد، ولا ينجح في مهمته، وإن كان المقال نفسه لا يشير إلى ذلك، بل ذكره مقال " lila and magnon " في "إنسيكلوبيديا إيرانيكا"، إذ جاء فيه: " أن نظامي كومبوز هز رومانس آز ريكوست أوف زا رولار أوف أذربيجان ".
كما يوضح الكاتب الأول ما قام به نظامي من جهد؛ كي يجعل من أخبار المجنون المتناثرة بناءً متماسكًا لقصة عاطفية فارسية، تختلف بعض الشيء عن القصة الأصلية، إذ تتحول البيئة البدوية إلى أخرى حضارية تلائم الشاعر وجمهوره، فمثلًا نرى الحبيبين يتعارفان في مكتب -أي: كتاب- كما أن نوفلًا المذكور يظهر في قصيدة نظامي وكأنه أمير فارسي لا وال عربي، فضلًا عن أنه لا يقتصر على التدخل السلمي لإتمام الخطبة المرفوضة من قبل والد الفتاة، بل يعلن الحرب على قبيلتها كلها معلنًا أنه لا بد من زواج الحبيبين، ورغم هزيمة القبيلة يصر والد ليلى على الرفض قائلًا: إنه يؤثر أن يقتلها على أن يزوجها للشاب الذي فضحها في العالمين.
وهنا يتبين للأمير أنه لا يمكن عمل أي شيء آخر، فيكف عن محاولاته وتنتهي القصة عند نظامي بأن تموت ليلى كَمَدًا على حرمانها من حبيب القلب، كذلك تتميز قصيدة نظامي بما تحويه من مناظر طبيعية توائم المواقف العاطفية المختلفة، ففي الربيع نرى ليلى في عز شبابها جالسةً تحت ظلال النخيل، على حين يتمهل الشاعر في وصف سواد الليل، عند حديثه عما حاق بالمجنون من يأس وهكذا.
كذلك فإن قصة نظامي ليست قصة فقط بل تضيف إلى الحكاية غاية تعليمية، ففيها كلام عن الزهد وتفاهة الدنيا والموت والحب والتصوف، وينهي الكاتب مقاله بالإشارة
стр. 197
إلى أن ما صنعه نظامي إنما يمثل الحلقة الأولى في سلسلة طويلة من الأعمال التي تقلدها لا في الفارسية فحسب، بل في لغات المنطقة كلها، وإن كانت الأعمال ذات القيمة منها قليلة، ومن هذه الأعمال (ليلى والمجنون) للأمير خسرو دهلوي، عام ألف ومائتين وتسعة وتسعين، وقصيدة الجامي سنة ألف وأربعمائة وأربع وثمانين، إلى جانب قصيدتي "هاتفي" و"مكتبي"، ويضيف كاتب مادة " lila and magnon " في "إنسيكلوبيديا إيرانيكا" أن شخصيات القصة الفارسية التي أبدع نظامي كلها شخصيات أرستقراطية مَثَلها في ذلك مثل شخصيات أمثالها من القصص العاطفية في الأدب الفارسي، بالإضافة إلى بعض العناصر الفارسية الأخرى، كالملك الذي كان يرغب في أن يكون له وريث، وكشعر الطبيعة الذي يتغنى بالشروق والغروب والبساتين، وكالزاهد الذي كان يعيش في كهف، وكملك مَرْو وكِلابة وكابتهالات المجنون إلى الله والأجرام السماوية، وأحاديثه التعليمية ما عد من شخصيات القصة إلى آخره.
كذلك يذكر كاتب المقال أن المجنون لدى نظامي مثلما هو من أصل عربي شاعر عذري بارع، بل لقد نظم على لسانه الأشعار الغزلية، وإن كان قد وشى تلك الأشعار بلمسة صوفية واضحة، فلم يعد الحب عند قيس حبًّا أرضيًّا صافيًا، بل حبًّا روحيًّا أرضيًّا معًا، مع ميل كِفة الميزان ناحية الضرب الأول، وبالمثل يشير الكاتب إلى التأثير الذي أضافته قصة نظامي إلى حكايات المجنون، إذ اندفع عدد من الشعراء الفرس والكرد والترك والباشتو إلى تقليد نظامي في نظم القصائد، التي تروي حكايته هو وليلى حتى وسط القصائد الفارسية وحدها، التي تنسج على منوال قصيدة نظامي نحو ستين، وكلها على نفس البحر الذي نظم عليه نظامي قصيدته إلى جانب تأثرها بها في عدد من العناصر الأخرى، كالحديث عن حلية الخمر في دين الحب، ومما تناوله الكاتب أيضًا ترجمة قصيدة نظامي إلى عدد غير قليل من اللغات الأخرى.
стр. 198
هذا، وقد رأينا أن أثر قصة ليلى والمجنون لا يختص على الأدب الفارسي وهو ما يزيده إيضاحًا ما كتبه خالد محمد أبو الحسن في دراسة له على المشباك -أي: الإنترنت- بعنوان: "التناص السردي في ليلى والمجنون لفضول البغدادي"، وميموزين لأحمدي خان يقول فيها: لا شك أن قصة ليلى والمجنون نالت اهتمامًا بالغًا من شعراء الإسلام على اختلاف لغاتهم، ولئن كان تناول موضوعها قد اختلف من شاعر إلى آخر، فإن ذلك يجعل موضوعها أكثر إثارة، والجدير بالذكر أن هذا الموضوع لاقى اهتمامًا كبيرًا أيضًا من الكتاب والباحثين، وتنبع أهميته من كونه موضوعًا يربط بين جُل الآداب الإسلامية، ولعل القواسم المشتركة بين الآداب الإسلامية التي انبثقت من التمازج المشترك بين هذه الشعوب منذ العصور التاريخية القديمة، ثم ازدادت إحكامًا وارتقاء حضارية بعد الإسلام، لعلها أوجدت لنا أرضًا خصبةً من الحوار الأدبي المتضامن لإثارة قضية صوفية كبرى هي قضية العشق الإلهي.
وتعتبر قصة عشق قيس بن الملوح مجنون بني عامر لليلى العامرية التي بدأت عند العرب في شكل الحب العذري، أعظم قصص الحب في الآداب الإسلامية، وإن اختلف مضمونها من أدب لآخر، وإذا كانت قصة المجنون عند العرب تجسد أخبارًا مثيرة تناقلها الناس، فإنها لقيت لدى أدباء إيران على سبيل المثال رواجًا لا نظيرَ له، ثم اتخذت شكل العمل الأدبي المتكامل بعد أن كانت مجرد أخبار متفرقة تعبر عن الحرمان والعذاب والمعاناة والعشق، ومن ثم كان الحب العذري منطلقًا إلى الحب الصوفي في الأدب الفارسي، وهذا ما ظهر في صنيع نظامي، هكذا أدى العشق العذري والحرمان فيه إلى إثارة خيال المتصوفة، وأوقد ذاكرته فأبدعت أفكارًا شتى دخلت العرفان الصوفي الفارسي من الباب الواسع، ومن ثم أخذت تتنقل إلى الأدب العربي، فنتج عنها قواسم مشتركة فنًّا وفكرًا.
стр. 199
ليلى والمجنون في الآداب الإسلامية الأخرى
ثم يمضي موضحًا أن الأمر لم يقتصر على الأدب الفارسي، بل تجاوزه إلى سواه من الآداب الإسلامية الأخرى، فيقول:
أما الآداب الإسلامية الأخرى: الأدب التركي الإسلامي على سبيل المثال، فقد حاولت في بداية الأمر أن تقلد الفرس في نظم كبار شعرائهم لهذه القصة، إلا أن هذا التقليد لم يحجب روح الإبداع عن هؤلاء، فلقد حاول بعض الأتراك أن يجدد في القصة من حيث الشكل والمضمون، كما أن ما نظموه في ليلى والمجنون لا يعد قليلًا، أضف إلى ذلك أنه كان يتسم بالمقدرة على نسج تلك القصة، وتصويرها في شكل أدبي متقن، ولكن السؤال المهم الذي يطرح نفسه الآن هو: هل وقفت قصة ليلى والمجنون عند حدود المبدعين من العرب والفرس والترك؟ لعل الإجابة على هذا السؤال تنطلق من عمق الثقافة الإسلامية واتساع آدابها، وأعتقد أنه إذا ما خرجنا عن دائرة الآداب الإسلامية الثلاث العربية والفارسية والتركية، فسوف نتعرض لآداب إسلامية أخرى تزيد من الثقافة الإسلامية عمقًا، وتعطينا القدرة على فهم المجتمعات الإسلامية المتعددة.
ولعل الأدب الكردي الإسلامي من الآداب الإسلامية الكثيرة لا بد أنه يكتنه بداخله قصة ليلى والمجنون وغيرها من القصص المنسية؛ نظرًا للظروف السياسية، أو لربما لعدم معرفة بعض الدارسين لمثل هذه الثقافات المهمة، التي ما يلبث أن يتركها الباحثون المسلمون؛ حتى ينقض عليها باحثو الغرب؛ ليظهروا لأصحاب هذه الثقافات والآداب المنسية تناسي ذويهم من المسلمين لهم، أو ربما يظهرون لهم احتقار ذويهم لهم ولثقافاتهم، وقد ذكر الباحث في أحد هوامش بعض الأسماء الإسلامية، التي اهتمت بتلك الحكاية فقال: من الذين نظموا ليلى والمجنون من الفرس والترك نظام الكنجوي، وخسرو الدهلوي وعلي شيرنوائي وأحمدي، وغيرهم من كبار شعراء الفرس والترك.
стр. 200
وبالنسبة إلى الدوافع التي حدت به إلى وضع هذه الدراسة يقول: من هذا المنطلق كان اختياري لهذا الموضوع لأظهر أمام الباحثين طريقًا نسيه بعض الباحثين أو تناسوه، وهو طريق البحث في الأدب الكردي الإسلامي، ومن خلال قصة كبرى يعرفها جل الباحثين، فقد آثرت أن أبين مدى التقارب الشديد بين الترك والكرد على الرغم من وجود فجوات كثيرة بينهم، وذلك على الصعيد السياسي ثم يبين المنهج الذي سيتبعه في هذه الدراسة قائلًا: وقد آثرت كذلك أن أجعل هذه الدراسة بين أميرين كبيرين هما: أمير الشعر التركي فضول البغدادي في منظومته "ليلى والمجنون"، وأمير الشعر الكردي أحمدي خاني في منظومته "ميم وزيم"، إلا أنني فضلت تناول الموضوع من وجهة نظر نقدية حدثية، فعمدت إلى اختيار نظرية التناص السردي كأسلوب جديد لنقد العمل الأدبي؛ ولأن تطبيق هذه النظرية على ذلك العمل يمنح الدراسة نوعًا من الجدة والتنوع؛ لأن موضوع ليلى والمجنون درس كثيرًا من قبل الباحثين، وأحسب أنه إذا ما تم التعارض له فأجدر بنا أن نجدد في دراسته.
وهكذا يتبين لنا من خلال هذه العجالة الانتشار الواسع لقصة المجنون في الآداب الإسلامية، والصور والمعاني الغنية المختلفة التي اكتسبتها في تلك الآداب، وكذلك المناهج النقدية التي تمت دراستها من خلالها، وإن الإنسان ليستغرب من تلك المفارقة العجيبة التي تحيط بهذه الحكاية، إذ بينما يشكك في حقيقتها التاريخية نفر من الباحثين نراها وقد تمردت على هذا الإنكار والتشكيك، وانطلقت بكل عنفوان تكتسح الحدود بين الآداب الإسلامية وغير الإسلامية أيضًا، غير مبالية بشيء مما يجعلنا نتساءل: وماذا لو لم تكن تلك الحكاية محل تشكيك وإنكار؟ أتراها كانت تكون أقوى اكتساحًا، وأوسع انتشارًا واندياحًا، أم تراها لم تكن لتحظى بكل هذا الشيوع الذي لاقته، والعشق الذي احتازته؟ ألا إن هذا من عجائب الأقدار.
стр. 201
ومن عجائب الأقدار أيضًا أن أحدًا من العرب قبل العصر الحديث لم يحاول أن يستلهمها في عمل أدبي، إلى أن جاء عصرنا الحالي فوجدنا الأمر يأخذ منحًى جديدًا، فهناك كتاب مسرحيون اتخذوا من حياته وشخصيته وأخباره موضوعًا لأعمالهم مثل: إبراهيم الأحدب وسليم البستاني وأبو خليل القباني، وإن لم يكن هناك ما يدل على أن تلك الأعمال قد طبعت، ووضعت بين أيدي القراء في كتب، وكذلك محمد منذر خير الله الذي وضع مسرحية اسمها رواية مجنون ليلى مثلت على خشبة المسرح، وطبعت عام ألف وثمانمائة وثمانية وتسعين، ثم عندنا أحمد شوقي الذي ألف مسرحية (مجنون ليلى)، وتقيد فيها إلى حد بعيد بالروايات القديمة عن قيس وليلى واقتبس كثيرًا من عبارات تلك الروايات، ومن عبارات شعر المجنون مع شيء من التحويل الشفاف، ولدينا كذلك مسرحية لصلاح عبد الصبور اسمها (ليلى والمجنون)، وهي تجري في بيئة عصرية، إذ تقع حوادثها في مبنى صحيفة من الصحف القاهرية تشتغل فيها ليلى كاتبة، فهي إذن ليلى أخرى غير تلك الراعية البدوية من بدو نجد في بلاد العرب في عصر بني أمية.
وفي المسرحية تقوم ليلى وبعض زملائها بتمثيل مسرحية (ليلى والمجنون) لأحمد شوقي، كنوع من دفع الملل من خلال القيام بشيء يختلف عما يفعلونه كل يوم، وإن لم ينطقوا في المسرحية من شعر أمير الشعراء إلا بعض الأبيات القليلة، وتنتهي المسرحية برسالة من سعيد حبيب ليلى من خلف القضبان عبارة عن ترنيمة للعام الجديد، يأمل فيها أن يختفي جيله الذي يكتفي بالكلام والنضال الشفوي ضد الفساد، ويأتي بدلًا منه جيل جديد يعمل ويحمل السيف.
يا سيدنا القادم من بعدي، أنا أصغر من ينتظرك في شوق محموم لا مهنة لي، إذ إني الآن نزيل السجن، متهمًا بالنظر إلى المستقبل لكني أكتب لك باسم
стр. 202
الفلاحين، وباسم الملاحين باسم الحدادين، وباسم الحلاقين والحَمارة والبحارة والعمال وأصحاب الأعمال والأعيان وكتاب الديوان والبوابين وصبيان البقالين، وباسم الشعراء وباسم الخفراء والأهرام وباب النصر والقناطير الخيرية وعبد الله النديم وتوفيق الحكيم وألمظ وشجرة الدر وكتاب الموتى ونشيد بلادي بلادي، نرجو أن تأتي وبأقصى سرعة، فالصبر تبدد واليأس تمدد، إما أن تدركنا الآن أو لم تدركنا بعد، حاشية: لا تنسى أن تحمل سيفك.
بل إنه لا يمكن النظر إلى ليلى في المسرحية على أنها رمز لمصر طبقًا لما قاله الدكتور حسين علي محمد، الذي كتب أن المسرح الشعري العربي قد ظهر منذ أواخر الخمسينيات في ثوب جديد هو شكل الشعر التفعيلي، وأصبحت المرأة في هذا المسرح تقوم بدور رمزي، ثم يمضي مريدًا أسماء بعض بطلات المسرحيات، التي من هذا النوع، ومنها شخصية ليلى في مسرحية عبد الصبور (ليلى والمجنون) قائلًا: إن الشاعر قد جعل منها رمزًا لمصر، أما مفاجأة حبيبها سعيد لها في بيت الجاسوس، فتأويلها حسبما يقول ذلك الناقد هو سقوط مصر فريسة للحكم البوليسي.
ثم يختم الناقد كلامه في هذه النقطة قائلًا: إن ميزة مسرح صلاح عبد الصبور تتمثل في أنه لا يضحي بصورة المرأة الحقيقية التي هي من لحم ودم ومشاعر من أجل رمز، بل يمكننا أن نقرأ مسرحياته، فنلاحظ دائمًا العناية الكاملة بصورة المرأة. يقصد الناقد أن يقول: إن مسرحية عبد الصبور يمكن أن تقرأ على الوجهين يمكن قراءتها على أنها مسرحية حقيقية، كما يمكن في ذات الوقت قراءتها بوصفها مسرحية رمزية تمثل ليلى فيها دور الوطن، ولا يجد القارئ في الحالتين أي خلل في بنائها، ولا في تصوير شخصية بطلتها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 203
الدرس: ٩ عزيز أباظة ومسرحه الشعري .
стр. 204
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع
(عزيز أباظة ومسرحه الشعري)
حياة عزيز أباظة، وما ألفه من مسرحيات
ولد عزيز أباظة عام ألف وثمانمائة وثمانية وتسعين في منيا القمح، التي تتبع حاليًا محافظة الشرقية بمصر، وتوفي عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين ميلاديًّا، ويعد عزيز أباظة رائد المسرحية الشعرية بعد أحمد شوقي أمير الشعراء، وقد تخرج من كلية الحقوق عام ألف وتسعمائة وثلاثة وعشرين، واختير عضوًا بالمجمع اللغوي ورئيسًا للجنة الشعر بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، كما حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب، عام ألف وتسعمائة وثلاثة وستين، وكان قد انتخب عضوًا في مجلس النواب قبل ثورة يوليو، وذلك عام ألف وتسعمائة وستة وثلاثين، وكان من المعارضين لمعاهدة ألف وتسعمائة وستة وثلاثين، التي أبرمتها حكومة الوفد مع الإنجليز.
أما بالنسبة إلى مؤلفاته فقد نشر له ديوان (أنَّات حائرة)، عام ألف وتسعمائة وثلاثة وأربعين وهو من أوله إلى آخره في رثاء زوجته الأولى وأم أولاده، وله كذلك عدة مسرحيات شعرية هي (قيس ولبنى)، وقد صدرت عام ألف وتسعمائة وثلاثة وأربعين، وتعد أولى مسرحياته، وتعتمد قصتها على أحداث قصة العاشقين المعروفين قيس ولبنى كما وردت في كتاب (الأغاني) للأصفهاني، ثم مسرحية (العباسة)، وقد صدرت عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين، وفيها يصور الصراعات السياسية والشخصية التي حفل بها عصر الرشيد من خلال العباسة أخت الخليفة، وزوجة جعفر البرمكي، وقد عُرضت في القاهرة أمام الملك فاروق.
стр. 205
ثم مسرحية (الناصر) عام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين، وقد تناول فيها عصرًا من عصور الأندلس الزاهرة في عهد عبد الرحمن الناصر، ثم هناك (شجرة الدر) التي تقدم لنا مأساة الملكة شجرة الدر بعد وفاة زوجها السلطان في أيام عصيبة خلال الغزو الصليبي لمصر، والتي مثلت على مسرح الأوبرا عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين، ثم لدينا مسرحية (غروب الأندلس)، وقد صدرت عام ألف وتسعمائة واثنين وخمسين، ثم (شهريار) عام ألف وتسعمائة وخمس وخمسين، وفي هذه الأخيرة يطرح عزيز أباظة معالجة جديدة لقضية شهريار، فهو يضع إلى جوار شهرزاد أختها دنيا زاد، التي تنازعها حب شهريار، وأولى الأختين ترمز إلى المعرفة السامية على حين ترمز الأخرى إلى الشهوة المثيرة؛ لتستمر المنافسة ويخرج منها شهريار في النهاية بما يشبه التصوف الأخلاقي، وقد كُتبت هذه المسرحية بالاشتراك مع عبد الله بشير.
ثم هناك أيضًا (أوراق الخريف) سنة ألف وتسعمائة وسبعة وخمسين، ثم (قافلة النور) سنة ألف وتسعمائة وتسعة وخمسين، ثم (قيصر) سنة ألف وتسعمائة وثلاثة وستين وفيها يقدم شاعرنا لحظة حاسمة من التاريخ الروماني، استقى أحداثها من روايات بلوتارك لتاريخ يوليوس قيصر، ومحور الصراع هو بروتوس الذي كان في الحقيقة ابنًا غير شرعي لقيصر، وحين يكتشف بروتوس بنوته لقيصر يثور في نفسه صراع بين عاطفة البنوة والإيمان بالجمهورية.
ثم هناك (مسرحية زهرة) سنة ألف وتسعمائة وثمانية وستين، وهي آخر مسرحيات عزيز أباظة واستوحى فكرتها من موضوع فيدرا الإغريقية، وألبسها ثوبًا معاصرًا.
стр. 206
ولأباظة كذلك من إشراقات السيرة الذكية، وهي شعر ملحمي ثم (تسابيح قلب) سنة ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين، وهو ديوان شعري و (ديوان عزيز أباظة)، سنة ألف وتسعمائة وثمانية وسبعين، و (هكذا تكلم صفوان) وهو أيضًا ديوان شعر ولكن ليس معروفًا سنة إصداره، وأخيرًا (أشعار لم تنشر لعزيز أباظة)، الذي أصدرته ابنته عفاف بعد وفاته، ويضم أشعارًا لم تنشر في أي الدواوين أو المسرحيات السابقة.
مسرح عزيز أباظة الشعري، وآراء النقاد في مسرحياته
وقد تأثر عزيز أباظة كثيرًا بأمير الشعراء في كتابة المسرحية موضوعات وأسلوبًا، ففي مسرحياته ما في مسرحيات شوقي من غنائية واضحة، واحتفاء بالأسلوب، واختيار لموضوعاته من التاريخ العربي والإسلامي غالبًا، ويرى الدكتور عبد المحسن عاطف سلام أن أباظة قد التزم في مسرحياته الأولى نصوص التاريخ التزامًا يكاد يكون حرفيًّا، ولم يغير فيها إلا عندما وجد أنه لا يستطيع أن يضمن مسرحيته كل التفاصيل، التي يعطيها إيانا التاريخ، ويتضح هذا بجلاء في مسرحيته (قيس ولبنى) و (العباسة) و (شجرة الدر) و (الناصر)، ولكن اختياره كان اختيار ترك لا اختيار تفسير يعطي الأحداث مغزى جديدًا يتخيله هو، وتتقمصه الشخصيات التي تقوم بالأحداث.
وهو ما أدَّى في رأيه إلى وجود تفكك خطير في حبكة الرواية، وخاصة في شجرة الدر حيث نجد أن الرواية تكاد تنقسم إلى قسمين رئيسيين، أو بالأحرى إلى روايتين منفصلتين يؤدي كل منهما غرضًا آخر غير الغرض الذي من أجله كتبت الرواية.
ثم يعقب قائلًا: إن الناقد يحار أمام هذا التناقض عندما يحاول أن يتبين الهدف الأصيل للرواية والشخصيات الرئيسية التي تؤدي إليه وتشرحه، ويضيف: أن
стр. 207
الشاعر قد ظل أسير المادة التاريخية إلى أن بدأ يتحرر في مسرحيته (شهريار)، وكما تحول شوقي من قبل في مسرحيته (الست هدى) من سلطان المادة التاريخية، ومن سلطان الأهداف التعليمية والوطنية، واتجه اتجاهًا اجتماعيًّا بحتًا كذلك فعل عزيز أباظة، إذ تحول على وجل شديد إلى المجتمع يقتبس منه، ويأخذ بعض أحداثه وصوره، ويعرضه على المسرح ويتم هذا التحول بعد مران طويل في كتابة المسرحية، وصياغة الشعر المسرحي، فعندئذٍ تظهر الحبكة متساوية قوية، وتبدو صور المجتمع المصري البحت على حقيقتها في خلال الشاعر، وتبدو تجربته شخصية وواضحة، ولكن لا يلبث الشاعر مرة أخرى أن يعود إلى نفسه في مسرحيته (قافلة النور)، وتسيطر عليه نزعة دينية قوية، وترتد ذكرياته إلى ظهور الإسلام وانتشاره، فيحاول أن يصور هذا الموضوع في مسرحيته.
ولكن الشاعر في هذه المرة لا يأخذ من التاريخ إلا بعض سماته العامة، ويترك لخياله العنان يخلق الأحداث والأحاديث، ويلون الشخصيات دون حرج أو تحفظ أو التماس للمطابقة التاريخية، كما فعل في روايته الأولى، وينكر الدكتور طه حسين على عزيز أباظة أن يكتب مسرحياته شعرًا، وحجته في هذا الإنكار أن المسرح في أوربا لم يعد ينظم في ثوب شعري، بل صار نثرًا إلا ما ندر؛ ولهذا فهو لا يطيق أن يقرأ أو يسمع مسرحية شعرية، قال: إني لست من الكلفين بالقصص التمثيلية التي تُعرض على الناس شعرًا هذه الأيام، وشعرًا عربيًّا بنوع خاص، وقد شب التمثيل عن طوق الشعر وتمرد على أوزانه وقوافيه، وآثر حرية النثر وطلاقته وإسماحه على قيود الشعر وتحرجه وصرامته منذ زمن غير قصير، وأصبحت القصص الشعرية في اللغات الأوروبية نادرة أشد الندرة، لا يكاد الناس يقبلون عليها إن وجدت، فإن فعلوا لم يتصل إقبالهم عليها، إلا ريثما
стр. 208
ينصرفون عنها إلى الحرية الحرة والطلاقة المطلقة في هذا التمثيل المنثور، الذي لا يكلفهم إلا أيسر الجهد وأقل العناء.
وقد صحب التمثيل في أثناء طفولته وحين بلغ شبابه الشعر؛ لأنه لم يكن يستطيع أن يتخفف من الغناء؛ ولأن النثر لم يكن قد استكمل قوته بعد، فلما تخفف التمثيل من الغناء ومرن النثر، واستطاع أن يتصرف في جميع فنون القول انصرف إليه أصحاب التمثيل، وتركوا الشعر بفنونه الخاصة، فإذا كانت آيات التمثيل في العصر القديم، وفي أوائل العصر الحديث شعرًا كلها، فإن القرن التاسع عشر قد شهد مزاحمة النثر للشعر على التمثيل؛ حتى استأثر به وكاد يصرف الشاعر عنه صرفًا، وهذا الكلام موجود في المقدمة التي كتبها الدكتور طه حسين لمسرحية (غروب الأندلس) لعزيز أباظة، حين صدرت لأول مرة عام ألف وتسعمائة واثنين وخمسين.
ويهمني ما دمنا في حقل الأدب المقارن أن نقف عند الحجة التي قدمها طه حسين مبررًا بها نفوره من المسرحيات الشعرية، تلك الحجة التي تقوم على أن الغرب سار ينفر من ذلك اللون من الإبداع، فكأن الدكتور طه يضبط ذوقه النقدي على ذوق الغربيين، ويقيم حكمه على أساس من أحكامهم بوصفهم القبلة، التي ينبغي أن نتجه إليها في نقدنا وأدبنا وفكرنا، وهذا أمر طبيعي منه، إذ قد سبق له قبل ذلك بنحو ستة عشر عامًا أن نادى في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر)، بأن نحذو حذو أوربا في كل شيء، ونتبنى حضارتها تبنيًا كاملًا بحلوها ومرها وخيرها وشرها، كما قال بالنص تقريبًا، وليس بعد هذا ذوبان لشخصيتنا الإسلامية العربية، وعدوان عليها وتهديم لبنيانها، فالمفروض أن كل أمة تعمل على تماسك شخصيتها، والاعتزاز بخصوصيتها ما دامت تلك الخصوصية بريئة من العيوب والمؤاخذات، أما أن تتبرع الأمة تبرعًا بالتخلي عن ذاتيتها والجري وراء الآخرين، وتقليدهم في
стр. 209
كل شيء حتى فيما يضر ويؤذي كما تصنع القرود، فهذا تدمير للذات لا أدري كيف واتت طه حسين نفسه للقول به، والتحمس له والدعوة بكل قوة إليه كأنه يؤدي واجبًا مقدسًا، سوف يثاب عليه يوم القيامة.
وقد أضاف طه حسين أنه ينفر من الشعر المسرحي العربي بوجه خاص، ولكنه لشديد الأسف لم يسق لنا سبب هذا النفور الخاص من الشعر المسرحي العربي، ويبدو لي أنه امتداد لدعوته إلى اللحاق بحضارة أوربا جملة واحدة، بمعنى أنه إذا كانت أوربا قد تخلت تقريبًا عن الشعر المسرحي، فما هي كنية الشعر العربي؛ حتى يخرج على هذه السنة متصورًا أن من حقه العيش بعيدًا عن المظلة الأوربية، كلا وألف كلا وعليه أن يدخل الحظيرة الغربية لا يفكر في الخروج من بابها أبدًا، ذلك أن الشعر العربي هو شعر سلس مطواع، أما الكلام عن صعوبة التأليف الشعري، فمنذ متى والدكتور طه يتغيى التسهيل لمجرد التسهيل؟ ولقد وسع الشعر العربي القصص والحوار والوصف وتحليل الشخصيات في قصائده ومقطوعاته على مدار تاريخه الطويل، حتى في العصر الجاهلي نفسه، فكيف خطر للدكتور طه هذا الخاطر الذي لا يبرره تاريخ ذلك الشعر؟
صحيح أنه من الممكن القول: بأن مستوى المسرحيات عندنا في ذلك الوقت على الأقل كان أدنى من مستواه عند الغربيين، لكن هذا لا يختص بالمسرح الشعري وحده، بل يشمل المسرح كله شعريه ونثريه بوجه عام، إذ نحن إنما نقلنا عن الغرب هذا اللون من التأليف، ومن يدري فربما لم تكن الذائقة العربية تشغف شغفًا كبيرًا بهذا الضرب من الإبداع الأدبي والفني.
ولنلاحظ أنه لا يروج عندنا الآن رغم معرفتنا للمسرح وممارستنا له منذ أكثر من قرن ونصف إلا المسرحيات السطحية التي تضج بالضحك والنكات، وما
стр. 210
إلى ذلك، أما المسرحيات الراقية ففي الغالب لا تجد جمهورًا كثيرًا يتعطش لحضورها فضلًا عن قراءتها، وليس هذا رأيًا شخصيًّا ولا انطباعًا غامضًا، فها هو ذا واحد من نقاد المسرح النشطين يقول ذات الشيء، ففي كتاب فؤاد دواره (النقد المسرحي) نجده يقول في ضيق صدر شديد: يخيل إليَّ أحيانًا أننا بدأنا نصنع مفهومًا جديد للمسرح في بلادنا، وأخذنا نتحول به من فن رفيع يخاطب العقل والعاطفة، ويُغني الذوق والإحساس إلى نوع من النشاط الرياضي والعضلي، يشترك فيه الممثلون والجمهور على السواء، فالغالبية العظمى مما تقدمه فرقنا المسرحية من النوع الهازل الذي تغلب فيه الحركة الصارخة المفتعلة، والحوار المملوء بالنكات المصطنعة، والشتائم المنتقاة والتوريات الجنسية المكشوفة، كل ذلك بهدف واحد هو إشراك الجمهور في المباراة فترتفع قهقهاته، ويخبط الأرجل بالأيدي، والأرض بالأرجل، وتزداد سرعته في قزقزة اللب.
إن هذا اللون من المسرحيات الهازلة موجود في كل بلاد العالم، ولكن ليس بهذه النسبة الكبيرة الموجودة لدينا، وليس على هذا المستوى الهابط من السخف والتفاهة.
ومثل المسرح في غربته عن بيئتنا بل أشد منه فن الأوبرا الذي لا يقبل عليه إلا القليلون، كما نعرف جميعًا، وأغلب الظن أن كثيرًا من أولئك القليلين يفعلون ذلك عن تقليد للأوربيين، لا اقتناعًا ذوقيًّا منهم، إن صح نسبة الاقتناع إلى الذوق، وإلا فهو تعبير مجازي، وكما أنكر طه حسين المسرحية الشعرية بوصفها شكلًا فنيًّا مضى أوانه، ولم يعد أحد يلجأ إليه إلا في الندرة نرى فؤاد دواره أيضًا يقول: إنه من المعروف أن أول المسرحيات التي عرفها العالم هي التراجيديات والكوميديات الإغريقية، وكانت كلها شعرًا، وظلت المسرحية الشعرية هي الشكل المألوف المنتشر في آداب العالم، حتى أوائل القرن التاسع عشر، حينما بدأ النثر يزاحم الشعر حتى أزاحه عن خشبة المسرح أو كاد، وأصبحت المسرحية الشعرية اليوم
стр. 211
عملًا أدبيًّا نادرًا قد تمر عدة أيام لا يظفر العالم خلالها بمسرحية شعرية لها قيمة، في حين يظفر كل عام بعشرات المسرحيات النثرية الممتازة.
ولنلاحظ هنا كذلك كيف أن دوارة مثل طه حسين يتخذ من المسرح الأوربي منوالًا ينبغي في نظره النسج عليه، مستشهدًا بوضع المسرح في أوربا، ومن طريف الأمر مع ذلك أن الدكتور طه حسبما لاحظ الدكتور محمد مندور قد أشاد بشعر تلك المسرحية، ناسيًا ما قاله عن نفوره من المسرحيات الشعرية، ثم أثنى بوجه خاص على شعرها؛ لأنه على حد تعبيره شعر جزل رصين لم نسمع مثله منذ وقت بعيد، ويعقب مندور بأن طه حسين لم يهتم أدنى اهتمام بمناقشة فن أباظة المسرحي، بل ركز اهتمامه على الشعر في ذاته، بل إنه قد أعلن إعلانًا أنه لن يتعرض للجانب المسرحي في ذلك العمل، إذ قال: وليس لي بالطبع أن أنقد القصة من هذه الناحية، فقد لا يكون من حقي أن أدخل فيما لا أحسن من صناعة التمثيل.
ويمضي مندور فيستغرب هذا الموقف من طه حسين قائلًا: إنه استهل حياته الجامعية بتدريس الأدب التمثيلي عند اليونان، وتأليف كتاب قيم فيه، ويضاف إلى ذلك أن الدكتور طه قد ترجم عددًا من المسرحيات الإغريقية، ونشرها قبل ذلك بزمن طويل سنة ألف وتسعمائة وتسعة عشرة على وجه التحديد، في كتاب يحمل عنوان (صحف مختارة من الشعر التمثيلي عند اليونان)، ومعنى ذلك أن طه حسين لم يكن عاجزًا عن تقويم مسرحية أباظة من حيث كونها عملًا مسرحيًّا لا مجرد شعرٍ جزيلًا كان أو غير جزيل لو أراد، فقد اهتم كما رأينا بترجمة طائفة غير قليلة من المسرح الإغريقي ودراستها، كما كان أول من قدم توفيق الحكيم إلى جمهور القراء، وأبدى إعجابه برائعة (أهل الكهف)، وكتب
стр. 212
عنها مقالًا طويلًا في ثلاثينيات القرن المنصرم إلى جانب ما ترجمه كذلك من مسرحيات فرنسية أصدرها في كتاب بعنوان (قصص تمثيلية من الفرنسية)، عام ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين.
ومثل طه حسين في ثنائه على رقي لغة أباظة في مسرحياته الشعرية، نرى كاتب مقال المسرحية العربية في "الموسوعة العربية العالمية" يقول عن عزيز أباظة ودوره في الإبداع الشعري: إنه لما كان العرب قد أخذوا المسرح عن أوربا، فقد كتبوا المسرحية شعرًا كما كانت هنالك منذ تراجيديا اليونانية، حتى ظهور الدراما الواقعية في القرن التاسع عشر، ويعتبر النقاد الشاعر أحمد شوقي الرائد الذي أخرج المسرحية الشعرية من ركاكة أشعار الرواد الأوائل إلى مسرحية الشعر الرصين بما امتلكه من موهبة مهولة، وتأثر به وتبعه في ذلك الشاعر عزيز أباظة، ثم علي أحمد باكثير، ويقر هؤلاء النقاد بأن هذه المسرحيات قد وضعت اللبنة الأولى لاستخدام الشعر الرصين لغةً للمسرحية العربية، وبقيت منارًا اهتدى به جملة من الشعراء في التأليف المسرحي الشعري.
وأبرز هؤلاء الشعراء كان عزيز أباظة، ثم علي أحمد باكثير الشاعر الحضرمي الأصل المصري الجنسية.
ويقول مندور في معرض حديثه عن لغة الأداء المسرحي لدى عزيز أباظة منتقدًا ما سماه بالمعاظلة اللغوية التي تنتشر في مسرحياته المختلفة ما قدم منها وما حدث، يقول: لما كان كل مؤلف مسرحي يخاطب جمهورًا، فمن البديهي أن يخاطبه بلغة يفهمها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وأن يطوع تلك اللغة بحيث تؤدي كل ما يستطيع أن يتسقطه من لسان الحال في دقة ووضوح، وتعبير مباشر، وإلا ظلت المعاني والأحاسيس مطمورة في نفوس شخصياته، أو عجزت عن أن تصل إلى
стр. 213
نفوس سامعيه أو قارئيه، وإذن فنحن لا نرى ضَيْرًا في أن يستخدم الأستاذ عزيز أباظة وأحمد شوقي أو غيرهما الشعر وسيلةً للأداء، كما استخدمه من قبل عمالقة أحسنوا استخدامه على نحو رائع، منذ أسكيروس اليوناني؛ حتى شكسبير الإنجليزي أو راسين الفرنسي.
ولكننا لا نرى داعيًا ولا مبررًا للمعاظلة وتعمد الغوص وراء الألفاظ الحوشية المهجورة لمجرد التظاهر بالبذخ اللغوي على نحو ما يتظاهر بعض الأثرياء بالبذخ في ملبسهم، دون أن ينم هذا البذخ عن أناقة خاصة أو ذوق متميز أو رفاهية أكيدة.
ثم يعطي مندور بعض الشواهد على ما يقول مثل: كلمة مصير بمعنى محبوس، ومكبول بمعنى مجنون، وجارة بمعنى زوجة والقناع بمعنى الأقوياء، والقِطر بمعنى النحاس المذاب، وهكذا. وهو يزيد الأمر توضيحًا بالتنبيه إلى أن الجمهور الذي يشاهد المسرحية لا يمكنه أن يرجع إلى ما أضافه الشاعر من حواش تمثيلية إلى النص المكتوب، بل لا بد أن تكون الألفاظ والتراكيب من السهولة بحيث يفهمها المشاهد دون عناء، وإلا عجز عن متابعة التمثيل الذي يجري أمامه، فلم يتمكن من استيعاب الهدف الذي يرمي إليه الشعر.
كذلك يعيب هذا النهج اللغوي في مسرحية (شجرة الدر) بأنه تكلف واضح يزيد المسرحية بعدًا عن مشاكلة الواقع، فضلًا عن وقوفه حائلًا بين الجمهور، وبين متابعة أحداث المسرحية والانفعال بها كما ينبغي، وهذا الكلام قاله الدكتور محمد مندور في كتيبه الذي يحمل عنوان (المسرح).
ويزيد فؤاد دوارة على ما قاله مندور: أنه لا يمكن إجبار رواد المسرح على حمل (معجم لسان العرب) معهم أو وضع شاشة سينمائية إلى جانب المسرح تعرض
стр. 214
شرح معاني الكلمات الصعبة، وفي نفس الخط يسير الدكتور خليل الموسى مدينًا لدى عزيز أباظة ما يسميه الإسرار على استعمال الأساليب القديمة في الشعر، ونقلها إلى عالم المسرح، فهم يستعيرون صورهم وأخيلتهم من القدماء، دون الالتفات إلى أن عالم المسرح هو عالم الفرجة لا عالم البيان والبلاغة، وهم يصدرون عن الماضي لا الحاضر، ومحاولة التكييف والتلاؤم والتوفيق بين فن الشعر الغنائي وفن المسرح، وهذا ما جنى على المسرحية الشعرية، وهو يفرق بين الشعر الغنائي والشعر المسرحي على أساس من اللغة، التي يستعملها كل من الإبداعين ذاكرًا عزيز أباظة بالاسم.
فيقول: إن الشاعر الغنائي شاعر لغة قبل كل شيء والشاعر المسرحي شاعر مسرح، وهذا يعني وجود اختلافات بين لغة الشعر الغنائي، وبين اللغة الشعرية في المسرحية أو بين اللغة الشعرية في كتاب، وبين اللغة الشعرية على الخشبة، فالشاعر الغنائي يفتق مضامين اللغة، ويعيد صنعها لتقول ما لم تكن تقوله، ولكن الشعر في المسرحية نقيض ذلك، فاللعب باللغة خطر على المسرحية، ومقتل المسرحية الشعرية التقليدية في لغتها المنمقة المزخرفة، كما في مسرحيات عزيز أباظة؛ ولذلك أدرك بعض شعراء المسرحية المعاصرة أن عليهم أن يبحثوا عن لغة المختلفات عن لغة القصيدة الغنائية، فالمتفرج في المسرح غير القارئ في كتاب، وإذا كانت اللغة في القصيدة الغنائية غاية في حد ذاتها، فإنها في المسرحية الشعرية وسيلة لغاية أخرى، ولا يعني هذا أنها نثرية، ففيها من الرشاقة والإيحاء ما في لغة الشعر الغنائي نفسه، ولكن ذلك يعني أنها لغة تتناسب والشخصيات التي تتكلم، وأنها لغة مسرح للفرجة قبل أي شيء آخر. قال الدكتور خليل موسى هذا الكلام في كتابه (المسرحية في الأدب العربي الحديث، تاريخ، تنظير، تحرير).
стр. 215
وبغض النظر عن موافقتنا إياه على رأيه في لغة أباظة المسرحية أو لا، فإنه لا يمكننا السكوت عن زعمه أن اللغة في الشعر الغنائي غاية في حد ذاتها، على حين أنها في الشعر المسرحي وسيلة لغاية أخرى، ذلك أن اللغة في الشعر الغنائي هي أيضًا وسيلة إلى غاية، وقد تكون هذه الغاية هي تعبير الشاعر عما يدور في نفسه، أو قد تكون تصويرًا للعالم الخارجي أو قد تكون استنفارًا وتحميسًا للجمهور إلى آخره، والأدب كله لا الشعر فقط هو سيلة إلى غاية، بل إن جمال اللغة نفسه وسيلة من الوسائل التي يستعين بها الأديب على بلوغ غايته تلك، ونحن وإن كنا نعرف أن جمهور مثل تلك المسرحيات هو عادة جمهور الراقي الثقافة، لا يجد في الغالب صعوبة في فهم مثل تلك الألفاظ ولو بمساعدة السياق، لا نختلف رغم هذا مع مندور كثيرًا، إذ إن أبواب المسرح مفتوحة أمام الجميع، وينبغي أن تظل دائمًا مفتوحة أمام الجميع مهما تكن مستوياتهم الثقافية واللغوية، ومن ثم كان لا بد إذن من وضع الجمهور المتواضع الثقافة، وبخاصة اللغوية منها في الحسبان، بيد أن الأمر في حالة أباظة ليست فيما أقدر بالصعب الذي يصوره مندور.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر كما يقال، فإني أرى أنه ينبغي الاستشهاد بما قاله فؤاد دوارة عن مسرحية (عنترة) لشوقي، وهي تسير في نفس الخط الأسلوبي، إذ قال عن تقديم تلك المسرحية في الإذاعة في أغسطس سنة ألف وتسعمائة وستين ما يلي: وشاركني في الاستماع إلى البرنامج بعض الأصدقاء من ذوي الثقافة المحدودة، وقد أخذوا جميعًا بجمال البرنامج وحسن تنفيذه، ولم ألحظ أن واحدًا منهم شكا من صعوبة اللغة العربية الفصحى أو عجز عن فهمها، بل أبدى
следующие страницы →