Полный текст (585 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
بن ميمون العبدري الغرناطي، وأبي العباس الشريشي، وعقيل بن عطية، ومقامات البطليوسي، وابن المرابع الأزدي صاحب (مقامة العيد) وابن القصير الفقيه، ولسان الدين بن الخطيب، بالإضافة إلى مقامتين لمحارب بن محمد الوادآشي، و (المقامة الدوحية أو العياضية)، ومقامة ابن غالب الرصافي، ويبقى أأبرز من تأثر بالمقامات المشرقية السرقسطي، وتسمى مقاماته بـ (المقامات السرقسطية)، وهي المعروفة باللزومية، وهي خمسون مقامة أراد بها مقامات الحريري.
والمقامة هي حكاية عن حيلة تافهة بطلها متشرد ظريف، يتقمص في كل مرة شخصية معينة، فهو مرة قراد يسير بقرده ليجمع الناس في حلقات فيضحكهم، ويأخذوا من أكياسهم، وهو مرة واعظ محترف يلج المساجد لتدمع عينه ويرتل آيات الذكر ورقائق الوعظ وسير الصحابة، ومرة ثالثة ينحط إلى دركات وبيئة فيسرق أكفان الموتى ويجمل خادمه ليوقع في حبه المتهورين، ويتوخى صاحب المقامة من ذلك الوصول إلى قلوب الناس وكسب مودتهم، بمقدرته اللغوية وألاعيبه اللفظية وذلك بالإغراق في السجع والصنعة البديعية.
وإذا انتقلنا إلى الحديث عن تأثير المقامة في الأدب الأوربي خاصة السردي منه: فإن كثيرًا من الباحثين تحدثوا عن تأثير فن المقامات في الأدب الأوربي تأثيرًا واسعًا متنوع الدلالة، فقد غذت هذه المقامات قصص الشطار الإسبانية بنواحيها الفنية، وعناصرها ذات الطابع الواقعي،
стр. 282
وتعلق حبيبة البرقادية عن هذا اللقاء الأدبي بقولها: وهذا اللقاء التاريخي هو الذي يشرح أوجه الشبه الكبيرة بين المقامات وقصص الشطار في الأدب الإسباني.
وقد فضل الكتاب الإسبان أن ينسجوا على منوال قصص المقامات الواقعية عوض أن ينسجوا على منوال قصص الرعاة، واستطاعوا بعد جهد جهيد أن يقربوا بين قصصهم وواقع الحياة، وأثروا بذلك تأثيرًا كبيرًا في الآداب الأوربية، ثم إن المقامة حولت أنظار الأدباء من الجري وراء الخيال، وذلك بنسج قصص الحب والفروسية والرعاة إلى الواقعية وتقريب الفرد من المجتمع، ودعته ليفتح عينيه على واقعه، لذلك اتجه الكتاب الروائيون بإيحائها إلى التحدث عن أحوال المجتمع وظروف الأغمار من الناس، ثم أبدعوا روائعهم في هذا الاتجاه الواقعي، متناسين هذه الأحلام الهادئة التي كانوا يملئون بها قصصهم الخيالية.
وأول قصة من هذا النوع في الأدب الإسباني كان عنوانها (حياة لاسليو ومحنته) كما أن هناك من الباحثين مَن يثير تأثير المقامة في (الكوميديا الإلهية) لـ"دانتي"، إذ ليس من المعقول أن يكون هذا الكاتب بمعزل عن الثقافة العربية الإسلامية، وهو الملم بجميع نواحي الثقافة والمعرفة آنذاك، وقد درس الموضوع بمزيد من الجدية والعمق المستشرق الإسباني "بلاثيوس" في كتابه (المعتقدات الإسلامية حول العالم الآخر في الكوميديا الإلهية) وهو خلاصة دراسة استغرقت عشرين عامًا، وازن فيها المؤلف بين قصيدة "دانتي" من جهة وبين الكتب الدينية الإسلامية، وبعض الكتب الدينية العربية كالقرآن الكريم وكتب الحديث والتفسير والسيرة ومؤلفات المتصوفين، وانتهى المؤلف من دراسة كل هذا إلى القول بأن "دانتي" كان مطلعًا على كثير من نواحي الثقافة الإسلامية، وأنه استقى من هذا المنبع بعض الصور والمعلومات التي وردت في (الكوميديا الإلهية)، مما يتعلق بالبعث والحشر وخروج النفس ومشاهد الجنة والنار.
стр. 283
وهذا يقودنا إلى الربط بين المقامة والفن الروائي، فقد ذكر "بيير كاكيا" أن الفن الروائي لم يجد متنفسًا له إلا في المقامة، وهي كلمة تُرجمت إلى الإنجليزية بعنوان "أسيمبلي" وإلى الفرنسية بلفظ "سيونس"، بما يفيد أنه يمكن قراءتها في جلسة واحدة، وينقل بهذا الصدد محمد رجب البيومي عن الفيلسوف الفرنسي "إرنست رينان" هذا الإعجاب بالمقامة، التي آثرها على "مجموعة بلزاكي" الأدبية، بحيث إن الحريري قاد شحاذه في خمسين موقفًا مختلفًا بقوة اختراع عجيبة ودقة وتأمل في الأخلاق والعادات، لنعلم المهارة والغرابة التي تنطوي عليها فكرة المقامات، أرادوا أن يضعوا للقرن التاسع عشر مهزلة بشرية يشير "رينيه" إلى "مجموعة بلزاكي" المسماة بهذا الاسم، فلم يعرفوا كيف يجعلونها في قالب مقبول، في حين حقق الحريري هذه الفكرة للمجتمع الإسلامي في القرن الثاني عشر، أما "بلزاك" فقد نقصته شخصية أبي زيد التي لا تكاد تلمسها حتى تفلت.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 284
الدرس: ١٢ تأثير (رسالة الغفران) و (التوابع والزوابع) و (حي بن يقظان) في الأدب العالمي .
стр. 285
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني عشر
(تأثير (رسالة الغفران) و (التوابع والزواب ع) و (حي بن يقظان) في الأدب العالمي)
تأثير (رسالة الغفران)، ورسالة (التوابع والزوابع)
تأثير (رسالة الغفران) ورسالة (التوابع والزوابع) في الأدب العالمي:
رسالة الغفران التي أبدعها قلم أبو العلاء المعري الشاعر العباسي المشهور: وهي رحلة خيالية كتبها صاحبها في القرن الخامس الهجري، ردًّا على رسالة وجهها إليه علي بن منصور الحلبي، المعروف بابن القارح، يسأله فيها عن جملة من الأمور تتصل بالتاريخ، والفكر، والتصوف، والأدب، والنحو، والسيرة النبوية، والزندقة. وقد أتي رد أبي العلاء على ابن القارح في شقين:
الشق الأول: هو الشق الخيالي، وفيه يتصور المعري ابن القارح في رحلة إلى العالم الآخر على غرار الأدب الخاص بالمعراج النبوي.
والشق الثاني: ينطوي على رد أبي العلاء المعري على المسائل التي تؤرق ابن القارح.
ورغم أهمية ما كتبه أبو العلاء في تبيين موقفه من القضايا المطروحة في المعارف والفنون والعلوم؛ فإن الشِّق الأول الذي هو عبارة عن رحلة خيالية، هو الشق الذي كُتب له الخلود.
وتنقسم رحلة ابن القارح إلى العالم الآخر إلى ثلاث مراحل: الصعود إلى السماء، ثم زيادة الجحيم، ثم التحول إلى الجنة. وقد استفاد المعري من أدب الإسراء والمعراج، ومصادره الأولى في القرآن والتفسير والحديث الشريف، في إطار الرحلة ومضمونها وتفاصيلها. وخلال هذه الرحلة بمراحلها الثلاث يلتقي ابن القارح بشخصيات متعددة من الشعراء والأدباء والنقاد والمفكرين؛ فيُحاورهم مثيرًا معهم طائفة من القضايا الفكرية والأدبية والنقدية والدينية.
стр. 286
ور (سالة الغفران) بما فيها من قصص وحبكة وحوار ورسم شخصيات، أشبه برواية تحاور فيها ابن القارح مع عدد من الشعراء في طائفة من المسائل العلمية والدينية، وفي الرسالة تخيلات علائية عن آدم، وإبليس، والعفاريت، والملائكة. فضلًا عن تخيلاته عن الشعراء، وبعد فترة طويلة من ظهور (رسالة الغفران) ظهرت (الكوميديا الإلهية) لـ"دانتي" و (الفردوس المفقود) لـ"بيلتون". وقد عثر مستشرق إسباني معاصر على مخطوطتين لترجمتين لقصة المعراج، خَلَص منهما إلى نظرية تثبت أن دانتي قد بنا كوميدياه الإلهية على أصول إسلامية من بينها (رسالة الغفران) و"قصة المعراج".
وهناك أيضًا تَشَابُهٌ كبيرٌ بين رسالة الغفران، ورسالة (التوابع والزوابع) لابن شهيد الأندلسي؛ فكلتاهما تعرض القضايا الأدبية بأسلوب قصصي، وكلتاهما اتخذت مسرحها خارج هذا العالم الأرضي، وكان المؤلفان متعاصرين.
و (التوابع والزوابع) قصة خيالية تحكي رحلة في عالم الجن يلتقي البطل خلالها بشياطين الكتاب، فيحاورهم ويحاورونه ويخلصوا بذلك إلى سمات نقدية وأدبية محدودة. وتتخذ رحلة بطل (التوابع والزوابع) مسارًا تاريخيًّا في لقائه بتوابع الشعراء في مجلس الأول ابتداءً من العصر الجاهلي والأموي والعباسي؛ فيحاور عددًا من توابع الفحول، كامرئ القيس، وطرفه، وأبي تمام، والبحتري، وأبي نواس، والمتنبي.
وهو يُوفق بين البُعد الجسمي والفكري؛ ليستخرج نفسية الشاعر وذاته، فيرسم له صورة قلمية في ضوء ما ورد من أخبار.
стр. 287
وفي المجلس الثاني وهو مجلس الكتاب يقدم ابن شهيد رؤية جديدة، وهي أن للكتاب شياطين كما للشعراء شياطين. ويبدأ بالجاحظ، ويحاور عبد الحميد الكاتب وبديع الزمان، ويسجلهم في قضايا تتصل بالسجع وبالمزاوجة، وبالأساليب والبيان، ويخلص إلى انتزاع شهادات بإجازتهم له، وتفوقه عليهم.
أما المجلس الثالث فيُبين ابن شهيد من خلاله طائفة من القضايا النقدية التي كانت تشغل ذوق العصر، وفي المجلس الأخير ينتقل ابن شهيد وتابعه إلى أرض بها حيوانات من الجن، حيث يحكم في قطعتين شعرتين غزلتين لبغل محب وحمار عاشق، وتنتهي الرسالة بحوار بن الشهيد مع الإوزة، التي يرى أنها تابعة لبعض شهود اللغة، وأرادت أن تُناظره في النحو وغريب اللغة؛ فأعرض عنها وزجرها لسخفها وحماقتها.
ومن أهم سمات أسلوب ابن الشهيد القصصي: حظه من الخيال؛ فخياله قوي خلاق، تحفه طائفة من الصورة الدقيقة الوصف، معناة بتصفية الأخلاق والأشكال في إطار من تحليل نفسي، وقد اهتم بالأوصاف الدقيقة، وكأنه دون أن يشعر يُعَوّض عن ضعف حاسة السمع لديه؛ فهو يكثر من الصور المتحركة والمسموعة.
كما كان عنصر التشويق أداة من أدوات أسلوبه، بجانب الاستطراد الذي يقتضيه السياق القصصي؛ فضلًا عن ظاهرتي الحوار الداخلي والمباشر،
стр. 288
وتزخر الرسالة بروح الفكاهة والإضحاك، بما يضع ابن الشهيد في مكانة بارزة من السخرية والطرافة. ومن المُرَجّح أنّ ابن شُهَيدٍ استوحى موضوع الرسالة متأثرًا بقصة الإسراء والمعراج، كما تأثر بها أيضًا الإيطالي "دانتي" في رسالته (الكوميديا الإلهية) وهذا باب طويل في الأدب المقارن.
ويماثل (التوابع والزوابع) (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري في المشرق؛ فالكاتبان يلتقيان معًا في الخيال والأوصاف والسخرية والإضحاك، ولكنهما يختلفان في اللغة؛ فلغة المعري لا تخلو من تعقيد، وإغراء، وسجع ملتزم، ولغة ابن شهيد سلسة طيعة بعيدة عن التكلف والصنعة، تزاوج تارةً، وتسجع أخرى، وتسترسل ثالثة؛ ففيها لكل مقام مقال.
وهُنا يَنبغي أن نقول كلمة عن (الكوميديا الإلهية)؛ فهي ملحمة شعرية طويلة للشاعر الإيطالي "دانتي ألجري" عُرفت في الأدب العالمي بهذا الاسم، وقد بدأها "دانتي" عام ألف وثلاثمائة وثمانية، وانتهي منها عام ألف وثلاثمائة وواحد وعشرين، وموضوعها الرئيسي هو الحياة بعد الموت، و"دانتي" هو الشخصية الرئيسية فيها، وتنقسم إلى الجحيم المطر والجنة أو الفردوس، وقد أطلق عليها "دانتي" (الكوميديا) لأنها انتهت نهاية سعيدة، ثم أضافت إليها الأجيال اللاحقة صفة الإلهية.
وقسم "دانتي" الأقسام الثلاثة في القصيدة إلى أجزاء أخرى تسمى الأجزاء الداخلية، ويضم كل من قسمي المطر والفردوس ثلاثة وثلاثين جزءًا، أما
стр. 289
الجحيمُ فيضم أربعة وثلاثين جزءًا، وتتميز جميع الأجزاء بالإيقاع القوي؛ نظرًا لمقاطعها الموشحية في ذات الثلاثة.
وتبدأ القصة بـ"دانتي" المفقود في غابة مظلمة، ويمثل ذلك عنده إحساسه بتفاهة حياته، والشر الذي كان يراه في مجتمعه، وفي يوم جمعة صحوة، وبعد ليلة من التجوال المؤلم، يتقابل مع الشاعر الألماني "فرجيل" الذي يعده بأن يُخْرِجه من تلك الغابة، ويَقُوده إلى رحلة في العالم الآخر، ويَدْخُلان الجحيم، حيثُ يريان جموعًا من الأفراد يعانون العذاب الذي تصبه فوق رءوسهم الوحوش الخرافية، والشياطين والمخلوقات الأخرى عقابًا على خطاياهم. والملعونون المعذبون هؤلاء شخصيات تاريخية معروفة جيدًا.
ويُغادر كل من "دانتي"، و"فرجيل" الجحيم ويصلان إلى جبل المطهر، ومن هناك يتسلقان إلى الشرفات المضيئة، فيها الموتى الذين لهم الخلاص، يبحثون عن الغفران من الخطايا التي اقترفوها على الأرض، ويملأ جو من الأمان والأمل ذلك المكان الخاص بالتطهر، على عكس المعاناة الكبيرة واليأس اللذين مر بهما في الجحيم، وعند وصولهما إلى الجنة الأرضية على قمة جبل المطهر يُرسل "فرجيل" بـ"دانتي" إلى مرشدة جديدة هي "فياترس".
وتعد هذه الملحمة من نواح عدة قصيدة حب تمتدح جمال "فياترس" الأخلاقي، وقدرتها على وصول بـ"دانتي" إلى رؤية الخير الأعظم، إذ إنها تقوده خلال طبقات السماوات العشر؛ حيث يلتقي بأرواح المباركين، ويقفُ "دانتي" في بهجة ونشوة، ويتفهم في النهاية الحقيقة النهائية للحياة وما يعنيه الكون.
وتذهب جماعةُ مؤرخي الأدب والنقاد إلى أن "دانتي" تأثر في هذا العمل بقصة الإسراء والمعراج، ورُبّما أيضًا بـ (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري، وأخذ
стр. 290
الفكرة والمنهج عنه، لكن للدكتور محمد غنيمي هلال رأيًا مختلفًا، إذ رغم تأكيده أن بين (رسالة الغفران) و (الكوميديا الإلهية) تشابهًا حقيقيًّا؛ فإنه يُورد احتمال أن يكون العملان كلاهما قد أفاد من حكاية الإسراء والمعراج، كما ورد في الأحاديث النبوية الغير الموثوق بها على حد تعبيره.
وفي هذه الحالة يكون أبو العلاء -كما يقول الدكتور هلال- قد أفاد من التراث الإسلامي قبل "دانتي"، وهذا كل ما هناك؛ فإنه لا يطرح احتمالًا آخر وهو أن يكون أبو العلاء قد استوحى رسالته من حكاية رحلة "الموبل زرادشتي أرده ويراف" إلى الجحيم والأعراف والجنة، بل لا يَستبعد أن يكون المصدر فارسي أصلًا، لما سار بين المسلمين من حكايات خرافية عن الإسراء والمعراج.
والملاحظ أن الدكتور هلال لم يورد المرجع الذي استند إليه في القول بهذا الرأي الذي أستبعده تمام الاستبعاد، إذا لو كان الأمر كذلك لما سكت العلماء المسلمون على تأثر أبي العلاء "بموبدن زرادشتي" في أمر ديني شديد الحساسية كأمر الآخرة، كما أنّ الفرس لم يكن يفلتوا هذه الفرصة ليلقوا الضوء على مجد من أمجادهم الأدبية، قد رأينا ابن الأثير مثلًا في درس سابق، يُفَضِّل الشعر الفارسي على نظيره العربي، من ناحية أنه يستوعب القصص الطوال جدًّا، دونَ أن يظهر على الشعر كلال أو ملال، على حين لا تزيدُ القَصيدة العربية على بضع عشرة من الأبيات، في مُقابل الآلاف منها في الملاحم الفارسية.
ولم يسكت الجانب الآخر على هذا التفضيل، فرأينا كيف انبرى صلاح الدين الصفدي، يُفَنِّد كل ما قاله ابن الأثير، وموردًا من الشواهد ما يرى أنه كفيل بنفس هذا الحكم، الذي يراه مجحفًا أشد الإجحاف بالقريحة العربية، بل يراه نهجًا شعوبيًّا لا يصح الصمت إيذاءه. ثم قبل ذلك وبعده فإن المواد -على الأقل
стр. 291
المواد الأساسية- التي استعان بها أبو العلاء المعري في إبداعه (رسالة الغفران) هي مواد إسلامية تمامًا، إذ هي مستقاة من القرآن والحديث العقيدة الإسلامية بكل ما فيها من خطوط عامة، وكثير من التفاصيل الدقيقة، مع مَزجِها بما لديه من خيال وثّاب، وسُخرية راقية، ومعرفة واسعة عميقة، ولغة فحلة.
ثم قَبل هذا أين كان ذلك الكتاب الذي يتحدث عنه الدكتور هلال؟ هل ترجم إلى العربية حتى يمكن القول باحتمال إطلاع العرب عليه؟ أم هل كان أبو العلاء يتقن لغة فارس التي كتب بها ذلك الكتاب؟ بل هل جاء ذكر الكتاب في تراثنا العربي قط؟! فمَن ذكره يا ترى؟ وفي أي سياق؟ واضح أن الدُّكتور هلال قد ألقى كلمته دون احتياط على الإطلاق، ولم يُفكر لا في العواقب ولا في المصادر، وهو ذات الموقف الذي اتخذه لويس عوض من أبي العلاء ذاته حين زعم تدليسًا أنه متأثر في رسالته الغفرانية براهب قابله ذات مرة في دير الفاروس بحلب.
وإذا كان مثل لويس عوض الذي لم يكن يُبالي بمنهجية ولا علمية في سبيل نشر دعواه المريبة، يقدم على اختراع تلك الدعاوى؛ لقد كان أحرى بهلال أن يكون أكثر رصانةً واحتراسًا. ويزيد الأمر سوءًا وتعقيدًا وغرابة أنّ هلالًا لم يجشم نفسه تعريفنا برحلة "المومت الزرادشتية" هذه بل اكتفى بالقول بأنها رحلة إلى الجحيم والأعراف والجنة، تُرى هل هذا يَكفي في السياق الذي نحن فيه؟
أما (الفِرْدَوس المفقود): فهي من إبداع الشاعر الإنجليزي الذي كان يعيش في القرن السابع عشر "جون ميلتون" وهو شاعر وكاتب سياسي بريطاني، ويُعدّها الكثير من أجمل ملاحم اللغة الإنجليزية، وقد ألف أيضًا: (الفردوس المُسْتردّ)
стр. 292
و (مصرع شمشون). ويعتقد أن "ميلتون" قد ألف العملين الأولين وربما الأخير أيضًا بعد أن كُفّ بصره، وكَتب مِيلْتُون (الفردوس المفقود) حتى يبرز مسالك الرب مع الإنسان كما يقال، وتعيد القصة ذات الإثني عشر كتابًا رواية قصة الكتاب المقدس عن الخلق، وسقوط آدم في مواجهة تمرد إبليس على ربه والخروج من الجنة.
لقد كان ميلتون على دراية واسعة بأدب الإغريق واللاتيني القدامى، وتأثر بهم كثيرًا؛ لكنّه رَكّز اهتمامه بوصفه بروتاستني على الإنجيل؛ فقد أراد ميلتون أن يقدم انجلترا من خلال شعره ما قدمه عظماء وصفوة عقول أثينا وروما.
قصة (حي بن يقظان) وتأثيرها في الأدب العالمي
وفي التراث العربي يوجد أكثر من قصة بعنوان (حي بن يقظان) وهي قصة رمزية تدور حوادثها حول شخص نشأ في جزيرة وحده، ويتصور علاقته بالكون والدين، وأول منشئ لقصة (حي بن يقظان) هو الفيلسوف ابن سينا، ثم أعاد كتابتها شهاب الدين السهروردي، وبعدها صاغها من جديد فيلسوف أندلسي بن الطفيل، ثم كانت آخر رواية القصة بقلم ابن النفيس. على أن أشهر مؤلف بين هؤلاء الأربعة هو ابن الطفيل، وبسبب شهرة هذه الرواية قيل: إن قصصًا غربية مثل مثل قصة (روبنسون كروزو) و (طرزان) قد نُسِجت على منوالها.
وقد صَبَّ ابن الطفيل في هذه القصة آراءه القائلة بعدم التعارض بين العقل والشريعة، أو بين الفلسفة والدين في قالب روائي قصصي، إذ نشأ بطل القصة (حي بن يقظان) في جزيرة معزولة، وكان قد ألقي فيها طفلًا، أو نشأ بشكل طبيعي من مادتها وترابها حسب الروايتين المختلفتين، وبعد أن نما وترعرع تأمل الكون من حوله؛ فوصل إلى حقيقة التوحيد بالفطرة.
стр. 293
ثم انتقل إلى جزيرة أخرى، فالتقي بشخصين هما: سلامان وأبسال، فوجد الأول منهما يعلم أهل الجزيرة -الذين يتدينون تدينًا سطحيًّا- يعلمهم الحقائق الإلهية والوجودية عن طريق ضرب الأمثال، بينما يميل الثاني إلى التأمل والنظر العقلي وفيه نزعة صوفية. ويُدرك حي بعد أن يتفاهم مع أبسال أنّ مَا توصل إليه من إدراك لحقائق الوجود والكون بالفطرة، وما ورِثه أبسال عن طريق النبوة، إن هو إلا وجهان لحقيقة واحدة؛ فالكون واحد، والخالق واحد، وهو رب السماوات والأرض وصانع الموجودات، قد نصل إليه عن طريق التأمل الذاتي كأفراد، لكن الجماعات بحاجة إلى طريقة أبسال في ضرب الأمثال الحسية لمعرفة ذلك؛ لأنه لا قدرةَ للعامة على إدراك الحقيقة المجردة التي قد يصل إليها أصحاب التأمل الذاتي والنظر العقلي.
والنبوة حق ولا بد منها، والخليقة بحاجة إليها للوصول إلى معرفة الخالق، إلا أن (حي بن يقظان) لا يكاشف أهل الجزيرة بالحقيقة كلها، بل يعود مع أبسال إلى الجزيرة الأخرى؛ ليَعْبُد الله عبادة رُوحيّة خالصة؛ حتى يأتيهما اليقين.
وتمثل القصة العقل الإنساني الذي يغمره نور العالم العلوي، فيصل إلى حقائق الكون والوجود بالفطرة والتأمل بعد أن تلقاها الإنسان عن طريق النبوة، وتُؤَكِّد قِصّة (حي بن يقظان) على أهمية التجربة الذاتية في الخبرة الفكرية والدينية، وقد تركت آثارها على كثير من الجماعات والمفكرين، وترجمت إلى اللاتينية واللغات الأوربية الحديثة. وتتجلى براعة ابن طُفيل في مَزْجِه الأفكار الفلسفية الدقيقة بالقصص الشعبي، وفي جهده لتصوير هذه الأفكار منطقيًّا وفنيًّا.
وهُناك رِوايتان تفسران لنا ولادة (حي بن يقظان):
стр. 294
الأولى تقول: إنه تولد من الطين في جزيرة جنوب خط الاستواء تسمى "الواق واق" وهي جزيرة خيالية كما هو واضح، على حين تخبرنا الرواية الأخرى بأنه قد ولد لأميرة تزوجت على غير إرادة أخيها الملك، من قريب لها اسمه يقظان، ثم أنجبت منه طفلًا؛ فخافت أن يفتضح أمرها، فيعاقبها أخوها عقابًا رهيبًا هي وزوجها؛ لأنه لم يكن يريد لها أن تتزوج، فألقت ابنها في تابوت، وأسلمته إلى اليم الذي حمله إلى جزيرة مهجورة.
وتصادف أنْ مَرّت في المكان الذي استقر فيه التابوت غزالة كانت تبحث عن ابنها الذي فقدته، فسمعت صوت بكاء فاتجهت نحوه، وكان أن عثرت على الطفل الرضيع فأخته وأرضعته وحضنته وربته، وكانت تحمله هنا وهناك أينما اتجهتْ. ويَكْبُر (حي بن يقظان)، وتمر حياته في سَبعِ مراحل كما يقول كاتب مادته في النسخة العربية من موسعات "اليوكيبيديا":
أما الأولى: فهي إرضاع الغزالة لحي وحضانتها ورعايتها له، حتى بلغ سبع سنوات، ثم بَعد ذلك وفاة الغزالة وتشريحها من قبل (حي بن يقظان)؛ لمعرفة سبب الوفاة، حيث بدأت تتكون عنده المعرفة عن طريق الحواس والتجربة.
وهنا تأتي المرحلة الثالثة وكانت اكتشافه للنار.
أما المرحلة الرابعة فكانت في تصافحه لجميع الأجساد التي كانت موجودة حوله، إذ جعل يَكْتَشِفُ الوحدة والكثرة في الجسم والروح، وتشابه الكائنات من مادة، واختلافها في الصور.
وتلا ذلك المرحلة الخامسة وكانت اكتشاف الموت،
стр. 295
وعند بلوغه الخامسة والثلاثين من عمره بدأ حي مرحلته السادسة، وهي مرحلة الاستنتاج بعد التفكير؛ فتوصل إلى أنّ النّفس مُنْفَصلة عن الجسد، كما شعر داخله بشوق إلى واجب الوجود. وأخيرًا يُدرك (حي بن يقظان) في المرحلة السابعة أن سعادته لا تتحقق إلا في ديمومة المشاهدة لهذا الموجود الواجب الوجود، والبقاء داخل حياة رسمها هو لنفسه.
هذا عن (حي بن يقظان)، فماذا عن سيرورتها خارج النطاق العربي الإسلامي، وتأثيرها في الفكر والأدب العالمي؟
تجيب على ذلك ذات المادة من موسوعة "يوكوبيديا" في نسختها الإنجليزية؛ فقد جاء فيها: أنه ظهرت لرواية ابن طفيل ترجمة لاتينية عام ألف وستمائة وواحد وسبعين، بقلم "إدوار بيكوك"، الذي كان قد أعدها منذ عام ألف وستمائة وستين، وأنها قد أوحت للمفكرين بمفهوم " tabula raza " أي: العقل في حالته الأصلية قبل أن تدخله أية فكرة أو معلومة، وقبل أن يخبر الحياة بعد، أو يعرف أي شيء فيها، وهو المفهوم الذي اعتبره " jon lok " في رسالات هذه " any say konsarneing human andr standeng ".
وكان لوك تلميذًا لبيكوك وقرأ ترجمته لكتاب ابن الطفيل وأبدى إعجابه به، كما أوحت (حي بن يقظان) إلى "روبرت بويل" بكتابة روايته " tha asbiring natshral last ". التي تقع أحداثها أيضًا فوق جزيرة من الجزر.
أما أول ترجمة إنجليزية فقد صدرت عام ألف وستمائة وستة وثمانون بقلم جورج أشول، اعتمادًا على الترجمة اللاتينية السالفة الذكر، ثم تُرجمت مرة أخرى إلى الإنجليزية من العربية مباشرةً عام ألف وسبعمائة وثمانية، على يد "سايمون أوكلي" لتظهر بعدها ترجمتان إنجليزيتان أخريان، كما أشار مُحَرِّر المَادة إلى
стр. 296
اطلاع "سبينوز" الفيلسوف الألماني على الرواية، وتشجيعه أحد أصدقائه على ترجمتها للهولندية، فكانت الترجمة التي ظهرت سنة ألف وستمائة واثنتي وسبعين، والتي ظهرت ترجمة هولندية أخرى بعدها بنحو ثلاثة عقود.
كما ظهرت ترجمتان ألمانيتان أخريان، وقد اطلع الفيلسوف الألماني "لايبرتس" على إحدى هاتين الترجمتين، وأثنى على ما في الرواية من فلسفة عربية إسلامية ثَنَاءً كبيرًا، وبالمثل اطلع أساتذة السُّوربون على ترجمة "بيكوك" وكانوا مبتهجين بها أشد الابتهاج. وفي سنة ألف وسبعمائة وتسعة عشر ألهمت إحدى الترجمات الإنجليزية ل (حي بن يقظان) الروائي "دانيل ديفو" فكتب روايته (روبنسون كروزو) التي جرت وقائعها في إحدى الجزر المهجورة، وهو العمل الذي يعده مؤرخو الأدب أول رواية إنجليزية. ثم ظهرت رواية أخرى عام ألف وثمانمائة وواحد وستين في بريطانيا على نفس الشاكلة، تحتوي على أشياء كثيرة جدًّا من ترجمة "بيكوك" ل (حي بن يقظان)، ثم أُريدَ طَبع تَرجمة بيكوك ثانية عام ألف وثمانمائة وأربعة، أما ترجمة ابن يقظان إلى الأسبانية؛ فقد تأخر ظهورها لبداية القرن العشرين، ثم ظهرت ترجمة فرنسية لها في نفس العام بقلم المستشرق "بيونج تيه".
وفضلًا عن هذا كانت (حي بن يقظان) إرهاصًا على نحو من الأنحاء برواية "جان جاك روسو إيميل" كما أن بينها وبين رواية (كيبرينج ذا جانجل بوك) شبهًا واضحًا، وكذلك بينها وبين رواية (طرزان) التي ألفها "إيدجر رايس باروزوا" وتدور حول طفل رضيع هجرته أمه في جزيرة استوائية خالية من السكان، حيث التقطته وربته واعتنت به ذئبة من الذئاب.
стр. 297
وهناك كتاب مفكرون أوروبيون غير قليلين تأثروا بترجمة "بيكوك" لرواية (حي بن يقظان) منهم "جون وردس" و"روبرت داركلي" و"كارل ماركس" وطائفة "الكويكرس" المعروفة وآخرون، وفي عام ألف وسبعمائة وواحد وعشرين، ظَهر في أمريكا كتاب (ذا كريشتن كروسفر) للكاتب والقسيس الأمريكي البيروتاني "كوتوننيسس" الذي لم يمنعه وسمه المسلمين بالكفر من استيحاء رواية (حي بن يقظان) في كتابه هذا، ولا من الاعتراف بتأثيره عليه ناظرًا إلى حي بطل الرواية بوصفه نموذجًا للفيلسوف النصراني المثالي، ومحاولًا من خلاله فهم نفسية سكان أمريكا الأصليين الهنود الحمر؛ بغية تحويلهم إلى مذهبه "البرويتاني".
وكما نرى فإنّ مَادة (حي بن يقظان) في النسخة الإنجليزية من "اليوكوبيديا" تُؤكِّد أن تأثير رواية ابن الطفيل على الآداب الأوربية تأثير واسع وعميق، وعند هذه النقطة نحب أن نتوقف بشيء من التفصيل إيذاء قضية الصلة بين تلك الرواية وبين رواية (ديفو روبينسون كروزو).
ولكن علينا أولًا أن نتعرف إلى "روبنسن كروزو" مثلما تعرفنا إلى (حي بن يقظان)، وسوف يكون اعتمادنا على ما جاء المادة الخاصة بتلك الرواية في موسوعة "اليوكوبيديا".
فنقول: إن (روبنسون كروزو) قصة كتبها "دانيال ديفو" ونشرها لأول مرة عام ألف وسبعمائة وتسعة عشر، وهي تحكي قصة شاب عاش في جزيرة من الجزر وحيدًا لمدة طويلة دون أن يقابل أحدًا من البشر، ثم بعد عدة سنوات التقى بأحد المتوحشين؛ فعلمه بعض ما وصل إليه الإنسان المتحضر من تقدم فكري، واتخذه خادمًا له، ثم يعود في نهاية القصة مصطحبًا خادمه إلى أوربا حيث العالم المتحضر.
وتبدأ القصة بمغادرة "كروزو" إنجلترا في رحلة بحرية في سبتمبر عام ألف وستمائة وواحد وخمسين، مخالفًا رغبات والديه، ويسطوا القراصنة على السفينة ويصبح
стр. 298
"كروزو" عبدًا للمغاربة، إلّا أنّه تَمكّن من الهرب في زورق، ويُصادِفُ قائدَ سَفِينَةٍ بُرتُغالية قادِمة من الساحل الغربي لأفريقيا، في طريقها إلى البرازيل، وهُناك يصبح "كروزو" مالكًا لإحدى المزارع، وينضم إلى بعثة الجلب الجديد من أفريقيا، وتغرق السفينة التي كان هو فيها وقتذاك في عاصفة تبعد أربعين ميلًا في البحر في مدخل نهر "أورونيكو" في الثلاثين من سبتمبر عام ألف وستمائة وتسعة وخمسين، فيموت جميع رفاقه ما عداه، ويتمكن من استخلاص الأسلحة والأدوات والتجهيزات الأخرى التي كانت في السفينة قبل أن تتحطم تمامًا وتغوص في الماء.
ثم يقوم ببناء سور لمسكنه الذي أقامه في كهف، ويصنع أيضًا تقويمًا يتعرف به على أمور الزمن، من خلال علامات يَرْسُمها على قطعة خشب، كما يقوم بالصيد وزراعة الذرة، ويتعلم صناعة الفخار وتربية الماعز، ويقرأ الإنجيل، ويصبح متدينًا فجأةً، ويشكر الله على مصيره؛ فلا شيء قد فقد منه إلا المجتمع والناس.
وفي يوم من الأيام يكتشف "كروزو" جماعة من آكلي لحوم البشر يقومون بزيارة الجزيرة؛ ليقتلوا ويأكلوا أسراهم، وعندما استطاع سجين من السجناء الهروب انضم إلى "كروزو" فسماه " friy day " باسم يوم الجمعة الذي قابله فيه؛ فشرع يعلمه الإنجليزية حتى يستطيع التفاهم معه، كما نجح في تحويله إلى النصرانية.
ثم تصل مجموعة جديدة من السكان الأصليين؛ لصنع وليمة أخرى من اللحوم البشرية، ويستطيع جمعة و"كروزو" قتل معظمهم مع الاحتفاظ باثنين من أسراهم أحدهما: هو والد جمعة، والثاني: إسباني، ويُخبر هذا الأخير
стр. 299
"كروزو" أن مجموعة من الأسبان الذين غرقوا موجودون على هذه الجزيرة، ويَسْتَطِيعُ الثلاثة بمعاونة هؤلاء الأسبان بناء سفينة يبحرون بها إلى إسْبانيا، بيد أن سفينة إنجليزية تظهر، ويَقَعُ فيها تمرد يسيطر أصحابه على السفينة، ويتركون قائدهم على الجزيرة، إلا أن القائد بمساعدة "كروزو" يستطيع استردادها.
ثم يسافر "كروزو" بعد ذلك إلى البرتغال للبحث عن قائده القديم، الذي يخبره بأن مزرعته "الدراجينية" قد جعلته رجلًا غنيًّا، ومن البرتغال يسافر "كروزو" برًّا إلى إنجلترا، عن طريق إسبانيا وفرنسا؛ حيث يتعرضون في جبال "بريليز" لهجوم من الذئاب، ويُقَرِّر "كروزو" بيعَ مزرعته، إذ إن عودته إلى البرازيل تستلزم تحوله إلى الكاثولوكية، وهو ما لا يريده ثم يتزوج ويصبح أبًا لثلاثة أطفال، وعندما تموت زوجته ويُصبح أرملًا، يعود إلى جزيرته في نهاية المطاف.
هذا، وقد سبق أن رأينا كيف تُؤكد مادة (حي بن يقظان) في موسوعة "اليوكيبيديا" أنّ للرواية العربية تأثيرًا كبيرًا على نظيرتها الإنجليزية، وهو رأي من الآراء المختلفة في هذه القضية، التي ينقسم قارضوا الأدب بشأنها، إذْ هُناك من يتجاهل تلك الصلة، ولا يتحدثُ عنها، بل لا يومئ إليها مجرد إيماء، وكَأنّها لم تكن، ولا يُمكن أن تكون. وهناك من يؤكد أن "ديفو" إنما سبق ما كتبه "سلكيرك" البحَّار الأسكتلندي عن مغامرته الحقيقية المشابهة بما جاء في قصة (روبنسون كروزو) تلك المغامرة التي نُشرت أكثر من مرة قبل كتابة "ديفو" لروايته، وهناك من يشير إلى وجوه الشبه بين العملين، إلا أنه يُردف ذلك إلى بأنه لم يثبت أن "ديفو" قد استوحى كتاب ابن الطُّفيل، إذ ليس هناك أي دليل على أنه قد وقع في يده؛ فضلًا عن أن يكون قد قرأه.
стр. 300
وهناك من يوافق على أنه لم يثبت تاريخيًّا أن "ديفو" قد اضطلع على (حي بن يقظان)، بَيدَ أنّه يُحتم على هذا أنه يكون قد قرأها وتأثر بها، أي: أنه يعتمد على البرهان النظري للواقعية.
يقول الدكتور سعيد إبراهيم عبد الواحد في مقال له بعنوان "الترجمة إثراء للثقافات المختلفة" منشور في مجلة "ديوان العرب" الإلكترونية، بتاريخ الثامن من كانون الأول أي: ديسمبر سنة ألفين وخمس للميلاد، عن (حي بن يقظان): إنها من أعظم قصص العصور الوسطى ابتكارًا، وقد كان لهذه القصة الأثر الفعال في الآداب الأوربية بعد عصر النهضة، وذلك بعد أن ترجمت إلى اللغات الأجنبية المختلفة، وانتشرت طبعاتها في كل مكان، ومن بين المترجمين لهذه الرسالة "ليونج تييه" الفرنسي، ولعله هو أول مَن بحث علاقة قصة (حي بن يقظان) بقصة (روبنسون كروزو) المكتوبة عام ألف وسبعمائة وتسعة عشر في بريطانيا تحت عنوان: "مُغامرات عجيبة في قصة حياة روبنسون كروزو".
ووقفت "جوتيا" عند حد افتراض اطلاع "ديفو" على قصة ابن طفيل، ويذهبُ في "دائرة المعارف الإسلامية"، إلى اعتبار أن "كروزو" تمثل نمطًا لرجل عملي دنيوي، في حين يمثل (حي بن يقظان) مثلًا للحياة التأملية التصوفية. ويأتي "إيرن سبيكر" في كتابة (تاريخ القصة الإنجليزية) الصادر في لندن سنة ألف وستمائة وثلاث وأربعين ميلادية، ليعد (حي بن يقظان) أحد المصادر المحتملة لقصة (روبنسون كروزو) وينضم "وليم كيري" و"ليفين أولو فسون" إلى أولئك الذين جزموا باطلاع "ديفو" على قصة (حي بن يقظان)، في حين يقف "أوجستين سيرار" و"ديهارو ويختناش" دون الجزم.
أما الكتَّاب العرب: عمر فروخ، ومحمد غلاب، وعلي المسراطي، وقدري طوقان، وكمال اليازجي، وأنطوان كرم، وإبراهيم مدكور، ومحمد نصر جمعة،
стр. 301
ولطفي عبد البديع، وسعيد عبد الفتاح عاشور، وكامل كيلاني؛ فقد ذهب جميعهم على تأكيد أثر قصة (حي بن يقظان) في قصة (روبنسون كروزو). وأما من افترض أيضًا اضطلاع "ديفو" على (حي بن يقظان) المستشرق "دويشون" كاتب مادة (حي بن يقظان) في الطبعة الجديدة من "دائرة المعارف الإسلامية"، إذ كتب: أنه من المحتمل أن تكون قصة (روبنسون كروزو) التي ظهر جزؤها الأول عام ألف وسبعمائة وتسعة عشر، مدينة بعض الشيء لترجمة "أوكلي" لقصة ابن طفيل.
كذلك يقرر كامل كيلاني في مقدمة ترجمته المبسطة للناشئين لكتاب (روبنسون كروزو) أنه قد ظهر فيه أثر القصة العربية الخالدة (حي بن يقظان). أما الدكتور عمر فروخ فقد قال في كتابه (تاريخ الأدب العربي): لقد قلّد هذه القصة كتاب كثيرون أشهرهم وأقربهم السياسي القصصي الأدبي "دانيال ديفو" في قصته (روبنسون كروزو). كذلك كتب جميل صليبة، وكامل عياد، في مقدمة تحقيقهما لكتاب (الطفيل مالي). وتمتاز قصة ابن الطفيل عن قصة (روبنسون كروزو) من الناحية الفلسفية، كذلك تمتاز على غيرها من القصص الفلسفية الشرقية بالقرب من الحقيقة الواقعة، وبالوصف الطبيعي، والتفصيلات الدقيقة عن الحياة العملية، عَدَا رشاقة الأسلوب وسهولة العبارات وحسن الترتيب. وهي بهذه المزايا تعد في مقدمة الآثار العربية التي تستحق الخلود في تاريخ الفكر البشري.
وبالمثل تُؤكد مادة (روبنسون كروزو) في موسوعة "سهلول الضوئية": أنّ رواية "ديفو" مُستوحاة من (حي بن يقظان)، إذ نَقْرَأُ فيه أنّ ذلك العمل قصة أوربية
стр. 302
مأخوذة عن قصة (حي بن يقظان) لابن طفيل الأندلسي، وأنه بعد ترجمة قصة (حي بن يقظان) بدأ الغربيون ينسجون على منوالها، ولعل أهم ما نسجوه قصة (روبنسون كروزو) للكاتب "دانيال ديفو". ورغم هذا؛ فإن كاتب المادة لا يُغْفِلُ الفُروقَ التي بين الروايتين، بل يرصدها معليًا في الوقت ذاته من شأنه الروايات العربية على نظيراتها الإنجليزية.
وأما الدكتور محمد غريب هلال فيستبعد أن يكون لـ (حي بن يقظان) تأثير على قصة "ديفو" لأن التشابه بينهما ظاهري ضئيل كما يقول، علاوة على أن قصة (روبنسون كروزو) أصلًا تاريخيًّا يَتمثل في مغامرات البحار الأسكتلندي "سيلكرك" التي كتب عنها زميل له من البحارة عام ألف وسبعمائة وتسعة، أي: قبل ظهور "روبنسون كروزو" بعشر سنوات. ومع هذا نرى هلالًا في ذات الوقت يؤكد أن قصة الكاتب الإسباني (بلتا أسار جارتسيان ألكريتيكن) التي ظهر أنشاؤها ثلاثة اتباعًا في خمسينيات القرن السابع عشر. إذ من المؤكد في رأيي أن يكون "جراتسان" قد اطلع على قصة ابن الطفيل رغم أنها لم تكن قد ترجمت بعد إلى أية لغة أوربية؛ لأنّه من الصعوبة بمكان أن نرجع هذا التشابه بين العملين إلى مجرد المصادفة.
وهناك أيضًا مدني صالح الذي يَخْلُص في مقاله المنشور في العدد التاسع من مجلة "الأقلام العراقية"، إلى أنّ قصة (روبنسون كروزو) هي عنصر من عناصر "ديفو" الثقافية، وهو ما يؤيده فاروق سعد صاحب كتاب (حي بن يقظان) لابن الطفيل، وهذا يعني أن ذانك الكاتبين يريان أنه لا وجود لأي صلة أو عملية تأثير أو تأثر بين قصة ابن الطفيل، وقصة "دانيال ديفو".
وبالمثل فإن كاتب مادة (روبنسون كروزو) في موسوعة "الإنكارتا" الإنجليزية طبعة ألفين وستة، لا يُشير لأي صلة بين العملين، مكتفيًا فقط بلفت النظر إلى ما
стр. 303
قيل عن تأثر "ديفو" في كتاب (روبنسون كروزو) بما وقع ألكسندر "سيلكرك" بمغامرات حقيقية قرأها الجمهور على نطاق واسع قبل صدور (روبنسون كروزو).
ونفس الشَّيء يردده كاتب ذات المادة في النسخة الفرنسية من طبعة ألفين وتسعة، من "الإنكارتا" إذ يُرجع مصدر إلهامها إلى "ألكسندر سيلكرك" البحار الأسكتلندي الذي غرقت سفينته، واضطر للعيش وحيدًا فوق جزيرة من جزر أرخبيل "خوارفنديز" بشيلي، وعلى نفس الشاكلة تمضي "إنسيكلوبيديا بريتانيكا" الموسوعة البريطانية طبعة ألفين وثمانية في ترجمتها لـ"ديفو"، إذ كل ما تقوله في هذا الصدد هو أن المؤلف قد اعتمد جزئيًّا على مذكرات بعض الرحالة، والناجين من الغرق من أمثال "سيلكيرك" ثم لا شيء آخر.
وتكتفي مادة "دانيال ديفو" في إ"نسيكلوبيديا يونيفرسالس" الموسوعة "اليونيفرسالية" بالقول بأنّ رِوَايةَ "دِيفُو" تَستلهِمُ مغامرات البحار الأسكتلندي "سيلكرك".
وأما من وقفوا نفس الموقف الذي وقفه مدني صالح الدكتور بسام مرتضى، الذي قام بمقارنة بين العملين مبينًا أن التشابه بينهما يثير كثيرًا من الأسئلة، حول مدى تأثير الرواية الأولى في الثانية، وبخاصة أن (حي بن يقظان) تسبق (روبنسون كروزو) في الظهور بزمن جد طويل، فضلًا عن ترجمتها إلى بعض اللغات الأوربية قبل ظُهور رواية مغامرات (روبنسون كروزو) بزمن طويل.
وقام دكتور مرتضى بتلخيص قصة (حي بن يقظان) الذي قذفت به الأمواج إلى جزيرة "الواق واق" الخيالية؛ فتحدث عما ذكره ابن طفيل من ولادة حي غير
стр. 304
العادية، وكيف عاش في كنف غزالة أعانته على الحياة كما تعين الأم وليدها، وكيف وعى الفروق الجسدية التي تميزه عن حياة الغابة، وكيف أخذ يستر عورته وجسده بأوراق الأشجار؛ ثم كيف ماتت الغزالة، فحاول معرفة أسباب موتها لكن دون جدوى، وكيف دفنها كما تفعل الغربان ... إلى آخره.
وانتقل البحث بعد ذلك إلى الحديث عن نمو مدارك ابن يقظان وحواسه، واكتشافه للنار، وفهمه لمسألة الجسد والروح، وكيف أخذ يدرك طبيعة الأجساد والأشياء من حوله، ويَعرف طبيعة الأفلاك والأجرام السماوية ليتوصل إلى أن هذا كله لا يصل إلا عن فاعل مختار في غاية الكمال.
وعندما بلغ ابن يقظان الخامسة والثلاثين، تحول حرصه من معرفة المصنوع إلى معرفة الصانع؛ فزهد في الطعام والشراب ولجأ إلى كوخ ينفق وقته في التأمل؛ رغبةً في الوصول إلى مرتبة مشاهدة الحق، إلى أن تم له ذلك ففني عن ذاته، وعن جميع الذوات، ولم يعد في الوجود إلا الحي القيوم، وبقي كذلك حتى بلغ الخمسين من عمره.
ثم أوضح الباحث كيف تعلم (حي بن يقظان) لغة الكلام من رجل اسمه أسال قدِمَ إلى الجزيرة، وكيف اصطحبه أسال إلى مدينته لإقناع الناس بأهمية التأمل لحياتهم الروحية؛ لكن ذلك لم يجد معهم للنقص الذي كان في فِطرتهم، فرجعَا معًا إلى جزيرة "الواق واق" حيث أخذَا يعبدان الله بطريقتهما، حتى أتاهما اليقين.
ثم ينتقل الباحث إلى تلخيص رواية (روبنسون كروزو) فيقول: إنّها تتحدث عن مغامرات (روبنسون كروزو) الذي ترك بيته وأهله، خلافًا لغربتهم، ورحل طالبًا الثروة والمغامرة؛ فصادف أثناء ترحاله مخاطر وأهوالًا كثيرة، منها غرق سفينته، ثم نجاته رغم هذا، ووصوله على ظهر موجة إلى اليابسة في جزيرة ليس فيها إلا الأدغال والوحوش؛ ليجد نفسه هناك وحيدًا دون رفيق من بني جنسه، ثم
стр. 305
محاولته التأقلم مع حياته الجديدة مستغلًّا كل ما حوله من موجودات في تدبير مأكله وصنع ملبسه. ثم تخليصه بعض العبيد من يد جماعة من آكلي لحوم البشر، وتعليمه العبد "فرايدي" اللغة الإنجليزية ومبادئ النصرانية.
أوجه الاتفاق والتباين بين قصة (حي بن يقظان)، و (روبنسون كروزو)
بعد ذلك يورد الباحث أوجه الاتفاق بين (حي بن يقظان)، و (روبنسون كروزو) على النحو التالي:
١ - رمى القدر كلًّا منهما في جزيرة لا حياةَ فيها لبني البشر.
٢ - اضطر كل مِنهُما أن يتأقلم مع حياته؛ مُستخدمًا أدوات بسيطة ليحمي نفسه.
٣ - يلتقي بـ"أسال"، ويلتقي "روبنسون" بـ"فريداي" فيُعلم أسال حيًّا الكلامَ، ويعلم "كروزو" "فريداي" اللغة الإنجليزية، ومبادئ النصرانية.
٤ - حاول ابن الطفيل أن يؤدي عَبْرَ (حي بن يقظان) رسالة مفادها: أن الإنسان قادر بفضل حواسه وعقله وحدسه الوصول إلى حقائق الكون كلها، ومعرفة الله بعقله المحض دون الاستعانة بالأديان، أما "دانيال ديفو" فأراد إيصال رسالة مختلفة بعض الشيء.
٥ - تتفق القصتان في كثير من الجوانب الفنية، وفي تعريف الحدث، واعتماد الحوار الداخلي، وتصوير شخصية نامية متطورة.
ثم يسرد المحاضر أوجه التباين بين الروايتين وهي كما يلي:
١ - وصَلَ حَيٌّ إلى الجزيرة وعمره لم يتجاوز اليوم الواحد، على حين وصل "كروزو" إليها وهو شاب؛ فتأقْلَمَ الأوّلُ مع واقعه الذاتي، فيما استخدم "كروزو" خبراته السابقة في عملية التأقلم.
стр. 306
٢ - حاول الكاتبان إبراز مقدرة الإنسان في التأقلم مع الطبيعة والحياة دون معين، لكنّ ابن الطفيل كان هدفه رمزيًّا يتمثل في إبراز مقدرة الإنسان على التطور ماديًّا وروحيًّا دون شرائع مسبقة، أما "ديفو" فلم يكن هدفه سوى عرض جانب المغامرة بما تنطوي عليه من تصعيد قصصي، وتشويق.
٣ - لقاء حي بـ"أسال" كان لقاءً نِديًّا بخلاف لقاء "روبنسون" بـ"فريداي" الذي كان لقاء مصلحة ومنفعة.
٤ - في رواية (حي بن يقظان) تكثر الأفكار الفلسفية مما أضعف عنصر التشويق والإثارة على عكس رواية (روبنسون كروزو) التي اتسمت بالإحكام الفني.
٥ - الجانب المهم في شخصية حي هو التأمل، أما في شخصية (روبنسون كروزو) فهو الاكتشاف وبِناء سلوكي وفقًا لهذا الاكتشاف.
٦ - تحدث ابن طفيل في روايته بضمير الغائب، أما رواية "دانيل ديفو" فقد كُتبت بضمير المتكلم مما أعطاها واقعيةً أكثرَ.
٧ - رواية ابن طفيل رواية عقلية فكرية، ليس فيه وجود العناصر الاجتماعية الأندلسية أو الأسبانية، بخلاف رواية "ديفو" التي تمجد الحياة الاجتماعية، وصراع الإنسان عبر العمل للسيطرة على الطبيعة.
وهنا يطرح المحاضر السؤال التالي: هل أثرت رواية (حي بن يقظان) في (روبنسون كروزو)؟
ليُجيب موضحًا: أن الترجمتين اللاتينية والإنجليزية لرواية (حي بن يقظان) قد ظهرتا قبل إصدار "ديفو" روايته بأكثر من عشرين سنة، فمن المُحتمل إذًا أن
стр. 307
يكون "ديفو" قد اطلع على عمل ابن طفيل، وهو أمر قد يؤكد اهتمام الأوربيين عمومًا بالثقافة العربية آنذاك. لكن المسألة ليست مسألة عواطف ورغبات كما يقول، لذا لا بد من التروي قبل إطلاق الأحكام، وإضافة إلى ذلك ثمة اعتقاد متناول بين بعض الباحثين مؤداه: أنّ "ديفو" قد اعتمد في روايته على حادثة حقيقية معروفة وقعت لبحار "أسكتلندي" يُدعى "ألكسندر سيلكرك" وهو ما يعني أن تأثر "ديفو" بالرواية العربية ضعيف جدًّا.
وبخصوص اتهام "ديفو" بالسطو على ما كتبه "سيلكرك" البحار الأسكتلندي الذي وقع له مثل ما وقع لبطل "ديفو"، ثَمّ مقال كتبه الدكتور نجم عبد الكريم بعنوان: "روبنسون كروزو سرقة أدبية في سياق المغامرة" نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" العربية اللندنية بتاريخ الاثنين الحادي عشر من أكتوبر سنة ألفين وأربعة، جاء فيه: ينسب الكثير من النقاد العرب أن رائعة الكاتب الإنجليزي "دانييل ديفو" (مغامرة روبنسون كروزو)، إنّما هي مأخوذة من تراث عربي، واعتبروها عبارة عن سطو أدبي على قصة ابن الطفيل (حي بن يقظان).
وهناك مَن يقارن بين أحداثها وبين رحلات السندباد، وفيه من ناسب مغامرة (روبنسون كروزو) إلى تأثرها ببعض الرحالة من العرب، ومِمّا لا شَكّ فيه أنّ الأعْمال الأدبية العظِيمة لا تنبع من فراغ، ولا يلزم أن يخوض الكاتب تجربة أبطال رواياته أو مسرحيته؛ فهناك دائمًا مؤثرات خارجية تدفع بالعمل الإبداعي، وفقًا إلى مدى خروج قدرات وإبداعات ذلك الكاتب في تصويرها.
لكن السيدة "سيلكرك" التي التقيتها مصادفة في مناسبة اجتماعية بمدينة "مارلون" الإنجليزية تزعم عكس ذلك تمامًا، فهي ترى أن "دانييل ديفو" مؤلف رواية
стр. 308
مغامرات "روبنسون كروزو" ما هو إلا كاتب أفَّاق، وسارق لأفكار غيره، وكان جزاؤه أن مات فقيرًا عندما دفن في مقابر الفقراء كما تقول، وتزعم السيدة "سيلكرك" أنها تحتفظ بالأدلة الأكيدة على حقيقة شخصية (روبنسون كروزو)؛ لأنه جدها الرابع، واسمه "ألكسندر سيلكرك" والسيدة "سيلكرك" هذه قد تجاوزت العقد الثامن من عمرها، لكنها تتمتع بذهنية متوقدة، وتتحدث بحماس عن جدها الذي تعتبره الأب الحقيقي لرواية مغامرات (روبنسون كروزو).
وعندما علمت بأنني من المهتمين بالكتابة والنقد، وجهت إليَّ سؤالًا عن ما هو مضمون رواية مغامرات (روبنسون كروزو) فأجبتها أنها تروي عن ملاح بريطاني تحطمت السفينة التي كان يعمل عليها في وسط المحيط الهادي؛ لكنه تمكن من التشبث بقطعة كبيرة من الخشب، ليتخذ منها طوافة تقيه الغرق، إلى أن تقذف به الأمواج على شواطئ جزيرة لم تطأها من قبل قدم إنسان؛ فيجد نفسه مضطرًّا للتعايش مع الحياة الجديدة في تلك الجزيرة مع الحيوانات والطيور.
وتمر الأيام ويجد "كروزو" نفسه ما إن يخرج من مغامرة مثيرة؛ حتى يدخل في مغامرة أكثر منها إثارة، ولقد اتخذ لنفسه عددًا من الأصدقاء، هم عبارة عن ببغاء وقرد وعنزة، وقد صور "ديفو" حياة "كروزو" في تلك الجزيرة بشكل رائع وشائق، إلى أن تنقذه سفينة عابرة وتعيده إلى المدينة.
بَعدَ أن لخصت روايات (روبنسون كروزو) للسيدة "سيلكرك" أضفت أن هذه الرواية ضربت رقمًا قياسيًّا في الترجمة عن الإنجليزية إلى اللغات الأخرى، فأنا مثلًا قرأتها باللغة العربية، كما قرأها الملايين من الناس بلغات مختلفة قالت "هسير سيلكيرك": ليس هذا فحسب، بل إنها تفوقت على أشهر كتابين ظهرَا في العصر الذي كتبت فيه؛ وهما (ألف ليلة وليلة) المقبلة إلينا منكم يا عرب. و (دونكى شوت) التي تُرجمت إلى الإنجليزية عن الإسبانية و (هادى سيرفانتس).
стр. 309
فأجبتها: ولعلمك إنك لست الوحيدة ممن يزعمون بِسَطْوِ "دانيال ديفو" على أحداث (روبيسون كروزو) والبعض منهم لديه مقارنات يدلل بها على ذلك السطو؛ فما هو دليلك على أن مؤلف (روبنسون كروزو) قد سطا على تراث جدك "ألكسندر سيلكيرت" الذي لم يسمع به أحدٌ من قبل؟
ظهر الانزعاج على ملامح السيدة، وقالت بعصبية: جدي وُلد في قرية "لارجوا" الاسكتلاندية، عام ألف وستمائة وستة وسبعين وهو يعني "الديفو" وكان يلتقيان في حالة واحدة في السنوات الأولى من القرن السابع عشر، وكان جميع الناس يعرفون تلك المغامرة والتجربة التي مر بها جدي "سيلكيرك" وكان "ديفو" يسمعونه لعدة أشعر ويدون بعض أحداثها، ولكنه قد زيف الكثير مما جاء فيها من أحداث.
ثم أخذت تروي قصة جدها الذي كان يعمل بحارًا في سفينة تجارية، كان ربانها شديد القسوة على بحارته، وقد بلغت قسوته أنْ قام بشنق ثلاثة من الرجال أمام زملائهم في وسط البحر، وألقى بجثثهم في الماء في أثناء رحلة لأمريكا الجنوبية، ولم يكن أمام البحارة وهم يقاسون من عذابات الربان، سوى التمرد والثورة التي دفعت بهم إلى الفتك بالربان ومساعديه، وفروا بالسفينة يجوبون بحار الجنوب.
بينما كانت السفن البريطانية تطاردهم؛ فاتفقا "ألكسندر سيلكيرك" -الجد الرابع للسيدة التي تروي الحكاية- مع زميل له على الفرار من السفينة، ونفذَا خطتهما في جوف الليل بعد أن قاما بسرقة قارب صغير انطلقَا به علي غير اتجاه إلى أن قذفت بهم الأمواج على شواطئ جزيرة ذات طبيعة أخَّاذة، مليئة بالطيور والحيوانات الأليفة؛ لأنها كانت تقف أمامهما ولا تنطلق هاربة خائفة منهما، وهذا يدل على أن الجزيرة لم تطأها أقدام بشرية من قبل.
стр. 310
وفي اليوم الثاني لوجودهما في الجزيرة، مات زميله "ألكسندر سيلكريك" لأنه تناول فراولة مسمومة، وظل "ألكسندر" يعيش في الجزيرة بمفرده، بعد أن هيأ لنفسه أجواءً تسمح له بالعيش فيها طيلة حياته، ومما عُثر عليه في أوراقه عن وصفه لتلك الجزيرة -كما تقول حفيدته- أنها جنة الله في الأرض؛ فكافة أنواع الفواكه والأطعمة موفورة فيها بكثرة، ومياه غدرانها عَذْبة كالشهد، وكنت أصطاد فيها الغزلان والديكة البرية، وإذا رغبت في شرب شيء من اللبن فما ألذه من ضَرعي "مالي" تلك العنزة التي كانت تتبعني أينما أذهب، وقد بنى "سيلكيرك" كوخًا من عيدان الخيزران وأوراق الشجر العريضة.
وقد استرسلت السيدة في وصف تلك الجزيرة على ضوء قراءتها للأوراق التي خلفها لها جدها، ومن أطرف ما قالت في هذا الصدد: إنّ القطط والكلاب لم تكن بينها تلك العداوة التي نعرفها هنا في معيشتها بين ظهرانينا؛ فالحيوانات في تلك الجزيرة الساحرة كانت تعيش في سلام ومحبة، ومما ذكره جدي في أوراقه: كنت أشاهد الحيوانات كيف تقضي وقتها باللعب معًا؛ فالفئران كانت تركب على ظهر القطط، والقطط تتسابق مع الكلاب، وكثيرًا ما كنت أجدها تنظف جلود بعضها البعض بألسنتها، ولم يحدث أن وجدت عَداء ًبين أي من الحيوانات التي تعيش على يابسة تلك الجزيرة.
ولكنّ الذي حفذ "ألكسندر سيلكيرك" للعودة إلى المدينة، هو عثوره على مجرى للتبر، أخذ يَجْمَعُ منه ما يستطيع جمعه، وعبأه بأكياس جلدية صنعها من جلود الحيوانات، وحذر أن هذه الثروة ستمكنه من العيش برغد في حالة عودته إلى العالم المتحضر؛ فصار يجمع الحطب والأخشاب بكميات كبيرة ويضرم فيها النار، ليتصاعد بها الدخان الذي يلفت إليه انتباه السفن البعيدة.
стр. 311
وبعد محاولات متعددة أثمرت خطته أن سفينة "الدوك" قد اقتربت من تلك الجزيرة، وكان ذلك في عام ألف وستمائة وتسعة وخمسين، وما إن تمكن من الصعود إليها حتى علم البحارة أن الملكة "إليزابث" قد أصدرت عفوًا شاملًا عن جميع البحارة الملاحقين الإنجليز؛ احتفالًا بانتصار بريطانيا على الأسطول الإسباني، فوصل "ألكسندر سيلكريك" حاملًا أكياس التبر التي كون منها ثروة طائلة.
وقد وعدتني السيدة "سيلكيرك" بأن تزودني بنسخ من الصور الأصلية للأوراق التي كتبها جدها "ألكسندر سيلكيرك" الذي توفي عام ألف وسبعمائة وثلاثة وعشيرين دون أن يعرفه أحد، بينما دوت شهرت "دانيال ديفو" في كافة أنحاء العالم، وأصبح من أشهر المؤلفين في التاريخ بينما هو ليس سوى سارق لقصة جدي على حد تعبير السيدة التي راجعت معها تفاصيل ما أوردته بمعلومات في هذه المقالة؛ فوافقت على ما جاء فيها مع بعض التعديلات التي أشارت إليَّ بها، ولكن أين هي الحقيقة؟ الحقيقة: أن (مغامرات كروزو) صارت أكبر من كل الادعاءات.
هذا ما كتبه الكاتب.
والآن وبعد أن ألممنا جيدًا بشكل القصتين ومضمونهما، واطلعنا على المقارنة المختلفة بينهما، وعَرفنا الظروف التي صدرت فيها كل منهما، يُمكننا أن نقول: لا شك أنه كان لمغامرت "سيلكيرك" التي سجلها القبطان الذي أنقذه ونشرها على الجمهور، فضل كبير على "ريد ديفو" إذ لا يعقل أن تنشر تلك المغامرات في العصر الذي يعيش فيه كاتب وأديب وسياسي مثله، دون أن يدري ويتأثر بها في قصته. والإجماع منعقد على الاعتراف بهذا التأثير.
لكن؛ هل هذا يعني بالضرورة أنه لا مكان لأي تأثير من جانب (حي بن يقظان) في ذلك العمل؟ لقد تمت ترجمت الرواية الأخيرة إلى الإنجليزية واللاتينية قبل
стр. 312
كتابة "ديفو" روايته بزمن غير قصير، وليس من المعقول أيضًا أن يجهل واحدٌ مثله ذلك العمل الذي شَدّ كِبار عَصره في أوربا كلها، وأعجبهم إعجابًا شديدًا، وكانت له تلك التأثيرات العميقة على عدد من مفكري القارة وفلاسفتها.
ومن هنا؛ فإنني أقول: بأنه من المرجح أن يكون "ديفو" قد تأثر بها أيضًا كما تأثر بما "ورد سيلكيرك" تأثر بها على الأقل من حيث أنها قد شجعته على أن يحول ما قرأه عن مغامرات البحار الإسكتلاندي إلى عمل قصصي، وعلى تضمينه في قصته بعض القضايا الفكرية، مثلما اشتملت (حي بن يقظان) على مثل تلك القضايا، وإن اختلف نوع القضايا هنا عنها هناك؛ نظرًا لاختلاف الشخصيتين والبيئتين والثقافتين والوظيفتين.
صحيح أن أحدًا من المقننين لم يستطِعْ حتى الآن -في حدود علمنا- أن يضع يده على شيء يثبت أن "ديفو" قد اطلع فعلًا على (حي بن يقظان)، بَيْدَ أن هذا لا يستلزم بالضرورة أن يكون الاطلاع قد حدث، أو أن التأثر لم يقع، إذ الأمران مختلفان تمامًا.
وعلى هذا، فإنني لا أستطيع الجزم بتأثير القصة العربية على نظيرتها الإنجليزية كما صنع بعض المتحمسين من الباحثين العرب والأوربيين، بل أكتفي بالترجيح؛ نظرًا لما ذكرته من الأسباب الحاملة لي على ذلك، بالإضافة إلى وجوه التشابه القوية بين العامين، وقرب الزمانين اللذين ظهرا فيهما؛ أما الجزم بنفي أي تأثير لرواية بن الطفيل على (روبنسون كروزو) فأمر لا يمكنني الإقدام عليه، ولا حتى تقبله.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 313
الدرس: ١٣ التاريخ ذو الطابع الأدبي .
стр. 314
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث عشر
(التاريخ ذو الطابع الأدبي)
تعريف علم التاريخ، وأهم الأمور التي يهتم بها
فعلى الله نتوكل ونبدأ فنقول:
علم التاريخ كما تقول المادة المخصصة له في (الموسوعة العربية العالمية) هو: أحدُ العلوم الاجتماعية التي تعنى بدراسة الماضي البشري، ويقوم المؤرخون بدراسة الوثائق عن الحوادث الماضية، وإعداد وثائق جديدة تستند إلى أبحاثهم. وقد درس المؤرخون كافة مظاهر الحياة الإنسانية الماضية، والأحوال الاجتماعية والثقافية، تمامًا مثلما درسوا الحوادث السياسية والاقتصادية، وهم يخرجون من ذلك كله بتفسيرات متعددة للماضي.
ويقولُ كاتب المادة: "إن المؤرخين ظلوا حتى القرن العشرين يعنون في المقام الأول بالأحداث السياسية، وكانت كتاباتهم مقصورة على الدبلوماسية والحروب وشئون الدولة. أما الآن -فكما يقول- يدرسون إلى جانب هذا طائفة من المواضيع الأخرى؛ فينظر بعضهم في الأحوال الاقتصادية والاجتماعية، ويتقصى آخرون تطور الحضارات والفنون أو العناصر الأخرى للحضارة". هذا ما قاله الكاتب؛ لكنّ هذا الحكم يحتاج -فيما يبدو لي- إلى مراجعة إذ ترك لنا القدماء ومنهم أسلافنا العرب كثيرًا من الكتابات التي تصف لنا الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، وإن لم يكن من عادة أصحابها أن يسموها تاريخًا، فه ذ اهو السبب فيما كتبه كاتب المادة.
وتمثيلًا لذلك نشير إلى كتاب (تجارب الأمم) لـ "مسكويه" وهو مؤرخ إسلامي، وقد عالج في كتابه ضمن ما عالج الحالة الاقتصادية والحربية للدولة، والأوضاع الاجتماعية للشعوب، وكذلك كتاب (إغاثة الأمة بكشف الغمة) للمقريزي، هذا الكتاب الذي قال فيه الدكتور نجمان ياسين في مقال له بعنوان "التفكير الاجتماعي
стр. 315
والاقتصادي في كتاب إغاثة الأمة بكشف الغمة للمقريزي" وهو منشور في موقع "التراث العربي": "إنه في الأساس يدرس المجاعات والكوارث الطبيعية والاجتماعية التي حلت بمصر، منذ العصور القديمة حتى عصر المقريزي نفسه، حين برزت فيه سنوات الجدب والقحط، ونقص المياه والآفات الطبيعية".
وهذا يعني أن جانب المعاناة والمعايشة للمشكلة متوفرة فيه، فإذا علمنا أنه يتوفر على جانب العلم والمعرفة بطبيعة ما يحدث، أدركنا مدى الأصالة في كتابه هذا. وابتداء يقرر المقريزي أن هذه المجاعات والمحن مرتبطة بأسباب مشخصة، وأنها ليست قدرًا لا يمكن الفكاك منه، إذ يرفض الاستسلام للجبرية ويأخذ بمبدأ السببية، مقررًا أن ما تحدثه الطبيعة يمكن أن يتجاوزه الإنسان الذي بمقدوره تحاشي المجاعات أو الكارثة الطبيعية، بالتخطيط والتّصرف المستند إلى معرفة الأسباب والدوافع. وكثير من كتب التاريخ الإسلامي لا تقتصر على أخبار الحكام وحدها، ولا على الأحوال السياسية فقط؛ بل تتناول أمورًا كثيرة من حياة الشعب بجوانبها المختلفة، وتحتاج دراسة التاريخ -كما يقول كاتب المادة المذكورة- إلى العديد من العمليات، ويَتَّبِعُ مُعظم المؤرخين بعض الخطوات الرئيسية في أعمالهم.
أولًا: يتمُّ اختيار قضية أو شخص ينتمي لفترة معينة من الماضي للدراسة. ثانيًا: قراءة الكثير من المصادر المادية، أي: كل شيء دُوِّن حول الموضوع، وهو ما يعرف بعملية جمع المعلومات من المصادر المختلفة، وتفسر بعد ذلك المعلومات التي تم جمعها. وأخيرًا تدوين حكاية تاريخية أو ترجمة شخصية،
стр. 316
ويَستخدم المؤرخون في أبحاثهم نوعين رئيسيين من المصادر: مصادر أولية، ومصادر ثانوية. وتتكون المصادر الأولية من الوثائق والسجلات الأخرى عن الفترة الجاري دراستها، بما في ذلك: الكتب، واليوميات، والرسائل، والسجلات الحكومية. وتم استخدام الأفلام وأشرطة التسجيل بوصفها مصادر أولية للحوادث منذ بداية القرن العشرين. وتتكون المصادر الثانوية من المواد التي يتم إعدادها فيما بعد من قبل دارسي المصادر الأولية، ويختار المُؤرِّخُون الوثائق التي تُظهر بدقة الحقائق التي يرغبون في معرفتها، لهذا فهم يفضلون المصادر الأولية على الثانوية، والتقارير السرية على العلنية.
ويستخدم المؤرخون الذين يدرسون وقائع حديثة نموذجًا خاصًّا من المصادر، إذ يعتمدون على مقابلة المشاركين في صنع الحوادث، وتدوين شهاداتهم الشفوية، وبذلك يُكَمِّل التاريخ الشفوي التاريخ الوثائقي المكتوب. وتعتبر نُدرة المصادر إحدى المُعضلات الكبيرة للمؤرخين الذين تشبه أعمالهم في بعض الأحيان الاكتشافات، فهناك العديد من الأعمال والأفكار لأفراد عاديين لم تسجل ولم تدون البتة، كما أن كثيرًا مما قد دون قد فقد أو أتلف بمرور الزمن، وكذلك على المؤرخين الاعتماد على كتابات القلة من المؤلفين أصبح بعضها قطعًا متفرقة هنا وهناك. ويُحَلّل المؤرخون الوثائق التي عليهم العمل بها، لتحديد ما يمكن الاعتماد عليه منها، وتَتِمّ مقارنة الوثائق بمصادر أخرى منعًا لوقوع أي خطأ في تسلسل الأحداث، أو اختلاف في أسلوب الكتابة. وعليهم أيضًا التأكد من أمانة كاتب الوثيقة الذي يتعاملون معه.
стр. 317
وتُعَدّ الحَقائق التاريخية الرئيسية معطيات عامة، تعتمد من قبل جميع المؤرخين؛ لكونها غير مشكوك فيها، ومع ذلك يختلف المؤرخون في الغالب حول معاني تلك الحقائق، ويحاولون أن يكونوا محايدين قدر الإمكان. لكن قد تؤثر معتقداتهم والأحكام المسبقة في تفسيراتهم. فعلى سبيل المثال قد تحمل الأفكار الاجتماعية والاقتصادية والدينية مؤرخًا ما على رفض ما يعتقده الآخرون أمرًا عاديًّا أو مسلمًا به، ويحدد هذا الحكم بالمقابل ما يقبله المؤرخون شهادة موثوقا بها، أو دليلًا لتفسير الحوادث. وفي نهاية المطاف يُعِدّ المؤرخون بيانات مدونة عن الحوادث، وكتابة التاريخ جزء من ميدان يُدعى التأريخ، ويقال: إنّ أقدم تاريخ مدون في العالم قد جاءنا من الصين، وقد اكتشف علماء الآثار وثائق عن التاريخ الصيني المكتوب قبل ألف سنة قبل الميلاد، كان "سيما كيان" أول مؤرخ صيني كبير دون معظم أحداث التاريخ الصيني المبكر.
أما بالنسبة إلى كتابة التاريخ الغربي؛ فيقولون: إنها بدأت في اليونان القديمة، وكان أول المؤرخين الإغريق هو "هيرودت" الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، وكتب الكثير عن الحروب التي دارت بين الإغريق والفرس، وكان لدى "هيرودت" الذي يدعى أبا التاريخ القليل من الوثائق الإغريقية، ولم يكن يعرف اللغة الفارسية لهذا اعتمد بشكل رئيسي في سرده على الشهادات الشفوية والتقليدية، وأضاف إليها تفاصيل خيالية؛ لتصبح أكثر حيوية. غير أن المؤرخين الغربيين يؤكدون دقة كتاباته من الناحية الأساسية، وأكثر خلفاء "هيرودت" شهرة في ميدان التأريخ هو "ثيور ديسيدس" الذي اعتمد الدقة والنقد في كتاباته، ويعد كتابه عن تاريخ الحرب "البلوبونيزية" زاخرًا بمعلومات دقيقة
стр. 318
وموثوقة عن تلك الحرب التي امتدت سبعة وعشرين عامًا، وحققت فيها "إسبرطا" النصر على أثينا عام أربعمائة وأربعة قبل الميلاد.
كما اشتهر أيضًا عدد من المؤرخين الرومان مثل: "لفيتيتوس لفيوس" الذي كتب كتابًا مطولًا تضمن قصصًا مفصلة بعنوان: (تاريخ روما) قدم فيه قصة روما منذ إنشائها حتى العام التاسع قبل الميلاد، واشتهر "كونيوليوس تاكيتوس" خصوصًا بكتابيه: (تواريخ) و (تحويلات). وتتناول تلك الأعمال التاريخ الروماني منذ وفاة الإمبراطور "أغسطس"، في العام الرابع عشر بعد الميلاد، وحتى نهاية حكم "فيتليوس" عام تسعة وستين ميلادية.
منهج كتابة التاريخ الإسلامي
وفي مادة منهج كتابة التاريخ الإسلامي من الموسوعة ذاتها، يقول كاتب المادة: "إنّ المنهج الإسلامي في تناول أحداث التاريخ الإسلامي منبثق من تصور الإسلام للكون والحياة والإنسان؛ فيقوم في أساسه على أركان الإيمان في الإسلام، وينبني على فهم دوافع السلوك في المجتمع الإسلامي الأول، مما يَجْعَلُ حَركة التاريخ الإسلامي ذات طابع مميز عن حركة التاريخ العالمي، الذي لا أثر فيه للوحي الإلهي. وتُوزن أعمال المؤرخين والباحثين ومذاهبهم ومناهجهم على هذا الأساس من الالتزام بالعقيدة الإسلامية؛ فليسَ من حق المسلم مثلًا أن يتهم أحدًا بناءً على رواية ضعيفة، ثُمّ إذا ثبتت الرواية؛ فإنّ هُناك قيودًا شرعية يلزم مراعاتها في نقد الأشخاص، وملاحظة مقاماتهم التي حددها كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد؛ لأنّ الكلام في الأنبياء والصحابة ليس كالكلام في أحد غيرهم، كما أن الكلام في عموم الناس له حدود وضوابط.
стр. 319
أما غير المُسلم فإنه عندما يتناول قضايا التاريخ الإسلامي يتخبط في الظنون والأوهام؛ لإعْراضه عن الوحي الرّباني، واعتماده في المقام الأول على التفسير المادي للتاريخ. وفِيما يخص مَصادر طرق إثبات الحقائق التاريخية عند العرب القدامى نجد علماء السنة قد قاموا بوضع قواعد وضوابط يعرفون بها صحة المرويات، واتبعوا منهجًا دقيقًا في نقدها عندما ظهر الوضاعون، ويَنْبَغي للمُؤرّخ المسلم أن يَطّلع على ذلك، ويفيد منه في دراساته التاريخية، والمصادر المهمة في هذا الجانب هي كتب مصطلح الحديث، وعلم الرجال، وعلم الجرح والتعديل، وعلم علل الحديث. وهذه الكتب لازمة للمؤرخ لتعينه على نقد الروايات والترجيح بينها، ومعرفة صحيحها من سقيمها.
أما كُتب التاريخ الإسلامي المتخصصة، سواء أكانت مصادر أولية مثل (السيرة النبوية) لابن إسحاق، وتاريخ الطبري، أم مصادر ثانوية مثل كتاب (الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية) لابن الطقطقى الذي عاش في القرنين السابع الهجري والثامن الهجري؛ فإنها تحتوي على مادة علمية تاريخية تحتاج تمحيصًا، فهي مصادر في المعلومات التاريخية وليست مصادر في نقل الأخبار". ويَستمرُّ كاتب المادة فيقول: "إنه لما كان منهج كتابة التاريخ الإسلامي يعتمد في أصوله على العقيدة الإسلامية؛ فإنّه يُمكن القول بأنّ مَصادر هذا المنهج هي نفس مصادر الشريعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
ففي مجال تفسير الحوادث التاريخية نجد أنه ليس تفسيرًا تبريريًّا، أي: أنه لا يُعتذر فيه عما حدث في الماضي، إذا كان مُخالفًا لمقاييس العصر الذي نعيش فيه، بل
стр. 320
تبرُز فيه خصائص الإيمان المستعلي على ما سواه، كما أنه ليس تفسيرًا ماديًّا يحصل المؤثرات على حركة التاريخ البشري في العوامل المادية، مثل تبدل وسائل الإنتاج، كما في الفكر الماركسي، أو التفسيرات المعتمدة على أثر البيئة الخارجية من جغرافيا واقتصاد، كما في الفكر المادي الغربي، بل يوضح دور الإنسان ومسؤوليته عن التغيير الاجتماعي والتاريخي في إطار المشيئة الإلهية". ولكن؛ ماذا عن القواعد العلمية التي كان يلتزم بها المؤرخون المسلمون؟ يجيب الكاتب قائلًا: "نحن هنا نرسُم منهجًا مثاليًّا في البحث العلمي كما نراه مطبقًا في مؤلفات المحققين من علماء التاريخ الإسلامي، لا سيما القدماء منهم"، ونَستطيعُ أن نُلَخِّص سمات هذا المنهج في النقاط الآتية:
١ - استخدام الأدلة والوثائق بعد التأكد من صحتها.
٢ - حُسن استخدام الأدلة والوثائق باتباع التنظيم الملائم للأداة مع تحرير المسائل وحسن عرضها.
٣ - الإيمان بكل ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة من الإيمان بالغيب، والجزاء والقضاء والقدر، وردُّ كل ما خالف ذلك.
٤ - تحري الصدق في استقصاء جميع الروايات والأدلة حول الحدث الواحد، ثم الجمع بينها إذا أمكن ذلك، أو الترجيح بين الروايات المختلفة وفقًا للقواعد المقررة للتحقيق، مع الاستعانة بأقوال العلماء الثقات.
٥ - بيانُ المَصادر والمراجع التي استمد منها معلوماته، مع الضبط المتقن في نقل الأحوال ونسبتها.
٦ - الاعتماد على النصوص الشرعية والحقائق العلمية ونبذ الخُرافات.
следующие страницы →