← Адаб

Адаб · id 8949

الأدب المقارن - جامعة المدينة (ماجستير)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (585 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قلناه: أنه يمكن أن تمثل بأكثر من ذلك، وقد يمثل شخص واحد أكثر من قوة منها، وقد يُحذف بعضها فيزيد التصوير الفني روعة وقوة، متى توفر الإحكام الفني في البناء المسرحي أو القصصي. وكُلما تعقدت الشخصيات نفسيًّا -أي بعدت عن السطحية والضحالة- جمعت بين أكثر من قوة منها، فمثلًا: هاملت هو بطل الموقف في مسرحية شكسبير، وهو يُمَثّل القُوة الأولى والثانية والثالثة والخامسة من القوى الدِّرامية، ذلك أنه طالب للغاية، وفي داخله ذاته أكبر عائق يمنعه من الوصول إليها؛ ثم إنّه يَنْشُد هذه الغاية في نفسه فهو يرجوها ويحرص عليها ويخافها ويرغبها، وهو كذلك الحكم فيها في تردد بالغ مداه في العمق، وفي هذا غنيت معانيه النفسية وتعددت ودقت مسالكها. وعلى عكس ذلك إذا تفتت القوى في صورة رموز؛ فإن المسرحية تفقد قوتها الدرامية، لأنّ رَوابطها الحيوية تُصبح أقرب إلى التجريد، فمثلًا في مرحلة ولوع الأستاذ توفيق الحكيم بالمسرح الرمزي كان يقصد إلى تجريد شخصياته، كما يقول هو في مقدمة مسرحية "بيكماليون" عام ألف وتسعمائة واثنين وأربعين. إذ قال: أقيمُ اليوم مسرحي داخل الذهن، وأجعل الممثلين أفكارًا تتحرك في مطلق المعاني مرتدية أثواب الرموز؛ فمثلًا في مسرحية "شهرزاد" يجعل العبد رمزًا لقوة الجسد، والوزير قمر رمزًا للعاطفة، وشهريار رمزًا للفكر الخالص. وعلى الرغم من قوة الحوار الذي ينفرد به الأستاذ توفيق الحكيم، وطرافة المعاني ودقة الاختيار للموضوع والأفكار، وشفافية ذلك كله عن موقف ذهني دقيق في أسلوبه الممتع على الرغم من ذلك كله تفقد المسرحية بنيتها الدرامية، وحركتها الحيوية وقوتها في الإقناع.

стр. 387

ولا نقْصِدُ أنْ نُقَلّل من القيمة الفنية في هذا المنزع الرمزي لمسرحيات الأستاذ الحكيم، فقد أغنا أدبنا الحديث في جوانب الحوار والمعاني ودقة المسلك الذهني؛ لما لا نزال نفتقر لمثله حتى اليوم، ومن حسن الحظ أن الأستاذ توفيق الحكيم قد رجع عن نظريته الرمزية تلك في نقده وإنتاجه الأدبي فيما بعد. وقد تتبع بعض الدارسين حديثًا صور هذه المواقف المسرحية؛ فأوصلها إلى أكثر من مائتي ألف موقف، ويُمكن تتبع نظائرها في القصة، ولا يهمنا هنا الاستقصاء، وهذه المواقف كلها جديدة في جنس المسرحية والقصة في أدبنا الحديث، وهي لذلك تحتاج إلى تقديم جدي في أسسها وفي ما تدل عليه من صنوف التأثير. وكثيرًا ما يكون هناك تأثير وتأثر بين عملين أدبيين من ناحية الموقف، وقد يكون التأثر في نفس الاتجاه، ولكن على الناحية الأخرى قد تبدو الصلة بين الموقفين في التأثر الأدبي في صورة عكسية. ونَضْرِبُ مثلًا لذلك: بالموقف العام في مسرحية "فاوس لـ جوته" ومسرحية شهرزاد للأستاذ توفيق الحكيم؛ فالموقف العام من مسرحية "فاوست" يتمثل في تصوير التردد بين العقل والقلب، ومنذ مطلع المسرحية الأولى من مسرحيته "فاوس" نرى فاوس شقيًّا بعقله لم يستطع أن يتذوق طعم السعادة أو لذة المعرفة فييأس ويهم بالانتحار، ثم يتولد فيه الأمل على رؤية مباهج الربيع، ويخوض في نشدان السعادة عن طريق إغناء مشاعره، والانغماس في تجارب حيوية مختلفة ورحلات متعددة، يُصاحبه فيها روح الشرّ "مفست فوليس".

стр. 388

ويأتي "فاوست" آثامًا يعتريه فيه من الذم، ويكون هذا بمثابة تكفير عن سيئاته وآية عن روح الخير فيه في المسرحية الأولى. فلم يكسب الشيطان الرّهان الذي عقده مع الله على إغواء "فاوس" في المنظر الثاني من المسرحية الأولى، ويظل في هذا النوع من الآثام والسلوك طوال هذه المسرحية الأولى، وهي التي تنتهي بنجاة "مارجريت" منه ومن روح الشّر، بعد أن حاولا معًا إخراجها من السجن؛ ففضلت البقاء في السجن، والبعد عن حبيبها على الخروج مع روح الشر المصاحب لـ"فاوست". وفي المسرحية الثانية التي تسمى "فاوس" الثانية وهي استمرار للأولى، يظل "فاوس" مُنغمسًا في تجارب الحياة التي يغني بها مشاعره، ويهتدي بها إلى أن الحقيقة المجردة فوق قدرة العقل المجرد، ويَتعرف على "هيلين" رمز الجمال الخالص؛ فيهتدي عن طريقها إلى الخير، وهو غَاية ما يستطيع المرء الوصول إليه بعواطفه الإنسانية، وروحه الصافية؛ فقضية فاوست هي إخلاس العقل الخالص، ووجوب إغناء المعاني الإنساني عن طريق المشاعر، والخوض في تجارب الحياة؛ لتطهر روح الإنسان، وتصبح سامية في طبيعتها الخالصة بتفضيل عمل الخير عن طريق البقاء في نطاق التفكير الفطري، والعقل الخالص، وتلك قضية رومانتيكية عامة يتبلور الموقف حولها في مسرحتي "فاوست". وعلى بُعد ما بين موضوع مسرحتي فوست السابقتين، وبين مسرحية "شهر زاد" للأستاذ توفيق الحكيم، وعلى بعد ما بين المسرحيتين كذلك في طرق المعالجة وجوهرها، نَرَى القضية نفسها هي محور الموقف العام في المسرحية الأستاذ الحكيم، نراه أول ما نراه قد شبع من الجسد، واشتاق إلى معرفة الحقيقة المجردة بعقله لا بعاطفته، تلك الحقيقة التي يتخذ "قمرزاد" رمزًا لها.

стр. 389

ويظل سائرًا في طريق التجرد من عاطفته، ينشد الهداية في فكره فحسب، مترددًا في طريقه أحيانًا، على الرغم من عزمه على السير فيه، ثم لا يلبث الهدوء الذهني أن ينكشف عن الإخفاق، بعد أن أصم أذنيه عن نداء شهرزاد المتكرر له، بأنّ المرء لا يعيش فكرًا خالصًا، وأن العقل لا يكفي المرء في الحياة، فيفقد في طريق المعرفة التجريدية نفسه؛ لأنه فقد آدميته، ويصبح كالشعرة التي أصابها بياض الشيخوخة، فلم يعد لها علاج سوى الاقتلاع. وبذلك يكون شهريار قد سار في الطريق المقابل لما سار فيه "فاوست" ولكنهما كليهما أمام موقف، واحد وقضية واحدة، يُبرهن مسلكهما على صحتها، إخفاقًا في حالة شهريار، أو نجاحًا في حالة "فاوست" ونكرر أن بين المسرحيتين بونًا شاسعًا، في أمور كثيرة ليس هنا مجال تفصيلها على الرغم من الصلة الأدبية الواضحة في الموقف العام فيهما. خلاصة الموضوع عند غنيمي هلال في كتابه (الأدب المقارن) والآن إذا ما أردنا أن نجمع أطراف الموضوع معتمدين على ما كتبه الدكتور محمد غنيمي هلال في كتابه (الأدب المقارن) فسوف نجد أن الكتاب أو الشعراء في المسرحية أو القصة، إنّما يُصَوّرون عالمًا صغيرًا يقتطعونه من العالم الكبير، وفي هذا العالم الصغير لا يمكن أن يظهر الإنسان معبرًا عن سواه، إذا توفرت له الحياة الغنية، شأنه في ذلك شأن الإنسان في العالم الكبير. فمثلًا: شخصية "عطيل" في مسرحية "عطيل" لشكسبير لا نفهم من سلوك عطيل وحده ولكن نفهم من خلال "ياجو وديدمونه" ووالدها "برابانتيو" وعلى الرغم من أن عطيل هو محور المسرحية؛ فهو مشترك معه في الموقف الذي يربط بينهما، وكل شخص في المسرحية تسير الشخصيات على حسب طبيعته الدائمة المتشابكة نحو المصير، ولكن في حدود الوظيفة التي تبين عنها صلاتها مع

стр. 390

الشخصيات الأخرى حبًّا أو بغضًا ولاءً أو نفورًا، تعاونًا على البناء أو نزوعًا إلى الفرقة. وقد أصبح الموقف من الاصطلاحات الفلسفية للعصر الحديث، ومعناه: علاقة الكائن الحي ببيئته وبالآخرين، ولا سَبيل إلى اتخاذ موقف إلا بمشروع يقوم به الفرد، مرتبطًا بما يحيط به من عوامل يتجاوزها مشروعه، إلى غاية له يحاول بها التغيير من حالته الحاضرة. وهذه العوامل مهما كانت درجة تعويقها، هي التي تحدد مشروعه، وتشف عن حريته، ويجب أن تتحدد هذه الحرية بتلك العوامل؛ فيجب ألا تبلغ هذه الحرية في مشروعها درجة الوهم، وتلك المعاني التي تربط الموقف بمسرحية أو القصية أو الموقف في الحياة، فلكل مسرحية موقف فالبنية الفنية فيها ذات مغذى عام محدد المعالم، والعالم الفني الذي ترتبط به الشخصيات، وتتحدد به معالم الوجوه والناس، والأشياء لدى تلك الشخصيات، وهذا هو الموقف العام، ولا يتحدد هذا الموقف حق التحديد إلا على أساس القوى الوظيفية لكل شخص من الأشخاص في المسرحية. وهذه القوة الوظيفية المتصارعة، يتمثل فيها موقف كل شخص على حدة، وهذا هو الموقف الخاص؛ فالغلبة الفتاكة في قلب قائد شجاع عقد صلة الحب بينه وبين فتاة أعلى طبقة منه، في حين اشتدت حاجة قومه إليه في الحرب، فكان القائد مسار حسد بمن فسدت أخلاقه من قومها، كل ذلك خلق موقفًا عامًّا جعل الحسد جذوة مُطّربة في خير موقد لها، وهو قلب عطيل؛ فهذا هو الموقف العام.

стр. 391

فموقف المسرحية إذًا يختلف عن موضوعها إذ الموضوع هو المادة التي تتنوع أشكالها على يد الكتاب والشعراء، في حين يكتسب الموقف العام طابعًا محددًا في المسرحية، به تتجاوز مجرد المشابهة السطحية في الموضوع مع مسرحية أخرى، وقد تتشابه المسرحيات في مواقفها العامة؛ فيكون هذا تشابه رباطًا فنيًّا أقوى من مجرد هذا التشابه السطحي في الموضوع، وهذا الرباط الفني المبني على التشابه في المواقف العامة، هو ما ينبغي أن يكون مجال اهتمام الدارسين في الأدب المقارن؛ لأنه المجال الخصب متوالد الصفات الأدبية الفنية بين الآداب المختلفة. فمثلًا نرى في الموشحات عطيل شديد الشبه بمسرحية "فندر راسين" إذ الحُبّ في المَسرحيتين غير متكافئ، وتدفع الغيرة النساء على اغتيال المحبوب خطأً، وإعلام المحب القاتل بخطئه، فيدفعه الندم إلى الانتحار؛ فالشبه في الموقف العام بين المسرحيتين واضح، وهذا الشبه ناشئ عن صلة تاريخية بينهم. والقضية العامة في المسرحية "فاوست" للشاعر الألماني "جوته" هي التردد بين العقل والقلب، ومنذ أول المسرحية نرى "فاوس" شقيًّا بعمله، لم يستطع به أن يذوقَ طعم السعادة أو لذة المعرفة؛ فييأس ويهم بالانتحار، ثم يتولد فيه الأمل في رؤية مباهج الربيع، ويأخذ في نشدان السعادة عن طريق إغناء مشاعره والانغماس في تجارب حيوية مختلفة الأنواع، يصاحبه فيها روح الشر "نفيس توفوليس". وعلى بعد ما بين موضوع المسرحية السابقة، وموضوع مسرحية "شهرزاد" لتوفيق الحكيم، وعلى ما بين المسرحيتين من فروق في طريقة المعالجة وجوهرها؛ نرى القضية نفسها هي محور الموقف العام في مسرحية الأستاذ توفيق الحكيم، الذي يبدأ وقد شبع الجسد ومضى البقاء في حدود العاطفة، واشتاق إلى معرفة الحقيقة

стр. 392

المجردة، تلك الحقيقة التي يتخذ شهرزاد رمزًا لها، ويظل سائرًا في طريق التجرد من ماديته وعواطفه بجهوده الفكرية التي ينوء بها أحيانًا؛ فيتردد في طريقه، ولكنه لا يلبس في عاقبة أمره أن يكشف عن فشل جنوده في محاولة التجرد من جسده وعاطفته. ولا شك أنّ الشّاعر الإنجليزي "بايرونخ" في مسرحيته التي عنوانها "مانفرد" متأثر بمسرحية "فاوست" لـ"جوته" والشبه قوي بين المسرحيتين في الموقف العام، والمنهج الفني، وإن كان هذا الشبه جزئيًّا ومحدودًا، ذلك أن مسرحية "مانفرد" تشبه في موقفها العام مسرحية "فاوست" في جزئها الأول فحسب، وموقف "مانفرد" يُشبه بعض وجوه موقف "فاوست" كما يشبه بعض الوجوه الأخرى موقف "مارجريت" في مسرحية "جوته" السابقة الذكر. وطبيعي أن يتشابه الموقف العام في المسرحيات، وتكون مادة مواضعها متشابهة في وقت معًا، ونضرب مثلًا: مسرحية "أوديب الملك" للشاعر اليوناني "سوفوكليس" وموضوعها: "سلطان القدر الساحق الذي قد يحول انتصارات المرء إلى هزائم، وهزائمه إلى انتصارات، ومادة الموضوع هي الأسطورة اليونانية الشهيرة التي تنبأ فيها الكاهن بأنه سيولد "للايوس" ملك طيبة ولد يقتل أباه ويتزوج أمه؛ فيأمر ذلك الملك راعيًا من الرعاة بأن يأخذ ابنه الوليد، ويلقيه على جبل كي يفترسه وحش. وقد أشفق الراعي على الطفل وأسلمه لراع آخر حمله إلى "يوليبس" ملك مدينة "كورنسا" المحروم من الولد؛ فربّاه وهيأه لولاية عهده، وعندما تنبأت العرافة بأنه سيقتل أباه، ويتزوج أمه يهوله ذلك ويغادر "كورنسا" لئلا يقع في المحظور، ويتجاهل طيبة، وهي وطنه الحقيقي وفي الطريق يلتقي برجل على عربة خلفه

стр. 393

خمسة من أتباعه؛ فيشتبك معهم ويصرعهم، وكان هذا الرجل أباه "لايوس" دون أن يعلم. ويدخل طيبة فيجد أهلها في فزع من وحش له جسد وأسد ووجه امرأة وأجنحة نسر، يلتقي بمن يصادفه، فيضع له لغزًا عن الحيوان الذي يسير في الصباح على أربع، وفي الظهر على اثنتين، وفي المساء على ثلاث، ويقتل من لا يجيبه على ذلك اللغز؛ ويَحُلّ أوديب اللغز بأن ذلك الحيوان هو الإنسان، الذي يحبو طفلًا على رجليه، ويسير على رجليه رجلًا، ويتوكأ على العصا شيخًا؛ فيتقل الوحش نفسه ويستحق أوديب بذلك بأن يصير ملكًا، ويتزوج من "بوكاسا" أرملة والده الذي قتله دون أن يعلم ذلك. ثم تنقم الآلهة على المدينة؛ فتصيبها بوباء وتتنبأ العرافة أبولو بأن الوباء لن ينكشف عن المدينة ما لم يعاقب الأثيم، الذي قتل "لايوس" ويَجتمع الكهان ويطلبون من أوديب أن يبحث عن القاتل، وحين يكتشف أوديب أنه ذلك الأثيم، الذي قتل أباه والمتزوج من أمه، يفقأ عينيه حتى لا يرى أمه وثمرة زواجه منها. وطالما عُولِجَ الموضوع في مسرحيات أوربية منذ الشاعر اليوناني "أسخيدوس" الذي كان أول من عالج الموضوع، ثم توالت المسرحيات في مختلف الآداب الأوربية حتى اليوم. ودِراسة المواقف العامة في المسرحيات والقصة على هذا النحو مجال خصب للمقارنات، والكشف عن أنواع كثيرة من التأثيرات الأدبية التي يستفيد منها ذوي المواهب، والعبقرية المختلف الآداب، وأول من بحث في المواقف الأدبية في المسرح، هو الناقد الشاعر "أوطابي كارلو جوزي".

стр. 394

وقد قلنا: إن مثل هذا التقسيم لا يصلح أساسًا علميًّا لتحديد التأثير الفني في المواقف العامة للمسرحية، والخلط بين الموضوعات والمواقف يؤدي إلى لبث في فهم المواقف، وينتج عن أعطاء فنية كثيرة في تحديد الصلات الأدبية، وكل ما نستطيع أن نحدده من صور الموقف العام بهذا المعنى: أنه يستلزم وجود قوة إنسانية تتجه بجهدها نحو غاية خاصة، وتظل حريصة على الحصول على خير، وعلى تجنب أمر. وإلى جانب هذه القوة الدرامية المتمثلة في شخصية البطل، تقوم أخرى منافسة لها، وتكون بمثابة عائق في سبيل الوصول إلى الغاية المنشودة بالشخصية الأولى، وبها يحتدم الصراع، وتَكسِبُ المسرحية قوتها الحيوية، وبين هاتين القوتين قوة ثالثة، تُمَثّل الخير المطلوب، أو المثال المنشود أو الخطر المرهون. وقد تبدو هذه القوة في صورة شخصية هي المحبوبة مثلًا، وهي بمثابة القطب الذي يتركز حوله الصراع، وهي مركز الإشعاع القيمة أو المثال الذي تبذل التضحيات في سبيله، يضاف إلى ذلك قوة رابعة، وهي القوة التي يُطلب لها الخير المنشود، أو المثال الحقيقي أو الوهمي، وقد تكون هذه القوة ممثلة في صورة شخصية من الشخصيات المُستقلة كما في مسرحية "أندروماكر راسين". وهذه القوة الرابعة قد تظهر في الشخصية الممثلة لها على المسرح، وقد لا تظهر، ولكن ظلالها حاضرة دائمًا على القارئ أو أمام القارئ أو المشاهد، كما في حالة "ستيناكس" في مسرحية "راسين" وكما إذا كان الخيرُ مَنشودًا للوطن مثلًا. والقوة الخامسة الممثلة في الصراع هي: قوة الحُكم أو القوة التي تزن الموقف، وتميل كفته إلى ناحية من النواحي، وقد تتمثل في البطل نفسه، وقد تتمثل في الشخصية الممثلة الخير المنشود، وأخيرًا تأتي القوة العوامل أو المساعدين إلى آخر ما قلناه من قبل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 395

الدرس: ١٦ المواقف الأدبية في مسرحيات "عطيل" و"عدو الشعب" و"فاوس" و"أديب ".

стр. 396

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس عشر (المواقف الأدبية في مسرحيات "عطيل" و"عدو الشعب" و"فاوس" و"أديب") المواقف الأدبية في مسرحيتي "عطيل" و"عدو الشعب " المواقف الأدبية في مسرحيات "عطيل" و"عدو الشعب" و"فاوس"، و"أديب". فـ"أما عُطيل" واسمه في الإنجليزية "أوثلو"؛ فهي مسرحية تراجيدية للكاتب الإنجليزي "ويليام شكسبير" تتكون من خمسة فصول، وتدور أحداثها في "البندقية" و"قبرص" وشخصيات المسرحية هم: عطيل قائد مغربي تابع للبندقية. "ديدمونة"، زوجة "عُطيل"، "ياجو" حامل الراية لعُطيل "كاسيو" مساعد عطيل "إيميليا" زوجة "ياجو". وقد نقلها أولًا الشاعر اللباني مطران خليل مطران إلى العربية عبر الفرنسية، ثم ترجمها مرة أخرى جبرا إبراهيم جبرا عن الإنجليزية مباشرة. وتجري معظم أحداث المأساة في مدينة البندقية، ولكن قسمًا آخر من هذه الأحداث يجري في قبرص، وموضوعها الأساسي هي الغيرة القاتلة، غَيْرَةُ زَوجٍ مَخْدُوع على زوجته البريئة الشريفة، وغيرة صديق من صديقه وكان "ياجو" حامل راية "عطيل" مغربيًّا هو أيضًا، وكان قائدًا عسكريًّا في خدمة البندقية. وكان يُصاحب السيد عطيل المغربي، لا لشيء إلا لكي ينتقم منه وهو من ذوي الوجهين وجه مطيع وآخر يخفي حب الثأر والانتقام، وكان يخاف أن يحصل عطيل على ديدمونة ابنة أحد أعيان البندقية، وقد اعتمد "ياجو" في الوصول إلى غايته الشريرة على الدسيسة، وعلى معرفته العميقة بشخصية ضحيته.

стр. 397

وهو يجسد الشر وإن لم تَظهر عليه علامات الإنسان الشرير، وفضلًا عن ذلك؛ فإن الخوف والارتباك لا يَعْرِفَان لقلبه طريقًا، كما كان ذو إرادة صلبة قوية، وأنانيًّا إلى أبعد الحدود، ولا يُؤمن بوجود الحب والضمير والشرف، بل إنّ من يؤمن بهذه المفاهيم هو في رأيه ساذج أبله كذلك يتميز بأنه يتلذذ بتعذيب ضحيته، في الوقت الذي نراه شديد الحساسية لأي شيء يمس كبرياءه؛ لأنه يعي تفوقه على الآخرين. إنه يكره "عطيلًا" لأنه جعل "كاسيو" ملازمه ويكره أيضًا "كاسيو" لأن عطيلًا فضله عليه، ويَرغَبُ في الحصول على منصب يليق بإمكاناته الكبيرة، فيتعاون مع "مدريجو" وهو وجيه من وجهاء البندقية، إلا أن "برباندتبو" يرفض أن يكون زوجًا لابنته "ديدمونة" فيبلغ "ياجو" و"رديريجو" والد "ديدمونة" أن "عطيلًا" يلتقي بها. ورغم ذلك يتزوج عطيل وهو سعيد ببيت من بيوت المالكة من "ديدمونة" التي كان يحبها وتحبه، وعندها يبدأ "ياجو" محاولته تخريب بيت "عطيل" إذ يحاول إقناعه بخيانة زوجته "ديدمونة" التي كانت تُرافق زوجها في قبرص حيث جرت معارك انتصر فيها "عطيل" على أعدائه، وأغرق سفنهم، فيذكره "ياجو" بما فعلته "ديدمونة" حين هربت معه وتزوجته رغم أنف أبيها، مؤكدًا له أن لديها الاستعداد لخداعه هو أيضًا. وهذا نص كلامي "تزوجتك دون أن تحصل على موافقته، وقد تهشك". ثم لا يكتفي بهذا، بل يبحث عن وسيلة يحاول عن طريقها تخريب بيت عطيل بيد عطيل نفسه، ولأنه لا يستطيع تنفيذ المؤامرة بمفرده، يطلب من زوجته "إيميليا" مساعدته دون أن يشرح لها أنه يَحِيكُ خيوطَ مُؤامرة، إذ يُكَلّفه بسرقة

стр. 398

منديل ديدمونة دون أن يشرح لها الأسباب، فتقول إيميليا: هذا المِنْديل هو أول تذكار أهداه المغربي إليها، وزوج الغريب الأطوار قد لاطفني، وسألني أن أسرقه له. غير أنها تحب هذه الهدية حبًّا جمًّا؛ لأنّ عُطيلًا أوصاها ملحًا بالاحتفاظ بها أبدًا، ولهذا هي تحملها بلا انقطاع، وتُقَبلها وتخاطبها، ومع هذا تسرق المنديل، وتُعطيه لزوجها "ياجو" الذي يَرميه في غرفة "كاسيو" ثم يقول عطيل: لقد كنت منذ عدة ليال نائمًا مع "كاسيو" حين سمعته يقول وهو مستغرق في أحلامه: "حبيبتي "ديدمونة" لنكن حذرين ولنخفي حبنا، وحينئذ يا سيدي أمسك بيدي يشدها، ويصيح يا لك من حسناء شهية، ثم طفق يلثمني بقوة، ثم ألقى بساقه على فخذي، وتنهد وعانقني وصاح لعن الله الحظ الذي وهبك للمغربي. ويقول عطيل: إنه رأى منديلها بيد "كاسيو" ويقول "ياجو" أيضًا لعطيل: إن "كاسيو" قد اعترف له بفعلته، وعده أنْ يُسمِعه وهو مختبئ حديثًا بينها وبين "كاسيو" ووافق عطيل وسمع الحديث، وكان في الواقع حول خليلة "كاسيو" لا حول "ديدمونة" إلا أن عطيلًا ظن أن الحديث يدور حول زوجته، فاعتقد أنها تخونه فعلًا، وكان "ياجو" يأخذ من "رودريجو" مجوهرات بحجة أنه يعطيها لـ"ديدمونة" ولكنه لم يكن يوصلها إليها. ومن ثم أراد التخلص من "رودريجو" لكي لا يطالبه بالمجوهرات، كما كان أيضًا يريد التخلص من "كاسيو" الذي كان عطيلًا قد عينه قائلًا حربيًّا تحت إمرته بدلًا منه، فقال "رودريجو": إن وفدًا جاء من البندقية يريد تعيين "كاسيو" مكان "عطيل" فالأفضل التخلص من "كاسيو" الذي سيكون في منتصف الليل عند خليلته، ويتضاربان في الظلام، ويكسر "ياجو" ساق "كاسيو". ثم بعد ذلك يعود في الظلام، ويضرب "رودريجو" ويقتله.

стр. 399

ويخنق عُطيل ديدمونة بتهمة الخيانة مع "كاسيو" ولكن "إيميليا" زوجة "ياجو" تكشف الحقيقة لعطيل موضحة له أنها هي التي أخذت المنديل وأعطته لزوجها دون أن تعلم أنه يبيت أمرًا خبيثًا؛ فيطعن عطيل نفسه حزنًا على "ديدمونة" بعد أن طعن ياجو وجرحه ولم يكن الجرح قاتلًا. ويصف عطيل نفسه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة بأنه رجل لم يعقل في حبه، بل أسرف فيه، رجل رمى بيده كهندي غبي جاهل لؤلؤة أثمن من قومه جميعًا، رجل إذا انفعل ذرفت عينه دموعًا غذيرة، كما تدر أشجار العرب صمغها الشافي. ولعل هذه الأوصاف التي وصف بها نفسه أصدق من كل تحليل لشخصيته. أما "كاسيو" الذي تَسَلّم زِمَام الأمور بعد "عطيل" فكان شابًّا طيبًا يحب عطيلًا ويخلص له، وأما إيميليا زوجة "ياجو" فهي تشبه "كاسيو" في طيبته كما كانت تحب "ديدمونة" وإن كانت دون أن تدري قد شاركت في المؤامرة التي حاكها زوجها الشرير، وكانت ديدمونة شريفة مخلصة لزوجها صادقة لا تعرف الخداع. وبالتالي فالصراع في هذه المأساة هو بين "ياجو" الشرير الخالص الشر، وبين عطيل وزجته "ديدمونة" اللذين لا يعرفان الشر فوقعا ضحية طيبتهما، وقد انتحر عطيل بعد أن خنق زوجته، وجرح "ياجو" جرحًا غير قاتل. وفي تفسير الموقف الذي تصوره المَسرحِيّة هُناك من يتساءل قائلًا: هل فعلًا مسرحية بنهاتيا هذه أن الشر باق، وأن الخير سريع الزوال؟ لكن بعضهم كتبوا عن هذا العمل يرون أن هناك أملًا في أن يحاكم "ياجو" على فعلته القذرة، إلا أن السؤال هو: كيف؟ ومتى؟ ترى هل تركت لنا المسرحية شيئًا نعتمد عليه في ذلك الأمل؟!.

стр. 400

وهناك تفسير آخر في الموقف الذي تصوره المسرحية إذ يرى خليل مطران: أن "شكسبير" قد كتبها لإظهار الغيرة وتأثيرها في الرجل بأقوى وأصدق ما دل عليه الاختبار من أمرها، ولذلك اختار عاشقًا إفريقيًّا بدوي الفطرة؛ ليكون وثاب الشعور عنيفًا، وجعله عسكري المهنة؛ ليكون سريع التصديق والانخداع، واختاره كهلًا ليكون أشد في العشق كما هي شيمة أمثاله ممن يسطو عليه الحب على انقضاء الشباب، وليكون أيضًا في حالة يتهم نفسه بفقدان أكثر الخصال التي يقتضيها الغرام، ولا سيما وهو أسود البشرة من رجال الحرب. على حين أن "ديدمونة" امرأة بيضاء منعمة من قوم فسدت الأخلاق مترفين. ثم يمضي مطران قائلًا: إنّ الشاعر الإنجليزي قد أراد أن يثبت أن العِفّة لا تنتفي من مدينة ما مهما فسقت، بل قد تزداد تمكنًا من نفس المرأة المتحصنة بمقدار ما تندر العفة بين جيرتها، وفي عشيرتها. كما أراد أن يُبَيّن إلى أي مدى يمكن أن يَصِل احتيال نفس رجل ذكي طماع، أصم الضمير، مستبيح كل محرم مستهين كل منكر في سبيل غايته مثل "ياجو". وفي النسخة الإنجليزية الموسوعة "الويكيبديا" يُرْجِعُ كاتب مادة "شكسيبير" ما صنعه "ياجو" إلى كراهيته للنساء، وعدم اطمئنانه إليهن، فضلًا عن أن "ياجو" كان فيما يبدو غير مطمئن إلى قوته الذكورية، كذلك يرى الكاتب أن هذه المسرحية الشكسبيرية مثال لمسرحية التراجيدية الكلاسيكية، التي يرجع مع ما تحتوي عليه من مأساة إلى عيب قاتل موجود في البطل، وهو في حالتنا هذه الغرام الشديد المخلص غير الحكيم من جانب عطيل لديدمونة. كما نقرأ في مقال لعطيل في النسخة الفرنسية "لإنكارتا" طبعة سنة ألفين وتسع أنّ ذلك القائد الإفريقي لم يكن ضحية لتآمر "ياجو" فحسب، بل كان ضحية

стр. 401

أيضًا لطبعه الإفريقي الحامي، إذ ترك العاطفة تتحكم في سلوكه؛ يَقْصِدُ عاطفة الغيرة العنيفة العمياء فيما هو واضح. وهكذا تتعدد التفسيرات التي يريد أصحابها كشف اللثام عن الموقف المسرحي في ذلك العمل، ومعروف أن "فيردي" الموسيقي الإيطالي الشهير قد استوحى في المسرحية في إبداع أوبرالي يحمل نفس الاسم، وأن "أورسل ولز" قد صنع منها فيلمًا أبيض وأسود. المثال الثاني للمواقف التي سندرسها هـ و: مسرحية "هنريك أبسن" النرويجي المسماة "عدو الشعب". وعدو الشعب هو في الأساس لقب تستخدمه بعض الأنظمة الاستبدادية لوصف المعارضين السياسيين، أو المشتبه بهم، وقد يُطلق أحيانًا على بعض الحلفاء السابقين لتلك الأنظمة، التي تُريد القول بأنّ أولئك الأشخاص هم أعداء يتآمرون ضد المجتمع والشعب، وهذا اللقب يعود على الأقل إلى عصر الإمبراطورية الرومانية. أما في العصر الحديث فأشهر من استعمله هم الشيوعيون بدءًا من عند "استالين" الذي كان هو والزُّمرة الحَاكِمَة من حوله يزعمون أنهم هم وحدهم الممثلون الحقيقيون للشعب، إذ كانوا يضيقون بأي لون من الجدل الفكري أو العقدي، وتصل الأمور على أيديهم إلى حد التصفية الجسدية ضد المعارضين، مستندين إلى هذه الحجة الإجرامية. وقد كتب "هنريك إبسن" بلغته القومية مسرحية مشهورة بعنوان "عدو الشعب" عام ألف وثمانمائة واثنين وثمانين، وتمت ترجمة المسرحية للعربية عبر الإنجليزية على يد كمال المصري، عام ألف وثمانمائة، كما استلهمت شعب في سوريا اسمه

стр. 402

"عدو الشعب ليس إلا" وأُخرجت فيلمًا في الولايات المتحدة عام ألف وثمانمائة وثمانية وسبعين، وكذلك الهند بعد ذلك بأحد عشر عامًا. وفي المسرحية النرويجية يكشف بطلها الدكتور "ستوكمان" المشرف الطبي على حمامات البلدية الصحية التي يفد الناس إليها من كل صوب وحدب، للاستشفاء وتكسب المدينة من ورائها الكثير، أنّ هذه الحمامات قد تلوثت، ولم تَعُد تَصْلُح للاستعمال؛ فيُحَذّره أخوه رئيس البلدية من إذاعة الخبر على الناس، مفضلًا أن تعالج المشكلة في السر، لكن الدكتور "استوكمان" يُصِرّ على نشر اكتشافه، وإشاعة الخبر في المجتمع قائلًا: إن هؤلاء الذين يريدون أن يعيش المجتمع في أكذوبة، يجب سحقهم كما تسحق الحشرات. وعندئذ يؤلب رجال البلدية الناس عليه؛ فيرمونه بالحجارة ويصفونه بأنه عدو الشعب، فيردُّ قائلًا في غير مبالاة: إنّ أقوى رجل في العالم هو ذلك الذي يقف وحيدًا. وهكذا تحولت المواجهة بينه وبين الشعب، بدلًا من أجل تكون لأجل الشعب، وذَلك بسبب الطريقة التي انتهجها في معالجة المسألة، إذ ظنّ أن مواجهة الجموع بالحقيقة وتحدي من بيدهم زمام الأمور بدون مبالاة بالعواقب اعتمادًا على أنّ الحَقّ مَعَه، وأنّ حُجّته من الوضوح بمكان، وأنّ الحَقّ بِطَبيعته منتصرٌ لا محالة. وأن الناس تفكر بعقلها، وعلى استعداد للمناظرة في سبيل الدفاع عن حقوقها، وعمن ينصر تلك الحقوق أن تلك المواجهة رغم كل الظروف هي السبيل إلى إقناعهم وكسب قولبهم، وكسبهم إلى جانبه، واتخاذهم أعوانًا ضد قوى الشر والفساد، ناسيًا أن هناك من يستطيع الضحك على عقول هذه الجموع، وبث الأكاذيب وإقناعهم بها.

стр. 403

وأنّ الجماهير من السهل قلبها عليها في لحظات، وبث كراهيته في صدورها، وإيهامها أنهم حين ينقلبون عليه، إنّما يناضلون من أجل الحقيقة والمصلحة العامة. وبشيءٍ من التفصيل نقول: تَروي المَسْرَحِيّة قصة طبيب يعيش في إحدى القرى التي يقصدها السياح للاستحمام في حماماتها العامة، وذات يوم يكتشف ذلك الطبيب أنّ الماء الذي يستحمون به ملوث، ويصيبُ من يستعمله بأمراض خطيرة؛ فيثِيرُ القضية في القرية رأفة بالناس، دون أن يدري أنه سيدخل في صراع مرير مع أصحاب المصالح من تجار وصحفيين ومنتفعين، أولئك المتحكمين بالأمور، الذين يجنون أرباحًا طائلة من التجارة بتلك المياه، فيشنون حملة مضادة ضد الدكتور "ستوكمان" مُتّهمين إياه أنه عدو الشعب. وبفضل مكرهم ودهائهم وسطوهم يستطيعون تقليب السكان ضد الطبيب المسكين، ويَدْفَعُونه إلى الرحيل، بالرغم أنه صديق الشعب الحقيقي، على حين هم أصدقاؤه المزيفون، بل قل إنهم أعداءه الذين يجيبون في حقه، والسبب! السبب هو كما قلنا: أنّ الجموع ليس عندها وقت تنفقه في التثبت بما تسمع، بل تحركه عقلية القطيع، ومن السهل خداعه بالكلام المنمق والدعاية المزوقة، فضلًا عن أن مثل ذلك الطبيب هو شخص فرد في مواجهة عصابة كاملة، ونحن نعرف أن الكثرة تغلب الشجاعة. ويمكن القول إنّ الدكتور "ستوكمان" في هذا المثال أشبه بشخص يحمل مكبر صوت واحدًا مُتهالكًا مُحاولًا بث الحقائق التي تحت يده، في حارة منعزلة ضيقة، لا يَقْطُنها إلا بضعة أفراد لا حول لهم ولا طول. فيما الجهة المضادة للدكتور "ستوكمان" أشبه بقوافل تحمل ألوف المكبرات الصوتية الحديثة القوية ذات المدى البعيد، والمنتشرة في شتى بقاع المدينة، ولا شك أن حملة المكبرات الصوتية الكثيرة المتطورة سيكونون هم أصحاب التأثير

стр. 404

الواسع، لكنهم ليسوا بالضرورة صادقين، فحامل المكبر الوحيد المتهالك قد يكون أكثر صدقًا، والعبرة ليست أبدًا في كثرة الأصوات والضجيج الإعلامي المتقن، كما قال فيصل القاسم في مقال له على المشباك. وكان "جوبلز" وزير الدعاية في ألمانيا النازية يردد الشعار التالي: "اكذبوا ثم اكذبوا، حتى تُصَدّقوا أنفسكم، أو حتى يعلق شيء في أذهان الجماهير". ومن قبل قال أحمد شوقي في مسرحيته "مصرع كليوباترا" عن الشعب وسهولة انقياده إلى الدعايات الكاذبة، وعدم قدرته من التثبت من أي شيء باستعمال العقل، وتَمحيص الأمور تمحيصًا علميًّا، بل عدم رغبته في ذلك: "يا له من ببغباء عقله في أذنيه". وكان هتلر يرصد مبالغ طائلة للإنفاق على الإعلام، ويقول ما معناه: إنه لو كان لديه مائة دولار لصرف جملها على الدعاية، وأبقى القليل منها للأمور الأخرى. فمن مسرحية "إبسن" "عدو الشعب" ومن الموقف التي اتخذه بطلها وظن أنه هو الموقف السليم الذي يوصل إلى النتيجة المبتغاه اعتمادًا على ما في ذلك الموقف من نية طيبة وغاية نبيلة خيرة، وعلى أن الجماهير لديها من العقل والحصافة ما تستطيع به أنْ تُميز الطيب من الخبيث، والخَير من الشر، والحقيقة من الوهم. من هذا كله يمكننا أن نتنبه إلى أن الحياة ليست بهذه البساطة، وأنّ الانتصار في معركة الخير والشر لا تستند فقط إلى ما لدينا من نية نبيلة خيرة، من قياس القوة التي في أيدينا إلى تلك التي في أيدي خصومنا ودراسة الموقف جيدًا لتحديد الزمان، والمكان، والظروف التي نقرر فيها خوض المعركة، وإلا كانت العاقبة وبيلة على أهل الخير الذين يعملون للصالح العام، وأنه لا يكفي أن يحب الواحد منها الجماهير، ويعمل لمصلحتها، ويتفانى في الدفاع عن حقوقها، حتى تحبه الجماهير فهذان شيئان منفصلان؛ بل قد تكون العاقبة وخيمة كما رأينا.

стр. 405

المواقف الأدبية في مسرحيتي "فوست" و"أوديب " وننتقل الآن إلى المثال الثالث من مواقف المسرحية: وهو "فوست" وقبل أن نتحدث عن مسرحية "جوتا" التي تدور حول فاوست لا نعرف طبيعة الموقف الذي على عرضته، نَوَدُّ أن نُعَرّف أولًا بتلك الشخصية: كتب مُحرر مادة "فوست" في الموسوعة العربية العالمية: أن "فاوست" الذي يُسمى أيضًا: "فوستس" كان منجمًا وساحرًا ألمانيًّا، ثم أصبح فيما بعد شخصية مهمة في الأساطير والأدب، ومع هذا فلا يعرف إلا القليل عن تاريخ فاسوت، ولكن من المحتمل أن يكون قد عاش بين عامي ألف وأربعمائة وثمانين، وألف وخمسمائة وأربعين، وقد عده الألمان حينئذ شخصًا مخادعًا يمارس الإجرام. وكان الراهب "مارسل لوثر" مؤسس "البروتسطانتية" يعتقد أن "فاوست" كان تتلبسه قوى شيطانية. وفي عام ألف وخمسمائة وسبعة وثمانين، ظهر سيرة أسطورة غير دقيقة تسمى تاريخ "جوهان فاوس" أو كتاب "فاوس" استعرض فيها المؤلف المشهور كثيرًا من الأساطير المثيرة عن السحرة، وفي هذا الكتاب يبيع فاوست روحه للشيطان "مفيس توفوليس" لقاء أربعة وعشرين عامًا يحقق فيها الشيطان كل رغباته. وكان "فاوس" في القصة يطوف أرجاء أوربا في ذلك الوقت، يمارس السحر، وفي النهاية يذهب إلى جهنم، ويتمالكه الرعب بسبب اللعنة التي حلت به. وقد ترجم ذلك الكتاب إلى عدد كبير من اللغات. على أن أول مُعالجة في كتاب "فاوس" كانت "تاريخ دكتور فاوس" المأساوي وهي مأساة شعرية ألفها الكاتب المسرحي الإنجليزي "كرستوفر مارلو" نحو عام ألف

стр. 406

وخمسمائة وثمانية وثمانين، وفي هذه المسرحية نجدُ فاوست عالمًا يتشوق إلى أن يعرف كل شيء في حياة البشر، ثُمّ يُحَاول في النهاية أن يتوب؛ لكنّه لا يستطيع. وقد ظَهَر كثير من المسرحيات عن "فاوس" كما ظهر كثير من العروض في مسرح العرائس عنه أيضًا خلال القرنين السابع والثامن عشر باللغة الألمانية، وتأثرت هذه الأعمال بمسرحية "مارلو" إلا أنها كانت عارية من الجمال الفني، كما كانت هزيلة المبنى خالية من القيمة الأدبية. وكانت الدراما الشعرية للكاتب الألماني "جوته" أفضل صياغة أدبية لقصة "فاوس" وقد نُشِرَ هذا العملُ في الجزأين عام ألف وثمانمائة وثمانية، وألف وثمانمائة واثنين وثلاثين، حيثُ بدل "جوته" القصة تمامًا، ففي الصيغة "جوته" يتم إنقاذ "فاوس" بِوَاسِطَة الإله، وهناك صيغات لاحقة بقصة "فاوس" تأثرت كلها بتفسير "جوته" باستثناء أن "فاوس" في كل الصيغات اللاحقة لصيغة "جوته" يذهب للجحيم. وتعد "دورو سيسيبرز عد جورو سييرز" من انجلترا و"توماس مان" من ألمانيا و"بولفان ري" من فرنسا من بين الكتاب الذين عدلوا أسطورة "فاوس" في أعمالهم خلال القرن العشرين للميلادي. وفي العدد "١٣١" من مجلة المعرفة الأرشيفية الضوئية، وتحت عنوان "جوته" ومسرحية "فاوست". الشيطان الأدبي في الأدب الألماني، يذكر أسامة أمين أن " youhan volvgan vol gota " قد شرع في كتابة "فاوس" وهو في الرابعة والعشرين من عمره وانتهى منها في الثانية والثمانين، وأنه قد وضع في عمله هذا عصارة فكره، وهو الفيلسوف ورجل الدولة وعالم الفيزياء، وجعل العمل يدور حول الشيطان والإنس، وهل الشيطان قادر على أن يجذب السعادة

стр. 407

للإنسان المتعطش إلى معرفة الحرية وعلى أن يخلط الحق والباطل في قلب هذا الإنسان؟. ثم يُضيف الكاتب قائلًا: إن "جوته" المولود في عام ألف وسبعمائة وتسعة وأربعين، والمتوفى عام ألف وثمانمائة واثنين وثلاثين، هو صاحب "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي" الذي يَحتوي على الكثير من المفاهيم الإسلامية، والاقتباسات من القرآن الكريم، وإنه صاحب قصيدة المحمدية، وهو الذي قال: "إننا أهلَ أوربا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، ولم يتقدم عليه أحد، ولقد بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان فوجدته في النبي محمد، وهكذا وجب أن يظهر حق ويعلو كما نجح محمد الذي أخضع العالم كله بكلمة التوحيد". وهو ما جعل بعض الدارسين يقولون: إن "جوته" مات مسلمًا، بيد أن ذلك غير مثبت في أي سيرة لحياته، ومِمّا قاله أسامة أمين: إن لـ"جوته" فلسفة الخاصة في علاقته بالأديان، إذ كان يقتبس منها ما يتفق ونظرته للحياة، ولذلك فإنّ مَسرحية "فاوس" التي يعدها البعض أرفع الأعمال الأدبية مكانة في اللغة الألمانية ليست انعكاسًا لمفاهيم دينية سائدة في عصره، رغم أنها تعالج قضية دينية بحتة، متعلقة بالإله والشيطان والإنسان، ورغم أنه جعل الغلبة للإيمان بل كان إنسانًا فحسب. كما أمر بالكتابة على شاهد قبره: "لقد كنت بحق إنسانًا" وهو الذي قال في "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي": لأنني كنت إنسانًا فهذا يعني أنني كنت من المجاهدين. وتبدأ مسرحية "فاوس" بحوار في السماء؛ حيث يُمَجّد الملائكة الله لقدرته على القيام بما لا يقدر عليه سواه، وأنه زرع الخير في الإنسان، إلا أن الشيطان

стр. 408

"مافيستو" الذي كان موجودًا بين الملائكة يُخالفهم في الرأي، ويشير إلى الشكوى المستمرة من البشر، فيتدخل الرب متحدثًا عن الدكتور "فاوس" الذي يُسميه عبدي، فيقول الشيطان: إنه قادر على أن يصرف "فاوس" عن عبادة الله فيقول الله لإبليس: إنه سيتيح له الفرصة لمحاولة إغراء "فاوس" ويعترف الشيطان عندئذ والألم يعتصره بأنّ الإنسان الصالح يَبْقَى مُدركًا للحلال والحرام، حتى عندما يرتكب أكبر الكبائر. ويترك الرب للشيطان أن يحاول غواية "فاوست" ويقول "جوته": إن الله لا يكره إبليس ولا بقية الشياطين، فهو يعلم أن الإنسان يحتاج إلى بعض المحفزات والاختبارات، حتى يثبت صدق إيمانه. ويرى النقاد أن "جوته" قد تأثر في هذه المُقَدّمة بما ورد في عهد القديم، وعلى وجه التحديد كتاب أيوب الإصحاح الثاني إذ نقرأ فيه النص التالي: "فقال الرّب للشيطان هل جعلت قلبك على عبدي أيوب؟ لأنه ليس مثله في الأرض رجل كامل ومستقيم، يتقي الله ويحيد عن الشر. إلا أن لأسامه أمين رأيًا آخر إذ يؤكد أن معرفة "جوته" المؤكدة بالقرآن تجعل تأثره بالآيات القرآنية التالية من سورة الإسراء غير مستبعد ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلًا * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (الإسراء: ٦١ - ٦٥).

стр. 409

والواقعُ أنّ في المَسرحية أشياءَ يغْلبُ على الظن أن تكون مستقاة من القرآن، على أن يتبين أن اتصال "جوته" بالقرآن والإسلام قد تم من ذلك الوقت على الأقل، بيد أن هذا لا يعني أن المسرحية لم تتأثر بالكتاب المقدس والنصرانية، إذ إن تأثيراتهما فيها واضحة قوية. ثم يرى المشاهد "فاوس" وهو في غرفة الدراسة في الليل البهيج يتساءل عن جدوى الحياة، ما دامت العلوم التقليدية من فلسفة وحقوق وطب ولاهوت لم تعد قادرة على أن تقدم له شيئًا، ولم يعد يجد في غير السحر ما يجعله قادرًا على الولوج إلى أسرار الكون، ثم يستدعي بالسحر عفريتًا قسمًا؛ ولكنه لا يشفي غليله، فيفكر في التخلص من كل ذلك الهم ووضع السم في الفنجان لينتحر؛ إلا أنه يسمع أجراس الكنائس تدق، وترتيل الأغاني التي تتحدث عن قيام السيد المسيح، فيرجع عن محاولة الانتحار، ويخرج إلى الطبيب حيث يحييه كل من يلقاه باحترام وإجلال لأنه في شابه استطاع أن يتوصل إلى علاج لوباء الطاعون، الذي كاد أن يقضي على المدينة بأكملها. ثم يرى "فاوس" الشمس وهي تغرب؛ فيعود من جديد للشوق إلى ما وراء الطبيعة، ويقول لنفسه: إن هناك روحين في صدره، كل منها تريد الانفصال عن الأخرى، وفي طريق العودة إلى غرفته يتبعه كلب أسود مثير للريبة، وفي الغُرفة يسعى "فاوست" لترجمة بداية إنجيل يوحنا إلى اللغة الألمانية التي يذوب عشقًا فيها، ولكنه يتوقف عند الكلمة اليونانية "لوجست" التي تعني الكلمة، ولكنه لا يجدها مناسبة فيستبدلها بكلمة الفعل. وبذلك يترجم بداية الإنجيل: "الباعث في البدء كان الفعل" بدلًا من الترجمة المعتادة: "في البدء كان الكلمة".

стр. 410

ثم يلاحظ أن الكلب الذي دخل وراءه الغرفة بدأ يعبث بمحتوياتها، ثُمّ يعترف هذا الكلب "لفاوس" بحقيقة رؤيته وأنه شيطان، فيشكو له فاوست من الهم الذي يتملكه من جراء وجوه في هذا الكون، ويتوصل الشيطان إلى اتفاق مع "فاوست" وقعه الأخير بنقطة من دمه، وينص على أن يكون الشيطان في خدمته، يحقق له كل رغباته ويمنحه قوة خارقة، على أن تُصبح روح فاوست لحظة وفاته ملكًا للشيطان، وعلى أن يخدمه "فاوست" في الآخرة كما خدمه الشيطان في الدنيا، بشرط أن يصل "فاوست" إلى اللحظة التي يشعر فيها بروعة لا حد لها، ويتمنى أن تتوقف عقارب الساعة حتى لا تنتهي المتعة بهذه اللحظة، وفي المقابل تصبح روحه ملكًا للشيطان. فتبدأ رحلة الاثنين في حانة في مدينة "لاي بذك" ليستمتع "فاوست" باحتساء الخمر، ثُم يتوجهان إلى مطبخ الساحرات، حيث يشاهد "فاوست" في مرآة صورة لامرأة يقع عشقها في قلبه فورًا، وحتى يثير هو أيضًا إعجابها، تعطيه الساحرة شرابًا سحريًّا يجعل منه -وهو الكهل الطاعن في السن- فتىً في ريعان الشباب، لا تستطيع أي حسناء أن تقاومه. ولكن الفتاة التي رآها في المرأة تختفي عن ناظريه، فيجلس على قارعة الطريق وعندها يشاهد فتاة أخرى اسمها "جريتشن" عائدة من الكنيسة بعد أن أدت فريضة الاعتراف بما اقترفته من ذنوب للكاهن؛ لأنّه لا يمكن مغرفة الذنوب دون الاعتراف، فأراد أن تكون من نصيبه، فعرض عليها باندفاع كبير أن تبادله مشاعره، ولكنها تأبى فيطلب "فاوست" من الشيطان أن يجمعه بها، ولكن الشيطان يتحجج بطهرها وعفافها؛ فيهدده "فاوست" بفسخ العقد بينهما، فيعمل الشيطان على إيقاعهم في حبائله، حتى يرضي "فاوست" فيقدم لها صندوقًا من التحف والحلي أخذ بلبها لما رأته.

стр. 411

ولكن أمّها اشتمت فيه رائحة الحرام، فسعى للقسيس لأخذ رأيه، فصادره لحساب الكنيسة، قائلًا: "إن الكنيسة هي التي تستطيع أن تهضم المال الحرام". ولما عجز الشيطان عن التأثير على "جريتنش" مباشرة لجأ إلى جارتها القوادة الشريرة، التي تقوم بمهمة الجمع بين "فاوست" و"جريتشن". وتعترف الفتاة العذراء البرئية لأول مرة بالحب لـ"فاوست"، ولكنها ترى الشيطان وتعرف أنه يحيك الدسائس بينها وبين حبيبها "فاوست" الذي لا تعرفه مدى التزامه بالدين، حتى بعد أن قال لها في حماس: إنه عميق الإيمان بدينه. ويغويها الشيطان لتعطي لأمها شرابًا منومًا، فتغط في ثبات عميق ثم يدخل "فاوست" إلى مخدعها، وتقع في المحظور. وهنا يريد أخوها "فلنتاين" أن يثأر لها، فيأمر "فاوست" بأن ينازله بسيفه؛ فيتدخل الشيطان ويشل يد أخيها، فيقتله "فاوست" وتتحول حياة "جريتشن" إلى جحيم، إذ تموت أمها من جرعة المنوم التي أعطاها الشيطان إياها، ويموتُ أخوها على يد "فاوست" وتحمل "جريتشن" سفاحًا، ومن ثم ما كادت تلد حتى أغرقت المولود خشية الفضيحة. وتُسلم نفسها للمحكمة، وينتهي بها المآل إلى السجن؛ حيث تفقد عقلها هناك. ولم تفلح محاولات الشيطان لإلهاء "فاوست" عما حصل لـ"جريتشين" فيرى فاوست كيفَ تَجمّعت آلام البشرية كلها في شخص هذه الفتاة التي كانت بديعة قبل أن يعرفها، ويضيقُ ما يحدثُ الإنسان الذي ينقاد إلى الشيطان، ويَعجزُ "فاوست" عن إخراجها من السجن، ولكنّها عندما رأت الشيطان أدركت أنه وراء كل هذه التعاسة، فمدت أيديها متضرعة لله حتى يغفر لها ذنوبها.

стр. 412

وفي مشهد مؤثر للغاية يقول الشيطان: إنها قد انتهت وضاعت إلى الأبد، فيأتي صوت من السماء يقول: بل إن ذنوبها قد غُفرت، وبهذا يكون الشيطان قد خسر هذه المعركة، برغم كل ما فعلته الفتاة؛ لأنها بقيت مع كل ما اقترفته من آثام مدركة للصواب والخطأ، ولم تتردد في طلب الرحمة من ربها، الذي بقي ملاذها وحيدًا فغفر لها. وفي الجزء الثاني من المسرحية نرى "فاوس" مع خادمه الشيطان في بلاط القيصر، حيث ينجح في حل الضائقة المالية للبلاد، ويشاركهم "فاوست" في الاحتفال بالأعياد، ويستحضر "فاوست" روح الفتاة البديعة التي رأها في المرآة في الجزء الأول. وتقبل أن ترافقه إلى قصره بعد أن أصبح أميرًا للبلاد، ويرزقان بمولود بديع اسمه "أري فوريون" أراد أن يساعد والديه بعد أن اشتد عوده؛ فدخل الحرب معهما وتخيل أنه يستطيع الطيران، فقفز من فوق الجبل فوقع على الأرض ومات، وبموته تختفي الأم أيضًا، بما يوضح أن هذه المرأة وهذه الزيجة كانتا كلاهما وهمًا؛ فأراد "فاوست" أن يقوم بعمل حقيقي ينجزه بكده وتعبه دون مساعدة من الشيطان؛ فيسعى لإيجاد أماكن للسكن الكثير من البشر، عن طريق تجفيف مياه البحر، وكسب أراض جديدة. وفي النهاية يقول: إنّه لو استطاع أن يوفر لكل هؤلاء الناس السكن في الأرض الواقعة عند الهضبة وبين البحر، لأمكنه أن يقول ساعتئذ: أيتها اللحظة، ما أبدعك ليتك تبقين ولا تمضين، ويتحقق الكثير من أحلامه، ويموتُ في تلك اللحظة، ويبدو كما لو كان الشيطان هو الذي ربح الرهان، وأصبحت روح "فاوست" ملكًا له! ولكن تنزل ملائكة من السماء وتحيط بـ"فاوست" لتحمل

стр. 413

أغلى ما فيه وهي روحه، ويقول الناس عند ذاك: إن من قضى العمر مجاهدًا فإنه يحظى بالخلاص وينال العفو والرحمة. هذا؛ وقد شقت مسرحية "فاوست" طريقها إلى الأدب العربي، فقد جرى ترجمتها في عام ألف وتسعمائة وتسعة وعشرين على يد محمد عوض محمد، وفي عام ألف وتسعمائة وتسعة وخمسين على يد عبد الحليم كرارة، وفي عام ألف وتسعمائة وخمسة وسبعين على يد مصطفى ماهر. كما اقتبس منها آخرون مثلما فعل كل من توفيق الحكيم في "عهد الشيطان" وعلي أحمد با كثير في "لويس الجديد" ومحمد فريد أبو حديد في "عبد الشيطان" ومحمود تيمور في "أشطر من إبليس" وفتحي رضوان في "دموع إبليس" ومحمود طاهر لاشين في قصة "مفيس توفوليس". كما كتب آخرون دراسات أو مقالات تتناول هذا العمل، مثل عباس محمود العقاد في كتاب (تذكار جيجي) وطه حسين في مقدمة ترجمة "فاوست" محمد عوض محمد وعبد الغفار مكاوي في "خواطر عن فاوست" في كتابه (البلد البعيد) عام ألف وتسعمائة وثمانية وستين، إضافة إلى المقالات القيمة الواردة في مجلة " الفصول" القاهرية المجلد السادس العدد الرابع سنة ألف وثمانمائة وثلاث وثمانين. ذلك؛ أن شخصية دكتور "فاوست" تعَدُّ كما يقول الدكتور حسن المختار في مقال له بعنوان: "فاوست عندما يختفي الوجه في غابة المرايا" منشور في موقع "بغديدا" هي واحدة من أبرز رموز الأدب الغربي الحديث والمعاصر، فقد تم رسم بورتريه لهذه الشخصية اصطبغ في كل بلد وفي كل حقبة بما يناسبه.

стр. 414

وطيلة القرون الخمسة الماضية اتخذ "فاوست" بطلًا لمئات القصص والحكايات الشعبية، كما قدم على خشبة المسرح بأشكال مختلفة منذ "مارلو"، وحتى "جوته" و"بورفارلي" ومع مرور الوقت ترسخت الصورة حتى غدا "فاوست" شخصية نمطية، ورمزًا لحضارة الغرب بكل أحلامها وإنجازاتها وشرورها. وغدا أيضًا في تاريخ الأدب والفن لوحة يهوي كل فنان عليها بفرشاته؛ فيصبغها بألوانه ليصبح بهذه الطريقة ظاهرة تستحق التأريخ والعودة إلى جذورها، ذلك أن "فاوست" كرمز أدبي وكفكرة يشبه من أوجه كثيرة كرة الثلج، فكلما تدحرج إلى الأمام مع التاريخ ازداد حجمه، وتحول إلى أسطورة، وحينما يتعلق الأمر بالأدب والإبداع يكون الأساطير معنى مميز أنها هي ملح الأدب. ولعل "جوته" كما يقول أسامة أمين قد تأثر في رسمه لصورة الشيطان بالخلفية الدينية والثقافية التي كانت سائدة في عصره، إلّا أنه -كما ورد في مقال عصام بهيج في العدد المذكور من مجلة "الفصول"- قد استطاع أن يطفي عليها طابعًا مميزًا من نفسه وقدراته الفنية، ذلك أن "من ممفست" عند جوته هو الإيمان والتفاؤل، وتجسيد الروح السوية؛ فقليل ما هم الذين أمكنهم أن يهربوا من نظرة التهكمية المريرة. وهو واقعي يؤكد الحقيقة وحاضر البديهة، وذكي يستمتع أشد الاستماع بعمل الشر، مما جعل من الشيطان شخصية متكاملة حية ذاتية الملامح، لا تلتبس بأي شخصية أخرى، ولعل هذا هو ما جعل لهذه الشخصية جاذبيتها الآسرة، التي لم يستطع كابت بعد "جوت" أن يتخلص منها.

стр. 415

ولم يسع "جوته" من خلال تشخيصه للشيطان أن يجعله محببًا للنفس، وأن يسوغ أفعاله على الإطلاق؛ لكنه ألجأ إلى أسلوب مختلف عما تعودناه من كيد الشيطان، إذ فضل "جوته" أن يَستخدم أسلوب الإقناع ليوضح به لقارئه أنه متى استطاع الإنسان المُطيع للشيطان إشباع شهواته؛ فإن سعادته زائلة، ومهما حصل عليه من مال فإنه لم يصبح غنيًّا، بل يظل صدره خاويًا من السعادة، وأنه لو ساعده الشيطان في تكوين أسرة؛ فإنّها ستزول في لمح البصر، وأنّ الخلاصَ لا يكون إلا باللجوء إلى الله الذي لا يصد من يطرق بابه، ولا يحرم من رحمته إلا من أبى. وسواء كان الشيطان شرقيًّا أو غربي الطباع؛ فإنه يتخلى عمن تبعه كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (إبراهيم: ٢٢). ورد عن حسن مختار في مقاله سالف الذكر: أن "فاوست جوته" في قرارة نفسه ممزق بين عالمين متناقضين هما قوة الخير والقيم والإيمان من جهة، وقوى الشر ممثلة في الشيطان "مافيست" والرغبات والشهوات من جهة ثانية، وكما يمكن أن نتوقع يميل "جوته" ببصره إلى الشهوات الآنية، وإلى أن يُرَجّح الطرف الثاني في الرهان، دون الإعلان عن أنه الطرف الشرير؛ لأنّ أحكام القِيمَة غير محسوبة بالنسبة لصالح أي طرف كان. ولذا بدى العاجل الملموس طافيًا على السطح أكثر من أي شيء آخر. كذلك فالنهاية السعيدة لمسرحية "جوته" هي واحدة من أكثر عناصرها أهمية؛ لأنها تقدم لأول مرة نهاية إيجابية لهذه الشخصية، عليه جرة العادة من الشر

стр. 416

والسحر ومثالًا لمن باع نفسه للشيطان، وتخلى عن الفضائل؛ لينال خسيس الرزائل؛ واستعاض عن جوهر الأعراض، وعن الحقيقة بزيف النفس وفسادها، وفنائها الشهواني الخسيس. وهذه الرؤية المتفائلة الإيجابية تحمل أيضًا إعلام من "جوته" عن قيمة شخصية الإنسانية، وبخاصة إذا ما تذكرنا أنّ حياته هو نفسه تشبه من أوجه كثيرة حياة "فاوست" كما رآها ورواها، وهي على النقيض تمامًا من سابقيه خاصة "مارنو" الذي كانت نهاية "فوست" في مسرحتيه الوقوع بأيدي الشيطانين، وهو ما يمثله العالم السفلي الشرير. ويُضِيفُ حسن مختار أن مسرحية "فاوست" إنّما تَطْرَحُ مسألة الصراع الأدبي بين الخير والشر، وتَقِفُ منتشية أمام مستويات الجمال في الذات الإنسانية، وفي العالم. ونصل إلى مسرحية "أوديب" للمسرحي اليوناني "سوفوكليس" وتدور أحداثها في مدينة طيبة حيث كان ملك "لايس" حاكمًا عليها، وقد تزوج ولم ينجب؛ فذهب إلى المعبد "دلفي" ليعرف حلًا لمشكلته فجاءت إليه العرافة بنبوءة أنه سينجب ولدًا سوف يقتل أباه، ويتزوج من أمه؛ فانزعج من هذه النبوءة وهجر امرأته حتى لا ينجب، إلا أنه عاشرها مرة وهو مخمور لا يدري فحملت، فانزعج لخوفه من النبوءة، وتربص حتى وضعت الولد فعهد به إلى حارثه ليقتله. فذهب به الحارث وهو مقيد بالأغلال من قدميه، وهذا يفسر سِرّ تسميته بـ"أوديب" التي معناها باليونانية القديمة المصفد بالأغلال، أو ذو الأرجل

стр. 417

المتورمة؛ وبدلًا من أن يتركه في الجبل ليموت تركه عند راع قابله هناك، وقد أشفق الراعي على الطفل وأخذه إلى ملك "كورانس" وزوجته اللذين لم يكونا ينجبان، وأعطاها إياه. وظن "لايوس" أنه قد تخلص من ابنه ومن النبوءة. وتربى الطفل مع الملك والملكة، وهو يحسبهما أبويه حتى شب وأصبح يافعًا، وظلت في قدميه علامات من الأصفهاد التي سلسل فيها وليدًا، وذات يوم كان مع أصحابه فتشككوا أنه ليس ابن ملك "كورنس" فانزعج ورحل إلى "ذيرفي" لاستطلاع الأمر؛ فجاءت إليه النبوءة أنه سوف يقتل أباه ويتزوج أمه، فهبت وترك الملك والملكة اللذين لم يعرفا غيره أبًا وأمًا؛ حتى لا يقتل أباه ويتزوج أمه، ورحل إلى طيبة. وفسي الطريق إليها قابلته عربة يركبها رجل مسنٌ يحيط به حراسه، ونشبت مشادة بينه وبين ذلك الرجل، فضربه الرجل بالسوط فقتله "أوديب" وقتل معه الحراس، وواصل طريقه إلى طيبة، وعند مشارفها كانت هناك هولة متوحشة تسأل سؤالًا غامضًا، وتقتل من يعجز عن الجواب، وتشيع في الأرض الخراب؛ وعندما وصل إلى هناك سألته نفس السؤال: من الذي يمشي في الصباح على أربع، وفي الظهر على اثنين، وفي الليل على ثلاثة؟. وكان الجواب "أوديب" أنه هو الإنسان، في البداية هو طفل يحبو على أربع، ثم شَابٌ يسير على قدميه الاثنتين، ثم بعد ذلك هو عجوز هرم يمشي على قدمين اثنتين معتمدًا إلى عصًا هي رجله الثالثة وانهارت الهولة لمعرفته حل اللغز الرهيب وماتت، وفرح الشعب لتخلصه منها، وجاء الخبر بموت مليكهم في طريق العودة راكبًا عربه، فأخذوا "أوديب" ونصبوه ملكًا عليهم وزوجوه من أرملة الملك السابق.

стр. 418

وبعد ذلك تولى "أوديب" حكم طيبة أنجب منها أربعة أبناء ولدين وبنتين، وبعد مضي سنوات من اعتلائه العرش حدث طاعون أصاب الحرث والنسل وامتلأت الأرض بالجثث، وسادت الفوضى والدمار؛ فبعث "أوديب" بـ"كريون" أخي زوجته لاستطلاع نبوءة "ديليفي" بخصوص هذا الطاعون، وعادت "كريون" ليبلغ "أوديب" أن سبب الطاعون وجود قاتل الملك "لايوس" بالمدينة؛ فأخذ أوديب يتوعده ويتهدد ويسب لعناته على هذا القاتل حتى لو كان يسكن بيته، ووعد أهل المدينة باستقصاء خبر قاتل ملك ليضع حدًا لهذا الطاعون القاتل. واقترح عليه علية القوم أن يأتوا بعراف أعمى اسمه "سيرسياس" ليكشف لهم قاتل الملك، ولما أتى أخذ "أوديب" يناقشه ويسأله، ولكن العراف يتهرب بلباقة وذكاء، ناصحًا إياه ألا يصب لعناته على القاتل؛ فاتهمه "أوديب" بالجهل وعيره بالعمى، فرد العراف أنه أعمى البصر وليس أعمى البصيرة، وتنبأ له أنه عندما يدرك من هما أبوه وأمه، فسوف يبصر الحقيقة الغائبة، وأخبره أنه قاتل الملك. ولكن؛ لأن "أوديب" كان دائم الاختيال بذكائه والثقة بنفسه، فقد تصور أن ثمة مؤامرة بين العراف وبين "كليون" أخي زوجته فأمر بحبسهما، وجاء لـ"أوديب" رسول من "كورنس" يحمل له خبرًا مفرحًا وآخر محزنًا، فأما المحزن فموت أبيه، وأما المُفرح فهو أنه سيتولى العرش من بعده، وكان "أوديب" لا يزال يتذكر الأسطورة؛ فخشي أن يقع الجزء الآخر منها بعدما اطمأن، واهمًا أنه لم يقتل أباه فطمأنته زوجته أن النبوءات تكذب وتخدع، فقد جاءت لها وزوجها نفس النبوءة وتركا ابنهما في الجبال ليموت، وذلك بسبب نبوءة كاذبة. فاستفسر الرسول لماذا يخشى "أوديب" من العودة بـ"كورنسا"؟ فلما أخبره طمأنه بأن الملك والملكة ليسا أباه وأمه؛ لأنّه بنفسه قد أخذه من راع مدينة طيبة،

стр. 419

وأعطاه لهما وليدًا؛ فاستقصى "أوديب" خبر الراعي رغم تحذيرات زوجته، التي هي أمه ونصائحها، وقد حاول الراعي ألا يخبره، إلا أنه اضطر تحت الضغط أن يخبره بأنه بالفعل أعطى طفلًا وليدًا ذا قدم متورمة لرجل من "كوريسا" ولم ينفذ كلام "لايس" فلم يقتله. واستفسر عن الطريق الذي مات فيه "لايس" فكان هو الطريق الذي تعارك فيه مع راكب العربة وحراسه. وهنا ظهرت له الحقيقة؛ لقد قتل "أوديب" أباه وتزوج من أمه، بل وأنجب منها؛ فانهار تمامًا، وذهب لاستطلاع أمر زوجته أو أمه فوجدها انتحرت؛ حيث وجد الحبل ما زال يدور بالجثة الهامدة؛ فذهب مسرعًا ليفك الحبل من أعلى لتسقط الجثة؛ فأخذ دبابيس فستانها ومشابكها، وأخذ يفقأ بها عينيه ويصيح: أنه لن يرى شقاءه وجرائمه، ويقول لعينيه: ستظلان في الظلمة فلا تريان من كان يجب ألا ترياه، ولا تعرفان ما لا أريد أن أعرف بعد اليوم، حتى لا ترى الشمس المقدسة إنسانًا دنسًا فعل أكثر الجرائم بشاعة. وفي موقف مُؤثّر سالت الدماء على لحيته البيضاء، وبللت وجهه، وهو يلعن سوء حظه قد جعله القاتل، ونفى نفسه من الأرض حتى ينتهي الوباء، وعاش طريدًا من الأرض والسماء، وبعد هذا المشهد الفاجع يطلب "أوديب" من صديقه "ريكدور" أن يعتني ببنتيه، كما طلب منه أن توضع الملكة في قبر مناسب. وقد يكون لقصة "أوديب" أساس تاريخي حقيقي، ولكن يستحيل تخليصه من العناصر الأسطورية التي شابتها وتوارثتها الأجيال في التراث اليوناني القديم، وفي التراث الشعبي لبلدان كثيرة، وقد ورد ذكر مأساة "أوديب" في "الأوديسا" لـ"هميروس" تلميحًا مُختصرًا جدًّا، وفيها: أنه قتل والده وتزوج والدته من دون أن يعلم، وأن أمه "يوكسا" انتحرت شنقًا حين تكشفت لها الحقيقة، أما "أوديب" فقد ظل يحكم طيبة حتى مات.

стр. 420

وأما الروايات الأخرى التي تناولت هذه القصة وهي كثيرة؛ فقد ضاعت جميعها خلا ثلاث مسرحيات لـ"سوفوكليس" هي: "أوديب ملكًا" و"أوديب في كلونوس" و"أنتيجونا" وكَذلك الفصل الأخير من مسرحية لـ"أسخيلوس" بعنوان: "السبعة ضد طيبة" الذي تناول جزءًا من أحداث القصة. وقد لاقت أسطورة "أوديب" على النحو الذي فصله "سوفوكليس" في مسرحياته الثلاث شهرة كبيرة، وتناقلتها الأجيال وزادت فيها، ربما كان سبب زيوعها التركيز على اللعنة التي كان لها شأن كبير في أساطير اليونان القدماء، وفي حياتهم اليومية. وهي شبيهة بفكرة الخطيئة القريبة بمفهوم الإنسان المعاصر؛ لأن قوتها تجعل الأجيال اللاحقة تدفع الثمن لجرائم العادات. كما تجمع الصورة بين المصير المحتوم والأخلاقيات التي تدعو إلى الاعتدال والتبصر في الأمور وعواقبها، وتجنب المبالغة والإسراف في الاعتداد بالنفس والغضب. وقد طرق كتاب كثيرون موضوع مأساة "أوديب" من نواح عدة؛ فعالجها "أوربديس" في إحدى مسرحياته، وكذلك "سنيكا، وكورنيا، ودرايدن، وفولتير، وهوفنستان، وأندريه جين، وجانكوكتو". ولعل أهم صياغة حديثة للقصة هي مسرحية "أندريه جين" التي يُركز فيها على الصراع بين "أوديب" الجاحد للآلهة والمعتد بنفسه حتى الغرور، والكهنة الذين ينبذون بث سلطان الدين على كل شيء، وعلى كل إنسان حتى الملك نفسه. وقد كان لأدباء العرب أيضًا نصيبهم في طرق هذا الموضوع، ولعلّ أول من عُني بِقِصّة "أوديب" مِنهم ترجمة ودراسة هو "طه حُسين" الذي ترجم مسرحية "أندريه جيب أوديب وفستيوس" عام ألف وتسعمائة وستة وأربعين، وقدم لهما

стр. 421

بمقدمة ضافية. ثم أتبعهما ترجمة لمسرحتي "سوفوكليس" نشرها مع "أوديب جيب" في سلسلة مطبوعات كتابه. وفي عام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين ظهرت مسرحيتان عن "أوديب" كتب إحداهما توفيق الحكيم، وثانيهما علي أحمد با كثير، وبعد ذلك نشر علي سالم "أنت اللي قتلت الوحش"، ونشر وليد إخلاص مسرحية "أوديب مأساة عصرية" وعاد علي حافظ ترجمة مسرحيته "سوفوكليس" وكتب للترجمة مقدمة جديدة. وكان لويس عوض قد لخص مسرحية "أوديب ملكًا" في كتابه المسرح العالمي سنة ألف وتسعمائة وأربع وستين، أمّا الدراسات العربية فتشمل كتاب عز الدين إسماعيل (التفسير النفسي للأدب) وكتاب مصطفى عبد الله (أسطورة أوديب في المسرح المعاصر) وربما كانت دراسة عز الدين إسماعيل أول دراسة تطبيقية أفادت من المنهج الفرويدي. وقد اهتم العرب أيضًا بالأصول النّفسية والتاريخية لقِصّة "أوديب" فترجم مصطفى صفوان (تفسير الأحلام) لـ"فرويد" وترجم جميل سعيد "عقدة أوديب في الأسطورة وعلم النفس" لـ"باتريك ميلاي" وترجم فاروق فريد "أوديب وأخناتون لمانويل فلكوفسكي" وهو كتاب يبين بالأدلة الأثرية التاريخية أن أصول هذه الأسطورة التاريخية تعود إلى التاريخ الفرعوني. وقد أخذَ المُفَكِّرون يبحثون في الناحية الأخلاقية، ويسألون عن مدى مسئولية "أوديب" عما صنع، وفي موضوع حريته في مقابل الجبرية، فالقصة تتنبؤ بمصير "أوديب" حتى قبل أن يولد، وهذا التنبأ يمكن أن يقرأ بوصفه سلبًا لحرية الإنسان، أو بأنه المقدر

стр. 422

والمكتوب، وهذه القراءة تؤيد "أوديب" في أن "أبولون" هو المسئول الحقيقي عن كل ما جرى، وهي قراءة تروق للجبريين. ولكن المؤمنين بحرية الإنسان -أي: الذين يحاولون أن يجعلوا من الإنسان كائنًا مسئولًا عن أفعاله، لا مجرد ضحية الآلهة- يقولون: إن "أوديب" فعل كل شيء بمحض إرادته، وإنّ علم الآلهة المسبق بمصيره هو من صفات الآلهة التي يسعى معها كل شيء، وليس العلم بالغيب تسييرًا للأحداث، ويمثلون عن ذلك بالطبيب الذي يؤهله عمله لأن يتنبأ بأن مريضًا من مرضاه سوف يموت بعد مدة معينة؛ فالطبيب لا يميت المريض مع علمه المسبق بالنتيجة. وواضح ما ينطوي عليه الموقف في هذه المسرحية من الأفكار والقضايا الفلسفية، فهي تبحث في الأخطار التي تواجه المرء في رحلته الطويلة على طريق البحث عن الذات، وتبحث في مشاعر الذنب والبراءة، وتكشف عن طبيعة القَدَر، ويقول النقاد: إنه ليس بمسرحية أخرى درست بشكل أفضل العلاقة ما بين الشخصية الفرد وقدره؛ فحرص "أوديب" على البحث عن الذات، وثقته التي لا تعرف الحدود بنفسه وسرعة غضبه، وكلها خصائص تتميز به شخصيته هي السبب وراء المواجهة مع قدره، وهي الحافز في تحقق النبوءات. وبعضهم يرى أنّ قصة "أوديب" أصلها عربي شامي، وأنها هي نفسها حكاية شيخ العرب الموجودة في الكتاب الثاني من الحكايات الشعبية الشامية، انظر في هذا الدرس مادة "أوديب" في كل من "اليوكيبيديا" والموسوعة العربية السورية، ومقال الملك "أوديب" و"رحلة البحث عن الذات" الدكتور زياد الحكيم في موقع موسوعة "دهشة" ومقال "أوديب الملك أشهر مسرحيات أصلها حكاية عربية" لنزار أسود وهو منشور بجريدة شرفات. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 423

الدرس: ١٧ النماذج الأدبية .

стр. 424

بسم الله الرحيم الرحيم الدرس السابع عشر (النماذج الأدبية) تعريف النموذج لغةً واصطلاحًا النماذج الأدبية. والنماذج جمع نموذج، والنموذج هو: المثال الذي يعمل عليه الشيء، فهو إذن المرجع الذي يقاس عليه ما هو من جنسه. فنموذج الكتاب مثلًا: هو الصورة الصحيحة لما ينبغي أن يكون عليه الكتاب، بحيث يرجع إليها كل من يريد تألف كتاب؛ ليرى كيفَ يُؤلف كتابه، وليس شرطًا أن يرجع إليه رجوعًا فعليًّا، بحيث يضعه أما عينيه ويتملاه في كل مرة يُفكر في تأليف كتاب، بل يمكن أن يرجع إليه اعتباريًّا، بمعنى أن يحفظ في ذهنه صورته، ويقيس عليها في عالم الفكر ما يريد قياسه، وهكذا. ومن تلك النماذج نموذج "البخيل" أو نموذج "البغي المظلومة" التي تُعَدّ ضحية المجتمع وأوضاعه المنحرفة في رأي بعض الناس، ونموذج "البطل الأسطوري الإغريقي" "برومستس" رمز العناء البشري الذي لا ينتهي، والذي كُلّما ظن صاحبه أنه قاب قوسين أو أدنى من التخلص منه، عاد فتجدد عذابه ليقاسيه من البداية، وكأنه لم ينل كفايته، وما فوق كفايته من العناء والمقاساة. وهناك كذلك نموذج "يوسف" و"زليخة" اللذان يرمزان على الترتيب العِفّة والتّمَاسُك، والصّبر على ما يترتب على تلك العفة وهذا التماسك من معاناة شديدة، وإلى الشهوة والإغراء المندفع من جهة أخرى. ولدينا أيضًا نموذج "شَهرزاد" رمز الذكاء الأنثوي، ورباطة الجأش والتحيل للخروج من المأزق الماثل العتيد دون أن تخسر صاحبته شيئًا، بل تكسب كل شيء وتنتصر على الشر والخطر الجائح.

стр. 425

وكذلك نموذج ليلى والمجنون رمز الحب المحروم، والعذاب الذي يصطليه المحب، ولا يُفَرّط رغم ذلك في محبوبه، بَل يَجِدُ نفسه في هذا الحرمان وذلك العذاب. وهناك كذلك نماذج أدبية إنسانية، ومنها: نماذج الشعوب أو السلالات البشرية كالفرنسي والإنجليزي والمصري والمغربي، ونماذج المهن والوظائف والمراكز، مثل: الحَبر ومثل: القسيس، والشيخ، والعامل، والفلاح، والمعلم، والطبيب، والمحامي، والتاجر، وحفار القبور، والشرطي، والطاغية، والمخبر، والجاسوس، والبغي، واللص، وقاطع الطريق، والمرابي. ونماذج الأخلاق: كالرجل الفظ، والرجل "الجنتل مان"، والمخنث. ونماذج المشوهين مثل: الأعمى، والمجنون، والمعتوه، والأحدب، والكسيح، والمقامر، والسكير، ومدمن المخدرات. والدارس المُقَارِن يدرس هذه الشخصيات في مختلف الآداب، ويتأتى ذلك عن طريق تتبعه للصفات المشتركة التي رآها الأدباء في هذه الشخصيات، ومدى تأثر بعضهم ببعض، أو رَدّ بعضهم على بعض، من ذلك "الفلاح" الذي تناوله عددٌ كبير من الأدباء، وصوروا حياته وأعماله وآلامه ومعاناته. وقد تأثر الكثير من الأدباء المصريين والعرب بالأدب الروسي في تصويره للفلاح المصري، كذلك يمكن أن ندرس جوانب التأثير والتأثر بين الكتاب الذين تناولوا شخصية "البغي" إذ اختلفت صورتها باختلاف الكتاب؛ فبعضهم عدّها امرأة فاضلة بل قدمها في صورة ملاك يعطي دون أي مقابل، مما لا يفعله الكثير ممن يتشدقون بالأخلاق
следующие страницы →