Полный текст (585 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
عملًا أدبيًّا نادرًا قد تمر عدة أيام لا يظفر العالم خلالها بمسرحية شعرية لها قيمة، في حين يظفر كل عام بعشرات المسرحيات النثرية الممتازة.
ولنلاحظ هنا كذلك كيف أن دوارة مثل طه حسين يتخذ من المسرح الأوربي منوالًا ينبغي في نظره النسج عليه، مستشهدًا بوضع المسرح في أوربا، ومن طريف الأمر مع ذلك أن الدكتور طه حسبما لاحظ الدكتور محمد مندور قد أشاد بشعر تلك المسرحية، ناسيًا ما قاله عن نفوره من المسرحيات الشعرية، ثم أثنى بوجه خاص على شعرها؛ لأنه على حد تعبيره شعر جزل رصين لم نسمع مثله منذ وقت بعيد، ويعقب مندور بأن طه حسين لم يهتم أدنى اهتمام بمناقشة فن أباظة المسرحي، بل ركز اهتمامه على الشعر في ذاته، بل إنه قد أعلن إعلانًا أنه لن يتعرض للجانب المسرحي في ذلك العمل، إذ قال: وليس لي بالطبع أن أنقد القصة من هذه الناحية، فقد لا يكون من حقي أن أدخل فيما لا أحسن من صناعة التمثيل.
ويمضي مندور فيستغرب هذا الموقف من طه حسين قائلًا: إنه استهل حياته الجامعية بتدريس الأدب التمثيلي عند اليونان، وتأليف كتاب قيم فيه، ويضاف إلى ذلك أن الدكتور طه قد ترجم عددًا من المسرحيات الإغريقية، ونشرها قبل ذلك بزمن طويل سنة ألف وتسعمائة وتسعة عشرة على وجه التحديد، في كتاب يحمل عنوان (صحف مختارة من الشعر التمثيلي عند اليونان)، ومعنى ذلك أن طه حسين لم يكن عاجزًا عن تقويم مسرحية أباظة من حيث كونها عملًا مسرحيًّا لا مجرد شعرٍ جزيلًا كان أو غير جزيل لو أراد، فقد اهتم كما رأينا بترجمة طائفة غير قليلة من المسرح الإغريقي ودراستها، كما كان أول من قدم توفيق الحكيم إلى جمهور القراء، وأبدى إعجابه برائعة (أهل الكهف)، وكتب
стр. 212
عنها مقالًا طويلًا في ثلاثينيات القرن المنصرم إلى جانب ما ترجمه كذلك من مسرحيات فرنسية أصدرها في كتاب بعنوان (قصص تمثيلية من الفرنسية)، عام ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين.
ومثل طه حسين في ثنائه على رقي لغة أباظة في مسرحياته الشعرية، نرى كاتب مقال المسرحية العربية في "الموسوعة العربية العالمية" يقول عن عزيز أباظة ودوره في الإبداع الشعري: إنه لما كان العرب قد أخذوا المسرح عن أوربا، فقد كتبوا المسرحية شعرًا كما كانت هنالك منذ تراجيديا اليونانية، حتى ظهور الدراما الواقعية في القرن التاسع عشر، ويعتبر النقاد الشاعر أحمد شوقي الرائد الذي أخرج المسرحية الشعرية من ركاكة أشعار الرواد الأوائل إلى مسرحية الشعر الرصين بما امتلكه من موهبة مهولة، وتأثر به وتبعه في ذلك الشاعر عزيز أباظة، ثم علي أحمد باكثير، ويقر هؤلاء النقاد بأن هذه المسرحيات قد وضعت اللبنة الأولى لاستخدام الشعر الرصين لغةً للمسرحية العربية، وبقيت منارًا اهتدى به جملة من الشعراء في التأليف المسرحي الشعري.
وأبرز هؤلاء الشعراء كان عزيز أباظة، ثم علي أحمد باكثير الشاعر الحضرمي الأصل المصري الجنسية.
ويقول مندور في معرض حديثه عن لغة الأداء المسرحي لدى عزيز أباظة منتقدًا ما سماه بالمعاظلة اللغوية التي تنتشر في مسرحياته المختلفة ما قدم منها وما حدث، يقول: لما كان كل مؤلف مسرحي يخاطب جمهورًا، فمن البديهي أن يخاطبه بلغة يفهمها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وأن يطوع تلك اللغة بحيث تؤدي كل ما يستطيع أن يتسقطه من لسان الحال في دقة ووضوح، وتعبير مباشر، وإلا ظلت المعاني والأحاسيس مطمورة في نفوس شخصياته، أو عجزت عن أن تصل إلى
стр. 213
نفوس سامعيه أو قارئيه، وإذن فنحن لا نرى ضَيْرًا في أن يستخدم الأستاذ عزيز أباظة وأحمد شوقي أو غيرهما الشعر وسيلةً للأداء، كما استخدمه من قبل عمالقة أحسنوا استخدامه على نحو رائع، منذ أسكيروس اليوناني؛ حتى شكسبير الإنجليزي أو راسين الفرنسي.
ولكننا لا نرى داعيًا ولا مبررًا للمعاظلة وتعمد الغوص وراء الألفاظ الحوشية المهجورة لمجرد التظاهر بالبذخ اللغوي على نحو ما يتظاهر بعض الأثرياء بالبذخ في ملبسهم، دون أن ينم هذا البذخ عن أناقة خاصة أو ذوق متميز أو رفاهية أكيدة.
ثم يعطي مندور بعض الشواهد على ما يقول مثل: كلمة مصير بمعنى محبوس، ومكبول بمعنى مجنون، وجارة بمعنى زوجة والقناع بمعنى الأقوياء، والقِطر بمعنى النحاس المذاب، وهكذا. وهو يزيد الأمر توضيحًا بالتنبيه إلى أن الجمهور الذي يشاهد المسرحية لا يمكنه أن يرجع إلى ما أضافه الشاعر من حواش تمثيلية إلى النص المكتوب، بل لا بد أن تكون الألفاظ والتراكيب من السهولة بحيث يفهمها المشاهد دون عناء، وإلا عجز عن متابعة التمثيل الذي يجري أمامه، فلم يتمكن من استيعاب الهدف الذي يرمي إليه الشعر.
كذلك يعيب هذا النهج اللغوي في مسرحية (شجرة الدر) بأنه تكلف واضح يزيد المسرحية بعدًا عن مشاكلة الواقع، فضلًا عن وقوفه حائلًا بين الجمهور، وبين متابعة أحداث المسرحية والانفعال بها كما ينبغي، وهذا الكلام قاله الدكتور محمد مندور في كتيبه الذي يحمل عنوان (المسرح).
ويزيد فؤاد دوارة على ما قاله مندور: أنه لا يمكن إجبار رواد المسرح على حمل (معجم لسان العرب) معهم أو وضع شاشة سينمائية إلى جانب المسرح تعرض
стр. 214
شرح معاني الكلمات الصعبة، وفي نفس الخط يسير الدكتور خليل الموسى مدينًا لدى عزيز أباظة ما يسميه الإسرار على استعمال الأساليب القديمة في الشعر، ونقلها إلى عالم المسرح، فهم يستعيرون صورهم وأخيلتهم من القدماء، دون الالتفات إلى أن عالم المسرح هو عالم الفرجة لا عالم البيان والبلاغة، وهم يصدرون عن الماضي لا الحاضر، ومحاولة التكييف والتلاؤم والتوفيق بين فن الشعر الغنائي وفن المسرح، وهذا ما جنى على المسرحية الشعرية، وهو يفرق بين الشعر الغنائي والشعر المسرحي على أساس من اللغة، التي يستعملها كل من الإبداعين ذاكرًا عزيز أباظة بالاسم.
فيقول: إن الشاعر الغنائي شاعر لغة قبل كل شيء والشاعر المسرحي شاعر مسرح، وهذا يعني وجود اختلافات بين لغة الشعر الغنائي، وبين اللغة الشعرية في المسرحية أو بين اللغة الشعرية في كتاب، وبين اللغة الشعرية على الخشبة، فالشاعر الغنائي يفتق مضامين اللغة، ويعيد صنعها لتقول ما لم تكن تقوله، ولكن الشعر في المسرحية نقيض ذلك، فاللعب باللغة خطر على المسرحية، ومقتل المسرحية الشعرية التقليدية في لغتها المنمقة المزخرفة، كما في مسرحيات عزيز أباظة؛ ولذلك أدرك بعض شعراء المسرحية المعاصرة أن عليهم أن يبحثوا عن لغة المختلفات عن لغة القصيدة الغنائية، فالمتفرج في المسرح غير القارئ في كتاب، وإذا كانت اللغة في القصيدة الغنائية غاية في حد ذاتها، فإنها في المسرحية الشعرية وسيلة لغاية أخرى، ولا يعني هذا أنها نثرية، ففيها من الرشاقة والإيحاء ما في لغة الشعر الغنائي نفسه، ولكن ذلك يعني أنها لغة تتناسب والشخصيات التي تتكلم، وأنها لغة مسرح للفرجة قبل أي شيء آخر. قال الدكتور خليل موسى هذا الكلام في كتابه (المسرحية في الأدب العربي الحديث، تاريخ، تنظير، تحرير).
стр. 215
وبغض النظر عن موافقتنا إياه على رأيه في لغة أباظة المسرحية أو لا، فإنه لا يمكننا السكوت عن زعمه أن اللغة في الشعر الغنائي غاية في حد ذاتها، على حين أنها في الشعر المسرحي وسيلة لغاية أخرى، ذلك أن اللغة في الشعر الغنائي هي أيضًا وسيلة إلى غاية، وقد تكون هذه الغاية هي تعبير الشاعر عما يدور في نفسه، أو قد تكون تصويرًا للعالم الخارجي أو قد تكون استنفارًا وتحميسًا للجمهور إلى آخره، والأدب كله لا الشعر فقط هو سيلة إلى غاية، بل إن جمال اللغة نفسه وسيلة من الوسائل التي يستعين بها الأديب على بلوغ غايته تلك، ونحن وإن كنا نعرف أن جمهور مثل تلك المسرحيات هو عادة جمهور الراقي الثقافة، لا يجد في الغالب صعوبة في فهم مثل تلك الألفاظ ولو بمساعدة السياق، لا نختلف رغم هذا مع مندور كثيرًا، إذ إن أبواب المسرح مفتوحة أمام الجميع، وينبغي أن تظل دائمًا مفتوحة أمام الجميع مهما تكن مستوياتهم الثقافية واللغوية، ومن ثم كان لا بد إذن من وضع الجمهور المتواضع الثقافة، وبخاصة اللغوية منها في الحسبان، بيد أن الأمر في حالة أباظة ليست فيما أقدر بالصعب الذي يصوره مندور.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر كما يقال، فإني أرى أنه ينبغي الاستشهاد بما قاله فؤاد دوارة عن مسرحية (عنترة) لشوقي، وهي تسير في نفس الخط الأسلوبي، إذ قال عن تقديم تلك المسرحية في الإذاعة في أغسطس سنة ألف وتسعمائة وستين ما يلي: وشاركني في الاستماع إلى البرنامج بعض الأصدقاء من ذوي الثقافة المحدودة، وقد أخذوا جميعًا بجمال البرنامج وحسن تنفيذه، ولم ألحظ أن واحدًا منهم شكا من صعوبة اللغة العربية الفصحى أو عجز عن فهمها، بل أبدى
стр. 216
أحدهم دهشته بعد نهاية البرنامج من أن أحمد شوقي على مثل هذه السهولة والبساطة.
ولا يقع ما قاله كمال محمد إسماعيل بعيدًا عما قلناه هنا، إذ الوقت الذي يؤكد فيه أنه من أنصار تسهيل لغة المسرح؛ لأنه كما يقول يريد لهذه الأعمال التي تقبلها الجيل الماضي أن تؤتي أكلها لأجيال قادمة، نراه يؤكد أيضًا أن بعض الألفاظ المهجورة يمكن أن يفهمها الخاصة والمتأدبون من السياق، وبخاصة أن اللغة إذا سهلت تمام السهولة حَرِية أن تفقد ما ينبغي أن تتحلى به من جلال، وتصبح مبتذلة، ثم يضيف قائلًا: إن الشاعر يعمد إلى تضمين عمله مثل هذه الكلمات التي تبدو صعبة؛ حتى تكون إلى جانب متعة المشاهدة متعة التربية اللغوية، فضلًا عن أن أباظة في المسرحيتين المعاصرتين قد سهل لغته، ولكن دون ابتذال. وعلى سبيل ذكر الشيء بالشيء يضيف الكاتب أن بلاوتوس الكاتب المسرحي الروماني الهازل، قد انتقد من قبل لما في لغته من كلمات غير شائعة.
وهذا الكلام موجود في كتاب كمال محمد إسماعيل (الشعر المسرحي في الأدب المصري المعاصر).
هذا، ولمحمود تيمور في لغة أباظة رأي يتناقض ورأي مندور تمامًا، إذ يؤكد أن ديباجته في مسرحياته هي ديباجة ترقى إلى عليا طبقات البلاغة العربية لفظًا وأسلوبًا، إلى ذوق عربي مصفًّى في انتقاء المأنوس من الكلمة، والتنكب عن المجفول من التراكيب، مع انبثاقه بين الشعراء كما تنبثق عين الماء الجارية بالعذب الفرات، ففاجأ معاصريه بشعره رغم تجاوزه الأربعين.
كذلك يصف أحمد حسن الزيات لغة أباظة في مسرحية (الناصر) قائلًا: أما معظم الرواية فنمط من الشعر الرفيع البديع المحكم، أرسله الشاعر فيضًا من
стр. 217
قريحته على هَدْي من سيقته، فجاء صافي الديباجة واضح المنهج لا نجد فيه تكلفًا ولا قلقًا ولا غموضًا ولا حشوًا ولا ضرورةً، وبالمثل يصف عمر الدسوقي أسلوب أباظة في (العباسة) على سبيل المثال باللغة العذبة، والبيان الصافي، كما يرى محمد بهجت أن لغة أباظة كانت تناسب جمهور تلك الفترة، التي ظهرت فيها مسرحياته.
وقال ما نصه: يمثل الشاعر عزيز أباظة مرحلة مهمة في تاريخ المسرح الشعري العربي، تلت مرحلة البداية والريادة لأحمد شوقي، وأجاد فيها الاهتمام بالحدث الدرامي، والتنوع في الموضوعات المسرحية مع الحفاظ على قوة الشعر ورصانته، وأناقة الألفاظ المستخدمة التي تناسب ذوق الجمهور في تلك المرحلة، ومعنى ذلك طبقًا لبهجت أن مسرحيات عزيز أباظة لم تكن تمثل أية مشكلة بالنسبة إلى الجمهور آنذاك، لكن يمكن لمن يشاء الرد على ذلك بأن جمهور مسرحيات الشاعر ليس مقصورًا على من شاهدوها، حين تنفيذها لأول مرة، بل هو ممتد مع الزمن إلى ما لا نهاية على الأقل نظريًّا.
أما مسرحية (أوراق الخريف)، فإن مندرو يأخذ عليها عكس ذلك، إذ انتهج فيها أباظة سبيلًا بَعُدَ به عن رصانة الأسلوب؛ حتى تناسب العصر الحديث الذي جرت فيه أحداث المسرحية.
لكن مندور لم يعجبه ما يسمه بأنه تعابير مبتذلة بعيدة عن روح الشعر، كما في الحوار التالي:
أكرم متلطفًا:
ماذا أعددت لنا اليوم ... من فاخر ألوان الطعام؟
стр. 218
وداد في مرح:
عندي الصنف الذي ... تهواه رز بحمام
ودجاجات سمن ... نظفت أمس أمامي
أكرم:
طيب فخم الغذاء اليوم ... من غير كلام
هذا ما قاله مندور، ولكني لا أستطيع أن أوافقه على هذا الرأي الذي تبدو عليه علائم التعسف، وكأن صاحبه موكل بالزراية على الشاعر بكل سبيل، فالموقف موقف مرح ومداعبة، واللغة تلائم هذا الموقف ملاءمة تستحق الثناء لا الانتقاد والتقريع.
ومن الظلم انتقاد الشاعر على هذا الحور المِطواع الموافق لجو الظروف التي قيل فيها.
ومما يأخذه مندور أيضًا على مسرح أباظة ابتعاده عن مشاكلة الحياة والبيئة في بعض المواقف الهامة، كما هو الوضع مثلًا في مسرحيته مثلًا (قيس ولبنى)، حيث نرى أهل لبنى ينسحبون جميعًا تاركين الحبيبين في خلوة مطلقة، مع أنهما لم يكونا قد تزوجا بعد، فمثل تلك الخلوة لا تسمح بها التقاليد العربية، كما يقول مندور عن حق،
стр. 219
بل إن الحبيبين يتناشدان القصائد الغزلية في هذه الخلوة، ومثل ذلك تَدَخُّل الحسين بن علي ﵁ لدى كُثَير زوج لبنى؛ كي يطلقها فيستطيع قيس الزواج بها. فمثل هذا التدخل لا يمكن أن يقع، وهو مما لا يشرف الحسين أن يقوم به، ثم كيف نصدق أن يقوم كثير بتطليق هذه السهولة والسرعة، وبخاصة إذا علمنا أنه كان يحبها حبًّا جمًّا، وأنها من جهتها لم تكن تنقم منه شيئًا وكانت ترعى له الود والوفاء؟
هذا الكلام موجود في كتاب مندور بعنوان (مسرحيات عزيز أباظة).
ومثل ذلك بل أشد منه ما ذكره الدكتور محمد مندور عن مسرحية (الناصر)، إذ تصور حياة ملوك المسلمين؛ حتى كبارهم كالناصر والحكم في أقبح صورة، فهم قوم شهوانيون أقرب إلى الحيوانات منهم إلى البشر المهذبين صغار العقول، طاغية شهواتهم، عبيد الملذات، وفي أخطر المواقف نرى أمراءهم لا يحسون بهذه الخطورة التي لا تصرفهم عن العبث ومغازلة الجواري، بل ومحاولة إغراء جاريات أبيهم، وانتزاعهن من بين أحضانه؛ حتى لكأن قصورهم قد استحالت إلى مواخير، وعلى العكس من ذلك نرى أعداءهم الموتورين حتى الجواري منهم، شخصيات إيجابية فعالة مسيطرة على نفسها، قوية الإرادة، واسعة الحيلة، عميقة الدهاء، على نحو ما نشاهد في شخصية "مُنى" بنوع خاص، تلك الشخصية التي صورها المؤلف جبارة، وَفَيَّة لوطنها وذويها، مسيطرة على الأحداث ومسيرة لها، حتى لا تحس بأن شخصيتها أقوى من شخصية الأمراء، بل ومن شخصية الخليفة نفسه، هذا ما قاله مندور.
ومكمن الابتعاد عن مشاكلة الواقع هنا هو أن خلفاء الأندلس كانوا بوجه عام خلفاء أقوياء مثقفين متحضرين أعظم التحضر والرقي، على العكس من الملوك
стр. 220
الأوربيين من حولهم، وكانت البلاد في عهدهم مهيبة الجانب، يفد إليها رسل الملوك المجاورين في رهبة وخشية، يؤدون واجب الإجلال والتعظيم، ولم يكونوا بتلك الصورة المزرية التي يحدثنا عنها محمد مندور.
وقد انتقد بعض النقاد ضعف الحبكة لدى أباظة، فها هو ذا دكتور عبد المحسن عاطف سلام يؤكد أنه لا يعطي الحبكة الأهمية الكبرى، كما فعل الكلاسيكيون، ولكنه ترك لخياله ولأشخاصه العنان ونوع في صور حياتهم، وفي ظلال الأحداث وانساب مع الأحداث مرة، ومع الشخصيات مرة أخرى دون اعتبار لمقتضيات الحبكة المسرحية، ومن ثم جاءت في كثير الأحيان مفككة أو منقطعة بحيث يقع الفعل المسرحي وقوفًا تامًّا، أو يتحول عن مجراه؛ لكي يعود مرة أخرى بعد رحلة طويلة إلى التقدم، وقد يجرف تيار الأحداث عزيزًا؛ حتى إنه ليدخل في أثناء الحبكة فصلًا كاملًا، كما فعل في مسرحية (غروب الأندلس) أو يقسم المسرحية قسمين، كما فعل في مسرحية (شجرة الدر)، أو يدخل منظرًا شعريًّا لا علاقة بينه وبين أحداث الرواية، كما فعل في مسرحية (قيس ولبنى).
والملاحظ أن أباظة مثل أستاذه شوقي لم يلتزم بأن تكون المساحة الزمنية لمسرحيته أربعًا وعشرين ساعة، ولا أن تكون المساحة المكانية التي يتحرك فيها الأشخاص، وتقع فيها الحوادث محصورة في منطقة يمكن أن يتحرك الإنسان خلالها أثناء ذلك الزمن، بل ترك أحداثه تنتقل من قطر إلى قطر، ومن مدينة إلى أخرى، مثلما
стр. 221
فصل زمن طويل في بعض الأحيان بين الفصل وتاليه، ومثل شوقي أيضًا نراه يضمن مسرحياته شعرًا غنائيًّا كالنص الذي نسمع فيه قيسًا يناجي لبنى دون أن تكون لبنى معه، بل يناجيها في الخيال، إن صح هذا التعبير، وذلك في الأبيات الجميلة، التي تبدأ بقوله:
أهذه ربى نجدٍ؟ نعم إنها نجد ... فدل عليها البال والشيح والرند
ودل عليها من بعيد شمائل ... مؤرجة تسري وعاطرة تغدو
والتي يصفها الدكتور مندور بأنها قصيدة غنية أكثر منها جزء من حوار، وقيس يلقيها وهو واقف وحده على المسرح، دون أن ندري إلى من يوجه الحديث، وهل هو يلقي بروجًا داخليًّا يفصح فيها عن مكنون نفسه، أم أنه يلقي خطبة على الجمهور؟ فتركيب القصيدة، وما تتضمنه من خواطر لا ينم عن النجوى، كما أنها تتضمن في نهايتها أخبارًا تنبئ بالحل الذي ستصير إليه عقدة المسرحية، وهو فصل زواج قيس من الفزارية، وزواج لبنى من كُثير بن الصلت، وإذا كان لي من تعقيب فهو أن مثل تلك القصيدة لا يمكن أن تكون خطبة، بل لا يمكن أن يخطر في بال أحد أنها خطبة، إذ هي شعر وشعر عاطفي آسيان هامس ورائع، والخطب إنما تكون مجلجلة يتلاعب فيها الخطيب بعواطر سامعيه على حين أن الشاعر هنا، إنما يناجي نفسه بنبرة خفيضة حزينة.
وعن المظهر الذي استقى منه عزيز أباظة مسرحيتي (قيصر) و (زهرة)، يقول محمد بهجت: وفي عام ألف وتسعمائة وثلاثة وستين يقدم عزيز أباظة مسرحية (قيصر) معتمدًا على رواية بلوتارك لتاريخ يوليوس قيصر، ويهتم فيها بالصراع الداخلي بين إيمانه بالجمهورية وولائه للقائد والمعلم،
стр. 222
والمسرحية العاشرة والأخيرة في أعمال عزيز أباظة هي (الزهرة)، التي كتبها في عام ألف وتسعمائة وثمانية وستين مستلهمًا قصتها من شخصية فيدرا الإغريقية، ولكن بأسلوب معاصر، ويلقي كمال محمد إسماعيل مزيدًا من الضوء على مسرحية قيصر، والمصدر الذي استقيت منه قائلًا: لفق عزيز أباظة على حد تعبيره مسرحية كتبها وليم شكسبير من التاريخ الروماني، وهي مسرحية قيصر، وأصدرها شاعرنا سنة ألف وتسعمائة وستين، ولقد استبعد صفة الترجمة عما فعله بشأنها، وكذلك الاقتباس إذ أجرى قريحته في الأصل، كما أخذ لها من ناقد عن شكسبير هو جبريل بوسيه.
وهناك أيضًا مسرحية (قافلة النور) التي يذكر شوقي بدر يوسف في مقاله قراءة ببلوجرافية، في الأعداد الخاصة بمجلة "الهلال" المنشور بالعدد السادس والعشرين من مجلة "أمواج" الإسكندرانية، أن أباظة قد استلهمها من مسرحية بليوكت للشاعر المسرحي الفرنسي كورني، إذ جاء في المقال المذكور يعرض الهلال في هذا العدد لآراء ثلاثة من رجال الأدب والقصة عن قصة أجنبية أعجبتني، وقد أجاب على هذا السؤال كل من الأساتذة: عزيز أباظة وفريد أبو حديد والدكتور رشاد رشدي، قال الشاعر عزيز أباظة: إن أحب مسرحية أجنبية إليه هي مسرحية (بليوكت لكورني)، وهي التي استمد منها مسرحيته (قافلة النور)، ويذكر عزيز أباظة في الكلمة التي كتبها على هامش المسرحية أن فتوح نشاطي كان قد أعطاه مسرحية الشاعر الفرنسي (كورني بليوكت)؛ ليستعين بها في تأليف مسرحية على منوالها، إلا أنها لم تعجبه، وإن كانت رغم هذا قد أشعلت في نفسه رغبته القديمة في كتابة شيء من ذلك اللون.
стр. 223
وإلى جانب هذا يذكر فؤاد دوارة أن عزيز أباظة قد حاول في مسرحيته (قافلة نور)، أن ينهج نهج غرار بعض التراجيديات القديمة، فأضاف إلى فصول المسرحيات الأربعة فاتحة وخاتمة، أما الفاتحة وفكرتها لفتوح نشاطي وهو مخرج المسرحية، فمنفصلة تمامًا عن أحداث المسرحية، نرى خلالها إبليس يتحدى الله في مونولوج طويل يرد عليه هاتف لا نراه يدحض أباطيله، وينذره ببعث خاتم المرسلين بالإسلام، الذي سيعصم البشر من الوقوع تحت سلطان إبليس.
ونفس الشيء يمكن أن يقال عن الخاتمة، وهي عبارة عن مشهدين قصيرين يدوران بعد سبع سنوات من انتهاء أحداث الاحتفال الرابع، ونعرف خلالهما أن منذرًا قُتِلَ بيد غادر مجهول ساعة وصول كتاب الصفح والأمان من كِسرى، وأن سلفرى تمسكت بعد مقتله، وتفرغت لعبادة الله ونشر دينه، ويرى الدكتور محسن عاطف سلام في هذه الخاتمة نفس الرأي، فيقول: إن هذا التذييل الذي لم يفعله عزيز أباظة في أية مسرحية أخرى يتضمن أحداثًا لا ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالقصة التي سبقته، وكأنما أحس الشاعر نفسه بذلك فأفردها في تذييل.
المقارنة بين مسرحية أباظة وما يناظرها في المسرح الأوربي
وانطلاقًا من المقارنة بين مسرحية أباظة وما يناظرها في المسرح الأوربي، نرى كمال محمد إسماعيل لدن كلامه عن الصراع في مسرحية شاعرنا يشير إلى أن عزيز أباظة يقصد إلى التاريخ في الغالب، فيدير الصراع بين عنصرين: أحدهما: نفسي، والآخر: أخلاقي وضعي، وأنه لا يغير حقائق التاريخ إلا في الحدود التي أثبتناها، فهو بهذا لا يغير من نتائج الصراع العاملين النفسي والوضعي في الأزمة
стр. 224
التي يجسدها في القطاع التاريخي، بل يقف محايدًا لا يتدخل، فيمكن بذلك ملاحظة حكمة تاريخية تنطوي عليه أعماله لا يعتسف إليها سبيلًا، بل ربما تتأتى من أنه اقتطع موضوعات معينة تشف عنه في يُسر، فهو لا يفعل بوجه الدقة مثلما فعل راسين، حين يقصر إلى تغليب الحب على الواجب قصدًا، أو كما صنع كورني إذ ينصر الواجب على الحب، أو يحدث التوفيق بينهما حسب خطة مدبرة.
ويعود الكاتب بعد قليل إلى ذات النقطة فيوضحها فضل توضيح، إذ يقول: لقد ارتكز عزيز أباظة إلى إبراز هذه المراكز الدائرة بين العامل النفسي، الذي ينبع من دافع إنساني قوي فَردي متأصل في النفس البشرية، وبين عامل أخلاقي قد يكون وضعيًّا فهو غير مغروس في أعماق النفس البشرية، إذ ينبغ من عرف الجماعة أو القبيلة أو العشيرة، وهو ما يتفق على سماته بأدب المواضعة والاصطلاح.
أي: أن عزيز أباظة اعتمد به نفس الصراع الذي أجازه شوقي، والملاحظ: أن الصراع في نفوس شخصياته عندما يتقرر بين الحب وبين هذا العامل الوضعي مجردًا، فإنه ليكون صراعًا بين عاملين مستوى واحد، فلا يهز ضمير الشخصية ولا يستخرج مكنوناتها بنفس الثراء الذي يحققه كورني في سِنَّا مثلًا، حيث يدور الصراع بين عاملين مستوى واحد تقريبًا بقدر ما يجعل الشاعر المسرحي يعرضه عرضًا، ويؤديه تأدية كطبيعة الصراع مع العامل الوضعي نفسه، علاوة على أنه لا يعمقه.
وفي موضع آخر من الكتاب يفصل كاتبون القول بعض التفصيل في هذه النقطة،: في مسرحية (قافلة النور) يدور صراع في نفس سيلفراس ابنة شهرمان والي الحيرة، بين حبها للمنذر قائد الحيرة وبين واجبها في الحفاظ على دينها، وهو دين فارس دين الزرادشتية الحاضة على ترديد دعاء يمجِّد النار، وهي بالنسبة لها
стр. 225
عقيدة الآباء والأجداد، وكان منذر قد ذهب إلى القبض على المسلمين في بيت جابر بن الربيع، وهو من أهل الحيرة، فاقتنع بالإسلام بعد حوار عقلي عن الحياة الآخرة والبعث والوحي، وجبريل والنبي، دار بينه وبين أشجع وسعد، وهما صحابيان نزلَا الحيرة من يثرب لنشر الدعوة.
وبعد أن ختم هذا الحوار استمع إلى آيات القرآن الكريم تتلى عليه من أشجع، فآمن ثم ذهب يخطب سلفراس التي كانت تتنازعها هوى رستم رسول كسرى وأمينه، فأطلعته على ترددها بشأنه واستمهلته؛ حتى تفكر، وما فتئ أبوها أن علم بأن منذرًا قد أصبح من المسلمين، وأتى يستخبره فلم ينكر منذر إسلامه، وقد انتحت سلفراس بمنذر جانبًا تراجعه في هذا الأمر على حِدة، وتسأله عن الله في شبه الرثاء، وحدث أن أقبل رستم لتقتيل المسلمين، ولثني منذر ورده عن عقيدته، تقول سلفراس:
لهف نفسي عليك منذ أن عاداك ... عقلي فقد تمناك قلبي
إن تكن همت في ضلال من الرأي ... فحسبي إنكار رأيك حسبي
ثم لحسن شاه:
ما لقلبك أنه يتنزى بين ... غوص لأخمصي ووثب
ليس دقاته الملحة كالأمواج ... إلا صيحات لوم وعَتبي
ناعيات علي أني تجنيت ... على حبه وأهدرت حبي
فنرى في البيت الأول التركيبة الكلاسيكية للعقل والقلب بمعنيين متقابلين في الصراع لسلفراس، وهو صراع بين الإذعان العقلي لدينها الخرافي، وبين التسليم القلبي لحبها مع ميل شديد للحب واضح من استنباطها تجنيها على حبها، هذا التجني الذي تنعاه عليها دقات قلب كالأمواج، وهذا الصراع شبيه بصراع بولين
стр. 226
الرومانية الوثنية الذي سببه تنصر زوجها بليوكت، وتصديه لآلهة الوثنية في مليتان في مسرحية (بوليكت) لكورني الفرنسي، والوثنيون يقدمون القرابين لها بأن أهوى بتمثال أكبر الآلهة على قدميه، مما أدى بفلكس حاكم المقاطعة ووالد بولين إلى أن يقبض عليه هو وصاحبه نيارك، وأن يقتص من نيارك بإعدامه، ويحاول أن يحمل صهره على العودة إلى الوثنية، لكن بوليكت كان تائقًا للموت وقد حقق له فلكس توقه.
لقد تم التوفيق بين العقل والقلب في صراع بولين بعد إعدام بوليكت، مفاجأتها والدها بتنصرها هي الأخرى، ولقد سعت سلفراس بطل قافلة النور لعزيز أباظة توفيقًا أسهل بأن سار عقلها وقلبها مشحوذين للإسلام، ولم يتسبب أبوها في عقبة لها يضعها أمام المنذر، وقد رأت التعاون الذي أكسبه الدين الجديد لمعتنقيه عندما زارت المسلمين في مكان تجمعهم، فاعتنقت هذا الدين ولم يفرض عليها أن تنكر إسلامها إثارة رستم لها، وقد ذهب منذر؛ لينقذها من سجنه.
كذلك أراد أباظة حسبما يقول كمال محمد إسماعيل نقلًا عن الشاعر أن يجعل من بطل مسرحيته (زهرة) التي استلهمها من العصر الحاضر شبيهة لبطل راسين في مسرحيته (فيدرا): إن فيدرا هي زوجة تيزيه ملك أثينا، الذي كان قد اختفى، ويئست زوجته وابنه أبوليت من عودته، فطاردت زوجته ابنها بحبها المجنون فتأبى عليها، وقد كان شنغولا يهوى أميرة من الأُسرة المالكة في أثينا تدعى أليسي، وعادت تيزيه من غيبته، فقد كان لا يزال حيًّا وخشيت فيدرا العار أن يفتضح أمر حبها، فأوحت إلى نجيها أونون أن تسبق باتهامه بوليت لدى أبيه باعتدائه على شرف زوجته، وقد حدث واتهمته لدى أبيه بخيانته له، وطرد تيزيه ابنَه بعد أن اتهمه ولم يفلح دفاعه عن نفسه، إذ لم يكن هيبوليت راغبًا في فضح زوجة
стр. 227
أبيه، وقد كان جزاء أونون إنكار مولاتها فيدرا لها، فألقت بنفسها في غياهب البحر، أما هيبوليت فقد بالغ الإله نبتون في استجابة دعوة والده في الانتقام منه، إذ تدخل في القتال بين هيبوليت وبين وحش خرج من البحر، فاهتاج خيول عربته أو اهتاجت خيول عربته فسحبت صاحبها حتى قتلته، وقد انتحرت فيدرا بأن شربت السم، وقبل أن تلفظ أنفاسها اعترفت ببراءة هيبوليت لوالده تيزيه.
أما زهرة فهي زوجة لتاجر موسر في الخامسة والخمسين من عمره، والزوجان لهما ابنة هي صفاء اقترنت بيحيى، وهو شاب في الثلاثين من عمره، وقد أسكنتهما زهرة في البيت الذي تقيم فيه مع زوجها ظافر؛ لتستمر علاقتها الآثمة مع زوج ابنتها هذه العلاقة التي نشأت قبل خطبته لصفاء، تلك الخطبة التي سعت إليها هي بنفسها، وسهلتها ضد إرادة زوجها وعلى غير مشيئة صفاء نفسها، أي: أن هناك فرقًا أساسيًّا بين فيدرا وزهرة، ففيدرا تحب ابن زوجها، أما زهرة فتحب زوج ابنتها، فالاختلاف واضح كما أن زوج فيدرا متغيب في حكم الموتى، أما زوج زهرة فحي يرزق يسمع العلاقة ويشم رائحتها، لكن زهرة تشبيه فيدرا في انتكاس الغريزة، والجرأة على الحياء، ويدير الشاعر الصراع النظري لا الفطري بصورة عكسية بين الأم وابنتها حول محاولة اغتنام الرجل المشترك بينهما، بحيث تكون القوة من طرف الأم والحنان من جانب الابنة؛ ليفجر عاطفتي الشفقة والرعب.
وزهرة ليس لها واجب وضعي محدد، كما أننا لم نرَ لها واجبًا في المسرحية، وكان يمكن أن تكون مراعاتها البشرية القليلة لسمعة زوجها النابعة من سمعتها أو لقيمتها أو للأمومة هي الواجب، فيستوقفها هذا الواجب رويدًا رويدًا إزاء استطراداتها اللإنسانية في ركوب رأسها مع الشهوة المجردة، لقد توقفت فيدرا عند
стр. 228
وثوقها من خبر عودة زوجيها ديزيه، واختلطت الرغبة في الحب المدنس لديه بالشوق للموت، أما زهرة فلقد كانت عصا صلبةً جافةً لا تنكسر، مما يتنافَى مع الطبع، ومع رقاد الثورة والسعار أحيانًا.
وفي موضع رابع من ذات الكتاب يقارن ناقدنا بين شخصية (العباسة)، في مسرحية أباظة المسماة بهذا الاسم، وبين شخصية كليوباترا في مسرحية شكسبير وبرناردشو عن تلك الملكة المصرية، إذ كان هارون الرشيد أخو العباسة قد زوجها فيما تقول بعض الروايات إلى جعفر بن يحيى البرمكي زواجًا صوريًّا؛ كي يحل لهما أن يجالسه الاثنان معًا دون تحرج، فقد كان يحب كُلًّا منهما حبًّا جمًّا، ويريد دائمًا أن يأتنس بهما معًا على ألا يمس جعفر العباسةَ كما يمس الزوج زوجته.
يقول الكاتب: وصراع (العباسة) الحقيقي في المسرحية هو ما بين عاطفتها كأم، وقد أعقبت الحسين كثمرة لقائها مع جعفر، وما بين خوفها على الطفل وقد افتضح أمره من أن تقوم على حضانته لعلم الناس به في بغداد، وهنا مكمن مأساتها الحقيقية من حيث كونها ليست شخصية مسيطرة على غريزتها خالصة للمجد، مثل كليوباترا شكسبير وشوقي التي تعشق المجد، وتخذل حبيبها أنطونيو، وتفر من معركة أكتيوم لسياسة عليا، بل هي كليوباترا برناردشو تلك الطفلة المهزولة التي تحن لرجل مفتول الساعدين؛ فيرثي لها قيصر القوي بأن يرسل لها أنطونيو بدله، وهي أنثى رقيقة موجعة القلب كبطلة راسين، فضلًا عن أنها امرأة عادية تمتلك غريزة حب الزواج والولادة، ورعاية الأولاد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 229
الدرس: ١٠ قصص الحيوان .
стр. 230
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العاشر
(قصص الحيوان)
مفهوم قصة الحيوان
فنقول: تعرف موسوعة "الإنكارتا الإنجليزية" في طبعتها لسنة ٢٠٠٦ قصة الحيوان في المادة المخصصة لها: بأنها حكايات أو أساطير شعبية تحتل فيها الحيوانات مقدمة الصورة، بوصفها أشخاصًا رئيسيين أو مشاركين مهمين في تطور الأحداث، وتلقي مادة "لزامنو إيجانيير" أي: الحيوانات الخيالية في النسخة الفرنسية من موسوعة "الإنكارتا الشبابية" في طبعتها لسنة ٢٠٠٩ الضوء على تلك النقطة، فتقول: إن الأساطير والحكايات والخرافات في كل بلاد العالم وفي كل العصور، تمتلئ بالكائنات العجيبة ذات الأشكال الغريبة، أو القدرات السحرية، وتعج بعض الحكايات التي من هذا الصنف بحيوانات من كل نوع بعضها متوحش، وبعضها مسالم، وبعضها معادٍ للإنسان، وبعضها خادم له، وكثير منها قد أبدعته الروايات لشرح بعض الظواهر المرعبة، أو التي لا يستطاع تعليلها تعليلًا علميًّا.
كذلك فكثير من حكايات تلك الحيوانات تجسد جوانب من الشخصية الإنسانية، وبعضها يرتبط بدورات الطبيعة إلى آخره، ومن أشهر القصص الحيوانية الحكايات المنسوبة إلى إيسوب أو يعسوب الكاتب الإغريقي القديم، والتي تهتم بوصف مغامرات الإنسان والحيوان، ولكن صاحبها كان يرغب في أن يعلم قراءه شيئًا حول طبيعة الإنسان.
ولعل من أشهر حكاية يعسوب الخرافية قصة (الثعلب وعناقيد العنب)، التي يقول معناها الحرفي: إن ثعلبًا أراد الحصول على عنقود من العنب متدل فوق رأسه، فحاول يائسًا الحصول عليه لكنه لم يتمكن من ذلك مما اضطره في النهاية إلى أن يتخلى عن رغبته، ويقول: إن العنب حامض،
стр. 231
والمعنى الرمزي في تلك القصة هو أن الناس قد يتظاهرون بأن الأشياء، التي لا يمكنهم الحصول عليها ليست بذات قيمة، ومن ثَم فهم لا يبالون بها أو بتملكها، وقد عاش يعسوب أو إيسوب قبل الميلاد بعدة قرون، ويقال: إنه ليس له وجود حقيقي، بل الإغريق هم الذين اخترعوه وامتازت شخصيته بما لها من سرعة بديعة، وقدرة عقلية فذة، وحكمة تنساب على لسانها.
وقد زودت حكايات يعسوب بتعبيرات شهيرة كثيرة، وعلى سبيل المثال فإن العدو الذي يتظاهر بأنه صديق يسمى ذئبًا في ثياب حَمَل، وقد نشأ هذا التعبير من قصة يتنكر فيها ذئب في جلد حمل، ثم يتحرك دون أن يُكتشف وسط قطيع من الخراف، ويقتلها ليأكلها، ومن ناحية أخرى فإن الراعي يحسبه حملًا فيذبحه للعشاء.
ولسنين كثيرة كانت حكايات يعسوب تروى بالتواتر من جيل لآخر، وفي حوالي عام ثلاثمائة قبل الميلاد قام سياسي أثيني اسمه ديمتريوس فاليروس، بجمع حوالي المائتين منها في مجموعة أسماها (تجميعات حكايات يعسوب)، وقد ترجم هذه المجموعة اللاتينية بعد حوالي ثلاثمائة سنة عبد إغريقي عتيق يسمى فيدروس، وفي نحو عام مائتين وثلاثين ميلادية قام الكاتب الإغريقي فاليروس بابليوس بضم حكايات يعسوب إلى بعض الحكايات الهندية، وترجمها شعرًا إغريقيًّا، ومن ذلك الحين عاد كتاب آخرون رواية الحكايات وزادوا من معانيها، إلا أن الحكايات لم تفقد مطلقًا بساطتها وجاذبيتها الأصليين.
وقد وضعت كل الشعوب القديمة تقريبًا حكايات شعبية فيها شخصيات لحيوانات ذات صفات آدمية، فالثعلب مثلًا كان يصور على أنه ماكر، والبومة على أنها عاقلة في بعض الثقافات، ونذير شؤم في ثقافات أخرى، وبمرور الوقت بدأ
стр. 232
الناس يحكون الحكايات لتعليم الأخلاق الحميدة، وأصبحت الحكايات خرافية، ويمكن تعقب أصل الحكايات الخرافية الشعبية في البلاد الغربية إلى بلاد اليونان والهند القديمة، وتنسب معظم الحكايات اليونانية إلى يعسوب.
وقد تأثرت حكايات الشعب الهندي بأن بني البشر يولدون مرة ثانية بعد الموت على هيئة حيوانات، وألف رواة القصص الهنود حكايات كثيرة عن مثل هذا البعث أو الميلاد الجديد، واستخدموه لتلقين مختلف الدروس الأخلاقية، كما وصلت بعض هذه القصص إلى الغرب في بداية التاريخ الميلادي، وتم ضمها إلى المجموعة الأولى لحكايات يعسوب، وخلال القرن السادس قبل الميلاد أو بعده جمع الهنود أفضل حكاياتهم في عمل يسمى (بانشاتانترا)، وعبر القرون أعاد كثير من الكتاب رواية الحكايات الخرافية القديمة، وفي الثقافة العربية الكثير من الخرافات التي تعود إما إلى أصل محلي، أو جاءت من ثقافات أخرى كما في كتاب (كليلة ودمنة) لابن المقفع.
وتقول الدكتورة نفوسة زكريا في كتابها (الخرافة في الأدب العربي): إن الخرافة في أدبنا العربي قديمة النشأة، جاء في كتب الأدب طائفة منها متفرقة في مواضع مختلفة جاء أكثرها مع الأمثال لتفسيرها، وهي جميعًا خرافات ذات مغزى، نذكر منها على سبيل المثال قصة ذات الصفا، التي جاءت لتفسير هذا المثل الذي يعد من أمثال العرب المشهورة، كيف أعاودك وهذا أثر فأسك؟ يقول الميداني: أصل هذا المثل على ما حكته العرب على لسان حية أن أخوين كانا في إبل لهما، وكانا بالقرب منهما واد خصيب، وفيه حية تحميه من كل أحد فقال أحدهما للآخر: يا فلان، لو أني أتيت هذا الوادي المكلئ، فرعيت فيه إبلي وأصلحتها، فقال له أخوه: إني أخاف عليك الحية ألا ترى أن لا يهبط
стр. 233
أحد ذلك الوادي إلا أهلكته، قال: فوالله لأفعلن، فهبط الوادي ورعى به إبله زمنًا، ثم إن الحية نهشته فقتلته، فقال أخوه: والله ما في الحياة بعد أخي خير، ولأقتلنها أو لأتبعن أخي، فهبط ذلك الوادي وطلب الحية؛ ليقتلها فقالت الحية له: ألست ترى أني قتلت أخاك، فهل لك في الصلح فأدعك بهذا الوادي تكون فيه، وأعطيك كل يوم دينارًا ما بقيت؟
قال: أوفاعلة أنتِ؟ قالت: نعم، قال: إني أفعل -أي: موافق- فحلف لها وأعطاها المواثيق لا يضرها، وجعلت تعطيه كل يوم دينارًا، فكثر ماله حتى صار من أحسن الناس حالًا، ثم إنه تذكر أخاه، فقال: كيف ينفعني العيش، وأنا أنظر إلى قاتل أخي، فعمد إلى فأس، فأخذها ثم قعد لها فمرت به فتبعها فضربها، فأخطأها، ودخلت الجحر، فوقعت الفأس بالجبل فوق جحرها فأثرت فيه، فلما رأت ما فعل قطعت عنه الدينار، فخاف الرجل شرها وندم، فقال لها: هل لك أن نتواثقَا ونعود إلى ما كنا عليه؟ فقالت: كيف أعاودك وهذا أثر فأسك؟ وأصبح هذا القول مثلًا يضرب لمن لا يفي بالعهد.
وقد نظم النابغة الذبياني هذه القصة شعرًا، فقال:
وإني لقيت من ذوي الغي منهم ... وما أصبحت تشكو من السر ساهره
كما لقيت ذات الصفا من حليفها ... وكانت تريه المال غبًّا وظاهره
فلما رأى أن ثمر الله ماله ... وأثل موجودًا وسد مفاقره
أكب على فأس يحد غرابها ... مذكرة من المعاول باتره
فقام لها من فوق حجر مشيد؛ ... ليقتلها أو تخطئ الكف بادره
فلما وقاها الله ضربة فأسه ... وللشر عين لا تغمض ناظره
فقال تعالِ نجعل الله بيننا ... على مالنا أو تنجزي لي آخره
стр. 234
فقالت يمين الله أفعل إنني ... رأيتك مشئومًا يمينك فاجره
أبَى لي قبر لا يزال مقابلي ... وضربة فأس فوق رأسي فاقره
والقصة شعرًا ونثرًا من قصص المواعظ، التي رويت على ألسن الحيوان، وهي جاهلية كما يبدو في صورتها وفي بيئتها أيضًا، ومثل القصة السابقة قصة الثعلب والعنقود، التي وضعت لتفسير المثل: أعجز من ثعالة عن العنقود، أو أعجز عن الشيء من الثعلب عن العنقود، فأصل ذلك المثل كما يقول الميداني: أن العرب تزعم أن الثعلب نظر إلى العنقود فرماه فلم ينله، فقال: هذا حامض وحكى أحد الشعراء ذلك شعرًا، فالمثل جاهلي وقصته جاهلية، أما صياغة القصة شعرًا فيبدو أنها صيغت في العصر الإسلامي، وهذه القصة قد وردت في خرافات لافونتين.
كتاب (كليلة ودمنة) وأثره في الأدب العربي والآداب العالمية
وعندنا أيضًا كتاب (كليلة ودمنة)، وهو في الواقع أثر أدبي ترك بصماته على كثير من الأعمال الأدبية العالمية، وقد اختلف الدارسون حوله، وكانت النسخة العربية التي ترجمها ابن المقفع، وهو من أهل القرن الثاني الهجري مثار دراسات وأخذ ورد، وترجم النص العربي للكتاب إلى السريانية والحديثة والإنجليزية والفارسية الأولى، ثم الثانية والفارسية الهندية والتركية واليونانية والإيطالية والعبرية واللاتينية الوسطى، ثم اللاتينية القديمة والإسبانية القديمة، أما الترجمات الأوربية الأخرى فأكثرها ترجم عن لغات وسيطة أخذت على النص العربي مباشرةً، وبالنسبة لأصل ذلك الكتاب يقال: إن العالم الفارسي برذويه كان مولعًا بالحكمة والعلم، وكان مقربًا من كسرى أنوشروان، فقرأ في كتاب الهنود أن
стр. 235
لديهم نباتًا ينثر على الميت، فيتكلم في الحال، فارتحل برذويه إلى لهند بتوجيه من كسرى، حيث واجهته مصاعب كثيرة إلى أن عرف أن النبات المقصود هو رمز لكتاب (كليلة ودمنة)، الموجود لدى الراجا حاكم الهند.
وقيل: إن هذا الكتاب كان متوارَثًا عند الحاكم لا يسمح لأحد باستنساخه، إلا أن برذويه بعلمه وحكمته وحسن خلقه استطاع الاطلاع على النسخة الهندية، وكان يرسل إلى كسرى أنوشروان ما يحفظه منها تباعًا، وتولى بوزرج مهر كتابة ما يصل من برذويه، وصدر الكتاب بعد ذلك، وهو يدور حول قصص يرويها الفيلسوف بيدبا للملك دبشليم، واطلع ابن المقفع على النسخة الفارسية للكتاب، وكان لها أثر بالغ في نفسه وتفكيره وثقافته، وكانت الظروف الاجتماعية والسياسية التي تحيط بالفيلسوف الهندي بيدبا في علاقته بالملك دبشليم، تشابه ما كان فيه ابن المقفع مع الخليفة المنصور، الذي كان بحاجة إلى النصح غير المباشر؛ لِمَا عرف عنه من قوة البأس والبطش بكل من لا يمالئه، أو يخرج عن طاعته؛ لذا اتسمت ترجمة ابن المقفع للكتاب بخصوصية ظرفها الزماني والمكاني، فأضاف ابن المقفع بعض القصص من نسج تأليفه، وعدل في بعضها، وأكسب المترجم منها روحًا جديدة من خلال أسلوبه المشوق وعرضه الرائع.
هذا، وتناول الكتاب قصصًا ترجي على لسان الحيوان في ظاهرها؛ لتصل لأهداف أخرى أخلاقية وإصلاحية لشئون المجتمع والسياسة، فالحيوان في (كليلة ودمنة) أداة توظيف لغاية قصدها الكاتب، وقد يتحقق هذا الهدف بعرض الحكمة مباشرة، أو من خلال الفكاهة، التي تظهر في قيام الحيوان بالدور الإنساني تصرفاتٍ أو كلامًا، وقد صرح ابن المقفع أكثر من مرة أن للكتاب غرضًا ظاهريًّا، وآخرَ باطنيًّا.
стр. 236
وقد تناول الدكتور عمر فروخ في المجلد الثاني من كتابه (تاريخ الأدب العربي) النظريات، التي تتعلق بكيفية تأليف ذلك الكتاب، فقال: هناك ثلاث نظريات:
النظرية الأولى: أن الكتاب منقول عن الفهلوية.
أما الثانية: فهي تتخلص في أن الكتاب غير معروف بالآداب القديمة بهذا الشكل، وما دبشليم الملك ولا بيدبا الفيلسوف ولا فور ملك الهند، إلا أعلام منسوبة إلى زمن لم تكن فيه وأمكنة لا تعرفها، ثم إن ما في الكتاب من احتقار للثورة، ومن آيات قرآنية كريمة ومن أحاديث شريفة، ومن آراء لا شك في أنها من صلب الفقه الإسلامي، يدل على أن الكتاب نشأ في بيئة إسلامية عربية محضة.
وهناك نظرية أخرى تقول: إن القصص الواردة في كتاب (كليلة ودمنة) معروفة بأعيانها أو بأشباهها عند اليونان، وعند الفرس وعند الهنود وعند اليابانيين، وعلى هذا يكون عبد الله بن المقفع قد استقى القصص من الأدب الفارسي والهندي، ثم ساقها بسياقه هو واستخلص منها العبر التي يريدها هو، وأضاف إليها وحذف منها. وهذا مثال من كتاب (كليلة ودمنة)، وهو حكاية المسماة القرد والغيلم، وتجري على النحو التالي:
قال دبشليم للملك الفيلسوف: اضرب لي مثلًا الرجل الذي يطلب الحاجة، فإذا ظفر بها أضاعها قال الفيلسوف: إن طلب الحاجة أهون من الاحتفاظ بها، ومن ظفر بحاجة ثم لم يحسن القيام بها أصابه ما أصاب الغيلم، قال الملك: وكيف ذلك؟ قال بيدبا: زعموا أن قردًا يقال له: ماهر، كان ملك القردة، وكان قد كبر وهرم، فوثب عليه قرد شاب من بيت المملكة، فتغلب عليه، وأخذ مكانه فخرج هاربًا على وجهه؛ حتى انتهى إلى الساحل فوجد شجرة من شجر التين فارتقى إليها، وجعلها مقامه.
стр. 237
فبينما هو ذات يوم يأكل من ذلك التين، إذ سقطت من يده تينة في الماء، فسمع لها صوتًا وإيقاعًا، فجعل يأكل ويرمي في الماء فأطربه ذلك، فأكثر من طرح التين في الماء، وثم غيلم كلما وقعت تينة أكلها، فلما كثر ذلك ظن أن القرد إنما يفعل ذلك لأجله، فرغب في مصادقته وأنس إليه وكلمه، وألف كل واحد منهما صاحبه، وطالت غيبة الغيلم عن زوجته فجزعت عليه، وشكت ذلك إلى جارة لها، وقالت: قد خفت أن يكون قد عرض له عارض سوء فاغتاله، فقالت لها: إن زوجك بالساحل قد ألف قردًا وألفه القرد، فهو مؤاكله ومشاربه، وهو الذي قطعه عنك، ولا يقدر أن يقيم عندك؛ حتى تحتالي لهلاك القرد، قالت: وكيف أصنع؟ قالت لها جارتها: إذا وصل إليك فتمارضي، فإذا سألك عن حالك، فقولي: إن الحكماء وصفوا لي قلب قرد.
ثم إن الغيلم انطلق بعد مدة إلى منزله، فوجد زوجته سيئة الحال مهمومة، فقال لها الغيلم: ما لي أراك هكذا؟ فأجابته جارتها وقالت: إن زوجتك مريضة مسكينة، وقد وصف لها الأطباء قلب قرد، وليس لها دواء سواه، قال الغيلم: هذا أمر عسير، من أين لنا قلب القرد ونحن في الماء؟ لكن سأحتال لصديقي، ثم انطلق إلى ساحل البحر، فقال له القرد: يا أخي، ما حبَسَك عني؟ قال الغيلم: ما حبسني إلا حيائي، فلم أعرف كيف أجازيك على إحسانك لي، وأريد أن تتم إحسانك إليَّ بزيارتك إياي في منزلي، فإني ساكن في جزيرة طيبة الفاكهة، فركب ظهر الغيلم فسبح به؛ حتى إذا سبح به عرض له قُبح ما أضمر في نفسه من الغدر، فنكس رأسه، فقال له القرد: ما لي أراك مهتمًّا؟ قال الغيلم: إنما همي؛ لأني ذكرت أن زوجتي شديدة المرض؛ ولذلك يمنعني من كثير ما أريد أن أبلغه من حرصي على كرامتك وملاطفتك، قال القرد: إن الذي أعرف من حرصك على كرامتك يكفيك مؤونة التكليف، قال الغيلم: أجل.
стр. 238
ومضى بالقرد ساعة، ثم توقف به ثانية فساء ظن القرد، وقال في نفسه: ما احتباس الغيلم وإبطاؤه إلا لأمر، ولست آمنًا أن يكون قلبه قد تغير لي، وحال عن مودتي فأراد بي سوءًا، فإنه لا شيء أخف وأسرع تقلبًا من القلب، وقد يقال: ينبغي للعاقل ألا يغفل عن التماس ما في نفس أهله وولده وإخوانه وصديقه عند كل أمر وفي كل لحظة وكلمة، وعند القيام والقعود، وعلى كل حال فإن ذلك كله يشهد على ما في القلوب. قالت العلماء: إذا دخل قلب الصديق من صديقه ريبة، فليأخذ بالحزم من الحفظ منه، وليتفقد ذلك في لحظاته وحالاته، فإن كان ما يظن حقًّا ظفر بالسلامة وإن كان باطلًا ظفر بالحزم، ولم يضره ذلك.
ثم قال للغيلم: ما الذي يحبسك؟ أي: ما الذي يوقفك، وما لي أراك مهتمًّا كأنك تحدث نفسك مرة أخرى؟ قال: يهمني أنك تأتي منزلي فلا تجد أمري كما أحب؛ لأن زوجتي مريضة، قال القرد: لا تهتم، فإن الهم لا يغني عنك شيئًا، ولكن التمس ما يصلح زوجتك من الأدوية والأغذية، فإنه يقال: ليبذل ذو المال ماله في أربعة مواضع: في الصدقة وفي الحاجة وعلى البنين وعلى الأزواج. قال الغيلم: صدقت وقد قال الأطباء: إنه لا دواء لها إلا قلب قرد، فقال القرد: وا أسفاه، لقد أدركني الحرص والشر على كِبر نفسي؛ حتى وقعت في شر ورطة، ولقد صدق الذي قال: يعيش القانع الراضي مستريحًا مطمئنًّا، وذو الحرص والشره يعيش معاش ذي تعب ونصب، وإني قد احتجت الآن إلى عقلي في التماس المخرج مما وقعت فيه.
ثم قال للغيلم: وما منعك أن تعلمني عند منزلي حتى كنت أحمل قلبي معي؟ فهذه سنة فينا معاشر القردة إذا خرج أحد لزيارة صديق خلف قلبه عند أهله، أو
стр. 239
في موضعه؛ للنظر إذا نظرنا إلى حرم المزور، وليس قلوبنا معنا، قال الغيلم: وأين قلبك الآن؟ قال: خلفته في الشجرة فإن شئت فارجع بي إلى الشجرة؛ حتى آتيك به، ففرح الغيلم بذلك، وقال: لقد وافقني صاحبي بدون أن أغدر به، ثم رجع بالقرد إلى مكانه، فلما أبطأ على الغيلم ناداه: يا خليلي، احمل قلبك وانزل، فقد حبستني، فقال القرد: هيهات، أتظن أني كالحمار، الذي زعم ابن آوى أنه لم يكن له قلب ولا أذنان، قال الغيلم: وكيف ذلك؟
قال القرد: زعموا أنه أسد في أجمة وكان معه ابن آوى يأكل من فواضل طعامه، فأصاب الأسد جرب وضعف شديد، فلم يستطع الصيد، فقال له ابن آوى: ما بالك يا سيد السباع قد تغيرت أحوالك؟ قال: هذا الجرب الذي أجهدني وليس له دواء إلا قلب حمار وأذناه، قال ابن آوى: ما أيسر هذا، وقد عرفت بمكان كذا حمار مع قصار يحمل عليه ثيابه، وأنا آتيك به، ثم دلف إلى الحمار فأتاه وسلم عليه، فقال له: ما لي أراك مهزولًا؟ قال: ما يطعمني صاحبي شيئًا، فقال له: وكيف ترضى المُقام معه على هذا؟ قال: فما لي حيلة في الهرب منه لست أتوجه إلى جهة، إلا أضر بي إنسان فكدني وأجاعني، قال ابن آوى: فأنا أدلك على مكان معزول عن الناس لا يمر به إنسان، خصيب المرعى فيه، قطيع من الحمر لم ترَ عين مثلها حسنًا وسمنًا، قال الحمار: وما يحبسنا عنها؟ فانطلق بنا إليها.
فانطلق به ابن آوى نحو الأسد، وتقدم ابن أوى ودخل الغابة على الأسد، فأخبره بمكان الحمار فخرج إليه، وأراد أن يثب عليه فلم يستطع لضعفه، وتخلص الحمار منه، فأفلت هلعًا على وجهه، فلما رأى ابن آوى أن الأسد لم يقدر على الحمار، قال له: أعجزت يا سيد السباع إلى هذه الغاية؟ فقال له: إن جئتني به مرة أخرى فلن ينجو مني أبدًا.
стр. 240
فمضى ابن آوى إلى الحمار، فقال له: ما الذي جرى عليك، إن أحد الحمر رآك غريبًا، فخرج يتلقاك مُرحبًا بك، ولو ثبت له لآنسك، ومضى بك إلى أصحابه، فلما سمع الحمار كلام ابن آوى، ولم يكن رأى أسدًا قط، صدقه وأخذ طريقه إلى الأسد، وأعلمه بمكانه، وقال له: استعد له، فقد خدعته لك، فلا يدركنك الضعف في هذه النوبة، إن أفلت فلن يعود معي أبدًا، فجأش جأش الأسد لتحريض ابن آوى له، وخرج إلى موضع الحمار، فلما بصر به عاجله بوثبة افترسه بها، ثم قال: قد ذكرت الأطباء إنه لا يؤكل إلا بعد الغسل والطهور، فاحتفظ به حتى أعود، فآكل قلبه وأذنيه، وأترك ما سوى ذلك قوتًا لك.
فلما ذهب الأسد؛ ليغتسل عمد ابن آوى إلى الحمار فأكل قلبه وأذنيه، رجاء أن يتطير الأسد منه فلا يأكل منه شيئًا، فقال لابن آوى: أين قلب الحمار وأذناه؟ قال ابن آوى: ألم تعلم أنه لو كان له قلب يفقه به وأذنان يسمع بهما لم يرجع إليك بعدما أفلت ونجى من الهلكة؟ وإنما ضربت لك هذا المثل؛ لتعلم أني لست كذلك الحمار، الذي زعم ابن آوى أنه لم يكن له قلب وأذنان، ولكنك احتلت عليَّ، وخدعتني فخدعتك بمثل خديعتك، واستدركت فارط أمري، وقد قيل: إن الذي يفسده الحلم لا يصلحه إلا العلم.
قال الغيلم: صدقتَ، إلا أن الرجل الصالح يعترف بزلته، وإذ أذنب ذنبًا لم يستحِ أن يؤدب لصدقه في قوله وفعله، وإن وقع في ورطة أمكنه التخلص منها بحيلته وعقله، كالرجل الذي يعثر على الأرض ثم ينهض عليها معتمدًا، فهذا مثل الرجل الذي يطلب الحاجة فإذا ظفر بها أضاعها.
وقد نقل أبان بن عبد الحميد الشاعر العباسي المعروف كتاب (كليلة ودمنة)، وجعله شعرًا؛ ليسهل حفظه على الناس وهو معروف أوله:
стр. 241
هذا كتاب أدب ومحنة ... وهو الذي يدعى كليلة ودمنة
فيه احتيالات وفيه رشد ... وهو كتاب وضعته الهند
ويقع في أربعة عشر ألف بيت، وانتهى منه في ثلاثة أشهر، فأعطاه يحيى بن خالد عشرة آلاف دينار، وأعطاه الفضل خمسة آلاف ولم يعطِه جعفر شيئًا، وقال: ألا يكفيك أن أحفظه فأكون راويتك؟
ويقول ابن المعتز في كتابه (طبقات الشعراء): إنه نظمه في أكثر من خمسة آلاف بيت، وإنه أنجزه في أربعة أشهر، وهذه عبارته نصًّا: هو صاحب البرامكة وشاعرهم، وصاحب جوائزهم للشعراء وهو يستخرجها لهم، ويفرقها عليهم، وهو الذي نقل (كليلة ودمنة) شعرًا بتلك الألفاظ الحسنة العجيبة، وهي هذه المزدوجة التي في أيدي الناس، وكان الذي استدعى ذلك وأراده يحيى بن خالد بن برمك، وكان قد اختار أبا نواس وصار إليه أبان اللاحقي، فقال كالمنتصح: أنت رجل مغرم بهذا الشراب لا تصبر عنه وعن الإشباع بإخوانك عليه، وهو لذتك من الدنيا ومتعتك، وهذا الكتاب مشهور ولم ينتقل لهذا الوقت من المنثور إلى الشعر، وإذا فعل ذلك تداوله الناس وطلبوه ونظروا فيه، فإن أنت تداولته مع تشاغلك بلهوك ولذتك لم يتوفر عليك فكرك وخاطرك، ولم يخرج بالغًا في الجودة والحسن، وإن توفرتَ عليه واهتممت به قطعك ذلك عن لهوك ولذتك ومتعتك، فلا تقدم عليه إلا بعد إنعام النظر في أمرك.
فظن أبو نواس أنه قد نصح له، واستقال الأمر فيه فاستعفى عنه وتخلى به اللاحقي، ولزم بيته لا يخرج حتى فرغ منه في أربعة أشهر، وهي قريبة من خمسة آلاف بيت، لم يقدر أحد من الناس أن يتعلق عليه بخطأ في نقله، ولا أن يقول: ترك من لفظ الكتاب أو معناه، ثم حمله إلى يحيى بن خالد فسُر به سرورًا عظيمًا، وأعطاه على ذلك مائة ألف درهم،
стр. 242
ولابن الهبارية (تاريخ الفطنة في نظم كليلة ودمنة) أي: أنه نظمه أهو أيضًا شعرًا.
وعن أثر (كليلة ودمنة) في الأدب العربي والآداب العالمية، تقول الدكتورة نفوسه زكريا في كتابها (خرافات لافونتين في الأدب العربي): لم تقتصر شهرة كتاب (كليلة ودمنة) لابن المقفع بين العرب وحدهم، بل امتد إلى الشرق والغرب وصار الكتاب بعد ضياع الأصل الهندي والترجمة الفارسية الأصل الذي ترجمت عنه لغات العالم، حتى إن الفرس أنفسهم قد ترجموه عدة مرات وفي عصور مختلفة إلى لغتهم، وكان من هذه الترجمات ترجمة حسين واعظ كاشني المعروفة بأنوار سيري، ترجمها في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي وأهداها إلى الأمير أحمد السهيلي، أحد الأمراء في عهده ونسبها إليه.
وهذه الترجمة الفارسية التي كان الأصل العربي أساسًا مباشرًا لها، هي التي ترجمها إلى الفرنسية داود ساهل الأصبهاني بعنوان: كتاب الأنوار أو أخلاق الملوك، تأليف الحكيم الهندي بلباي بيدبا، وقد ظهرت هذه الترجمة عام ألف وستمائة وأربعة وأربعين في عهد لافونتين، ولعل لافونتين اطلع عليها وعرف عن طريقها بيدبا الذي يعترف لافونتين نفسه بأنه كان من مصادره، حيث يقول في مقدمة المجموعة الثانية من خرافاته: ليس من الضروري فيما أرى أن أقول هنا: من أين استقيت هذه الموضوعات الأخيرة؟ غير أني أقول فقط اعترافًا بالفضل: إني مدين في أكثرها بالباي بيدبا الحكيم الهندي الذي تُرجم كتابه إلى كل لغات.
ولقد أحدث كتاب (كليلة ودمنة) لابن المقفع ازدهارًا في فن القصة المروية على ألسن الحيوان الخرافة في الأدب العربي، لا في عصر ابن المقفع فحسب، بل فيما تلاه من عصور، فمنذ أن عرفت العربية هذا الكتاب اتجهت أنظار أدبائها شعراءًا وكتابًا إلى هذا النوع من القصص، منهم من نظم كتاب (كليلة ودمنة)، ومنهم مَن قلده.
стр. 243
ففي القرن الثاني الهجري نظمه أبان بن عبد الحميد بن لاحق البرامكة في نحو أربعة عشر ألف بيت، ونظمه كذلك علي بن داود وبشر بن المعتمر وأبو المكارم أسعد بن خاطر، وقد ضاعت هذه المنظومات ولم يصلنا منها إلا نحو سبعين بيتًا من نظم أبان بن عبد الحميد، نقلها الصوفي في كتابه (الأوراق)، وفي القرن السادس الهجري نظم ابن الهبارية في كتابه سماه (نتائج الفطنة في نظم كليلة ودمنة)، وفي القرن السابع الهجري نظمه ابن مماتي المصري القاضي الأسعد لصلاح الدين الأيوبي، وضاع نظمه، ونظمه عبد المؤمن بن الحسن الصاغاني في كتابه سماه (درر الحكم في أمثال الهنود والعجم)، ومنه نسخ خطية في فيينا وميونخ، وقد نُسب هذا الكتاب لابن الهبارية.
وفي القرن التاسع الهجري نظمه جلال الدين النقاش، وتوجد نسخة من نظمه في مكتبة الآباء اليسوعيين في بيروت، وأخرى في المتحف البريطاني.
جهد لافونتين في فن الخرافة، وصياغة أحمد شوقي لقصص الخرافات
ولم يقتصر عمل أدباء العربية على نظم كتاب (كليلة ودمنة)، بل قام كتاب (ثعلى وعفراء)، وألف ابن الهبارية كتاب (الصادح والباغم)، وألف ابن الظفر كتاب (سلوان المطاع في عدوان الطباع) وألف ابن عربشاه كتاب (فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء)، واستمرت قصص كتاب (كليلة ودمنة) موضع اهتمام أدباء العربية؛ حتى عصرنا الحديث فرأينا في نهاية القرن الماضي شاعرًا من شعراء الجزيرة العربية من الأحساء، هو الشاعر أحمد بن مشرف، أحد شعراء الرعيل الأول ممن أرسوا دعائم النهضية الشعرية الحديثة في المملكة العربية السعودية، والذي ثقف ثقافة عربية خالصة ينظم قصصًا سهلة على ألسنة الطيور
стр. 244
والحيوانات، مستلهمًا في ذلك قصص (كليلة ودمنة)، أما باسم الآداب العالمية فقد استلهم هذه القصص جاندي لافونتين، الذي ولد عام ألف وستمائة وواحد وعشرين، وتوفي عام ألف وستمائة وخمسة وتسعين، ويعتبر أشهر كاتب قصص خرافية في تاريخ الأدب الفرنسي؛ حتى ليقول عنه فلوبير: إنه الشاعر الفرنسي الوحيد الذي استطاع أن يفهم تراكيب اللغة الفرنسية، ويتمكن من استخدامها قبل عصر هيجو.
وفيما تركه لافونتين من شعر قصصي يدور حول الحيوانات تقول الدكتورة نفوسة زكريا: إنه لم يشرع في كتابة خرافاته إلا في سن السابعة والأربعين بعد أن تم نضجه وتكوينه، وبعد أن أطال البحث عن أقرب الفنون الأدبية إلى ميله واستعداده؛ حتى اهتدى إلى أن فن الخرافة هو الذي يلائمه، وأخذت خرافاته تتابع في الظهور، صدرت في ثلاث مجموعات تضم اثني عشر كتابًا ما بين عام ألف وستمائة وثمانية وستين، وعام ألف وستمائة وأربعة وتسعين، وقد أهداها إلى ولي عهده لويس الرابع عشر ملك فرنسا وقتذاك؛ لأنه كما جاء في كلمة الأهداء الرقيقة يرغب في تسلية الأمير، وفي الوقت نفسه أن يقدم إليه دروسًا جادةً يتلقاها بلذة، آملًا أن يكون لهذه الدروس والصفات العظيمة التي ورثها الأمير عن والده أثر في نمو النبت الصغير، الذي سوف يستظل به كثير من الشعوب والأمم.
ولم يكن لافونتين مخترع فن الخرافة وإنما استفاد من كل من سبقه من أمثال إيسوب اليوناني، وفيدر اللاتيني، وبلباي أو بيدبا الهندي، ومن أدباء الخرافة الفرنسيين في العصور الوسطى وفي القرن السادس عشر من أمثال مارو ورابليه، ومن الكتابات المختلفة في الخرافات عند الأمم القديمة شرقية وغربية.
стр. 245
ولكن ما هو الجديد الذي حققه لافونتين، واستحق به أن يكون أبا المنظومات الخرافية في العالم أجمع، إن لافونتين في الواقع إن كان قد استفاد من غيره، فإنه وسم كل ما أخذه بطابع فنه، وهذا هو سر عبقريته ونبوغه، وقد كشف هو نفسه عن هذا السر في قوله: بعض المقلدين أعترف أنهم كالحمقى من الأنعام، إذ يتبعون راعي مانتو تمامًا كالأغنام، إنني أتصرف على وجه آخر، فحينما يؤخذ بيدي فأنقاد كثيرًا ما أسير وحدي سعيًا وراء السداد، سترون أنني أفعل مثل هذا على الدوام، فما كان اقتدائي أبدًا بعبودية واستسلام، لا آخذ غير الفكرة والطريقة والقانون التي كان أساتذتنا أنفسهم يتبعون، على أنه إذا أعجبني عندهم بعض المواضع الرائعات، وأمكن أن تسلك بين أشعار من غير إعنات، فأنا أنقلها وأريد أن أنتقي التكلف العقيم، حين أن أجهد أن أسمى بطابعي ذلك اللحن القديم.
ولا شك أن ما يقوله لافونتين إنما هو المنهج السائد بين أدباء أوربا في هذه الفترة، التي كانت فيها كتابات اليونان والرومان بصفة خاصة تمثل النموذج الأعلى، الذي ينبغي احتذاؤه على أن لافوتين يقر بإبداعه في الصياغة، ويعني بها الشكل بصورة عامة، وهو الجانب الإبداعي الذي يفرق بين شاعر وآخر في كل مقاييس النقل الأدبي، وكانت الخرافة قبل لافونتين في اليونانية أو اللاتينية حكاية قصيرة بسيطة، تنتهي عادة بدرس أخلاقي هو غايتها الأساسية؛ ولذلك كانت العبارة التي تُختتم بها خرافات إيسوب اليوناني، ولا تكاد تتغير هي: "هذه الحكاية توضح أن"، ثم ينشق الدرس الأخلاقي الذي تتضمنه،
стр. 246
كما نهج فدر اللاتيني نهج إيسوف في مفهومه لغاية الخرافة، فصرح بأن كل ما يطلب من الخرافات هو أنها تصحح أخطاء الناس، ولكن لافونتين تولى الخرافة إلى عمل فني متكامل العناصر أراد أن يحقق من ورائه غايتين: التثقيف والمتعة الفنية؛ لأنه رأى كما يقول في مقدمة خرافاته: أن الخرافات تتكون من جزأين، يمكن أن نسمي أحدهما جسمًا والآخر روحًا.
فالجسم هو الحكاية، أما الروح فهو المعنى الخلقي للحكاية؛ ولكي يشف الجسم عن الروح لا بد من إجادة تصويره تصويرًا يثير كل ما للروح من خصائص؛ ولهذا حرص لافونتين على توفر المتعة الفنية في خرافاته، لقد تناول لافونتين في خرافاته الموضوعات التقليدية التي تناولها من سبقه من كتاب الخرافات، ولكنه بث فيها الحياة والقوة والجمال بما سكبه فيها من طبعه الفني، وعاطفته القوية، ونكتته الحلوة الرفيعة، وسخريته اللطيفة، وملاحظاته الدقيقة، ومقدرته على الغوص إلى أغوار النفوس، والإحساس بالواقع، وبذلك استطاع أن يقدم من خلال تلك الموضوعات لوحة كاملة للمجتمع الفرنسي في عصره، بل للمجتمع الإنساني بعامة، أو حسب تعبيره هو في مقدمة خرافاته: تمثيلية واسعة الآفاق في مائة فصل، تجري حوادثها على مسرح هذا العالم، عرض في خلالها الناس في مختلف طبقاتهم: الملوك، السادة، الجادين، العلماء، الفلاحون، وبمختلف طبائعهم: المتكبرون، الجبناء، الاستغلاليون، السذج.
عرض هؤلاء جميعًا خلف ستار من الرموز التي تتطلبها الخرافة: الحيوانات، والنباتات، والجمادات، والإنسان، وكانت الحيوانات أبرز تلك الرموز؛ حتى
стр. 247
أطلق عليها "حيوانات لافونتين"؛ لمقدرته الفائقة في رسم مظاهرها المادية، وحسن اختياره للصفات المعنوية المناسبة لها، وملاحظاته الدقيقة لغرائزها على نحو قليل من غرائز الإنسان، فكان الأسد يرمز للملك والثعلب يرمز للوزير أو رجل الحاشية، والدب يرمز للفلاح إلى آخره.
ولم يقتصر تجديد لافونتين في طريقته تناوله لموضوعات خرافاته فحسب، بل شمل تجديده القالب والصياغة، فقد أفرغ تلك الموضوعات في قوالب متنوعة، كالقصة أو التمثيلية أو يجعل منها موقفًا نقديًّا أو تصويرًا للحيوان والإنسان والطبيعة، وافتن في كتابتها فاستخدم أسلوبًا رشيقًا مركزًا وأوزانًا كثيرة متنوعةً، معتمدًا على ثرائه اللغوي الواسع، الذي لم يقف عند حدود اللغة القاموسية، بل شمل اللهجات المحلية ولهجات العمال وأصحاب الحرف، ومعتمدًا أيضًا على حسه الموسيقي الدقيق، سواء في اختيار الكلمة المناسبة لموضوعه، أم في اختيار الوزن الذي يماشي الفكرة أو العاطفة الوزن الخفيف السريع للفكرة القريبة، والوزنة الطويلة للفكرة العميقة، مما كان له أثر في إشاعة الحياة والحركة في خرافاته، أما الدرس الأخلاقي الذي كان غاية الخرافة عند كتابها الأوائل فقد وفاه لافونتين حقه، بل إنه جدد أيضًا في استخلاصه وفي عرضه لم يسقه بالطريق المباشر، الذي يشعر القارئ بأن هذا الدرس قد فرض عليه فرضًا، وإنما جعل القارئ يستنبطه من تلقاء نفسه من خلال ترتيب أحداث الخرافة، وتسلسل أفكارها، كما أنه لم يجعل موضع هذا الدرس في نهاية الخرافة شأن من سبقه من كتاب الخرافات، وإنما جعل موضعه في أول الخرافة حينًا وفي نهايتها حينًا آخر حسب ما كان يتطلب الموقف.
стр. 248
هذا هو الجهد الذي بذله لافونتين في فن الخرافة، الذي بز فيه السابقين واللاحقين؛ حتى صار مثالًا لمن حاكاه من في الآداب جميعًا.
فينبغي أن نتوقف بصفة خاصة عند محمد عثمان جلال الذي كان أول مَن نقل من ظلمات لافونتين الخرافية للغة العربية، بل إنه كان أول من قام بنقل عمل أدبي شعري من لغة أجنبية في العصر الحديث، وهو أديب مصري من صميم الريف من "ونا القمر" بمديرية بني سويف، نشأ في عصر تكوين مصر الحديث، وشهد في خلاله تطور مصر في عهد حكامها محمد علي وإبراهيم وعباس الأول وسعيد وإسماعيل وتوفيق وعباس الثاني، فكان ثمرة من ثمار هذا التطور، ولبنة من اللبنات التي دفعته للأمام، وقد تلقى تعليمه في المدارس المصرية؛ حتى تخرج من مدرسة الألسن على يد رفاعة رافع الطهطاوي، ثم تولى عدة مناصب حكومية كان آخر ما تولاه منها منصب قاض في المحاكم المختلطة عام ألف وثمانمائة وواحد وثمانين.
أما منظومات لافونتين الخرافية التي نحن بصدد الكلام عنها، والتي وضعها محمد عثمان جلال في كتاب بعنوان (العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ)، فكانت أول عمل أدبي قام بنقله عن الفرنسية، شرع في نقلها في عهد عباس الأول، وفي ذلك يقول: ونقل الملك بعد وفاة إبراهيم باشا إلى المرحوم عباس باشا ﵀ فرتب المدارس بوجه آخر، وجعل تلامذة الفقه يحضرون المحاسبة تحت نظارة عبد الرحمن بك؛ قصدًا لإزالة تسلط القبط على هذا الفن وجعله تحت يد المسلمين، وكنت أود أن أكون ضمن المحاسبين، ولكن الله تعالى رزقني بغير حساب ومَنَّ عليَّ بالصحة في ديوانها، فأخذت أترجم في الأوقات الخالية كتاب (لافونتين)، وهو من أعظم
стр. 249
الآداب الفرنساوية المنظومة على لسان الحيوان من باب (الصادح والباغم) و (فاكهة الخلفاء).
وقد انتهى من ترجمة الكتاب في عهد سعيد باشا، وقدمه إليه آملًا أن يظفر منه بالقبول الحسن، ولكن سرعان ما خاب أمله، ويصف لنا هذه الخيبة بالروح الفكهة الساخرة التي اشتهر بها، فيقول: وعرضتها على الوالي بواسطة المرحوم مصطفى فاضل، وكان قد أوصلني إليه محمد علي الحكيم، فما أثمر غرسها وما نفع درسها، فاتفقت مع رجل فرنساوي له مطبعة من الحجر يسمى يوسف بير، وعهدته بطبعها فتعهد، ثم أخلف ما وعد، فكلفت مطبعة أكبر من مطبعته وصرفت عليها ما جمعت ونشرتها، ثم بعت الحمار وبعتها.
ويقول محمد عثمان جلال: هذه الخرافة محافظًا على جميع معالم العنوان الفكرة الإطار القصصي، الذي وضع فيه من جميع عناصره، التمهيد الحوار المفاجأة الخاتمة، وكل ما أحدثه من تغيير هو نقل الخرافة إلى جو عربي إسلامي، تشيع فيه روح الفكاهة بإضافة سحق الياقوت والمرجان بالإضافة إلى الأعشاب للمعالجة، التي وردت في خرافة لافونتين وتحديده الكرش مكانًا لداء الحصان، والتعبير عن أسى الذئب لشكى الحصان بأنه يشعر وكأن ضمانًا في كبده، كما أن عثمان جلال تحرر في صياغة الخرافة من أصل النقل، فابتعد عن لغة لافونتين الكلاسيكية الرفيعة، وكتبها بلغة عربية سهلة وفي أسلوب تهكمي ساخر، يضاهي أسلوب لافونتين من هذه الناحية، حتى بدت الخرافة وكأنها من تأليفه على الرغم من قربها الشديد من خرافة لافونتين.
وهناك نماذج أخرى تصرف في تعريبها تصرفًا واسعًا، طمس معالمها وأبعدها عن نصوصها الأصلية، نذكر منها على سبيل المثال خرافة السلحفاة والأرنب.
стр. 250
ومن شأن قصص الحيوان عند محمد عثمان جلال قوله:
قد وقعت في يد شخص حية ... ولم تكن ميتة بل حيه
ورام أن يكسر منها الراس ... وأن يريح من أذاها الناس
أدخلها كيسًا وقال: ذوقي ... لأحرمنك المشي في الطريق
لأن من دأبه الخيانة ... لا يستحق الحفظ والصيانه
منكرة الإحسان والمعروف ... مثلك حقًّا بالهلاك كوفي
قالت له: ما خان بين العالم ... وخاس بالعهد سوى ابن آدم
وإن يكن ما قلت غير الحق ... فأمر بتضييعي أو بشنقي
قال لها الإنسان: إن المدعي ... بلا شهود عندنا لم يُسمع
قالت: من الشهود عندي عشرة ... وقد أشارت وقتها لبقرة
ومذ أتت كلفت الشهادة ... ونطقت على خلاف العادة
قالت: كلام الحية الصواب ... كل سؤال وله جواب
أما ابن آدم فمثل الجمرة ... لا يحفظ العهد ولو في تمرة
يا طالما أطعمته من زبدي ... ولحم آبائي ولحم ولدي
وأنزلوا الحرث وآتي النورجا ... وإن رجوت راحة خاب الرجا
بل بعد كدي وانبرى ضلوعي ... أُربة ظلمًا بالظما والجوع
قال لها الإنسان: أنت كاذبة ... قالت له: سل ابن عمي شنذبه
فجاء وهو الثور في كليله ... وحوله من المواشي عيله
وقال: قد سمعت ما تقول ... وشاهدوا من جسمي النحول
إني وأهلي لم نزل في الخدمة ... عند ابن آدم الخئون النعمة
يأكل من لحومنا ما يشتهي ... وقط عن عذابنا لا ينتهي
следующие страницы →