Полный текст (585 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
بمقدمة ضافية. ثم أتبعهما ترجمة لمسرحتي "سوفوكليس" نشرها مع "أوديب جيب" في سلسلة مطبوعات كتابه.
وفي عام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين ظهرت مسرحيتان عن "أوديب" كتب إحداهما توفيق الحكيم، وثانيهما علي أحمد با كثير، وبعد ذلك نشر علي سالم "أنت اللي قتلت الوحش"، ونشر وليد إخلاص مسرحية "أوديب مأساة عصرية" وعاد علي حافظ ترجمة مسرحيته "سوفوكليس" وكتب للترجمة مقدمة جديدة.
وكان لويس عوض قد لخص مسرحية "أوديب ملكًا" في كتابه المسرح العالمي سنة ألف وتسعمائة وأربع وستين، أمّا الدراسات العربية فتشمل كتاب عز الدين إسماعيل (التفسير النفسي للأدب) وكتاب مصطفى عبد الله (أسطورة أوديب في المسرح المعاصر) وربما كانت دراسة عز الدين إسماعيل أول دراسة تطبيقية أفادت من المنهج الفرويدي.
وقد اهتم العرب أيضًا بالأصول النّفسية والتاريخية لقِصّة "أوديب" فترجم مصطفى صفوان (تفسير الأحلام) لـ"فرويد" وترجم جميل سعيد "عقدة أوديب في الأسطورة وعلم النفس" لـ"باتريك ميلاي" وترجم فاروق فريد "أوديب وأخناتون لمانويل فلكوفسكي" وهو كتاب يبين بالأدلة الأثرية التاريخية أن أصول هذه الأسطورة التاريخية تعود إلى التاريخ الفرعوني.
وقد أخذَ المُفَكِّرون يبحثون في الناحية الأخلاقية، ويسألون عن مدى مسئولية "أوديب" عما صنع، وفي موضوع حريته في مقابل الجبرية، فالقصة تتنبؤ بمصير "أوديب" حتى قبل أن يولد، وهذا التنبأ يمكن أن يقرأ بوصفه سلبًا لحرية الإنسان، أو بأنه المقدر
стр. 422
والمكتوب، وهذه القراءة تؤيد "أوديب" في أن "أبولون" هو المسئول الحقيقي عن كل ما جرى، وهي قراءة تروق للجبريين.
ولكن المؤمنين بحرية الإنسان -أي: الذين يحاولون أن يجعلوا من الإنسان كائنًا مسئولًا عن أفعاله، لا مجرد ضحية الآلهة- يقولون: إن "أوديب" فعل كل شيء بمحض إرادته، وإنّ علم الآلهة المسبق بمصيره هو من صفات الآلهة التي يسعى معها كل شيء، وليس العلم بالغيب تسييرًا للأحداث، ويمثلون عن ذلك بالطبيب الذي يؤهله عمله لأن يتنبأ بأن مريضًا من مرضاه سوف يموت بعد مدة معينة؛ فالطبيب لا يميت المريض مع علمه المسبق بالنتيجة.
وواضح ما ينطوي عليه الموقف في هذه المسرحية من الأفكار والقضايا الفلسفية، فهي تبحث في الأخطار التي تواجه المرء في رحلته الطويلة على طريق البحث عن الذات، وتبحث في مشاعر الذنب والبراءة، وتكشف عن طبيعة القَدَر، ويقول النقاد: إنه ليس بمسرحية أخرى درست بشكل أفضل العلاقة ما بين الشخصية الفرد وقدره؛ فحرص "أوديب" على البحث عن الذات، وثقته التي لا تعرف الحدود بنفسه وسرعة غضبه، وكلها خصائص تتميز به شخصيته هي السبب وراء المواجهة مع قدره، وهي الحافز في تحقق النبوءات.
وبعضهم يرى أنّ قصة "أوديب" أصلها عربي شامي، وأنها هي نفسها حكاية شيخ العرب الموجودة في الكتاب الثاني من الحكايات الشعبية الشامية، انظر في هذا الدرس مادة "أوديب" في كل من "اليوكيبيديا" والموسوعة العربية السورية، ومقال الملك "أوديب" و"رحلة البحث عن الذات" الدكتور زياد الحكيم في موقع موسوعة "دهشة" ومقال "أوديب الملك أشهر مسرحيات أصلها حكاية عربية" لنزار أسود وهو منشور بجريدة شرفات.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 423
الدرس: ١٧ النماذج الأدبية .
стр. 424
بسم الله الرحيم الرحيم
الدرس السابع عشر
(النماذج الأدبية)
تعريف النموذج لغةً واصطلاحًا
النماذج الأدبية.
والنماذج جمع نموذج، والنموذج هو: المثال الذي يعمل عليه الشيء، فهو إذن المرجع الذي يقاس عليه ما هو من جنسه.
فنموذج الكتاب مثلًا: هو الصورة الصحيحة لما ينبغي أن يكون عليه الكتاب، بحيث يرجع إليها كل من يريد تألف كتاب؛ ليرى كيفَ يُؤلف كتابه، وليس شرطًا أن يرجع إليه رجوعًا فعليًّا، بحيث يضعه أما عينيه ويتملاه في كل مرة يُفكر في تأليف كتاب، بل يمكن أن يرجع إليه اعتباريًّا، بمعنى أن يحفظ في ذهنه صورته، ويقيس عليها في عالم الفكر ما يريد قياسه، وهكذا.
ومن تلك النماذج نموذج "البخيل" أو نموذج "البغي المظلومة" التي تُعَدّ ضحية المجتمع وأوضاعه المنحرفة في رأي بعض الناس، ونموذج "البطل الأسطوري الإغريقي" "برومستس" رمز العناء البشري الذي لا ينتهي، والذي كُلّما ظن صاحبه أنه قاب قوسين أو أدنى من التخلص منه، عاد فتجدد عذابه ليقاسيه من البداية، وكأنه لم ينل كفايته، وما فوق كفايته من العناء والمقاساة.
وهناك كذلك نموذج "يوسف" و"زليخة" اللذان يرمزان على الترتيب العِفّة والتّمَاسُك، والصّبر على ما يترتب على تلك العفة وهذا التماسك من معاناة شديدة، وإلى الشهوة والإغراء المندفع من جهة أخرى.
ولدينا أيضًا نموذج "شَهرزاد" رمز الذكاء الأنثوي، ورباطة الجأش والتحيل للخروج من المأزق الماثل العتيد دون أن تخسر صاحبته شيئًا، بل تكسب كل شيء وتنتصر على الشر والخطر الجائح.
стр. 425
وكذلك نموذج ليلى والمجنون رمز الحب المحروم، والعذاب الذي يصطليه المحب، ولا يُفَرّط رغم ذلك في محبوبه، بَل يَجِدُ نفسه في هذا الحرمان وذلك العذاب.
وهناك كذلك نماذج أدبية إنسانية، ومنها: نماذج الشعوب أو السلالات البشرية كالفرنسي والإنجليزي والمصري والمغربي، ونماذج المهن والوظائف والمراكز، مثل: الحَبر ومثل: القسيس، والشيخ، والعامل، والفلاح، والمعلم، والطبيب، والمحامي، والتاجر، وحفار القبور، والشرطي، والطاغية، والمخبر، والجاسوس، والبغي، واللص، وقاطع الطريق، والمرابي.
ونماذج الأخلاق: كالرجل الفظ، والرجل "الجنتل مان"، والمخنث. ونماذج المشوهين مثل: الأعمى، والمجنون، والمعتوه، والأحدب، والكسيح، والمقامر، والسكير، ومدمن المخدرات.
والدارس المُقَارِن يدرس هذه الشخصيات في مختلف الآداب، ويتأتى ذلك عن طريق تتبعه للصفات المشتركة التي رآها الأدباء في هذه الشخصيات، ومدى تأثر بعضهم ببعض، أو رَدّ بعضهم على بعض، من ذلك "الفلاح" الذي تناوله عددٌ كبير من الأدباء، وصوروا حياته وأعماله وآلامه ومعاناته.
وقد تأثر الكثير من الأدباء المصريين والعرب بالأدب الروسي في تصويره للفلاح المصري، كذلك يمكن أن ندرس جوانب التأثير والتأثر بين الكتاب الذين تناولوا شخصية "البغي" إذ اختلفت صورتها باختلاف الكتاب؛ فبعضهم عدّها امرأة فاضلة بل قدمها في صورة ملاك يعطي دون أي مقابل، مما لا يفعله الكثير ممن يتشدقون بالأخلاق
стр. 426
الفاضلة، ولعل خير مثال على ذلك مسرحية "غادة الكاميليا" للكاتب الفرنسي "أليكسندر دوماس" التي عرّبها المنفلوطي بعنوان الضحية، وضمنها كتابه (العبرات).
وكذلك شخصية "نور" في رواية اللص والكلاب، وشخصية "لولا" في "السمان والخريف" لنجيب محفوظ. كذلك صور بعض الكتاب المومس في صورة ضحية مغلوبة على أمرها، ولا ذنب لها في سقوطها، بل المسئول عن ذلك هو المجتمع، الذي قد يكون دفعها إلى الرذيلة أو الهاوية دفعًا، وبعض ثالث عدها آفة اجتماعية لا سبيل إلى إصلاحها، بل هي خطر داهم على المجتمع الذي تعيش فيه.
وكان لمسرحية "غادة الكاميليا" أثر كبير على الكتاب العرب، الذين تناولوا شخصية المومس الفاضلة، ومنهم نجيب حداد الذي قلد الرواية الفرنسية شكلًا وموضوعًا، وخاصة في "إيفون مونار" أو حواء الجديدة التي تدور حول فكرة رد اعتبار العاهرة، وليس نجيب حداد بالغريب عن الرواية الفرنسية؛ فقد قرأها وترجم جزءًا منها، وبذلك يُعَد أول من تطرق لموضوع الدفاع عن البغي في الأدب العربي الحديث.
ويقول الدكتور محمد غنمي هلال في كتابه (الأدب المُقارن) إن الكاتب قد يَقُوم بتصوير نَموذج لإنسانٍ تَتمثّل فيه مجموعة من الفضائل، أو من العواطف المختلفة التي كانت من قبل في عالم التجريد، أو مُتفرقة في مختلف الأشخاص، وينفث الكاتب في نموذج من الفتنة ما يخلق من في الأدب مثالًا ينبض بالحياة، وطبيعي -كما يقول الدكتور هلال- أنّ الأدب المقارن لا يحفل بدراسة هذه النماذج إلا إذا صارت عالمية؛ فانتقلت من أدب إلى آخر، وقد تحتفظ في انتقالها ببعض
стр. 427
خصائص كانت لها في الأدب الذي نشأت فيه، وتكتسب مع ذلك خصائص أخرى تبعد بها قليلًا أو كثيرًا عن منشأها الأول.
ويقول الدكتور هلال، عن النماذج الإنسانية العامة: إن الباحث عندما يدرسها يتعرض للكشف عن الوسائل الفنية، التي صور بها الكتاب في آداب المختلفة نموذجًا إنسانيًّا عامًّا في المسرحيات أو القصص، أو الشعر، ومثل هذه النماذج لا تعد في الأدب المقارن إلا إذا انتقلت تاريخيًّا من أدب إلى أدب.
ومن هذه النماذج الإنسانية العامة نموذج "البخيل" ويبدو أن الشاعر "ميناندر" كانت له مسرحية في ذلك النموذج لم تصل إلينا، حاكاها الشاعر الرُّوماني "بلوتس" في مسرحيته بعنوان "اللوراليا" أو وعاء الذهب، وبها تأثر "موليير" في مسرحيته الشهيرة "البخيل" التي يصور فيها المسرحي الفرنسي شخصية "أرباجون" نموذج الإنسانية للبخل، وتعمق في تصويره أكثر مما فعل "بلوتوس".
وتوالت بعد ذلك المسرحيات في الآداب الأوربية، تصور نموذج البخيل وأشهرها مسرحية الشاعر الإيطالي "جولدوني" وعنوانها: "البخيل" وهي ملهاة من فصل واحد، وفيها يرفض "البخيل" "أنبوجيو" تزويج ابنة زوجته ممن تحبه بخلًا بجهازها، فيقبل الفتى زواجها دون مال، على شرط أن يوصي "أنبوجيو" لها بكل ما يملك.
стр. 428
وللمؤلف ملهاة أخرى عنوانها: "البخيل المتبرج" وفيها يُصور نموذج البخيل الذي يظهر بمظهر المسرف، ليفوز بزيجة غنية فيبوء بالفشل، ولنفس المؤلف ملهاة ثالثة بعنوان: "البخيل الغيور" وفيها يسبب البخيل آلامًا جسيمة لامرأته الفاضلة التي يحبها، ويكتشف أن حب المال سبب بؤسه، ولكنه لا يستطيع أن يقلع عن آفته التي يشقى بها.
ومن النماذج الإنسانية العامة التي ذكرها الدكتور هلال كذلك نموذج الشخص الآثم في سلوكه حين يخلص في حبه؛ فيكون حبه بمثابة التكفير عن سيئاته السالفة، إذ يُصْبِح ذلك الحب سبيلًا لإظهار الفَضَائِل التي طغت عليها شرور المجتمع، ونظمه الظالمة، وتِلك قضية "رومانتيكية" عامة يقصد "الرومانتيكي" بها إعذار الفرد فيما يرتبك من آثام، إذا دفعته شرور المجتمع إلى ارتكابها.
وقد بَلَغ النّموذج ذورته الفنية لدى "الإسكندر دوما" الابن في قصته "غادة الكاميليا" ثم في مسرحيته التي تحمل نفس الاسم؛ فصار نموذجًا أوربيًّا عامًّا، حاكاه المؤلفون في المسرحيات التمثيلية، والمسرحيات الغنائية.
وقد ظلت القضية رومانتيكة في مسرحية "الإسكندر دوما" السابقة، على الرغم من طابعها الواقعي في تصوير العادات والتقاليد، وفي التعمق في جوانب الواقع الأليم، وفي الشعر الغنائي كذلك نماذج لبغايا تستثيره العطف؛ لأنهن سقطن ضحايا البؤس والفقر كما يقول "ألفريد ديموسيه" يصف بؤس واحدة من هؤلاء: "أيها الفقر أيها الفقر، انظر لقد أقامت الصلاة قبل نومها هذا المساء، وما ادعت يا إلهي العظيم، وهذه هي تحت ستائر العار، في هذا المأوى المفزع، وفي سرير الضعف تعطي أمها حين تعود إلى مسكنها ما كسبته هناك، ولا ترثين لها أنتن
стр. 429
يا نساء المجتمعات، أنتن في سرور الحياة ترتعن أعظم ارتياع من كل من ليسوا في السرور والثراء مثلكن، ولا ترثين لها أنتن يا ربات الأسر ... إلى آخره".
وإلى شعرنا الحديث انتقلت النزعة "الرومانتيكية" في تقديم البغايا في صور ضحايا المجتمع، وأنهن أهل للعطف والرثاء، ومن شعرائنا المتأثرين بهذه النزعة: صالح جودت في قصدية "الهيكل المستباح" وفيها يرى المجتمع الظالم في نظمها قد ألجأ هذه المسكينة إلى سلوك ذلك الطريق الوعر الشائك، فهي تعاني ما كان يعانيه من قبل الأرقاء في سوق الأعراض المستباحة، يتردد لصوص الشرف على مخدعها، ثم يمضون دون عقاب: "كم سروق نال منها جانبًا ومضى ... ما أعجب اللص الطريق".
أما النماذج البشرية المأخوذة من الأساطير القديمة، وهي لون آخر من النماذج البشرية في الآداب العالمية؛ فيقول الدكتور هلال: إن الكاتب يختار منها ما يتسع للتأويل الخصب، وما تحول معناه إلى رمز فلسفي أو اجتماعي، وتتنوع هذه المعاني عادة على حسب العصور المختلفة، وما تتطلبه من كتابها من آراء ومثل. وقد كثرت المسرحيات في شخصية "أوديبوس" في مختلف الآداب على توال العصور.
ومن هذه الشخصيات كذلك نموذج "بج ماليون" وهو فنان قبرص هام بجمال تمثال من صنعه؛ فرجا "أفروديت" أن يتزوج من امرأة تشبه التمثال ففعلت أكثر من ذلك، إذ وهبت التمثال نفسه الحياة عقابًا له على إعراضه عن الزواج، ويرمز هذا إلى هيام الفنان بخلقه الفني، وأول من تحدث عنه في الأدب هو
стр. 430
"أوفيت" الروماني في قصصه عن المسخ، ثم تناوله الشعراء والكتاب مختلفي الآداب، وخاصة من بريطانيا منذ الشاعر الإنجليزي "جون مارستون" في قصيدته: "نفخ الروح في صورة بج ماليون" ثم في ملهاة "وليام جولبرت" التي عنوانها "بج ماليون" وقد نشرت لأول مرة عام ألف وتسعمائة واثني عشر في لندن.
وتأثر الأستاذ توفيق الحكيم بالأسطورة اليونانية، وأول ما لفت نظره إليها كما يحكي هو لوحة شاهدها في متحف اللوفر بباريس، ثم عاد تذكيره بها فيلم عرض في القاهرة عن "بج ماليون" على حسب مسرحية "برنانتشو".
وفي المسرحية نرى جلالتها وهي رمز للخلق الفني الذي يهيم به خالقه أولًا، لا تلبث بعد أن ينفث فيه الإله الروح، أن تصبح رمزًا للمرأة في غرائزها الحيوية، التي تدفع إلى تفضيل الرجل على الفنان مشتغل عنها بفنه؛ فتهرب مع "مرسيس" المدلل المعجب بنفسه، ثم تثوب إلى رشدها، وتفيء إلى زوجها الفنان "بج ماليون" تستغفره عما فعلت، وتقر بعظمته التي تفوق -استغفر الله- عظمة الآلهة؛ لأنهم يخلقون الناس المشوبين بأنواع الضعف والقبح؛ في حين يخلق هو الجمال الخالد، وتقوم على خدمته كما تفعل الزوجات.
ولكن "بج ماليون" الفنان ينفر منها حين يراها تزاول أعمال البيت، وتحمل المكنسة؛ فتبعد بعملها عن شغلتها المثالية التي سمت بها في ذهنه، حين كانت تمثل الجمال الخالص، ويثور الفنان على رؤية المرأة في صورتها الواقعية؛ فيدعو الإله أن يَرُدّها تمثالًا عاجيًّا كما كانت، ثم ينهال عليها بالمكنسة، وأكبر الظن أن "بج ماليون" لم يُحطم تماثله لخيبة أمله المزعومة في المرأة فحسب، بل انتقامًا كذلك من التمثال الذي حرك بجماله غرائز الحياة في نفسه، فجعله يشتهي المرأة.
стр. 431
ومن أهم هذه النماذج التي صدرت عن الأساطير اليونانية نموذج "برومسيوس" أو الفطن الذكي، وأصله في الأساطير اليونانية إله من آلهة النار، وهب الناس النار على الرغم من "سايوس" كبير الآلهة، فأقصي عن مملكة السماء وخلفه فيها "يفستوس" الذي فوض إليه أمر عقابه على جبل القوقاز، حيث صلب.
ويتحدث عنه "هزل" في قصيدته "الأعمال والأيام" على أنه الرحيم الذي يرعى الناس، ويرى فيه أفلاطون في " بيتاجواس " أو "فيثاغورث" أنه أب لكل الأجناس البشرية، وفي هذا تقرب شخصيته من آدم أبي البشر في الديانات السماوية.
وأقدم من عالج الموضوع في المسرحيات الشاعر اليوناني "أسخيدوس" في مسرحيته "بروسيوس" في القيد و"جوميوس" الطليق وفيهما يفخر بما فعله من خير في سبيل إسعاد جنس البشر المسكين البائس، ويأبى الخضوع "لذي زايوس" ورسله. ومن أشهر من عالجوا الموضوع بعده "جوته" في مسرحيته التي لم تكتمل وعنوانها: "برومسيور".
ومن أحدث من تناولوا تصوير الشخصية "برومسيوس" وحوروا فيها تحويرًا كبيرًا "أندريه جيد" في ملهاته الهجائية عن "برومسيوس" وفيها ترى "برمسيوس" رجلًا عصريًّا على منضدة في قهوة في باريس، بجانب "كوكليه" و"داموكليه" وأحد هذين الضحية لثري من أرباب المصارف المالية، غامضٌ في سلوكه، واسمه "زايوس" والآخر مدين "لزايوس" بالجميل.
وفي أدبنا العربي صدى لهذه الشخصية بالشعر الغنائي إذ يتخذه المرحوم أبو القاسم الشابي في ديوانه "أغاني الحياة" رمزًا للشاعر المتعالي بآلامه، الصُّلب الذي لا يلين:
стр. 432
سأعيش رغم الداء والإعياء ... كالنسر فوق القمة الشماء
أما النماذج الدينية المصدر؛ فهي المأخوذة عن الكتب المقدسة، وغالبًا ما يَبْعُد بها الكتاب أو الشعراء قليلًا أو كثيرًا عن مصادرها، وطبيعي أننا لا نحفل هُنا إلا بالشخصيات العالمية، أي: التي انتقلت من أدب أمة إلى أدب أمة أخرى، كي تجد طريقها إلى الدراسات المقارنة.
ومن النماذج التي كان لها حظ كبير في الأدب الحديث شخصية "الشيطان" وقد ابتعدت هذه الشخصية كثيرًا عن مصدرها الديني -كما يقول الدكتور هلال- حين انتقلت إلى ميدان الأدب وخاصة على يد "الرومانتيكيين" ورائد "الرومانتيكيين" الأول في هذا الباب هو الشاعر الإنجليزي "ميلتون".
ويرى المحاضر الذي يحدثكم الآن: أنّ شخصية الشيطان في الآداب العالمية إنما تدين في وجودها للقرآن، فهو الكتاب الوحيد الذي حكا قصته وعصيانه وتمرده، والحجاج الذي ظهر بين الله سبحانه وبينه وظهر فيه كبره وغطرسته وكراهيته للجنس البشري، وأمر الله له بترك المنزلة التي كان فيها، وإبعاده إياه عن رحمته ولطفه.
ويضيف الدكتور هلال: أنّ السمات الشيطان في أدب "الرومانتيكين" جميعًا واضحة، إذ صوروه في صورة المتمرد الذي طرد قهرًا من عالم الخير، فدفعه اليأس إلى الإدمان على الشر، والشيطان عند "فيكتور هيجو" يمثل الإنسانية الطريدة البعيدة من الله، وينحصر كل عذابه في حبه لمن يبغضه، وفي أن الله هو النور والحب يفيض نوره على كل المخلوقات خيرًا ورحمة ونورًا. ويحسد بني آدم لأن في عيونهم الأمل، وفي قلوبهم الحب.
стр. 433
ولكن ما يسببه الشيطان من صراع بين الخير والشر، هو أساس ما يظفر به الإنسان من حرية وفوز، حتى ينتصر في الزمن البعيد الخير انتصارًا تامًّا، ويَظَلُّ النّهارُ لا ليل له؛ فيحمي ما في الشيطان من شر، ويُسامحه الله؛ ليُبعَثَ من جديد ملكًا سماويًّا.
ويتَجَلّى تأثير "الرومانتيكيين" العام في حديثهم عن الشيطان وتصويرهم إياه بالسمات التي ذكرناها، يتجلى تأثيرهم في قصيدة العقاد التي عنوانها: "ترجمة شيطان" وهي قصة شيطان ناشئ سئم حياة الشياطين، وتاب عن صناعة الإغواء لهوان الناس عليه، وتشابه الصالحين والظالمين عنده؛ فقبل الله هذه التوبة وأدخله الجنة، ومثل آخر لهذه الشخصيات الدينية يتمثل في قابيل أول قاتل على وجه الأرض، ومثال الساخط المتمرد الضائق الزرع بما لا يعرف له كنهًا في مسائل الخير والشر، ووجود الخلق.
وهو كذلك في أدب "الرومانتكيين" كما في مسرحية "بايون" التي عنوانها قابيل، وقد تأثر به الشاعر الفرنسي "البرناسي" "لوكون ديليل" ثم الشاعر الرنجي "بودلير" وقد عَبّر عن مظاهر حيرة الإنسان، وثورته على ما يراه ظلمًا.
وإلى جانِب النماذج التي مرت هناك نماذج مصدرها أساطير شعبية، وكالعادة نرى الأدب المقارن لا يُعالِجُها إلا إذا كانت عالمية؛ فيتناولها كبار الكتاب في مختلف الآداب، وإلّا فإن الأدب المقارَن سَوفَ يَتخلى عنها للباحثين في الأدب الشعبي، والتقاليد الشعبية؛ فشخصية جحا -كما يرى الدكتور هلال- لم ترقَ
стр. 434
عندنا إلى مرتبة أدبية عالمية، في حين صار شخصية شهرزاد كذلك، ولكني أخالفه في هذا الأمر مخالفة شديدة على ما سوف يتضح فيما بعد.
ومن النماذج الإنسانية العامة كذلك: نموذج "فاوست" التي يتحدث عنها الدكتور هلال قائلًا: إنّ الأصلَ في شخصية "فاوست" أسطورة شعبية ألمانية، موجزها أن عالمًا كيميائيًّا يسمى "فاوست" ولد في أواخر القرن الخامس عشر وكان سكيرًا كسولًا، حياته غامضة عجيبة، على الرغم من وجوده تاريخيًّا، فقد حاكت الأساطير الشعبية كثيرًا من القصص غير المعقولة حوله، فزعمت أنه كانت له صلة قرابة بالشياطين، وأنه كان ساحرًا وله قدرة على مخاطبة الموتى، وقد وقع بدمه عقدًا مع الشيطان عاهده فيه أن يطيعه بشرط أن يرجع له الشيطان شبابه.
وقد كانت حياته الغامضة العجيبة، وموته المبكر من العوامل في ميلاد هذه الأساطير، تحكي بعض هذه الأساطير أن "فاوست" مات طريدًا من رحمة الله، وهي الأسطورة التي أخذ بها الشاعر الإنجليزي "مارلو" المعاصر "شكسبير" في مأساته التي صدرت عام ألف وستمائة وأربعة.
ولأسطورة "فاوست" نظير في أسطورة شرقية بطلها يسمى "توفيل" وقع عقدًا مع الشيطان ليُعيده إلى رتبة كنسية كان قد فصل منها، ولكنه لا يلبث أن يندم ويصلي أربعين يومًا وليلة؛ فتقبل توبته.
وقديمًا ارتقى الفردوسي بشخصية "رستم" إلى المكانة الأدبية "للشاهنامة" فقد صوره مخلصًا لوطنه لا تستهويه المطامع، له من آيات بطولته ما صار به مثلًا بين
стр. 435
معاصريه، ثُمّ يسوقه القدر أخيرًا إلى أن يلقى ابنه "صهرف" على غير علم منه في مبارزة حربية بينهما، وقد صور الفردوسي هذه المبارزة تصويرًا رائعًا.
ومن أبرز الشخصيات التي لقيت حظًّا فريدًا في الأدب شخصية "دونجوان" وقد مثلت اتجاهات مختلفة من حب طائش، إلى انصراف لمتع الحياة إلى قلق، ويطيل بنا الكلام لو فصلنا الكلام في ذلك، بل يضيق نطاق كلامنا عن سرد كل المسرحيات والقصص والأشعار التي كتبت عنه في مختلف الآداب الأوربية.
وقد كان دنجوان شقيًّا، يرجع شقاؤه إلى أنه جمع كثيرًا من الصفات التي يحسد عليها بوصفه رجلًا، وبها اندفع في طريق الشهوات، ولكنه كان يحتقر هذه الشهوات، ولا يجد سعادته في الانغماس فيها، فهو حائر لا يقر على قرار ولا يرضى عن نفسه.
وأما "موليير" فيصور "دونجوان" خداعًا للنساء؛ لكنه مع ذلك يحب الخير ويتصدق على الناس بالرغم من سخريته من المجتمع، وأما "جولدوني" فإن بطله داعر مستهتر لا يقيم للأخلاق وزنًا، ويرقى "بايون" بقيمة ذلك البطل، ويجعله حامل فلسفة؛ فهو ضد رياء المجتمع وتقاليده الظالمة، وداعية إلى الحب البريء الطليق. وهكذا تطور الموضوع تبعًا لاتجاهات الكتاب الذين عالجوه، وتبعًا لفلسفتهم في الحياة وميولهم الخلقية، والنزعات السائدة في عصرهم، ويسهل تأويل هذه الشخصيات مأخوذ من أساطير شعبية.
وإلى جانب ما مر عندنا أن النماذج المأخوذة عن شخصيات تاريخية، وذلك حين تدخل نطاق الأدب على يد العباقرة؛ فتصبح قوالب أفكار عامة اجتماعية وفلسفية، ونُشير هُنا مثلًا إلى شخصية ليلى وشخصية المجنون في الأدبين العربي والفارسي.
стр. 436
ومن الشخصيات التاريخية التي لقيت حظًّا فريدًا في الأدب شخصية "كليوباترا" فقد اهتم بها الكتاب والشعراء منذ العصور القديمة، وجعلوا منها مادة خصبة لأفكارهم وخيالهم، لأنها عاشت في فترة تاريخية خطيرة، وكان صراعها مع "اكتافيوس" متعاونة مع "أنطونيوس" متمثلًا لصراع حاسم؛ فكلا الفريقين لو انتصر لساد العالم، فكان هذا الصراع صراعًا بين الشرق والغرب، ولعبت فيه "كليوباترا" دورًا كبيرًا بجمالها.
ومن أشهر المسرحيات الفرنسية في الموضوع مسرحية: "لاشا بيل" وموضوعها موت كليوباترا، ثم مسرحية "كليوباترا" لـ"مار مونتل" ومسرحية أخرى بنفس العنوان لـ"ألكسندر سوميه" وقد مثلت على مسرح "الأدني" عام ألف وثمانمائة وأربعة وعشرين، وأكثر من صوروا هذه الشخصية في تلك الآداب، كانوا يرون في كليوباترا صورة للعقلية الشرقية في نظرهم، في مَيْلِها إلى لذة العيش ومتاعه، والانتصار بالخديعة لا بالجهد، وسلوك سبيل المكر والحيلة.
وطالما هاجموا الشرق فيها، وهاجموا المصرف القديم، وقد أراد شوقي أن يرد عليهم بالدفاع عن "كليوباترا" في مسرحيته "مصرع كليوباترا" التي سبق أن درسناها معًا، لا بوصفها ملكة بل بوصفها مصرية شرقية، فقد قدمها في صورة مخلصة لوطنها، تُؤثره على حبيبها وتحيا وتموت بمجد مصر، وهو ما خلفناه فيه؛ لأنها أولًا لم تكن مصرية، ولأنّها هي وأسرتها لم يكونوا بالحكام العادلين الذين يعاملون المصريين معاملة إنسانية، أو يهتمون بخيلهم ورفاهيتهم.
ونذكر أيضًا شخصية أول فيلسوفة مصرية "هيباتيا" التي شغلت الآداب الأوربية في عصور مُختلفة، وقد عاشت تلك الفيلسوفة في القرن الرابع الميلادي، في مدينة الإسكندرية،
стр. 437
وهي إغريقية الأصل، مصرية المولد والمنشأ، وكَانت رئيسة جامعة الإسكندرية القديمة، ومثال الكمال في جمالها وعلمها وخلقها، حتى ليقول عنها الفيلسوف "ددرو": إن الطبيعة لم تهب إنسانًا من العقل والحكمة والخلق ما وهبته لتلك الفتاة".
وكان موضوع "هيباتيا" منذ القديم مثارًا لدى المفكرين والمؤرخين ورجال الدين، ولكنه دخل ميدان الأدب للبحث منذ القرن الثامن عشر على يد "ددرو" و"فولتير" في فرنسا و"تولن" في إنجلترا، وقد ظفرت "هيباتيا" بتلك الحظوة لدى الأدباء على اختلاف نزعاتهم؛ لما كانت عليه من كمال الخلق، ونصيبها البشع على يد المسيحيين، ثم لعصرها التي عاشت فيه ذلك العصر الحافل بتلك المتناقضات.
لهذه الأسباب مجتمعة شتغلت "هيباتيا" المُفكرين والأدباء حتى القرن العشرين، وقد اختلفت ميول هؤلاء الكتاب في معالجة موضوعها، تبعًا لاختلاف طبائع الشعوب التي ينتمون إليها، ثم استجابتة منهم لنزعاتهم وميولهم الخاصة، فمنهم من حمل على رجال المسيحية، دون أن يحمل على المسيحية نفسها، بل فضلها على الفلسفية "الهيلينية" ونحا أكثر الكتاب غير هذا المنحى، فأثاروا مشكلات الدين، وصراعهم مع الفلسفة والعقل، وانتصروا للفلسفية اليونانية والهندية ضد المسيحية.
وقد رمى هؤلاء الكتاب جميعًا على اختلاف ميولهم ونزعاتهم إلى غاية واحدة هي: "البحث عن طريق تحرير الإنسانية وسعادتها، ونشر عدالة بين جميع أفرادها، مما تهدف إليه دائمًا ولا تصل إليه".
стр. 438
بعض النماذج الإنسانية المستمدة من الأدب العربي
والآن إلى بعض النماذج الإنسانية المستمدة من الأدب العربي:
ونقف أولًا عند جُحا الذي أنكر الدكتور هلال -كما رأينا منذ قليل- صلاحيته لأن يكون نموذجًا إنسانيًّا في الأدب، وفي الواقع أن جُحا يعد نموذجًا لا على الحمق أو الغباوة، بل على التحامق، أو قل: إنّه ذَكاء الباحث عن جوهر الحقيقة، مع التظاهر بالغباء والحماقة.
ذلك أنه -كما يقول الدكتور محمد رجب النجار في كتابه (جحا العربي): لم يكن مخبولًا أو ناقص العقل، كما يتوهم؛ بل كان يتناول الأمور من أقرب الزوايا إلى الحق والواقع، مهما بدت معقدة، أو تظاهرنا نحن بتعقيدها، فيبدو عمله مناقضًا لصنيع الآخرين الذين لا يتصورون الحق قريبًا، كما كان صريحًا في التعبير عن نفسه، لا يَشْغَلُ باله أنّ الإطار الاجتماعي والسياسي كثيرًا ما يَفرض على الناسِ أن يسكتوا أو يرمزوا؛ فهو يستسلم دائمًا لرغباته في لحظتها.
وهذه الفلسفة الخاصة به وبأمثاله، تجعله بريئًا من الخوف أو الكبت وتبرزه، وهو ما جعلت شخصيته أقرب ما تكون إلى من يسقط عنه التكليف الاجتماعي.
وقد ألممنا بما قاله الدكتور هلال عن جُحا من هذه الناحية، وأرى أنه حكم شديد التسرع والانكسار؛ فإنّ للنّموذج الجحوي في كثير من الآداب العالمية مكانًا ومكانة، فكيف يزعم الدكتور هلال هذا الزعم غير القائم على أساس؟! لقد تَناولت النُّسخة العربية موسوعة "الويكيبديا" في مقال لها بعنوان: "جُحا" هذا الموضوع.
стр. 439
ومن الواضح أن كاتب مقالته عن جحا قد قرأ مادة نصر الدين في النسخة الإنجليزية من نفس الموسوعة، ووضع في ذهنه أن يضع الحق في نصابه عندما لم يجدها قد ردت شخصية نصر الدين إلى أصلها العربي، دجين بن ثابت على ما جاء في الكتب العربية القديمة التي تعرضت لهذه المسألة، فأكد أنّ كُلّ شعب قد صمم له بناء على شخصية جحا العربي، جحًا خاصًّا بها، بِمَا يتلاءم مع طبيعته، وظروف الحياة الاجتماعية الخاصة به.
ومع أن الأسماء تختلف وشكل الحكايات رُبما يختلف أيضًا؛ فإن شخصية جحا المغفل الأحمق وحماره لم يتغير، أو لم تتغير.
وهكذا نجد شخصية نصر الدين خواجا في تركيا، وملا نصر الدين في إيران وكردستان، ومشفقي في تبريز حسبما جاء في مادة "إسلاميك آرتس" من الموسوعة البريطانية في طبعتها لعام ٢٠١٠ ومن الشخصيات التي شابهت جحا "جبرو" في بلغاريا المحبوب و"آرتين" الأرمنيا صاحب اللسان السليط، و"آريو" يوغسلافيا المغفل.
ونضيف نحن بناء على ما ورد في مقال نصر الدين في كل من "الوكوبيديا" الإنجليزية والموسوعة اليونفرساليت الفرنسية إلى هذه الأسماء اسم "تل أورنج بيجل" عند "الفلمنكيين" وأبو نواس عند السواحليين، ومن يقرأ مثلًا مقال المخصص للشخصية "تل أورانج بيجن" الفلمنكي في "الوكبيديا" يتبين له في التو أن السمات التي تميز شخصيته ونوادره، تُشبه نظريتها لدى جحا مع أخذنا في الاعتبار ما لا بد من طروئه على تلك السمات، عند انتقاله إلى المحيط الجديد.
стр. 440
وأذكر بهذه المناسبة أنه كان لي زميل وصديق ياباني أثناء المرحلة الجامعية، كان قد أسلم حديثًا؛ فكان يُرَدّد علينا طول النهار نكتًا عن مهران العبيط، أو كما كان ينطقها "مهرانا أبيت" نكتة وراء أخرى، وهي في الواقع حكايات جحوية، وقد عزا كاتب مادة نصر الدين في "الوكبيديا" الإنجليزية هذا التشابه إلا أن تلك النوادر قد ترجمت إلى كثير من اللغات.
وفي المادة الخاصة بنصر الدين خوجا في الموسوعية "اليوفرسانية" الفرنسية "سيكلوبيديا يونيفرسليز" أن حكايات هذا الأخير ترتد في أصلها إلى جحا العربي، وإن أضيفت إليها أشياء من هنا وهناك، تبعًا للبلاد التي مرت بها أثناء رحلتها الطويلة عبر التاريخ والجغرافيا.
وبالعودة إلى التاريخ -كما يقول الكاتب- نكتشف أن كل هذه الشخصيات قد ولدت واشتهرت في القرون المتأخرة، بما يدل على أنها تكونت شخصياتها على أساس من شخصية جحا العربي، الذي سبقهم جميعًا. وهو دجين بن ثابت الفزاري.
والواقع أن ما قاله كاتب المادة صحيح، إذ تذكر مقالة النسخة الإنجليزية من الموسوعة: أن أقدم مخطوطة للنوادر المنسوبة إلى نصر الدين تعود إلى أوائل الثلث الأخير من القرن السادس عشر الميلادي، أما النسخة الفرنسية من الموسوعة؛ فترجع تاريخ نصر الدين نفسه إلى ما بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر الميلاديين، على حين أن المصادر التي تتحدث عن جحا العربي، وتورد نوادره أقدم من ذلك كثيرًا.
وعلى سبيل المثال فإن الجاحظ يورد في "رسالة البغال" النادرة التالية من نوادر جحا: "نظر جُحا إلى رجل بين يديه، يسير على بغلة؛ فقال الرجل: الطريق يا
стр. 441
حمصي، فقال رجل: ما يدريك أني حمصي؟ قال: رأيت حير بغلتك فإذا هو يشبه الحاء، ورأيت فقحتها فرأيتها تشبه الميم، ورأيت زنبها فإذا هو يشبه الصاد، فقلت: إنك حمصي".
وفي (الإمتاع والمؤانسة) لأبي حيان التوحيدي، قال جحا لأبي مسلم صاحب الدعوة: إني نذرت إن رأيتك أن آخذ منك ألف درهم، فقال: رأيت أصحاب الهزور يعطون لا يأخذون، وأمر له بها. وفي (البصائر والذخائر) للتوحيدي أيضًا عدة نوادر أخرى لجحا. وفي (تزيين الأسواق) لداود الأنطاكي: أن جُحا قد اشترى يومًا دقيقًا وأعطاه لحَمّال فلما دخلوا في الزّحام هرب الحمال بالدقيق، فرآه جحا بعد أيام فتوارى جُحا منه فقيل لجحا: لم ذلك؟ فقال: أخاف أن يطالبني بالأجرة.
وقدم إلى أبي حازم القاضي سكران ليمتحنه، فقال: من ربك؟ قال: أصلحك الله، هذا ليس من مسائل القضاة، إنه مسائل منكر ونكير؛ فضحك وخلى سبيله. وفيه أيضًا: دخل جحا على المهدي يومًا، فقال له: كم عيالك؟ قال: ثمانية، فأمر له بثمانية آلاف درهم، فأخذها وخرج ولما بلغ الباب رجع، وقال: نسيت واحدًا من عيالي؛ فقال: من هو؟ قال: أنا، فضحك المهدي وأمر له بمثل ذلك.
كما سجل ابن النديم، وهو من أهل القرن السادس الهجري طرائف جحا في كتاب له بعنوان (نوادر جحا)، وفي (جمهرة الأمثال) لأبي هلال العسكري "أحمق من جحا"، وتحت هذا المثل في (مجمع الأمثال) للميداني نقرأ ترجمة لجحا
стр. 442
وبعض من نوادره، يقول الميداني: هو رجل من فزارة وكان يكنى أبا الغصن، فمن حمقه: أن عيسى بن موسى الهاشمي مر به وهو يحفر بظهر الكوفة موضعًا، فقال له: ما لك يا أبا الغصن؟ قال: إني قد دفنتُ في هذه الصحراء دراهم، ولستُ أهتدي إلى مكانها، فقال عيسى: كان يجب أن تجعل عليها علامة، قال: قد فعلت، قال: ماذا؟ قال: سحابة في السماء كانت تظلها، ولست أرى العلامة في السماء".
ومن حمقه أيضًا: "أنه خرج من منزله يومًا بغلس -أي: في الظلام- فعثر في دهليز منزله بقتيل، فضجر به وجره إلى بئر منزله، فألقاه فيها فنزر به أبوه -أي: أحس به أبوه- فأخرجه وغيبه وخنق كبشًا، حتى قتله وألقاه في البئر، ثم إنّ أهل القتيل طافوا في سكك الكوفة، يبحثون عنه فتلقاه جحا فقال: في دارنا رجل مقتول، فانظروا أهو صاحبكم؟ فعدلوا إلى منزله وأنزلوه في البئر، فلما رأى الكبش ناداهم وقال: يا هؤلاء، هل كان لصاحبكم قرن، فضحكوا ومروا -أي: مضوا-".
ومن حُمقه: "أن أبا موسى صاحب الدولة لما ورد الكوفة قال لمن حوله: أيكم يعرف جحا فيدعوه إليّ؟ فقال يقطين: أنا، ودعاه فلما دخل لم يكن في المجلس غير أبي موسى ويقطين، فقال: يا يقطين، أيكما أبو موسى؟! "
ويعلق كاتب مادة جحا في "الوكبيديا" العربية على التشابهات بين نوادر جحا، ونوادر الشخصيات المناظرة له في الآداب الأخرى، قائلًا: إنك تجد الطرائف الواردة في كتاب (نوادر جحا) أي: جحا العربي، المذكور في (فهرس ابن النديم) الذي كان يعيش في القرن الرابع الهجري، هي نفسها مستعملة في نوادرهم الأخرى، ولم يختلف فيها غير أسماء المدن والملوك وتاريخ وقوع الحكاية؛ مما يدل على الأصل العربي لهذه الشخصية.
стр. 443
ثم يمضي كاتب المادة فيقول: إنّ أقدم قصص جُحا تَعُود إلى القرن الأول الهجري، القرن السابع الميلادي؛ فهو دُجين بن ثابت الفزاري، الذي روى عنه أسلم مولى عمر بن الخطاب، وهشام بن عروة، وعبد الله بن المبارك وآخرون. قال الشيرازي: جحا لقب له وكان ظريفًا، والذي يُقال فيه مكذوب عليه.
وقال الحافظ ابن عساكر: إنّه عاش أكثر من مائة سنة، وذكر أن جُحَا تابعي من التابعين، كانت أمه خادمة لأنس بن مالك، وكان الغالب عليه السماحة وصفاء السريرة، فلا ينبغي لأحد أن يسخر به.
وذكر جحا هذا أيضًا في كتب الجلال السيوطي، والذهبي، والحافظ ابن الجوزي، الذي قال: ومنهم جحا. ويكنى أبا الغصين، وقد روي عنه ما يدل على فطنة وذكاء، إلا أن الغالب عليه التغفيل، وقيل: إن بعض من كان يعاديه وضع له حكايات، أي لفقها عليه.
وقال الميداني -طبقًا لما مر بنا قبل قليل-: هو رجل من فزارة، وكان يكنى أبا الغصن. وسواء كان جحا هو هذا أو ذاك؛ فمن الواضح الذي لا يحتاج إلى إثبات أنه أقدم كثيرًا جدًّا في الوجود التاريخي من نصر الديني. وانظر مادة جحا في الطبعة الجديدة من دائرة المعارف الإسلامية.
أما جحا الرومي فهو نصر الدين خوجا، وهو تركي الأصل من أهل الأناضول مولده في مدينة "سيورحصار" ووفاته في مدينة "آق شهر" وقد تلقى علوم الدين في "آق شهر" وقونيا، وولي القضاء في بعض النواحي المتاخمة لآق شهر ثم ولي الخطابة في "سوري حصار" ونصب مدرسًا وإمامًا في بعض المدن، وساح في ولاية قنيا وأنقرة وبرصا وملحقاتها، وكان واعظًا مرشدًا صالحًا يأتي بالمواعظ في قالب النوادر، وله جرأة على الأمراء والقضاة والحكام، وكثيرًا ما كانت الحكومة
стр. 444
تستقدمه من آق شهر إلى العاصمة يومئذ قنيا. وكان عفيفًا زاهدًا، يحرث أهله ويحتطب بيده، وكانت داره محطًّا للواردين من الغرباء والفلاحين.
ويُذكر أن وساطته أنقذت بلدته من "تيمور لانك" الجبار الطاغية المغولي في القرن الرابع عشر الهجري، أما زمنه فالراجح أنه كان في عهد السلطان "أور خان" وظل حتى عهد السلطان "نيل درم" أي: في أوائل القرن السابع من للهجرة، وعاش إلى سنة ستمائة وثلاث وسبعين هجرية، وتوفي عن نحو ستين عامًا، وقبره الآن في تركيا ومكتوب عليه نصر الدين خوجا المشهور بجحا.
وقد أوحت رواية "لوليفر دي جحا، لو سيبل" جحا العبيط التي صدرت سنة ألف وسبعمائة وثماني عشر بقلم أديس و"جوزيبوفيسي" للمخرج "جاك بارتيه" بسيناريو فيلم يدعى جحا، قام ببطولته الممثل المصري عمر الشريف، والإيطالية "كولديا كارندالي" وتم عرضه في دور الخيالة عام ألف وتسعمائة وثمانية وخمسين ميلادية، كما عرضت الصين ما بين عام تسعة وسبعين، وثمانية وثمانين وتسعمائة وألف أربعة عشر حلقة عن جحا بعنوان "حكايات أفندي".
وثَمّ كتابٌ عن جحا ألفه الكاتب الروسي "يونيل سوليفيف" عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين، صور فيه جحا شخصًا جوالًا يفر من الحكومات الظالمة، التي تُرهق الناس بالضرائب والمكوث العبثية في غير مقابل من الخدمات تؤديه الحكومات لمواطنيها، التي تفدحهم بها، وهناك كتب كثيرة للأطفال تدور حول "جحا" منها على سبيل التمثيل: (حكاية جحا والحمار)، و (حكاية جحا القاضي) لمنصور علي عرابي، و (حكاية جحا الفيلسوف) لإيمان عرابي عبد العزيز، و (جحا والسلطان) لأحمد بهجت.
كما دخل اسمه الأمثال الشعبية من مثل: "جحا أولى بلحم طوره" و"مسمار جحا"، "بلدك منين يا جحا إللي فيها مراتي".
стр. 445
وهكذا وقد جعلت منظمة "اليونسكو" من عام ستة وتسعين وسبعمائة وألف ميلادية عام نصر الدين جحا، وفي آخر مقال النسخة الفرنسية من "الويكبيديا" عن جحا ثبتٌ بالكتب والمقالات التي تتحدث عن جحا، أو تتضمن حكاياته يبلغ بضع عشرات، ولا أظنها إلا جزءًا ضئيلًا من المصادر والمراجع التي تتعلق بالموضوع، إذ تقتصر على اللغة الفرنسية ليس إلا.
وقد اختلطت الكثير من النوادر الجحوية والنصرية، حتى يقول الدكتور محمد رجب النجار: إنّ الفصل بينهما أصبح شبه مستحيل، بل غير مجدٍ في النهاية، وإنْ كان في كلام الدكتور النّجار شيء غير قليل من المبالغة، كما سيتبين بعد قليل. كما لاحظ الدكتور أن هناك ميلًا لطمس جحا العربي لمصلحة نصر الدين التركي، ذلك أننا سنجد أن أكثر الكتب العربية التي جمعت النوادر الجحوية بين دفتيها، وخاصة تلك التي شهدت عصر المطبعة في العالم العربي -كما يقول الدكتور النجار- سنجدها جميعًا بلا استثناء تنسب النوادر إلى جحا العربي الرومي، في آن واحد.
فهي مثلًا تقول: "نوادر جحا الكبرى" في عنوانها الرئيسي، وتذكر تحته العنوان ببنط أصغر هذه مجموعة من نوادر الشيخ نصر الدين المعروف بجحا، لقد بلغ من هذا الخلق أن جاء ناشر كتاب (أخبار الحمقى) لابن الجوزي الذي صدر قبل أن يوجد رمز تركي نصر الدين خوجا بعدة قرون، فذكر فيه مثل هذا الكتاب معنونًا لنوادر جحا العربي، هذا العنوان "أخبار جحا المعروف بنصر الدين خوجا". وهذا إن دل على شيء فإنّما يدل على أن العقلية العربية قد تمثلت في النموذجين معًا، وجعلتهما واحدًا مما أتاح فرصة لكل جامع النوادر أن تنسب ما تشاء من النوادر لمن تشاء من أعلام الدعابة عربية أو تركية دون حرج.
стр. 446
بل إن حكمت شريف الذي ترجم النوادر التركية إلى العربية، في كتابه المعروف (نوادر جحا الكبرى) والذي قدر له أن ينتشر في العالم العربي، حتى لقد طبع في مصر أكثر من عشرين طبعة، غير الطبعات السورية واللبنانية والعراقية وغيرها، نَرى حِكْمَت شِريف يَنُصّ صراحة في المقدمة التي كتبها قائلًا: وبعد فقد وقع لي كتاب نوادر ضخم باللغة التركية يسمى (لطائف خوجا نصر الدين) وهو مشهور عندنا في العالم العربي بنصر الدين جحا صاحب الأخبار المستغربة، والنكات المستملحة.
ولما كان ما طُبع في العربية من نوادره قليلًا جدًّا أقدمت على ترجمة هذا الكتاب عن اللغة التركية، وألحقت به مع عثرت عليه في غيره من كتب العرب والترك، من أخبار هذا الرجل وأطواره وقصصه ونوادره؛ حتى اجتمع لديّ هذا الكتاب، ويُضيف الدكتور محمد رجب النّجار أنّ الطبعات العربية جميعًا تستمر على هذا الخلط بين الشخصيتين.
ومن هنا يقول العقاد: إنّ النوادر المنسوبة إلى جحا، يستحيل أن تكون صادرة كلها عن شخص واحد، إذ الأزمنة التي تقع فيها تختلف، وكذلك الأشخاص الذين يظهرون مع جحا ينتمون إلى عصور مختلفة، والعادات والتقاليد التي تعرضها مختلفة، كما أن السمات النفسية والعقلية التي ترسمها لجحا لا يمكن أن تكون لذات الشخص في النوادر كلها؛ لأن بعضها يناقض بعضها الآخر.
ومع هذا نرى العقاد في كتابه (جحا الضاحك المضحك) يميز بعض النوادر بأنها مثلًا نوادر تركية لا عربية، لما تتضمنه من الملامح الأدبية التي تتعلق بلغة الترك لا بلغة العرب، أو لأنها تذكر أسماء مُدن تركية لا عربية، ويُمكن أن نضيف إلى ذلك: أنّ النّوادِر التي تدور حوادثها في بلاد عربية، أو تتحدث عن شخصيات
стр. 447
عربية متقدمة في التاريخ؛ كهارون الرشيد مثلًا، أو أبي موسى الخراساني، أو تصور عادات عربية هي نوادر جحوية لا نصرية.
وتتميز حكايات جُحا أو نصر الدين خوجا بالقصر، والمفارقات غير المتوقعة التي تبعث إلى الضحك، وإن كان بعضها قائمًا على المنطق؛ لكنه المنطق القائم على القياس الخاطئ، ثم إن هذه الحكايات تخلو من الوصف والتحليل، وتقتصر على السرد والحوار الموجزين؛ لتنتهي بما يبعث على القهقهة، إما لما تصرف جُحا أو كلامه من خلل يدل على البلاهة أو التّباله، وإما لما فيه من وخز للمنطق المعوج، أو النفاق اللئيم الذي يلجأ إليه الآخرون في تعاملهم معه.
ومن أمثلة ذلك الحكايات التالية:
"جلس شيخ نصر الدين أفندي يومًا على منصة الوعظ في أحد جوامع أقشه، وقال: أيها المؤمنون، هل تعلمون ما سأقوله لكم؟ فأجبه السامعون كلا لا نعلم، قال: إذا كنتم لا تعلمون فما الفائدة من التكلم ثم نزل، وعاد في يوم آخر، فألقى عليهم نفس السؤال فأجابوه هذه المرة أجل إننا نعلم، فقال: ما دمتم تعلمون ما سأقوله فما الفائدة من الكلام، فحار الحاضرون في أمرهم، واتفقوا فيما بينهم على أن تكون الإجابة في المرة القادمة متناقضة، قسم يُجيب لا، وقسم يجيب نعم، ولما أتاهم المرة الثالثة ووقع عليهم سؤله الأول اختلفت أصواتهم بين لا ونعم، فقال: حسن جدًّا من يَعْلَم يُعلم من لا يَعلم".
"وكان جُحا راكبًا حماره حينما مر ببعض القوم، وأرد أحدهم أن يمزح معه فقال له: يا جحا، لقد عرفت حمارك ولم أعرفك، فقال ججا: هذا طبيعي؛ لأن الحمير يعرف بعضها بعضًا".
стр. 448
"ودَخَل الحمام يومًا، وكان السكون فيه سائدًا؛ فأنشأ يتغنى فأعجبه صوته، فحدثته نفسه بأنه لا يجوز أن يبخل بنعمة صوته البديع على إخوانه المسلمين، فما أسرع ما خرج من الحمام قاصدًا الجامع، حيث صعد للمئذنة، وبدأ ينشد بعض التسابيح في ساعة آذان الظهر؛ فاستغرب المارة هذا الأمر، وكان صوته خشنًا مزعجًا؛ فناده أحدهم قائلًا: ويحك يا أحمق، ما لك تزعج الناس بهذا الإنشاد بصوتك المزعج، وفي مثل هذه الساعة؛ فأجابه من أعلى المئذنة: يا أخي، لو أن محسنًا يتبرع لي ببناء حمام فوق هذه المئذنة؛ لأسمعتك من حسن صوتي ما ينسيك تغريد البلابل".
"ورأى جحا في منامه أن شخصًا أعطاه تسعة دراهم بدلًا من عشرة كان يطلبها منه، فاختلفا ولما احتدم بينهما الجدال انتبه من نومه مذعورًا، فلم ير في يده شيئًا؛ فتكدر ولام نفسه على طمعها، ولكنه عاد فاستلقى في الفراش، وأنزل رأسه تحت اللحاف، ومد إلى المخصوم يده قائلًا هاتها تسعة ولا تزعل".
"توجه جحا مع أحد أصحابه إلى الصيد؛ فرأيا ذئبًا، وطمعا في فروته، فركضا ورائه إلى أن دخل جحرًا، فأدخل رجل رأسه كي يعرف مكن وجوده ويمكسه، فقطع الذئب رأسه، وجحا واقف بجانبه أكثر من ساعة، ولما رأى أن رفيقه لا يخرج سحبه إلى الخارج فشاهده من دون رأس؛ فافتكر في نفسه هل، كان معه رأس أم لا!! فعاد إلى البلد وسأل زوجة صديقه قائلًا: اليوم حين خروج زوجك معي، هل كان رأسه معه أم لا!؟ ".
"ورأته امرأته مرة يأكل تمرًا ولا يُخرج نواة، فقالت: ماذا تصنع كأني بك تأكل التمر بنواه؟ قال لها: طبعًا آكله بنواه؛ لأن البائع وزنه مع النواة، ولو أخرج نواه لما باعه بسبع بارات أما وقد أعطيته الثمن الدراهم بيضًا، فهل أرمي في الزقاق شيئًا اشتريته بدراهمي".
стр. 449
"دعاه "تيمور لانك" لركوب دابته والدخول في ميدان السباق، ولعب الجليد، فذهب إلى الإصطبل وركب ثورًا هرمًا، وجاء به فلما رآه الناس ضحكوا وضجوا، فسأله "تيمور لانك": كيف تدخل ميدان السباق بهذا الثور؟ فأجابه جحا: إني جربت هذا الثور منذ عشر سنوات؛ فكان يسابق الطير في ركضه، فكيف يكون الآن؟!.
"أخذ جُحا يَبيعُ مخللًا وقد ابتاع أدوات المخلل مع حمار المُخللاتي، فكان الحمار يعرف البيوت التي تشتري منه، وكلما ناد الشيخ: مخلل مخلل، كان الحمار ينهق بتلك الأذقة المزدحمة، ويغطي بنهيقه صوت جحا؛ فغضب جحا منه، وذات يومٍ وصل إلى محل مُزدحم، وأخذ الشيخ ينادي: مخلل مخلل؛ فسبقه الحمار إلى النهيق، فألقى له جحا المقلد على عاتقه، وحملق فيه بعينيه قائلًا: انظر يا هذا أأنت تبيع المخلل أم أنا".
"ضاع حمار جحا؛ فأخذ يفتش عنه ويحمد الله شاكرًا؛ فسألوه لماذا تشكر الله على ضياع الحمار؟ فقال: أشكره لأني لم أكن راكبًا على الحمار ساعة ضياعه، ولو كنت راكبًا عليه لضعت معه".
"شعر جُحا بوجود لص في داره ليلًا، فقام إلى الخزانة واختبأ بها، وبحث اللص عن شيء يسرقه فلم يجد فوجد الخزانة، فقال: لعل فيها شيئًا، ففتحها وإذا جحا فيها، فاختلج اللص ولكنه تشجع، وقال: ماذا تفعل هنا يا شيخ؟ فقال جحا: لا تؤاخذني يا أخي، فإني عارف بأنك لا تجد ما تسرقه، ولذلك اختبأت خجلًا منك".
"وكان قميصه منشورًا على الحبل فهبت الريح وقذفته في الأرض، فقال في نفسه: يلزمنا أن نذبح فدية وقربانًا، فسألته زوجته: لماذا؟ فقال: العياذ بالله، لو كنت ألبسه ساعة ما وقع لتحطمت معه".
стр. 450
"سأله "تيمور لانك" قائلًا: تعلم يا جحا أن خلفاء بني العباس كان لكل منهم لقب اختص به، فمنهم الموفق بالله، والمتوكل على الله، والمعتصم بالله، وما شابه ... فلو كنت أنا منهم فماذا يجب أن أختار من الألقاب؟ فأجابه على الفور: يا صاحب الجلالة، لا شك بأنك كنت ستُدعى بلقب نعوذ بالله".
وبهذا يتبين لنا كيف أن الدكتور محمد غنيمي هلال كان متسرعًا جدًّا حينما رفض دخول شخصية جحا بين النماذج الإنسانية في الآداب العالمية، إذ رأيناه موجودًا في عدد من الآداب، منها الشرقي ومنها الغربي، وفي كل منها له اسم مختلف، أما نوادره وملامح شخصيته وأعماله فتكاد تكون واحدة، إلا من بعض السمات التي تختلف باختلاف الدول والشعوب التي ينتمي إليها جحا في كل بلد".
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 451
الدرس: ١٨ بعض النماذج الإنسانية العربية .
стр. 452
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن عشر
(بعض النماذج الإنسانية العربية)
شخصية عنترة العبسي
بعض النماذج الإنسانية العربية:
شخصية عنترة العبسي: وهو شاعرٌ جاهلي من شعراء المعلقات السبع، وفارس من فرسان بني عبس، ارتبط اسمه بحبه بعبلة ابنة عمه.
أما أمه: فجاريةٌ سوداء من الحبشة تدعى زبيبة، تملكها شداد فأنجبت له عنترة، ولكن كان من عادة العرب في الجاهلة إذا كان للرجل ولد من أمة استعبد؛ ولهذا عد عنترة من العبيد.
وكان فارِسُنا وشاعرنا من أشد أهل زمانه، وأجودهم بما ملكت يداه، وقد دعاه أبوه وألحقه بنسبه بسبب غارة لبعض أحياء العرب على قومه بني عبس أظهر فيها عنترة شجاعة فائقة، وقد عانى عنترة أولًا من العبودية التي طوقت عنقه، ثم نال حريته بعد أن قدم التضحيات، وأظهر بطولة فذة وشجاعة نادرة كانت مضرب الأمثال.
وعنترة أحدُ أبطال حرب داحس والغبراء؛ فقد خلدها بشعره ووصف أحداثها مفتخرًا بفروسيتها وأفعاله.
وقد اشتهر عنترة بالفروسية والشعر والخلق السمح، ومما يروى أن بعض أحياء العرب أغاروا على قوم من بني عبس فأصابوا منهم فتتبعهم العبسيون فلحقوهم فقاتلوهم عما معهم، وعنترة فيهم فقال له أبوه: كُر يا عنترة. فقال عنترة: العبدُ لا يحسن الكر، إنما يحسن الحلاب والسر. فقال: كر وأنت حر. فكر وأبلى بلاء حسنًا يومئذ، فادعاه أبوه بعد ذلك وألحق به نسبه.
وقد بلغ الأمر بهذا الفارس الذي نال حريته بشجاعته، أنه دوخ أعداء عبس في حرب داحس والغبراء، وهو ما دعى الأصمعي إلى القول بأن عنترة قد أخذ الحرب كلها في شعره، وبأنه من أشعر الفرسان.
стр. 453
أما النهاية التي لقيها الشاعر، فالقول فيها مختلف، ففئة تقول بأنه مات بسهم رماه به رجل أعماه اسمه الليث الرهيص، أثناء غارة قبيلة عبس على قبيلة طيئ وانهزام العبسيين، وانتقم هذا الرجل من عنترة بسبب العمى الذي أصابه بعنترة في تلك الحرب، ويقال: إن الليث الرهيص كان أحد الفرسان الأقوياء بذلك العصر.
وقد شبه المؤلف "فليب حبي" في كتابه (تاريخ العرب) عنترة بن شداد بـ"أخيل" بوصفه رمزًا لعصر البطولة العربية.
واشتهر عنترة أيضًا بقصة حبه لابنة عمه عبلة بنت مالك، وكانت من أجمل النساء قومها، في نظارة صبى وشرف أرومة، بينما كان عنترة بن عمرو بن شداد العبسي بن جارية فلحاء، أسود البشرة ذاق في صباه ذل العبودية والحرمان وشظف العيش، والمهانة؛ لأن أباه لم يستلحقه بنسبه في البداية، فتاقت روحه إلى الحرية والانعتاق غير أن ابن الفلحاء عرف كيف يكون من صناديد الحرب والهيجاء يذوب عن الأرض ويحمي العرض، ويعف عن المغنم.
وهناك رواية تقول: إن عنترة بوصفه مثالًا لأخلاقيات الحرب، والنبل والشهامة والحمية، قد استحق تنويه النبي محمد ﵊ عندما تولي أمامه قول الشاعر:
ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل
فيُقال: إنّ الرسول محمدًا ﵊ علق على ذلك قائلًا: ((ما وصف لي أعربي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة)).
ويقول صاحب (الأغاني): قال عمر بن الخطاب للحطيئة: كيف كنتم في حربكم؟ قال: كنا ألف فارس حازم. قال: كيف يكون ذلك؟ قال: كان قيس
стр. 454
بن زهير فينا، وكان حازمًا فكنا لا نعصيه، وكان فارسنا عنترة فكنا نحمل إذا حمل ونحجم إذا أحجم، وكان فينا الربيع بن زياد، وكان ذا رأي فكنا نستشيره ولا نخالفه، وكان فينا عروة بن الورد فكنا نأتم بشعره.
وقيل لعنترة: أأنت أشجع العرب وأشَدُّها؟ فقال: لا، فقيل: فلماذا شاع لك هذا في الناس؟ قال: كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزمًا، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزمًا، ولا أدخل إلا موضوعًا أرى لي منه مخرجًا، وكنت أعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة التي يطير لها قلب الشجاع فأثني عليه فأقتله.
وهذه الآراء تؤكد اقتران الحيلة والحنكة في فن الحرب أو عند عنترة وأقران في عصر السيف والرمح والفروسية، ولا مراء في أن عنترة كان أشهر فرسان العرب في الجاهلية وأبعدهم صيتًا وأسيرهم ذكرًا وشيمًا، وعزة نفس، ووفاء للعهد، وإنجازًا للوعد، وكان عنترة ابن لأب من أشراف القوم وأعلاهم نسبًا؛ لكن محنته جاءته من ناحية أمه الأمة، ولم يكن ابن الأمة يلحق بنسب أبيه إلا إذا بَرّز وأظهر جدارته واستحقاقه للحرية والعتق والشرف الرفيع، وهذا ما حصل في حال عنترة الذي اشترى حريته بسيفه وترسه ويراعه، وأثبت أن الإنسان صانع نفسه وصاحب مصيره بغض النظر عن أصله وفصله وجنسه ولونه وشكله.
وقد كانت عبلة وظلت الأثيرة في حياته وحتى مماته، وقد انتهت حياة البطل عنترة بعد أن بلغ من العمر عتيّا، ويشبه في رواية من الروايات المشهورة ميتة "أخيل"، بوصفه فارسًا يُقاتل في التسعين من عمره، ومات مقتولًا إثر رمية سهم، كما أشرنا قبل قليل.
وكان "لامرتين" الشاعر الفرنسي معجبًا بتصوير السيرة الشعبية لميتة عنترة، الذي ما أن أصيب بالسهم المسموم، وأحس أنه ميت لا محالة حتى اتخذ خطة المناضل
стр. 455
حتى بعد مماته، فظل ممتطيًا صهوة جواده، مرتكزًا على رمحه السمهري، وأمر الجيش بأن يتراجع القهقرى وينجو من بأس الأعداء، وظل في وقفته تلك حاميًا ظهر الجيش والعدو بصر الجيش الهارب لكنه لا يستطيع اللحاق به لاستبسال قائده البطل في الذود عنه ووقوفه دونه حتى نجا الجيش وأسلم عنترة الروح باقيًا في مكانه متكئًا على الرمح فوق جواده الأبجر. وبعض المقارنين يَرون في ذلك ما يذكرهم بميتة "رولان" في الملحمة المسامة باسمه.
وشعر عنترة رجع مباشر لمعاناته النفسية، يمتلئ بالحديث عن شمائله وأخلاقه الكريمة، ومعلقته ترسم صورة خلقية كاملة له، ففيها يتحدث عنترة عن وقائعه، وينعت نفسه بأجمل الأوصاف، مظهرًا أخلاقه وكرمه، وكريم فعاله وبطولاته، ويظهر في كثير من أبيات القصيدة أثر الصراع العنيف بين حب عنترة لعبلة وسواد لونه صحة نسبه، فقد ظلمته القبيلة وتنكرت له الحبيبة فتسامى في خلقه وفي حبه، وتغلب على جروحه وآلامه، فأخذ يردد على مسامع عبلة مكارمه ويظهر له مواقفه في مبارزة الأبطال.
هذه هي صورة عنترة كما صورها لنا التاريخ، فهي صورة شاعر فارس لا تتعدى فروسيته نطاق القبيلة، أما في السيرة الشعبية التي تحمل اسمه، فقد ارتفع شأنه إلى أن أصبح نموذجًا أدبيّا، ممثلًا لكل ما هو عربي نبيل؛ بل إنه وهو الوثني قد صار بطلًا للإسلام إذ استحالت السيرة معرضًا للتاريخ العربي قبل الإسلام وبعده، وما وقع فيه من أحداث خطيرة لمدة خمسمائة عام تقريبًا من الصراعات القبيلة، إلى الكفاح ضد احتلال الأحباش اليمن، إلى خضوع بلاد العرب للحكم الفارسي، إلى انتصار القوة الإسلامي الصاعدة على الفرس، إلى الصراع بين الفرس والروم، إلى انتشار الإسلام في شمال إفريقيا فضلًا عن الحروب الصليبية.
стр. 456
وقد كتبت السيرة بأسلوب نثري مسموع تغلب عليه السلاسة مع تطعيمه بما يقارب عشرة آلاف بيت شعري.
وإذا كانت أم عنترة -حسبما نعرف من سجلات التاريخ- عبدة حبشية فإنها في السيرة ليست أقل من أن تكون بنت ملك الحبشة نفسه، أُسرت في بعض المعارك وأخذت إلى بلاد العرب حيث أصبحت أمة من الإماء، أما ابنها فكان ذا قوة أسطورية بالغة وعمر بلغ من الطول حدًّا خياليًّا، إذ امتدت حياته عدة قرون، كما كان باستطاعته وهو طفل رضيع أن يمزق أقوى الملابس التي يقمطونها بها، وحين صار له من العمر سنتان تمكن من تقويض إحدى الخيام، ولما بلغ الرابعة قتل كلبًا ضخمًا، وفي التاسعة ذئبًا، وعندما صار راعيًا فقد صرع أسدًا، وكان في مقدوره أن يجندل أي قرن ينازله في المعركة ثم يكسب قلبه بعد ذلك، وبشجاعته وبدفاعه البطولي عن قبيلته استطاع أن يكتسب حريته فيعترف به أبوه ويعامله معاملة الرجال الأحرار.
أما عمه أبو حبيبته عبلة الذي وعده أن يزوجه إياها في لحظة من لحظات الحاجة إليه، فقد حاول التملص من ذلك الوعد باشتراطه عليه تحقيق بعض المطالب التي من شأنها أن تعرضه للخطر الداهم، إلا أن بطلنا استطاع أن يُنجز كل ما طلب منه، وفاز بحبيبة قلبه رغم كل الأهوال التي لقيها، ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أضيف إليه نجاحه في وضع حد للصراع الدموي بين القبائل التي تنتمي إلى ذات النسب.
كذلك قَام هو نفسه بتعليق قصيدته على أستار الكعبة بعد تفوقه على كل شعراء المعلقات في منافسة شعرية ومبارزة سيفية، ثم ترك مكة إلى خيبر حيث هدم مساكن اليهود، ثم تأخذ السيرة عنترة خارج بلاد العرب إلى العراق بغية الحصول على النوق العصافيرية التي طالبه بها عمه مهرًا لعبلة.
стр. 457
كما نراه يواجه كبار ملوك عصره ويتحداهم وينتصر عليهم جميعًا من أكاسرة، ومناذرة، وأحباش، وفرنجة، وسودانيين، وهنود، ويقود جيوشًا يفتح بها البلاد في مصر، ويزحف عبر الشمال الإفريقي حتى المغرب، ويشاهد تمثالًا له منصوبًا في القسطنطينية إقرارًا من الروم ببطولته، وما قدم لهم من معونته ضد أعدائهم وبجواره تمثالان آخران لأخويه الذين حاربا إلى جانبه.
وكان له فرقة من الفرسان يدربهم ويقودهم، ومن هنا أتت تسميته بالشهيرة أبو الفوارس، وبالمناسبة فقد ترك عنترة وراءه في السيرة ذرية من الأبناء منهم اثنان من أميرتين أروبيتين، وإن لم ينجب في ذات الوقت من عبلة التي زوجته إياها السيرة، رغم أن التاريخ لا يسجل أنه قد حدث بينهما قران.
وقد استحوذت سيرةُ عنترة بما صورته من نموذج إنساني يتحقق فيه البطولة والفروسية والشجاعة والنبل، استحوذت على خيال المسترقين فكتبوا عنها كثيرًا وترجموا بعضها وجعلوا منها موضوعًا من مواضيع الأدب المقارن، وممن ترجموا أجزاءً من تلك السيرة "كوساندبيرسيفال"، و"ديل كاردون"، و"أوشيربونوا"، وكذالك "ترك هملوتون" الذي سمى ما ترجمه " A nter A bdo w in romins " وفي كتابه "فويج أفواياج أون أيوه" يبدي "لامرتين" الشاعر الفرنسي انبهاره بتلك الملحمة العجيبة وتصويرها شخصية عنترة بما تجسمه من التفرد وتعشق الحرية والافتخار بما وهبه من عبقرية وتميز في ميدان الشعر والفروسية جميعًا، قائلًا: " sa tan babla bor show lweek de tot la an gagh" وترجمتها: "أنها إحدى أجمل الأغاني في كل اللغات".
كذلك وصوفها "كوساندبيرسيفال" المستشرق الفرنسي المشهور بأنها "إلياذة العرب" مؤكدًا أنها تقدم لنا صورة شاملة وصادقة ودقيقة وحية ناصعة لحياة
стр. 458
العرب في البادية بما تحتوي عليه من كرم، وثأر وغرام وأريحية وحماسة للنهب وتذوق للشعر، منسوجة بأسلوب يتميز بالأناقة والتنوع بالإضافة إلى ما يبلغه من سموق شاهق في بعض الأحيان.
وفي الجزء الثاني من كتابه عن فلسفة الفن، يضع الناقد الفرنسي هيبوليت بِان عنترة بن شداد إلى جانب أعظم الأبطال في الملامح العالمية، كـ"أوديسوس"، و"أخيل"، و"السيد"، و"رولان"، و"زيجفج"، و"رستم"، ولا ننسى رأي "إرمست لينان" الذي كتب في دراسته عن تاريخ الأديان، مبديًا إعجابه البالغ بهذا العمل، وما يشتمل عليه من صور بديعة لحياة العرب في الجاهلة.
ويُعلق كاتب مادة سيرة عنتر في الطبعة الثانية من "إنسيكلوبيد إسلام" بأن سيرة عنتر تستحق ما تصوف به عن جدارة؛ إذ تعرض علينا "بانوراما" تدل على خيال خصب خلاق، ومهارة في السرد لا يعتريها اللغوب طوال اثنين وثلاثين جزءًا هي أجزاء السيرة العنترية، ذلك العمل الإبداعي الذي صيغ في أسلوب شاعري يتسم بالثراء.
ويرى "رونوكو راشيدي" كاتب مقال: Antera the lion Father of heroes المنشور بموقع: the global a f rk an community يرى فيه عنترة تجسيدًا للفروسية، والعبقرية الشعرية، والعشق، والبطولة، والحدب على الفقراء والمستضعفين، والذود عن النساء.
وإلى جانب ذلك: هُناك السيمفونية التي أبدعها "ريمسكي كورساكوف" من وحي افتتانه بنموذج عنترة بن شداد البطولي وسماها عنترة، وكذلك "الأوبرا" التي ألفها "جابريل دي بو" عام ألف وتسعمائة وأربعة عشر بعنوان عنتر ( Anter)
стр. 459
والتي تتكون من أربعة فصول وخمس لوحات، وأيضًا الكتاب ذو المجلدين الذي أبدعه قلم المصور الفرنسي المسلم إثين دي نِيه عن الشاعر والفارس العربي بعنوان: Anter poin Erowek Arab dibo and Islamic أي: عنتر قصيدة بطولية عربية من العصر الجاهلي.
وزينته ريشته بكثير من الصور الرائعة حتى إن نسخة من الكتاب تباع بإحدى المكتبات الأوربية بخمسة عشر ألف دولار أمريكي، وكذلك المسرحية التي ألفها أبو خليل القباني مصورًا بطولة عنترة وفروسيته، والمسرحية التراجيدية التي مثلت فوق مسرح "الأوديون" بباريس عام ألف وتسعمائة وعشرة من تأليف شكري غانم السوري وعنوانها: عنتر. وتلك التي ألفها محمود تيمور بعنوان حواء الخالدة، واتخذ منها أداة لتصوير مدى الحب الذي كان يكنه ذلك البطل الصنديد لعبلة، واستغلته عبلة استغلالًا شديدًا، فكانت تجشمه المطالب الصعبة فينهض بتحقيقها بطواعية وحب.
ثُم عندنا المسرحية الشعرية التي وضعها شوقي عن شاعرنا الفارس وجعل منه بطلًا قوميًّا هدفه وحدة العرب الجاهليين الذين كانوا ممزقين قبائل متصارعة يعمل بعضها على إفناء بعض.
والمسرحة التي كتبها عادل كامل بعنوان: "ويك عنتر"، ثم الرواية التي كتبها محمد فريد أبو حديد بعنوان: أبو الفوارس، وهو عنوان يشي بما ركز عليه أبو حديد الذي قدم لنا عنترة فارسًا بطلًا لا يشق له غبار، هادفًا من وراء هذا إلى استنفار المشاعر الوطنية لدى المصريين أيام أن كانت مصر محتلة من قبل بريطانيا.
ولدينا كذلك القصة التي وضعها: حسن جوهر، ومحمد أحمد برانق، وأمين أحمد العطار بعنوان: عنترة بن شداد، بهدف بث قيم البطولة في نفوس الناشئة
стр. 460
العرب وقد اعتمدوا في المحل الأول على سيرة عنتر، ولكن دون أساطير، أو خوارق، أو أعمال انتقام وحشية، ودون الأسلوب المسجوع الذي صيغت به السيرة والذي يقترب إلى العامية.
كذلك أخرج طاهر الطناحي قصة عنترة إخراجًا صحفيًّا، ناسبًا إياها إلى يوسف بن إسماعيل أحد أدباء الدولة الفاطمية، مع تزيينها بالرسوم الجميلة والاهتمام الشديد بسوق الأحداث الغرامية سواء كانت لها صلة بالقصة الأصلية أو لا.
وهناك كذلك القصة التي أبدعها عمر أبو النصر بعنوان: عنتر بطل العرب وفارس الصحراء، واختار من السيرة بعض حوادثها وموضوعاتها مركزًا على إبراز بطولة عنترة من أجل بث روح الشجاعة والإقدام والتضحية في نفوس الشباب العربي، في لغة بسيطة سلسة.
ومما يَنْبَغي الإتيان على ذكره في هذا السياق الكتاب الذي نشر في لندن عام ألف وتسعمائة وثمانية وسبعين بعنوان: Anter and Abla abidwon romans
انظر في ذلك مادة سيرة عنتر في كل من: الموسوعة العربية العالمية، والطبعة الثانية من دائرة المعارف الإسلامية، أو مادة Anter Romans of في الموسوعة البريطانية، والطبعة الثانية من دائرة المعارف الإسلامية أو مادة Anter romans of، ومادة Anter في طبعة عام ألفين وتسعة من إن سايكلوبيديا يونفيرسل ياس، ومادة عنترة بن شداد في اليوكيبيديا العربية الإنجليزية والفرنسية، وكتاب (سيرة عنترة) للدكتور محمود الحفني في سلسلة مذاهب وشخصيات من مختارات الإذاعة والتليفزيون في مصر، ومادة "لورماند أنتر" في الجزء الخاص بالنصوص من معجم ليمون دا ليتيرا تير بموقع
следующие страницы →