Полный текст (585 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وقد كتبت السيرة بأسلوب نثري مسموع تغلب عليه السلاسة مع تطعيمه بما يقارب عشرة آلاف بيت شعري.
وإذا كانت أم عنترة -حسبما نعرف من سجلات التاريخ- عبدة حبشية فإنها في السيرة ليست أقل من أن تكون بنت ملك الحبشة نفسه، أُسرت في بعض المعارك وأخذت إلى بلاد العرب حيث أصبحت أمة من الإماء، أما ابنها فكان ذا قوة أسطورية بالغة وعمر بلغ من الطول حدًّا خياليًّا، إذ امتدت حياته عدة قرون، كما كان باستطاعته وهو طفل رضيع أن يمزق أقوى الملابس التي يقمطونها بها، وحين صار له من العمر سنتان تمكن من تقويض إحدى الخيام، ولما بلغ الرابعة قتل كلبًا ضخمًا، وفي التاسعة ذئبًا، وعندما صار راعيًا فقد صرع أسدًا، وكان في مقدوره أن يجندل أي قرن ينازله في المعركة ثم يكسب قلبه بعد ذلك، وبشجاعته وبدفاعه البطولي عن قبيلته استطاع أن يكتسب حريته فيعترف به أبوه ويعامله معاملة الرجال الأحرار.
أما عمه أبو حبيبته عبلة الذي وعده أن يزوجه إياها في لحظة من لحظات الحاجة إليه، فقد حاول التملص من ذلك الوعد باشتراطه عليه تحقيق بعض المطالب التي من شأنها أن تعرضه للخطر الداهم، إلا أن بطلنا استطاع أن يُنجز كل ما طلب منه، وفاز بحبيبة قلبه رغم كل الأهوال التي لقيها، ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أضيف إليه نجاحه في وضع حد للصراع الدموي بين القبائل التي تنتمي إلى ذات النسب.
كذلك قَام هو نفسه بتعليق قصيدته على أستار الكعبة بعد تفوقه على كل شعراء المعلقات في منافسة شعرية ومبارزة سيفية، ثم ترك مكة إلى خيبر حيث هدم مساكن اليهود، ثم تأخذ السيرة عنترة خارج بلاد العرب إلى العراق بغية الحصول على النوق العصافيرية التي طالبه بها عمه مهرًا لعبلة.
стр. 457
كما نراه يواجه كبار ملوك عصره ويتحداهم وينتصر عليهم جميعًا من أكاسرة، ومناذرة، وأحباش، وفرنجة، وسودانيين، وهنود، ويقود جيوشًا يفتح بها البلاد في مصر، ويزحف عبر الشمال الإفريقي حتى المغرب، ويشاهد تمثالًا له منصوبًا في القسطنطينية إقرارًا من الروم ببطولته، وما قدم لهم من معونته ضد أعدائهم وبجواره تمثالان آخران لأخويه الذين حاربا إلى جانبه.
وكان له فرقة من الفرسان يدربهم ويقودهم، ومن هنا أتت تسميته بالشهيرة أبو الفوارس، وبالمناسبة فقد ترك عنترة وراءه في السيرة ذرية من الأبناء منهم اثنان من أميرتين أروبيتين، وإن لم ينجب في ذات الوقت من عبلة التي زوجته إياها السيرة، رغم أن التاريخ لا يسجل أنه قد حدث بينهما قران.
وقد استحوذت سيرةُ عنترة بما صورته من نموذج إنساني يتحقق فيه البطولة والفروسية والشجاعة والنبل، استحوذت على خيال المسترقين فكتبوا عنها كثيرًا وترجموا بعضها وجعلوا منها موضوعًا من مواضيع الأدب المقارن، وممن ترجموا أجزاءً من تلك السيرة "كوساندبيرسيفال"، و"ديل كاردون"، و"أوشيربونوا"، وكذالك "ترك هملوتون" الذي سمى ما ترجمه " A nter A bdo w in romins " وفي كتابه "فويج أفواياج أون أيوه" يبدي "لامرتين" الشاعر الفرنسي انبهاره بتلك الملحمة العجيبة وتصويرها شخصية عنترة بما تجسمه من التفرد وتعشق الحرية والافتخار بما وهبه من عبقرية وتميز في ميدان الشعر والفروسية جميعًا، قائلًا: " sa tan babla bor show lweek de tot la an gagh" وترجمتها: "أنها إحدى أجمل الأغاني في كل اللغات".
كذلك وصوفها "كوساندبيرسيفال" المستشرق الفرنسي المشهور بأنها "إلياذة العرب" مؤكدًا أنها تقدم لنا صورة شاملة وصادقة ودقيقة وحية ناصعة لحياة
стр. 458
العرب في البادية بما تحتوي عليه من كرم، وثأر وغرام وأريحية وحماسة للنهب وتذوق للشعر، منسوجة بأسلوب يتميز بالأناقة والتنوع بالإضافة إلى ما يبلغه من سموق شاهق في بعض الأحيان.
وفي الجزء الثاني من كتابه عن فلسفة الفن، يضع الناقد الفرنسي هيبوليت بِان عنترة بن شداد إلى جانب أعظم الأبطال في الملامح العالمية، كـ"أوديسوس"، و"أخيل"، و"السيد"، و"رولان"، و"زيجفج"، و"رستم"، ولا ننسى رأي "إرمست لينان" الذي كتب في دراسته عن تاريخ الأديان، مبديًا إعجابه البالغ بهذا العمل، وما يشتمل عليه من صور بديعة لحياة العرب في الجاهلة.
ويُعلق كاتب مادة سيرة عنتر في الطبعة الثانية من "إنسيكلوبيد إسلام" بأن سيرة عنتر تستحق ما تصوف به عن جدارة؛ إذ تعرض علينا "بانوراما" تدل على خيال خصب خلاق، ومهارة في السرد لا يعتريها اللغوب طوال اثنين وثلاثين جزءًا هي أجزاء السيرة العنترية، ذلك العمل الإبداعي الذي صيغ في أسلوب شاعري يتسم بالثراء.
ويرى "رونوكو راشيدي" كاتب مقال: Antera the lion Father of heroes المنشور بموقع: the global a f rk an community يرى فيه عنترة تجسيدًا للفروسية، والعبقرية الشعرية، والعشق، والبطولة، والحدب على الفقراء والمستضعفين، والذود عن النساء.
وإلى جانب ذلك: هُناك السيمفونية التي أبدعها "ريمسكي كورساكوف" من وحي افتتانه بنموذج عنترة بن شداد البطولي وسماها عنترة، وكذلك "الأوبرا" التي ألفها "جابريل دي بو" عام ألف وتسعمائة وأربعة عشر بعنوان عنتر ( Anter)
стр. 459
والتي تتكون من أربعة فصول وخمس لوحات، وأيضًا الكتاب ذو المجلدين الذي أبدعه قلم المصور الفرنسي المسلم إثين دي نِيه عن الشاعر والفارس العربي بعنوان: Anter poin Erowek Arab dibo and Islamic أي: عنتر قصيدة بطولية عربية من العصر الجاهلي.
وزينته ريشته بكثير من الصور الرائعة حتى إن نسخة من الكتاب تباع بإحدى المكتبات الأوربية بخمسة عشر ألف دولار أمريكي، وكذلك المسرحية التي ألفها أبو خليل القباني مصورًا بطولة عنترة وفروسيته، والمسرحية التراجيدية التي مثلت فوق مسرح "الأوديون" بباريس عام ألف وتسعمائة وعشرة من تأليف شكري غانم السوري وعنوانها: عنتر. وتلك التي ألفها محمود تيمور بعنوان حواء الخالدة، واتخذ منها أداة لتصوير مدى الحب الذي كان يكنه ذلك البطل الصنديد لعبلة، واستغلته عبلة استغلالًا شديدًا، فكانت تجشمه المطالب الصعبة فينهض بتحقيقها بطواعية وحب.
ثُم عندنا المسرحية الشعرية التي وضعها شوقي عن شاعرنا الفارس وجعل منه بطلًا قوميًّا هدفه وحدة العرب الجاهليين الذين كانوا ممزقين قبائل متصارعة يعمل بعضها على إفناء بعض.
والمسرحة التي كتبها عادل كامل بعنوان: "ويك عنتر"، ثم الرواية التي كتبها محمد فريد أبو حديد بعنوان: أبو الفوارس، وهو عنوان يشي بما ركز عليه أبو حديد الذي قدم لنا عنترة فارسًا بطلًا لا يشق له غبار، هادفًا من وراء هذا إلى استنفار المشاعر الوطنية لدى المصريين أيام أن كانت مصر محتلة من قبل بريطانيا.
ولدينا كذلك القصة التي وضعها: حسن جوهر، ومحمد أحمد برانق، وأمين أحمد العطار بعنوان: عنترة بن شداد، بهدف بث قيم البطولة في نفوس الناشئة
стр. 460
العرب وقد اعتمدوا في المحل الأول على سيرة عنتر، ولكن دون أساطير، أو خوارق، أو أعمال انتقام وحشية، ودون الأسلوب المسجوع الذي صيغت به السيرة والذي يقترب إلى العامية.
كذلك أخرج طاهر الطناحي قصة عنترة إخراجًا صحفيًّا، ناسبًا إياها إلى يوسف بن إسماعيل أحد أدباء الدولة الفاطمية، مع تزيينها بالرسوم الجميلة والاهتمام الشديد بسوق الأحداث الغرامية سواء كانت لها صلة بالقصة الأصلية أو لا.
وهناك كذلك القصة التي أبدعها عمر أبو النصر بعنوان: عنتر بطل العرب وفارس الصحراء، واختار من السيرة بعض حوادثها وموضوعاتها مركزًا على إبراز بطولة عنترة من أجل بث روح الشجاعة والإقدام والتضحية في نفوس الشباب العربي، في لغة بسيطة سلسة.
ومما يَنْبَغي الإتيان على ذكره في هذا السياق الكتاب الذي نشر في لندن عام ألف وتسعمائة وثمانية وسبعين بعنوان: Anter and Abla abidwon romans
انظر في ذلك مادة سيرة عنتر في كل من: الموسوعة العربية العالمية، والطبعة الثانية من دائرة المعارف الإسلامية، أو مادة Anter Romans of في الموسوعة البريطانية، والطبعة الثانية من دائرة المعارف الإسلامية أو مادة Anter romans of، ومادة Anter في طبعة عام ألفين وتسعة من إن سايكلوبيديا يونفيرسل ياس، ومادة عنترة بن شداد في اليوكيبيديا العربية الإنجليزية والفرنسية، وكتاب (سيرة عنترة) للدكتور محمود الحفني في سلسلة مذاهب وشخصيات من مختارات الإذاعة والتليفزيون في مصر، ومادة "لورماند أنتر" في الجزء الخاص بالنصوص من معجم ليمون دا ليتيرا تير بموقع
стр. 461
إيماجومندي، ومقال: Antera the lion father of the heroes المنشور بموقع: the global financianl community.
وفي ستينيات القرن الماضي ظهر فلم بطولة فريد شوقي، وكوكا بعنوان: عنتر بن شداد يصور بطولة الشاعر الفارس الخارقة، والغرام المتبادل بينه وبين عبلة، ذلك الغرام الذي انتهى إلى الزواج على عكس ما يقول التاريخ، وفي ثمانينات القرن ذاته ظهر فلم آخر هزلي لعادل إمام يحمل اسم عنتر، "عنتر شايل سيفه"، وهو ما يدل على مدى ما يحظى به الشاعر والفارس الجاهلي من اهتمام.
ويعزوا إدريس شرقاوي كاتب مادة عنتر بن شداد " Islamic civilization cyclopedia " هذا الاهتمام الواسع إلى سيرة عنترة نفسها.
شخصية مجنون ليلى
النموذج الثاني من النماذج الإنسانية العربية نموذج مجنون ليلى:
وهو حسب المتعارف "قيس بن الملوح" أحد شعراء العصر الأموي، وأخباره متاحة بوفرة في كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني، وبدرجة من التفصيل أقل في كتاب (الشعر والشعراء) لابن قتيبة، وغيرهما من كتب الأدب العربي التراثية.
وأخباره متناثرة كديدن أمثالها من أخبار القدماء.
ومن أخباره كما جاء في (كتاب الأغاني): كان المجنون يهوى ليلى وهما حينئذ صبيان، فعلق كل واحد منهما صاحبه وهما يرعيان مواشي أهلهما، فلم يزالا كذلك حتى كبرا فحجبت عنه.
стр. 462
وفي رواية أخرى: كان سبب عشق المجنون ليلى أنه أقبل ذات يوم على ناقة له كريمة وعليه حلتان من حلل الملوك، فمر بامرأة من قومه يقال لها: كريمة، وعندها جماعة نسوة يتحدثن فيهن ليلى، فأعجبهن جماله وكماله، فدعونه إلى النزول والحديث، فنزل وجعل يحدثهن، وأمر عبدًا له كان معه فعقر لهن ناقته، وظل يحدثهن بقية يومه، فبينا هو كذلك إذ طلع عليهم فتى عليه بردة من برد الأعراب قال له: منازل، يسوق معزة له، فلما رأينه أقبلن عليه وتركن المجنون، فغضب وخرج من عندهن وأنشأ يقول:
أأعقر من جرا كريمة ناقتي ... ووصلي مفروشٌ لوصل منازل
إذا جاء قعقعن الحلي ولم أكن ... إذا جئت أرضى صوت تلك الخلاخل
متى ما انتضلنا بالسهام نضلته ... وإن نرم رشقًا عندها فهو ناضلي
قال: فلما أصبح لبس حلته وركب ناقة له أخرى ومضى متعرضًا لهن، فألفى ليلى قاعدةً بفناء بيتها وقد علق حبه بقلبها وهويته، وعندها جويرياتٌ يتحدثن معها، فوقف بهن وسلم، فدعونه إلى النزول وقلن له: هل لك في محادثة من لا يشغله عنك منازلٌ ولا غيره؟ فقال: إي لعمري، فنزل وفعل مثل ما فعله بالأمس، فأرادت أن تعلم، هل لها عنده مثل ما له عندها، فجعلت تعرض عن حديثه ساعةً بعد ساعةٍ وتحدث غيره، وقد كان علق بقلبه مثل حبها إياه وشغفته واستملحها، فبينا هي تحدثه، إذ أقبل فتىً من الحي فدعته وسارته سرارًا طويلًا، ثم قالت له: انصرف، ونظرت إلى وجه المجنون قد تغير وانتقع لونه وشق عليه فعلها، فأنشأت تقول:
كلانا مظهرٌ للناس بغضًا ... وكل عند صاحبه مكين
تبلغنا العيون بما أردنا ... وفي القلبين ثم هوىً دفين
стр. 463
فلما سَمِع البيتين شهق شهقةً شديدة وأغمي عليه، فمكث على ذلك ساعةً، ونضحوا الماء على وجهه " حتى أفاق " وتمكن حب كل واحد منهما في قلب صاحبه حتى بلغ منه كل مبلغ.
ولما شُهِرَ أمر المجنُون وليلى وتناشَد الناس شعره فيها، خطبها وبذل لها خمسين ناقةً حمراء، وخطبها ورد بن محمد العقيلي، وبذل لها عشرًا من الإبل وراعيها، فقال أهلها: نحن مخيروها بينكما، فمن اختارت تزوجته، ودخلوا إليها فقالوا: والله لئن لم تختاري وردًا لنمثلن بك، فقال المجنون:
ألا يا ليل إن ملكت فينا ... خيارك فانظري لمن الخيار
ولا تستبدلي مني دنيًا ... ولا برمًا إذا حب القتار
يهرول في الصغير إذا رآه ... وتعجزه ملماتٌ كبار
فمثل تأيم منه نكاحٌ ... ومثل تمؤلٍ منه افتقار
فاختارت وردًا فتزوجته على كرهٍ منها.
وعن عثمان بن عمارة بن حريم المري قال: خرجت إلى أرض بني عامر لألقى المجنون، فدللت عليه وعلى محلته، فلقيت أباه شيخًا كبيرًا وحوله إخوةٌ للمجنون مع أبيهم رجالًا؛ فسألتهم عنه فبكوه، وقال الشيخ: أما والله لهو كان آثر عندي من هؤلاء جميعًا، وإنه عشق امرأةً من قومه والله ما كانت تطمع في مثله، فلما فشا أمره وأمرها كره أبوها أن يزوجه إياها بعد ما ظهر من أمرهما، فزوجها غيره، وكان أول ما كلف بها يجلس إليها في نفرٍ من قومها فيتحدثون كما يتحدث الفتيان، وكان أجملهم وأظرفهم وأرواهم لأشعار العرب، فيفيضون في الحديث فيكون أحسنهم فيه إفاضةً، فتعرض عنه وتقبل على غيره، وقد وقع له في قلبها مثل ما وقع لها في قلبه، فظنت به ما هو عليه من حبها، فأقبلت عليه يومًا وقد خلت فقالت:
стр. 464
كلانا مظهرٌ للناس بغضًا ... وكل عند صاحبه مكين
وأسرار الملاحظ ليس تخفي ... إذا نطقت بما تخفي العيون
فخر مغشيًّا عليه ثم أفاق فاقدًا عقله، فكان لا يلبس ثوبًا إلا خرقه ولا يمشي إلا عاريًا ويلعب بالتراب ويجمع العظام حوله، فإذا ذكرت له ليلى أنشأ يحدث عنها عاقلًا ولا يخطئ حرفًا، وترك الصلاة، فإذا قيل له: ما لك لا تصلي! لم يرد بحرفًا، وكنا نحبسه ونقيده، فيعض لسانه وشفته، حتى خشينا عليه فخلينا سبيله فهو يهيم.
وعن هشام ابن الكلبي عن أبيه: أن أبا المجنون وأمه ورجال عشيرته اجتمعوا إلى ليلى فوعظوه وناشدوه الله والرحم، وقالوا له: إن هذا الرجل لهالكٌ، وقبل ذلك ففي أقبح من الهلاك بذهاب عقله، وإنك فاجعٌ به أباه وأهله، فنشدناك الله والرحم أن تفعل ذلك، فوالله ما هي أشرف منه، ولا لك مثل مال أبيه، وقد حكمك في المهر، وإن شئت أن يخلع نفسه إليك من ماله فعل، فأبى وحلف بالله وبطلاق أمها إنه لا يزوجه إياها أبدًا.
وقال: أفضح نفسي وعشيرتي وآتي ما لم يأته أحدٌ من العرب، واسم ابنتي بميسم فضيحة فانصرفوا عنه، وخالفهم لوقته فزوجها رجلًا من قومها وأدخلها إليه، فما أمسى إلا وقد بنى بها، وبلغه الخبر فأيس منها حينئذٍ وزال عقله جملةً، فقال الحي لأبيه: أحجج به إلى مكة وادع الله له، ومره أن يتعلق بأستار الكعبة، فيسأل الله يعافيه مما به ويبغضها إليه، فلعل الله أن يخلصه من هذا البلاء، فحج به أبوه.
فلما صاروا بمنى سمع صائحًا في الليل يصيح: يا ليلى، فصرخ صرخةً، ظَنّوا أن نفسه قد تلفت وسقط مغشيًّا عليه، فلم يزل كذلك حتى أصبح ثم أفاق حائل اللوان ذاهلًا، فأنشأ يقول:
стр. 465
عرضت على قلبي العزاء فقال لي ... من الآن فاياس لا أعزك من صبر
إذا بان من تهوى وأصبح نائيًا ... فلا شيء أجدى من حلولك في القبر
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منىً ... فهيج أطراب الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائرًا كان في صدري
دعا باسم ليلى ظلل الله سعيه ... وليلى بأرضٍ عنه نازحةٍ قفر
ثم قال له أبوه: تعلق بأستار الكعبة واسأل الله أن يعافيك من حب ليلى، فتعلق بأستار الكعبة. وقال: اللهم زدني لليلى حبًّا، وبها كلفًا ولا تنسني ذكرها أبدًا، فهام حينئذٍ واختلط فلم يضبط. قالوا: فكان يهيم في البرية مع الوحش ولا يأكل إلا ما ينبت في البرية من بقل، ولا يشرب إلا مع الظباء إذا وردت مناهلها، وطال شعر جسده ورأسه وألفته الظباء والوحوش فكانت لا تنفر منه، وجعل يهيم حتى يبلغ حدود الشأم، فإذا ثاب إليه عقله سأل من يمر به من أحياء العرب عن نجدٍ، فيقال له: وأين أنت من نجد! قد شارفت الشأم! أنت في موضع كذا، فيقول: فأروني وجهة الطريق، فيرحمونه ويعرضون عليه أن يحملوه وأن يكسوه فيأبى، فيدلونه على طريق نجد فيتوجه نحوه.
ذكر الهيثم بن عدي عن أبي المسكين، قال: خرج منا فتى خرج منا فتىً حتى إذا كان ببئر ميمونٍ إذا جماعة فوق بعض تلك الجبال، وإذا معهم فتىً أبيض طوال جعد كأحسن من رأيت من الرجال على هزالٍ منه وصفرةٍ، وإذا هم متعلقون به، فسألته عنه، فقيل لي: هذا قيسٌ المجنون خرج به أبوه يستجير له بالبيت، وهو على أن يأتي به قبر رسول الله ﷺ ليدعو له هناك لعله يكشف ما به، فإنه يصنع بنفسه صنيعًا يرحمه منه عدوه، يقول: أخرجوني لعلي أتنسم صبا نجدٍ، فيخرجونه
стр. 466
فيتوجهون به نحو نجدٍ، ونحن مع ذلك نخاف أن يلقي نفسه من الجبل، فإن شئت الأجر دنوت منه فأخبرته أنك أقبلت من نجدٍ، فدنوت منه وأقبلوا عليه فقالوا له: يا أبا المهدي، هذا الفتى أقبل من نجد، فتنفس تنفسةٍ ظننت أن كبده قد انصدعت، ثم جعل يسألني عن وادٍ وادٍ وموضعٍ موضعٍ، وأنا أخبره وهو يبكي أحر بكاءٍ وأوجعه للقلب، ثم أنشأ يقول:
ألا ليت شعري عن عوارضتي قنًا ... لطول الليالي هل تغيرتا بعدي
وهل جارتانا بالبتيل إلى الحمى ... على عهدنا أم لم تدوما على العهد
وعن علويات الرياح إذا جرت ... بريح الخزامى هل تهب على نجد
وعن أقحوان الرمل ما هو فاعلٌ ... إذا هو أسرى ليلةً بثرىً جعد
وهل أنفضن الدهر أفنان لمتي ... على لاحق المتنين مندلق الوخد
وهل أسمعن الدهر أصوات هجمةٍ ... تحدر من نشزٍ خصيبٍ إلى وهد
وقد اختلف الناس حول وجود المجنون، منهم من يثبت هذا الوجود ومنهم من ينكره، ويرى أنه لم يكن هناك شخص اسمه مجنون ليلى أو قيس بن الملوح، ومن القائلين بأنه شخصية حقيقة الدكتور محمد غنيمي هلال، الذي يؤكد أنه لا يجد فيما قاله عنه المشككون من الرواة دليلًا يقطع بعدم وجوده، وإن كانت بعض أخباره يظهر فيها التمحل والاختراع أو المبالغة والإسراف.
ولكن متى كانت المبالغة في الأخبار دليلًا على عدم وجود صاحبها، ومعروف أن كل من نبغ في أمر أو شذ فيه يحاط كما يقول هلال بهالة من الأساطير في حياته أو بعد مماته، وبخاصة أن أخبار المجنون قد وصلت إلينا عن طريق الرواية، والروايات تصيب وتخطئ، ولا ينبغي أن نتخذ الخطأ في بعضها ذريعة لإنكارها كلها، وإلا لتعارضت أكثر شخصيات عظماء التاريخ للشك فيها. وهذا الكلام موجود في كتاب الدكتور محمد غنيمي هلال: (دراسات أدبية مقارنة).
стр. 467
وأيًا ما يكن الحق في أمر هذا العاشر، فإن قصته قد أصبحت قصة عالمية إذ انتقلت عبر الآداب المختلفة، وشغلت الأدباء والدارسين شغلانًا كثيرًا حتى اليوم، بوصفه نموذجًا للمحب الموله اليائس، الذي لا يرعوي مع هذا عن حبه ولا يستطيع، بل يظل هائمًا هيمان حتى يفقد عقله من هذا الحب، غير مبال بشيء من الاعتبارات الاجتماعية أو الدينية، إذ هو مغلوب عن أمره لا يقدر على شيء، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولم يكن في وسعه أن يصنع شيئًا إزاء هذا الوله الذي دمره تدميرًا، دون أية بارقة من الأمل.
لقد تحول الحب لهذا النموذج الإنساني إلى حب من أجل الحب، حب لا ثمرة له ولا انتظار لأية ثمرة منه، ومع هذا يظل الحب مستمرًا؛ لأن صاحبه لا يمكنه إيقافه إلا أن كل من تناول قصة المجنون وصنع منها عملًا أدبيًّا قد تناولها بطريقته هو، وضمنها ما يريده هو من أفكار وما يريد أن يخلع عليها من عواطف ومشاعر وما يريد أن يضمنها من قيم ومبادئ.
ومن الأمر العجيب أن قصة المجنون -رغم تشكيك بعض الباحثين في تاريخيتها- قد حظيت باهتمام بالغ في الآداب والفنون غير العربية ربما لم تحظ به أي قصة عربية سواها، نقرأ مثلًا مقال إبراهيم العريس بجريدة الحي اللبنانية بتاريخ الرابع عشر من ديسمبر سنة ألفين وتسعة عنوانه: "ألف وجه لألف عام مجنون ليلى على الطريقة الفارسية صورة حضارات مشتركة"، نقرأ أن حكاية المجنون وغرامه بليلى هي بالتأكيد عربية إذن.
стр. 468
ولكن من الواضح في الوقت نفسه أن شعوبًا أخرى وكتابًا آخرين من غير العرب قد اشتغلوا عليها وطوروها وحولوها إلى أجزاء من تراثهم الأدبي والعاطفي، وربما أكثر من هذا طوال القرون التي تلت ظهورها في المحيط العربي.
صحيح أن حكاية مجنون ليلى، أو ليلى والمجنون أعيد إليه الاعتبار -عربيًّا- في القرن العشرين فحولت مثلًا إلى مغناة رائعة لحنها وغناها محمد عبد الوهاب وأسمهان في صيغة اشتغل عليها أحمد شوقي مازجًا أشعارًا حديثة بأشعار القديمة من منسوبة إلى قيس بن الملوح المعروف بالمجنون، كما حولت إلى مسرحيات وأفلام سينمائية كان منها فلمًا للتونسي "الطيب الوحيشي" إضافة إلى استلهامها في أعمال أديبة حديثة عدة.
ولكن في المقابل ظلّ الإهمال من نصيب هذا العامل المتميز في العالم المعرفي في وقت كان العالم كله يستلهمه، أو يأممه أو يصوغ على منواله أعمالًا تقترب أو تدن بحسب الظروف أو بحسب الثقافات، ومن هنا مثلًا نجد مخرجًا أرمينيًّا جورجيًّا مثل "بارك جانوف" يُحقق أكثر من فلم تلوح من خلاله الحكاية نفسها؛ عاشق غريب مثلًا.
بل إننا لو تبحرنا في آداب شعوب عدة لم يفوتنا أن نرى الحكاية ذاتها تتكرر لاسيما في مناطق وسط أسيا التي نعرف أنها تأثرت كثيرًا بالحضارة العربية وأثرت فيها.
ثم يمضي العريس قائلًا: وفي هذا السياق تحديدًا يكون لافتًا أن نذكر أن الثقافة الفارسية بالتحديد وعلى قلم ولسان بعض كبار شعرائها وكتابها كانت من أكثر ثقافات العالم اهتمامًا بهذه الحكاية شعرًا ورواية ورسمًا، حتى إلى درجة يمكن معها القول: إنّ فارس كانت هي لا الثقافة العربية المكان الذي حفظ الحكاية
стр. 469
على مر العصور، ومن دون إنكار لأصولها العربية على أي حال، وإذ نذكر فارس وثقافتها بهذا المجال يصبح لا بد لنا من أن نتوقف عند اثنين من كبار شعراء الفرس اهتمامًا بحكاية ليلى والمجنون واشتغلا عليها، وهما: نظامي، وجامعي: الأول خلال القرن الثاني عشر، والثاني خلال القرن الخامس عشر الميلاديين.
كما يصبح لا بد لنا من التوقف عند عدد من كبار رسامي المنمنمات الفارسية من الذين أنفقوا وقتًا وجهدًا كبيرين لتحقيق رسوم رائعة تصور بعض فصول الحكاية، ومن أبرزهم: أغا ميراك، ومرسي العلي، ومرزى علي، والشيخ محمد، وإن بقيت رسوم أغا ميراك هي الأجمل؛ إذ ارتبطت بالصيغة التي كتبها نظام للحكاية.
ثم يُفصل الكاتب الأمر قائلًا: إن الباحثين يذكرون أن نظامي وجامعي اشتغلا على الحكاية نفسها من ناحية الأحداث، ولكن ثمة فارقًا كبيرًا بين عمل الأول وعمل الثاني؛ ذلك أن نظامي المتوفى في العالم ألف ومائتين واثنين أعاد صوغ الحكاية كما هي، أي: أنّه ركز على أحداثها الظاهرة، وبعدها العاطفي واقفًا مع حق الإنسان في الحب، مدينًا الأهل الذين سعوا بكل جهدهم كي يحولوا دون تحقق اللقاء بين الحبيبين.
أما جامعي فإنه استخدم الحكاية في صورة رمزية خالصة كي يتحدث من خلالها عن الحب الإلهي بصيغة صوفية، حيث إن العاشقين يمثلان هنا بالنسبة إليه ذلك الحب السامي الذي تتفانى من خلاله الروح لكي تذوب في الذات العليا.
والحال: أنّ هذين البُعدين المختلفين الذين أسبغا على الحكاية نفسها في الثقافة الفارسية، إنما يعبران خير تعبير عن المزاج العام الذي كان يعتبر في فارس، كل حقبة من الحقبتين اللتين عاش في أولهما نظامي، فيما عاش جامعي في ثانيتهما.
стр. 470
ففي عصر نظامي كان شيء من الفكر المادي الدنيوي يسيطر أيام ازدهار الأوضاع الاقتصادية، وبدء ظهور النزعات الإنسانية وصولًا إلى انتشار الدعوات الواقعية، التي تتعاطى مع شئون الحياة الدنيا.
أما في عصر جامعي فكان ثمة نقوص في اتجاه الغيبيات والصوفية كرد على ما انتاب الأمة من تفكك، وعلى ذلك الغرق السابق في الشهوات والدنيويات.
وإذا كان العملان قد لاقيا رواجًا واستحسانًا لدى أجيال متعاقبة من القراء في بلاد الشرق، فإن ما يجب لفت النظر إليه هنا هو أن التعامل العام معهما كان واحدًا حيث إن البعد الصوفي السماوي لقصيدة الجامعي ظل بعيدًا من تفسير القراء العاديين، ومن هنا تم التعامل معها دائمًا من منطلق شعبي كتطوير لغوي لا أكثر لقصيدة النظامي، ذلك أن لغة الشعر كانت قد تطورت حقًّا خلال المائتي عام التي تفصل بين زمن الأول وزمن الثاني.
ومع ذلك لم يغيب عن بالنا هنا أن القصيدة التي كتبها النظامي حظيت دائمًا بشهرة أكبر، وبقبول أعم لدى القراء الفرس، ونظامي اكتفى -كما أشرنا- بصوغ الحكاية كما هي في التراث العربي القديم، الشاعر الجاهلي قيس بن الملوح الذي سيلقب لاحقًا بالمجنون يعيش حبًّا رائعًا مع حبيبته البدوية مثله ليلى، وهو هنا عند نظامي ابن ملك من ملوك الجزيرة العربية؛ لكن انتمائه الملكي لم يسهل عليه الحصول على يدها؛ ذلك أن أهل ليلى كانوا يعيشون عداوة حادة مع أهل قيس؛ لذلك يرفضوا تزويجه ابنته؛ فيجن قيس ويشعر عداوة وألم شديدين، يدفعانه إلى محاولة اختطاف ليلى بالقوة، غير أن محاولته تفشل، فلا يكون كما هو حال الشنفرى وغير من الشعراء الهامشيين الصعاليك إلا أن يتوجه إلى الصحراء ليعيش فيها وحيدًا مع حيواناتها الضارية التي ستكون أكثر حنوًا عليه
стр. 471
من البشر، ومع مناخاتها المتقلبة التي سيمكنه احتمالها أكثر من احتماله غلاظة البشر.
في تلك الأثناء يتكون ليلى تزوجت من شخص آخر، غير أنها أبدًا لا تنسى حبها لقيس، بل إنه صار يحدث لها بين الحين والآخر أن تهرب سرًّا إلى الصحراء، حيث توافي حبيبها في وحدته ووحشتها، ولاحقًا حين يموت زوجا توافيه الصحراء لتتحد حياتها بحياته نهائيًّا، ويتزوجان هناك بالفعل؛ لكن ليلى سرعان ما تموت فما يكون منه إلا أن يلحق بها إلى القبر، حيث يوحد الموت والشجن بينهما، كما ستكون حال روميو وجوليت بعد ذلك بقرون عدة.
قصيدة نظامي هذه تعتبر إذن من عيون الأدب الفارسي، ولكن في الوقت نفسه لا تقل عنها أهمية تلك الرسوم الرائعة التي أعطت فن المنمنمات الفارسية ألقى هو جماله عبر العصور، ولا تزال محفوظة حتى يومنا هذا كدليل حي على ارتباط فن الرسم بالفنون الأدبية في الحضارة الإسلامية، ليس بالضرورة العربية التي طالما اعترض بعض غلاة مفكريها المحافظين على أنت تشمل إبداعاتها رسم أشخاص.
ومع هذا لم تخل بدورها من رسوم عرفت طريقها إلى العيون والعقول، وحفظت عبر التاريخ، حتى من دون أن تصل إلى روعة إبداعات الرسوم المنمنمات الفارسية والماغولية، التي لا شك في أن العدد الأكبر منها يمكن اعتباره دائمًا تحفًا فنية تضاهي أروع ما أنتجته الإنسانية من لوحات غرامية "رومانتيكية". انتهى كلام الكاتب.
لكن لي تعليقًا سريعًا على وصفه للمجنون بأنه شاعر جاهلي وهو وصف غير صحيح؛ إذ المجنون إنما ينتمي كما رأينا إلى العصر الأموي لا الجاهلي ولا حتى إلى عصر صدر الإسلام.
стр. 472
هذا ولا يقتصر أثر قصة ليلى والمجنون على الأدب الفارسي، وهو ما يزيد إيضاحًا ما كتبه خالد محمد أبو الحسن في دراسة له على المشباك -أي: الإنترنت- بعنوان: التناص السردي في ليلة والمجنون لفضول البغدادي ومنوزين لأحمدي خاني، يقول فيها: "لا شك أن قصة ليلى والمجنون نالت اهتمامًا بالغًا من شعراء الإسلام على اختلاف لغاتهم، ولإن كان تنوع موضوعها قد اختلف من شاعر لآخر فإن ذلك يجعل الموضوع أكثر إثارة.
والجدير بالذكر أنّ هذا الموضوع لاقى اهتمامًا كبيرًا أيضًا من الكتاب والباحثين، وتنبع أهميته من كونه موضوعًا يربط بين جل الآداب الإسلامية، ولعل القواسم المشتركة بين الآداب الإسلامية التي انبثقت من التمازج المشترك بين هذه الشعوب منذ العصور التاريخية القديمة، ثم ازدادت إحكامًا وارتقاءً حضاريًّا بعد الإسلام، أوجدت لنا أرضًا خصبة من الحوار الأدبي المتضامن لإثارة قضية صوفية كبرى هي قضية العشق الإلهي.
وتعتبر قصة عشق قيس بن الملوح مجنون بني عامر ليلى العامرية التي بدأت عند العرب في شكل الحب العذري، أعظم قصص الحب في الآداب الإسلامية وإن اختلف مضمونها من أدب لآخر، وإذا كانت قصة المجنون عند العرب تجسد أخبارًا مثيرة تناقلها الناس، فإنها لقيت لدى أدباء إيران على سبيل المثال رواجًا لا نظير له، ثم اتخذت شكل العمل الأدبي المتكامل بعد أن كانت مجرد أخبار متفرقة تعبر عن الحرمان والعذاب والمعاناة والعشق، ومن ثم كان الحب العذري منطلقًا إلى الحب الصوفي في الأدب الصوفي وهذا ما ظهر في صنيع نظامي.
стр. 473
هكذا أدى الحب العذري والحرمان فيه إلى إثارة خيال المتصوفة وأوقد ذاكرتهم؛ فأبْدَعت أفكارًا شتى دخل في العرفان الصوفي الفارسي من الباب الواسع، ومِنْ ثَمّ أخذت تنتقل إلى الأدب العربي فنتج عنها قواسم مشتركة فنًا وفكرًا.
ثم يمضي الكاتب موضحًا أن الأمر لم يقتصر على الأدب الفارسي بل تجاوزه إلى سواه من الآداب الإسلامية الأخرى فيقول: "أما الآداب الإسلامية الأخرى -الأدب التركي الإسلامي على سبيل المثال- فقد حاولت في بداية الأمر أن تقلد الفرس في نظم كبار شعرائهم لهذه القصة، إلا أن هذا التقليد لم يحجب روح الإبداع عن هؤلاء فقد حاول بعض الأتراك أن يجدد في القصة من حيث الشكل والمضمون، كما أن ما نظموه في ليلى والمجنون لا يعد قليلًا أضف إلى ذلك أنه كان يكتسب المقدرة على نثر تلك القصة وتصويرها في شكل أدبي متقن.
ولكن السؤال المهم الذي يطرح نفسه الآن هو: هل وقفت قصة ليلى والمجنون عند حدود المبدعين من العرب والفرس والترك؟
لعل الإجابة على هذا السؤال تنطلق من عمق الثقافة الإسلامية واتساع آدابها، وأعتقد أنه إذا ما خرجنا عن دائرة الآداب الإسلامية الثلاثة العربية والفارسية والتركية، سوف نتعرض لآداب إسلامية أخرى تزيد من الثقافة الإسلامية عمقًا وتعطينا القدرة على فهم المجتمعات الإسلامية المتعددة.
ولعل الأدب الكردي الإسلامي من الآداب الإسلامية الكثيرة لا بد أنه يجتنب بداخله قصة ليلى والمجنون وغيرا من القصص المنسية نظرًا للظروف السياسية، أو ربما لعدم معرفة بعض الدارسين لمثل هذه الثقافات المهمة التي ما يلبث أن يتركها الباحثون المسلمون حتى ينقض عليها باحث الغرب ليُظهروا
стр. 474
لأصحاب هذه الثقافات والآداب الإسلامية المنسية تناسي ذويهم من المسلمين لهم، أو ربما يظهرون لهم احتقار ذويهم لهم ولثقافاتهم.
وقد ذَكَر الباحثُ في أحد هوامشه بعض الأسماء الإسلامية التي اهتمت بتلك الحكاية فقال: "من الذين نظموا ليلى والمجنون من الفرس والترك: نظامي الكانجوي، والجامي، وخصرو الدهلوي، وعلي الشرنوائي، وأحمدي، وغيرهم من كبار شعراء الفرس والترك".
وهكذا يتبين لنا من خلال هذه العجالة الانتشار الواسع لقصة المجنون في الآداب الإسلامية، وصورة والمعاني المختلفة التي اكتسبتها في تلك الآداب، وكذلك المناهج النقدية التي تمت دراستها من خلالها، وإن الإنسان ليستغرب من تلك المفارقة العجيبة التي تحيط بهذه الحكاية؛ إذ بينما يشكك في حقيقتها التاريخية نفر من الباحثين نراها وقد تمردت على هذا الإنكار والتكشكيك، وانطلقت بكل عنفوانها تكتسح الحدود بين الآداب الإسلامية وغير الإسلامية أيضًا غير مبالية بشيء مما يجعلنا نتسائل:
وماذا لو لم تكن تلك الحكاية محل تشكيك وإنكار؟!
أتراها كانت تكون أقوى اكتساحًا وأوسع انتشار واندياحًا؟
أم تراها لم تكن لتحظى بكل هذا الشيوع الذي لاقته والعشق الذي اجتازته؟! ألا إن هذا لمن عجائب الأقدار.
هذا في الأدب الفارسين، أما عند الباكستانيين والهنود، فجاء في النسخة الإنجليزية من الوكيبيديا أن هناك اعتقادًا في الهند بأن ليلى والمجنون قد التجئا إلى قرية هندية من منطقة راجاستان قبل أن يلفظا نفسهما الآخير، وأن قبريهما موجودان في قرية بيجنور الواقعة في سريجاندادار.
стр. 475
وطبقًا لأسطورة ريفية فإن ليلى والمجنون فرا إلى تلك المناطق حيث ماتا هناك، وحيث يحج كثير من العرسان والعشاق من الهند وباكستان، ويقضون يومين، رغم عدم وجود الفنادق بذلك المكان.
وهناك رواية ثالثة توردها الوكيبيديا الإنجليزية تقول: إنّ المُحِبّين قد التقيا في المدرسة، فوقَع المجنون في حب ليلى، ولم يفلح ضرب الناظر إياهما في صرفه عن الانشغال به بدلًا من تأدية واجباته المدرسة، فضلًا عن إنه كلما ضربه سال الدم من ليلى تألمًا له، وحين علمت أسرتهما بالأمر اشتبكتا في عراك، ورغم إبعاد المحبين في طفولاتهما كل عن الآخر التقيا مرة أخرى في شبابيهما إلا أن أخاها تبريز -غيرة منه على سمة الأسرة وشرفها- ذهب إلى المجنون احتدم بينهما الجدال فما كان من المجنون الذي كان قد فقد عقله إلا أن قتله، فقبض عليه، وحكم عليه بالرجم.
لكن ليلى التي لم تستطع أن تتحمل الآمر أعلنت أنها مستعدة بالزواج بغيره إذا ما عفي عنه، وبناء عليه فقد تزوجت ليلى برجل آخر، إلا أن قلبها ظل ينبض بحب المجنون مما أزعج زوجها، حيث ذهب إلى المجنون -حيث كان يعيش في الصحراء- وقتله بالسيف في نوبة غيرة شديدة، ويقال: إن المحبين قد دفنا في قبرين متجاورين، بل تقول الأسطورة: إنهما قد التقيا مرة أخرى في السماء حيث عاشا يحب كلاهما الآخر إلى الأبد.
أما الأدب الأذري، فنجد أن ملحمة ليلى والمجنون قد دخلته في القرن السادس عشر على يد فضولي الذي استعارها منه الملحن الأذري أوزير حازب يوف، وحولها إلى أوبرا عرضة له
стр. 476
أول مرة سنة ألف وتسعمائة وثمان، كما تقول "الوكيبيديا"، وبالإضافة إلى هذا فإن الحكومة الأذرية، أخذت مشهدًا من أحد الأبيات في مسرحية شوقي المسماة: مجنون ليلى وصكتها على ظهر عملة تذكارية أصدرتها بمناسبة الاحتفال بعيد الخمسمائة لفضولي وأعماله.
وتمضي مقالة "الوكيبيديا": إن القصة الأصلية واضحة الحضور في الكتابات الصوفية لنبي مزعوم بهاء الله كما هو الحال مثلا في نص الأودية السبعة.
وفي تركيا حين يريدون أن يصوروا الحب المبرح الذي يفقد صاحبه عقله يقولون بالعامية: إن فلان الفلاني يشعر مثل ليلى.
كذلك ترجمة الملحمة إلى الإنجليزية على يد إسحاق مزرائيلي في العام الأخير من القرن التاسع عشر، وهو ما وسع دائرة المعجبين بهذه القصة وبطليها، وفي كثير من الأعمال السيئ السمعة "ألستر كورولي" تقابلنا هذه القصة وبخاصة في كتابه المسمى: " the book of lies " كتاب الأكاذيب.
وتمضي "الوكيبيديا" فتُشير إلى استحاء كلابتن من قصة ليلى والمجنون عنونها الألبوم المسمى: " Lila and other assorted love songs "، بل إن الأغنية المسماة: " I am yours " إنما هي اقتباس مباشر لمقطع " Lila and magnon ".
وهناك أفلام هندية كثيرة قامت على قصة ليلى والمجنون بدأ من عام ألف وتسعمائة وعشرين، بل إن هناك فلمًا عرض سنة ألف وتسعمائة وست وسبعين باسم: ليلى مجنون، وكثيرًا ما يطلق اسم ليلى والمجنون على أي حبيبين.
أما المجنون فيلقب به المحب المتوله الذي لا يملك زمام عاطفته ولا يستطيع التخفيف من غلوائها.
стр. 477
وفي محطة من محطات المترو في طشقند في أوزبكستان نجد كتابة على لوحة تشير إلى هذه القصة ... إلى آخره.
وفي عدد من من المواقع "المشباكية"، وعلى الفيس بوك كلام كثير عن ليلى والمجنون بلغات مختلفة كتبه ويكتبه قراء عاديون مما يدل على اهتمام شديد من قبلهم بهذين المحبين اللذين تحولا إلى نموذج إنساني في الأدب وفي الحياة اليومية على السواء.
وثَمّ كتاب ألفه أندريه ميكيل، وبريسي كيم بعنوان: Magnon A Lila " lamorfw " وصدر بباريس عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين، ويقول كاتب مادة: Magnon a Lila في النسخة الفرنسية من الوكيبيديا إن قصة ليلى والمجنون تشبه قصة روميو وجوليت.
ومن عجائب الأقدار أيضًا: أنّ أحدًا من العرب في العصر الحديث لم يحاول أن يستلهمها في عمل أدبي، إلى أن جاء عصرنا الحالي فوجدنا الأمر يأخذ منحًا جديدًا فهناك كتابًا مسرحيون اتخذوا من حياته وشخصيته وأخباره موضوعًا لأعمالهم، مثل: إبراهيم الأحدب، وسليم البستاني، وأبو خليل القباني، وإن لم يكن هناك ما يدل على أن تلك الأعمال قد طبعت ووضعت بين يدي القراء.
وكذلك محمد منذر خيل الله الذي وضع مسرحية اسمها: مثلت على خشبة المسرح وطبعت عام ألف وثمانمائة وثمانية وتسعين، ثم عندنا أحمد شوقي الذي ألف مسرحية "مجنون ليلى"، وتقيد فيها إلى حد بعيد بالرواية القديمة عن قيس وليلى، واقتبس كثيرًا من عبارات تلك الروايات ومن عبارات شعر المجنون، مع شيء من التحوير الشفاف، ولدينا كذلك مسرحية لصلاح عبد الصبور اسمها ليلى والمجنون، تجري في بيئة عصرية، إذ تقع حادثه في مبنى صحيفة من الصحف
стр. 478
القاهرية تشتغل فيها ليلى كاتبة لا راعية بدوية من بدو نجد في بلاد العرب في عصر بني أمية.
وفي المسرحية تقوم ليلى وبعض زملائها بتمثيل مسرحية ليلى والمجنون لأحمد شوقي كنوع من دفع الملل من خلال القيام بشيء يختلف عما يفعلونه كل يوم، وإن لم ينطقوا في المسرحية من شعر أمير الشعراء إلا بعد الأبيات القليلة.
وتنتهي المسرحية برسالة من سعيد حبيب من خلف القطبان عبارة عن ترنيمة للعام الجديد، يأمل فيها أن يختفي جيله الذي يكتفي بالكلام والنضال الشفوي ضد الفساد، ويأتي بدل منه جيل جديد يعمل ويحمل السيف؛ بل إنه لا يمكن النظر إلى ليلى في المسرحية على أنها رمز لمصر طبقًا لما قاله الدكتور حسين علي محمد الذي كتب أن الشاعر قد جعل منها رمزًا لمصر، أما مفاجئة حبيبها سعيد الله في بيت الجاسوس فتأويلها حسبما يقول الناقد سقوط مصر فريسة للحكم البوليسي.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 479
الدرس: ١٩ تصوير الآداب القومية للبلاد والشعوب .
стр. 480
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع عشر
(تصوير الآداب القومية للبلاد والشعوب)
أمثلة تأثر الآداب المختلفة بعضها ببعض، مع توضيح عوامل التأتثر
درسنا تصوير الآداب القومية للبلاد والشعوب، وهو مجال آخر من مجالات الأدب المقارن.
والمقصود به: ما يكتبه المؤلفون في كل أدب، وتأثيره على كتاب أو على بيئة أو جنس من البيئات، والأجناس الأدبية في بلد آخر، سواء كانت هذا التأثير لكاتب فرد، أو لطائفة من الكتاب.
ونقطة البدء في هذا البحث: أن نأخذ كاتبًا ما، أو جماعة من الكتاب، أو أدب أمة بأثره، بوصفه مركزًا للإشعاع والتأثير ثم نبحث عن صلتهم بكاتب أو بمذهب أدبي أو بأدب أمة بأثرها بوصفه مركز انعكاس للتأثير، وربما لا نستغني عن اعتبار بعض الكتاب الآخرين وسطاء بين هذا الطرف وذاك، وهؤلاء الوسطاء يلعبون دورًا هامًا في التأثير والتمهيد له بأفكارهم ونقدهم.
وأوّل ما يلفت نظرنا، ويدفعنا إلى استطلاع معالم الصراط الأدبية، هو التشابه في النصوص لكاتبين أو لعدد من الكتاب في آداب مختلفة تشابهًا يجعلنا نَظُنّ أنّ هُناك صلات بين هؤلاء الكتاب، صلات تأثير وتأثر بطبيعة الحال.
ومِن ثَمّ ينبغي على الباحث الكشف عن تلك الصفات وتحديدها، وأول شيء ينبغي الوقوف له أمامه هو تاريخ صدور النصين؛ ليعرف من منهما السابق ومن منهما اللاحق، وقد يغني عن كل ذلك نص واضح من المؤلف يعترف فيه أنه حاكى أو تأثر أو أعجب بأفكار هذا الكاتب الأجنبي أو ذاك، ويكون هذا الاعتراف مفتاح البحث المثمر الأكيد.
стр. 481
هذا ما يقوله الدكتور محمد غنيمي هلال ﵀ ولكن لي تعليقًا على هذا وهو: أن بعض الكتاب ربما لا يقول الحقيقة لسبب أو لآخر، فقد يحاول بعضهم أن يتفاخر بأنه مطلع على أعمال الأديب الفلاني أو غيره على حين أنه لم يطلع على شيء من ذلك، ربما سمع به، ربما كون انطباعًا عامًا عنه، لكنه يريد إيهام القارئ بأنه يعرفه معرفة جيدة، ومن ثم فحتى لو افترضنا أنه قال: إنه قد تأثر به وقرأه وهضمه وما إلى ذلك، فعلينا ألا نأخذ هذا مأخذ التسليم بل لا بد من أن نضعه تحت مجهر البحث لنتأكد بأنفسها.
وإذا لم يكن هناك نص صريح نستدل به على التأثر الأدبي، وجب التثبت من معرفة قرائن أخرى لإثبات الصلات التاريخية بين الأدباء، فقد يكون التشابه بين النصين خادعًا، فيظن الباحث أنه ثمرة التأثر الأدبي، وما هو في الواقع إلا نتيجة لملابسات متشابهة أوحت بنفس المعاني للكاتبين بدون قيام صلة أدبية بينهما، أو نتيجة حركة فكرية أو اجتماعية عامة، نتج عنها اتحاد اتجاه الكاتبين.
بل قد يكون التشابه الأدبي نتيجة مصادفة أو من المواضيع المشتركة بين القرائح الإنسانية، وهذا صحيح؛ لأنّ البشر على اختلاف أوطانهم وأديانهم وأجناسهم وظروفهم، وأزمانهم، هم في نهاية المطاف بشر؛ مواهبهم واحدة، واهتماماتهم واحدة، وهمومهم واحدة، وآمالهم واحدة ... إلى آخره.
وقد يكون من المهم تمييز الأسباب المُختلفة التي أدت إلى التشابه بين الكتاب في الآداب المختلفة، غير أن الوقوف عند مجرد التشابه دون أن تكون هناك صلة تاريخية ليست له أهمية في الدراسات المقارنة"، وهذا كلام الدكتور محمد غنيمي هلال مرة أخرى، وهو صحيح إذا كنا نبحث في مجال التأثير والتأثر، أما إذا كنا نبحث في الأدب المقارن بوجه عام فهناك مدارس أخرى لا تشترط هذا الشرط،
стр. 482
يمكننا على اتجاه هذه المدارس أن ندرس طرفين أدبيين من أدبين مختلفين إذا كان هناك وجه شبه، أو كانت هناك اختلافات، أو أردنا أن نقارن بينهم من حيث القيمة الفنية، أو ما إلى ذلك.
ثم يمضي الدكتور محمد غنيمي هلال قائلًا: وبعد التأكد من قيام الصلاة التاريخية بين الأدبين، يجب أن يمهد الباحث لدراسة مظاهرها التفصيلية ببحوث عامة تسبق التفاصيل المستفادة من النصوص، وموضوع هذه البحوث هو بيان العوامل التي أدت إلى تكوين الصلات بين الكاتبين، أو بين الكُتَّاب، أو بين الآداب بحيث تحققت بفضلها تلك القرابة الأدبية وذلك اللقاح الفكري، ولا تنشأ في العادة صلات قوية بين الآداب إلا إذا سبقتها صلات سياسية، أو اجتماعية، أو فكرية بين شعوب تلك الآداب.
وأمامنا مثل واضح للصلات ذات الآثار البعيدة بين الأدبين: الإيراني والعربي بعد الفتح الإسلامي، فقد كان الغزو العربي فاتحة تنافس بين الشعبين لعبت فيه العناصر الفارسية دورها، إذ حقد الفرس على الدولة الأموية لعصبيتها العربية، وساعدوا العباسيين على إسقاطها، وعلى قيام الدولة العباسية التي حلت محلها، والتي كان لهم فيها نفوذ ضخمة، وما حديث أبي مسلم والبرامكة، وهزيمة الأمين على يد أخيه المأمون، وجيشه، وقيام الدويلات الإيرانية في ظل الخلافة العباسية إلا مظاهر لذلك النفوذ السياسي.
وينبغي ألا ننسى الإشارة -ولو إشارة عابرة- إلى حركة الشعوبية التي كانت مظهر للتنافس بين الشعبي في النواحي الأدبية والفكرية واللغوية، مع تعدد مشاعر هذا التنافس وعمق آثاره.
стр. 483
وقد دَفعت كل تلك العلاقات الشعبين إلى التقارب؛ ليتعرف كل منهما على الآخر، فتعلم كثير من الفرس لغة العرب، وتعلم بعض أدباء العرب لغة الفرس، وبدأ اللقاح الفكري واضحًا بين الأدبين، وذا فروع ثمار كثيرة، وكان التأثير العربي في الأدب الفارسي الحديث أقوى من التأثير الإيراني القديم في الأدب العربي.
ونُحب أن نوضح نقطة هنا حتى لا يساء فهم كلام الدكتور محمد غنيمي هلال في هذا الموضوع، بعد فتح بلاد فارس تبنى الفرس اللغة العربية، وأصبح الأدباء الفرس، والمفكرون الفرس يكتبون باللغة العربية، فكلامه عن تعلم كثير من الفرس اللغة العربية، ربما يفهم منه أن اللغة العربية كانت لغة أجنبية بالنسبة إلى هذا الشعب، لا، بل كانت لغته التي يكتب بها أدباؤه وشعراؤه وعلماؤه ومفكروه ... إلى آخره، ومن هنا نجد كثيرًا جدّا جدًّا من الأدباء والشعراء والمفكرين والعلماء الفرس يملئون مكانًا كبيرًا في التراث العربي.
وقد تكون العوامل التي ربطت بين أدبين أو بين كاتبين هي مجرد وسطاء مهدوا بكتابتهم للتعرف بالبلد أو بالأدب الذي يدعون إليه كما فعل "كارل ليل" في تعريف الإنجليز بالأدب الألماني، وكما فعل "فولتير" في الدعاية لـ"شكسبير"، وكما صنعت مدام "ديستايد" في تعريف الفرنسيين بألمانية وبالأدب الألماني، وكما فعل الشيوعيين عندنا في فترة العشرينات وفي نهاية الأربعينات عندما عرفونا على الأدب الشيوعي والفكر المركسي.
والكُتّاب من الرحالة عامل هام كذلك في هذا النوع من التأثير، وقد كانت إيطاليا كعبة الأدباء في عصر النهضة، وكان هذا سببًا في تعريف أوربا بالأدب الإيطالي، ويدخل في هذا عامل الكتاب الرحالة فيما تم من تأثير بين الأدبين العربي والفارسي كما يقول الدكتور هلال، فنشاط الرحلة بين البلدين بعد الفتح الإسلامي مضرب المثل، وقد آتى ذلك كثيرًا من الثمرات الأدبية، ويكفي أن
стр. 484
نشير في هذا السياق إلى الشاعر العتابي التغلبي الذي كان يرحل إلى إيران لكتابة النصوص الأدبية الإيرانية، وكذلك سعدي الكاتب والشاعر الفارِسي، الذي رحل كثيرًا قبل أن يكتب، وأودع مؤلفاته الخالدة ثمرة تجاربه واطلاعه.
وعِنْدنا كثيرٌ من الرحالة العرب في العصر الحديث، إذ كتبوا عن البلاد التي زاروها وعرفونا بأوضاعها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وما إلى ذلك، كما عرفونا بآدابها، وبعضهم أردف ما كتبه في رحلاته إلى تلك البلاد بترجمة أشياء من آداب تلك البلاد، أو كتابة مؤلفاته عنها.
وبعد ذَلك يستطيع الباحثُ أنْ ينتقل إلى مسألة أخص، وهي الطريقة التي وصلت بها المعارف الأدبية إلى الأدب المتأثر، يا ترى هل وصلتها هذه المعارف عن طريق الترجمة؟ أو هل وصلتها عن طريق الاطلاع المباشر عليها في نصوصها الأصلية؟ وما نوع الترجمة التي اطلعوا عليها؟ أكانت وفية للنص؟ أم حدث فيها تصرف؟ وما قيمة ها التصرف؟ وما مسلك الكاتب المتأثر حياله؟.
ذلك أننا ينبغي أن نعرف أن الترجمات لا تؤدي النص الأصلية كما هو، بل كثيرًا ما تدخل عليه أشياء وأشياء، بقصد من المترجم أو غير قصد، فربما لا يَفهم المترجم النص الأصلي فيترجمه خطأ، وربما يكون ذا هوًا فيغير بعض ما فيه من أفكار وآراء، وقد يحذف منها أشياء، وقد يضيف إليها أشياء، وقد يرى أن ترجمة هذا النص لا يليق فيستغني عنه ... إلى آخره.
وقد راجعت بعض ترجمات القصص التي أرادت بها إحدى دور النشر أن تنشرها للناشئة العرب؛ فكنت ألاحظ أنه إذا كان هناك كلام على كأس من الخمر في حالة من الحالات استبدل بها المترجم كوبًا من عصير البرتقال مثلًا، وكانت حُجّتهم عندما فاتحتهم في هذا أنهم لا يريدون للنشء العربي المسلم أن
стр. 485
ينظر إلى شرب الخمر على أنه أمر طبيعي، وهنا النية طيبة لكن هناك أحيانًا نيات سيئة، ويقصد الكاتب التعمية على القارئ، فلذلك يغير في النص المترجم التغيير الذي يرى أنه يوصله إلى هدفه، سواء بالإضافة أو بالحذف أو بالتغيير أو ... إلى آخره.
ومن المعلوم أن الكاتب لا يهضم إلا ما يتفق مع ميوله وآرائه في الغالب، ولكن التأثير قد يكون قويًّا؛ فيُغَيّر هذه الميول ويحولها، أو يخلق ميولًا أخرى لتخلفها، ويتوقف كل هذا على قوة المؤثرات، وعلى البيئة الاجتماعية، وعلى مطالب العصر الذي عاش فيه الكاتب، وعلى الدور الذي يلعبه النقد الأدبي في العصر من حيث تنميته الاتجاهات والتيارات الجديدة، ومن حيث ترويجه للأدب المؤثر والترجمة منه، وعندنا مثل ابن المقفع الذي روَّج الأدبي الإيراني لدى العرب؛ ولذا يجب الاطلاع على آراء النقاد وعلى المجلات والجرائد التي هي مظنة لوجود آرائهم وبها نعرف اتجاهات العصر وميول الكتاب الأدبية.
وإذا راعينا حالات الأدب المؤثر -كما يقول الدكتور هلال- فإننا نقول: إنه قد يكون كتابًا أو جملة كتاب مشتركين في اتجاه واحد منتمين لمدرسة أدبية واحدة، وقد يكونون مختلفين، وقد يكون أدب أمية بأسره، ثم إن هؤلاء الكتاب قد يؤثرون بأشخاصهم كما أثرت شخصية "جان جاك رسو" بصراحته وفصاحته وحبه للإنسانية، ودفاعه عن حقوق الإنسان، وبشدة حساسيته، واحتدام عواطفه، حتى صارت شخصيته مثلًا يحتذى في ذاته، ويستشف من كتاباته.
وقد صارت هذه الشخصية ذات شهرة واسعة في الآداب الأوربية، وساعدت على الرواج لتأثيره فيها.
ومثلها شخصية "فولتير" الفيلسوف الفرنسي الساخر المتهكم، وكذلك شخصية "بايرون" الشاعر الإنجليزي الذي كان محل إعجاب بعض البيئات، بما يوحي به
стр. 486
من مظهر كأنه طريد السماء في الأرض، بالإضافة إلى عناده وقلقه الفكري، وتشاؤمه وسخريته اللاذعة.
وقد يكون تأثير الكاتب من جهة أخرى غير جوانبه الشخصية، فتختفي في هذه الحالة العناصر الفردية، التي تحل محلها الاتجاهات العامة من الأفكار والنواحي الفنية، والأجناس الأدبية، ثم نواحي الصياغة والأسلوب، ويمكن أن نضرب مثل برؤساء المذاهب الأدبية مثل: "هيجو"، و"زولا"، ويلحق به بهم في نوع تأثيرهم "جوته" و"شكسبير"، وقد تأثر الأدباء العرب في العصر الحديث ألوانًا من التأثير بهذه المذاهب الأدبية المختلفة.
وقد يَقْتَصِر التأثير على المواقف الأدبية والموضوعات في جملتها، كتأثير الأدب الإسباني في الأدب الفرنسي في العصر "الكلاسيكي" والعصر "الرومانتيكي"، إذ أهدى الأدب الإسباني إلى نظيره الفرنسي موضوعات عامة، ومواقف أدبية تُحْتَذى، ولكن الأدباء الفرنسيين عالجوها مع ذلك بطرقتهم، وأضافوا إليها من ذات أنفسهم ما خرجوا به عن تفاصيل أصولها في الأدب الإسباني، ذلك أن التأثير ليس معناه أن يقلد المتأثر المؤثر، تقليد القرود، والببغاوات؛ بل إنه يمتص منه ما يحتاج إليه وما يراه نافعًا، أو ما يقتنع به، ثم يهضمه، ويتمثله في دمائه الفكرية والأدبية، فيخرج من ناحية أخرى شيئًا مختلفًا قليلًا أو كثيرًا رغم اتحاده مع المصدر المؤثر في الخطوط العامة أو في بعضها على الأقل.
وقد تجتمع لشخصية ما مظاهر كثيرة من التأثير في فترة واحدة، أو على فترات متعاقبة كما هو الوضع في أدب "شكسبير" وشعر "بايرون" مثلًا، إذ أثر "شكسبير" بموضوعات مسرحياته أولًا، ثم بنواحيه الفنية لدى المدرسة "الرومانتيكية" الفرنسية، أما "بايرون" فقد أثر بشخصه، وبمسرحياته، وآرائه في الأدباء الفرنسيين، من أهل المدرسة "الرومانتيكية" أيضًا.
стр. 487
كذلك أثرت المواقف العامة المسرحية والشعرية في كُتابنا المحدثين صنوفًا من التأثير، وقد قلنا: إن نقطة البدء هي التشابه في نصين لكاتبين مختلفين تشابهًا لا يحتمل أن يكون سببه غير التأثير واللقاح الفكري نتيجة لتبادل الصلات التاريخية، والمقصود التشابه بمعناه الواسع الذي لا يقف عند حد الأفكار الجزئية أو المحاكاة المُباشرة.
فقد لا يهتم الكاتب الذي خضع للتأثير بمحاكاة أفكار سابقة له محاكاة مباشرة، بل يستفيد من الأثر الأدبي الذي أعجب به ويستلهمه روحه في مؤلفاته، وتتراء تلك الروح تفي الطابع العام الذي الذي يصبغ به فكرته، وقد ينعكس ذلك في مرآة شعره، أو في نوع الموضوعات التي يعالجها.
ومثل ذلك الشاعر الفرنسي "بودلير"، عندما تأثر بالكاتب الأمريكي "إدجر ألن بو" فإن الذي يريد أن يحدد مجال التأثير والتأثر بينهما لا يبحث عنه في تفاصيل أفكار، ولكن في الاتجاهات ونوع الخيال بصفة عامة، ويستعان بذلك بالمادة النقدية التي كتبت عن هذين المؤلفين، وعما أبدعاها، لكي يستطاع بعد ذلك إلى الوصول إلى القواعد العامة للصلات الفكرية والأدبية بينهما.
والكلام عن الاستعانة بالمادة النقدية التي كتبت حول الطرفين الأدبيين الذين نريد أن نقارن بينهما كلام مهم، ذلك أن الباحث المقارن لا يستطيع أن يقوم وحده بكل شيء، والحياة كلها تعاون، فأنا أمد يدي لمن حولي وهم بدورهم يمدون أيديهم إلي، وبهذا الطريقة نستطيع أن نبلغ أهدافنا وغاياتنا.
ومن الواضح -كما يقول الدكتور هلال- أن التأثر قد يكون في الجنس الأدبي، أو في الأفكار والإحساسات، أو في الناحية الفنية في الصياغة والأسلوب، أو في استعارة شخصية واحدة من مسرحية اشتهر صاحبها باختراع تلك الشخصية، كشخصية
стр. 488
السيد وخادمه المستعارين في الأدب الفرنسي، كما في "بوم مارشي" عن "سيرفانس" الإسباني في قصته المسماة: "دونكي خوتة".
ولا يصح أن تصرفنا أقوال كاتب وتصريحاته عن أن ننقدها لنرى مدى صدقها في ملكة خيال الكاتب الذي مكن أن يكون قد تأثر بها، فقد نق د "فولتير" "ويليم شكسبير" نقدًا شديدًا وقال عنه: إنه رغم عبقريته ليس عنده شيء من الذوق، يقصد الذوق الفني، وبالرغم من ذلك فإنه قد تأثر به، مثلًا نراه قد تأثر به في اهتمامه بالناحية التاريخية في مسرحياته، وفي استعارته منه للمواقف التي يتبادل فيها أبطاله ضربات الخنجر، وبجعله الأشباح بعضًا لشخصياته المسرحية. وقد حذر عبد الرحمن الجامي قراءه من الاطلاع على الفلسفة اليونانية رغم أنه هو قد تأثر بها تأثرًا عميقًا.
إذًا فالأدب المقارن يهتم بدراسة الصلة بين الكتاب أيًّا كان مظهرها، سواء كانت بالترجمة، أو بالتقليد، أو بإنتاج شخصي تظهر فيه ألوان التأثير من خضوع للكاتب المؤثر، أو تحويرها بما يتفق وذوق الكاتب أو مرور العصر، أو من تمرد عليه ... إلى آخره.
وفي عالم "الأدب الغربي" يُلاحظ الدكتور محمد غنيمي هلال أن البحوث التي تدخل في هذا الباب قد كثرت كثرة لافتة للنظر ومع ذلك؛ فإنه يكتفي بذكر بعض الأمثلة التي يمكن أن تكون مجالًا للدارسين، فمثلًا لقي كثير من كتاب العرب حظًا كبيرًا لدى أدباء الفرس، فتأثر هؤلاء الأدباء الفرس بهم تأثرًا عميقًا، ولكن كان هذا التأثر في صورة اتجاه عام أدبي أو فني، فنجد أن عبد الحميد الكاتب في العصر الأمور ومن تبعوه في الرسائل والإطناب فيها وصياغتها الفنية، قد أثروا بطريقتهم في هذا الجنس الأدبي في الأدب الفارسي.
стр. 489
وظهرت آثار ذلك التأثير واضحة كل الوضوح فيما وصلنا من الرسائل الفارسية الديوانية، وكذلك في الرسائل الشخصية، وأوضح مثل لذلك ما احتواه من رسائل كتاب (التوسل إلى الترسل) الذي جمعه بهاء الدين البغدادي في أواسط القرن الثاني عشر الميلادي.
وهناك مثل آخر هو تأثير الهمذاني والحريري في القاضي حميد الدين البلخي، الذي تكلمنا عنه في دروس سابقة فقلنا: إنه احتذى بهذين الكاتبين في إبداع جنس المقامة في الأدب الفارسي، وإن لم يأت بعده من يواصل الطريق، فكان هو البداية وكان هو أيضًا النهاية، إذ لم يجد جنس المقامة في الأدب الفارسي مرتعًا خصبًا يساعده على البقاء والنمو.
وعندنا أيضًا تأثير "جوته" في الأدب الفرنسي والأدب الإنجليزي والأدب العربي، وقد ظهر أول تأثير لجوتة في الأدبين الأولين بظهور قصة "آلان فيرتر" سنة ألف وسبعمائة وأربع وسبعين ميلادية، التي تُرجمت إلى الفرنسية بعد ذلك بعامين، وإلى الإنجليزية بعد ذلك بخمسة أعوام، واستقبلت في هاتين اللغتين استقبالًا طيبًا وتعددت ترجماتهما، وكان لنجاحها أكبر تأثير فيما انتشر في ذلك العهد عند "الرومانتيكيين" بما يُسمى بداء العصر "لومال دوسيكل"، والمقصود به القلق الفكري وضيق النفس بمتاعب الحياة وشرورها.
وقد ظهر أثر ذلك في الأدب الفرنسي عند "شاتو بريان"، في شخصية "رينيه"، وعند "تشاترتون" في مسرحيته، وعند "ألفريد ديفنيه" في مسرحية "تشاترتون"، كما ظهرت في الأدب الإنجليزي في كثير من المؤلفات اللورد "بايرون"، وفي أشعار زميله "الرومانتيكي شيرلي"، وقد طغى تأثير "بايرون" و"شيرلي" في إنجلترا حتى نسي بهما تأثير "جوته" نفسه.
стр. 490
وبينما كان الفرنسيون يستطلعون النواحي الفنية لـ"جوته" إذا بـ"تومس كارليل" يَطْلُع على قومه بزعم جديد، وهو أن جوتة حكيم يدعو إلى الخلق القويم، والمُثابرة في خدمة الحق وأداء الواجب، وقد ظلت هذه الناحية الخلقية من أدب "جوته" هي الناحية التي يراها الأدباء من الإنجليز مدة نصف قرن، وذلك بتأثير ما كتبه "كارليل" عن ذلك الأديب والفيلسوف الألماني.
وقد أوحى هذا كله للأدباء الإنجليز بكثير من القصص التربوية والخلقية والدينية، ذلك أن "كارليل" قد وضع "جوته" في مرتبة الملهمين، بل الموحى إليهم، وجعله واحدًا من المدافعين الأشداء عن الخلق والدين، وبهذه الطريقة لم يكن الإنجليز يعرفون شيئًا عن جوانب السخرية والدعاية إلى الاستمتاع بالملذات عند جوته.
ويُضيف الدكتور هلال إلى ذلك أنهم قد خفي عليهم جانب التجديف والإلحاد في كتاباته، وهذه النقطة أحب أن أقف عندها بشيء من التفصيل، ذلك أنما قرأناه عن "جوته" أو قرأناه له لا يدل أبدًا على أنه كان ملحدًا، ربما كان المقصود أنه كفر بالنصرانية التثليثية، وكان يحب الإسلام، فلعل هذا كان السبب في أن الكتاب الأوربيين الذين نقل منهم الدكتور هلال هذه العبارة يكتبون هذا الكلام عن الأديب والفيلسوف الألماني.
أنا لا أظن أنه كان ملحدًا ولا مجدفًا، فإن الرجل تكلم فإن الرجل تكلم عن الله كلامًا عظيمًا، ولكن من وجهة نظر قريبة جدًّا أو متأثرة تأثرًا شديدًا بالقرآن الكريم وأحاديث النبي ﵊ ومن ثم قال من كتب عنه: إنه ربما أسلم، بل إن بعضهم يقول إنه ينظر إليه على أنه مسلم، فكيف يتفق هذا ما ذاك.
أغلبُ الظن -كما قلت- أن الدكتور هلال قد انساق إلى هذه العبارة بما قرأه عند الكتاب الأوربيين عندما تناولوا هذا الجانب العقدي من كتابات "فلهلن جوته".
стр. 491
وظلت فرنسا تهتم أولًا بالناحية الأدبية المسرحية "فاوست" التي تُرجمت إلى الفرنسية عام ألف وثمانمائة وثمانية وعشرين، ونسج الكتاب الفرنسيين على مناولها في التأليف مناظر مسرحية غنائية مثل: "فاوست ومارجريت" لـ"شارل جونوا"، ومثل: لعنة "فاوست" تأليف "بيرليوز".
فلم يلتفت الفرنسيين أول معرفتهم بحوثه إلى الناحية الفلسفية في مؤلفاته، ولكن سرعان ما تنبهوا إليها فأصبح "فاوست" رمز الشخصية "الرومانتيكية" لا في حرصها على حل معضلات هذا العالم فحسب؛ بل أيضًا في تطلعها إلى عالم خير من الذي نحن فيه، حيث ترتوي بالمعرفة غرائز الإنسان وتسموا عواطفه فيزهد في الملذات وفي دواعي الهوى ويرقى إلى الكمال.
كما أن الشيطان يمثل في مسرحية فاوست عنصر الشر تمثيلًا فلسفيا فيه من الحرية الفنية، ما أوحى إلى كثير من الكتاب بالتخلص من الكلاسيكية.
كذلك رأى أصحاب نظرية الفن للفن في "جوته" الفنان المثالي، فقد رمى "تيوفيلي جوتيه" مثلًا إلى محاكاته في مجموعة أشعار "إيمو إيه كرميه"، ثم تعمق ناحيته الفلسفية أصحاب المدرسة البرنسية ومن لف لفهم إذ رأوا في "جوته" آثارًا للفلسفة الهيلينية ومن هؤلاء: "لكونت ديريل"، و"أنتون فرنس".
وآخر مرحلة أثر فيها "جوته" في الأدب الفرنسي كان تأثيره بحياته وشخصيته نفسها، لا بمؤلفاته وأفكاره، ففي أشعاره ومسرحياته مآخذ ونقص إذا اعتبرت في نفسها، ولكنها إذا وضعت موضعها من حياة مؤلفاها؛ فإنّها تمثل ألوانًا طيبة من تلك الحياة الغنية الذاخرة، ومن ثم فإنها تؤلف مجموعًا متناسقًا حيًّا لا مأخذ عليه.
وبهذا المعنى نراه قد أثر في كثير من كتاب فرنسا، وهو ما يلخصه ما قاله "أندريه جيد" من أن "جوته" يرتفع فوق أنقاض نفسه، فكل ذرة تسقط منه تقع مستقيمة تحت قدميه لتشغل مكانها في قاعدة تمثاله الخالد.
стр. 492
هذه مثلًا وجوه التأثير المختلفة التي أثر بها جوتة في الأدب الإنجليزي والأدب الفرنسي في مختلف الفترات، حتى ليشبه "جوته" بمنار ذي وجوه مختلفة، يدور بطيئًا مع الزمن، ويرى الناسُ نوره في كل فترة وجهة واحدة جديدة فيتأثرون بها، ويمثل جوتة النزعة الرومانتيكية في مناصرة القلب على العقل، وقد تراءت هذه النزعة في أدبنا الحديث، فضلًا عن تأثيره في النواحي الفنية في المواقف المسرحية التي تراءت في بعض مسرحيات الأستاذ توفيق الحكيم.
دور الأدب في تسجيل مشاعر الأمة وآرائها
هذا؛ ومن المعلوم أن الأدب سجل مشاعر الأمة وآرائها، ومن هذه الآراء ما يتعلق بصلات هذه الأمة بغيرها، وبالصور التي تكونها لنفسها عما سواها من الأمم بناء على هذه الصلات، ويهتم الباحث المقارن بإبراز هذه الصور كاملة، كما تنعكس في مرآة الأدب القومي لأمة من الأمم.
مثال لذلك صورة مصر كما يراها "جيرال دونرلفال"، أو كما يصورها "فيكتور هيجو" من الكتاب الفرنسيين، ومثال صورة مصر في الأدب الإنجليزي، ويبدأ الباحث ببيان الطريقة التي تكونت بها أفكار أمة ما في أدبها عن الشعب الذي يقصد إلى وصف صورته بذلك الأدب، وللمهاجرين والرحالة فضل كبير في تكوين هذه الأفكار فهم الذين ينقلون إلى أممهم، ويصفون في أدبهم صور ما شاهدوا في البلاد الأخرى، وهم الذين يؤولون هذه المشاهد ويشرحونها بما يتفق وميولهم، وبما يتفق مع غايتهم، وكما تمليه عليهم أحوالهم النفسية والاجتماعية التي سافروا أو هاجروا فيها.
стр. 493
مثلًا: عندنا مدام "ديستال" وهي أديبة فرنسية هاجرت إلى ألمانيا، ضيقًا بما تُعانيه فرنسا أيامها من طغيان نابليون، ومن تحكمه في حرية الأفكار فيها، فكانت تنشد في هجرتها بلدًا تتمتع فيه بتلك الحرية التي حرمتها في فرنسا، فجاءت آراؤها في كتابتها مشوبة بنوع من المثالية التي تحلم بها، أضفتها هي على كل ما رأت وما شرحت، وكان كتابها عن ألمانيا بمثابة صلوات طريد ينشد ملاذًا في عالم مثالي.
وقد أثرت بإدراكها في جيل من الكتاب والرحالة الفرنسيين، فظلت ألمانيا في إنتاجهم بلد الحرية الفنية في المسرحيات والشعر، كما ظلت بلد الحياة المرحة الطليقة التي يتمتع أهلها بملذات الحياة في كنف حرية رحبة الآفاق، وبالرغم من أن الصورة التي رسمتها مدام "ديستال" لألمانية كانت غير صادقة ومبالغ فيها، فقد ظلت ذات أثر بالغ في معاصريها ومن جاء بعدهم، من أدباء النصف الأول من القرن التاسع عشر.
وهنا نحب أن نضيف شيئًا، فهذه الصورة التي رسمتها مدام "ديستايل" أو التي انطبعت في نفوس القراء الفرنسيين عن ألمانيا وعن الشعب الألماني، تختلف كثيرًا عن صورة الألمان عندنا نحن المصريين الآن إذ ننظر إليهم على أنهم شعب جاد خشن لا وقت عندهم للفكاهة ولا يعرف إلا الطرق المستقيمة، وكل حياته عمل في عمل، وجهامة في جهامة، أين الحقيقة بين هذا وذاك؟ الحقيقة يعلمها الله، وكما قال الدكتور هلال قبل قليل: إن كل إنسان يصور لنا صورة عن الأمة التي زارها بما يتفق ونظرته إلى الحياة ومزاجه الشخصي، وأفكاره، وفلسفته، وحالته النفسي التي كان عليها حين ذاك، ومقارنته بين ذالك البلد وبلده هو ... إلى آخره. هناك عوامل كثيرة تتحكم في تشكيل تلك الصور.
ويقول الدكتور هلال: على الباحث في هذا الباب أن يتعرض لتحديد ما رآه الرحالة من البلاد الأخرى، فمثلًا: المعروف أن مدام "ديستايل" لم تر من ألمانيا
стр. 494
غير رجال الأدب من المجتمعات الأرستقراطية في مقاطعة "ساكس" وغير رجال السياسات وبعض الفلاسفة في برلين، وبمخالطتها لهؤلاء تحدد نظراتها الفاصلة في تصويرها لألمانية.
وكذلك لم ير شوقي من أسبانيا إلا بعد المدن التي زارها زيارة عابرة عندما نفاه الإنجليز أثناء الحرب العالمية الأولى، ولم يهتم إلا بالحديث عن أسبانيا المسلمة وآثارها، وقد عاش بثقافته وميوله في الماضي الذي تحدث عنه، دون أن يعنى بتصوير البلاد وحاضر أهلها، ومع ذلك فإن لابنه كتابًا عن أبيه تكلم عن تلك الفترة، وذكر طرائف ووقائع متعددة ترينا جوانب من شخصية شوقي لا نعرفها عنه مباشرة، ولا نعرفها من شعره، ولا مما كتبه من كتب، بل نعرفها من ابنه، فلعل هذا المثال يوضح لنا ماذا يقصد الدكتور محمد غنيمي هلال بهذا الكلام.
وعلى الباحث أيضًا أن يرينا كيف رأى هؤلاء الرحالة البلد الذي رحلوا إليه، فيتعرض لشرح آرائهم فيه وتحليلها ولكن دراسته من هذه الناحية ليست إلا وسيلة لتكوين صورة البلد الأدبية التي ارتسمت بفضل هؤلاء الرحالة في أدبهم القومي.
ثم ينتقل الباحث بعد ذلك إلى دراسة صدى آراء الرحالة من الكتاب لدى أبناء أمتهم ممن تحدثوا عن نفس البلد أو أرادوا وصفه، وتقديم نماذج بشرية لأهله أيًّا كان الجنس الأدبي الذي تحدثوا فيه عن ذلك من مسرحية أو قصة أو رسائل، وترتسم كل ذلك أجزاء الصورة الأدبية للبلاد والشعوب الأجنبية، وقد تكون هذه الصورة مستوفاة الأجزاء فيما إذا تحدث الكاتب عن المظاهر المختلفة للبلد الآخر من مناظر طبيعية ومن عادات وتقاليد، ومن طبائع ونظم، ويغلب هذا على أدب الرحالة من القرن التاسع عشر.
стр. 495
وقد تكون الصورة التي رسمها كتاب بلد ما للبلد الآخر، ناقصة مبتورة كما هي الحال عند كتاب العرب ورحالتها الذين لم يرو من إسبانيا إلا جانبها الإسلامي وظل يبكون فيها الفردوس المفقود الذي نفي عنه أجدادهم.
وبالمناسبة: فمن الصعب جدًّا جدًّا إن لم يكن من المستحيل أن يُلم كاتب واحد بكل الجوانب المختلفة لبلد ما عند زيارته لها أو عند كتابته عنه، ومهما كان موسوعي النظرة فإنه في نهاية المطاف بشر ضيق نطاق الرؤيا ومن هنا ينبغي ألا ننتظر منه الإلمام بكل شيء في ذلك البلد، بل نكتفي بما استطاع أن يعرضه لنا، وعلينا أن نكمله بما كتبه الأدباء الآخرون.
ويقول الدكتور هلال عن حق: إن الصور الأدبية التي تتكون هذا النحو قلما تكون صادقة أمينة في تعبيرها عن طبيعة البلد ونفسية ساكنيه، بل كثيرًا ما تختلط الحقائق فيها بمزاعم لا أصل لها، أو بتأويلات مبالغ فيها، فتخرج بذلك عن حدود الواقع، وتصير في جملتها من خلق الآداب المختلفة.
ومثال ذلك ما كتبه الشيوعيون عندما زاروا الاتحاد السوفيتي وبلاد الكتلة الشرقية، فقد كانوا يقدمون لنا صورًا ساطعة براقة ليس فيها أي موضع لعيب أو لنقص أو لمؤاخذة أو ما إلى ذلك، وإذا كان هذا صحيحًا فلماذا ثارت شعوب تلك البلاد على حكامها وعلى نظامها؟! إذا كان الأمر كما صوروه لنا في كتاباتهم فلماذا كانت نفوس هؤلاء الشعوب ضائقة بهذه الأوضاع إلى الحد الذي جعلهم يثورون على أنظمة بلادهم ويهدمونها هدمًا؟! ولا أريد أن أقول: إن هؤلاء الرحالة الذين صوروا هذه الصور البراقة لبلاد الكتلة الشرقية كانوا متأثرين باتجاهاتهم بالمركسية فقط، بل ربما دفع لهم أموالًا ليقدموا لنا هذه الصور البراقة، كلون من ألوان الدعاية، وهذا معروف جدًّا وله حساباته الخاصة في
следующие страницы →