Полный текст (585 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
كما نهج فدر اللاتيني نهج إيسوف في مفهومه لغاية الخرافة، فصرح بأن كل ما يطلب من الخرافات هو أنها تصحح أخطاء الناس، ولكن لافونتين تولى الخرافة إلى عمل فني متكامل العناصر أراد أن يحقق من ورائه غايتين: التثقيف والمتعة الفنية؛ لأنه رأى كما يقول في مقدمة خرافاته: أن الخرافات تتكون من جزأين، يمكن أن نسمي أحدهما جسمًا والآخر روحًا.
فالجسم هو الحكاية، أما الروح فهو المعنى الخلقي للحكاية؛ ولكي يشف الجسم عن الروح لا بد من إجادة تصويره تصويرًا يثير كل ما للروح من خصائص؛ ولهذا حرص لافونتين على توفر المتعة الفنية في خرافاته، لقد تناول لافونتين في خرافاته الموضوعات التقليدية التي تناولها من سبقه من كتاب الخرافات، ولكنه بث فيها الحياة والقوة والجمال بما سكبه فيها من طبعه الفني، وعاطفته القوية، ونكتته الحلوة الرفيعة، وسخريته اللطيفة، وملاحظاته الدقيقة، ومقدرته على الغوص إلى أغوار النفوس، والإحساس بالواقع، وبذلك استطاع أن يقدم من خلال تلك الموضوعات لوحة كاملة للمجتمع الفرنسي في عصره، بل للمجتمع الإنساني بعامة، أو حسب تعبيره هو في مقدمة خرافاته: تمثيلية واسعة الآفاق في مائة فصل، تجري حوادثها على مسرح هذا العالم، عرض في خلالها الناس في مختلف طبقاتهم: الملوك، السادة، الجادين، العلماء، الفلاحون، وبمختلف طبائعهم: المتكبرون، الجبناء، الاستغلاليون، السذج.
عرض هؤلاء جميعًا خلف ستار من الرموز التي تتطلبها الخرافة: الحيوانات، والنباتات، والجمادات، والإنسان، وكانت الحيوانات أبرز تلك الرموز؛ حتى
стр. 247
أطلق عليها "حيوانات لافونتين"؛ لمقدرته الفائقة في رسم مظاهرها المادية، وحسن اختياره للصفات المعنوية المناسبة لها، وملاحظاته الدقيقة لغرائزها على نحو قليل من غرائز الإنسان، فكان الأسد يرمز للملك والثعلب يرمز للوزير أو رجل الحاشية، والدب يرمز للفلاح إلى آخره.
ولم يقتصر تجديد لافونتين في طريقته تناوله لموضوعات خرافاته فحسب، بل شمل تجديده القالب والصياغة، فقد أفرغ تلك الموضوعات في قوالب متنوعة، كالقصة أو التمثيلية أو يجعل منها موقفًا نقديًّا أو تصويرًا للحيوان والإنسان والطبيعة، وافتن في كتابتها فاستخدم أسلوبًا رشيقًا مركزًا وأوزانًا كثيرة متنوعةً، معتمدًا على ثرائه اللغوي الواسع، الذي لم يقف عند حدود اللغة القاموسية، بل شمل اللهجات المحلية ولهجات العمال وأصحاب الحرف، ومعتمدًا أيضًا على حسه الموسيقي الدقيق، سواء في اختيار الكلمة المناسبة لموضوعه، أم في اختيار الوزن الذي يماشي الفكرة أو العاطفة الوزن الخفيف السريع للفكرة القريبة، والوزنة الطويلة للفكرة العميقة، مما كان له أثر في إشاعة الحياة والحركة في خرافاته، أما الدرس الأخلاقي الذي كان غاية الخرافة عند كتابها الأوائل فقد وفاه لافونتين حقه، بل إنه جدد أيضًا في استخلاصه وفي عرضه لم يسقه بالطريق المباشر، الذي يشعر القارئ بأن هذا الدرس قد فرض عليه فرضًا، وإنما جعل القارئ يستنبطه من تلقاء نفسه من خلال ترتيب أحداث الخرافة، وتسلسل أفكارها، كما أنه لم يجعل موضع هذا الدرس في نهاية الخرافة شأن من سبقه من كتاب الخرافات، وإنما جعل موضعه في أول الخرافة حينًا وفي نهايتها حينًا آخر حسب ما كان يتطلب الموقف.
стр. 248
هذا هو الجهد الذي بذله لافونتين في فن الخرافة، الذي بز فيه السابقين واللاحقين؛ حتى صار مثالًا لمن حاكاه من في الآداب جميعًا.
فينبغي أن نتوقف بصفة خاصة عند محمد عثمان جلال الذي كان أول مَن نقل من ظلمات لافونتين الخرافية للغة العربية، بل إنه كان أول من قام بنقل عمل أدبي شعري من لغة أجنبية في العصر الحديث، وهو أديب مصري من صميم الريف من "ونا القمر" بمديرية بني سويف، نشأ في عصر تكوين مصر الحديث، وشهد في خلاله تطور مصر في عهد حكامها محمد علي وإبراهيم وعباس الأول وسعيد وإسماعيل وتوفيق وعباس الثاني، فكان ثمرة من ثمار هذا التطور، ولبنة من اللبنات التي دفعته للأمام، وقد تلقى تعليمه في المدارس المصرية؛ حتى تخرج من مدرسة الألسن على يد رفاعة رافع الطهطاوي، ثم تولى عدة مناصب حكومية كان آخر ما تولاه منها منصب قاض في المحاكم المختلطة عام ألف وثمانمائة وواحد وثمانين.
أما منظومات لافونتين الخرافية التي نحن بصدد الكلام عنها، والتي وضعها محمد عثمان جلال في كتاب بعنوان (العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ)، فكانت أول عمل أدبي قام بنقله عن الفرنسية، شرع في نقلها في عهد عباس الأول، وفي ذلك يقول: ونقل الملك بعد وفاة إبراهيم باشا إلى المرحوم عباس باشا ﵀ فرتب المدارس بوجه آخر، وجعل تلامذة الفقه يحضرون المحاسبة تحت نظارة عبد الرحمن بك؛ قصدًا لإزالة تسلط القبط على هذا الفن وجعله تحت يد المسلمين، وكنت أود أن أكون ضمن المحاسبين، ولكن الله تعالى رزقني بغير حساب ومَنَّ عليَّ بالصحة في ديوانها، فأخذت أترجم في الأوقات الخالية كتاب (لافونتين)، وهو من أعظم
стр. 249
الآداب الفرنساوية المنظومة على لسان الحيوان من باب (الصادح والباغم) و (فاكهة الخلفاء).
وقد انتهى من ترجمة الكتاب في عهد سعيد باشا، وقدمه إليه آملًا أن يظفر منه بالقبول الحسن، ولكن سرعان ما خاب أمله، ويصف لنا هذه الخيبة بالروح الفكهة الساخرة التي اشتهر بها، فيقول: وعرضتها على الوالي بواسطة المرحوم مصطفى فاضل، وكان قد أوصلني إليه محمد علي الحكيم، فما أثمر غرسها وما نفع درسها، فاتفقت مع رجل فرنساوي له مطبعة من الحجر يسمى يوسف بير، وعهدته بطبعها فتعهد، ثم أخلف ما وعد، فكلفت مطبعة أكبر من مطبعته وصرفت عليها ما جمعت ونشرتها، ثم بعت الحمار وبعتها.
ويقول محمد عثمان جلال: هذه الخرافة محافظًا على جميع معالم العنوان الفكرة الإطار القصصي، الذي وضع فيه من جميع عناصره، التمهيد الحوار المفاجأة الخاتمة، وكل ما أحدثه من تغيير هو نقل الخرافة إلى جو عربي إسلامي، تشيع فيه روح الفكاهة بإضافة سحق الياقوت والمرجان بالإضافة إلى الأعشاب للمعالجة، التي وردت في خرافة لافونتين وتحديده الكرش مكانًا لداء الحصان، والتعبير عن أسى الذئب لشكى الحصان بأنه يشعر وكأن ضمانًا في كبده، كما أن عثمان جلال تحرر في صياغة الخرافة من أصل النقل، فابتعد عن لغة لافونتين الكلاسيكية الرفيعة، وكتبها بلغة عربية سهلة وفي أسلوب تهكمي ساخر، يضاهي أسلوب لافونتين من هذه الناحية، حتى بدت الخرافة وكأنها من تأليفه على الرغم من قربها الشديد من خرافة لافونتين.
وهناك نماذج أخرى تصرف في تعريبها تصرفًا واسعًا، طمس معالمها وأبعدها عن نصوصها الأصلية، نذكر منها على سبيل المثال خرافة السلحفاة والأرنب.
стр. 250
ومن شأن قصص الحيوان عند محمد عثمان جلال قوله:
قد وقعت في يد شخص حية ... ولم تكن ميتة بل حيه
ورام أن يكسر منها الراس ... وأن يريح من أذاها الناس
أدخلها كيسًا وقال: ذوقي ... لأحرمنك المشي في الطريق
لأن من دأبه الخيانة ... لا يستحق الحفظ والصيانه
منكرة الإحسان والمعروف ... مثلك حقًّا بالهلاك كوفي
قالت له: ما خان بين العالم ... وخاس بالعهد سوى ابن آدم
وإن يكن ما قلت غير الحق ... فأمر بتضييعي أو بشنقي
قال لها الإنسان: إن المدعي ... بلا شهود عندنا لم يُسمع
قالت: من الشهود عندي عشرة ... وقد أشارت وقتها لبقرة
ومذ أتت كلفت الشهادة ... ونطقت على خلاف العادة
قالت: كلام الحية الصواب ... كل سؤال وله جواب
أما ابن آدم فمثل الجمرة ... لا يحفظ العهد ولو في تمرة
يا طالما أطعمته من زبدي ... ولحم آبائي ولحم ولدي
وأنزلوا الحرث وآتي النورجا ... وإن رجوت راحة خاب الرجا
بل بعد كدي وانبرى ضلوعي ... أُربة ظلمًا بالظما والجوع
قال لها الإنسان: أنت كاذبة ... قالت له: سل ابن عمي شنذبه
فجاء وهو الثور في كليله ... وحوله من المواشي عيله
وقال: قد سمعت ما تقول ... وشاهدوا من جسمي النحول
إني وأهلي لم نزل في الخدمة ... عند ابن آدم الخئون النعمة
يأكل من لحومنا ما يشتهي ... وقط عن عذابنا لا ينتهي
стр. 251
وهو بهذا للصنيع ناكر ... والحق لا يجحده المكابر
قال ابن آدم: شهود زور ... يلزمهم في ذلك التعزير
نسأل يا حية تلك الشجرة ... تشهد لي شهادة بعشرة
فنطقت بمنطق فصيح ... وأخبرت بالخبر الصحيح
قالت: وحق زمن الربيع قد ... ضاع في ابن آدم صنيعي
أظله في القيظ تحت ظلي ... أكفيه شر وابل وطل
وكلما تنضج فوقي ثمرة ... أرمي بها إليه بل بالعشرة
ومنظري يسره بالخضرة ... فيتلالى وجهه بالنضرة
ومع هذا كله يقطعني ... للنار أو في بِركة ينقعني
ولم يسل عما جنى من خيري ... يجني معي كما جنى مع غيري
فالتهب الإنسان غيظًا ونفر ... وقتل الحية ظلمًا بحجر
وهكذا العتو شأن الأمرا ... أظلم منه في الناس لم أرَ
تسمع منهم صيحة وضجة ... إن أنت ألزمتهم بالحجه
ومما عرضناه في هذه النماذج التي أجرينا فيها مقارنة بين ما كتبه محمد عثمان جلال، وبين ما كتبه لافونتين تتبين لنا الحقائق التالية:
أولًا: أن محمد عثمان جلال لم يكن مترجمًا لخرافات لافونتين بالمعنى الحرفي للترجمة، وإنما كان ناقلًا لها بتصرف يتفاوت مقداره من خرافة إلى أخرى معربة كانت أم ممصرة.
ثانيًا: أن مصرية محمد عثمان جلال قد غلبت عليه إلى حد كبير، وتجلى ذلك في استخدامه أمثالًا شعبية مصرية، وتعبيرات مصرية، بل تعدى ذلك إلى الإضراب عن استعمال اللغة العربية الفصحى في بعض الخرافات، وكتابتها بالزجل العامي المصري.
стр. 252
ثالثًا: مزج محمد عثمان جلال بين مصدره الرئيسي في الخرافات، وهي خرافات لافونتين وبين مصادر أخرى عربية استقى منها المغزى الخلقي، كالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وأشعار العرب وأمثالهم.
رابعًا: تعددت الأوزان التي استخدمها محمد عثمان جلال تعددًا كبيرًا، وهو أحيانًا يكتب في قافية موحدةً، وأحيانًا أخرى يكتب في المزدوج.
خامسًا: هناك حقيقة أخرى كشفت عنها دراسة (العيون اليواقظ)، وهي أن محمد عثمان جلال لم يقتصر على نقد خرافات لافونتين، ولكنه نقل من الشعر العربي وتاريخ العرب وأمثالهم حكايات عربية خالصة.
وتصل الدكتورة نفوسة زكريا إلى أمير الشعراء ودوره في هذا المجال، فتقول: لقد صرح شوقي في مقدمة ديوانه الذي صدر عام ألف وثمانمائة وثمانية وتسعين بمحاكاته للافونتين في نظم الخرافة، فقال: فجربت خاطري في نظم الحكاية على أسلوب لافونتين الشهير، وفي هذه المجموعة شيء من ذلك، فكنتُ إذا فرغت من وضع أسطورتين أو ثلاث أجتمع بأحداث المصريين وأقرأ عليهم شيئًا منها يتفهمونه لأول وهلة، ويأنسون إليه ويضحكون من أكثره وأنا أستبشر بذلك، وأتمنى لو وفقني الله لأجله لأجعل لأطفال المصريين مثلما جعل الشعراء للأطفال في البلاد المتمدنة منظوماتٍ قريبة المتناول، يأخذون الحكمة والأدب من جلالها على قدر عقولهم.
وواضح مما ذكره شوقي أن الدافع الرئيسي له على نظم الخرافات هو الرغبة في إيجاد شعر للأطفال له هدف تعليمي، ويبدو أن هذه الرغبة كانت صادقة إلى حد بعيد، بل لعلها أكثر صدقًا من هذه الناحية من لافونتين نفسه، إذ يرى بعض
стр. 253
الدارسين للافونتين أن لافونتين في حياته الخاصة كان بعيدًا عن حب الأطفال والعناية بهم حتى طفله الوحيد لم يكن موضع اهتمامه، فالرغبة إذن في كتاب الأطفال خاصة لم تكن الهدف الأول للافونتين، بقدر ما كانت هدفًا لشوقي، الذي يؤكد لنا تاريخ حياته وسائر شعره حبه للأطفال بعامة وأطفاله بخاصة، وانشغاله بمستقبلهم وأطفال الفقراء منهم، وحرصه على تثقيفهم لا في الخرافات المنظومة فحسب، وإنما في قصائد ومقطعات من شعره.
وازداد اهتمام شوقي بنظم الخرافات بعد أن جرب بنفسه تأثيرها على أحداث المصريين، كما قال في المقدمة السابقة، فأخذ يتابع نظمها، ولكنه لم يعنى بجمعها في ديوان خاص كما فعل لافونتين، بل نشر عددًا منها في حياته في الطبعة الأولى من (الشوقيات)، وأعاد نشرها في الطبعة الثانية، ولكن الطبعات التالية للشوقيات أهملت نشر الخرافات؛ حتى كادت تتعرض للضياع لولا أن تدارك محمد سعيد العريان الذي قام بتحقيق ونشر الجزء الرابع من (الشوقيات) سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة وألف، فأفرد لها بابًا في هذا الديوان، بعنوان: الحكايات، جمع فيه ما تفرق من خرافات شوقي إلى جانب ما نشر منها في طبعة (الشوقيات) الأولى، وعدد هذه الخرافات أو كما سماها الحكايات خمس وخمسون حكاية، تقع في تسعة وسبعمائة بيت، وصل هذا العدد إلى ست وخمسين حكاية في الطبعة الثانية للجزء الرابع من الشوقيات، التي صدر سنة ألف وتسعمائة وإحدى وخمسين، وتقع في ثلاثين وسبعمائة بيت.
وفي سنة إحدى وستين وتسعمائة وألف عثر محمد صبري السربوني على حكايات أخرى لشوقي، فنشرها في كتابه (الشوقيات المنشودة)، الذي ضم فيه آثار شوقي التي لم يسبق نشرها، وعلى الرغم من هذا الإهمال الذي تعرضت له حكايات شوقي، فإنها قد شاعت قبل أن تجمع في الجزء الرابع من (الشوقيات)
стр. 254
وفي الشوقيات المجهولة، وعرفت طريقها إلى الكتب المدرسية مثل اليمامة والصياد، والثعلب والديك، والوطن، وحكاية عن عنصرين أبيا ترك وطنهما الحجاز، والذهاب إلى بلاد اليمن حيث الطعام والشراب أوفر وأشهى.
وتدور الحكايات المنظومة عند شوقي حول موضوعات شتى، منها موضوعات إنسانية عامة تكشف عن نواحي الخير والشر في الإنسان، وما يترتب عليها من عواقب مثل حكاية سليمان ﵇ والحمامة، وهي تحكي قصة الفضول الإنساني، وسقوط الإنسان في هوة الخيانة، ومن الموضوعات التي تناوله شوقي في حكاياته أيضًا موضوعات تتصل بالحياة القائمة في عصره، إجتماعية وسياسية، مثل حكاية الديك الهندي، والدجاج البلدي، التي قصد فيها تنبيه المواطنين على وجوب الحذر في علاقتهم بالأجنبي الدخيل.
وكانت هذه قضية عصره قد رمز إلى المحتل الدخيل بالديك الهندي، وإلى المواطنين بالدجاج البلدي، مبينًا الأساليب التي اتخذها الديك الهندي لتوطيد أقدامه في بيت الدجاج البلدي، الذي لم يفطن إلى تلك الأساليب إلا بعد فوات الأوان، وهي الأساليب نفسها التي دخل بها الإنجليز مصر في ذلك العهد. المزاعم الباطلة في الرعية في الإصلاح ونشر العدل والأمن في البلاد، والوعود الكاذبة في إقامة مؤقتة تنتهي بانتهاء الإصلاحات واستتباب الأمن.
وإلى جانب هذه الموضوعات اقتبس شوقي موضوعات معينة من خرافات لافونتين مثل: الموضوع الذي صور فيه لافونتين حيلة من حيل الثعلب للإيقاع بديك اشتهى أكله، وذلك في حكاية الديك والثعلب، وقد اقتبس شوقي موضوع هذه الخرافة من لافونتين، ولكنه أضفى عليه شخصيته إلى حد بعيد، وأعمل فيه فنه بالتحوير والتبديل ووضع فيه لمسات عربية وإسلامية، فقال:
برز الثعلب يومًا ... في شعار الواعظينا
стр. 255
فمشَى في الأرض ... يهدي ويسب الماكرينا
ويقول: الحمد لله ... إله العالمينا
يا عباد الله توبوا ... فهو كهف التائبينا
وازهدوا في الطير ... إن العيش عيش الزاهدينا
واطلبوا الديك يؤذن ... لصلاة الصبح فينا
فأتى الديك رسول ... من إمام الناسكينا
عرض الأمر عليه ... وهو يرجو أن يلينا
فأجاب الديك عذرًا ... يا أضل المهتدينا
بلغ الثعلب عني ... عن جدود الصالحينا
عن ذوي التيجان ممن ... دخل البطن اللعينا
أنهم قالوا وخير القول ... قول العارفينا:
مخطئ مَن ظن يومًا ... أن للثعلب دينا
وهناك من حكايات شوقي ما استقى موضوعها من مصدر عربي قديم، كما نرى في حكاية "الصياد والعصفورة"، فهذه الحكاية قد أوردها ابن عبد ربه في (العِقد الفريد) في كتاب "الجوهرة في الأمثال" تحت عنوان: مثل في الرياء وتتميز الخرافة عند شوقي إلى جانب تنوع موضوعاتها إلى كثير من السمات الفنية في صياغته لتلك الموضوعات، وأول ما نلاحظه من تلك السمات روح الفكاهة التي أضفاها على الخرافة، والتي تعكس جانبًا أصيلًا في شخصيته، فقد كانت لشوقي خصائص في إخوانه تفيض بأبدع وأرقى أنواع الفكاهة، كما كانت قصائده الجدية لا تخلو من بيت أو أبيات فُكاهية، ويعتبر عباس محمود العقاد هذه
стр. 256
الأشعار الفكاهية الباب الوحيد الذي ظهر فيه شوقي بملامحه الشخصية؛ لأنه أرسل نفسه فيها على سجيته، وانطلق من حكم المظهر والصنعة والقوالب العرفية التي تنطوي فيها ملامح الشخصية وراء المراسم والتقاليد، ووجدت روح الفكاهة عند شوقي مجالًا ومنطلقًا في الخرافات التي نظمها كما قال: لأحداث المصريين الذين كانوا يلذ له أن يمتعهم، ويدخل البهجة والسرور إلى قلوبهم إلى جانب الرغبة في تثقيفهم.
ولقد صاغ شوقي هذه الخرافات صياغة تختلف عن صياغة شعره التقليدي لا من حيث الأصالة والشاعرية والمقدرة الموسيقية، بل من حيث السهولة والبساطة في الصياغة والتعبير، فقد رصفها في أوزان قصيرة خفيفة تتناسب هذا اللون من القصص، وإن كان قد أكثر من استعمال الرجز كما نَوَّع قوافيها، فكان يستخدم أحيانًا قافية متحدة في الخرافة، وفي أحيان أخرى يستخدم قافية مزدوجة، كما كانت الخرافة عنده تختلف طولًا وقصرًا حسبما يتضمنه موضوعها من أفكار.
أما اللغة التي كُتِبت بها خرافاته فكانت العربية الفصيحة السهلة، ولعلنا نلاحظ الفرق الهائل بين لغة شوقي في الخرافات ولغة محمد عثمان جلال، فعلى الرغم من بساطة اللغة التي استخدمها شوقي في كتابة خرافاته وسلاسة التعبير وسهولته لم ينحرف إلى العامية، ولا إلى ألفاظ وتعبيرات مبتذلة كما فعل محمد عثمان جلال، ولعل ذلك كان من بين الأهداف التي أرادها شوقي لتثقيف الأطفال عن طريق الخرافة، وهو تقويم ألسنتهم، وتعويدهم على النطق بفصيح الكلمات بدون مشقة أو جهد.
ولم يقتصر افتنان شوقي في خرافاته على طريقة تناوله الموضوع وصياغته، بل إننا نراه يفتن أيضًا في إيراد الحكمة التي هي روح الخرافة كما قال لافونتين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 257
الدرس: ١١ أجناس الأدب النثرية .
стр. 258
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي عشر
(أجناس الأدب النثرية)
القصة، والملحمة
فنقول: تاريخ القصة هو تاريخ الإنسان إذ واكبته القصة منذ البداية الأولى، وإن كانت أشكالها الفنية تختلف وتتطور من عصر لعصر تبعًا لتطوره الفني والإبداعي، وإلا فماذا كان يفعل البشر في أوقات فراغهم حين يكون هناك كلام بين اثنين أو أكثر، وليس ثم موضوع يحتاج إلى نقاش أو حل إلا أن يتسلوا بأن يحكي كل منهم على مسامع الآخرين ما قابله وما شاهده، مما يعرف أنه ليس لهم به علم أو أن من شأنه إدخال التسلية على قلوبهم، ولم يكن هناك في ذلك الوقت فاصل بين الحقيقة والخيال والأوهام، وإذا كان كثير من الناس حتى في البلاد المتقدمة علميًا ما زالوا غير قادرين حتى الآن على هذه التفرقة في بعض الأحيان، فما بالنا بالإنسان الأول؟!
وعلى هذا فمن الطبيعي جدًّا أن يختلط كل ذلك فيما كان يحكيه على مسامع الآخرين من حكايات وقصص، وقد كان جل تفكيره في ذلك الوقت تفكيرًا خرافيًّا وأسطوريًّا فانعكس ذلك بطبيعة الحال على القصص التي يرويها، وكانت معظمها قصصًا خرافية أسطورية.
وقد احتاج الأمر وقتًا طويلًا جدًّا حتى تغيرت الأمور وصارت القصص تاريخية وواقعية، بل إننا حتى الآن ورغم كل هذا التقدم العلمي الجبار ما زلنا نَحِن إلى الخرافات والأساطير، حتى لقد اخترعنا في عصرنا هذا ما يسمى بالواقعية السحرية، وهي لون من القصص تختلط فيه الحقائق بالخيالات والأوهام التي لا تمت إلى الواقع بصلة.
стр. 259
فإذا تكلمنا عن الفن القصصي كما وصلنا في بداياته الأولى وجدنا الملاحم التي لا تفرق بين واقع ووهم؛ لأن الإنسان الذي أبدع لم يكن يفرق بين واقع ووهم، بل كان يعتقد بوجود تلك الكائنات الخرافية التي تعج بها ملاحمه، ويتصور أن الآلهة تعيش في الدنيا كما يعيش البشر وتتصرف كما يتصرفون، وأن من الممكن تمامًا أن ينزل الإنسان مثلًا إلى ما تحت الأرض وأن السحر قادر على تغيير هيئته وشكله، وهكذا. والمعروف أن الملحمة قصيدة قصصية شديدة الطول تدور عادةً حول أعمال بطولية ووقائع ذات دلالة لأمة من الأمم أو ثقافة من الثقافات.
ويفرق الدارسون بين نوعين من الملاحم: النوع القديم كملحمة "جلجامش" وملحمة "الإلياذة" لـ "هومرس" الإغريقي، والنوع الأحدث أو الثانوي مثل "الإنيادة" لـ"فرجيل" الروماني و (الفردوس المفقود) لـ"جون ملتون" الإنجليزي، وهذا النوع الأخير هو من إبداع أدباء كبار معروفين استعملوا له لغة أدبية راقية، ونسجوه عامدين على منوال تلك الملاحم القديمة، التي كانت في الأصل شفوية غير مكتوبة وإن كان قد تم تسجيلها كتابة بعد ذلك فوصلت من ثم إلينا.
وهناك عدة خصائص تميز الملحمة عن غيرها من الأجناس الأدبية، وتتلخص هذه الخصائص في أن يكون بطل الملحمة شخصًا جليلًا ذا مكانة كبيرة بين أبناء وطنه أو في العالم أجمع،
стр. 260
ويحظى بأهمية تاريخية أو أسطورية، كذلك ينبغي أن يكون ميدان الأحداث شديد الاتساع بحيث يشمل كثيرًا من الأمم والبلاد المختلفة، وأن تتسم تصرفات البطل بالشجاعة الفائقة حتى لا تكون خارقة في كثير من الأحيان، فضلًا عن مشاركة الآلهة والملائكة والشياطين فيها، مع حرص المؤلف على فخامة الأسلوب والموضوعية في رواية الوقائع ورسم الشخصيات بكل سبيل.
وعلى وجه العموم، نرى البطل يقوم برحلة يلقى فيها خصومًا، يحاولون إنزال الهزيمة به ليعود في نهاية المطاف إلى بلاده وقد تغير، فلم يعد كما كان، وهو في كل ذلك يعكس الملامح القومية والخلقية التي تميز أمته، ويأتي من الأعمال ما يمثل أهمية قصوى لتلك الأمة، وقد قام كاتب مادة الملحمة في "موسوعة الويكيبيديا" في نسختها الإنجليزية في نهاية المادة بتزويدنا بقائمة لأهم الملاحم المعروفة في العالم، مرتبةً تاريخيًا بدءًا من القرن العشرين قبل الميلاد حتى عصرنا هذا، وتتوالى في تلك القائمة عشرات بعد عشرات من أسماء الملاحم بعضها لا يزال موجودًا حتى الآن وبعضها مفقود، فعدد الملاحم إذن أضخم كثيرًا جدًّا مما يُظن عادة، وبخاصة إذا عرفنا أن هذه القائمة لا تضم كل الملاحم المعروفة، فضلًا عن أن هناك ملاحم لا تزال مجهولة حتى الآن.
ولعل ما تناقلته وكالات الأنباء العالمية يوم الحادي والثلاثين من ديسمبر سنة ألفين وأربعمائة تحت عنوان: اكتمال أقدم ملحمة صينية، يعطينا لمحة في هذا
стр. 261
الصدد، إذ جاء في الخبر أن الصين أعلنت عن اكتمال أطول ملحمة شعرية على مستوى العالم، وهي الملحمة المعروفة باسم "الملك قصار" التي لا أذكر أن أحدًا أورد اسمها مجرد إيراد بين ملاحم العالم، وذلك إثر العثور على الجزء الناقص منها، ويستغرق ألف كلمة منقوشة على الأحجار والتماثيل الكائنة بمعبد السمكة الذهبية جنوب الصين، وقد وصفت الملحمة بأنها أطول ملحمة شعبية عرفها العالم إذ تقع في ستة وثلاثين مجلدًا، وتضم قرابة مليوني بيت من الشعر، كما وصفت أيضًا بأنها تضاهي في قيمتها الأدبية أشهر الملاحم الغربية حتى ليطلق عليها الإلياذة الشرقية. وهذه الملحمة كما جاء في الخبر تدرس في عشرات المعاهد والكليات في أرجاء العالم.
وبالمناسبة فقد ذكرت صحيفة "الشعب الصينية" على الإنترنت بتاريخ الثالث والعشرين من شهر أكتوبر سنة ألفين وثلاثة، أن صبيًّا صينيًّا عمره ثلاث عشرة سنة يحفظ هذه الملحمة عن ظهر قلب، وأن عملية الحفظ قد تمت على نحو خارق، إذ كان الصبي نائمًا ذات ليلة، ثم استيقظ فوجد نفسه يحفظ عن ظهر قلب تلك الملحمة التي تشتمل على عشرة ملايين كلمة، دون أن يبذل في حفظها أي جهد دون أن تكون عنده النية أصلًا في هذا الحفظ.
وأنا أنقل لطلابي هذا الكلام على عهدة من كتبوه، أما أنا فإني لا أصدقه.
القصة إذن فن من الفنون الأدبية القديمة، وكما قلنا: لا نظن أن ثمة مجتمعًا بشريًّا قديمًا أو حديثًا يمكن أن يخلو من هذا الفن؛ لأن حب القصص نزعة فطرية في النفس الإنسانية، ولعل أقدم كتابة نقدية في هذا الموضوع هي ما كتبه أرسطو في كتابه (فن الشعر) عند كلامه عن الملحمة والمسرحية، ذلك أن الملحمة والمسرحية كلتاهما فن قصصي، كل ما في الأمر أن الملحمة كانت
стр. 262
تنظم شعرًا وأن المسرحية تقوم على الحوار، فلا سرد فيها إلا في أضيق نطاق، وذلك حين يضع المؤلف ملاحظاته السريعة الموجزة قبل بعض المشاهد، كي يهتدي بها المخرج لدن تحويلها من عمل مكتوب إلى تمثيل حي على المسرح، وفي كل من الملحمة والقصة والمسرحية نجد الحوادث والشخصيات والحوار والعقدة والحل والبناء الفني، كما أن المواصفات التي يراعيها المبدع في كل فن من هذه الفنون لا تكاد تختلف بشكل جذري عما ينبغي مراعاته في الفنيين الآخرين.
وقد قال أرسطو في كتابه (فن الشعر) "بويتكس": إن كل ما يصدق على الملحمة يصدق على مسرحية المأساة، اللهم إلا في أن الملحمة لا تنظم إلا في بحر واحد من بحور الشعر، كما أنها تتخذ الشكل السردي علاوةً على أن المأساة محكومة في طولها الزمني بدورة الشمس حول الأرض مرة واحدة، أي: بأربع وعشرين ساعة أو أزيد قليلًا، إن كان ثمة حاجة إلى ذلك على حين أن زمن الملحمة مفتوح.
وهما كما يرى القارئ لا صلة بينهما وبين البناء الفني لهذين الجنسين الأدبيين، ولأن العناصر الموجودة في الملحمة هي نفسها تقريبًا العناصر الموجودة في المسرحية، نجده يؤكد أن من يستطيع الحكم الفني على إحداهما يستطيع الحكم على الأخرى، وبالمثل نراه يذكر أن المؤلف -أيّ مؤلف- قد يروي قصته من خلال ضمير الغائب أو من خلال ضمير المتكلم، أو من خلال ترك الشخصيات تتصرف أمامنا مباشرة، والأسلوب الأخير هو أسلوب المسرحية، أما الأسلوب الأول فأسلوب "هومر" في شعره الملحمي، إلا أنه لم يضرب لنا مثلًا يوضح به كيفية تقديم الشخص نفسه من خلال ضمير المتكلم.
стр. 263
والمسرحية تتكون عنده من الحبكة والشخصية واللغة والفكرة والمنظر والأغنية، وفي رأيه أن الحبكة أهم من رسم الشخصيات، وأساسها عدم تضمين العمل المسرحي أو الملحمي أي عنصر لا يضر العمل حذفه، وألا نحذف من العمل أي عنصر من شأنه أن يصيب العمل بالتفكك والانهيار عند هذا الحذف، كذلك لا بد في رأيه أن يكون كل حدث مترتبًا على الحدث السابق عليه، وبالنسبة إلى الشخصيات ينبغي أن تكون شخصيات حقيقية مما نقابلها في الحياة، وأن ينم كلامها وسلوكها عليها وينسجم معها وأن تكون متسقة مع نفسها، إلى آخر ما كتب ذلك الفيلسوف عن المواصفات التي لا بد من مراعاتها في كتابة المسرحية والملحمة، وهو أساس النقد القصصي عند الأوربيين وعند غير الأوربيين.
ومما قرأناه في المراجع المختلفة يتبين لنا أن فن القصص قديم قدم الإنسان، لم تخل منه أمة وأنه يقوم على سرد الأحداث وتصوير الشخصيات والحبكة، وأنه كان يعتمد في انتشارها على الحكاية الشفوية، ثم تدخل الرسم والكتابة في عملية التسجيل، وكانت الأدوات المستخدمة في هذا قديمًا هي الحجر وجدران الكهوف والجلود وجذوع الأشجار، وكل ما يمكن الاستعانة به في هذا الصدد، وأنه كان وما زال يتغيى التسلية والتعليم والدعاية ونشر القيم التي يتمسك بها المجتمع، فضلًا عن التضليل أيضًا في بعض الحالات.
ويؤكد كاتب مادة نوفل في معجم (المصطلحات الأدبية) باللغة الإنجليزية أن الرواية فن مرن منفتح غير جامد، فهي كما تكتب نثرًا قد تكتب شعرًا، وهي قد
стр. 264
تكون طويلة كما قد تكون قصيرة أيضًا، والمهم ألا تبلغ من القصر ما يحول دون إصدارها في كتاب على حدة، وهي تتأبى على الشكل المحدد والأسلوب المحدد والموضوع المحدد على عكس الأشكال الأدبية الأخرى، فضلًا عن أنها تتسع لعناصر غير قصصية كالرحلات والتراجم والتاريخ والصحافة.
ويمضي الكاتب قائلًا: إن هذا هو السبب في أنها استطاعت أن تزيح الأجناس القصصية الأخرى وتحل محلها. لكني لا أحب أن يكون الكلام هكذا وأوثر أن يقال: إن الرواية مجرد شكل من أشكال الفن القصصي المتعددة كالملحمة والرومانس، التي تشبه عندنا السيرة الشعبية، إذن العناصر في كل هذه الأشكال ولا أقول في كل هذه الأجناس عناصر واحدة، ألا وهي الأحداث والشخصيات والحوار والزمان والمكان والحبكة.
أما أن الملاحم مثلًا كانت تقوم على الخرافات والخوارق وما إلى هذا، على حين أن الرواية وهي فن علماني لمجتمع علماني، كما جاء في المادة المخصصة لها في قاموس (أكسفورد الأدبي) هذه الرواية تتغيى الواقعية أقول: أما أن الملامح كانت كذا وأن الرواية هي كذا، فالرد عليه شديد السهولة، إذ إن القدماء لم يكونوا ينظرون إلى تجسد الآلهة وتعددهم وتصرفهم، كما يتصرف البشر وتخلقهم بأخلاق البشر وتزاوجهم فوق ذلك مع البشر، ولا إلى الخوارق والمعجزات والغرائب والوقائع والشخصيات الأسطورية، على أنها أمور غير حقيقية بل على أن هذا هو الواقع الفعلي.
وإذا اعترض بأن الملاحم كانت تصاغ شعرًا فها هو ذا كاتب المادة يقول: إن الرواية قد تصب في قالب الشعر أيضًا، ثم ها نحن أولاء نعود هذه الأيام فنكتب
стр. 265
الرواية على مذهب الواقعية السحرية واقعية الخرافات والخوارق والعجائب والغرائب، كما كان الحال في السير الشعبية و (ألف ليلة وليلة مثلًا). بل إن الكاتب ليذهب إلى أن عملًا مثل "الستريكون" الذي ظهر في القرن الأول قبل الميلاد لـ"بترونياس" الروماني؛ يمكن أن يعد رواية وإن أضاف أن العرف قد استقر على أن (دونكشوت) التي صدرت في أول القرن السابع عشر الميلادي للكاتب الإسباني "سلفانس" هي أول رواية بالمعنى الحقيقي.
المقامة، وتأثيرها في الأدب الأوربي
وعندنا في الأدب العربي القديم جنس أدبي قصصي له ملامح خاصة به هو جنس المقامات، وهذه المقامات العربية عرفت منذ وقت مبكر خارج الأدب العربي أيضًا، ففي الأدب الفارسي مثلًا أَلَّفَ القاضي حميد الدين أبو بكر بن عمر البلخي ثلاثًا وعشرين مقامة، على نسق (مقامات الحريري) وأتمها سنة خمسمائة وإحدى وخمسين هجرية، وكذلك عرفت هذه المقامات في الأوساط اليهودية والمسيحية الشرقية، فترجموها وصاغوها على مثالها باللغتين العبرية والسريانية، أما في أوربا فقد عني المستشرقون بـ (مقامات الحريري) فترجمت إلى اللاتينية والألمانية والإنجليزية، إلا أن تأثيرها كان محدودًا وبخاصة إذا قارنا بينها وبين ألف ليلة وليلة مثلًا في هذا المجال.
ذلك أن المقامات ليست القصة عمادها بل عمادها الأسلوب وما يحمل من زخارف السجع والبديع ذلك، مكتوبة بأسلوب فخم تجلله المحسنات البديعية، ثم إن من الممكن أن نرى أثرها في بعض القصص الأسباني الذي يصف لنا حياة المشردين والشحاذين، وأن لهذا القص عندهم بطلًا يسمى "بيكارون" يشبه
стр. 266
من بعض الوجوه أبا الفتح الإسكندري في (مقامات بديع الزمان)، وأبا زيد السروجي في (مقامات الحريري).
وفيما يخص تقليد القاضي الفارسي المذكور لمقامات الحريري ثمة كتاب للدكتور بديع محمد جمعة عنوانه (دراسات في الأدب المقارن)، تناول في فصل منه هذه المسألة بشيء من التفصيل، وهو يبدأ بتعريف فن المقامة محاولًا الرجوع بهذا الفن العربي الأصيل إلى أول من ابتدعه من المؤلفين العرب.
والمقامة في بداياتها الأولى فن أدبي يقوم عادةً على حكاية من حكايات الشطارة والاستجداء، ذات بطل واحد، ينتقل من مكان لمكان ومن موقف إلى آخر مغيرًا هيئته في كل مرة، متخذًا الكُدية -أي: الشحاذة- وسيلة لكسب ما يقيم حياته، إلى أن تنتهي الحكاية بانكشاف حقيقة حاله وافتضاح أساليب مكره وخداعه، التي يلجأ إليها لتحصيل مطعمه ومشربه، كل ذلك في لغة بديعية أي: مثقلة بالمحسنات البديعية، مفعمة بالفكاهة والتهكم، والحرص على متانة الأسلوب، وإظهار البراعة اللغوية المتمثلة في سعة المعجم اللفظي، وكثرة التسجيع والجناس والتوازن والتوريات، وغير ذلك من ألوان المحسنات المعقدة، ولزوم ما لا يلزم، مع حلاوة التصوير وإبراز بعض الأوضاع الاجتماعية، وتدبير المآزق للبطل ثم إخراجه منها بذكاء ولوذعية.
ثم تطور ذلك الفن ودخله التحوير في الموضوعات والأهداف، فاتسع لكل شيء حتى للوعظ الديني والتوجيهات الخلقية إلى آخره.
وبلغ من اتساع انتشار المقامات واهتمام الكتاب بها أن أحصى بعض الدارسين عدد الذين مارسوا تأليفها؛ فوجدهم تجاوزوا الثمانين مؤلفًا، بدءًا من بديع
стр. 267
الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري، وانتهاء بنصيف اليازجي في القرن التاسع عشر الميلادي.
أما في الأدب الفارسي فلم يمارسها إلا أديب واحد هو القاضي حميد الدين من أهل القرن السادس الهجري، الذي أقر بأنه ليس إلا تلميذًا من تلامذة بديع الزمان، فكفى الباحثين مؤنة التدليل على أنه إنما استقاها من العربية وآدابها، وإن كان الدكتور جمعة قد استأنس رغم هذا بما قاله كل من "براون" المستشرق الإنجليزي وكريم شاورزي الباحث الإيراني.
وإذا كان البطل في كل من المقامات الهمذانية والمقامات الحريرية شخصًا واحدًا لا يتغير، هو أبو الفتح الإسكندري عند بديع الزمان وأبو زيد السروجي عند الحريري، وكذلك راوية كل من هو شخصًا واحدًا أيضًا، وعيسى بن هشام في الأولى والحارث بن همام في الثانية، فإن البطل لدى القاضي حميد الدين يتغير في كل مقامة، أما الموضوع فيبقى ثابتًا دون تغيير كما هو الحال عند الهمذاني والحريري، حيث الكدية هي المحور في معظم مقامات الأول وكل مقامات الثاني.
وكما قامت المقامات في الأدب العربي ضمن ما قامت على المحسنات البديعية والإغراق فيها، والاستعانة بالألغاز والحرص على إبراز المؤلف سعة معجمه اللغوي، وبخاصة ما يكثر في لغة العرب من غريب الألفاظ، فكذلك حاول القاضي حميد الدين أيضًا الجري في نفس المِضمار، وإن لم يكن الفارسية ذات الثراء الذي تتمتع به لغة القرآن حسبما ذكر المؤلف.
стр. 268
ومن مظاهر تأثر الحميدي بـ (مقامات بديع الزمان) كذلك كثرة استخدامه للألفاظ العربية في عمله، فضلًا عن الجمل والعبارات الكاملة المنقولة من لغة الضاد، حتى في المواضع التي لا يكون ثمة داع لذلك من ضَرْب مثل أو سَوْق شاهد في أصله العربي، بل لقد قلد الحميدي تركيب الجملة العربية في كثير من الأحيان، فكان يأتي بالفعل في أول الكلام على عكس ما تقتضيه اللغة الفارسية التي يقع فعلها في آخر الجملة لا في بدايتها، فضلًا عن إيراده كثيرًا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأشعار والأمثال العربية كما هي في نصها الأصلي، إضافة إلى بعض الأشعار التي نظمها هو بلغة القرآن.
ليس ذلك فقط، بل إنه قد اقتصر في عدد من الحالات على إيراد بعض المقامات الهمذانية كما هي بعد ترجمتها إلى الفارسية مع زيادة بعض الإضافات؛ بغية إظهار تفوقه وبراعته مثلما هو الحال في (المقامة السقباجية)، التي تقوم على (المقامة المضيرية) لدى الحريري، كذلك تتشابه المقامات هنا وهناك في العدد، إذ تبلغ كل منهما أربعًا وعشرين مقامة.
هذه نقاط الاتفاق.
أما الاختلاف فيكمن في أن بطل مقامات الحميدي يختلف من مقامة إلى مقامة، كما أن راويها هو نفسه كاتبها، على حين أن بطل المقامات لدى الهمذاني واحد دائمًا، علاوة على أن راويها شخص غيره، كذلك في الوقت الذي نجد فيه بديع الزمان يسمي معظم مقاماته بأسماء البلدان، فإن الحميدي لا يصنع شيئًا من هذا، بل يطلق على كل مقامة اسمًا مشتقًّا من الفكرة التي تعالجها، وإلى جانب ذلك فإن في مقامات الأديب الفارسي كثيرًا من المناظرات كتلك التي قامت بين السني والملحد، والأخرى التي دارت بين الشيب والشباب، ثم إنه بسبب انتشار التصوف في إيران في الفترة التي عاش فيها القاضي حميد الدين؛ وجدنا ذلك
стр. 269
الكاتب الفارسي يخلع على كثير من مقاماته خلعة صوفية بتعبير المؤلف، كما في (المقامة السقباجية) التي تجري في إثر (المقامة المضيرية) للهمذاني إذ يوجد فيها شيوخ ومريدون.
وكما يرى القارئ فإن بحث الدكتور بديع جمعة قد توفرت فيه كل الشروط التي تشترطها المدرسة الفرنسية بوجه عام في هذا المجال، إذ ثبت أن الحميدي قد استقى فن المقامة عن الهمذاني، وأنه قلده في كثير من النواحي الفنية المتعلقة بها، وإن لم ألاحظ أن الدكتور جمعة يتشدد كما يتشدد عامة المقارنين الفرنسيين، فقد وجدته واعيًا تمامًا بتميز المدرسة الأمريكية بذلك الحق، ولم أسمعه ينادي بوجوب التزام النهج الفرنسي، أيًّا ما يكن الأمر فقد لمس الأستاذ الباحث مسألة جدًّا مهمة، وهي أن فن المقامات لم يكتب له الرواج والانتشار في الأدب الفارسي، ذلك أنه لم يكرر المحاولة أحد بعد الحميدي كما يقول.
وقد علل الأستاذ الدكتور هذا بأن الفارسية فقيرة في الكلمات المترادفة والمتساجعة بالقياس إلى لغة الضاد، ومن ثم لا تصلح كثيرًا لكتابة المقامات التي تلتزم السجع والمحسنات البديعية، وأخيرًا فقد أذكر أن الدكتور زكي مبارك قد كتب قائلًا: إن فن المقامة قد انتقل أيضًا إلى الأدبين السرياني والعبراني. وهو ما أشار إليه الدكتور شوقي ضيف، ولعل الله يقيد للمسألة انتقال هذا الفن من العربية إلى السريانية والعبرية من يدرسها هي أيضًا.
وفي العصور الوسطى ظهرت في أوربا قصص ذات طابع شعبي هي "الفابليو"، كما ظهر لون آخر هو قصص الفروسية والحب، وهذه القصص قد تأثرت بالأدب
стр. 270
العربي تأثرًا واضحًا، وبالنسبة إلى قصص الفروسية والحب يذكر الدكتور محمد غنيمي هلال أن المرأة في المجتمعات الأوروبية -إبان العصور الوسطى وفي آدابها- قد ظلت مهملة لا يؤبه لها حتى القرن الحادي عشر، حين أخذ يظهر خلق الفروسية الذي يزاوج بين أخطار الحب وأخطار الحرب، فمثلًا في كتاب (فن الحب العفيف) لـ"أندريه لوشه بلا" نرى إدراكًا جديدًا للحب، فيه ترتفع المرأة إلى مكانة سامية لم تكن تعرفها من قبل، إذ يخضع الفارس لها خضوعًا مطلقًا ويضحي بكل شيء في سبيل حبه لها، ويبكي أمامها بسبب شدة الوجد الذي يلاقيه غير مستنكف من ذلك شيئًا، فضلًا عن أن حبه لها هو حب طاهر نبيل يتغذى على الحرمان ويستعذب فيه صاحبه العذاب.
ويؤكد الدكتور هلال أن هذا المفهوم الجديد للحب قد نشأ على أثر اتصال الغرب بالشرق في الحروب الصليبية وفي الأندلس، ومما له دلالته أن الأميرة التي ألف لها الكتاب المذكور وهي "ماري دي فرانس" أميرة إقليم "شمبانيا" هي حفيدة "بيوم" التاسع أمير "بواتيا" ودوق "أكتانيا"، الذي عاش في أواخر القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر الميلاديين، وشارك في الحروب الصليبية وهو أول شاعر من شعراء "التروبادور"، ويتبين في شعره هذا المفهوم الجديد للحب، ومن يقابل بين ما كتبه مؤلف الكتاب المذكور عن الحب وما كتبه ابن داود الظاهري في كتابه (الزهرة) وابن حزم في كتابه (طوق الحمامة) -وهما سابقان عليه بوقت طويل- يجد تشابهًا واضحًا، وهناك من هذا الضرب من القصص الأوربي قصة (لانسيلو) التي ألفها "كرتيان دي تروا"، وقصة (سجن الحب) للكاتب الإسباني "سان بدرو" الذي عاش في القرن الخامس عشر، وقصة (أماديس ديجولا) لـ"جارثي أوردنييس" ونشرها في عام ألف وخمسمائة وثمانية للميلاد.
стр. 271
وهذه القصص وإن كانت تتفوق على الملاحم بهذا الحب النبيل، لا تبتعد كثيرًا فيما عدا هذا عنها، إذ الوحدة العضوية لا وجود لها، كما أن هناك قوى غيبية تحمي بطلها الفارس وتكثر فيها العجائب والغرائب.
ويذكر الدكتور هلال أيضًا أن قصص الرعاة في عصر النهضة الأوربية كانت أقرب إلى الواقع من قصص الفروسية هذه، إذ تقل فيها العناصر العجيبة الموجهة للأحداث، وتكاد تنحصر في السحر واستطلاع المستقبل، كما أن الحوادث فيها حوادث إنسانية في جوهرها كما يقول، فضلًا عن تصويرها أماكن واقعية معروفة للناس، وقد نشأت هذه القصص أولًا في إيطاليا ثم انتقلت إلى الأدب الإسباني ثم إلى الأدب الفرنسي من بعده.
و"الفابليو" كما عرفتها "الويكيبيديا" وقاموس (البنجون للمصطلحات والنظرية الأدبية): حكاية تقع في عدة مئات من الأبيات ما بين ثلاثمائة إلى أربعمائة، ازدهرت في فرنسا من سنة ألف ومائة وخمسين إلى ألف وأربعمائة من الميلاد، وإن كانت قد عرفت فيما يبدو من قبل هذا، وهي حكايات مفحشة في كثير من الأحيان، وتوجه كثيرًا من سهام السخرية إلى رجال الدين، وموقفهم من النساء هو موقف النقد اللاذع.
وفي القرن السادس عشر والسابع عشر ظهر في أوربا -كما يقول الدكتور محمد غنيمي هلال أيضًا- جنس جديد من القصص خَطَا بالقصة خطوات نحو الواقع، هو ما نطلق عليه قصص الشطار، ووجد أول ما وجد في إسبانيا وهو قصص العادات والتقاليد للطبقات الدنيا في المجتمع، وتسمى في الإسبانية "بكارسكا"،
стр. 272
وتختص بأن المغامرات فيها يحكيها المؤلف على لسانه كأنها حدثت له، وهي ذات صبغة هجائية للمجتمع ومَن فيه، ويسافر فيها البطل -أي: المؤلف- على غير منهج في سفره وحياته فقيرة بائسة يحياها على هامش المجتمع.
ويظل يتنقل بين طبقاته ليكسب قوته، وهو يحكم على المجتمع من وجهة نظره هو حكمًا تظهر فيه الأثرة والانطواء على النفس، وقصر النظر في اعتبار الأشياء من الناحية الغريزية النفعية، فكل من يعارضه فهو خبيث ومن يمنحه الإحسان خيِّر، وأول قصة من هذا الجنس القصصي في الأدب الإسباني قصة عنوانها: (حياة لاسريودوترمس وحظوظه ومحنه) وهي قصة تنبع من واقع الحياة في الطبقات الدنيا، وتصفها كما يمليها منطق الغرائز الصريح، وهي معارضة تامة لقصص الرعاة وتسير على نقيضها؛ لأنها تصف واقعًا لا مثالية فيه ولا أمل.
ثم ينتقل الأستاذ الدكتور إلى القضية التي تهمنا هنا؛ ألا وهي قضية تأثر هذا الفن القصصي الجديد بالمقامة فيقول: ويوجد وجوه شبه قوية بين قصص الشطار السابقة الذكر وبين المقامات العربية، كما نعلمها عند بديع الزمان الهمذاني ثم الحريري، ولم تُبحث هذه المسألة بحثًا مقارنًا بعد، ولكن الأدلة التاريخية تقطع بأن مقامات الحريري عرفت في الأدب العربي في إسبانيا، ومن كتاب العرب الإسبانيين -يقصد الأندلسيين- مَن ألفوا مقامات على غرارها في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي. مثل: ابن القصير الفقيه، ومثل أبي طاهر محمد بن يوسف السراقسطي.
وقد شرح (مقامات الحريري) كذلك كثير من العرب الإسبانيين من أشهرهم: عقيل بن عطية المتوفى عام ألف ومائتين وأحد عشر، ثم أبو العباس أحمد الشريشي المتوفى عام ألف ومائتين واثنين وعشرين، ثم إن (مقامات الحريري) ترجمت إلى اللغة العربية، ترجمها سالموني بن صقبيل في القرن الثاني عشر الميلادي، ثم ترجمها الحريزي
стр. 273
وظهرت ترجمته عام ألف ومائتين وخمسة من الميلاد، وقد كان هذه المقامات رائجة كل الرواج لا بين العرب فحسب بل بين العبريين والمسيحيين أيضًا، ولهذا ترجموها إلى لغاتهم، وإذن فقد لقيت هذه المقامات حظًّا كبيرًا في أدب العرب في الأندلس، وغير معقول أن تظل مجهولة لدى كتاب الإسبان وقصاصيهم بعد ذلك، وهذا التلاقي التاريخي هو الذي يفسر وجوه التشابه الكثيرة الواضحة بين المقامات وجنس قصص الشطار في الأدب الإسباني.
وقد آثر كتاب الأسبان أن ينحو منحاها الواقعي على أن يسيروا على منوال قصص الرعاة المثالية، فكان جهدهم ذا أثر كبير في القضاء على قصص الرعاة وفي التقليل بين القصة وواقع الحياة، وأثروا بذلك تأثيرًا في كتاب القصة في الآداب الأوروبية الأخرى.
ولا يكتفي الدكتور هلال بذلك بل يمضي فيبين امتداد تأثير المقامات، ذلك التأثير الذي يقوم عليه ما بسطه من شواهد قوية مقنعة إلى خارج الأدب الإسباني، فيقول: وممن تأثر بهم أي بالأدباء الإسبان المتأثرين بالمقامات العربية في الأدب الفرنسي "شارل سوريل"، في قصته (تاريخ فرانسيون الحقيقي الهازل) وقد نشرها في باريس عام ألف وستمائة واثنين وعشرين، وهي أول قصة من قصص الشطار في فرنسا.
وهي على لسان شخصية "فرانسيون" يهجو فيها العادات والتقاليد، بوساطة أشخاص من المتسولين ومن يعد في حسابهم في نظر المؤلف، كما يهجو مختلف الطبقات الأخرى، وقد كانت هذه القصة وأمثالها أصلًا لما سلكه الكاتب الفرنسي "لوساج" في قصته (جان بلا)، التي ظهرت طبعتها الكاملة في فرنسا عام ألف وسبعمائة وسبعة وأربعين للميلاد، وفيها يهجو المؤلف العادات والتقاليد
стр. 274
على لسان البطل الذي سميت القصة باسمه، كما كان قد انتفع بهذا الاتجاه العام الأقرب إلى الواقع الكاتب الفرنسي الآخر "جوتييه" في قصته التي عنوانها (موت الحب)، التي ظهرت في باريس عام ألف وستمائة وستة عشر للميلاد، وفيها يصور حبًّا ماديًّا بين راع نفعي غليظ الطبع وراعية في صفاتهما الحقيقية بين الرعاة العاديين، وهو حب لا مثاليةَ فيه.
ثم يخلص كاتبنا إلى القول بأنه بهذا الجهد المشترك لكتاب القصص في الآداب المختلفة؛ قضي على قصص الرعاة، كما قضي من قبل على قصص الفروسية والحب، وقامت على أنقاضها قصص العادات والتقاليد في معناها الحديث، وخلت القصة بذلك من العناصر العجيبة الخارقة للمألوف، واتخذت حوادث الحياة العادية مادة خصبة لموضوعاتها. وفي نفس الموضوع يكتب الدكتور جميل حمداوي في منتدى الزوراء قائلًا: لم تظهر لفظة "بيكارسكا" باعتبارها لفظة إسبانية إلا في نهاية الربع الأول من القرن السادس عشر، قبيل ظهور رواية الشطارية الأولى في الأدب الإسباني للروائي المجهول، ألا وهي (لافيدا دي لازارلو إيسوس فورتناس إي أدفرس دات): (حياة لافريو دوترنس وحظوظه ومحنه)، وتدل هذه اللفظة على جنس أدبي جديد تشكل في إسبانيا لأول مرة، ثم انتقل بعد ذلك إلى فرنسا وألمانيا وانجلترا وأمريكا.
وتعني هذه الرواية ذلك المتن السردي الذي يرصد حياة "البيكارو" أو الشطاري المهمش، لذلك تنسب هذه الرواية إلى بطلها "بيكارو" الشاطر أو المغامر، الذي يقول عنه قاموس (الأكاديمية الإسبانية): نموذج شخصية خالعة وحظرة وشيطانية وهزلية تحيا حياة غير هنيئة كما تبدو في عيون المؤلفات الأدبية الإسبانية، أو أنه
стр. 275
بطل مغامر شطاري مهمش صعلوك محتال ومتسول، وتعتقد الأكاديمية الإسبانية أن لفظة "بيكارو" مشتقة من فعل "بيكار" في معناه الشعبي المجازي، وهو الارتحال والصيد واللسع، وتعني "بيكارسك" في اللغة الفرنسية الأعمال التي تصل الفقراء والمعوزين والمعدمين والصعالكة والمتسولين والأندال، أو قيم المتشردين والمحتالين واللصوص في القرون الوسطى".
و"بيكارو" باعتباره بطل الرواية ليس بمقترف جرائم في معنى الجرائم الحقيقي، ولكنه ينتمي إلى طائفة المتسولين لا يبالي كثيرًا بالقيم والأخلاق، ما دام الواقع الذي يعيش فيه منحطًّا وزائفًا في قيمه، يسوده النفاق والظلم والاستبداد والاحتيال حتى من قبل الشرفاء والقساوسة والنبلاء ومدعي الإيمان والكرم والثراء. ومهام "البيكاروس" هو البحث عن لقمة الخبز ورزق العيش، لذلك فهو في حياته متزاوج الشخصية جاد في أقواله ونصائحه ومعتقداته وذكي، يتكلم بالمصالح ويتفوه بإيمان العقيدة، ولكنه في نفس الوقت يسخر من قيم المجتمع، وأعرافه المبنية على النفاق والهراء، ويأنف "البيكارو" من اتخاذ عمل منتظم لرزقه بل يتسكع في الشوارع، ويتصعلك بطريقة بهيمية وجودية وعبثية، يقتنص فرص الاحتيال والحب والغرام منتقلًا من شغل آخر كصعلوك مدقع يرفضه القانون وسنة الحياة والعمل، يفضل الارتحال والكسل والبطالة.
وعلى الرغم من كل هذا يحصل على المال لا باغتصابه، بل بالحيلة والذكاء واستعمال المقدرة اللغوية والحيل والمراوغة وفصاحة اللسان وبلاغة البيان والأدب، ويجعل الناس يقبلون عليه بسلوكياته ومواقفه ويرغبون في مصاحبته ومعاشرته؛ إشفاقًا عليه وعطفًا واستطرافًا،
стр. 276
وتعتبر نصوص "البيكارست" بمثابة قصص العادات والتقاليد للطبقات الدنيا في المجتمع، أي: إنها قصص مغامرات الشطار ومحنهم ومخاطراتهم رواية واقعية، سواء من ضمير المتكلم أم بضمير الغائب، لذلك تسمى أيضًا بالرواية "الأوتوبغرافية البيكارسكية" التي تؤكد مدى اعتماد الرواية على تصوير البعد الذاتي وتجسيد تقاطعه مع البعد الموضوعي، وتتخذ هذه الرواية صبغة هجائية وانتقادية لأعراف المجتمع، وقيمه الزائفة المنحطة، فاضحًا إياها بطريقة تهكمية ساخرة منددة بالاستبداد والظلم والفقر.
وتتغنى رواية (البيكارسكية) باعتبارها رواية شعبية تتغنى بالفقراء والكادحين والمهمشين، الذين صودرت حقوقهم وممتلكاتهم وحرياتهم، وأصبحوا يعيشون على هامش التاريخ، لم يظهر الأدب البيكارسكي في أسبانيا إلا تأثرًا بالفن الشعبي العربي بالأندلس، ولا سيما ظهور طبقة اجتماعية من الشطار العرب المسلمين المهمشين المشردين، الذين آثروا حياة الصعلكة والبطالة والتمرد عن قوانين المجتمع والسلطة، وكانوا يعيشون على حافة المجتمع سواء بالأندلس أو البلدان الأخرى من العالم الإسباني، التي انفتحت عليها إسبانيا، ويقضي هؤلاء الشطار "بيكاروز" حياتهم في التسول والارتحال والغنائم وممارسة الكدية والاحتيال؛ من أجل الحصول على المال أو الحب أو لقمة العيش.
وكان هؤلاء الصعاليك المحتالون المرحون يسمون في الثقافة الإسبانية بـ"المورو"، وتحضرني صور هؤلاء كثيرًا في الرواية الشطارية الإسبانية، إذ يقول أستاذي الدكتور محمد أنقار، والكلام للدكتور حمداوي كما ينبغي أن نتذكر: لم تكن الرواية الشطارية الإسبانية تتبلور من حيث هي نوع سردي بعيدًا عن التيارات والأنواع الأدبية، كالغنائية والمسرح الشعري والقصة المورسكية والقصة العاطفية أو الرعوية، التي حفلت كلها بصورة غزيرة للمسلمين والعرب والمغاربة خلال القرنين السادس عشر والسابع
стр. 277
عشر، إلا أن مما يلفت النظر في الرواية الشطارية ضآلة صور "المورو"، على الرغم من أن ظاهرة المورسكية لم تكن قد تلاشت نهائيًّا خلال تلك الفترة.
ويتعلق الأمر على الخصوص بروايتين نموذجيتين (لاتاريو) و (تاريخ حياة البسكون) وتعتبر رواية (رواتريو دوترموس) نموذجًا شطاريًّا في إدانة المسلم، وتصوير وضعيته الرديئة حتى لدى الأوساط الدنيا لكي يعلم الناس أن "المورو" لا يؤدب إلا بعقابه وتوبيخه وصده عن غيره.
هذا ما قاله الدكتور جميل حمدان.
ولكن السؤال هو: هل تأثرت الرواية البيكارسكية الإسبانية بأدب المقامات؟
للإجابة عن هذا السؤال انقسم الباحثون إلى قسمين: فريق ينكر هذا التأثير وفريق آخر يؤكده ويثبته، ومن بين المثبتين لهذا التأثير الدكاترة: محمد غنيمي هلال وسهير القلماوي وأحمد طه بدر وعبد المنعم محمد جاسم وعلي الراعي، الذي يرى أن المقامات ربما كانت أقوى أثر مفرد تركه العرب في الأدب الغربي، فعن طريق محتال المقامة قام الأدب الاحتيالي في إسبانيا، وامتد من ثم إلى فرنسا وألمانيا وانجلترا؛ ليكون الأساس لصالح الرواية الواقعية، التي أسهمت في خلقها أقلام كتاب مرموقين أمثال: "ديفو" و"فلدنك" و"ديكنز" في انجلترا، و"لوساج" و"بلزاك" و"فلوبير" في فرنسا، بل لا تزال هذه الرواية الواقعية الاحتيالية موجودة بيننا في عملين محددين؛ أولهما: (فلكس ترول) لـ"توماس مان" الألماني، والثاني: (مغامرات أوجيه مارش) كاتب أمريكي "سول بليو".
وقد انتقل نموذج بطل المقامات العربية القديمة في العصور الوسطى -أي: العصر العباسي- إلى الآداب الأوربية، كما يقول الدكتور غنيمي هلال، فأثر فيها بخلق نموذج أدبي آخر تتوارد به القصة الأوربية، بعد أن عرفت تلك الآداب والمقامات
стр. 278
العربية عن طريق الأدب العربي في إسبانيا، وقد أثر نموذج بطل الحريري في الأدب العربي الأندلسي، ثم الأدب الإسباني بعامة، ثم تعاون هذا التأثير كله في خلق قصص الشطار الذي تعد قصة (حياة لامفاريو دي تورمس) نموذجًا له، ويؤيد رأي الدارسين العرب باحثون إسبان هم أيضًا ذهبوا إلى تأثر الرواية البيكارسكية بأدب المقامة العربية، ومن هؤلاء مؤلفا (دائرة المعارف الوجيزة في الحضارة العربية) حيث يقولان: إن هذا النوع الأدبي -يعنيان المقامة- قد تسرب إلى الأدب الفارسي وغيره من آداب شرقية.
ويبدو أنه قد أثر أيضًا إلى حد ما على كتاب الرواية الأوائل في كل من إسبانيا وإيطاليا، وينفي الناقد الإسباني "أنخل فلورس" التأثير المباشر للمقامات في "البيكارسك"؛ لانعدام الطبع الأتوبجرافي في مقامات الحريري باستثناء مقامة واحدة وهي الحرامية، ولأن الترحال كان موجودًا في الآداب القديمة اليونانية والرومانية، فإذا سلمنا جدلًا بأن بطل المقامات يقوم في كل مقامة منفردة برحلة تورطه في شتى الملابسات، مع أناس مختلفي الأوساط والطبقات الاجتماعية، فلا يجب أن ننسى أن هذا التراث القصصي الذي يمثل البطل متجولًا، والذي يبدو واضحًا في رواية "البيكارسك" الإسبانية وفي الواقع سابق لظهور هذه الرواية، وسابق لانتقال أدب المقامات من الشرق الأقصى إلى المغرب وإلى الأندلس الإسلامية.
وجاء الدكتور عبد المنعم محمد جاسم مذهب المستعرب الإسباني "أنجل فلورس" حينما قال: والذي أريد أن أقوله في نهاية هذا المطاف حول إمكانية التأثير العربي في الرواية الإسبانية، هو أن هذا التيار العميق الغور والبعيد المدى من القصص والنوادر والطرائف الشعبية العربية؛ كان ذا أثر أبعد في التمهيد لظهور رواية
стр. 279
"البكارسك" الإسبانية من المقامات، التي وقف عندها الباحثون مرارًا وتكرارًا، وحاولوا إعطاءها دورًا لم تكن بطبيعتها مؤهلة له، فالمقامات كانت تكتب للتداول في صفوف الضالعين والمتبحرين في علم اللغة، وبما أنها كانت عسيرة اللغة وعسيرة الفهم وكثيرة المجاهل، فإنها لم تترجم إلى اللغة اللاتينية أو اللغة الإسبانية.
وعلى كل حال فأنا لا أحاول في هذا البحث الاستدلال على أية فصول من الأدب الإسباني، جاءت منقولة أو واضحة التأثر بأصول عربية، لكن القارئ قد يجد فيما عرضت إثباتًا جديدًا لوجهة نظر الكاتب والناقد "أنخل فلورس"، القائلة بأن الرواية بمظاهرها المختلفة قد ظهرت في إسبانيا قبل أي بلد آخر؛ بسبب أثر الحساسية العربية بالآداب الإسلامية. ويذهب الدكتور محمد أنجار إلى ضرورة التريث في الحكم على مدى تأثير المقامة في "البيكارسك" الروائي، حتى تتوفر الأدلة العلمية الدقيقة والحجج القاطعة، ولكن هذا لا يلغي إن كان مقاربة البيكارسك على ضوء السد العربي القديم، ومن خلال قواعد فن المقامة التي لا يعلم بعض النقاد الصلة بينها وبين الحكي العربي القديم، على مستوى العلاقة بفن المقامة أو ببعض النوادر والحكايات.
وإذا كانت مثل هذه الاحتمالات لا تزال في حاجة إلى تمحيص علمي مقنع، فإن ذلك لا يلغي بتاتًا إمكانية قراءة هذه الرواية الشطارية بمواساة مع أعراف السرد العربي القديم وأساليبه، مثلما هو الشأن في دراسة محمود طرشونة، وهناك نقطة واحدة لا أحب المضي دون أن أقول كلمة سريعة بشأنها؛ ألا وهي زعم المستشرق الأسباني أن البطل الجوال في قصص "البيكارسك" قد ظهر في
стр. 280
الأدب الإسباني، قبل انتقال فن المقامة من المشرق العربي للأندلس وهو زعم خاطئ؛ إذ إن قصة (حياة لاسليو دوترمس وحظوظه ومحنه) التي ذكر الدكتور محمد غنيمي هلال أنها أول قصة من نوع "البيكارسك" في ذلك الأدب، قد ظهرت عام ألف وخمسمائة وأربعة وخمسين ميلادية، على حين انتقلت المقامة إلى الأندلس قبل ذلك بعدة قرون.
ويزيد الأمر إيضاحًا دكتور عيسى الدودي في مقاله "تأثير المقامة بالفن السردي الأوربي المشهور"، في منتدى المؤتمر فيقول: اعترف كثير من المهتمين بالأدب الأندلسي وذلك استنادًا إلى المقارنات التي عقدوها بين المقامة والأدب السردي في أوربا، وانتهوا إلى هذه القناعة بعد أن توصلوا إلى كثير من أوجه التشابه بين الفنين. بدأ فن المقامة في الانتشار أواخر القرن الرابع الهجري، وأبرز أعلام هذا الفن في المشرق: الحريري والهمذاني، ثم إنه قدر لهذا اللون من الأدب الانتشار الواسع في مشرق العالم الإسلامي ومغربه، وكثر المقلدون هذا اللون من الأدب، وقد عرف الأندلسيون المقامة عن طريق مَن رحل إليهم من الشرق، كما قدر للأندلسيين الوافدين إلى المشرق الاطلاع على هذا الفن الأدبي، وخاصة مَن أسعدهم الحظ وأقاموا في بغداد، وبعد أن أتموا دراستهم عادوا إلى بلادهم ونشروا هذه المقامات، فلقيت قبولًا من طرف الأندلسيين ونالت حظها من المعارضة والشرح والنقد والتعليق.
ونسجت على منوالها مقامات مشهورة؛ كـ (مقامة أبي حفص عمر الشهيد) و (مقامة أبي محمد بن مالك القرطبي)، و (مقامة عبد الرحمن الفتوح) و (مقامة ابن المعلم). ثم إن هناك من توجه لشرحها كمحمد بن سلمان المالقي، وعبد الله
стр. 281
بن ميمون العبدري الغرناطي، وأبي العباس الشريشي، وعقيل بن عطية، ومقامات البطليوسي، وابن المرابع الأزدي صاحب (مقامة العيد) وابن القصير الفقيه، ولسان الدين بن الخطيب، بالإضافة إلى مقامتين لمحارب بن محمد الوادآشي، و (المقامة الدوحية أو العياضية)، ومقامة ابن غالب الرصافي، ويبقى أأبرز من تأثر بالمقامات المشرقية السرقسطي، وتسمى مقاماته بـ (المقامات السرقسطية)، وهي المعروفة باللزومية، وهي خمسون مقامة أراد بها مقامات الحريري.
والمقامة هي حكاية عن حيلة تافهة بطلها متشرد ظريف، يتقمص في كل مرة شخصية معينة، فهو مرة قراد يسير بقرده ليجمع الناس في حلقات فيضحكهم، ويأخذوا من أكياسهم، وهو مرة واعظ محترف يلج المساجد لتدمع عينه ويرتل آيات الذكر ورقائق الوعظ وسير الصحابة، ومرة ثالثة ينحط إلى دركات وبيئة فيسرق أكفان الموتى ويجمل خادمه ليوقع في حبه المتهورين، ويتوخى صاحب المقامة من ذلك الوصول إلى قلوب الناس وكسب مودتهم، بمقدرته اللغوية وألاعيبه اللفظية وذلك بالإغراق في السجع والصنعة البديعية.
وإذا انتقلنا إلى الحديث عن تأثير المقامة في الأدب الأوربي خاصة السردي منه: فإن كثيرًا من الباحثين تحدثوا عن تأثير فن المقامات في الأدب الأوربي تأثيرًا واسعًا متنوع الدلالة، فقد غذت هذه المقامات قصص الشطار الإسبانية بنواحيها الفنية، وعناصرها ذات الطابع الواقعي،
стр. 282
وتعلق حبيبة البرقادية عن هذا اللقاء الأدبي بقولها: وهذا اللقاء التاريخي هو الذي يشرح أوجه الشبه الكبيرة بين المقامات وقصص الشطار في الأدب الإسباني.
وقد فضل الكتاب الإسبان أن ينسجوا على منوال قصص المقامات الواقعية عوض أن ينسجوا على منوال قصص الرعاة، واستطاعوا بعد جهد جهيد أن يقربوا بين قصصهم وواقع الحياة، وأثروا بذلك تأثيرًا كبيرًا في الآداب الأوربية، ثم إن المقامة حولت أنظار الأدباء من الجري وراء الخيال، وذلك بنسج قصص الحب والفروسية والرعاة إلى الواقعية وتقريب الفرد من المجتمع، ودعته ليفتح عينيه على واقعه، لذلك اتجه الكتاب الروائيون بإيحائها إلى التحدث عن أحوال المجتمع وظروف الأغمار من الناس، ثم أبدعوا روائعهم في هذا الاتجاه الواقعي، متناسين هذه الأحلام الهادئة التي كانوا يملئون بها قصصهم الخيالية.
وأول قصة من هذا النوع في الأدب الإسباني كان عنوانها (حياة لاسليو ومحنته) كما أن هناك من الباحثين مَن يثير تأثير المقامة في (الكوميديا الإلهية) لـ"دانتي"، إذ ليس من المعقول أن يكون هذا الكاتب بمعزل عن الثقافة العربية الإسلامية، وهو الملم بجميع نواحي الثقافة والمعرفة آنذاك، وقد درس الموضوع بمزيد من الجدية والعمق المستشرق الإسباني "بلاثيوس" في كتابه (المعتقدات الإسلامية حول العالم الآخر في الكوميديا الإلهية) وهو خلاصة دراسة استغرقت عشرين عامًا، وازن فيها المؤلف بين قصيدة "دانتي" من جهة وبين الكتب الدينية الإسلامية، وبعض الكتب الدينية العربية كالقرآن الكريم وكتب الحديث والتفسير والسيرة ومؤلفات المتصوفين، وانتهى المؤلف من دراسة كل هذا إلى القول بأن "دانتي" كان مطلعًا على كثير من نواحي الثقافة الإسلامية، وأنه استقى من هذا المنبع بعض الصور والمعلومات التي وردت في (الكوميديا الإلهية)، مما يتعلق بالبعث والحشر وخروج النفس ومشاهد الجنة والنار.
стр. 283
وهذا يقودنا إلى الربط بين المقامة والفن الروائي، فقد ذكر "بيير كاكيا" أن الفن الروائي لم يجد متنفسًا له إلا في المقامة، وهي كلمة تُرجمت إلى الإنجليزية بعنوان "أسيمبلي" وإلى الفرنسية بلفظ "سيونس"، بما يفيد أنه يمكن قراءتها في جلسة واحدة، وينقل بهذا الصدد محمد رجب البيومي عن الفيلسوف الفرنسي "إرنست رينان" هذا الإعجاب بالمقامة، التي آثرها على "مجموعة بلزاكي" الأدبية، بحيث إن الحريري قاد شحاذه في خمسين موقفًا مختلفًا بقوة اختراع عجيبة ودقة وتأمل في الأخلاق والعادات، لنعلم المهارة والغرابة التي تنطوي عليها فكرة المقامات، أرادوا أن يضعوا للقرن التاسع عشر مهزلة بشرية يشير "رينيه" إلى "مجموعة بلزاكي" المسماة بهذا الاسم، فلم يعرفوا كيف يجعلونها في قالب مقبول، في حين حقق الحريري هذه الفكرة للمجتمع الإسلامي في القرن الثاني عشر، أما "بلزاك" فقد نقصته شخصية أبي زيد التي لا تكاد تلمسها حتى تفلت.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 284
الدرس: ١٢ تأثير (رسالة الغفران) و (التوابع والزوابع) و (حي بن يقظان) في الأدب العالمي .
стр. 285
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني عشر
(تأثير (رسالة الغفران) و (التوابع والزواب ع) و (حي بن يقظان) في الأدب العالمي)
تأثير (رسالة الغفران)، ورسالة (التوابع والزوابع)
تأثير (رسالة الغفران) ورسالة (التوابع والزوابع) في الأدب العالمي:
رسالة الغفران التي أبدعها قلم أبو العلاء المعري الشاعر العباسي المشهور: وهي رحلة خيالية كتبها صاحبها في القرن الخامس الهجري، ردًّا على رسالة وجهها إليه علي بن منصور الحلبي، المعروف بابن القارح، يسأله فيها عن جملة من الأمور تتصل بالتاريخ، والفكر، والتصوف، والأدب، والنحو، والسيرة النبوية، والزندقة. وقد أتي رد أبي العلاء على ابن القارح في شقين:
الشق الأول: هو الشق الخيالي، وفيه يتصور المعري ابن القارح في رحلة إلى العالم الآخر على غرار الأدب الخاص بالمعراج النبوي.
والشق الثاني: ينطوي على رد أبي العلاء المعري على المسائل التي تؤرق ابن القارح.
ورغم أهمية ما كتبه أبو العلاء في تبيين موقفه من القضايا المطروحة في المعارف والفنون والعلوم؛ فإن الشِّق الأول الذي هو عبارة عن رحلة خيالية، هو الشق الذي كُتب له الخلود.
وتنقسم رحلة ابن القارح إلى العالم الآخر إلى ثلاث مراحل: الصعود إلى السماء، ثم زيادة الجحيم، ثم التحول إلى الجنة. وقد استفاد المعري من أدب الإسراء والمعراج، ومصادره الأولى في القرآن والتفسير والحديث الشريف، في إطار الرحلة ومضمونها وتفاصيلها. وخلال هذه الرحلة بمراحلها الثلاث يلتقي ابن القارح بشخصيات متعددة من الشعراء والأدباء والنقاد والمفكرين؛ فيُحاورهم مثيرًا معهم طائفة من القضايا الفكرية والأدبية والنقدية والدينية.
следующие страницы →