Полный текст (585 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
بقي من شعر "جيوم" إحدى عشرة قصيدة تعكس جميعها تأثره بالموشحات الأندلسية، في العناصر الأساسية المكونة لشعره، وهي اللغة والشكل والمضمون وأسلوب التعبير.
ومن شعره مترجمًا: "كل فرحة تهون أمام هذه الفرحة الكبرى، وكل نبالة تتخلى عن مكانها لسيدة بما امتازت به من ظرف ولطافة ونظرة بهيجة، وسيعيش مائة عام ذلك الرجل الذي يحالفه الحظ؛ فيفور بفرحة حبها، إنّ فرحة حُبّها تشفي السقيم، والغَضَبُ منها يميتُ السّليم، إنّ نُفوذ حُبّها قد يؤدي بالعاقل إلى الحمق، وبالوسيم إلى ضياع وسامته، وبالمتأدب اللطيف إلى الفظاظة والقبح، كما أنه قد يهذب طباع الفظ من الرجال، وإذا تفضل سيدي ومنحني حبه؛ فإنني مستعد لقبوله اعترافًا بفضله، وأن أكون كتومًا للسر وملاطفًا ظريفًا، أقول وأفعل ما يريد، حتى أستحق رضاه وأنال منه الثناء".
ومن الشعراء "التروبادور" أيضًا: "جفري روديل" وكان عميد منشدي الغزل الروحي العفيف، المعبر عن العشق المثالي للمرأة، وتُعبر قصائده الغنائية عن تجربة حبه الفريدة، التي خلفت أثرًا بالغًا في الأدب الرومانسي في فرنسا وإيطاليا وانجلترا، وغيرها. وأصبح منهجه في الحب منارة لكل الشعراء، إذ غدا شعره ومنهجه في الحب مثالًا يحتذى للتعبير عن التعلق اليائس بالحبيب البعيد، وكانت أغنيته الخامسة "أغنية الحب البعيد"، كفيلة بتوضيح بعض قسمات هذا الحب الفريد، والغريب في آن معًا على الحساسية الأوروبية.
"عندما تطول الأيام في شهر أيار، تعجبني أغاني العصافير المغردة من بعيد، وحينما أنتهي من سماعها أتذكر حبًّا بعيدًا، فأمشي مطرق الرأس في تأمل، غير مهتم بالغناء ولا بأزهار البيوت، فهي لا تفضل في نظري ثلوج الشتاء".
стр. 352
ويقول أيضًا: "لن أسعد بأي حب غير هذا الحُبّ البعيد؛ لأنه لا توجد امرأة تضاهي محبوبتي في أي مكان قريب أو بعيد، لقد بلغت من سمو الحسن والنسب والصفاء، ما يَجْعَلُني أتمنى أن أكون أسيرًا عند المسلمين؛ لأحس بسعادة الاقتراب منها". كما عكست قصائد "روديل" نظام القوافي المقبوسة من الموشحات العربية الأندلسية فضلًا عن مذهب الغزل العذري العربي، والبعد في أساليب التعبير عن التعقيد في اللفظ، والتركيب والتكرار المستساغ.
كذلك يذكر الدكتور سطيف الشاعر "ماركبرو" الذي كان واحدًا من أنجب تلاميذ "جيوم التاسع". لقد عاش هذا الشاعر بين فرنسا وأسبانيا في قصر الأمير "جيوم العاشر" وترك أربعًا وأربعين قصيدة مختلفة الأشكال، متنوعة الأغراض، وإن غلب الهجاءُ عليها، وكانَت حَياتُه حَياة لهوٍ وعبث، ومع هذا خَصّصَ بعضًا من إبداعه الشعري لهجاء اللهو والفجور، ويعكسُ شعر ذلك الشاعر جوانب مختلفة من التأثير العربي الإسلامي في شعره في الشكل والأسلوب والمضمون في آن معًا، وبخاصة ترتيب الأغصان والأقفال وتوزيع القوافي. وكان "ماركابرو" متأثرًا بالشعر الغزلي عند ابن أبي ربيعة، ولنستمع من شعره لهذه السطور من قصيدته الزرزور تلك التي يقول فيها: "طر أيها الزرزور محلقًا، واغد في الصباح مبكرًا، توجه نحو بلد تلتقي فيه محبوبة لي، هناك تجدها وتراها، ومهمتك هي أن تقول لها مستفسرًا في نفس الوقت: لماذا خانت عهدها؟ ".
ويمضي الدارس مبينًا كيف كانت الرياح العربية الإسلامية تهب على شبه الجزيرة الإيطالية من الشمال والجنوب معًا، من التأثير التروبادوري أولًا، ومن صقلية حيث النفوذ النورماندي، وأن ثمت ما يشبه الإجماع بين دارسي "دانتي" على أنه
стр. 353
استمد أصول فنّه من مصادر عديدة، كان من أبرزها الشعر "التروبادوري" إذ كان يعرف لغة مبدعيه معرفة ممتازة ساعدته على تذوق شعره. كذلك كانت المرأة "البروفانسالية" المثقفة كما يقول "بريفو" مثل المرأة العربية بعامة، تلهم مشاعر الشعراء، وتثير بطولة الفرسان وتأسر العظماء بأدبها وجمالها، وتقول الشعر ويحتكم إليها مبدعوه، وتسير بذكرها الرُّكبان فيتمناها كل من أحس في نفسه نخوة الرجولة، وقد أسهمت المرأة "البروفانسالية" إسهامًا قويًّا في نشر تقاليد "التروبادرور" المستلهمة من الشعر العربي الأندلسي في أنحاء أوروبا، بين أمثال الأميرة "أرينور" حفيدة "جيوم التاسع التولوزي" والأميرة "كونستانس" بنت ملك "أراجون" الفرنسي الثاني.
أما الأميرة "إلينور" فكانت وراء قدوم العديد من الشعراء "التروبادور البروفانسانين" إلى إنجلترا، وبالتالي وراء التأثير الإسلامي في الشعر الإنجليزي في العصور الوسطى، وفتحت قصرها ملتقى للأدباء والشعراء والفنانين القادمين من الجنوب، يحملون معهم عبق "البروفانس"، وأما الأميرة "كونستانس" فقد كانت وراء انتشار فن "التروبادور" في أوروبا الشرقية. ولم يقتصر تأثير الشعر العربي الأندلسي على الشعراء "التروبادور" بل شمل الشعر الأوروبي الحديث كما يؤكد الباحث، وتم ذلك على يد "عزرا باوند" الشاعر المعروف الذي تسربت عناصر من الثقافة العربية الإسلامية إلى شعره، مؤثرًا بدوره في الشعر العربي الحديث؛ لتكمُلَ بذلك دورة التأثير التي بدأت بشعر الموشحات والأزجال في الأندلس، وانتقلت إلى الشعراء "التروبادور" في مختلف أنحاء القارة الأوروبية، ثم إلى "دانتي" و"شوناتاته" لتصل إلى شيخ شعراء العصر الحديث وحوارييه في الوطن العربي وفي خارجه.
стр. 354
ورغم كل ما تقدم وهو أيضًا منفرد فإن محرر مادة الموشحة من دائرة المعارف الاسلامية "سيكلوبيديا الإسلام" في طبعتها الجديدة يتجاهل جميع ما سيق في قضية تأثير شعر الموشحات على الشعر الأوروبي الحديث، من حيثيات وبينات وشواهد وتفصيلات، ولا يلتفت إلى الموضوع إلا في الفقرة الأخيرة من المادة المذكورة، وعَلى نحو جد موجز، وكل ما قاله: أنّ أقدم الشعراء "التروبادور" وهو "ويليم الأكويتي" الذي ازدهر شعره في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، أيام الوشاحين اليهود قد استعمل نظامًا موسيقيًّا يشبه نظام الموشحات، وأن هذا هو أهم عنصر فيما يسمى بالنظرية العربية، التي تعمل على تفسير عبقرية الشعر "البروفينسالي" جزئيًّا على الأقل من خلال التأثير العربي.
هذا عن الموشحات والأزجال في الدراسات المقارِنة.
التأثيرات الأسلوبية بين الآداب العالمية وأهميتها في الدراسات الأدبية المقارنة
والآن إلى التأثيرات الأسلوبية بين الآداب العالمية، ومدى أهميتها في الدراسات الأدبية المقارِنة:
لَقد ساق الدكتور محمد غنيمي هلال بعض ما تأثر به "التروبادور" من الشعر العربي، حين تحدّثُوا عن النَّسيم الذي يُقْبِلُ من جهة الحبيبة كأنه نعيم الخلد، وحين صوروا ما يعانونه من سهد وسقم، وما يسحونه من دموع غزار، وما يصيبهم من ذهول حين يستغرقون في الذكريات، حتى ليقال عن الواحد منهم إنه مجنون، وحين يصبون لعناتهم على الرقيب والواشي، وحين يقيمون على اليأس لا يتحولون عن تدللهم في هوى حبائبهم، راضين منهن بالخيال الباطل الذي لا يُسمن ولا يغني من جوع. وبالمثل يتحدث الدكتور هلال عن تأثر الشاعر الإيطالي "بيترارك" في أسلوبه وصوره البيانية بشعراء "التروبادور" إذ شبه الحب بالنار والحديد والقيود والسجن، وجعل الموت فيه شهادة.
стр. 355
كذلك فهو يقتطف من شعر شوقي قوله في مسرحية "مصرع كليوبترا" على لسان "أنطونيوس": "إنه لن يظهر في قصر كليوبترا قبل أن ينتقم لهزيمته في موقعة "أكتيوم" البحرية:
آلى وأقسم أنه لا يرى في قصرها ... حتى يُقَوَّم مجده المنهار
إنّ البلاء أجَلُّ مِن ألا يُرى ... عجبًا أتخفى في الهشيم النار"
فهذه الصورة الأخيرة التي يقول فيها: "أتخفى في الهشيم النار" التي تعد شيئًا طريفًا في العربية، هي صورة جد مألوفة في الفارسية، وقد انتقلت منها إلى التركية التي كان شوقي يعرفها. ومثل ذلك قول شوقي أيضًا على لسان "أنوبيس" من نفس المسرحية: "وأنتن والناس قد تلتقون، ففيكن شر وفي الناس شر". إذ قال هلال ما معناه: أنّ الالتقاء بين شيئين بمعنى تشابههما، لم يكن معروفًا في العربية من قبل، على عكسه في الفرنسية، التي تستعمل الفعل " souronkontra " في هذا المعنى استعمالًا حقيقيًّا لا مجازيًّا، وكان شوقي كما نعرف جميعًا قد درس الحقوق في فرنسا؛ فأتقن لسانها وكان يقرأ به.
وفي هذا السياق نَرى هلال يتذكر ما دار بين الدكتور طه حسين، ومصطفى صادق الرافعي، من مُلاحاة حين عاب الأول أسلوب الأخير، ورماه بالتكلف والتصنع والعنت؛ حتّى لقد وصفه بأنه يعاني في تأليف كتبه آلام الوضع، مع أن تلك العبارة في الفرنسية -كما يقول الدكتور هلال- لا تستعمل في مجال التهكم والزراية، بل في الدلالة على شدة اهتمام الأديب بصياغة أسلوبه، كي يجيء أسلوبًا رصينًا مُحكمًا، وهو ما قاله "فلوبير" عن نفسه. وما أشَارَ إليه هلال من أنّ "فلوبير" كان يَبذُل جهدًا مضنيًا للفوز بالكلمة والعبارة التي يريد، هو كلام صحيح، وكان "فلوبير" يقضي في بعض الأحيان أسبوعًا
стр. 356
كاملًا من أجل اقتناص كلمة واحدة، لا يستريح حتى يفوز بها، وقد وصف كاتب مادة "فلوبير" في موسوعة "لاروس" المشباكية الفرنسية بأنه صنيعي أسلوب "أرتيزون دستيل" كما ساق التشبيه الذي شبه "فلوبير" به نفسه أثناء تعاطيه الكتابة، وما يلقاه فيها من إرهاق في سبيل العثور على الكلمة المناسبة فقال: "إنه كان يشبه نفسه بالبقرة في حالة المخاض".
وما أشار إليه هلال يدل على أن الصورة المستعارة -أية صُورة مُستعارة- قد تدلُّ في بيئتها الجديدة على عكس ما قصد صاحبها الأصلي، على ما رأينا معا الآن، على أنّ المَسرحية لَما تتم فصولًا؛ فقد جاء رد الرافعي على طه حسين صاعقًا ماحقًا مفحمًا إذ لما سخر طه حسين من أسلوبه قائلًا: إنه يذكره بامرأة تلد ولادة عسرة، كان رد الرافعي الذي استفزته هذه السخرية مفحمًا، إذ طلب منه أن يحاول مثل هذه الولادة وسوف يتكفل بأن يحضر له المولدة، ويدفع عنه أجرتها أيضًا. ووصف كاتب مادة "فلوبير" في النسخة الإنجليزية من الموسوعة الحرة "ويكيبيديا" الجهد العنيف المرهق الذي كان يبذله "فلوبير" في صياغة أسلوبه، وإن لم يُشر إلى الصورة الطريفة التي استعملها طه حسين للسُّخرية من أسلوب الرافعي، مستعيرًا إياها من "فلوبير" حسبما ذكر محمد غنيمي هلال، بل ذكر فقط رشح جبهته على الدوام بالعرق الغزير.
وإذا كان الدكتور هلال قد اقتصر في كلامه في هذا الموضوع، أو كاد أن يقتصر على الصور البيانية وما إليها من عناصر وأسلوب، فإن الأسلوب أوسع من هذا كثيرًا جدًّا؛ إنه اللفظة والصيغة والتركيب والعبارة والصورة.
стр. 357
دخلت العربية آلاف الألفاظ الجديدة، وبعضها مستعار من هذه اللغة الأجنبية أو تلك، دون تغيير مثل: أوكسجين وهيدروجين وسينما وراديو وتليفزيون وموتور وميكروكروم وفيلم وإنترنت وكمبيوتر وسوبر ماركت، وبعض هذا المستعار قد تم تعربيه، أي: إعطاؤه شكلًا عربيًّا بإجرائه على وزن من أوزاننا الصرفية، مثل: البترول والتلفاز والتقنية والقرصان والبنزين والرنة واللامة والفاكس وتلفن فلانًا أي كلمه في الهاتف، ومنتج أي: قام بالمونتاج وتمكيجت المرأة، أي: وضعت مساحيق الزينة على وجهها ... إلى آخره.
وبعض ثالث تُرجم إلى العربية ترجمة: كالقطار والمذياع والمرناء والسيارة والباخرة والغواصة والدبابة والطيارة والحاسوب أو الكاتوب -كما أحب أن أسميه- والهاتف والشطيرة، وشمعة الاحتراق، والكابح والتكييف والصحيفة والمجلة والمرأب والرأسمالية والاشتراكية والشيوعية والبنيوية والعولمة والخصخصة والتطبيع والرأي العام وتصادم الحضارات والكتلة الشرقية والكتلة الغربية والحرب الباردة والدب الروسي والتنين الصيني والعم سام والتنويم المغناطيسي والتحالف الدولي، وهو ما يصعب تقصيه وإحصاؤه. كذلك عرفت لغتنا التوسع في ألفاظ المصدر الصناعي في مجال المذاهب والأديان، والاتجاهات الفلسفية والاجتماعية والأدبية، التي غزت اللغة العربية غزوًا في العصر الحديث، مثل: القنفشيوسية والشنتوية والطوطمية والمحسوبية والتقليدية والرجعية والذرائعية والوجودية والماركسية والنازية والفاشية والصهيونية والمادية والمثالية والعقلانية والسفالينية والناصرية والقومية والإنسانية والكلاسيكية والرومانسية والأسلوبية والبنيوية والشعرية والنجومية. وهلم جرًّا.
ومن هذه الاشتقاقات التي انتشرت في لغتنا في العصر الحالي أيضًا تلك الأسماء والصفات المبدوءة بلا. مثل: لا ديني ولا أدريّ ولا مركزي ولا مبالاة
стр. 358
واللامعقول واللاشعور واللاوعي واللاجدوى وحالة اللاسلم واللاحرب ونقطة اللاعودة واللامتناهي مثلًا. على أنّ الأمر لا يقف عند حدود الألفاظ والصيغ بل تدخل فيه أيضًا التعبيرات والصور التي لم تكن تعرفها لغة الضاد من قبل، مثل: أعطاه الضوء الأخضر، والكرة الآن في ملعبه، ويُغرد خارج السرب، ووضع فلانًا على الرف، وشعر بالألم حتى النخاع، ودق طبول الحرب، ويصطاد في الماء العكر، وينشُر غسيله القذر أمام الناس، وأدار ظهره للمشكلة، وأعار فلانًا أذنًا صماء، وانطلق كالصاروخ، ويحدث هذا في أحسن العائلات، وسقط بين كرسيين، ويبحث عن الظُهر في الساعة الرابعة عشرة، ولكمه بقفاز من حرير، وألقى القفاز في وجهه، ويحارب وظهره إلى الحائط، وفلان على الهامش، وآلة الحرب الجهنمية، والعمليات الاستشهادية، وغسيل الأموال، ونجوم الفن، وغداء عمل، وابتسامة لزجة، والكرة الأرضية، والمياه الإقليمية، والفضاء الخارجي، وغزو الفضاء، وحقوق الإنسان ... إلى آخره. وهو بحر واسع وعميق.
وكثير من هذه التعبيرات والصور منقول نقلًا مباشرًا أو مقاربا عن اللغات الأجنبية. ويمكن التحقق من ذلك إذا رجعنا إلى أي معجم إنجليزي أو فرنسي أو ألماني عربي، ولسوف نجد تلك الأصول الأجنبية ترجمتها العربية، كما نستطيع التثبت أيضًا بالمقارنة بين المعاجم العربية المعاصرة، ونظيرتها القديمة، حيثُ نقع في الأولى على عشرات بل مئات التعبيرات التي تخلو منها الأخيرة، وهذه سُنّة كونية لا يختص بها لساننا وأدبنا، بل تخضع لها جميع اللغات والآداب. ويصدق هذا أيضًا على التراكيب إذ ثمة عدد منها قد استجد، ومن ذلك قولهم: لعب هو الآخر، أي: لعب هو أيضًا، وضرب كلاهما الآخر بدلًا من تضاربا
стр. 359
ويتخاصمون مع بعضهم البعض، والأسلوب القديم يكتفي في هذا الموضع بـ يتخاصمون، ولم آكل تفاحًا فقط بل وعنبًا أيضًا، بدلًا من لم آكل تفاحًا فقط بل أكلت تفاحًا وعنبا، وأنا مُعجبٌ به كروائي، ورأيته قبل أن مات بيوم، باستخدام الزمن الماضي في مات بدلًا من رأيته قبل أن يموت، وأرجح الرأي أنه قياسٌ على التركيب الإنجليزي في مثل هذه الجملة.
وهذا التركيب يكثر لدى الكتاب اللبنانيين فيما لاحظت، وسأذهب لزيارته دون أن أخطره، وإن كانت اللياقة الاجتماعية تقتضي خلاف ذلك أي رغم أن اللياقة الاجتماعية تقتضي غير ذلك، ومصر السادات وأمريكا بوش، تأسيًا بأساليب الغربيين في إضافة أسماء الدول إلى حكامها، ولون وحجم الكتاب، وهو تركيب موجود في العربية القديمة لكن على استحياء شديد، أما في العصر الحديث فيستعمل كثيرًا، وبخاصة في الكتابات الصحفية والقصصية، والرافضون لهذا التركيب يقولون: إن الصواب هو لون الكتاب وحجمه. ومنه أيضًا: لا أدري إن كان أو ما إذا كان سيأتي أو لا يأتي، اقتفاء بالأسلوب الإنجليزي والفرنسي " I dont now wther أو je na can ba see ' " ومنه كذلك: هو يتحدث لا عن تونس بل عن الجزائر، بدلًا من أن يقول: يتحدث عن الجزائر لا عن تونس، ومنه أيضًا: هو حريص على الذهاب إلى المدرسة لا لشيء لا ليهرب من قسوة أبيه، وليس ذلك فقط بل هناك كذا وكذا أيضًا.
ويُضاف إلى ما مَرّ الإكْثَارُ من الجُمل الاسمية حيثُ يستحسن الذوق العربي، استعمال الجملة الفعلية، وكذلك كثرة الجمل الاعتراضية وحذف "وقد" أو "وإن" من بدايات الجمل، كذلك في الكتابة العربية الآن كتابة مرسلة، لا سجع فيها ولا جناس ولا ازدواج ولا تورية إلا في النادر، ولقد غبر على أدبنا زمان كانت المحسنات البديعية
стр. 360
-وعلى رأسها السجع والجناس والازدواج- سِمة سائدة فيه، كان ذلك في أواخر العصر العباسي، وطوال العصرين المملوكي والعثماني. ثم لما وقعت النهضة الحديثة، نَهَض الأدب العربي، وشَرَع يتقلقل من هذا الوضع، وأخذ يتخفف من السَّجعِ والبديعِ قَليلًا قليلًا حتى يتخلص منه. ويصدق هذا بدرجة كبيرة على عدد من الكتب التي ظهرت في بدايات العصر الحديث، مثل: (تخليص الإبريز في تلخيص باريس) و (المرشد الأمين في تربية البنات والبنين) لرفاعة الطهطاوي وكتب أحمد فارس الشدياق بوجه عام، وكتابات محمد عبده المتأخرة.
ولم يتم الأمر بين عشية وضحاها، ولم يحسمه كاتب واحد على خلاف ما يفهم من كلام الدكتور شوقي ضيف، من أنّ محمد عبده قد تحول بالكتابة من السجع والمحسنات إلى الأسلوب المرسل، مع أنّ الطهطاوي والشدياق مثلًا قد سبقاه إلى هجران السجع والبديع في كثير مما كتبا، كما أن الأسلوب البديعي ظل يستعمله الناثرون بعد محمد عبده مثل: أحمد شوقي في "أسواق الذهب" وحافظ إبراهيم في "ليالي سطيح" ومحمد المويلحي في "حديث عيسى بن هشام" ومحمد توفيق البكري في "سهاريج اللؤلؤ" على ما هو معروف. ويرجع شيوع الأسلوب المرسل في أدبنا الحديث إلى عدة عوامل منها: التأثر بالآداب الأجنبية التي أخذ كثير من كتابنا ينظر إليها على أنها هي الأسوة التي ينبغي الاقتداء بها، وبخاصة أن الأسلوب العربي على أيام ابن المقفع، والجاحظ وابن المعتز، وأبي الفَرج الأصفهاني، وابن حزم وابن طفيل ومن إليهم كان هو الأسلوب المرسل. ومنها كذلك:
стр. 361
انتشار التعليم والطباعة واتساع دائرة القراء بحيث شملت أوساط المتعلمين وصغارهم والعامة أيضًا؛ فكان لا بد من أسلوب يسهل فهمه ومتابعته؛ حتى على القارئ العادي.
ثم إنّ دخول الصحافة إلى الميدان، وما ترتب على ذلك من وجوب مراعاة الكتاب لعامل السرعة، حتى يستطيعوا ملاحقة المطبعة، وتغذية الصحف يوميًّا بحاجتها إلى المقالات والقصص، والتحقيقات والدراسات، قد دفعهم حثيثًا إلى العمل على التخلص من الأسلوب البديعي القديم، الذي كان يَحتاجُ إلى تروية وعصر ذهن، ومعرفة بدقائق الألفاظ والصيغ ومتعثكل التراكيب، ونحن نعرف أن الصحافة بالوضع الذي نعرفها الآن عليه هي استيراد عربي من الدول الأوروبية. وكان الأدب العربي القديم كله يُكتب باللغة الفصحى شعرًا ونثرًا اللهم إلا الخرجات العامية لبعض الموشحات الأندلسية، وإلا الزجل وما إليه. أما النثر؛ فلا أستطيع أن أذكر منه شيئًا ذا بال، سوى أنّ أسَامة بن منقذ في ترجمته لنفسه في كتاب "الاعتبار"، كان يخلطُ الفُصْحَى بالعامية أحيانًا، إذ كان يملي كتابه شفاهًا، ولم يكتبه بيده، وإلا فإن مؤلفاته الأخرى التي سجلها بقلمه، ولم يملها على أحد قد كُتبت كما كتب النثر العربي كله في تلك الأزمان بالعربية الفصيحة.
ومع ذلك لم يحدث أن دعا أحدٌ تحت أي ظرف، أو لأي سبب إلى نبذ الفصحى وإحلال العامية محلها، وظل هذا هو الوضع حتى العصر الحديث، ووقوع معظم البلاد العربية في قبضة الاحتلال الأوروبي، وقدوم المستشرقين إلى بلادنا للعمل والإقامة؛ فعندئذ ظهرت الدعوة إلى استبدال العامية بالفصحى في الكتابة والأدب، بذريعة أن ذلك أصدق في التعبير عما بالنفوس، وأن العامية أقدر على
стр. 362
استيعاب العلوم العصرية. فضلًا عن الزعم بأن هذا هو التطور الطبيعي للأمور؛ فكما حدث أن اللاتينية التي كان يستعملها عدد من البلاد الأوروبية في العصور الوسطى، قد اختفت في العصر الحديث من دنيا الاستعمال، وحلت مكانها اللهجات المختلفة التي انشعبت منها كالفرنسية والإيطالية والإسبانية؛ فكذلك من الطبيعي أن تختفي العربية الفصحى لتأخذ مكانها اللهجات المتعددة التي تستخدمها الشعوب العربية في أغراض حياتها اليومية.
ومن الذين دعوا في مصر إلى استخدام العامية في الكتابة: "مجلة المقتطف" التي كانت تنزع منزعًا غربيًّا واضحًا، وذلك في سنة ألف وثمانمائة وإحدى وثمانين ميلادية، ثم قاض إنجليزي في محكمة الاستئناف المصرية اسمه "ويلمر" أصدر كتابًا في عام ألف وتسعمائة واثنين، حاول فيه التقعيد للعامية القاهرية، ودعا إلى اتخاذها أداة للكتابة بدل الفصحى. وتلاه بعد أربع وعشرين سنة إنجليزي آخر هو مهندس الري "ويليم كوكس" الذي ترجم أجزاء من الإنجيل إلى العامية تطبيقًا عمليًّا لتلك الدعوة المشبوهة، أمّا في لبنان فممن تولوا كبر هذه الدعوة: "روفائيل نخلة" الذي كان يدعو إلى العامية وتزيينها لمن حوله، والذي يقول العالمون ببواطن الأمور: إنه هو المؤلف الحقيقي للكتاب الذي عليه اسم "مارون غصن" في قواعد العامية اللبنانية.
стр. 363
ومنهم أيضًا سعيد عقل الذي أصدر صحيفة أسبوعية بالعامية اللبنانية المكتوبة بحروف لاتينية، ومنهم كذلك الشاعر يوسف الخال، الذي كان يسمي العامية اللغة المحكية؛ كي يغطي سوءتها خداعا منه لمن لا يوافقونه على رأيه وموقفه.
وفي بلاد المغرب العربي قام بهذه الدعوة الأثيمة منذ العشرينات بعض الرهبان الفرنسيين المسمين بالآباء البيض، كالأب "فوكا" والأب "سلّام" فضلًا عن عدد من المستشرقين أمثال "ماسينيون" و"كولون" و"فيرساي". وقد وقف في وجه هذه المخططات أبناء البلاد الشرفاء، ويَذكُر مُحَمّد مزادي أن كثيرًا من المستشرقين قد أفنوا أعمارهم في دراسة اللهجات العامية في بلاد المغرب العربي، ناعتين الفصحى بالجمود والقصور، وإن كان بعضهم قد تراجع عن رأيه كالمستشرق "ويليم مارسيه" الذي عَادَ فكتب يمجّدُ لُغة الضّاد مؤكدًا مقدرتها على التعبير عن أي رأي أو إحساس مهما دق أو لطف. وكانت المسرحيات الهزلية هي السابقة في الصناعة العامية، أما الآن فكثير من المسرحيات هزلية كانت أم جادة، تصطنع هذه اللهجة كمسرحيات محمد تيمور، ويوسف إدريس، ومصطفى محمود، وألفريد فرج عاشور وعلي سالم، وغيرهم في مصر وقس على ذلك نظراءهم في البلاد العربية الأخرى.
على أنه لا بد من القول: بأنّ من كُتّاب المَسْرحيات من يؤثرون الفصحى، ولا يَرْضَون النزول إلى مستوى العامية في إبداعاتهم كمحمود تيمور، وعلي أحمد باكثير، وتوفيق الحكيم، من مصر.
стр. 364
ومحمد المسعدي من تونس، وسعد الله ونوس من سوريا، أي أن هناك تيارين لغويين مختلفين في ميدان التأليف المسرحي. أما في ميدان القصص فثمة عدد من المؤلفين يزاوجون في أعمالهم بين الفصحى في السرد والوصف والتحليل، وبين العامية في الخبر بدعوى أن الناس لا يتحدثون في حياتهم اليومية بالفصحى؛ فكيف يصح أن ننطقهم بها في الرواية والقصص، وفاتهم أن الواقعية لا تعني نقل الواقع كما هو؛ لأن هذا مستحيل بل العبرة بالإيهام بذلك، وهو ما يمكن أن يتحقق من خلال الفصحى، والمهم أن يُحْسِنَ الكاتب تصوير شخصياته، والمطابقة بين مستواه الفكري والاجتماعي والنفسي، وبين لغتها فيجعل لغة العامة والخدم مثلًا أبسط من لغة الرؤساء والمثقفين، وهذا هو المحك الحقيقي لموهبة القصاص وبراعته، لا اللجوء إلى العامية التي نعرف كلنا أنها ليست عامية واحدة للعرب جميعًا، ولا في أي بلد على حدة بل ولا في أية مدينة، إذ هي تختلف باختلاف الأحياء والطبقات والأجيال كذلك.
وأين الكاتب الذي يجرؤ على زعم بأنه يعرف كل تلك اللهجات العربية بدقائقها وشياتها المختلفة، وعلى أية حال فإن استعمال العامية في الأدب العربي الآن مقصور على الأغاني، وعلى المسرح، وعلى الحوار القصصي. أما فيما عدا هذا فليس ثمة شيء يستحق الإشارة إليه، ومنه كتاب (مذكرات طالب بعثة) الذي ألفه "لويس عوض" في بريطانيا أيام أن كان يدرس هناك للحصول على درجة الدكتورية في الأدب الإنجليزي، وذلك رغبة منه في كسر رقبة البلاغة العربية -كما كان يقول- وهي غاية مريبة لا يترتب عليها إلا تفتيت العرب لغويًّا، مثلما تم تفتيتهم سياسيًّا؛ فلا يكون ثم
стр. 365
تفاهم بين بعضهم وبعض. كما تقوم بينهم وبين تراثهم وكتابهم الكريم حينئذ حواجز كؤود لا يسهل اختراقها ولا القفز فوقها إلا لقلة قليلة، وللعِلم؛ فإنّ العامية التي كتب بها "لويس عوض" كتابه ذاك هي عامية مصطنعة، غير التي نتحدث بها أو نعرفها، بل إنّها لأبعد عن تمثيل عقل صاحبها ونفسه من اللغة الفصحى التي يفتري عليها افتراءات، ويحسب أنه قادر على القضاء عليها.
وقد نُسي هذا الكتاب الثقيل الظل الآن، وأصبح في خبر كان، ورجع صاحبه من يومه إلى الفصحى في كل ما يكتب، وإن وضع كتابًا في أوائل الثمانينات يحاول فيه التشكيك في قدم اللغة العربية وأصالتها. وأقام توفيق الحكيم في ميدان التأليف المسرحي بمحاولة البحث عن أسلوب وسط بين العامية والفصحى، يُمكن أن يقرأ بهذه أو بتلك حسبما يريد القارئ، إذ قَرّب الأسلوب العامي على قدر المستطاع من مستوى الفصحى، نطقًا وتركيبًا، وكتب به مسرحيته "الصفقة" بحيث إذا أحب القارئ أن يقرأها بالعامية؛ فما عليه إلا أن يقلب القاف همزة، أو جيمًا قاهرية، والذال زالًا ويترك الإعراب، أما إذا تعامل معها على أنها من الأدب الفصيح؛ فليقرأها كما هي مكتوبة. وقد ذكر المؤلف في الخاتمة أنه إنما فعل ذلك للتقريب بين طبقات الشعب الواحد، وكذلك بين الشعوب العربية المُختلفة من خلال توحيده لأداة التفاهم بينها، قَدر الإمْكَان، لكن فاته أنّ العامية التي استخدمها في "الصفقة" وأراد التّقريب بينها وبين الفصحى إنّما هي إحدى العاميات المصرية التي لا أظن أحدًا من الكتاب المسرحيين العرب خارج مصر يستطيع استخدامها، أي أنه سيكون لدينا تجارب من هذا النوع بعدد الشعوب العربية على الأقل.
أيًّا ما يكن الأمر؛ فالذي يُهِمُّنا هنا هو: أنّ هَذا العمل المسرحي قد كُتب بلغة لم يسبق للعرب أن فكروا في استخدامها، في أي من إبداعاتهم الأدبية على كثرتها
стр. 366
الكاثرة، وتنوعها الهائل. ومبلغ علمي أن أحدًا آخر من كتاب المسرح لم يحاول أن يتابع هذه التجربة الحكيمية. ومن مظاهر التطور في أدبنا الحديث أيضًا: استخدام بعض الأدباء العرب للغات الأجنبية في إبداعهم الأدبي حصريًّا، أو بجانب لغتهم العربية، وهُناك عدة أسباب لذلك؛ فمثلًا الكتاب الجزائريون الذين أنتجوا أدبهم باللغة الفرنسية كمحمد الديب، وكاتب يس، ومولود فرعون، ومولود معمر، ومالك حداد، وإدريس الشرايبي، وآسيا جبار، إنما فعلوا ذلك لأن الفرنسيين فرضوا لغتهم فرضًا على الجزائر وعملوا على فرنستها. وكان ثمرة هذا الوضع: أنّ هؤلاء الكتاب الجزائريين وأمثالهم ممن تعلموا في ظل الاحتلال الفرنسي بلادهم، قد أتقنوا فيه لغة المحتلين، في الوقت الذي لم يحسنوا فيه تعلم لسانهم القومي والديني، أو لم يريدوا ذلك، كما أن لبعض الكتاب التونسيين أعمالًا بلغة الفرنسيس مثل: ألبيرمني، والهاشمي البكوش، وكلود بنعادي، ومحمود أصلان، ومصطفى الكعبي، وصالح القرمادي، وكذلك الحال بالنسبة إلى فريق من الكتاب المغاربة، كعبد اللطيف الكعبي، وطارق بن جلون، وعبد الكبير الخطيبي، تأثرًا منهم بالاحتلال الفرنسي بلادهم.
أما مؤلفات جبران ونعيمة مثلًا بالإنجليزية فقد ألفت في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثَمّ استُخدمتْ فيها لغة البلاد التي كانوا يقطنونها، وأصدروا مؤلفاتهم كي تقرأ هناك، وتُشبه هذه الحالة حالة المصريين الذين غادروا أرض الكنانة إلى فرنسا، وأضحوا جزءًا من نسيج المجتمع الفرنسي، مثل: جوس منصور، وأندري شديد، كما تشبه حالة إدوار عطية اللبناني الذي كتب ترجمته
стр. 367
الذاتية بالإنجليزية، إذ كان قد تجنس بالجنسية البريطانية، وأصبح يعيش في جزيرة "جان بول". وكذلك أهداف سويف المصري التي صدرت لها بآخرة بعض الأعمال القصصية الإنجليزية، بعد أن تركت مصر وتزوجت من رجل إنجليزيٍ تعيش معه في بلاده، بل إنّ أديبًا كإبراهيم العريضي البحريني، الذي لا يدخل تحت أي بند من هذين له مسرحية بالإنجليزية عن "ويليم تل".
ويتصل بهذا -نوع اتصال- ما درج عليه كثير من الناثرين العرب في العصر الحديث، من تطعيم كتاباتهم ببعض الألفاظ أو التعبيرات الأوروبية؛ لتوضيح ما يقولون أو تأكيده، أو لمجرد الاستعراض، وهم في هذا يكتبونه بالحروف العربية، وقد يسوقونه كما هو في أصل لغته بالحرف اللاتيني. ويتصل بهذا كذلك ظاهرة وجود أدب عربي مكتوب باللغة العربية خارج ديار العرب، أقصد بالأدب المهجري في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي أمريكا الجنوبية، وهو الأدب الذي أنتج لنا جماعتين أدبيتين مشهورتين هما الرابطة القلمية في أمريكا الشمالية، والعصبة الأندلسية في براثين أمريكا اللاتينية، وأخرج طائفة من أعلام النثر الحديث أمثال: الريحاني، ونعيم، وجبران، وشفيق المعلوف، ورشيد الخوري.
ولهذا الأدب سماته التي تميزه عن غيره من الآداب داخل الخيمة الكبيرة للأدب العربي الحديث، مما تَناوله الدارسون في بحوثهم وكتبهم، مثل: البُعد عن فخامة الأسلوب وجزالته، وهَجْر التّعبيرَات القديمة، واختراع كثير من الصور المجنحة، والهيام بالطبيعة، والدعوة بقوة إلى الحرية، وصنيعهم لمحة أسلوبية في كتاباتهم، وكثرة صفحات الشعر المنثور في إبداعاتهم. وظاهرة الأدب المهجري هي بلا شك ظاهرة جديدة لا عهد للأدب العربي القديم بما يشبهها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 368
الدرس: ١٥ المواقف الأدبية .
стр. 369
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس عشر
(المواقف الأدبية)
تعريف مصطلح "موقف" لغة واصطلاحًا
المواقف الأدبية
وقبل كل شيء أود أن أتريث قليلًا عند مصطلح "الموقف" لنلم بتعريفه؛ إذ هو أساس هذا الدرس، ولا بد من تحرير الأساس قبل أن ننطلق في حديثنا حول بعض الأمور التي تتعلق به، كي يكون كلامًا واضحًا ومحددًا، وقد علمونا في مثل هذه المناسبات أن نبدأ بتعريف اللفظ تعريفًا لفظيًا أولًا قبل أن نتبعه بالتعريف الاصطلاحي، ثم نحاول أن ندرك السر وراء استعمال هذا اللفظ بهذا المعنى الاصطلاحي.
فأما التعريف اللغوي لكلمة موقف:
فقد رجعت فيه إلى طائفة من المعاجم اللغوية القديمة والحديثة، وقد وجدتها جميعًا تذكر أن "الموقف" هو: اسم المكان من وقف، ثم يتبع بعضُها ذلك بالإشارة إلى موقف المرأة أي وجهها، وقدميها أو عينيها ويديها. أما المعاجم الحديثة؛ فإن بعضها يعرف الموقف بأنه: ما يتخذه الإنسان من وضع تجاه مسألة أو شخص أو قضية أو جماعة ... إلى آخره.
ففي (القاموس المحيط) وهو مثال على القواميس القديمة، نقرأ أنّ الموقف هو: محل الوقوف ومحلة بمصر. ومن الفرس هو: الهزمتان في كشحيه أو نقرة الخاصرة على رأس الكلية، وامرأة حسنت الموقفين أي: الوجه والقدم، أو العينين واليَدين، وما لا بد لها من إظهاره.
وفي معجم (الغني) من المعاجم الحديثة: "موقف" جمع واقف، يقولون عبر عن موقفه بشجاعة، ومعنى ذلك استعداد نفسي، أو رأي إزاء شخص أو قضية ما، يُعبر فيه صاحبه عما يشعر به.
وموقف حَرِجٌ وموقف عدائي، استطاع أن يسيطر على الموقف كليًّة وبصرامة وحزم، الموقف موقف عمل لا موقف كلام، ولها معنى آخر: اتخذ الحزب مواقف حازمة أي: قرارات. يوم الموقف العظيم هو يوم الحشر، موقف السيارات هو محل وقوفها.
وقد بحثتُ في القرآن المَجيد وفي الأحاديث الشريفة؛ فأما القرآن فليس فيه كلمة موقف، وأما في أقوال النبي فهناك بضعة أحاديث بعضها حسن وبعضها ضعيف وبعضها لا يصح، تدل على أن العرب قد عرفوا للفظة الموقف منذ ذلك الوقت المبكر، المعنى المشهور الذي تدل عليه تلك اللفظة الآن.
стр. 370
أي: الوَضْعُ الذي يتخذه الإنسان تجاه قضية أو شخص ... إلى آخره. وهو معنى لم تورده تلك المعاجم القديمة على خلاف المعاجم الحديثة، وهذا أمر طبيعي إذ إنها إنما وضعت بعدما استفاض استعمال الكلمة في ذلك المعنى.
ويتضح لنا كذلك أن لفظة موقف في الأحاديث التي أشرت إليها يتفق مع المعنى الذي صرنا نستعمله فيه، وفيه وحده في الغالب، وهو الوضع الذي ير في الإنسان فيه وجه، عليه أن يوجهه بالخروج بأكبر قدر من المكاسب، أو على الأقل دون خسائر، أو بأقل القليل بأهون قدر منها. وقد يكون الموقف فرحة أو أملًا أو شعورًا بالإحراج أو حزنًا أو يأسًا أو ضبطًا في وضع مخل ... إلى آخر تلك الأوضاع وما أكثرها.
ومعروف أنّ الإنسان إذا ما حزبه أمر ما، أو اجتاحه إحساس بالسعادة، وأراد أن يقدم على فعل شيء جراء هذا؛ فإنه إن كان يتحرك وقف ليعطي لنفسه فرصة التفكير المتأني، ومن هنا سموا اتخاذ القرار في مثل تلك الحالة موقفًا، بل لقد عَمّموا إطلاق هذه التسمية بحيث تشمل أيضًا الوضع الذي يستحث الإنسان إلى اتخاذ القرار، وهذا هو الأصل الذي انطلق منه كذلك معنى المصطلح في الأعمال الأدبية من قصة، أو رواية أو مسرحية على ما سوف نرى.
وقد قَلّبتُ في بعض المعاجم الأدبية والنقدية والصوفية، فلم أجد لهذا المصطلح أثرًا في قاموس المصطلحات الصوفية لابن الحمد مثلًا، ولا في معجم اصطلاحات الصوفية كعبد الرازق الكاشاني، ولا في معجم النقد العربي القديم للدكتور أحمد مطلوب.
ولكن ليس معنى هذا أن العرب القُدَماء ولا من سبقهم ممن كتبوا في النقد والبلاغة كالإغريق مثلًا يعرفه مفهوم الموقف على الإطلاق، ففي البلاغة مثلًا: هناك ما يسمونه مقتضى الحال. أي: الظروف التي ينبغي أن يراعيها الخطيب أو
стр. 371
الكاتب عند خطابته أو كتابته، بمعنى السياق الذي يحيط به عندئذ؛ أو فلنقل: الموقف.
وقد أشار إلى هذا الدكتور محمد غنيمي هلال في كتابه (المواقف الأدبية) إذ كتب ما نصه: "وقديمًا ذكر أرسطو الموقف، وهو في سبيل الحديث عن الفكرة في المأساة في كتابه (فن الشعر) إذ يقول: وأعني بالفكرة القدرة على إيجاد اللغة التي يقضتيها الموقف، وتتلاءم وإياه". ففي هذا النص الموقف معناه قديم، ولا يقصد به أرسطو أكثر من مراعاة مقتضى الحال في البلاغة. وهو ما قاله نقاد العرب كذلك من بعده، وإن لم يبلغوا مدى أرسطو في تفصيل وجوه هذا المقتضى على حسب الأجناس الأدبية؛ من مسرحيات، وملاحم، وخطابة، وما يستتبع ذلك من اعتبارات كثيرة فنية.
و"مقتضى الحال" هذا هو ما نص عليه أفلاطون أستاذ أرسطو في كتابه "الفيدروس" حيثُ تَحدّث عن مُرَاعاته في الخطابة قائلًا: فإذا كانت وظيفة الخطابة هي قيادة النفوس بمعرفة الحقيقة؛ فعلى المرء لكي يكون قادرًا على الخطابة أن يعرف ما للنفوس من أنواع، وعلى قدر هذا الأنواع تكون الصفات، وهو ما يختلف به الناس في أخلاقهم، ولكل حالة نفسية نوع خاص من الخطابة؛ فعليّ إذن كي أوجد في النفوس نوعًا من الإقناع، أن أفرق بين كلامهم وطبيعتهم، وإذا توافرت للمرء هذه المبادئ عرف متى يجب أن يتكلم، ومتى يجب أن يمتنع عن الكلام، ومتى يليق به أو لا يليق أن يكون موجزًا، أو مثيرًا، أو مبالغًا. أما قبل الوقوف على هذه المبادئ؛ فلا وسيلة له إلى التعرف على ذلك".
والموقف في معناه السابق عند أفلاطون وأرسطو والعرب؛ ليس من الاصطلاحات الفنية أو الفلسفية، ولا يُستطاع في نطاق هذا العموم لمفهومه أن
стр. 372
نحدد صلاتًا أدبية أو فنية، تَقُوم عَليها دراسات نقدية عميقة ذات شأن سَواءٌ في الأدب القومي أو الأدب العالمي، ولم يُحاول أحدٌ من نُقّاد الأدب ودارسيه أن يقوم بتلك الدراسة في نطاق ذلك المفهوم القديم للموقف. كما أنه بهذا المعنى لا يمكن أن يكون أساسًا للدراسة النقدية المقارنة، وهي الدراسات الحديثة المثمرة. هذا ما قاله الدكتور محمد غنيمي هلال.
إلا أنّ هُناك الآن نَظرِيّة نقدية مُهِمّة تُسَمّى نَظرية السِّياق، وتقتضي هذه النظرية أنْ يُفهم النّص في سياقه الذي أبدع فيه، كي يتسنّى فهمه فهمًا صحيحًا، أو على الأقل كي يتسنى فهمه فهمًا أفضل، صحيح أن الغاية من هذه النظرية ليست هي الغاية المفهوم مراعاة مقتضى الحال في البلاغة والنقد القديم، لكن الأمرين مع ذلك يتقاطعان، فضلًا عن أنهما ينطلقان من نقطة واحدة ألا وهي نقطة السياق؛ الذي بدونه في النظرية المذكورة لا يمكن فهم النص أصلًا، أو في أقل القَليل لا يمكن فهمه الفهم الدقيق.
والذي بدونه في مفهوم مقتضى الحال، لا يمكن إصابة الهدف المتهيئ من وراء عملية الإبداع، أو على الأقل لا يمكن إصابته على وجه الدقة.
ثم يضيف هلال مبينًا بداية استعمال هذا المصطلح بمعناه النقدي، الذي نحن بصدده الآن فيقول: وأوّل مَنْ بَحَث في المواقف الأدبية في المسرحيات هو الناقد والشاعر الإيطالي "كارلو جوزي" في القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر، وقد انتهى إلى حصر المواقف المسرحية في جميع أنواع المسرحيات، وفي كل الآداب في ستة وثلاثين موقفًا.
وقد ناقش المسألة الشاعر الألماني "جوته" مع صديقه وأمينه "إكرامان" فأقرّ العدَدَ الذي انتهى إليه "كارمن جوزي" ثم جاراهما ناقد فرنسي هو جورج
стр. 373
بوتيه، في كتاب له عنوانه (المواقف المسرحية الستة والثلاثون) وظهرت الطبعة الأولى منه عام ألف وثمانمائة وخمسة وتسعين، والثانية عام ألف وتسعمائة وأربعة وثلاثين.
وفي كل هذه الدراسات لم يتحدد معنى الموقف الأدبي، ولا الموقف المسرحي، تحددًا فنيًّا مثمرًا، عميقَ الدّلالة والأثر، وتُعَدّ دراسات جورج بورته حصيلة لما سبقها من دراسات، وفيها يخلط بين الحدث والموضوع والعواطف والشخصيات، دون إبانة عن معنى عام، يَرجعُ إليه الموقف، وبه يتحدد؛ فمثلًا من بينَ المواقف التي يعدها "جورج بورتي" مُنافسة بين أشخاص غير متكافئين، ومُنافسة الأقارب، ومُحاولات تتسم بالجرأة، وقتل أحد الأقارب المجهولين، والاختطاف، والزواج ممن لا يحل الزواج منه، والزواج غير المشروع الذي يسبب جرائم القتل، وجرائم الحب غير الإرادية، وواضح أنه في المواقف السابقة يفهم من الموقف معنى الحدث العامة.
وهذه الأقسام بالإضافة إلى غموضها متداخلة؛ فالاختطاف مثلًا يدخل في المحاولات المتسمة بالجرأة، وواضح أنّ الأقسام الثلاثة الأخيرة متداخلة بعضها مع بعض، هذا إلى أنه يمكن أن تندرج منافسة الأقارب، ومنافسة الأشخاص غير المتكافئين في المنافسة المطلقة، وهي التي أفردها بعد ذلك موقفًا خاصًّا، ثم عَدّل مع ذلك مواقف ليست في الحقيقة سوى عواطف للشخصيات مثل: الحقد على الأقارب، والطمع والغيرة الخاطئة والجنون. فمثل هذا التقسيم إذا ما يصلح أساسًا لتحديد التأثير الفني للمواقف.
ثم إنّ هذا التقسيم غير شامل؛ فإنّ المَوَاقِفَ لا تتفاوتُ على حسب الأجناس الأدبية والمذاهب الفنية فحسب، بل تتفاوت كذلك على حسب موقف الكاتب
стр. 374
نفسه من خلقه الأدبي، حينَ يسوغه في الشعر الغنائي، وهو الجنس الأدبي غير الموضوعي، وهذا الاختلاف الأخير يتوقف عليه جوهر البناء الفني للقصيدة، وهو في نفس الوقت دعامة تقويمها، والاعتداد بموقف الشاعر في هذه الحالة أهم وأجدى من الاعتداد بالموضوع الذي ينظم تجربته فيه.
مثال في باب الموازنات الأدبية لا المقارنات، للتمييز بين الموقف والموضوع
ولنوضح ذلك بمثال يدخل في باب الموازنات الأدبية لا المقارنات، وذلك لنميز به الفروق في الموقف في الشعر الغنائي على الرغم من اتفاق الموضوع؛ فشَوقِي في وقوفه على الآثار في سِينيته الأندلسية، والبحتري في سنيته المشهورة في الوقوف على إيوان كسرى في المدائن، كِلَاهُما وقف على الآثار، ومن ثم اتحدا في الموضوع، ولكنهما مع ذلك مختلفان في الموقف، فموقف البحتري موقف النافر من المجتمع والناس حتى الأقارب، يرى هم أزمة وعيه النفسية في وجدان العظة بهذه الأطلال الدوارس، لقوم غير قومه، ويوصفهم فيها ويعرف لأهلها صنيعهم حين أيدوا ملك أجداده باليمن:
عمرت للسنون دهرًا ... فسارت للتعزي رباعهم والتأسي
فلها أن أعينها بدموع موقفات ... على الصبابة حبسي
ذاك عندي وليست الدار داري ... باقتراب منها ولا الجنس جنسي
غير نعمى لأهلها عند أهلي ... غرسوا من بكائها خير غرسي
أيدم الكنا وشد قواه ... بكماة تحت السنور حمسي
وأعانوا على كتائب ... بطعن على النحور ودعسي
أما شوقي؛ فإنه يوقف موقف المغترب عن وطنه الحبيب، يرزح تحت نير الأجنبي الدخيل، فهو يهرب في حلم خيالي، بأمجاد وطنه. ويستطرد من أثار الوطن ذكر
стр. 375
آثار الأندلس، وطني قومه القديم ينشد في المجد الغابر مجد الوطن ومجد العرب ملاذًا من الحاضر، في ثنائية أشاد فيها شوقي بوحدة الشعور الوطني مع الشعور العربي، فهروبه من الحاضر أو ملاذه بالماضي كلاهما ذو طابع إيجابي، فيه تتمثل حركة النفسية من الحاضر البائس، إلى الماضي المشرق مشدانًا بمستقبل يليق بذلك الماضي.
ففي خياله: أنه لا يبعد أن يكون لوطنه من المجد في المستقبل، ما كان لـ"قرطبة" في الماضي في حين أن حاضرها آسي كحاضر وطنه لذلك العهد:
قرية لا تعد في الأرض كانت ... تمسك الأرض أن تميد وترسي
ويهيب شوقي من وراء آساه على الماضي الضائع، بعزائم أهل وطنه وبالعرب جملة؛ كي يلتفتوا إلى تلك الأمجاد ويتعظوا بها، ويشدوا عزائمهم، وموقفهم منها موقف الوارث المضيع من ملوك الطوائف حين فقدوا فردوسهم في الأندلس.
وفي حديث شوقي عن خروج هؤلاء من الأندلس نفسة يأس ذات طابع اجتماعي وجداني ضخم، يُحِسُّ فيها في نفس الوقت بلذعة أسى النفي من الوطن فيما يشبه نفي هؤلاء الأجداد، ونحس بهذا الشعور الذاتي الوجداني الكبير في هذه الصورة التي تتجاوب فيها أصداء نفسه في وجدانه الذاتي، وفي موقفه في وجدانه الاجتماعي المُمثل لموقف أمته من ماضيها الوطني والعربي جملة ولذلك في قوله:
خَرَجَ القَومُ في كَتائِبَ صُمٍّ ... عَن حِفاظٍ كَمَوكِبِ الدَفنِ خُرسِ
رَكِبوا بِالبِحارِ نَعشًا وَكانَت ... تَحتَ آبائِهِم هِيَ العَرشُ أَمسِ
رُبَّ بانٍ لِهادِمٍ وَجَموعٍ ... لِمُشِتٍّ وَمُحسِنٍ لِمُخِسِّ
إِمرَةُ الناسِ هِمَّةٌ لا تَأَتى ... لِجَبانٍ وَلا تَسَنّى لِمكسِ
стр. 376
فإذا وازَنّا بين قصيدة البُحتري وقصيدة شوقي، غافلين عن الفرق الكبير بين موقف كل منهما، وحصرنا همنا في تشابه الموضوع في القصيدتين، كان لا بد أن تنتهي الموازنة إلى نتائج خاطئة؛ لأنّ مَوقِفَ شوقي أملى عليه صورًا عميقة المعنى جليلة الشأن، مُتّصلة بوجدان اجتماعي واسع النطاق، فاستمدت روعتها وعمقها من هذا الموقف الذي يندر مثله في الشعر العربي.
ولا تتضح دلالته العميقة إلا إذا اعتددنا بالموقف لدى كل من الشاعرين، على الرغم من أن شوقي قد تأثر بالبحتري في بعض الصور، وفي استلهام روح الموضوع العامة.
وقد غاب عن النقاد الذين وازنوا بين القصيدتين السابقتين معنى الموقف، كما غاب معنى الموقف كذلك عن قدامة بن جعفر حين قرر أن الرثاء والمدح شيء واحد، فقال: "ليس بين المعصية والمدحة فضل، إلّا أن يُذكر في اللفظ ما يدل على أنه لهالك، وهذا ليس يزيد في المعنى ولا ينقص منه".
وفي هذا الكلام غفلة تامة عن الموقف، إذ أنه على الرغم من أن الرثاء مدح لهالك؛ فالموقفان مُختلفان في البواعث النفسية، وما يترتب عليها من تخير المعاني، ومن طُرق الصِّياغة، ومن الشُّعور العام الذي يتجلى فيه طابع القصيدة.
وما ذكرنا الأمثلة السابقة وهي من باب الموازنات الأدبية في داخل الأدب الواحد، إلا ليتضح الفرق بين الموقف والموضوع، وليظهر الخطأ في الخلط كل منهما عند النظر إلى العمل الأدبي في ناحية الصور والصياغات الفنية.
وفي السطور السابقة نرى الدكتور محمد غنيمي هلال يفرق بين الموضوع والموقف؛ فالموضوع هو الأمر الذي يكتب الأديب عنه ويتخذه محورًا لإبداعه،
стр. 377
كالوقوف على إيوان كسرى مثلًا، ووصف ابن خفاجة للجبل، وغزل ابن أبي ربيعة في إحدى حبيباته ... إلى آخر ما نعرفه من موضوعات شعرية يُمكن أن تدور حولها القصيدة.
أما الموقف فهو رأي الشاعر في هذا الموضوع، أو شعوره به، أو نظرته إليه، أو الوضع الذي يتخذه حياله وهكذا، ولنأخذ على سبيل المثال موقف عمر بن أبي ربيعة في معظم قصائده، وقصائده كلها حسبما نعرف قصائد غزلية ليس إلا؛ فهو رجل لاه يبحث عن التسلية وتضييع الوقت، مع هذه الجميلة، أو تلك من النساء المترفات اللاتي لا يمكن أن يفكر في غيرهن.
وإن لم يكن من أولئك الشعراء الذين يقعون في غرام واحدة بعينها من النساء، لا تعوضه عنها أي امرأة سواها مهما صنعت به، وقست عليه، وحرمته وصرمته، وهو ما تعكسه قصائده المعروفة، أما موقفُ كُثير في شعره الذي يتناول فيه علاقته بعزة؛ فهو موقف اليائس الذي يتنسم نظرة رضا منها نحوه، ويَعمل بكل سبيل على استعطافها عليه؛ حتى يتمنى في إحدى قصائده أن يُشِلّ الله رجله أثناء زيارة منه لقومها، كي يعجز عن السفر ومفارقة ديارها، ويبقى قريبًا منها بحيث لا يفوته من نبغه من قربها وهو أشل، ما فاته من ذلك القرب وهو صحيح معافى ... إلى آخره.
ثم إنّ ما قاله هلال في تداخل تصريفات الموضوعات والمواقف التي أنشأها جوزي، هو كلامٌ سليم، وإن كان لا بد في ذات الوقت من التنبيه؛ لأنّ جوزيه كان -طبقًا لما قاله هلال- رائدًا في تلك التصنيفات، ومن ثَمّ كان من الطبيعي أن يهتز القلم في يده؛ فلا تأتي تصنيفاته دقيقة ولا حاسمة؛ فضلًا عن أن يكون
стр. 378
مفهوم الموقف واضحًا تمام الوضوح في تلك الفترة المبكرة من تاريخ الكتابة في ذلك الموضوع.
وفي ذات الوقت، ينبغي ألا ننسى أنّ بَعضَ تصنيفات ذلك الإيطالي إن كانت قد تداخلت، فإن أمور الحياة كثيرًا ما تتداخل فما الغرابة في هذا؟! كما أن التداخل لا يعني التطابق، ومن ثم فمن الصعب الزعم بأن أحد التصنيفين في تلك الحالة يُمكن أن يغني عن الآخر، ومعروف أن في التصنيفات ما يقارب سواه، لكنه يختلف معه في نفس الوقت ولو في بعض التفاصيل الصغيرة، وهو ما يميز كل منهما عن صاحبه.
وأضيف إلى هذا كله: أن ما قاله جوزيه، وما قاله غيره، وما يمكن أن يقوله أي قائل في المستقبل، لا يستطيع أن يغطي كل التصنيفات الممكنة إذ كثيرًا ما تبدهنا الحياة بمواقف جديدة غير معروفة، وقد ذكر الدكتور هلال نفسه أن هناك من أوصل المواقف في الإبداعات المسرحية إلى أكثر من مائتي ألف موقف، ويمكن قياس القصة على المسرحية في هذا المجال.
وإذا كان بعض الكتاب قد ذكر أن من الممكن اختصار عدد المواقف الأدبية، فلا بد من القول أيضًا: إنّ ذلك الاختصار قد يختلف من شخص إلى آخر، حسب رؤيته، وحسب ميله إلى الإيجاز الشديد أو المخفف، كذلك لم أجد هذا المُصطلح فيما عندي من معاجم من النقد الأدبي بالإنجليزية والفرنسية اللهم إلا ثلاثة معاجم؛ منها:
معجم "شيكلي" المسمى "دكشنري فوير بكتشر" فقد عثرت على مادة كاملة له، وإن لم تكن من الطول بمكان وخلاصتها: أن الموقف عبارة عن اقتران مجموعة من الظروف لحظة معينة من القصة.
стр. 379
وهناك الموقف الأصيل الذي انبثق منه ما تطور من أحداث، وكذلك الموقف الحرج الذي أدت إليه تلك الأحداث.
ومن هذه المعاجم كذلك المعجم الدرامي: "ديكسونير دراماتيك" الذي ألفيته يُخَصّص هذا الاصطلاح مادة أطول من مادة معجم "الشبلي" بعد طول، وفيها أن الموقف هو الوضع الذي تجد شخصيات العمل المسرحي فيه نفسها بعضها إزاء بعض، ورغم أن كل المناظر المسرحية تُعد في ذات الوقت مواقف؛ فإنه لا يقال عن أي منها عادة موقف إلا إذا اتسم بالجدة والأهمية، حتى ليدفع النظارة إلى الترقب، ويشعل فيهم من التشوق لا ما سوف ينطق به الممثلون أو يعملونه.
وفي معجم "المصطلحات الدرامية والمسرحية" للدكتور إبراهيم حمادة مادتان لمصطلح الموقف:
الأول: مصطلح المواقف الدرامية الستة والثلاثين، وهي المواقف التي أشار إليها الشبلي في معجمه، وإن لم يصنع الشبلي شيئًا سوى ذكر اسم الناقد الذي أحصى هذا العدد واسم كتابه، بخلاف الدكتور حماده الذي أورد هذه المواقف الستة والثلاثين كاملة، ثم عقّب عليها بقوله: إنّه أمكن فيما بعد اختصار هذه المواقف وحصرها في عدد أقل من ذلك بكثير.
أما المصطلح الثاني فهو: المواقف المكرورة أو المخزونة، وهي مواقف ذات طابع معين تتكرر تقليديًّا في عدد من المسرحيات كما يقول، كمشهد الزوج الذي يعود إلى بيته من الخارج على غير انتظار، ويفتح باب غرفة النوم؛ فيباغت بزوجته في أحضان رجل آخر مثلًا.
стр. 380
الدكتور محمد غنيمي هلال يوضح معنى الموقف بصورة أوسع
ويلقي الدكتور محمد غنيمي هلال مزيدًا من الضوء على معنى الموقف فيقول:
إنّ الموقف في العمل الأدبي يقتضي أن يكون في المشهد أشخاص آخرون غير الشخصية التي تمثل محور العمل القصصي أو المسرحي، وأن يكون هناك صراع بينهم، وسنرى بالإشارة إلى أن الموقف يشمل دائمًا أكثر من شخص، وأن أيا منها لا تتضح ملامح شخصيتة إلا بالنسبة إلى ملامح الآخرين، فإذا لم يوجد آخرون فإن شخصياتنا لا تكون واضحة، إذ الشيءُ إنما يتميز بناء على مقارنته بالأشياء الأخرى.
وفي كل مسرحية أو قصة هناك عدد من المواقف، ولكل شخصية موقف أكثر من تلك المواقف، ومن مجموع هذه المواقف الخاصة يتكون الموقف العام الذي يشمل الجميع في العمل الأدبي، وقد يكون الموقف والتضحية بالنفس من أجل مثلًا أعلى يؤمن به الإنسان كحب الوطن أو الدين مثلًا، وقد يكون تأنيب الضمير، وقد يكون الوقوع فريسة لشخص قاس لا خارجة من رحمة في قلبه.
وبالنسبة للموقف في عمل أدبي معين، نراه يشير إلى أنه في المسرحية "فيدر" للكاتب الفرنسي راسين، هو الحب الآثم ففي هذه المسرحية كما يقول الدكتور محمد غنيمي هلال في كتابه (رومانتيكية) تحب فدر ابن زوجها "بوليت" حبًّا مبرحًا، ولكنها حين بليت بما حيلة لها فيه من هذا الحب اليائس غير المشروع، لم تفكر إلا في الموت غير أن الأحداث ساقت لها منفذًا للأمل، فقد غاب زوجها غيبة لا أمل في الرجوع منها، بل إنه نعي كذبًا إليها، وأغرتها بعد ذلك وصيفتها أن تغتنم الفرصة فتكشف عن حبها، بعد أن زال ما أمامه من عوائق.
стр. 381
وحين مثلت أمام حبيبها "هيبولت" لم يكن في نيتها إلا أن توصي ابنها الصغير قبل موتها، ثم تغلبها عاطفته المسلوبة؛ فتكني له عن حبها؛ فيغضب لذلك "هيبوليت" الذي كان قلبه مشغولًا بحب أخرى، وتندم هي على ما فرط منها من تصريح لم تقدر عواقبه.
ويَزْداد الموقف خطورة بعودة زوجها، فلا تجد لها منفذًا غير الموت، وإذا وصيفتها تشرح لها ما يجر موتها على ابنها الصغير، ثم على شرفها، وتغريها باتهام حبيبها بأنه هو الذي حاول أن يعتدي عليها في غيبة زوجها، فتأبى بادئ الأمر أن تطيع وصيفتها كل الإباء ثم تستسلم مشدوهة حين تفاجئ بلقاء زوجها؛ فتعارض بـ"هيبوليت" عارضًا يثير الشكوك في وجهها دون أن تصرح، حتى إذا أكملت وصيفتها دورها ضد "هيبوليت" استيقظ ضميرها، وحاولت أن تعترف بفريتها لزوجها كي تنقذ "هيبوليت" البريء، ولكنها تقع فريسة الغيرة حين تعلم أن "هيبوليت" يحب غيرها، ولا تفيق من هذه الغيرة إلا بعد موت حبيبها؛ فتعترف لزوجها وقد تجرعت السم.
وهكذا ظلت "فدر" على وعي بعبء هذه الأحداث، عالمة كل العلم بما عليها من تبعة، وبما سيقت إليه من إثم، على أنها بعد لم تتطلع لأمر غير ممكن في حينه، وهكذا نجد العقل ماثلًا؛ حتى في أقوى ما خالفه من الأدب الكلاسيكي من وصف للعاطفة حين تبلغ أقصى حالات شبوبها، على أن الكلاسيكيين طالما حذروا من العواطف مسار الشرور والأهواء، وطريق الخيال الجامح، والخيال هو الجانب الخادع في النفس، الذي يقود إلى الخطأ والذلل.
فكما يقول الكاتب: فإنه في المسرحيات الكلاسيكية قد تنتصر العاطفة على الواجب، ولكن المؤلف لا يعرض ذلك إلا ليُبين مواطن الضعف الإنسانية،
стр. 382
ويُحَذِّر منها، فقد صور "راسين" العاطفة قوية طاغية في قلب "فدر" ولكنه يشرح المعنى الخلقي لها التصوير بقوله: في هذه المسرحية لم أجل أمام العيون شهوات النفوس إلا لأبين كل ما ينتج عنها من اضطراب، وقد صورت الرذيلة في كل أجزائها، في سورة ذات أسمار تبرز قبحها، وتجعلها بغيضة إلى الناس، وهذه هي الغاية الحق التي يجب أن يرمي إليها كل إنسان يعمل للجمهور. وكان في هذه الغاية هي الهدف الأول للشعراء المسرحيات القدامى، فكان مسرحهم مدرسة للفضيلة، لا تقل عن مدارس الفلاسفة.
وفي هذا نرى أن العواطف كانت عند الكلاسيكيين أهواء لا يعرضونها في أدبهم الارستقراطي إلا في صورة تنفر منها، ولكن سرعان ما صارت في أدب القرن الثامن عشر نفسه دعامة المشاعر النبيلة، وطريقًا إلى الفضيلة، ومتنفسًا لذوي القلوب، فتفيض عيونهم بالدموع رقة وحنانًا، أو وجدًا وأسى.
وكانت هذه الدموع في الأدب الكلاسيكي آية ضعف، لا يجمل بأبطالهم أن يذرفوها خذ مثلًا لذلك بطلًا كلاسيكيًّا يُفضي إلى صاحبه بمكنون حبه، وبما انتابه من ضعف؛ حتى كادت تسيل منه الدموع، فيقول له صاحبه مغضًا: دموع! أولى أن يذوق الأعداء حتفهم على يديك الباسلتين دموع! أو يتحكم فيك الألم إلى هذا الحد، ولم يكن النظارة في العصر الكلاسيكي يبحون أن يروا هذه الدموع في عيني بطل من أبطال مسرحياتهم.
ثم سرعان ما حال العهد، ودار الزمن وتغيرت معه الأذواق، وها هم أولاء النظارة يشهدون مسرحية عام ألف وسبعمائة وخمسة وثلاثين، يرون فيها امرأة تهرب من
стр. 383
زوجها الذي تحبه؛ لأنّها اعتقدت أنه خانها، وتفضي بمر شكواها إلى صديق، ولكن هذا الصديق لم يكن في الحقيقة سوى زوجها متنكرًا، وعلى سَمَاعِها يَذُوب زوجها رقة، ويجسوا أمامها في فيض من الدموع قائلًا: ها هو ذا زوجك جاس أمامك حيث يجب أن يموت، فدعيني غارقًا في دموعي، أكفر عما فرَط مني، وأنتقم لجمالك الفاتن من نفسي، وكانت هذه الدموع ألسنة الوفاق بينهما.
وقد سار من المسرحية للقصص هذا التقليد من بكاء أبطالها رقة لشبوب عواطفهم، يَقُصّ الكاتِبُ الإنجليزي "اشتيرن" في القرن الثامن عشر كيف كان يستمع في رحلته العاطفية إلى فتاة فرنسية فقدت حبيبها ثم أباها، وكادت تفقد على أثرهما عقلها، تشرح له قصة بؤسها، والدموع تنساب على خديها. يقول "اشتير": فجلست قريبًا منها، وتركتني "ماريا" أجفف دموعها كلما سالت بمنديلي، ثم أغمره بعد في دموعي، ثم في دموعها، ثم في دموعي، ثم في دموعها ثانية، وكنت أشعر أثناء ذلك بنشوة عاطفية تعجز الوصف، حتى إني على يقين من أنه لا يستطاع التعبير عنها في شعر ما، أو في أريحية ما، فأيقنت حينذاك أن لي روحًا لا تستطيع أن تحملني على جحودها كتب الماديين التي سممو بها العالم.
أما في مسرحية "زايير" للفيلسوف الفرنسي ""فولتيير" فالموقف الذي اتخذه بطلها هو الغيرة الطائشة المتعجلة، إذ بعدما يقتل بطل المسرحية حبيبته بالخنجر ظنًّا منه أنها تخونه، إذا به يكتشف أن الشخص الذي حسبه عشيقها، إنما هو في الحقيقة أخوها، مما يَدْفَعه إلى قتل نفسه فوق جثتها.
على حين أن الموقف العام في مسرحية "فاوس" لـ "جوته" إنّما هو التردد بين العقل والقلب، والحيرة الشديدة في معرفة أيهما هو السبيل إلى الحصول على السعادة
стр. 384
وراحة البال، أهو في الوصول إلى الحقيقة المطلقة التي لا يمكن لبشر بلوغها؟ أم في عمل الخير ونبل المشاعر؟! ذلك أن "فاوس" قد ظن في بداءة أمره أن في مستطاعه الوصول إلى الحقيقة المطلقة؛ ليكتشف بعد استحصاد تجاربه المرة الأليمة أن هذا أمر من الاستحالة بمكان، وأن سعادته ممكنة فقط عن طريق عمل الخير النافع للآخرين.
والأمر ذاته يَصْدُق على الموقف العام في مسرحية توفيق الحكيم "شهرزاد" ولكن في وضع معكوس، إذ كان "شهريار" قد سئم متعة الجسد وبهجة العاطفة وهو ما دفعه إلى البحث في السعادة في الدنيا الفكر المُجرد ليفشل هنا أيضًا، وهو ما يُوحي بأن السعادة ليست في تجاهل طبيعتنا الإنسانية، التي تَحتَاجُ إلى إشباع جوانبها المختلفة، وعدم تجاهل أي منها؛ فضلًا عن التركيز على جانب واحد فحسب.
كذلك فعلى كل شخصية من الشخصيات أن تعمل على الخروج من الموقف الخاص الذي تجد نفسها فيه، باتخاذ قرار أو سلوك ما.
والموقف العام في صورته التجريدية، هو: عبارة عن صدام بين قوى إنسانية تتصارع فيما بينها، وهذه القوى تُمَثّلها الشخصيات في موقفها الخاص، ويَسلتَزمُ الخاص ست صور من القوى كي تكتمل صورته العامة.
ونكتفي هنا بالوقوف عند القوة الخامسة والسادسة لضرب المثال ليس أكثر، فالقوة الخامسة من القوة من القوى المؤثرة في الصراع هي قوة الحكم، أو القوة التي تسد الموقف، وتميل كفته إلى ناحية من النواحي، وقد تتمثل في البطل ذاته، مثل شخصية "الأورست" و"عطيل" وقد تتمثل في الشخصية الممثلة للقوة الثالثة أي: الموفرة للخير المنشود مثل ليلى في مسرحية "مجنون ليلي"
стр. 385
لشوقي، فهي تميل كفة الموقف في تفضيلها وردًا، فتتحكم بذلك عن طريق مباشر في مصيرها وفي مصير قيس.
وأضعف صور هذه القوة: أن تَأتي من خَارِج المَسْرحِيّة كتَدخل الآلهة في المسرحيات اليونانية القديمة، أو تدخل ملك مسرحية "ترتوف" لمولير، وأخيرًا تأتي قوة الأعوان أو المساعدين لأي قوة من القوة السابقة في صورة شخصيات، تنضم إلى أية قوة منها؛ فابن عوف بمثابة عون لمجنون ليلى، ونصيب بمثابة عون للمهدي و"إلكترا" عون لـ"أورست".
وقد يؤدي حذف العون أو المساعد حذفًا فنيًّا إلى اكتساب المسرحية قوة وروعة، حين يشيع في جوها انتظار المساعد الذي لا يَحْضُر أو العون الموهوم الذي لا وجود له، وقد يُرجع إليه المؤلف جوهر تصوير الفني في مسرحيته، وذلك مثل جودو في مسرحية "في انتظار جودو" لصموئيل بكت.
ومن القضايا المحببة للرومانتيكيين: أن يبدو البطل وحيدًا دون عون مفيد، مثل "جون فانجان" في قصة البائسين لـ"فيكتور هوجو" وعلى الأخص غادة الكاميليا في المسرحية والقصة التي تحمل اسمها لألكسندر "دومالبن" ومن المسرحيات الكلاسيكية الخالدة "ملهاة عدو المجتمع" "لموليير" وفيها نرى البطل يفقد ثقته فيمن حوله قليلًا قليلًا، حتى يصير أخيرًا وحيدًا؛ لأنه شديد التعلق بالصدق والصراحة، وهو ما يفتقده عبثًا في مجتمعه الحافل بالنفاق والرياء، وقد فقد كل معارفه وأصدقائه وأخيرًا ينفر من حبيبته ومن الناس جميعًا، ويعتزم الذهاب إلى مكان نائ في الأرض، حيث يتوفر له حرية الرجل الشريف، وهذا هو خلق "آلسست" بطل المسرحية السابقة.
ويمضي هلال قائلًا: لا نقصد من إحصاء القوى السِّتْ السَّابقة: أنّ كل مسرحية مثلًا لا بد أن تحتوي على ست شخصيات، ممثلة لهذه القوى؛ فقد وضح ما
стр. 386
قلناه: أنه يمكن أن تمثل بأكثر من ذلك، وقد يمثل شخص واحد أكثر من قوة منها، وقد يُحذف بعضها فيزيد التصوير الفني روعة وقوة، متى توفر الإحكام الفني في البناء المسرحي أو القصصي.
وكُلما تعقدت الشخصيات نفسيًّا -أي بعدت عن السطحية والضحالة- جمعت بين أكثر من قوة منها، فمثلًا: هاملت هو بطل الموقف في مسرحية شكسبير، وهو يُمَثّل القُوة الأولى والثانية والثالثة والخامسة من القوى الدِّرامية، ذلك أنه طالب للغاية، وفي داخله ذاته أكبر عائق يمنعه من الوصول إليها؛ ثم إنّه يَنْشُد هذه الغاية في نفسه فهو يرجوها ويحرص عليها ويخافها ويرغبها، وهو كذلك الحكم فيها في تردد بالغ مداه في العمق، وفي هذا غنيت معانيه النفسية وتعددت ودقت مسالكها.
وعلى عكس ذلك إذا تفتت القوى في صورة رموز؛ فإن المسرحية تفقد قوتها الدرامية، لأنّ رَوابطها الحيوية تُصبح أقرب إلى التجريد، فمثلًا في مرحلة ولوع الأستاذ توفيق الحكيم بالمسرح الرمزي كان يقصد إلى تجريد شخصياته، كما يقول هو في مقدمة مسرحية "بيكماليون" عام ألف وتسعمائة واثنين وأربعين. إذ قال: أقيمُ اليوم مسرحي داخل الذهن، وأجعل الممثلين أفكارًا تتحرك في مطلق المعاني مرتدية أثواب الرموز؛ فمثلًا في مسرحية "شهرزاد" يجعل العبد رمزًا لقوة الجسد، والوزير قمر رمزًا للعاطفة، وشهريار رمزًا للفكر الخالص.
وعلى الرغم من قوة الحوار الذي ينفرد به الأستاذ توفيق الحكيم، وطرافة المعاني ودقة الاختيار للموضوع والأفكار، وشفافية ذلك كله عن موقف ذهني دقيق في أسلوبه الممتع على الرغم من ذلك كله تفقد المسرحية بنيتها الدرامية، وحركتها الحيوية وقوتها في الإقناع.
стр. 387
ولا نقْصِدُ أنْ نُقَلّل من القيمة الفنية في هذا المنزع الرمزي لمسرحيات الأستاذ الحكيم، فقد أغنا أدبنا الحديث في جوانب الحوار والمعاني ودقة المسلك الذهني؛ لما لا نزال نفتقر لمثله حتى اليوم، ومن حسن الحظ أن الأستاذ توفيق الحكيم قد رجع عن نظريته الرمزية تلك في نقده وإنتاجه الأدبي فيما بعد.
وقد تتبع بعض الدارسين حديثًا صور هذه المواقف المسرحية؛ فأوصلها إلى أكثر من مائتي ألف موقف، ويُمكن تتبع نظائرها في القصة، ولا يهمنا هنا الاستقصاء، وهذه المواقف كلها جديدة في جنس المسرحية والقصة في أدبنا الحديث، وهي لذلك تحتاج إلى تقديم جدي في أسسها وفي ما تدل عليه من صنوف التأثير.
وكثيرًا ما يكون هناك تأثير وتأثر بين عملين أدبيين من ناحية الموقف، وقد يكون التأثر في نفس الاتجاه، ولكن على الناحية الأخرى قد تبدو الصلة بين الموقفين في التأثر الأدبي في صورة عكسية.
ونَضْرِبُ مثلًا لذلك: بالموقف العام في مسرحية "فاوس لـ جوته" ومسرحية شهرزاد للأستاذ توفيق الحكيم؛ فالموقف العام من مسرحية "فاوست" يتمثل في تصوير التردد بين العقل والقلب، ومنذ مطلع المسرحية الأولى من مسرحيته "فاوس" نرى فاوس شقيًّا بعقله لم يستطع أن يتذوق طعم السعادة أو لذة المعرفة فييأس ويهم بالانتحار، ثم يتولد فيه الأمل على رؤية مباهج الربيع، ويخوض في نشدان السعادة عن طريق إغناء مشاعره، والانغماس في تجارب حيوية مختلفة ورحلات متعددة، يُصاحبه فيها روح الشرّ "مفست فوليس".
стр. 388
ويأتي "فاوست" آثامًا يعتريه فيه من الذم، ويكون هذا بمثابة تكفير عن سيئاته وآية عن روح الخير فيه في المسرحية الأولى. فلم يكسب الشيطان الرّهان الذي عقده مع الله على إغواء "فاوس" في المنظر الثاني من المسرحية الأولى، ويظل في هذا النوع من الآثام والسلوك طوال هذه المسرحية الأولى، وهي التي تنتهي بنجاة "مارجريت" منه ومن روح الشّر، بعد أن حاولا معًا إخراجها من السجن؛ ففضلت البقاء في السجن، والبعد عن حبيبها على الخروج مع روح الشر المصاحب لـ"فاوست".
وفي المسرحية الثانية التي تسمى "فاوس" الثانية وهي استمرار للأولى، يظل "فاوس" مُنغمسًا في تجارب الحياة التي يغني بها مشاعره، ويهتدي بها إلى أن الحقيقة المجردة فوق قدرة العقل المجرد، ويَتعرف على "هيلين" رمز الجمال الخالص؛ فيهتدي عن طريقها إلى الخير، وهو غَاية ما يستطيع المرء الوصول إليه بعواطفه الإنسانية، وروحه الصافية؛ فقضية فاوست هي إخلاس العقل الخالص، ووجوب إغناء المعاني الإنساني عن طريق المشاعر، والخوض في تجارب الحياة؛ لتطهر روح الإنسان، وتصبح سامية في طبيعتها الخالصة بتفضيل عمل الخير عن طريق البقاء في نطاق التفكير الفطري، والعقل الخالص، وتلك قضية رومانتيكية عامة يتبلور الموقف حولها في مسرحتي "فاوست".
وعلى بُعد ما بين موضوع مسرحتي فوست السابقتين، وبين مسرحية "شهر زاد" للأستاذ توفيق الحكيم، وعلى بعد ما بين المسرحيتين كذلك في طرق المعالجة وجوهرها، نَرَى القضية نفسها هي محور الموقف العام في المسرحية الأستاذ الحكيم، نراه أول ما نراه قد شبع من الجسد، واشتاق إلى معرفة الحقيقة المجردة بعقله لا بعاطفته، تلك الحقيقة التي يتخذ "قمرزاد" رمزًا لها.
стр. 389
ويظل سائرًا في طريق التجرد من عاطفته، ينشد الهداية في فكره فحسب، مترددًا في طريقه أحيانًا، على الرغم من عزمه على السير فيه، ثم لا يلبث الهدوء الذهني أن ينكشف عن الإخفاق، بعد أن أصم أذنيه عن نداء شهرزاد المتكرر له، بأنّ المرء لا يعيش فكرًا خالصًا، وأن العقل لا يكفي المرء في الحياة، فيفقد في طريق المعرفة التجريدية نفسه؛ لأنه فقد آدميته، ويصبح كالشعرة التي أصابها بياض الشيخوخة، فلم يعد لها علاج سوى الاقتلاع.
وبذلك يكون شهريار قد سار في الطريق المقابل لما سار فيه "فاوست" ولكنهما كليهما أمام موقف، واحد وقضية واحدة، يُبرهن مسلكهما على صحتها، إخفاقًا في حالة شهريار، أو نجاحًا في حالة "فاوست" ونكرر أن بين المسرحيتين بونًا شاسعًا، في أمور كثيرة ليس هنا مجال تفصيلها على الرغم من الصلة الأدبية الواضحة في الموقف العام فيهما.
خلاصة الموضوع عند غنيمي هلال في كتابه (الأدب المقارن)
والآن إذا ما أردنا أن نجمع أطراف الموضوع معتمدين على ما كتبه الدكتور محمد غنيمي هلال في كتابه (الأدب المقارن) فسوف نجد أن الكتاب أو الشعراء في المسرحية أو القصة، إنّما يُصَوّرون عالمًا صغيرًا يقتطعونه من العالم الكبير، وفي هذا العالم الصغير لا يمكن أن يظهر الإنسان معبرًا عن سواه، إذا توفرت له الحياة الغنية، شأنه في ذلك شأن الإنسان في العالم الكبير.
فمثلًا: شخصية "عطيل" في مسرحية "عطيل" لشكسبير لا نفهم من سلوك عطيل وحده ولكن نفهم من خلال "ياجو وديدمونه" ووالدها "برابانتيو" وعلى الرغم من أن عطيل هو محور المسرحية؛ فهو مشترك معه في الموقف الذي يربط بينهما، وكل شخص في المسرحية تسير الشخصيات على حسب طبيعته الدائمة المتشابكة نحو المصير، ولكن في حدود الوظيفة التي تبين عنها صلاتها مع
стр. 390
الشخصيات الأخرى حبًّا أو بغضًا ولاءً أو نفورًا، تعاونًا على البناء أو نزوعًا إلى الفرقة.
وقد أصبح الموقف من الاصطلاحات الفلسفية للعصر الحديث، ومعناه: علاقة الكائن الحي ببيئته وبالآخرين، ولا سَبيل إلى اتخاذ موقف إلا بمشروع يقوم به الفرد، مرتبطًا بما يحيط به من عوامل يتجاوزها مشروعه، إلى غاية له يحاول بها التغيير من حالته الحاضرة.
وهذه العوامل مهما كانت درجة تعويقها، هي التي تحدد مشروعه، وتشف عن حريته، ويجب أن تتحدد هذه الحرية بتلك العوامل؛ فيجب ألا تبلغ هذه الحرية في مشروعها درجة الوهم، وتلك المعاني التي تربط الموقف بمسرحية أو القصية أو الموقف في الحياة، فلكل مسرحية موقف فالبنية الفنية فيها ذات مغذى عام محدد المعالم، والعالم الفني الذي ترتبط به الشخصيات، وتتحدد به معالم الوجوه والناس، والأشياء لدى تلك الشخصيات، وهذا هو الموقف العام، ولا يتحدد هذا الموقف حق التحديد إلا على أساس القوى الوظيفية لكل شخص من الأشخاص في المسرحية.
وهذه القوة الوظيفية المتصارعة، يتمثل فيها موقف كل شخص على حدة، وهذا هو الموقف الخاص؛ فالغلبة الفتاكة في قلب قائد شجاع عقد صلة الحب بينه وبين فتاة أعلى طبقة منه، في حين اشتدت حاجة قومه إليه في الحرب، فكان القائد مسار حسد بمن فسدت أخلاقه من قومها، كل ذلك خلق موقفًا عامًّا جعل الحسد جذوة مُطّربة في خير موقد لها، وهو قلب عطيل؛ فهذا هو الموقف العام.
следующие страницы →