Полный текст (585 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ويَستخدم المؤرخون في أبحاثهم نوعين رئيسيين من المصادر: مصادر أولية، ومصادر ثانوية. وتتكون المصادر الأولية من الوثائق والسجلات الأخرى عن الفترة الجاري دراستها، بما في ذلك: الكتب، واليوميات، والرسائل، والسجلات الحكومية. وتم استخدام الأفلام وأشرطة التسجيل بوصفها مصادر أولية للحوادث منذ بداية القرن العشرين. وتتكون المصادر الثانوية من المواد التي يتم إعدادها فيما بعد من قبل دارسي المصادر الأولية، ويختار المُؤرِّخُون الوثائق التي تُظهر بدقة الحقائق التي يرغبون في معرفتها، لهذا فهم يفضلون المصادر الأولية على الثانوية، والتقارير السرية على العلنية.
ويستخدم المؤرخون الذين يدرسون وقائع حديثة نموذجًا خاصًّا من المصادر، إذ يعتمدون على مقابلة المشاركين في صنع الحوادث، وتدوين شهاداتهم الشفوية، وبذلك يُكَمِّل التاريخ الشفوي التاريخ الوثائقي المكتوب. وتعتبر نُدرة المصادر إحدى المُعضلات الكبيرة للمؤرخين الذين تشبه أعمالهم في بعض الأحيان الاكتشافات، فهناك العديد من الأعمال والأفكار لأفراد عاديين لم تسجل ولم تدون البتة، كما أن كثيرًا مما قد دون قد فقد أو أتلف بمرور الزمن، وكذلك على المؤرخين الاعتماد على كتابات القلة من المؤلفين أصبح بعضها قطعًا متفرقة هنا وهناك. ويُحَلّل المؤرخون الوثائق التي عليهم العمل بها، لتحديد ما يمكن الاعتماد عليه منها، وتَتِمّ مقارنة الوثائق بمصادر أخرى منعًا لوقوع أي خطأ في تسلسل الأحداث، أو اختلاف في أسلوب الكتابة. وعليهم أيضًا التأكد من أمانة كاتب الوثيقة الذي يتعاملون معه.
стр. 317
وتُعَدّ الحَقائق التاريخية الرئيسية معطيات عامة، تعتمد من قبل جميع المؤرخين؛ لكونها غير مشكوك فيها، ومع ذلك يختلف المؤرخون في الغالب حول معاني تلك الحقائق، ويحاولون أن يكونوا محايدين قدر الإمكان. لكن قد تؤثر معتقداتهم والأحكام المسبقة في تفسيراتهم. فعلى سبيل المثال قد تحمل الأفكار الاجتماعية والاقتصادية والدينية مؤرخًا ما على رفض ما يعتقده الآخرون أمرًا عاديًّا أو مسلمًا به، ويحدد هذا الحكم بالمقابل ما يقبله المؤرخون شهادة موثوقا بها، أو دليلًا لتفسير الحوادث. وفي نهاية المطاف يُعِدّ المؤرخون بيانات مدونة عن الحوادث، وكتابة التاريخ جزء من ميدان يُدعى التأريخ، ويقال: إنّ أقدم تاريخ مدون في العالم قد جاءنا من الصين، وقد اكتشف علماء الآثار وثائق عن التاريخ الصيني المكتوب قبل ألف سنة قبل الميلاد، كان "سيما كيان" أول مؤرخ صيني كبير دون معظم أحداث التاريخ الصيني المبكر.
أما بالنسبة إلى كتابة التاريخ الغربي؛ فيقولون: إنها بدأت في اليونان القديمة، وكان أول المؤرخين الإغريق هو "هيرودت" الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، وكتب الكثير عن الحروب التي دارت بين الإغريق والفرس، وكان لدى "هيرودت" الذي يدعى أبا التاريخ القليل من الوثائق الإغريقية، ولم يكن يعرف اللغة الفارسية لهذا اعتمد بشكل رئيسي في سرده على الشهادات الشفوية والتقليدية، وأضاف إليها تفاصيل خيالية؛ لتصبح أكثر حيوية. غير أن المؤرخين الغربيين يؤكدون دقة كتاباته من الناحية الأساسية، وأكثر خلفاء "هيرودت" شهرة في ميدان التأريخ هو "ثيور ديسيدس" الذي اعتمد الدقة والنقد في كتاباته، ويعد كتابه عن تاريخ الحرب "البلوبونيزية" زاخرًا بمعلومات دقيقة
стр. 318
وموثوقة عن تلك الحرب التي امتدت سبعة وعشرين عامًا، وحققت فيها "إسبرطا" النصر على أثينا عام أربعمائة وأربعة قبل الميلاد.
كما اشتهر أيضًا عدد من المؤرخين الرومان مثل: "لفيتيتوس لفيوس" الذي كتب كتابًا مطولًا تضمن قصصًا مفصلة بعنوان: (تاريخ روما) قدم فيه قصة روما منذ إنشائها حتى العام التاسع قبل الميلاد، واشتهر "كونيوليوس تاكيتوس" خصوصًا بكتابيه: (تواريخ) و (تحويلات). وتتناول تلك الأعمال التاريخ الروماني منذ وفاة الإمبراطور "أغسطس"، في العام الرابع عشر بعد الميلاد، وحتى نهاية حكم "فيتليوس" عام تسعة وستين ميلادية.
منهج كتابة التاريخ الإسلامي
وفي مادة منهج كتابة التاريخ الإسلامي من الموسوعة ذاتها، يقول كاتب المادة: "إنّ المنهج الإسلامي في تناول أحداث التاريخ الإسلامي منبثق من تصور الإسلام للكون والحياة والإنسان؛ فيقوم في أساسه على أركان الإيمان في الإسلام، وينبني على فهم دوافع السلوك في المجتمع الإسلامي الأول، مما يَجْعَلُ حَركة التاريخ الإسلامي ذات طابع مميز عن حركة التاريخ العالمي، الذي لا أثر فيه للوحي الإلهي. وتُوزن أعمال المؤرخين والباحثين ومذاهبهم ومناهجهم على هذا الأساس من الالتزام بالعقيدة الإسلامية؛ فليسَ من حق المسلم مثلًا أن يتهم أحدًا بناءً على رواية ضعيفة، ثُمّ إذا ثبتت الرواية؛ فإنّ هُناك قيودًا شرعية يلزم مراعاتها في نقد الأشخاص، وملاحظة مقاماتهم التي حددها كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد؛ لأنّ الكلام في الأنبياء والصحابة ليس كالكلام في أحد غيرهم، كما أن الكلام في عموم الناس له حدود وضوابط.
стр. 319
أما غير المُسلم فإنه عندما يتناول قضايا التاريخ الإسلامي يتخبط في الظنون والأوهام؛ لإعْراضه عن الوحي الرّباني، واعتماده في المقام الأول على التفسير المادي للتاريخ. وفِيما يخص مَصادر طرق إثبات الحقائق التاريخية عند العرب القدامى نجد علماء السنة قد قاموا بوضع قواعد وضوابط يعرفون بها صحة المرويات، واتبعوا منهجًا دقيقًا في نقدها عندما ظهر الوضاعون، ويَنْبَغي للمُؤرّخ المسلم أن يَطّلع على ذلك، ويفيد منه في دراساته التاريخية، والمصادر المهمة في هذا الجانب هي كتب مصطلح الحديث، وعلم الرجال، وعلم الجرح والتعديل، وعلم علل الحديث. وهذه الكتب لازمة للمؤرخ لتعينه على نقد الروايات والترجيح بينها، ومعرفة صحيحها من سقيمها.
أما كُتب التاريخ الإسلامي المتخصصة، سواء أكانت مصادر أولية مثل (السيرة النبوية) لابن إسحاق، وتاريخ الطبري، أم مصادر ثانوية مثل كتاب (الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية) لابن الطقطقى الذي عاش في القرنين السابع الهجري والثامن الهجري؛ فإنها تحتوي على مادة علمية تاريخية تحتاج تمحيصًا، فهي مصادر في المعلومات التاريخية وليست مصادر في نقل الأخبار". ويَستمرُّ كاتب المادة فيقول: "إنه لما كان منهج كتابة التاريخ الإسلامي يعتمد في أصوله على العقيدة الإسلامية؛ فإنّه يُمكن القول بأنّ مَصادر هذا المنهج هي نفس مصادر الشريعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
ففي مجال تفسير الحوادث التاريخية نجد أنه ليس تفسيرًا تبريريًّا، أي: أنه لا يُعتذر فيه عما حدث في الماضي، إذا كان مُخالفًا لمقاييس العصر الذي نعيش فيه، بل
стр. 320
تبرُز فيه خصائص الإيمان المستعلي على ما سواه، كما أنه ليس تفسيرًا ماديًّا يحصل المؤثرات على حركة التاريخ البشري في العوامل المادية، مثل تبدل وسائل الإنتاج، كما في الفكر الماركسي، أو التفسيرات المعتمدة على أثر البيئة الخارجية من جغرافيا واقتصاد، كما في الفكر المادي الغربي، بل يوضح دور الإنسان ومسؤوليته عن التغيير الاجتماعي والتاريخي في إطار المشيئة الإلهية". ولكن؛ ماذا عن القواعد العلمية التي كان يلتزم بها المؤرخون المسلمون؟ يجيب الكاتب قائلًا: "نحن هنا نرسُم منهجًا مثاليًّا في البحث العلمي كما نراه مطبقًا في مؤلفات المحققين من علماء التاريخ الإسلامي، لا سيما القدماء منهم"، ونَستطيعُ أن نُلَخِّص سمات هذا المنهج في النقاط الآتية:
١ - استخدام الأدلة والوثائق بعد التأكد من صحتها.
٢ - حُسن استخدام الأدلة والوثائق باتباع التنظيم الملائم للأداة مع تحرير المسائل وحسن عرضها.
٣ - الإيمان بكل ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة من الإيمان بالغيب، والجزاء والقضاء والقدر، وردُّ كل ما خالف ذلك.
٤ - تحري الصدق في استقصاء جميع الروايات والأدلة حول الحدث الواحد، ثم الجمع بينها إذا أمكن ذلك، أو الترجيح بين الروايات المختلفة وفقًا للقواعد المقررة للتحقيق، مع الاستعانة بأقوال العلماء الثقات.
٥ - بيانُ المَصادر والمراجع التي استمد منها معلوماته، مع الضبط المتقن في نقل الأحوال ونسبتها.
٦ - الاعتماد على النصوص الشرعية والحقائق العلمية ونبذ الخُرافات.
стр. 321
٧ - الالتزام بقَواعد اللغة العربية، وعدم إخراج اللفظ عن دلالته إلا إذا وجدت قرينة صارفة له عن دلالته المباشرة.
٨ - استعمال المصطلحات الشرعية في الكتابة التاريخية، مثل: المؤمن والكافر والمنافق، إذ لكل من هذه المصطلحات صفات محددة ثابتة وردت في القرآن الكريم وأحاديث الرسول، ولذلك لا ينبغي العدول عن هذه المصطلحات إلى مصطلحات نبتت في أوساط غير إسلامية. كذلك؛ فإنّ الحُكم على الأعمال والمنجزات الحضارية ينبغي أن نستخدم فيه المصطلحات الشرعية كالخير والشر والحق والباطل والعدل.
٩ - اعْتِمَادُ المصادر الشرعية والأصلية، وتقديمها على كل مصدر إذ يجبُ على الباحث المُسلم أن يعتمد على القرآن الكريم، ويَعُدّه مصدرًا أساسيًّا في استقاء معلوماته عن الأنبياء والأمم السابقة وسيرة الرسول؛ لأن القرآن الكريم قطعي الثبوت، ويأتي بعده الحديث النبوي في قوة الثبوت. وقد اتبع علماء الحديث منهجًا علميًّا دقيقًا في تدوين السنة، وجاء في القرآن والسنة أيضا الإشارة إلى جملة من القوانين التاريخية، والسنن الربانية؛ مما يعطي الباحث نظرة شمولية وعميقة في التحليل للأحداث. ولا بد أن يكون عالم التاريخ عالمًا بالقرآن وعلومه، والحديث وعلومه، ليحسن استخدام هذين المصدرين الأساسيين.
١٠ - التجرد من الأهواء المذهبية أو العنصرية أو القومية أو السياسية، إذ يشترط في المؤرخ المقبول الرواية مجموعة من الصفات والشروط، التي يجعلها بعضهم كشروط راوي الحديث النبوي، ومن المعلوم أنّ الأخبار التاريخيّة لا تَصِلُ إلى درجة الأحاديث النبوية إلا في النادر.
стр. 322
وإذا تناول المؤرخ أحداث فترة الخلفاء الراشدين وما بعدها، وكانت مصادر مادته من كتب الإخباريين ولا تتعلق بالعقائد والأحكام الشرعية؛ فهناك قاعدتان أساسيتان، يجب ألا يغفل عنهما المؤرخ المسلم، وهما: النزعة المذهبية الإخباري، فمن كان متعلقا بمذهب وفكرة معينة، فهو لا شك سيحاول أن يدخل جميع ما يخدم هذه الفكرة، ولم ينج من هذا الخطر إلا القليل.
ثم النزعة السياسية الإخباري، ويلجأ الإخباري في الغالب إلى تدوين الأحداث ووضعها بما يخدم نزعته السياسية، وردّ القائمين على هذه النزعة، وهُنا يَجِبُ على دارس التاريخِ أن يُحَدّد النزعة السياسية الإخباري الذي يُريد أن يأخذ منه، ومدى قربه أو بعده من الحاكم، ومدى صداقته وعداوته له، والعداوة كما نعرف حجاب حاجز عن الحقيقة؛ فلا يُسمع كل كلام الخصم في خصمه بل لا بد من التمحيص، وهذا يعني وجوب أن يكون الإخباري عادلًا.
١١ - معرفة مناهج الإخباريين والمؤرخين القدماء: ونجعل الطبري مثالًا في هذا الجانب لأهميته، بوصفه مظهرا من أبرز مظاهر التاريخ الإسلامي في صدر الإسلام وما قبله. فعلى المؤرخ الحديث بصفة خاصة أن يعرف أن الطبري قد استخدم في تاريخه نفس منهج علماء الحديث في نقل الأخبار -أي: الإسناد- إلّا أنه اختلف معهم في أمر مهم، إذ لم يقم بتجريح رواة أخباره أو تعديلهم؛ فقد كان يعتقد أن رواية الأحداث التاريخية ليست في أهمية رواية الأحاديث النبوية، ولذلك لم يتشدد فيها تشدد رجال الحديث، بل ألقى العهدة في الخبر على راويه.
وذلك واضح في مقدمته التي قدم بها كتابه (تاريخ الأمم والرسل والملوك). التي يقول فيها: "فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين، مما
стр. 323
يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه، من أجلِ أنّه لم يعرف له وجهًا في الصحة، ولا معنى في الحقيقة؛ فليعلم أنه لم يؤت ذلك من قِبلنا، وإنّما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا. وأنّا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا". ونادرًا ما ينتقدُ الطبري أخباره أو يرجح رواية عن أخرى، وهذا المنهج متبع عند بعض علماء الحديث وغيرهم؛ حيثُ يَذْكُرون ما يبلغهم، ويسوقون سنده ليؤخذ الصحيح ويحتج به، ويُعرف غير الصحيح ويعتبر به.
ولهذا لا يكفي في المنهج العلمي السليم الإحالة على الطبري أو غيره، من الكتب المسندة دون الحديث عن سند الرواية؛ فالطبري مثلًا يروي عن مئات الضعفاء والمتروكين، الذين لا يعتمدهم المحدِّثون في تلقي الأحكام الشرعية والعقائد والحكم على مواقف الصحابة ﵃. ولهذا أصبح تاريخ الطبري مرتعًا خصبًا لأهل الأهواء من أبناء المسلمين وغير المسلمين، لاسيما المستشرقين؛ فالصحابة مثلًا ﵃ عدول بتعديل الله تعالى ورسوله ﵇ وهو اعتقاد أهل السنة والجماعة، لأن الله قد قال فيهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: ١١٠) وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: ١٠٠).
وقال فيهم الرسول: ((استوصوا بأصحابي خيرا ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) و ((لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)). ((الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضًا؛ فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن
стр. 324
آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه، لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق)). وقال أبو زرعة الرازي شيخ البخاري: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله؛ فاعلم أنه زنديق، لأن الرسول عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسُّنن أصحاب رَسولِ الله، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسُّنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة".
وموقف أهل السنة والجماعة من الخلاف الذي شجر بين الصحابة هو: صيانة القلم واللسان عن ذكر ما لا يليق بهم، وإحسانُ الظّن بهم، والترضي عنهم أجمعين، ومعرفة حقهم ومنزلتهم، والتماس أحسن المخارج لما ثبت صدوره من بعضهم، واعتقاد أنهم مجتهدون. وممن تواترت النصوص بفضله الخلفاء الراشدون، أما سب صحابي لم يتواتر النقل بفضله سبًّا يَطْعَنُ في دينهِ؛ فلا يكفره جموع العلماء، بل يفسقونه، وذَلك لعدم إنكاره أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة، إلا أن يسبه من حيث الصحبة، ومن سبه سبًّا لا يطعن في دينه فيستحق التعزير.
في مادة تاريخ الموسوعة العربية العالمية نجد كاتبها يقرر أن أغلب مؤلفات المؤرخين العَرب تدور حول تاريخ البلدان التي فتحوها، وتاريخ الإسلام وتاريخ أهم الأقطار والمدن؛ كمصر والأندلس والمغرب ومكة والمدينة ودمشق ومكة وبغداد، ومن أبرز المؤرخين العرب والمسلمين: المسعودي، وأهم مؤلف له في التاريخ (مروج الذهب) ومحمد بن جرير الطبري وأشهر كتبه (تاريخ الرسل والملوك). ومن أشهر المؤرخين العرب والمسلمين في العالم عبد الرحمن بن خلدون ويعد كتابه (المقدمة) من أروع كتب التاريخ وأوسعها، وقد استقاه من ملاحظاته
стр. 325
فيما يقع من أحداث، وهو يرى أن هناك اضطرادًا في السلوك الإنساني، شبيهًا بِمَا يَحدثُ في الطبيعة، ومن أفضل كتب التاريخ التي ألفت في القرن الثالث عشر الهجري كتاب عبد الرحمن الجبرتي (عجائب الآثار في التراجم والأخبار) ويعد الجبرتي من بين أشهر مؤرخي العالم العشرة، وكذلك كتب المؤرخ العربي الكبير ابن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي.
وتقول مادة hestory في موسوعة "كلومبيا" نفس الشيء، ونفس الأمر نجده في موسوعة "انكارتا" الناطقة بالفرنسية، والواقع أنّ الكتاب المعروف بـ "مقدمة ابن خلدون" يعد أساسًا لما أصبح يُعرف فيما بعد بعلم الاجتماع، إذ قام ابن خلدون في تلك المقدمة بفلسفة التاريخ، وأوضاع المجتمعات الإنسانية، ووضع قوانين يرى أنها تحكم مسيرة البشر؛ فلم يكتف برصد وقائع التاريخ، وتسجيلها كما يفعل غيره من المؤرخين، بل قدم تفسيرًا لسلوك الأمم والمجتمعات والدول، يمكن أي إنسان أن يستعمله في تحليل تاريخ أية أمة؛ فنقل بذلك علم التاريخ من حالته الغفل إلى وضعه العلمي الذي صار إليه منذ ذلك الحين. وعما أنجزه ابن خلدون في هذا المجال نسمعه يقول: "فأنشأت في التاريخ كتابًا، وأبديت فيه لأولية الدول عملًا وأسبابًا، وسلكتُ في ترتيبه وتبويبه مسلكًا غريبًا، واخترعته من بين المناحي مذهبًا عجيبًا، وطريقة مبتدعة وأسلوبًا، وشرحت من أحوال التمدن والعمران، وما يعرض في الاجتماع الإنساني من العوارض الذاتية، وما يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها".
وفي مقال بعنوان "نظرات في الفكر المنهجي عند ابن خلدون" يكتب علال البوزيد قائلا: "إن ابن خلدون كان مجددًا أيضًا في ميدان الأدب، إذ كان في طليعة كُتاب القرن الثامن الهجري، الذين نَبذوا أغلال السجع وغيره من المحسنات
стр. 326
البديعية المُتكلفة في كتاباتهم، وجعلوها حُرّة طَليقة لا تعنى إلا بقوة التعبير وجماله، ودقة تصويره. لقد كانت الطريقة الشائعة في عصر ابن خلدون هي طريقة القاضي الفاضل، المتوفى سنة خمسمائة وست وتسعين هجرية، وهي تقوم على المبالغة والتصنع بالزينة البديعية من سجع وتورية وجناس وطباق واقتباس، وما إلى هذا. وكان القاضي الفاضل يعتسف هذه المحسنات في نثره وفي شعره، ثم كان تلاميذه المتأثرون بطريقته من بعده أقل منه اطلاعًا، وأكثر باعًا؛ فهبطوا بتكلفهم هبوطًا شنيعًا. كما كان نقاد العصر يَكلفُون بالطريقة الفاضلية؛ فخضع الكُتّاب للنقاد، وجَاروهم في إعجابهم، وأنشئوا على الغرار الذي يرضيهم. أما ابن خلدون فقد تحرر من قيود الطريقة التي وضعها معاصروه للكتابة؛ فكان فذًّا في عصره من حيث تفكيره الأدبي والمنهجي معًا.
ولهذا وذاك نال ابن خلدون إعجاب العلماء في الشرق والغرب، وترجموا مقدمته إلى عدد غير قليل من اللغات، ولم يخف علماء أوروبا وفلاسفتها إعجابهم واعترافاتهم بتفوق هذا الفيلسوف العربي المغربي، وقد سجلت عدة دراسات وأبحاث هذه الاعترافات على لسان كبار الكتاب والباحثين، من الذين اهتموا بدراسة التراث العلمي الأصيل، الذي خلفه ابن خلدون، والذي يؤكد جملة وتفصيلًا اجتهاداته المثالية". ويُضِيفُ الكاتبُ قائلًا: "لقد أجمع غير واحد من الأعلام بأن معالم العبقرية المبدعة متوفرة في شخصية ابن خلدون، وقال عنه المستشرق "ليفيبروفنسال": إن صفات العبقرية عند صاحب المقدمة تتجلى في كونه أحرز قصب السبق في مجالات المعارف الإنسانية؛ مما جعله في مسار يُثير نزعة المعاصرين له من المؤرخين، مسار حدد فيه لنفسه مكانته الخاصة المرموقة في
стр. 327
مصاف العظماء، ذَلكَ أنّ منهجيته في فن التاريخ تعكس نظرة مطلقة أهلته لإدراك حقيقته الخفية، ومعناه البعيد".
وفي الوقت الذي ارتقى فيه الفكر الخلدوني إلى مستوى عال في فلسفة التاريخ، عكف بعض المؤرخين أمثال الطبري والمسعودي وابن الأثير وغيرهم، على دراسة التاريخ على أساس أنه سجل للحوادث والوثائق، وهكذا يتجلى الفرق في الاجتهاد الخلدوني الذي انصب على اعتبار الحوادث موضوعًا له صلة جوهرية بأعمال البشر ونشاطاتهم وأوضاعهم وأحوالهم، في حياتهم واجتماعهم. وممن قدروا عبقرية ابن خلدون حق قدرِها المؤرخ البريطاني "آرنولد تونبي" الذي قال: "إنه قد ابتكر وصاغ فلسفة للتاريخ هي بلا ريب أعظم ما بلغه الفِكْرُ البَشري في جميع العصور والأمم"، كما يقول المستشرق "إيفلا كوست" عن كتاب ابن خلدون: "إنه يمثل ظهور التاريخ كعلم وهو أروع عنصر فيما يمكن أن يسمى بالمعجزة العربية".
وبالمثل يقول مستشرق فرنسي آخر هو "تياي": "إن ابن خلدون قد ترك لنا تآليف قيمة، لم تغن الآداب العربية وحدها، بل التراث الثقافي للإنسانية جمعاء؛ فهو مؤسس علم الاجتماع، وواضع منهج الكتابة التاريخية العلمية، والسببُ في ذلك هو أنه توصل إلى أنّ هناك فلسفتين: فلسفة أصيلة صحيحة، وفلسفة كاذبة خاطئة. وهو ما يدل على أنه قد توصل قبل الفيلسوف الجرماني "إيمانول كانط" إلى التفكير النقدي الهادف إلى تحديد القواعد والمقاييس المنطقية لاستعمال العقل في البحوث الفلسفية، وانتقاداتها للتفكير الفلسفي الذي يتجاوز المقاصد الهادفة".
стр. 328
إن كتاب (المقدمة) وكتاب (العبر) لابن خلدون، هما عمل نادر وعظيم القيمة توجه فيه ابن خلدون إلى الناس جميعًا، لا إلى نخبة من المفكرين، أو إلى جماعة ضيقة من الفلاسفة، والتَّاريخُ كما يراه ابن خلدون فرع من الفلسفة، وله ظاهر وباطن، فأما في ظاهره فلا يزيد على أخبار الأيام والدول، وأما باطنه فنظر وتحقيق وتعليل للكائنات عميق كما يقول هو بأسلوبه. إن ابن خلدون إذ يُخضع الظواهر الاجتماعية للقوانين؛ فإنّما يبحثُ عن مدى الارتباط بين الأسباب والمسببات، ولم يكتف بالوصف وعرض الوقائع وبيان ما هي عليه، وإنّما اتجه اتجاهًا جديدًا في بحوثه الاجتماعية، جعله يعلن بصراحة أن التطور هو سنة المُجتمعات إذ إن الظواهر الاجتماعية لا تثبت على حالة واحدة، وهذا هو السبب في تباين الأنظمة الاجتماعية، بتباين المكان والزمان.
وقد اعتمد ابن خلدون في بحوثه على ما لاحظه في الشعوب التي عاصرها، واحتك بها، ووجد بينها وبين الشعوب السابقة عليها، ودرس العلاقات الاجتماعية بالإضافة إلى ما جمع من معلومات تاريخية أخضعها للعقل، وهو ذو منهج استقرائي استنتاجي، يعتمدُ فيه على الملاحظة والدخول على الموضوع دون أية فكرة مُسَبّقة، وإنْ لُوحِظَ أنّ استقراءه ناقص بعض الشيء؛ لأن الكثير من القوانين والأفكار التي وصل إليها، إنّما تصدق على الأمم التي كانت في عصره، لا على غيرها.
ويُشير الباحثون إلى أن ابن خلدون قد تحدث في (المقدمة) عن القوانين التي يسير عليها التزايد في النوع الإنساني، سابقًا بأربعمائة سنة "مالتس" الإنجليزي في نظريته المتعلقة بتزايد السكان، وهي النظرية التي تقول: إن السكان يتزايدون كل خمس وعشرين سنة بنسبة متوالية هندسية واحد اثنان أربعة ثمانية ستة
стр. 329
عشر اثنان وثلاثون ... إلى آخره. إذا لم يوقف تزايدهم عائق خارجي، وإن لم يعن العالم العربي المسلم بتفصيل الحديث في هذا الموضوع، ووضع قانون محدد للزيادة السكانية كما فعل "مالتس".
وقد سبق في الفقرات الماضية تصنيف التاريخ على أنه علم؛ لكنّ هذا لا يَمنعُ من أن نعده أدبًا بوصفه لونًا من ألوان الكتابة، إذ الأدب في معنى من معانيه هو الكتابة؛ فكل ما هو مكتوب يمكن تسميته أدبًا، بيد أن التاريخ قد يستحيلُ على أيدي بعض كتابه إلى أدب بالمعنى الخاص بالأدب، ألا وهو الكتابة المُمتعة التي تَشُدّ القُرّاء لما تنطوي عليه من أسلوب دافئ فتان، أو وصف مفصل لأشياء من أمور الواقع اليومي بحيويتها ودفئها، وما تعج به من حوارات كاشفة لنفسيات أصحابها، وهكذا. لكن؛ لا بد من التنبيه إلى أنه ليس من الضروري أن يكون التاريخ في هذه الحالة أدبًا خالصًا، بل من الممكن أن تتحقق فيه بعض سمات الأدب فقط لا كلها، وقد قلنا إن بعض أفضل المؤرخين يستخدمون البراعة الفنية للروائيين والكتاب المسرحيين، للتعبير قدر الإمكان.
ولعل هذا الموضع يكون أنسب المواضع لنقل الاقتباس التالي الذي أخذته من مادة " hestory " في موسوعة "انكارتا" الإنجليزية طبعة ألفين وستة " of oll the feels of serya stdy and letary efort hestory my be the hardest defin bresisly becous the atemet to an kavrt bast events and formolat an antelejabolt acunt of them msesrly envorves the use and enfrans of eny ogthelare desblans and letary forms ".
стр. 330
وقد ذكر الدكتور محمد غنيمي هلال أنّ جنس التاريخ عند العرب قد بدأ حول شخصية الرسول ﵊ يُريد أن يقول: إنه أول تاريخ يكتبه العرب كان تاريخ الرسول -أي: السيرة النبوية- وهو ما يكرره وراءه الدكتور الطاهر أحمد مكي؛ لكنّي لا أذهب هذا المذهب، وأرى أن أول كتاب عربي عرض للتاريخ، بل عرض له وحلل ما حكى من وقائعه بأسلوب أدبي فخيم جليل، هو القرآن الكريم؛ فقد تحدث مثلًا عن عدد من الأمم السابقة وزعمائها، وأنبيائها، والناس العاديين فيها، وروى ما وقع منهم ولهم، وحكى كلامهم وبعض ما كان يجري من حوار بينهم، كما هو الحال في حديثه عن نوح وقومه، وما دار بين الطرفين من صراع استمر حتى بنائه ﵇ السفينة، وركوبه وأتباعه إياها، وهطول الأمطار، وغرق الكافرين.
كما تحدث عن موسى وفرعون وقص ما جرى بينهما، بشيء غير قليل من التفصيل، مثلما تحدث عن يوسف ومصر في عهده، والعزيز وامرأة العزيز، والسّجن وما إلى ذلك، وقد صيغ ذلك كله صياغة أدبية فخمة سامقة؛ فكانَ القرآن بذلك ضمن أشياء أخرى كثيرة، وأوليات متعددة، أول كتاب يكتب التاريخ في العربية، فضلًا عن سبكه إياه في قالب أدبي شامخ. ولست بحاجة إلى أن أورد من القرآن شواهد على ما أقول، فكل الناس يعرفون هذا، ولا تعوزهم أمثلة عليه. ويلمس كاتب مادة "لستوار" في موسوعة "إنكارتا" الفرنسية طبعة ألفين وتسعة، يلمس المسألة من زاوية أخرى قائلًا: "إن الرسول هو الذي دفع المسلمين مبكرًا نحو دراسة التاريخ، وذلك من خلال ما بذلوه من جهود لتوثيق النص القرآني، وضمان صحة الأحاديث النبوية".
стр. 331
واستمرارًا مع موضوع الصياغة الأدبية للتاريخ، نقول: إننا في (السيرة النبوية) لابن إسحاق مثلًا نجد كثيرًا من الأشعار توشي الأحداث، وتجري على ألسنة الشخصيات، كما نَجِدُ كثيرًا من التفصيلات والحوارات الواقعية المفعمة بالحيوية، سواء تعلق الأمر بالناس العاديين، أو بالزعماء والقادة. وذلك كي لا يقال: إنّ كتابة التاريخ قديمًا كانت تعنى دائمًا بالسادة ملوك ووزراء وأشباههم ليس إلا، فضلًا عن أن الأسلوب الذي صيغ به هذا كله هو أسلوب أدبي، وإن غلبت عليه البساطة في كثير من كتب السير.
ونضيف إلى هذا: أن سيرة ابن هشام بالذات، وهي كما نَعرف سيرة ابن إسحاق ذاتها معلقًا عليها، ومتصرفا فيها بعض التصرف، هذه السيرة تمتلئ بالأحكام النقدية التمحيصية لما ورد فيها من أشعار، إذ لا يكتفي ابن هشام بإيراد ما أورده ابن إسحاق من النصوص الشعرية، بل عادة ما يُعقب على ما يثبته منها بأنه لم يثبته كاملًا، بل حذف منه أشياء للسبب الفلاني أو العلاني، أو أن النص غير موثوق عند العلماء بالشعر. وقد يحذف النص كله ويشير إلى الحذف معقبا عليه بالسبب الذي حدا به إلى ذلك، وهكذا. أي: أنّ سيرة ابن هشام ليست مُنْبَتّة الصِّلة بالأدب والنقد كما هو واضح، وهذا مثالٌ على ما نقول، وهو من حديث زمزم وحفر عبد المطلب إياها: "ثم ولي عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب؛ فأقامها للناس، وأقام لقومِهِ ما كان آباؤه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم، وشرف في قومه شرفًا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبه قومه وعظم خطره فيهم.
ثم إن عبد المطلب بينما هو نائم في الحِجْر إذ أُتي فأُمِر بحفر زمزم، قال عبد المطلب: إنِّي لنَائِمٌ في الحِجْر إذ أتاني آت؛ فقال: احفر طيبة، قلت: وما طيبة؟
стр. 332
قال: ثم ذهب عني؛ فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر برة، قلت: وما برة؟ قال: ثم ذهب عني فلما جاء الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر المضمونة، فقال: فقلت: وما المضمونة؟ قال: ثم ذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر زمزم، قال: قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف أبدًا ولا تذم؛ تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل.
قال ابن إسحاق: فلما بُيّن له شأنها، ودُلّ على موضعها، وعرف أنه قد صدق غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، ليس له يومئذ ولد غيره؛ فَحَفر فيها فلما بدا لعبد المطلب الطي كبّر فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب، إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقًّا؛ فأشركنا معك فيها، قال: ما أنا بفاعل، إنّ هذا الأمر قد خصصت به دونكم، وأعطيته من بينكم، فقالوا له: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها. قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد بن هذيل، قال: نعم، وكانت بأشراف الشام، فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر، قال: والأرض إذ ذاك مفاوز، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام، فني ماء عبد المطلب وأصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة؛ فاستسقوا من معهم من قبائل قريش، فأبوا عليهم وقالوا: إنّا بِمَفازة، ونحنُ نخشى على أنفسنا مثلما أصابكم.
فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم، وما تخوف على نفسه هو وأصحابه، قال: ما ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك؛ فمرنا بما شئت، قال: فإني أرى أن يحفر
стр. 333
كل رجل منكم حفرته لنفسه، بِمَا بِكُم الآن من القوة، فكُلّما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته، ثم واروه حتى يكون آخركم رجلًا واحدًا فضيعة رَجُلٍ واحِد أيسر من ضيعة ركبٍ جميعًا، قالوا: نعم ما أمرت به، فقام كل واحد منهم فحفر حفرته، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشًا. ثم إنّ عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض، ولا نبتغي لأنفسنا لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماءً ببعض البلاد، ارتحلوا حتى إذا فرغوا ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم، ما هم فاعلون، تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها؛ فلما انبعثت به انفجرت من تحت خُفّها عين ماء عذب، فكبّر عبد المطلب، وكبّر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه، واستقوا حتى ملئوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش فقال: هلُمّ إلى الماء؛ فقد سقانا الله فاشربوه واستقوا.
ثم قالوا: قد والله قضي لك علينا يا عبد المطلب، فوالله لا نخاصمك في زمزم أبدًا إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدًا؛ فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبينها. قال ابن هشام: هذا الكلام والكلام الذي قبله من حديث علي -رضوان الله عليه- في حفر زمزم من قوله: لا تنزف أبدًا ولا تذم إلى قوله: عند قرية النمل، عندنا سجع وليس شعرًا. قال ابن إسحاق: فزعموا أنه حين قيل له ذلك، قال: وأين هي؟ قيل له: عند قرية النمل، حيث ينقر الغراب غدًا -والله أعلم غير ذلك كان- فعاد عبد المطلب ومعه ابنه الحارث، وليس له يومئذ ولد غيره، فوجد قرية النمل ووجد الغراب ينقر عندها بين الوثنين إساف ونائلة، اللذين كانت قريش تنحر عندهما
стр. 334
ذبائحها فجاء بالمعول، وقام ليحفر حيث أمر؛ فقامت إليه قريش حين رأوا جده، فقالوا: والله لا نتركك تحفر بين وثنين هذين اللذين ننحر عندهما.
فقال عبد المطلب لابنه الحارث: ذد عني حتى أحفر، فوالله لأمضين لما أمرت به، فلما عرفوا أنه غير نازع خلوا بينه وبين الحفر، وكفوا عنه؛ فلم يحفر إلا يسيرًا حتى بدا له الطي. الطي معناه جدران البئر المبنية بالحجارة. فكبّر وعرف أنه قد صُدق، فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالين من ذهب، وهما الغزالان اللذان دفنتهما جرهم فيها، حين خرجت مكة، ووجد فيها أسيافًا قلعيه وأدراعًا؛ فقالت له قريش: يا عبد المطلب، لنا معك في هذا شرك وحق، قال: لا، ولكن هلم إلى أمر نصف بيني وبينكم نضرب عليها بالقداح، قالوا: وكيف تصنع؟! قال: أجعل الكعبة قدحين، ولي قدحين ولكم قدحين؛ فمن خرج له قدحه على شيء كان له، ومن تخلف قدحاه فلا شيء له. قالوا: أنصفت، فجعل قدحين أصفرين للكعبة وقدحين أسودين لعبد المطلب، وقدحين أبيضين لقريش، ثم أعطوا القداح صاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل.
وقام عبد المطلب يدعو الله فضَرَب صَاحِبُ القِدَاح القداح؛ فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة، وخرج الأسودان في الأسياف والأدراع لعبد المطلب، وتخلف قدحا قريش؛ فضرب عبد المطلب الأسياف بابًا للكعبة، وضَربَ في الباب الغزالين من ذهب؛ فكان أول ذَهبٍ حُلّيته الكعبة فيما يزعمون، ثُمّ إنّ عَبد المطلب أقام سقاية زمزم للحجاج". وهُنَاك لوحاتٌ رَائعة أُخرى منتشرة في السيرة النبوية، كتلك التي تصور لقاء المسلمين بالنجاشي، يستفسر منهم عن عقيدتهم في عيسى بن مريم ﵇ وقد أحاط به الرهبان والبطاركة.
стр. 335
وكذلك اللوحة التي ترسم ابتهال النبي الكريم في غزوة بدر لربه أن ينصر عصبة المسلمين؛ لأنها إن هلكت فلن يعبد سبحانه في الأرض. أو تلك التي تسجل لنا ما صنعته هند بنت عتبة في جثة حمزة وكبده، أو تلك التي تنقل لنا لوعة صفية أخت البطل الشهيد، وتعقيب النبي حين سمع بكاء النساء على قتلى أحد، قائلًا في حزن: ((لكنّ حَمزة لا بواكي له)) فذهبت مثلًا.
أو اللوحة التي حدثتنا فيها عن عائشة عن تفاصيل واقعة الإفك، وبخاصة الحلقة الأخيرة منها، عندما نَزل الوحي على رسول الله في بيت أبويها، يبرئها مما قرفت به ﵂ ظلمًا وبهتانًا من قبل المنافقين الملاعين، ومن انخدعوا بما قالوه -عفا الله عنهم. وهذا الذي قلناه عن سيرة ابن إسحاق وابن هشام ينطبق على كثير من كتب التاريخ، ولنأخذ هذا النص مثلًا من كتاب ابن الأثير في التاريخ، وفيه يُصَوِّرُ لنَا ليلة من الليالي التي مَضت على الحُسين، وآله ورجاله قريبًا من كربلاء، وقَد عَرض عليهم بعض قادة الجيش الأموي الاستسلام.
قال ابن الأثير: "فجَمَع الحُسين أصحابه بعد رجوع عمر فقال: أثني على الله أحسن الثناء وأحمده على السراء والضراء، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة، وجعلت لنا أسماعًا وأبصارًا وأفئدة، وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين؛ فاجعلنا لك من الشاكرين، أما بعد: فإني لا أعلم أصحابًا أوفى ولا خيرا من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي؛ فجزاكم الله جميعًا عني خيرًا، ألا وإني لأظن يومنا من هؤلاء الأعداء غدًا، وإني قد أذنت لكم جميعًا؛ فانطلقوا في حل ليس عليكم مني ذمام، هذا الليل قد غَشيكم فاتخذوه جبلًا، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي فجزاكم الله خيرًا.
стр. 336
ثم تفرقوا في البلاد في صعيدكم ومدائنكم، حتى يفرج الله؛ فإن القوم يطلبونني ولو أصابوني لهَوْا عن غيري، فقال له إخوته، وأبناؤه، وأبناء إخوته وأبناء عبد الله بن جعفر: لم تفعل هذا؟ لنبقى بعدك لا أرانا الله ذلك أبدًا، فقال الحسين: يا بني عقيل، حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا فقد أذنت لكم، قالوا: وما نقول للناس؟ نقول: تركنا شيخنا وسيدنا، وبني عمومتنا خير الأعمام، ولم نرم معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولا نضرب بسيف، ولا ندري ما صنعوا، لا والله لا نفعل ولكنا نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ونقاتل معك، حتى نَرِدَ موردك فقبح الله العيش بعدك. وقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي فقال: أنحن نتخلى عنك ولم نعذر إلى الله في أداء حقك، أما والله لا أفارقك حتى أكسر في صدورهم رمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي، والله لو لم يكن معي سلاحي لقذفتهم بالحجارة دونك؛ حتى أموت معك وتكلم أصحابه بنحو هذا فجزاهم الله خيرًا. وسمعته أخته زينب تلك العشية وهو في خباء له يقول، وعنده مولى أبي ذر الغِفَاري يُعَالِجُ سيفه:
يا دهر أف لك من خليل ... كم لك بالإشراق والأصيل
من صاحب أو طالب قتيل ... والدهر لا يقنع بالبديل
وإنما الأمر إلى الجليل ... وكل حي سالك السبيل
فأعادها مرتين أو ثلاثا؛ فلما سمعته لم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها، حتى انتهت إليه ونادت: وا ثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة اليوم، ماتت فاطمة أمي، وعلي أبي، والحسن أخي، يا خليفة الماضي وثمال الباقي، فذهب فنظر إليها وقال لها: يا أخية، لا يذهبن حلمك الشيطان. قالت: بأبي أنت وأمي استقتلت، نفسي بنفسك الفدا فردد غصته وترقرقت عيناه ثم قال: لو ترك القطا ليلًا لنام. فنفضت وجهها وقالت: وا ويلتاه! أفتغصبك نفسك اغتصابًا، فذلك أقرح
стр. 337
لقلبي وأشد على نفسي، ثم لطمت وجهها وشقت جيبها، وخرّت مغشيًّا عليها؛ فقام إليها الحسين فصب الماء على وجهها، وقال: اتق الله وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأهل السماء لا يبقون، وأن كل شيء هالك إلا وجه الله أبي خير مني وأمي خير مني، وأخي خير مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة.
فعزاها بهذا ونحوه وقال لها: يا أخية، إني أقسم عليك لا تشقي علي جيبًا ولا تخمشي علي وجهًا، ولا تدعي علي بالويل والثبور إن أنا هلكت، ثم خرج لأصحابه فأمرهم أن يقربوا بعض بيوتهم من بعض، وأن ينشروا الأطناب بعضها في بعض، وكونوا بين يدي البيوت، فيستقبلون القوم من وجه واحد، والبيوت على أيمانهم وعن شمائلهم ومن ورائهم. فلما أمسوا قاموا الليل كله يصلون ويستغفرون، ويتضرعون ويدعون فلما صلى عمر بن سعد الغداة يوم السبت، خرج فيمن معه من الناس وعبا الحسين أصحابه، وصلى بهم صلاة الغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارسًا وأربعون راجلًا فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه، وحبيب بن مطهر في ميسرتهم، وأعطى رايته للعباس أخاه، وجعل البيوت في ظهورهم، وأمر بحطب وقصب فألقي في مكان منخفض من ورائهم كأنه ساقية، عملوه بساعة من الليل، لئلا يؤتوا من ورائهم، وأضرم نارًا تمنعهم ذلك".
وقد بلغ الفن في تاريخ الجبرتي مدى بعيدًا رغم ما يعتور التعبير في أحيان من ضعف، إلا أنّ التصوير الحي والتلقائية العجيبة، والتفاصيل اليومية، والحوارات الواقعية الدقيقة تغطي على هذا كله، وتنبض الأسلوب بالفتنة الساحرة. على أنّ الأمر في التقاء التاريخ بالأدب لا يقف عند هذا الحد، بل هناك من اعتمدوا في كتابة التاريخ السجع والجناس وغيره من محسنات البديع، وهذا مُلاحظ على
стр. 338
وجه الخصوص في الكتب التاريخية التي وضعت في العصور المتأخرة، أيام انحسار رونق الحضارة الإسلامية، وإن كان التسجيع والتجنيس قد بدءا قبل ذلك بوقت طويل.
فرأينا إبراهيم الصابي في القرن الرابع الهجري، والعتبي يؤلفان كتابيهما (التاج) و (اليميني) على الترتيب في بعض ملوك بني بويه والغزنويين سجعًا، ولدينا من هؤلاء أيضًا: العماد الأصفهاني، وحبيب الحلبي، كذلك هناك الشعراء نظموا التاريخ شعرًا. وتم ذلك منذ وقت مبكر منهم على سبيل المثال: يحيى الغزال الشاعر الأندلسي، الذي ذكرت كتب الأدب أنه نظم رجزًا في فتح الأندلس. ومثل ما رجز به علي بن الجهم في تاريخ العالم، ومثل أرجوزة ابن المعتز في تاريخ المعتضد جده، ومثل رجز ابن عبد ربه في تسجيل تاريخ عبد الرحمن الثالث في الأندلس، ومِثل شعر الخُرَني في فتنة الأمين والمأمون، وما وقع ببغداد من الدمار، وكذلك أرجوزة ابن كثير الموجزة عن الخلفاء العباسيين، وأرجوزة ابن عون الدمشقي المسماة "تحفة الظرفاء في تواريخ الملوك والخلفاء" وشعر ابن دانيال عن قضاة مصر. أما كتاب لسان الدين بن الخطيب (رقم الحلل في نظم الدول)؛ فقد جمع بين الشعر والنثر.
وبالنسبة لعلاقة التأليف التاريخي عند العرب بالفرس، يقول الدكتور محمد غنيمي هلال: "إنّه منذ القرن الثاني الهجري تُرجمت إلى العربية كتب كثيرة من التاريخ الإيراني، أثرت أيما تأثير في جنس التاريخ الأدبي عند العرب، وإن البلاذري، والمسعودي، والدينوري قد ساروا على طريقة الفرس في التأليف التاريخي الخالي من سلاسل الإسناد، إلا أنه للأسف لم يفكر
стр. 339
في أن يمدنا بأسماء تلك الكتب الكثيرة التي يقول: إنها ترجمت من الفارسية إلى العربية. والملاحظ أنه لم يذكر إلا "الشهنامة"، وبِضْعَ فقراتٍ كتبها ابن المقفع وفقدت، فأمّا "الشهنامة" فليست تاريخًا، بل أدبًا من أدب الملاحم بكل ما تنطوي عليه الملاحم من خرافات ومبالغات وخيالات وتفصيلات وطنية، وهو نفسه يقول في الهامش: إن التاريخ عند الإيرانيين كان يختلط بالأسمار والحكايات الخلقية، وقواعد السلوك العامة، فضلًا عن تخلف النقد التاريخي في تلك المؤلفات.
وأما ما فُقِدَ فليس دليلًا على شيء، إذ متى كان المفقود الذي لا وجود له يصلح اتخاذه دليلًا"، ولا ريب أن هذا كله من شأنه بذر بذور الشك فيما بيننا فيما قاله الدكتور هلال، وبخاصة أنه قد قاله اعتمادًا على مقال كتبه المستشرق الهولندي "دي خويه" في طبعة عام ألف وثمانمائة وثمانية وثمانيين، من دائرة المعارف البريطانية؛ فهو إذًا ليس كلامه بل كلام أحد المستشرقين، ولما يُحاول هو أن يسند هذا الكلام ببعض الشواهد التي تعضده؛ فبقي مجرد ادعاء لا دليل عليه وبالذات حين يجعله من "الشهنامة"، وتلك الفقرات المقفعية المفقودة كتبًا كثيرة حسب تعبيره. وفضلًا عن ذلك لم يحاول أن يذكر لنا عنوان المادة التي استقى منها هذا الادعاء، أو رقم الصفحة، واكتفى بذكر المجلد ليس غير، ثم مَن قال: إنّ الفرس كانوا يتسمون بالإيرانيين كما يتعامل هو معهم هنا، إنّ هذه تسمية حديثة، يُسقط الحاضر على الماضي بهذا الشكل غير المسوغ.
وفي نفس الموضوع يتوقف الدكتور هلال بإزاء ترجمة كتاب الطبري (تاريخ الأمم والرسل والملوك) إلى اللغة الفارسية، إذ ترجمه الوزير الفارسي الساماني أبو
стр. 340
محمد علي البلعمي، مع حذف العنعنات، والاختصار في كل خبر على رواية واحدة من الروايات المتعددة التي درج الطبري على أن يرددها في كل خبر يذكره، فضلًا عن زيادته أشياء من عنده من تاريخ فارس القديم، وغيره من الموضوعات إلى ما كتبه. وهنا أيضًا نجد الدكتور هلال يصف الطبري بأنه إيراني، وهو نعت لم يكن متداولًا في ذلك الوقت، بل كان يُقال: فارسي، ومن ناحية أخرى؛ فإن الطبري لم يكن يدور في خلده أنه فارسي، بل أنه مسلم عربي وبخاصة أن الدولة في تلك الفترة كانت دولة مترامية الأطراف، ينتمي مواطنوها جميعًا إلى العروبة لغة وثقافة، وإلى الإسلام عقيدة ودينًا بغض النظر عن أجناسهم ودمائهم.
وهذه كتبه متوفرة في أيدينا، فأين تلك النزعة فيها؟ وعلى نفس المنهج يمضي الدكتور طاهر أحمد مكي فيصف الطبري بأنه إيراني الأصل، ومما تناوله هلال أيضًا: تأثر كتب التاريخ في العصور المتأخرة بما ساد أساليب الكتابة الأدبية إبان ذلك؛ مِن أسجاع وجناسات وتوريات ومحسنات بديعية وأمثال وحكم، ومجازات وسيرها في هذا المضمار، مشيرًا في هذا السياق إلى ما كتبه العتبي في كتابه (تاريخ أمين الدولة) بأنه سلك في ذلك الكتاب مسلك الشعراء، وهو الكتاب الذي فرغ منه عام ٤١٢ هـ. ويمضي هلال قائلًا: "إن تأثير الأدب العربي على نظيره الفارسي في تلك النقطة تأثير عظيم على حد عبارته، إذ ترجم "الجربادي قاني" كتاب العتبي الذي ألفه في أمين الدولة إلى الفارسية، ناقلًا بهذا جنس التاريخ من العربية إلى الفارسية بكل خصائصه الفنية، كما كان في الكتاب المترجم، الذي ألفه في أوائل الربع الثاني من القرن الثامن الهجري، وإن أضاف أن المؤرخين الفرس الآخرين لم ينهجوا نهج وصاف المتكلف".
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 341
الدرس: ١٤ الصياغة الفنية التابعة للأجناس الأدبية .
стр. 342
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الرابع عشر
(الصياغة الفنية التابعة للأجناس الأدبية)
الصياغة الفنية للموشحات والأزجال
فنقول: الموشحات والأزجال: جنسان شعريان اشتهرت بهما الأندلس، وكانا يدوران في كثير من نماذجهما حول الغزل، كما كانا يخرجان على نظام العروض والقافية التقليدي، الذي يجري على وتيرة واحدة وزنًا وقافية من أول القصيدة إلى نهايتها حسبما هو معروف.
ويتركب كل موشح من وحدتين تتكرران عددًا من المرات، وحدة يبدأ بها الموشح في العادة، وتسمى قُفلا، فإذا لم يبدأ بها وبدأ توًّا بالوحدة التالية سُمِّي الموشح أقرع، وهذه الوحدة الثانية تسمى غصنًا، ويتكون الموشح النموذجي في العادة من ستة أقفال، تَحْصر بينها خمسة أغصان، ولكنّ المُوشح غير ملزم بذلك إن شاء أن يزيد، وإن شاء أن ينقص. واجتماع القفل والغصن التالي له يُسمى دورًا، وبعضهم يسميه بيتًا؛ فالموشح النموذجي على هذا الأساس يتكون من خمسة أدوار أو أبيات، وقفل ختامي يدعونه الخرجة، ولكن الأقرع يشذ عن ذلك لأن أحد أقفاله ساقط. وللوَشَّاح أن يجعل عدد أجزاء القفل أو أجزاء الغصن حسبما يُريد، وأهم ظاهرة في التوشيح من حيث النغمة قيام القفل أحيانًا على وزن، وقيام الغصن على وزن آخر؛ فتسير الموشحة في وزنين، والغالب أن يتفق القفل والغصن في الإيقاع العام. وقد يختار الوشاح وزنًا مباشرًا من أوزان القصيد فينسج عليه موشحته مثل:
أيها الساقي إليك المشتكى ... قد دعوناك وإن لم تسمع
стр. 343
وهذا ما يسميه ابن سناء المُلك الموشح الشعري. وقد يستخرجُ الوشاح وزنًا جديدًا ينظم عليه موشحته. أما الأزجال؛ فيقول الدكتور محمد غنيمي هلال: "إنّها قد ازدهرت في الأندلس، واصطنعت اللهجة العامية أسلوبًا لها، وهذه اللهجة العامية مزيج من العامية العربية، وبَعض الألفاظ الإسبانية المأخوذة من لغة السكان المحليين"، وهو يُرجح أن الأزجال نشأت أول ما نشأت في أواخر القرن الرابع الهجري، رغم أنه لم يبلغنا منها شيء ذو قيمة قبل القرن السادس. ويضيف قائلًا: "إنّ بنية الزجل هي هي بنية الموشحة إلا أن الخرجة فيه أعجمية لا عربية".
وقد حاول المستشرق الأسباني "خوليان ريبيرا" وتبعه على ذلك بعض المستشرقين مثل: "جوميس" و"بيدان" وكذلك بعض المؤلفين العرب مثل الدكتور عبد العزيز الأهواني، والدكتور مصطفى عوض الكريم، وبطرس البستاني أنْ يُفَسّر السببَ في ظهور الموشحات في الأندلس؛ فأرجعها إلى أن أهل تلك البلاد كانوا في حياتهم اليومية يتكلمون العامية الأعجمية "الرومانس" في الوقت الذي كانوا يخصصون العربية الفصحى للأمور الرسمية، ومن ثم نشأ بينهم طراز شعري جديد يقوم على المزاوجة بين العربية الفصحى، والعامية الأعجمية. وهو الشكل الذي أثار استياء العلماء المحافظين، فكان من جراء ذلك أن أخذ الناس جميعًا -حسب عبارته- يتناقلونه سرًّا فيما بينهم، وذاع أمره داخل البيوت، وفي أوساط العوام؛ وما زال يعظم حتى أصبح في يوم من الأيام لونًا من الأدب. وقد ذكر "بلنثية" هذا الكلام في كتابه عن تاريخ الفكر الأندلسي الذي ترجمه الدكتور حسين مؤنس، وانظر كذلك في هذا الموضوع الدكتور عمر فروخ في كتابه (تاريخ الأدب العربي) في المجلد الرابع منه.
стр. 344
وهذه نظرية خاطئة: إذ تفترضُ أنّ أهْلَ الأنْدَلُس كانوا يَتحَدّثون بالعامية الأعجمية، وهو ما لم يَحْدُث ولا قال به أحد، وكيف يمكن أن يقوله أي أحد، بل كيف يمكن أن يخطر شيء من هذا بباله، ولم يحدث يومًا أن اتخذ العرب لغة أهل البلاد التي فتحوها وهم في قوتهم، لقد كان العرب أعز من ذلك بآماد لا تتصور. ثم كيف يكون الناس جميعًا يتناقلون هذا الشكل الشعري سرًّا فيما بينهم؟ إنّ السر معناه أن ينفرد به بَعضُ النّاس دون بعض، أما أن يكون سر بين الناس جميعًا؛ فلا أدري كيف يكون. كذلك فإن الموشحة لم تكن تُنظم بالعامّية الأعجمية، بل كُلّ ما هنالك أن خرجات بعض الموشحات من بين المئات، البعض فقط كانت تكتب بالعامية، وبعض هذه الخرجات المكتوبة بالعامية كان يكتب بالعامية الأعجمية، علمًا بأن الخرجة لا تمثل إلا جزءًا صغيرًا جدًّا من الموشحة، وأنّ ذَلك النّوع من الخرجات لم يكن يكتب جميعه بالعامية، ولا بالعامية الأعجمية، إذ قد يقتصر هذا على كلمة أو كلمتين فحسب.
وفضلًا عن ذلك؛ فإن الأزجال -وهي فن شعري ينظم بالعامية كاملًا- إنما كانت تنظم بالعامية العربية، لا الأعجمية كما يعرف ذلك كل أحد، ولو كانت عامية أهل الأندلس هي الأعجمية لنظمت الأزجال على الأقل بتلك العامية، لا بالعامية العربية التي يفترض حسب تلك النظرية أنها لم تكن تستعمل هناك، ثم إنه لم يحدث أن أحدًا من العرب القدماء -ممن كتب عن ذلك الطراز من النظم- سواء كان من أهل الأندلس أو من غيرهم، قد أشار ولو مجرد إشارة إلى شيء من هذا الذي قاله "ريبيرا". أما لو كان هناك من الأندلسيين غير المسلمين من كتب شيئًا من هذا الذي يقوله "ريبيرا" فليرينا إياه.
стр. 345
وقد تعرض العقاد ﵀ إلى موضوع تأثير الموشحات والأزجال على الشعر الغربي، فذكر ما قاله "دانتي" من أنّ نظم الشعر بالعامية قد شاع في إقليم "بروفانس" حيثُ يلتقي الأمم اللاتينية في الجنوب، فانتشر من ذلك الإقليم أولئك الشعراء الجوالون، الذين عرفوا باسم "التروبادور" المأخوذة من طرب أو طروب في رأي بعض المستشرقين.
والذي يقال: إن اسم "تِنْزُون" الذي يُطلق على شعرهم مأخوذ من كلمة تنازع؛ لأنهم كانوا يلقون الشعر سجالًا يتنازعون فيه المفاخر والدعاوى، بالإضافة إلى ما لوحظ من شبه شديد بين أوزان هذا الشعر، وأوزان الزجل الأندلسي، وما وُجِدَ في أشعار الأوربيين بشمال الأندلس من كلمات عَربية، وإشارات إلى بعض العادات الإسلامية، كتخميس الغنائم، واختصاص الأمير بالخمس منها. كذلك لمس محمد مفيد الشوباشي في كتيبه (العرب والحضارة الأوربية) هذا الموضوع، فأشار إلى أن من درسوا الأدب الأوربي وتطوره قبيل العصر الحديث، يلاحظون أن الشعراء "التروبادور" هم الذين أحدثوا أكبر أثر فيه، فتبدلت حالهم كل التبدل، وعرف السبيل القويم على حد تعبيره.
لقد كانت أشعار هؤلاء الشعراء الجوالين الذين ظهروا في أسبانيا، خلال القرن العاشر الميلادي -على ما يبدو- لونًا من الزجل العربي تطور ودخلت عليه كلمات أسبانية، إلا أنه لم يفقد خصائص الشعر الأندلسي حسبما يقرر الشوباشي، الذي يستند في كلامه هذا إلى ما كتبه بعض من تطرق إلى ذلك الموضوع من الكتاب الأوروبيين كـ"إيميل هنري" و "بريفو بريبري" والذي يؤكد أن تأثير الشعراء "التروبادور"، قد انتقل بعد هذا إلى ألمانيا وإيطاليا وفرنسا، وإن لم يدخل في تفصيلات القضية، اللهم إلا في رده على بعض من ينكر من الأوربيين ما تدين به أشعارهم قبل عصر النهضة إلى الشعر العربي في الأندلس.
стр. 346
وفي كتابه (الأدب المقارن) يوضح الدكتور محمد غنيمي هلال موضوع تأثر شعراء "التروبادور" بالموشحات والأزجال، سواء في مضمون قصائدهم أو في نظامها الموسيقي قائلًا: "إنّ شُعراء "التُّروبادور" كانوا يعيشون في بلاط الملوك والأمراء، ويتَغَنَّون بالحُبّ على نحو يذل فيه المحب لمحبوبته، ولا يَجِدُ في ذلك ما ينال من عزة نفسه، وإنه لوحظ أنهم يبنون قصائدهم في المتوسط من سبع مقطوعات كما يفعل الوشاحون، وهو العدد الغالب على الموشحة.
كذلك نجد في تلك القصائد ما يقابل المطلع والغصن والقفل في الموشحات، كما أن المصطلح الذي يطلق على مجموع الغصن والقفل معًا هو "البيت" بالضبط مثلما هو الحال في تلك الموشحات والأزجال، ثُم إن نظام القافية في شعر الشعراء "التروبادور" يسير على نفس المنوال، الذي تسير عليه القافية في ذينك الفنين. وبالمثل يقابلنا في غزلهم شخصية الرقيب والواشي، والعاذل والحاسد والجار، وكذلك الرسول الذي يستخدمه في مهمته خاتمًا كما في الموشحات والأزجال، فضلًا عن استعمال ضمير المذكر للحبيبة في كثير من الأحيان، وإخفاء اسم المحبوب، والتكنية عنه بسيدي، أو مولاي أو منيتي وما أشبه، كما يُقابلنا في شعر "التروبادور" معان تنتشر في الموشحات والأزجال، مثل: الحب الذي ينشأ من أول نظرة، والشكوى من قسوة الحبيبة، وشعور المحب بآلام الجوى التي تمنعه الرقاد، وتسبب له السقام والهزال، وكذلك خضوع المحب لحبيبته خضوعا تامًّا.
وفوق ذلك، فقد استحال الغَزَلُ في الموشحات والأزجال غزلًا صوفيًّا؛ فتحول من الحب الإنساني إلى الحب الإلهي على يد الشاعر والزجال الأندلسي الششتري وهو من رجال القرن السابع الهجري، وكان للششتري تأثير كبير على معاصره الإسباني "ريمون لول" الذي كان يعرف العربية معرفة جيدة، والذي نظم كثيرًا من المناجيات الغرامية الرمزية تغنيًا بالجمال الإلهي".
стр. 347
ويستمر الدكتور هلال في ذكر تأثير الموشحات والأزجال على الشعر الأوربي في ذلك الوقت؛ فيقول: "إنّ الشواهد التاريخية على التأثير الموسيقي العربي على تلك الأشعار كثيرة"، ومن تلك الشواهد التي أوردها: مجموعة الأشعار المقدسة التي نظمها "ألفونس" العاشر في تمجيد العذراء، وعددها أربعمائة واثنتان منها على الأقل ثلاثمائة وخمس وثلاثون، مبنية من ثلاثة أبيات على قافية واحدة، يليها بيتٌ تتكرر قافيته وهي تقابل القفل، ثم يأتي بيتان يُقابلان المركز، وهما بمثابة المطلع في العربية، وإن جاء عقب المقطوعة الأولى.
هذا؛ وقد اشتهر "دانتى" و"بتلارك" الشاعران الإيطاليان المعروفان بلون من الشعر الغنائي تأثرا فيه بشعراء "التروبادور" واسمه "سينتوا" أو "سونيت" وهو مكون في الغالب من أربعة عشر بيتًا مُقَسّمة أربعة أقسام، اثنان منها رباعيان والآخران ثلاثيان، ومَطلع كُلّ من القسمين الأولين ذو قافية واحدة، وهو يُقابل المطلع والمركز في الموشحات، وفي شعر "التروبادور". كما أنّ القسمين الأولين ينتهيان كذلك ببيت متفق أيضًا مع المطلع في القافية، وهو ما يُقابل القُفل، وأما القسمان الثلاثيان الآخران؛ فإن المطلع في كل منهما يتفق في القافية، إلا أن البيت الثاني من الثلاثية الأولى يتفق مع الثالث من الثلاثية الثانية، مثلما يتفق الثالث من الأولى مع الثاني من الثانية.
ويستمر الدكتور هلال راصدًا ما اعترى شكل "السونيت" الإيطالي من تطور فيقول: "إنه أصبح يتألف من مجموعات سداسية، كل مجموعة لها من بيتيها الثالث والسادس، ما يُشبه القُفل من موشحات، إذ هما متفقان في القافية، كما أن موضوع "السونيتات" قد ظل هو الحب، إما الحب الطاهر الشديد القسوة الدائم الأثر كما في أغاني هذين الشاعرين الإيطاليين، وإما الحب اللاهي الذي
стр. 348
يغتنم المسرات المتاحة، كما في أشعار "الرونسار" الفرنسي. وإنّ هذا اللون من النظم قد انتشر في الشعر الأوربي كله على أثر ظهوره في إيطاليا". ويخلص من هذا كله بأنه دليل جد قوي على ما خلفته الأشعار الأندلسية على شعر "التروبادور" من آثار.
وفي كتابه (دور العرب في تكوين الفكر الأوربي) يبرز الدكتور عبد الرحمن بدوي دور الموشحات والأزجال الأندلسية في نشأة الشعر الأوروبي، مُشيرًا إلى أنّ أوّل من قال بهذه النظرية هو "خليان ريبيرا" المستشرق الإسباني الذي عكف على دراسة موسيقى الأغاني الإسبانية، ودواوين الشعراء "التروبادور" و"التروفير"، وهما الشعراء الجوالة في العصر الوسيط في أوروبا، و"الميني سنجر" وهم شعراء الغرام، فانتهى من دراساته إلى أن الموشح والزجل هما المفتاح العجيب الذي يكشف لنا عن سر تكوين القوالب، التي صبت فيها الطرز الشعرية التي ظهرت في العالم المتحضر إبان العصر الوسيط. وأثبت انتقال بحور الشعر الأندلسي فضلًا عن الموسيقى العربية إلى أوروبا، عن نفس الطريق الذي انتقل به الكثير من علوم القدماء وفنونهم، من بلاد الإغريق إلى روما، ومن روما إلى بيزنطة، ومن هذه إلى فارس وبغداد والأندلس، ومن ثَمّ إلى بقية أوروبا.
وكنت أود لو أضاف الدكتور بدوي إلى ذلك أنّ كتابًا آخرين من بريطانيا وفرنسا وألمانيا مثل: "نيكل"، و"فون سيلفستر"، و"فيوري"، و"فرانس إجلي" يعضدون هذه النظرية كما جاء في كتاب (تاريخ الأدب العربي) في المجلد الرابع منه: للأستاذ الدكتور عمر فروخ.
стр. 349
ويمضي الدكتور عبد الرحمن بدوي فيوضح كيف استخدم الشعراء "التروبادور البروفانساليون" الأوائل أقدم قوالب الزجل الأندلسي. كما يظهر في شِعر أول شاعر "تروبادور بروفنساري" وهو "جيوم التاسع" "دوقو أكيتانيا" الذي يُعَدّ أولَ شاعر في اللغات الأوروبية الحديثة، والذي بقي من شعره إحدى عشرة قصيدة، من بينها خمس كتبت بعد سنة ألف ومائة واثنتين للميلاد، وتتألف كل منها من فقرات تشبه في قالبها فقرات الزجل، من حيث تأليفها من ثلاثة أشطار متحدة القافية، يتلوها أشطارٌ من قافية واحدة في كل الفقرات.
كما نجد هذا النمط من النظم أيضًا عند شاعرين "تروبادوريين" قديمين آخرين هما: "ثرماكون" و"ماركابرو" اللذان عاشا في النصف الأول من القرن الثاني عشر، ثم انتشر هذا النمط من النظم في الشعر الشعبي في أوروبا، وفي الشعر الديني الذي ألفه الأدباء "الفرانسيسكان" في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، وفي أغاني "الكرنفالات" في "فيرنيتسا" في القرن الخامس عشر. ويَسْتمِرُّ الدكتور بدوي قائلًا: "إنّ الشُّعراء المتعلمين في إسبانيا نفسها قد ظلوا يستخدمون أنماط النظم على طريقة الأزجال العربية، ومنهم: "ألفونس" الحكيم في القرن الثالث عشر، ورئيس القساوسة في "هيتا" في القرن الرابع عشر و"فياسيندينو" و"خوانتلالفينا" في القرن الخامس عشر وأوائل السادس عشر. ولم يقتصر الأمر على طريقة النظم بل امتد التأثير العربي في نشأة الشعر الأوربي أيضًا إلى طريقة علاج الموضوعات؛ ففكرة الحب النبيل التي تسود الغزل في الشعر "البروفينسالي" نجد أصلها في الشعر الأندلسي وكذلك في أزجال ابن قزمان، كما يؤكد هذا "بلنديف بيدال" أشد الباحثين حماسة في توكيد تأثير الموشح والزجل في نشأة الشعر الأوربي في نهاية العصر الوسيط.
стр. 350
وإذًا فلا يقتصرُ التأثير على بعض الموضوعات، مثل: المُغَامرات الغرامية الشائكة أو الفاضحة، والإهداء إلى حام، وافتخار الشاعر بنفسه كما اقتصر على ذلك "ألفريد جانوا" في كلامه عن تأثير الشعر الأندلسي العربي في شعر الشعراء "التروبادور" الأوائل، بل امتد في نظر "بيدال" إلى جوهر هذا الشعر "التروبادوري" وهو فكرته في الحب النبيل. إذ يرى "بيدال" أنّ هَذه الفكرة قد عرضها ابن حزم في (طوق الحمامة) وأنها كانت فكرة سائدة عند أهل الظاهر في نظرتهم إلى الحُب، فقد كانت موجودة قبل ذلك في كتاب (الزهرة) لابن داود الظاهري صاحب الدعوة إلى الحب العذري، المتوفى سنة مائتين وسبع وتسعين للهجرة، وكذلك نجد هذه الفكرة في الشعر الحَكمي الأول المتوفى سنة اثنتين وست. وفي شعر ابن زيدون الذي يقول مثلًا في وَلَّادة:
تِه أَحتَمِل وَاِستَطِل أَصبر وَعِزَّ أَهُن ... وَوَلِّ أُقبِل وَقُل أَسمَع وَمُر أَطِعِ"
وممن تناول هذه القضية أيضًا: دكتور عبد النبي سطيف الذي يوضح بدوره في كتابه (الموشحات الأندلسية وأثرها في الشعر الغنائي العربي) كيف كان شعراء "التروبادور" الذين ينتمون إلى إقليم "البروفانس" في جنوب فرنسا صلة الوصل بين الشعر الغنائي الأوروبي، والشعر العربي الأندلسي، ولا سيما موشحاته وأزجاله، وكان "جيوم التاسع" أول من عرف من شعراء "التروبادور" الذين تأكدت صلتهم بالموشحات الأندلسية، وتُعَدّ حياته مفتاح البحث عن الصلة العربية الأوروبية في ميدان الشعر الغنائي. وقد اتصلت حياة أول الشعراء "التروبادور" بالحضارة الإسلامية اتصالًا مباشرًا في جنوبي فرنسا، وفي أسبانيا، وفي المشرق العربي، وكان صوتًا معبرا عن واقع مجتمعه في عصره، ومنفتحًا على الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، وقد
стр. 351
بقي من شعر "جيوم" إحدى عشرة قصيدة تعكس جميعها تأثره بالموشحات الأندلسية، في العناصر الأساسية المكونة لشعره، وهي اللغة والشكل والمضمون وأسلوب التعبير.
ومن شعره مترجمًا: "كل فرحة تهون أمام هذه الفرحة الكبرى، وكل نبالة تتخلى عن مكانها لسيدة بما امتازت به من ظرف ولطافة ونظرة بهيجة، وسيعيش مائة عام ذلك الرجل الذي يحالفه الحظ؛ فيفور بفرحة حبها، إنّ فرحة حُبّها تشفي السقيم، والغَضَبُ منها يميتُ السّليم، إنّ نُفوذ حُبّها قد يؤدي بالعاقل إلى الحمق، وبالوسيم إلى ضياع وسامته، وبالمتأدب اللطيف إلى الفظاظة والقبح، كما أنه قد يهذب طباع الفظ من الرجال، وإذا تفضل سيدي ومنحني حبه؛ فإنني مستعد لقبوله اعترافًا بفضله، وأن أكون كتومًا للسر وملاطفًا ظريفًا، أقول وأفعل ما يريد، حتى أستحق رضاه وأنال منه الثناء".
ومن الشعراء "التروبادور" أيضًا: "جفري روديل" وكان عميد منشدي الغزل الروحي العفيف، المعبر عن العشق المثالي للمرأة، وتُعبر قصائده الغنائية عن تجربة حبه الفريدة، التي خلفت أثرًا بالغًا في الأدب الرومانسي في فرنسا وإيطاليا وانجلترا، وغيرها. وأصبح منهجه في الحب منارة لكل الشعراء، إذ غدا شعره ومنهجه في الحب مثالًا يحتذى للتعبير عن التعلق اليائس بالحبيب البعيد، وكانت أغنيته الخامسة "أغنية الحب البعيد"، كفيلة بتوضيح بعض قسمات هذا الحب الفريد، والغريب في آن معًا على الحساسية الأوروبية.
"عندما تطول الأيام في شهر أيار، تعجبني أغاني العصافير المغردة من بعيد، وحينما أنتهي من سماعها أتذكر حبًّا بعيدًا، فأمشي مطرق الرأس في تأمل، غير مهتم بالغناء ولا بأزهار البيوت، فهي لا تفضل في نظري ثلوج الشتاء".
стр. 352
ويقول أيضًا: "لن أسعد بأي حب غير هذا الحُبّ البعيد؛ لأنه لا توجد امرأة تضاهي محبوبتي في أي مكان قريب أو بعيد، لقد بلغت من سمو الحسن والنسب والصفاء، ما يَجْعَلُني أتمنى أن أكون أسيرًا عند المسلمين؛ لأحس بسعادة الاقتراب منها". كما عكست قصائد "روديل" نظام القوافي المقبوسة من الموشحات العربية الأندلسية فضلًا عن مذهب الغزل العذري العربي، والبعد في أساليب التعبير عن التعقيد في اللفظ، والتركيب والتكرار المستساغ.
كذلك يذكر الدكتور سطيف الشاعر "ماركبرو" الذي كان واحدًا من أنجب تلاميذ "جيوم التاسع". لقد عاش هذا الشاعر بين فرنسا وأسبانيا في قصر الأمير "جيوم العاشر" وترك أربعًا وأربعين قصيدة مختلفة الأشكال، متنوعة الأغراض، وإن غلب الهجاءُ عليها، وكانَت حَياتُه حَياة لهوٍ وعبث، ومع هذا خَصّصَ بعضًا من إبداعه الشعري لهجاء اللهو والفجور، ويعكسُ شعر ذلك الشاعر جوانب مختلفة من التأثير العربي الإسلامي في شعره في الشكل والأسلوب والمضمون في آن معًا، وبخاصة ترتيب الأغصان والأقفال وتوزيع القوافي. وكان "ماركابرو" متأثرًا بالشعر الغزلي عند ابن أبي ربيعة، ولنستمع من شعره لهذه السطور من قصيدته الزرزور تلك التي يقول فيها: "طر أيها الزرزور محلقًا، واغد في الصباح مبكرًا، توجه نحو بلد تلتقي فيه محبوبة لي، هناك تجدها وتراها، ومهمتك هي أن تقول لها مستفسرًا في نفس الوقت: لماذا خانت عهدها؟ ".
ويمضي الدارس مبينًا كيف كانت الرياح العربية الإسلامية تهب على شبه الجزيرة الإيطالية من الشمال والجنوب معًا، من التأثير التروبادوري أولًا، ومن صقلية حيث النفوذ النورماندي، وأن ثمت ما يشبه الإجماع بين دارسي "دانتي" على أنه
стр. 353
استمد أصول فنّه من مصادر عديدة، كان من أبرزها الشعر "التروبادوري" إذ كان يعرف لغة مبدعيه معرفة ممتازة ساعدته على تذوق شعره. كذلك كانت المرأة "البروفانسالية" المثقفة كما يقول "بريفو" مثل المرأة العربية بعامة، تلهم مشاعر الشعراء، وتثير بطولة الفرسان وتأسر العظماء بأدبها وجمالها، وتقول الشعر ويحتكم إليها مبدعوه، وتسير بذكرها الرُّكبان فيتمناها كل من أحس في نفسه نخوة الرجولة، وقد أسهمت المرأة "البروفانسالية" إسهامًا قويًّا في نشر تقاليد "التروبادرور" المستلهمة من الشعر العربي الأندلسي في أنحاء أوروبا، بين أمثال الأميرة "أرينور" حفيدة "جيوم التاسع التولوزي" والأميرة "كونستانس" بنت ملك "أراجون" الفرنسي الثاني.
أما الأميرة "إلينور" فكانت وراء قدوم العديد من الشعراء "التروبادور البروفانسانين" إلى إنجلترا، وبالتالي وراء التأثير الإسلامي في الشعر الإنجليزي في العصور الوسطى، وفتحت قصرها ملتقى للأدباء والشعراء والفنانين القادمين من الجنوب، يحملون معهم عبق "البروفانس"، وأما الأميرة "كونستانس" فقد كانت وراء انتشار فن "التروبادور" في أوروبا الشرقية. ولم يقتصر تأثير الشعر العربي الأندلسي على الشعراء "التروبادور" بل شمل الشعر الأوروبي الحديث كما يؤكد الباحث، وتم ذلك على يد "عزرا باوند" الشاعر المعروف الذي تسربت عناصر من الثقافة العربية الإسلامية إلى شعره، مؤثرًا بدوره في الشعر العربي الحديث؛ لتكمُلَ بذلك دورة التأثير التي بدأت بشعر الموشحات والأزجال في الأندلس، وانتقلت إلى الشعراء "التروبادور" في مختلف أنحاء القارة الأوروبية، ثم إلى "دانتي" و"شوناتاته" لتصل إلى شيخ شعراء العصر الحديث وحوارييه في الوطن العربي وفي خارجه.
стр. 354
ورغم كل ما تقدم وهو أيضًا منفرد فإن محرر مادة الموشحة من دائرة المعارف الاسلامية "سيكلوبيديا الإسلام" في طبعتها الجديدة يتجاهل جميع ما سيق في قضية تأثير شعر الموشحات على الشعر الأوروبي الحديث، من حيثيات وبينات وشواهد وتفصيلات، ولا يلتفت إلى الموضوع إلا في الفقرة الأخيرة من المادة المذكورة، وعَلى نحو جد موجز، وكل ما قاله: أنّ أقدم الشعراء "التروبادور" وهو "ويليم الأكويتي" الذي ازدهر شعره في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، أيام الوشاحين اليهود قد استعمل نظامًا موسيقيًّا يشبه نظام الموشحات، وأن هذا هو أهم عنصر فيما يسمى بالنظرية العربية، التي تعمل على تفسير عبقرية الشعر "البروفينسالي" جزئيًّا على الأقل من خلال التأثير العربي.
هذا عن الموشحات والأزجال في الدراسات المقارِنة.
التأثيرات الأسلوبية بين الآداب العالمية وأهميتها في الدراسات الأدبية المقارنة
والآن إلى التأثيرات الأسلوبية بين الآداب العالمية، ومدى أهميتها في الدراسات الأدبية المقارِنة:
لَقد ساق الدكتور محمد غنيمي هلال بعض ما تأثر به "التروبادور" من الشعر العربي، حين تحدّثُوا عن النَّسيم الذي يُقْبِلُ من جهة الحبيبة كأنه نعيم الخلد، وحين صوروا ما يعانونه من سهد وسقم، وما يسحونه من دموع غزار، وما يصيبهم من ذهول حين يستغرقون في الذكريات، حتى ليقال عن الواحد منهم إنه مجنون، وحين يصبون لعناتهم على الرقيب والواشي، وحين يقيمون على اليأس لا يتحولون عن تدللهم في هوى حبائبهم، راضين منهن بالخيال الباطل الذي لا يُسمن ولا يغني من جوع. وبالمثل يتحدث الدكتور هلال عن تأثر الشاعر الإيطالي "بيترارك" في أسلوبه وصوره البيانية بشعراء "التروبادور" إذ شبه الحب بالنار والحديد والقيود والسجن، وجعل الموت فيه شهادة.
стр. 355
كذلك فهو يقتطف من شعر شوقي قوله في مسرحية "مصرع كليوبترا" على لسان "أنطونيوس": "إنه لن يظهر في قصر كليوبترا قبل أن ينتقم لهزيمته في موقعة "أكتيوم" البحرية:
آلى وأقسم أنه لا يرى في قصرها ... حتى يُقَوَّم مجده المنهار
إنّ البلاء أجَلُّ مِن ألا يُرى ... عجبًا أتخفى في الهشيم النار"
فهذه الصورة الأخيرة التي يقول فيها: "أتخفى في الهشيم النار" التي تعد شيئًا طريفًا في العربية، هي صورة جد مألوفة في الفارسية، وقد انتقلت منها إلى التركية التي كان شوقي يعرفها. ومثل ذلك قول شوقي أيضًا على لسان "أنوبيس" من نفس المسرحية: "وأنتن والناس قد تلتقون، ففيكن شر وفي الناس شر". إذ قال هلال ما معناه: أنّ الالتقاء بين شيئين بمعنى تشابههما، لم يكن معروفًا في العربية من قبل، على عكسه في الفرنسية، التي تستعمل الفعل " souronkontra " في هذا المعنى استعمالًا حقيقيًّا لا مجازيًّا، وكان شوقي كما نعرف جميعًا قد درس الحقوق في فرنسا؛ فأتقن لسانها وكان يقرأ به.
وفي هذا السياق نَرى هلال يتذكر ما دار بين الدكتور طه حسين، ومصطفى صادق الرافعي، من مُلاحاة حين عاب الأول أسلوب الأخير، ورماه بالتكلف والتصنع والعنت؛ حتّى لقد وصفه بأنه يعاني في تأليف كتبه آلام الوضع، مع أن تلك العبارة في الفرنسية -كما يقول الدكتور هلال- لا تستعمل في مجال التهكم والزراية، بل في الدلالة على شدة اهتمام الأديب بصياغة أسلوبه، كي يجيء أسلوبًا رصينًا مُحكمًا، وهو ما قاله "فلوبير" عن نفسه. وما أشَارَ إليه هلال من أنّ "فلوبير" كان يَبذُل جهدًا مضنيًا للفوز بالكلمة والعبارة التي يريد، هو كلام صحيح، وكان "فلوبير" يقضي في بعض الأحيان أسبوعًا
следующие страницы →