← Адаб

Адаб · id 8949

الأدب المقارن - جامعة المدينة (ماجستير)

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (585 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وظلت فرنسا تهتم أولًا بالناحية الأدبية المسرحية "فاوست" التي تُرجمت إلى الفرنسية عام ألف وثمانمائة وثمانية وعشرين، ونسج الكتاب الفرنسيين على مناولها في التأليف مناظر مسرحية غنائية مثل: "فاوست ومارجريت" لـ"شارل جونوا"، ومثل: لعنة "فاوست" تأليف "بيرليوز". فلم يلتفت الفرنسيين أول معرفتهم بحوثه إلى الناحية الفلسفية في مؤلفاته، ولكن سرعان ما تنبهوا إليها فأصبح "فاوست" رمز الشخصية "الرومانتيكية" لا في حرصها على حل معضلات هذا العالم فحسب؛ بل أيضًا في تطلعها إلى عالم خير من الذي نحن فيه، حيث ترتوي بالمعرفة غرائز الإنسان وتسموا عواطفه فيزهد في الملذات وفي دواعي الهوى ويرقى إلى الكمال. كما أن الشيطان يمثل في مسرحية فاوست عنصر الشر تمثيلًا فلسفيا فيه من الحرية الفنية، ما أوحى إلى كثير من الكتاب بالتخلص من الكلاسيكية. كذلك رأى أصحاب نظرية الفن للفن في "جوته" الفنان المثالي، فقد رمى "تيوفيلي جوتيه" مثلًا إلى محاكاته في مجموعة أشعار "إيمو إيه كرميه"، ثم تعمق ناحيته الفلسفية أصحاب المدرسة البرنسية ومن لف لفهم إذ رأوا في "جوته" آثارًا للفلسفة الهيلينية ومن هؤلاء: "لكونت ديريل"، و"أنتون فرنس". وآخر مرحلة أثر فيها "جوته" في الأدب الفرنسي كان تأثيره بحياته وشخصيته نفسها، لا بمؤلفاته وأفكاره، ففي أشعاره ومسرحياته مآخذ ونقص إذا اعتبرت في نفسها، ولكنها إذا وضعت موضعها من حياة مؤلفاها؛ فإنّها تمثل ألوانًا طيبة من تلك الحياة الغنية الذاخرة، ومن ثم فإنها تؤلف مجموعًا متناسقًا حيًّا لا مأخذ عليه. وبهذا المعنى نراه قد أثر في كثير من كتاب فرنسا، وهو ما يلخصه ما قاله "أندريه جيد" من أن "جوته" يرتفع فوق أنقاض نفسه، فكل ذرة تسقط منه تقع مستقيمة تحت قدميه لتشغل مكانها في قاعدة تمثاله الخالد.

стр. 492

هذه مثلًا وجوه التأثير المختلفة التي أثر بها جوتة في الأدب الإنجليزي والأدب الفرنسي في مختلف الفترات، حتى ليشبه "جوته" بمنار ذي وجوه مختلفة، يدور بطيئًا مع الزمن، ويرى الناسُ نوره في كل فترة وجهة واحدة جديدة فيتأثرون بها، ويمثل جوتة النزعة الرومانتيكية في مناصرة القلب على العقل، وقد تراءت هذه النزعة في أدبنا الحديث، فضلًا عن تأثيره في النواحي الفنية في المواقف المسرحية التي تراءت في بعض مسرحيات الأستاذ توفيق الحكيم. دور الأدب في تسجيل مشاعر الأمة وآرائها هذا؛ ومن المعلوم أن الأدب سجل مشاعر الأمة وآرائها، ومن هذه الآراء ما يتعلق بصلات هذه الأمة بغيرها، وبالصور التي تكونها لنفسها عما سواها من الأمم بناء على هذه الصلات، ويهتم الباحث المقارن بإبراز هذه الصور كاملة، كما تنعكس في مرآة الأدب القومي لأمة من الأمم. مثال لذلك صورة مصر كما يراها "جيرال دونرلفال"، أو كما يصورها "فيكتور هيجو" من الكتاب الفرنسيين، ومثال صورة مصر في الأدب الإنجليزي، ويبدأ الباحث ببيان الطريقة التي تكونت بها أفكار أمة ما في أدبها عن الشعب الذي يقصد إلى وصف صورته بذلك الأدب، وللمهاجرين والرحالة فضل كبير في تكوين هذه الأفكار فهم الذين ينقلون إلى أممهم، ويصفون في أدبهم صور ما شاهدوا في البلاد الأخرى، وهم الذين يؤولون هذه المشاهد ويشرحونها بما يتفق وميولهم، وبما يتفق مع غايتهم، وكما تمليه عليهم أحوالهم النفسية والاجتماعية التي سافروا أو هاجروا فيها.

стр. 493

مثلًا: عندنا مدام "ديستال" وهي أديبة فرنسية هاجرت إلى ألمانيا، ضيقًا بما تُعانيه فرنسا أيامها من طغيان نابليون، ومن تحكمه في حرية الأفكار فيها، فكانت تنشد في هجرتها بلدًا تتمتع فيه بتلك الحرية التي حرمتها في فرنسا، فجاءت آراؤها في كتابتها مشوبة بنوع من المثالية التي تحلم بها، أضفتها هي على كل ما رأت وما شرحت، وكان كتابها عن ألمانيا بمثابة صلوات طريد ينشد ملاذًا في عالم مثالي. وقد أثرت بإدراكها في جيل من الكتاب والرحالة الفرنسيين، فظلت ألمانيا في إنتاجهم بلد الحرية الفنية في المسرحيات والشعر، كما ظلت بلد الحياة المرحة الطليقة التي يتمتع أهلها بملذات الحياة في كنف حرية رحبة الآفاق، وبالرغم من أن الصورة التي رسمتها مدام "ديستال" لألمانية كانت غير صادقة ومبالغ فيها، فقد ظلت ذات أثر بالغ في معاصريها ومن جاء بعدهم، من أدباء النصف الأول من القرن التاسع عشر. وهنا نحب أن نضيف شيئًا، فهذه الصورة التي رسمتها مدام "ديستايل" أو التي انطبعت في نفوس القراء الفرنسيين عن ألمانيا وعن الشعب الألماني، تختلف كثيرًا عن صورة الألمان عندنا نحن المصريين الآن إذ ننظر إليهم على أنهم شعب جاد خشن لا وقت عندهم للفكاهة ولا يعرف إلا الطرق المستقيمة، وكل حياته عمل في عمل، وجهامة في جهامة، أين الحقيقة بين هذا وذاك؟ الحقيقة يعلمها الله، وكما قال الدكتور هلال قبل قليل: إن كل إنسان يصور لنا صورة عن الأمة التي زارها بما يتفق ونظرته إلى الحياة ومزاجه الشخصي، وأفكاره، وفلسفته، وحالته النفسي التي كان عليها حين ذاك، ومقارنته بين ذالك البلد وبلده هو ... إلى آخره. هناك عوامل كثيرة تتحكم في تشكيل تلك الصور. ويقول الدكتور هلال: على الباحث في هذا الباب أن يتعرض لتحديد ما رآه الرحالة من البلاد الأخرى، فمثلًا: المعروف أن مدام "ديستايل" لم تر من ألمانيا

стр. 494

غير رجال الأدب من المجتمعات الأرستقراطية في مقاطعة "ساكس" وغير رجال السياسات وبعض الفلاسفة في برلين، وبمخالطتها لهؤلاء تحدد نظراتها الفاصلة في تصويرها لألمانية. وكذلك لم ير شوقي من أسبانيا إلا بعد المدن التي زارها زيارة عابرة عندما نفاه الإنجليز أثناء الحرب العالمية الأولى، ولم يهتم إلا بالحديث عن أسبانيا المسلمة وآثارها، وقد عاش بثقافته وميوله في الماضي الذي تحدث عنه، دون أن يعنى بتصوير البلاد وحاضر أهلها، ومع ذلك فإن لابنه كتابًا عن أبيه تكلم عن تلك الفترة، وذكر طرائف ووقائع متعددة ترينا جوانب من شخصية شوقي لا نعرفها عنه مباشرة، ولا نعرفها من شعره، ولا مما كتبه من كتب، بل نعرفها من ابنه، فلعل هذا المثال يوضح لنا ماذا يقصد الدكتور محمد غنيمي هلال بهذا الكلام. وعلى الباحث أيضًا أن يرينا كيف رأى هؤلاء الرحالة البلد الذي رحلوا إليه، فيتعرض لشرح آرائهم فيه وتحليلها ولكن دراسته من هذه الناحية ليست إلا وسيلة لتكوين صورة البلد الأدبية التي ارتسمت بفضل هؤلاء الرحالة في أدبهم القومي. ثم ينتقل الباحث بعد ذلك إلى دراسة صدى آراء الرحالة من الكتاب لدى أبناء أمتهم ممن تحدثوا عن نفس البلد أو أرادوا وصفه، وتقديم نماذج بشرية لأهله أيًّا كان الجنس الأدبي الذي تحدثوا فيه عن ذلك من مسرحية أو قصة أو رسائل، وترتسم كل ذلك أجزاء الصورة الأدبية للبلاد والشعوب الأجنبية، وقد تكون هذه الصورة مستوفاة الأجزاء فيما إذا تحدث الكاتب عن المظاهر المختلفة للبلد الآخر من مناظر طبيعية ومن عادات وتقاليد، ومن طبائع ونظم، ويغلب هذا على أدب الرحالة من القرن التاسع عشر.

стр. 495

وقد تكون الصورة التي رسمها كتاب بلد ما للبلد الآخر، ناقصة مبتورة كما هي الحال عند كتاب العرب ورحالتها الذين لم يرو من إسبانيا إلا جانبها الإسلامي وظل يبكون فيها الفردوس المفقود الذي نفي عنه أجدادهم. وبالمناسبة: فمن الصعب جدًّا جدًّا إن لم يكن من المستحيل أن يُلم كاتب واحد بكل الجوانب المختلفة لبلد ما عند زيارته لها أو عند كتابته عنه، ومهما كان موسوعي النظرة فإنه في نهاية المطاف بشر ضيق نطاق الرؤيا ومن هنا ينبغي ألا ننتظر منه الإلمام بكل شيء في ذلك البلد، بل نكتفي بما استطاع أن يعرضه لنا، وعلينا أن نكمله بما كتبه الأدباء الآخرون. ويقول الدكتور هلال عن حق: إن الصور الأدبية التي تتكون هذا النحو قلما تكون صادقة أمينة في تعبيرها عن طبيعة البلد ونفسية ساكنيه، بل كثيرًا ما تختلط الحقائق فيها بمزاعم لا أصل لها، أو بتأويلات مبالغ فيها، فتخرج بذلك عن حدود الواقع، وتصير في جملتها من خلق الآداب المختلفة. ومثال ذلك ما كتبه الشيوعيون عندما زاروا الاتحاد السوفيتي وبلاد الكتلة الشرقية، فقد كانوا يقدمون لنا صورًا ساطعة براقة ليس فيها أي موضع لعيب أو لنقص أو لمؤاخذة أو ما إلى ذلك، وإذا كان هذا صحيحًا فلماذا ثارت شعوب تلك البلاد على حكامها وعلى نظامها؟! إذا كان الأمر كما صوروه لنا في كتاباتهم فلماذا كانت نفوس هؤلاء الشعوب ضائقة بهذه الأوضاع إلى الحد الذي جعلهم يثورون على أنظمة بلادهم ويهدمونها هدمًا؟! ولا أريد أن أقول: إن هؤلاء الرحالة الذين صوروا هذه الصور البراقة لبلاد الكتلة الشرقية كانوا متأثرين باتجاهاتهم بالمركسية فقط، بل ربما دفع لهم أموالًا ليقدموا لنا هذه الصور البراقة، كلون من ألوان الدعاية، وهذا معروف جدًّا وله حساباته الخاصة في

стр. 496

المخابرات وما إلى ذلك، إذ يجندون الكتاب الأجانب للكتابة عن بلادهم من وجهة نظر معينة، كي يعطوا انطباعًا معينًا لدى الشعوب الأخرى. ومن الواضح أن العوامل النفسية والاجتماعية تتضافر لخلق العناصر الهامة، والأفكار العامة التي تلعب دورها في تكوين عقيدة شعب في شعب آخر، فتصبغها بصبغتها، حين تتكون ثم تساعد على رواجها لدى ذلك الشعب، وقد تتغيرُ تبعًا لتلك العوامل الصور الأدبية لشعوب، إلى ما هو خير من الصور السابقة أو إلى ما هو شر منها. وهذا صحيح فأمريكا مثلًا قبل العقود الأخيرة كانت ترتبط في أذهان كثير من العرب بأنها جنة الله في أرضه، وكنت وأنا طالب في الجامعة أسمع بعض زملائي يقولون: نار الرأسمالية ولا جنة الشيوعية. وعندما بلغنا أمريكا في العقود الأخيرة وضربتنا أمريكا ضربات ساحقة وتريد تدميرنا، واطلاعنا على حقيقة أمرها وموقفها منا تغيرت صورتها عند كثير منا، فهذا مثال على ما يقوله الدكتور هلال. ثم هو يضرب مثلًا آخر فيه شيء من التفصيل يتعلق بصورة الشرق الإسلامي في الأدب الفرنسي على توالي العصور، ففي العصور الوسطى التي تحكمت فيها النزعات الدينية والتعصب الأعمى، ظهر المسلمون في الأدب الفرنسي في ملاحمه ومسرحياته بصورة وثنيين لا أخلاق لهم، سرعان ما ينهزمون أمام أبطال المسيحية فيتردون عن دينهم، وهذا طبعًا كلام مضحك، فالإسلام هو أبعد الأديان عن الوثنية، لكن كما قال الدكتور هلال: التعصب هنا يلعب دوره. بل إنهم قالوا في كثير كتاباتهم: إنّ المسلمين يعبدون ثالوثًا، وإن الرسول محمدًا كان يشرب الخمر، وهذا كله كذب في كذب.

стр. 497

وفي عصر النهضة انصرف الأدب الفرنسي عن الشرق الإسلامي وتصوير أهله، وولى وجهه شطر الآداب القديمة اليونانية واللاتينية يستوحيها ويحاكيها؛ ولكن الاهتمام بالشرق ما لبث أن احتل مكانه في الأدب الفرنسي في القرنين السابع عشر والثامن عشر، فظهرت له فيهما صورة أخرى مخالفة لتلك التي سادت في العصور الوسطى. فالشرق في أدب هذين القرنين جميل الطلعة، طوق المحيا، خصب الخيال، لبيب فيه طموح يشوبه بعض غرور، وهو طيب الشمائل، مهذب الخلق، محمود العشيرة، كريم الضيافة، ثم إنه متسامح لا تعصب عنده، يحترم حرية غيره في الاعتقاد، مهما اختلف معه في العقيدة، ومحب لاستمتاع ميال للكسل، يؤمن بكثير من الخرافات، ويخضع خانعًا لدين طغاة المستبدين من حكامه، وهذا الكلام منقول عن بعض الكتاب الفرنسيين، ولا شك أن بعض هذه الملامح ملامح صادقة، فين حين أن بعضها ليس صحيحًا أو على الأقل فيه مبالغة وربما مبالغة شديدة. وكان لما لقي الرحالة الفرنسيون من كرم الضيافة وحسن الاستقبال أثناء رحلاتهم في الشرق أثر كبير في إضفاء كثير من الصفات الحميدة على رجال الشرق من المسلمين، ولكنهم أطالوا في وصف تعسف الحكام وسوء استعمالهم لسلطانهم، وفي وصف الطاعة المطلقة من الشعوب الشرقية الذليلة التي لا يرتفع صوتها باحتجاج. وهذا صحيح، وقد لاحظ الفرنسيون وغيرهم من الأوربيين هذه السمة في الشعوب الشرقية؛ لأن أوربا في ذلك الوقت قد استطاعت أن تقهر حكامها وأن تجبرهم على الخضوع لمنطق الديمقراطية، فخلعوا ثوب الاستبداد وأصبحوا

стр. 498

يحترمون شعوبهم، ويقدرونها، وينفذون ما تريده منها، ويعملون على مصلحتها، ونسوا ما كانوا يدعونه قبل ذلك من أنهم ظل الله على الأرض. ويقول الدكتور هلال أيضًا: إن بعض الكتاب الفرنسيين قد اتخذوا من ذلك وسيلة لمهاجمة سلوك حكامهم هم، تحت ستار مستعار من الشرق ونظم الحكم فيه آنذاك، كما كان من ألئك الكتاب من هاجموا التعصب الديني -عندهم في فرنسا طبعًا- وشنوا حربًا شعواء على العقائد السائدة متخذين من الشرق أمثلتهم في التسامح وحرية الاعتقاد. وهذا صحيح لأن الإسلام يأمر أتباعه باحترام عقائد الآخرين وبعدم التعرض لها بالعدوان دائمًا ما ينبههم إلى أنهم سوف يقفون يوم القيامة مع هؤلاء الذين يخالفونهم ويجادلونهم ويؤذونهم في دينهم، سيقفون أمام الله يوم القيامة ويحاسب كلا من الفريقين على ما كان يعتقده، وسوف تظهر الحقيقة آنذاك، وعندنا في القرآن الكريم: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ: ٢٤)، وعندنا أيضًا: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ (هود: ١١٨، ١١٩). فالاختلاف هو سنة الحياة، وقد أبرزها القرآن الكريم إبرازًا شديدًا، حتى إنها قد انطبعت بقوة في نفوس المسلمين حتى بين العوام منهم، ومن هنا فحتى بين الفترات التي يظهر فيها التعصب من المسلمين فإن الملاحظ أنه تعصب انعكاسي، بمعنى أن غيرهم هو الذي يستفزهم ويثير فيهم نوازع التعصب عندما يرون الآخرين يهاجمون دينهم ويطلقون ألسنتهم فيهم وفي نبيهم، وكتابهم، وربهم، وتاريخهم ورموزهم. وقد لذ للكتاب الفرنسيين في ذلك الوقت أن يطلقوا لخيالهم العِنان في وصف المرأة في الشرق وامتهانها وأنها أداة متاع لا يرعى لها حق ولا يقام لها وزن،

стр. 499

وطالما افتنوا في وصف قصور الأمراء الزاخرة بجموع من النساء، وكثيرًا ما كان ذلك موضع استملاحهم ومثار فكاهاتهم. وفي القرن التاسع عشر كثرت الرحلات الأدبية إلى بلاد الشرق، واتسع أفق الرحالة في وصفهم لشعوب تلك البلاد، وعادات أهلها، وتقاليدهم، واهتموا كذلك بوصفهم لمناظر البلاد وما بها من آثار، وما يسودها من نظم، ودخلت مصر ذلك العصر الأدب الفرنسي، فعني الكتاب من الفرنسيين برسم صورة لها في أدبهم. وامتاز الرحالة في القرن التاسع عشر الأدباء بالتحري والاستقصاء في كتاباتهم، بالدقة في وصفهم، وكان لما كتبوه عن البلاد الأخرى قيمة كبيرة تاريخية وعلمية، ولكن الصورة العامة التي بقيت في الأدب الفرنسي من مصر، وعن شعوب الشرق بوجه عام، ظلت مشوبة بكثير من مخلفات ما كتبه الأدباء عن الشرق في العصور السابقة، وهذا أمر طبيعي؛ لأن الإنسان لا يرى بعين نفسه فقط بل يرى بعيني من قرأ بهم وتأثر. وهناك عوامل كثيرة تتعاون في خلق وجهة نظر كل إنسان، منها ما اكتسبه من البيئة، ومنها ما اكتسبه من التربية في البيت أو في المدرسة، ومنها ما اكتسبه من الكتب التي قرأها، وما اكتسبه من الأصدقاء الذين خالطهم، ومن المؤلفين الذين أحبهم وأعجب بهم، ومن تراثه الطويل الذي اطلع عليه أو وصل إليه بطرق أخرى. ومن هنا نستطيع أن نفهم ما قاله الدكتور هلال: من أن الصورة العامة التي بقيت في الأدب الفرنسي عن مصر وعن الشرق بوجه عام قد ظلت مشوبة بكثير من مخلفات ما كتبه الأدباء عن الشرق فيما سبق ذلك من عصور.

стр. 500

ولم ينشد "الرومانتيكيون" في الشرق بعض المثل الطيبة في التسامح والحرية والكرم، كما كان يفعل أسلافهم من كتاب القرن الثامن عشر؛ بل نشدوا فيه بوجه خاص مواد لموضوعات أعمالهم الأدبية وصورها، فمثلًا يقول "شليجل" الفيلسوف الألماني المعروف: علينا أن نبحث في الشرق عن أسمى المواد والصور "الرومانتيكية". فولع "الرومانتيكيون" بوصف طبيعة الشرق الجميلة، ومناظره العجيبة، وشمسه الوضاءة المشرقة، على عكس ما هو مشاهد في كثير من بلاد أوربا حيث الضباب والمطر طول العام، والبرد الشديد، وهكذا ولجوء الناس دائمًا، إلى البيوت قلما يخرجون إلى الشارع. وكان "فلوبير" يذوب شوقًا إلى الشرق ليبحث فيه عن صور، وتعروه لوعة إذا فكر قائلًا: ربما لا أرى أبدًا الصين، ولا أنام أبدًا على ظهر الجمال في خطاها المنتظم، ولا أرى أبدًا في الغابة عيون النمر المتألقة جاريًّا بين فروع الخيزران، وقد رحل كثير من "الرومانتيكين" إلى الشرق ليحققوا هذا الحلم، وبقى عند كثير ممن لم يسافروا حنين واله إلى طبيعة الشرق العجيبة، وقد شبه ألفريد ديفينيه روح الأبدية بطيب بعض مدن الشرق التي يتنسم عبيرها من بعيد، وقد كان الشرق عند كثير منهم روضة منشودة تفيض بالرح والريحان. وتصور "فيكتور هيجو" الشرق من خلال ألف ليلة وليلة؛ فرأى فيه عالمًا مشرقًا ساحرًا، فهو جنة الدنيا، وهو الربيع الدائم، مغمورًا بوروده، وهو الجنة الضاحكة ذو الخضرة المشرقة والخلجان الندية، والأبراج القرمزية، والدفء والخير، وذو المنازل الذهبية، والخيام المرجحنة على ظهر الفيلة، والعطور العبقة، والأوراق الراعشة حول نوافذ من ذهب، والنخيل دونها عيون الماء، وطائر النقناق فوق منابر المساجد. ويود "فيكتور هيجو" أن يجلس هناك في الليل وعينه على البحر ذي الأعمال، في حين يفتح القمر الأصفر الشاحب مروحيته الفضية فوق الموج، ويمتاز الشرق عند

стр. 501

"فيكتور هيجو" بأن الله وهب أرضه زهورًا أكثر من سواها، وملء سماؤها نجوم أغزر، وبث في بحاره لآلئ أوفر، ويتخيل أن السطوح مساكن البدو مليئة بالزهور كأنها سلات ورد، وهذا أمر مضحك؛ لأن بيوت البدو هي الخيام، وليس لها سطوح فضلًا عن أن من المستحيل زراعتها لا بالورد ولا بأي شيء آخر لكنه الخيال، والخيال كثيرًا ما يضر الإنسان ويوهمه بأشياء لا حقيقة لها. وبالمناسبة أحب أن أوضح شيئًا: أن نزوع الغربيين إلى الشرق نزوعًا طبيعيًّا، مثلما ننزع نحن الآن إلى الغرب ونريد أن نسافر إليه وأن نراه، وأن نعرف ألوانًا من الحياة تختلف عن ألوان حياتنا هنا، وبخاصة إذا قرأنا ما كتبه من سبقونا إلى تلك البلاد، وأنا أذكر أنني كنت متشوقًا إلى أن أسافر إلى أوربا حتى ذهبت إلى بريطانيا ففجئت بأن الأمور كثيرًا ما تختلف عما انطبع في ذهني مما سمعته من زملائي، أو قرأته في كتب الرحالات، أو طالعته في القصص والمسرحيات التي قرأتها عن تلك البلاد. وبعد أن عُدت من بريطانيا ظللتُ وما زلت حتى الآن أحلم أن أعود مرة أخرى إلى هناك، رغم أني هناك أصبحت أشعر بعد قليل بالضيق، وأريد أن أعود إلى بلادي مرة أخرى، وهذا كله كما قلت أمر طبيعي فالإنسان ابن الملل، ويريد التغيير، ولأنه تعود على الشرق فإنه يريد أن يرى الغرب، حتى إذا ذهب إلى الغرب وعاش فيه سنوات طوالًا أراد أن يعود مرة أخرى إلى الشرق وكله حنين، وكأنه ليس هو الشرق الذي كان قد تركه ضائقًا به ماللًا منه ... إلى آخره. ولم يمنع ما تردد عند "الرومانتيكيين" من طغيان تركيا واستبدادها أن يرسم خيال "فيكتور هيجو" للأستانة صورة تكاد تباري بها باريس جمالًا، فيقول: في البحر المتألق الحالك تنعكس السماء المحلات بالنجوم في الليل، وتبدو الأستانة ضاحكة وقد تنقب جبينها بالظلام راقدة فوق شط الخليج الذي يغمرها بموج

стр. 502

بين أضواء السماء وانعكاسها في الموج؛ كأنها فوق أرض ذات نجوم، فإذا رأيت قبابها الزرق كأنها صبغتها السماء، وآلاف الأهلة كما تبدوا كأنها تستمد من أشعة قبل الليل، حسبت أنها المدينة التي شيدت أرواح الليل قصورها الصامتة في الهواء، وتميز العين أبراجها بزواياها المرسومة ومنازلها ذات السطوح المستوية وسهام مساجدها ومناراتها بيضاء تنطلق مسلاتها كقلاع من العاج مزودة بأسنة الرماح. وعلى القصر العتيق المتميز بجدرانه مائة قبة من القصدير تتلألأ في الظلام كأنها خوذات العمالقة. ويشير "تزل جوتيه" بالنيل ويهون من شأن نهر السين حين يقارنه به في حوار له بين المسلتين مسلة باريس وبمسلة الأقصر فيقول على لسان مسلة باريس المصرية: السين أشبه بميذاب شارع أسود اللون نهر دنس تألفه عدة جداول يدنس قدمي التي كان يقبلها في فيضاناته، أما النيل فإنه أبو المياه النيل ذلك العملاق ذو اللحية البيضاء المتوج باللوتس والخيزران، وقد شاهدت نهر التيبس ونهر السين في لندن وباريس فوجدت أنهما أقل شأنًا من النيل بكثير من المراحل، وأنهما ليسا صافيين كما كنت أتصورهما بل مياههما داكنة، ولا أدري لماذا، وجلست على شط كل من هذين النهرين لم أستمتع مثل استمتاعي بالنيل. ومن هنا فإنني لا أجد فيما كتب "فول جوتيه" عن النيل وعن مقارنته بنهر السين شيئًا غريبًا؛ لأنني لاحظته بنفسي، وهذه الصور كلها تختلط فيها الحقائق بالمزاعم ودلالتها على مشاعر قائلها أحق بالتقويم، ولكن صدى هذه الصور الأدبي في نفوس الشعب عظيم، وفعلًا؛ لأن هؤلاء الرحالة وألئك الكتاب هم مسئولون عن الصور التي ترتسم بأذهان الشعوب عن الشعوب والأمم الأخرى. ومهما كان في الصور الأدبية في القرن التاسع عشر من جانب "رومانتيكي" فهي على أية حال أكمل من نظيرتها في العصور السابقة عليها في الأدب الفرنسي.

стр. 503

ويقول الدكتور هلال: إنه على الرغم من أن نقطة البدء في هذا الباب لا تمت بصلة كبيرة إلى الأدب؛ لأن شرح صورة بلد ما في ذاتها لا تفيد التاريخ الأدبي، ولا تكشف عن الصلات العقلية بين الكتاب، على الرغم من ذلك فليس القصد هنا هو بيان هذه الصورة الأدبية في ذاتها؛ ولكن شرح الأفكار العامة التي تضافرت على تكوين هذه الصورة في أدب ما، ويستلزم هذا الشرح بيان الطريقة التي تكونت بها. كما يستلزم أيضًا الكشف عن تأثير البلاد الأجنبية في الكتاب بمناظرها، وعاداتها، وآثارها، ثم بثقافتها المتعددة الألوان مما يربط بين الآداب المختلفة ويكشف عن أصالة الكتاب في مصادرهم، فحين عرفت مدام "ديستايل" مثلا الفرنسيين بألمانيا عرفتها لهم بأنها موطن "جوتة" و"شلر" و"شليجل" فكان لهؤلاء الكتاب على أثر ذلك شهرة واسعة لدى كتاب فرنسا وشعبها. وبهذا يؤدي البحث في هذا الباب إلى الكشف عن كثير من المصادر الأدبية بالمعنى الواسع لهذه المصادر، كما يؤدي ذلك إلى بيان الطرق التي مهدت للتأثير والتأثر بين الأدبين هذا إلى الخدمات التي يؤدها لتاريخ الأدب ببيان تطور الأفكار العامة فيما يخص البلاد الأخرى على حسب عصور الأدب المختلفة، مع الكشف عن العوامل التي ساعدت على هذا التطور. وقد نسي الدكتور هلال شيئًا مهمًا، وهو: أن يأتي كتاب الشعوب الأخرى إلى بلادنا مثلًا، فيحدثونا عن بلادهم، وعن أمتهم وعن عاداتهم وتقاليدهم، ويصفوا بلادهم بأنفسهم في محاضرات أو في ندوات أو في كتب يتركونها لنا ... إلى آخره، هو ركز على رحلاتنا نحن إلى بلادهم، لكن كثيرًا من ألئك الكتاب يأتون إلى بلادنا لا ليصفوا بلادنا إلى شعوبهم وأممهم ولكن ليصفوا بلادهم لنا، وهذا متاح أيضًا وعندنا الأفلام وعندنا المسرحيات التي نشاهدها إذا أتت الفرق الأجنبية إلى بلادنا.

стр. 504

هناك مصادر كثيرة تمدنا بالانطباع الذي يتشكل في وجداننا وفي عقولنا تجاه الشعوب والبلاد الأخرى، ولا بد للباحث في هذا الباب مع شرحه للصورة التي كونها شعب ما في أدبه عن بلد أو بلاد أخرى لا بد له أن ينقد هذه الصور، ويبين ما فيها من صواب وخطأ ويشرح أسباب الخطأ فيها، ويدعو إلى وضع البلد أو الشعب موضعها الصحيح من أفكار الأمة وأدبها. ولكن هناك احتراز مهم وهو: أنّ الباحث عندما يحاول تصحيح الصورة فإنه يقدم لنا صورة من عنده عنا يدخل فيها الصواب والخطأ أيضًا ليأتي باحث آخر بعده يحاول أن يصحح هذه الصورة الجديدة فيقع في أخطاء، وهكذا دواليك؛ لأن الحقيقة كما قلنا ونقول وسنقول دائمًا عند الله ، أما نحن فمجرد مجتهدين. ولا يخفى أن للصور الأدبية للشعوب كما تنعكس في مرآة آدابها تأثيرًا عميقًا في علاقاتها بعضها ببعض، أيًّا كان نوع تلك العلاقات، ولها كذلك تأثير على عقول قادة الأمة من الساسة والمفكرين في تكوين رأي عام قد ينتج عنه اتجاه خاص في علاقاتها مع غيرها، وكل هذا من نواحي النشاط الأدبي في الميادين الدولة. ويهتم الأدب المقارن بالكشف عن هذه النواحي من الوجهة التاريخية، وبيان مظاهرها المختلفة على مر الأجيال؛ وبهذا يمهد الأدب المقارن لكل أمة أن تعرف مكانتها لدى غيرها من الأمم، وأن ترى صورتها في مرآة غيرها من آداب الشعوب، ويتاح بذلك لها أن تعرف نفسها حق المعرفة، وأن تحاول تصحيح وضعها أو الدفاع عن نفسها، وبذلك تتهيأ الفرصة للتفاهم الحق، والتعاون الصادق بين الشعوب، وهذه أمنية من الأمنيات، لكن هل يستطيع الأدب المقارن أن يحققها هذا أمر آخر. علي أن أسعى وليس علي إدراك النجاح. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 505

الدرس: ٢٠ المصادر واتصالها بالأدب المقارن .

стр. 506

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العشرون (المصادر واتصالها بالأدب المقارن) النواحي الشخصية للكاتب، واكتشاف عناصر مقوماته وتكوينه المصادر واتصالها بالأدب المقارن. وقد أصبح واضحًا الآن أنه من لغو القول الزعم بانطواء أدب ما على نفسه واستغنائه بقرائح أدبائه عن استعارة الأفكار والآراء والصور والأجناس الأدبية من الآداب الأخرى، كما أصبح من البديهيات أن الآثار الأدبية ذات الشأن لها أصولها في إنتاج السابقين والمعاصرين، كما أن لها صداها في حياة الأمم وفي قرائح المفكرين، وسوف يكون حديثنا في هذا الدرس عن النواحي الشخصية للكاتب أو للأديب المتأثر، واكتشاف عناصر مقوماته، وعوامل تكوينه، وهذا بدوره يساعدنا على فهم الأدب الوطني بأجمعه، ومدى امتداده في الآداب قديمها وحديثها، قريبها وبعيدها. وقد ولع مؤرخو الآداب قبل تبلور الأدب المقارن بالبحث عن مصادر الكتاب الذين يؤرخون لهم، لا في الموضوعات والأفكار العامة بحسب؛ ولكن في التفصيلات أيضًا، وإن كانوا قد بالغوا بذلك مبالغة جرت عليهم كثيرًا من الاعتراضات، إذ كان الانطباع الذي يخرج به الإنسان من كتاباتهم أن الكتاب قد انمحت شخصياتهم؛ لأنهم يردونهم إلى الكتاب الذين سبقوهم ولا يكادون يتركون لهم شيئًا ينفردون به، أو يتميزون، كما أنهم قد بالغوا في تصعيد ما ظنوه تأثرًا بالأدباء الآخرين. ويجبُ أن نَفهم المصادر هنا بالمعنى الأوسع مما اعتيد إطلاقها عليه، فهي تشمل كل العناصر الأجنبية التي تعاونت على تكوين الكتاب والأدباء، وهي ثلاثة أنواع:

стр. 507

منها: ما انْطَبَع في خيالِ الكاتب نَتيجة لما رأى في أسفاره من مناظر طبيعية، وآثار فنية، وعادات وتقاليد قومية، وتلعب الأسفار في ذلك دورًا كبيرًا، من ذلك مثلًا وصف الشعراء العرب للبلاد الباردة في إيران بعد أن رحلوا إليها وعرفوها عقب الفتح العربي إذ رأوا بلادًا تختلف عن بلادهم الحارة القاحلة التي تمتلئ بالرمال والجبال، ولا تجري فيها قنوات أو أنهار، نرى في تلك الأشعار، مناظر الثلوج وقد سدت الأبواب وغطت البيوت، ونجد فيها أمطار الثلوج وكيف يحيا بها المملقون حياة الضنك والبؤس، من ذلك قول عربي ذكر بلاده على مرأى همزان: وكيف أجيب داعيكم ودوني ... جبال الثلج مشرفة الرعان بلاد شكلها من غير شكلي ... وألسنها مخالفة لساني وأسماء النساء بها زنان ... وأقرب بالزنان من الزواني وهناك شاعر آخر ذم همزان أيضًا، فقال: قد آن من همزان السير فانطلقي ... وارحل على شعث شمل غير متفق أرض يعذب أهلها ثمانية من الشهور ... كما عذبت بالدهق فإن رضيت بثلث العيش ... فارض به على شارئط من يقنع بها يمق المملقون بها سبحان ربهم ... ماذا يقاسون طول الليل أرق تنسد أبوابهم بالثلج فهو لهم ... دون الرتاج رتاج غير منطبق حتى إذا استحكمت بردًا غدا طبق ... من الضباب الذي أوفى على طبق ينهل منها عليهم دائمًا ... ديمًا بالزمهرير عذابًا صب من أفق فويل من كان في حيطانه قصر ... ولم يحسن رتاج الباب من غلق الناس من ذي اللحى تهوي أنوفهم ... فوق الشوارب كالمصدوم بالبلق

стр. 508

ولنا مثل آخر في شاعرنا أحمد شوقي بعد سفره إلى أسبانيا؛ فقد كان لما رأى بها من آثار، ولما اطلع عليه فيها من عادات وأخلاق أثر قوي في إنتاجه الأدبي، في شعره ونثره. وفي الآداب الغربية يمكننا أن نشير إلى ما كتبه "شاتو بريان" من قصص بعد سفره إلى أمريكا، ورؤيته حياة سكانها الفطريين -يقصد الهنود ولا يقصد الأمريكان الذين نعرفهم الآن، هؤلاء الأمريكان الذين احتلوا تلك البلاد بعد أن هاجروا إليها من أوربا، واستطاعوا أن يقضوا على الهنود الحمر تمامًا، فقتلوا منهم عشرات الملايين حتى خلصت البلاد لهم. ففي قصص "شاتو بريان" تصويرًا لحياة سكان أمريكا الفطريين، وتقاليد الهنود الحمر الوطنية، ومكن الإشارة أيضًا إلى مدام "ديستال" بعد سفرها إلى ألمانيا ومخالطتها أهلها، وتعرفها على مفكريها. كذلك يُمكننا أن نشير إلى تأثير مصر في الأدباء الفرنسيين في العصر الرومانتيكي، فقد أثرت فيهم بمناظرها وآثارها وبعادات قومها، وأعيادهم، وانعكس كل ذلك إما بطريق مباشر عن الإنتاج الأدبي لمثل "جيرال دينر فيل"، و"تيوفيل جوتيه"، و"فلوبير"، الذين كان وصفهم لمصر صورة صادقة لأهل عصرهم، وإما بطريق غير مباشر كما في حالة "فلوبير"، فقد أتته أثناء رحلته بمصر، فكرة قصته الخادلة مدام "موفاري"، التي تدور حوادثها في فرنسا، وقد أخذ اسم هذه القصة من اسم صاحب الفندق الذي نزل به في القاهرة فقد كان اسمه "بوفاريه" على أن الجو الذي يسود قصته الأخرى المسماة "سلامبو" يظهر عليه الطابع المصري بالرغم من أن حوادثها تجري في تونس. على أن مصادر الكاتب لا تقتصر على ما أفاد في أسفاره، بل قد ترجع كذلك إلى مخالطته للبيئات والنوادي التي تهتم بالثقافات الأدبية العامية في أرجاء وطنه

стр. 509

نفسه، ونجد مثل لذلك في الكاتب الفرنسي "موريس ماجر" المتوفى عام ألف وتسعمائة واثنين وأربعين ميلادية، فقد كان لاختلط بنادي مدام "أرني بزو" أكبر تأثير في توجيهه وجهة الثقافة الهندية وتشبعه بها ودفاعه عنها، إذ كان ذلك النادي مركزًا هامًا لتلك الدعاية. وهناك ممن كان يغشونه الدعاية الهندي "بلافتسكي" الذي تأثر به الكاتب الفرنسي فاعتنق آراءه الدينية مذاهب التناسخ وما تبعه من الرفق بالمخلوقات كلها من إنسان وحيوان، وكانت هذه الآراء الفلسفية محور تفكيره الدينية والاجتماعي، كما يتضح ذلك بالاضطلاع على مؤلفاته النظرية، ودواوينه الشعرية وقصصه، ومنها القصة التاريخية التي تدور حوادثها في الإسكندرية في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس الملاديين وعنوانها: قصة الفتاة "بريسلا". وهناك مثل آخر يتمثل في أبي المعالي نصر الله الذي شجعته النوادي الأدبية في إيران على ترجمة "كليلة ودمنة" من العربية إلى الفارسية مع صبغها بالطابع الفني العربي. ويلحق بهذا النوع من المصادر تأثير الأصدقاء من الأجانب في الكاتب؛ إما بالمراسلة وإما بالمحادثة الشفوية، وتحديد هذا النوع من التأثير صعب المنال من الناحية العلمية؛ لأنه ليس هناك توثيق له، على الأقل ليس هناك تأثير مبذول للجمهور، ولكن الإشارة إليه، أو النوه به مما يحدد نواحي شخصية الكاتب ويساعد على تعرف تكوينه الأدبي والفني على وجه ما. وقد ضرب بعض الكتاب مثلًا بذلك بالشاعر الفرنسي "لامرتين" وتأثره بالفيلسوف "إيكستين" عميد الدعوة إلى الثقافة الهندية في عصره، ولم يدر بينه

стр. 510

وبين "لامرتين" إلا محادثات شفوية يستطاع التعرف على آثارها فيما كتب "لامرتين" بعد مقابلته لذلك الداعية؛ ليوضح فيه ما يمت بصلة إلى تلك الثقافة التي ذاع صيتها في فرنسا في القرن التاسع عشر، وفي القرن العشرين، والتي وجدت صداها لدى كثير من الشعراء مثل "هيجو"، و"فيني" وكان عمادها ما قام بين العلماء والمستشرقون من تأسيس مراكز تلك الثقافة في الجامعات وبعض المعاهد هناك، فتهيئ بكل ذلك جو ملائم لتأثيرها الأدبي. ومما يلحق بهذا النوع من المصادر كذلك، انتشار تقاليد أدبية خاصة في أدب ما، ثم انتقاله إلى أدباء أمة أخرى، فقد شاع مثلًا في الأدب الإنجليزي وصف نوع من الكبرياء والاعتداد بالنفس، وحُبُّ الظهور لدى جماعة من الأغنياء الذين يَتّخذون من هذه الصفات وسيلة إلى القيام بمغامرات عاطفية مع النساء، وهذا ما يقال له: "لادان ديسم"، ولا تتوفر هذه الصفات إلا لطبقة الأغنياء المترفين الذين يبحثون عن مجال يظهر فيه عجبهم واعتدادهم. ويبدو هذا الاعتداد فيما يقومون به في المجتمعات وأمام ذوات المكانة من السيدات من أعمال تظهر فيها البطولة أو الطابع الشخصي، كأنواع الرياضة الخطرة، وكالتأنق في الهندام، وكالتفنن في التظرف، ولا يظهر هذا النوع من الناس إلا في عهود الانتقال التي لا تسيطر عليها ديمقراطية كامنة، على حين تبدوا الأرستقراطية فيها مزلزلة القواعد محقورة، فهم يمثلون آخر مظهر من مظاهر البطولة الأرستقراطية في عهد انحلالها، وما أشبههم بشمس غاربة، أو بكوكب يهوي للمغيب، كلاهما يبد جليل المظهر ولكن لا حرارة فيه، فهو يوحي أول ما يوحي بالأسى، وهذا ما كتبه "بودلير" الشاعر الفرنسي.

стр. 511

وقد انتشر وصف هذا الصنف الاجتماعي من الناس في الأدب الإنجليزي ثم ظهر أثره في الأدب الفرنسي في بعض أشخاص قصص "بالزاك"، وقصص "كريستينة". ومن هذا النوع من المصادر أيضًا ما يتناقل شفويًّا أيضًا على سبيل المصادفة، فيؤثر في إنتاج كتاب بلد ما، ويوحي إليهم في مؤلفاتهم بالكثير، مثل الاستماع إلى الأغاني الشعبية لأمة ما، أو إلى أناشيد الشعوب الفطرية، أو إلى قصص تنوقلت عن طريق الرواية فوصلت إلى أسماع أدباء في أمم أخرى، ومن ذلك ما يقرره "داستون باري" من أن بعض القصص الشرقية التي أثرت في الحكايات الصغيرة للشباب في العصور الوسطى، انتقلت إلى أمم الغرب من طرق مختلفة منها: طريق المسافرين ومحادثاتهم مع الشرقيين ... إلى آخره. والنوع الأخير من المصادر هو المصادر المكتوبة، وهي ما ينصرف إليه المعنى بصفة عامة حين نطلق اسم المصادر، وهي أسهل أقسام المصادر دراسة وأيسرها تحديدًا، إذ مظنة البرهنة عليها الكتابة، وحُجتها متى وجدت لا تدفع، على أن نتنبه إلى أنه لا يكفي المشابهة بين النصوص بل لا بد من أن توجد مع ذلك دلائل التأثر الأدبي، ثم لا بد من شرح الأحوال الأدبية والاجتماعية التي تم فيها التأثر. نعم ينبغي أن ندرس حياة الكاتب، والبيئة الاجتماعية التي تنشأ فيها، لنشرح على ضوء ذلك ثقافته وميوله نحو بلد ما، أو نحو أدب ما، ولا عيب في تأثر كاتب بكاتب آخر فإن الإبداع في الأدب بمعنى الخلق من جديد جدة مطلقة أمر عسير أي متعذر، بل مستحيل؛ ذلك لأن الكاتب حين يُعمل فكره وتجيش عواطفه لتتوالد أفكاره يعود عند الإنتاج والإبداع إلى ذاكرته فيستوحيها وما

стр. 512

الذاكرة إلا وليدة التجربة والمُشاهدة والاطلاعات المختلفة، وبمقدار حسن هضمه لما اطلع عليه وتمثله له، وإخراجه له إخراجًا يظهر عليه طابعه تكون قيمة إنتاجه الأدبي. وما أشبه الكاتب في ذلك بالنحلة التي تقع على مختلف الأزهار، وتمتص أنواع الرحيق، وتأكل من كل الثمرات ثم يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه، وهذا هو العنصر ذاتي للكاتب في اختراعه. والأدب المقارن -كما يقول الدكتور غنيمي هلال-: بعيد كل البعد عن انتقاص قدر الكاتب حين يبحث عما غذى به ذاكرته في مطالعاته وفي ألوان ثقافته من مختلفة الآداب، بل غايته من كل ذلك أن يتعرف على روح الكاتب، وينفذ إلى تلك الروح من خلال ثقافته التي هضمها وأخرجها للناس خلقًا جديدًا، وقد أتى يومًا إلى "جوته" صديقه سكرتير "إكرمان" ليهنئه بصدور طبعة جديدة من مؤلفاته كاملة فنظر جوتة إلى أجزاء كتبه مرصوصًا بعضها فوق بعض، وأخذ يشرح لـ"إكرمان" كيف ذخرت مؤلفاته بما اقتبسه من الإغريق والإنجليز والإيطاليين والفرنسيين ثم أضاف إلى ذلك قوله: كل هذا موقع عليه باسم "جوته". وهذا صحيح، ويمكننا أن نقرر الأمر بالحديث عن أجسادنا، من أين أتت أجسادنا؟ من بذرة بذرها الأب في رحم الأم، ثم أصبحت قطعة من اللحم، ثم أصبحت جنينًا، ثم خرجت إلى الوجود، فأكلت الطعام المتاح لها، وشربت الماء الموجود، وشمت الهواء، وتفاعل هذا كله فكون جسد الإنسان الذي يظل ينمو بما يأكله من طعام جديد، ويشربه من ماء جديد، ويشمه من هواء جديد، وهكذا دواليك، وعلى ذلك يمكننا أن نقيس الإبداع الأدبي.

стр. 513

فالإبداع الأدبي مأخوذ من الآخرين، والآخرون أخذوا إبداعاتهم الأدبية ممن سبقهم وهكذا، ولكن بشرط أن نفهم أن الأديب في هذه الحالة آخذ فقط بل إنه يضيف إلى ذلك شخصيته، إذ يعيد تنظيم كل شيء ويخرجه إخراجًا جديدًا، عليه طابعه، وقد يضيف أشياء تبد صغيرة ولكنها هي العبقرية مجسمة. تتعدد أنواع البحوث في المصادر على حسب موضوعاتها وتتعدد أنواع البحوث في المصادر على حسب موضوعاتها: فقد يقصد الباحث إلى البحث عن مصادر مؤلف واحد من مؤلفات كاتب ما، وفي هذه الحالة ربما يكون الكاتب قد استعار من أدب آخر موضوع الكتاب، أو بعض المواقف الخاصة فيه، أو بعض الأفكار والتعبيرات، أما عن الموضوع فيغلب أن يستعار في باب القصص وفي المسرحيات، وقد استعار الأدب الفرنسي الكلاسيكي أكثر موضوعاته المسرحية والقصصية، إما من الآداب القديمة اللاتينية واليونانية، وإما من الأدب الأسباني ومع ذلك صبغها الأدباء الفرنسيون بصبغة وظهر بها طابعهم الخاص. وقد أفاد كِبارُ كُتّابنا أيضًا مثل الدكتور طه حسين وتوفيق الحكيم من آداب الغرب في ميدان القصص والمسرحيات، وظهرت أصالتهم إلى جانب تأثرهم، بل ظهرت تلك الآثار -كما يقول الدكتور غنيمي هلال- بفضل تأثرهم؛ لأنهم لو لم يتأثروا ويقرءوا ويطلعوا على أدب الآخرين؛ فكيف كانوا يستطيعون أن يبدعوا؟ وكيف كانت عبقريتهم قمينة أن تظهر؟ وقد يكون موضوع الكاتب جديدًا، ولكن لا يستغنى فيه عن أن يستعير بعض المواقف أو بعض الأفكار الخاصة والتفصيلات من أدب لآخر، وقد يدهش القارئ ليرى

стр. 514

أحيانًا البعد شاسعًا بين الكاتب والأدب الذي اقتبس منه، في الزمن والبلد والموضوع، فقد اقتبس الكاتب البلجيكي "مترنك" في مسرحيته التي ظهرت عام ألف وثمانمائة واثنين وتسعين واسمها "بلياس وميليزان" من الشاعر الفارسي الفردوسي في "الشاهنامه" التي يرجع تأليفها إلى أواخر القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر الميلاديين. وإليكم مثلين من "الشاهنامه" استعارهما الكاتب البلجيكي لمسرحيته المشار إليها، ففي المثال الأول يذكر الفردوسي كيف بكر القائد "لياتوس" مرحًا إلى الصيد على صياح الديكة في جمع من رفقته، فلما توغلوا في الغابة بصروا بفتاة فاتنة الخدين رائعة الجمال في طلعة كالبدر، وقامة كشجر السرو فتوجه "لياتوس: قائلًا: أنت يا ذا الطلعة الفاتنة، لماذا جئت هذه الغابة؟ فأجابت: قد ضربني البارحة أبي، فهربت هائمة على وجهه كانت قد عاد ثملًا في جنح الظلام، من حفلة عرس، فما إن رآني حتى علاه الغضب فأخرج خنجرًا ماضيا يريد به أن يفصل رأسي من جسدي، ثم تشرح كيف هرب من مال كثير، وبتاج من ذهب أخذه منها الحرس بعد أن ضربوها بقراب السيف. وفي المثال الثاني يذكر الفردوسي أن "ذال" البطل ذا الشعور الفضية التي ربته العنقاء فوق ذروة الجل كان يحب "روات بي" وهي الفتاة ذات المحيَّا السحري، وذات يوم قد ذهب إلى قصرها ولم يكن قد رآها من قبل وظهرت "روات بى" ذات العيون السوداء، والخدود الوردية في شرفة من شرفات القصر وقف تحتها ذال فأضاءت بطلعتها الشرفات كلها، وبدت الأرض مثل ياقوتة تحت إشعاع خديها، ثم حلت

стр. 515

ضفائر شعرها ونشرتها فاسترسل، ووصل من أعلى القصر حتى غطى وجه "ذال" كأنه ضفائر مجدولة من المسك، وأخذ "ذال" يغطي شعرها بقبلاته حتى كانت تسمع صوت تلك القبلات من أعلى القصر. وفي رواية الكاتب البلجيكي نجد أن الأمير "جولوا" يكتشف وهو يصيد في الغابة فتاة جميلة على شاطئ بحيرة، وتلك الفتاة هي "ميلزاند" فيسألها عن سبب بكائها وعما إذا كان قد نالها بالأذى أحد، فتجيبه نعم، فيسألها من؟ فتجيبه كل الناس، فيسألها وماذا نالك منهم من شر؟ فتجيب: لا أريد أن أقول ولا أستطيع، فيسألها من أين أنت؟ فتجيب قد هربت قد هربت، فيسألها: وما هذا الشيء يتلقى بريقه في ماء البحيرة فتجيب: إنه التاج الذي أعطانيه قد سقط أثناء بكائي، فيقول: تاج ومن أعطاك هذا التاج؟ سأخرجه من الماء، فتصيح لا لا لقد زهدت فيه، وأفضل أن أموت في الحال على أن أضعه فوق رأسي. ثم يذهب باليأس الحبيب إلى البرج الذي تسكنه "ميلزاند" فتطل عليه من إحدى الشرفات وتميل برأسها نحوه، فتتهدل شعورها الطويلة عليه وتسترسل حتى تصل من أعلى البرج إليه، ويقول: إن شعورك تنزل نحوي إنها تنسدل كلها من البرج علي أمسكها بيدي، وأمسها بشفتي، وأحتضنها بذراعي، وأنثرها حول عنقي، لم أر من قبل شعورًا مثلها "ميلزاند"، انظري إنها تهبط من الأعلى وتغمرني حتى قلبي، إنها ترعش وتضطرب وتخفق بيدي كأنها طيور ذهبية. إن التشابه -كما يقول الدكتور هلال- واضح بين النصين تمام الوضوح، ولا مجال للشك في أنّ الفردوسي كان مصدر الكاتب البلجيكي فيهما، ولا يتسع المقام هنا لشرح الطريق الذي عرف منه "ماترنك" الشاعر الفارسي، ولا لبيان

стр. 516

البون الشاسع بين الموقفين في ملحمة الفردوس وفي مسرحية الكاتب "البلجيكي" ولا لتوضيح الطابع الشخصي لهذا الكاتب فيما اقتبس. وأحيانًا تقتصر استعارة الكاتب في مؤلفه على أفكار خاصة أو تعبير من التعبيرات ذات الصبغة المعينة، وقد كثرة الطبعات النقدية بكثير من المؤلفات الغربية وبينت مصادر أفكار الكاتب ما يرجع منها إلى الأدب القومي، أو إلى الآداب الأجنبية، وخير مثل على ذلك هو طبعة الرسائل الفلسفية لـ"فولتير" التي قام بشرحها والتعليق عليها العلامة "لارسن". البحث عن مصادر الكاتب في الآداب المختلفة، وأمثلة على ذلك وقد لا تقتصر دراسة المصادر على البحث عن مصدر الموضوع والتعبيرات في إنتاج الكاتب، بل يُبحث في مصادر إنتاجه كله من الآداب الأخرى، وفي هذه الحالة قد يقتصر البحث على بيان مصادر ذلك الإنتاج في أدب أجنبي واحد، بل قد لا يتعدى مجرد إحصاء وسرد لما قرأ المؤلف من ذلك الأدب، وهذا النوع من الإحصاء الدقيق كثير الرواج في ألمانيا، وله أهمية كبرى في تنوير النقود حيال الكاتب أو الشاعر، فهو يبين الجو الفكري الذي عاش فيه الكاتب وكيف اتسع أفقه قليلًا قليلًا؟ أو كيف أنه على عكس ذلك قد انطوى على نفسه؟ وكيف تركز اهتمامه حول تلك المسائل أو حول بعض الأجناس الأدبية؟ وكيف كان يتطور تبعًا لقراءته؟. ربما ينظر بعض الناس إلى مثل هذه الإحصاءات على أنها جهد قليل القيمة؛ لكن لا؛ لأننا لا نستطيع أن ننطلق فنقوم دراساتنا في الأدب المقارن ما لم يكن هؤلاء الذين قاموا بتلك الإحصاءات قد مهدوا لنا الطريق وصلتوا الضوء على

стр. 517

الأركان المظلمة، التي لولا انكشافها أمام عيوننا في هذا الضوء الوهاج، لما استطعنا أن نعرف ماذا نفعل؟ ولا إلى ما نتجه. وإذا تَجَاوزت الدراسة الإحصاء إلى شيء من التفصيل، يبين فيه الباحث تأثير كل مصدر من مصادر الكاتب في مؤلفاته ففي هذه الحالة قد يقتصر على دراسة وتأثر الكاتب بأدب واحد من الآداب الأجنبية، فمثلًا يمكن أن يدرس تأثر شوقي بالأدب الفرنسي في مؤلفاته، كما درس تأثر فولتير في الأدب الإنجليزي، وعلى الباحث في هذه الحالة أن يدرس أولًا المؤلف نفسه دراسة دقيقة، ثم يقرأ من الأدب الأجنبي ما يمكن أن يكون قد أثر في إنتاج ذلك المؤلف. ويبدأ بقراءة ما اعترف المؤلف بقراءاته من ذلك الأدب، ثم بالموضوعات المشابهة للموضوعات التي عالجها المؤلف، وربما يُسفر كل ذلك عن آفاق جديدة أمام الباحث تنير له السبيل، وقد تجعله يعثر على ما له قيمة جديدة في تعرف نواحي الكاتب وتأثره بالأدب الأجنبي الذي استعار منه. وأوسع دراسات المصادر وأكثرها أهمية هو ما يبحث فيه عن مصادر الكاتب في الآداب المختلفة، وعن مبلغ ما استفاد منها في مؤلف واحد من مؤلفاته أو في مؤلفاته كلها، وهذه الدراسات خير ما يلقي الضوء على مواهب الكاتب وعلى نواحي نشاطه المختلفة. وقام "فيرد ناند براد روسيه" بمثلًا طيب في ذلك حين درس المصادر المختلفة للكاتب الفرنسي "بلزاك" وبين في دقة وتعمق كيف استفاد بلزاك من مختلف الآداب التي أتيح له أن يتطلع عليها في فترات متعاقبة من حياته؟ وكيف لم يطغ ذلك على الطابع الشخصي للكاتب، وعلى دقة ملاحظته؟ وكذا قام الباحث "سي تولو" بمثل هذه الدراسة بحثًا عن مصادر "ألفريد ديفينيه".

стр. 518

ويدهش القارئ إلى هذه البحوث حين يرى تعدد قراءات كبار الكتاب وسعة آفاقهم، ثم حين يرى كيف أخرجت تلك الموسوعة الكبرى من مختلف ثقافاتهم وإطلاعاتهم ثمارًا متنوعة مختلفة الألوان يرجع كل لون منها إلى أصله، ويعجب كيف انتظمت كل هذه الألوان لتألف وحدة منسجمة كحديقة غناء أبدعت فيها يد التنسيق فألفت بين زهورها وأشجارها على الرغم من اختلاف ألوانها وتنوع ورودها. وليس في هذا أي عجب، فنحن عندما نبني بيوتنا نأتي بالرمل من مكان وبالظلط من مكان آخر، ومن أسمنت من مكان ثالث، وقد نستورد أشياء من بلاد مختلفة، ثم إذا بهذا كله ينتظم في أيدي البناء بناء جميلًا متناسقًا عليه طابع شخصيته وشخصية المهندس الذي صممه، وهكذا. وفي مكتبتي كتب من أماكن مختلفة من قرية من القرى في المنوفية، ومن مدينة من المدن، وبعضها من لندن وبعضها من باريس، وبعضها جاءني من إفريقيا، وبعضها من الإنترنت، وكل ذلك أقرأه وأهضمه وأتمثله ثم أخرجه كتب مختلفة عليها طابع شخصيتي، صحيح أن الميدان هنا ميدان النقد الأدبي والتاريخ الأدبي وما إلى ذلك، ولكن هو مثال يستطيع به الطالب أن يتعرف من خلاله على ما يحدث في عالم الإبداع الأدبي. يضرب الدكتور هلال مثلًا فيه شيئًا من التفصيل فيما يختص بمصادر شوقي الفرنسية والإنجليزية في مسرحيته "مصرع كليوباترا"، وأول ما يلاحظه في مسرحية شوقي أنها قد توافر لها وحدة الزمن، ذلك أنها تبدأ بعد موقعة "أكتيوم" بمدة تهيئ فيها لكليوباترا أن تصل مصر بعد فرارها من ميدان الحرب بأسطولها، وأن تُشيع وصيفتها "شيرنيون" في الشعب أن الأسطول عاد منتصرًا خوفًا على الملكة من أعدائها الكثر.

стр. 519

ويظل الشعبُ يردد هذه الإشاعة مبتهجًا بالنصر، في وقت عصيب تطلب الحداد إذ إن جيش "أكتافيوس" يحاصر ال إ سكندرية و"أنطونيوس" مختبئ في سكنة رومانية يعبئ فيها للحرب فلول جيشه من الرومان لينتقم لشرفه من هزيمته في "أكتيوم"، وهذا طابع كلاسيكي في بدء الحديث في المسرحية لقرب نهايتها. وهذا هو المنهج الذي سلكه "دريفن" في مسرحيته ذات الطابع الكلاسيكي كذلك فبدأ المسرحية حيث بدأ شوقي بل إن شوقي متأثر به كذلك في بدء المسرحية، إذ إن دريفن يجعل سرابيون كاهن إيزيس يظهر على المسرح بعد بدأ المسرحية بقليل؛ ليعلن للشعب أن عليه أن يبتهج ويعلن ابتهاجه بمواكب النصر لأن اليوم عيد ميلاد "أنطونيوس" السيد العظيم، ويعارضه شخص آخر بأن اللعنة على من يعلن البهجة في هذا اليوم العصيب. على أن شوقي يجعل موقف كليوباترا فريدًا فهي تفر من "أكتيوم" وتأبى أن تشترك مع "أنطونيوس" ضد "أكتافيوس" في الحرب الدائرة في أرجاء الوطن، وعلى هذه الحرب يتوقف مصير البلاد، وغايتها أن تترك البطلين يضعف كلاهما الآخر حتى تكون هي قوية ضد المنتصر منهما إذ إنه سيخرج وقد أنهكته الحرب. وقد خيل لشوقي بذلك أنه يبرر نظرة "كليوباترا" وهي نظرة طائشة، لا مظهر فيها للوطنية الرشيدة، على أنها تعلنها لخاصتها مستبدة برأيها لم تستشر أحدًا، زاعمة أنها بذلك تقدم حبها لوطنها على هيامها بحبيبها، وهو تفسير لفرارها من حرب "أكتيوم" يخالف ما قيل: من أنها فرت خوفًا أو غدرًا ولكنه تفسير لا يستند إلى حصافة رأي أو تدبير وطني كما تزعم هي في قولها على حسب ما جاء في مسرحية شوقي:

стр. 520

قلت: روما تصدعت، فترى شطرًا من القوم في عداوة شطري بطلاها تقاسما الفلك والجيش، وشب الوغى ببحر وبري وإذا فرق الرعاة اختلاف علَّموا هارب الذئاب التجري فتأملت حالتي مليًّا وتدبرت أمر صحوي وسكري فتبينت أن روما إذا زالت عن البحر يسد فيه غيري كنت في عاصف سللت شراعي منه فانسلت البوارج إثري فنسيت الهوى ونصرت "أنطونيوسا" حتى غدرته شر غدري علم الله قد خذلت حبيبي وأبى صبيتي وعوني وذخري موقف يعجب العلا كنت فيه بنت مصر وكنت ملكة مصر. وهذه السياسة القاصرة المستبدة من جانب كليوباترا -كما صورها شوقي- لا يمكن أن تقنع أحدًا بوطنيتها. هذا ما قاله الدكتور هلال، وأنا أشاطره الرأي، كما عبرت عنه بكل وضوح في درس من الدروس السابقة قبل قليل. على أنّ الفكرة في ترك البطلين يقضي كلاهما على الآخر مأخوذة كذلك من "درايدون" إذ إنه يترك شخصية شخصيات مسرحيته يقول: لو كان لي ما أريد لوددت أن يُهلك هؤلاء الجبابرة المسيطرون على البشر من كل جنس بعضهم بعضًا بسيفه، ولكن ما دامت عزيمتنا تابعة لقوتنا العرجاء علينا أن تبع واحد منهم نعلوا معه أو نهبط. ولكن شوقي يجعل هذه الفكرة محور سياسة كليوباترا في مسرحيته، في حين يذكرها "دريدون" فكرة عابرة على لسان شخصية ثانوية،

стр. 521

ولذا كانت مسرحية كيلوباترا مجموعة متناقضات إذا نرى في المسرحية عاطفتها نحو حبيبها قوية. ونراها تستسلم للملذات، غافلة عما يتهددها هي ووطنها من أخطار وتزعم في الوقت نفسه أنها مخلصة لمصر فتقول في لغة المغرور المستبد متوجهة لأروس: "الحرب فك أروس وسياسة فني". كما تقول لحابي: "دع الذود عن مصر لي إنني أنا السيف والآخر العصا". وخُطّتها السياسية لا تعدوا أن تكون أمنية حال في غفوة من نعاس لا سياسة ملكة رشيدة كما يُريد شوقي أن يلهمنا باقتباساته من المسرحيات الغربية، وفي مسرحية شوقي بعد ذلك تختلط المأساة بالملهاة، فشخصيةُ المُضحك "آنشو" وشخصية "زينون" أمين المكتبة، من العناصر اللاهية في المسرحية وهذا طابع "رومانتيكي" ولكن شوقي لم يتأثر فيه مباشرة بشكسبير في مسرحيته "أنطون" وكليوباترا. والحدث في مسرحية شوقي غير بسيط فهو مزدوج ذو حلين، فحب جابي لـ"هلينا" يقابل حب البطلين أنطونيوس وكيلوباترا وينتهي الحب الأول نهاية سعيدة، في حين ينتهي الحب الثاني بانتحار البطلين، وازدواج الحدث مألوف في مسرحيات الرعاة، وفي بعض المسرحيات الكلاسيكية. وقد عاب أرسطو المسرحيات التي تتعدد فيها الحلول، ودعا على من حببوها ورأى أن هذا النوع من المسرحيات لا يتلاءم إلا مع الجمهور ذي الذوق الفني الضعيف، لأنه لا يقوى على تحمل المأساة المحضة.

стр. 522

ويعتقد الدكتور محمد غينمي هلال أن شوقي بهذا الازدواج قد قصد إلى إرضاء جمهوره في عصره، ومنظر الوليمة يشمل معظم الفصل الثاني من مسرحية شوقي وهو متأثر "بشكسبير" فيما يسوده من طابع المرح من الشراب والرقص، وللمنظر أصل تاريخي في "بلوتارخ" في كتابه حياة العظماء، ويتبع شكسبير ما روي في التاريخ فيجعل منظر الوليمة يدور في سفينة في المياه الإيطالية قريب من سينا، ويكشف فيها عن قوة خلق "أكتافيوس" في امتناعه عن الشراب، وعن تحرق "أنطونيوس" شوقًا لرحيله إلى مصر لكي يرى كيلوباترا بعد زواجه من "أكتافيا". على حين يجعل شوقي منظر الوليمة في مصر بعد الموقعة الأولى في حرب "أكتافيوس" مع "أنطونيوس" في الإسكندرية وهي الموقعة التي بدأ فيها شبح النصر الخادع "لأنطونيوس"، وشوقي يربط منظر الوليمة بمصير البطلين، ويكشف فيها عن جوانب استهتارهما وهزلهما في ساعات الجد، وفي المنظر تثير كليوباترا غضب جنود أنطونيوس فيظهرون سخطهم على حرب تجني "كليوباترا" ثمراتها، فنسمع جنديا منهم متأثرًا بما تفوه به الملكة من إهانة روما يقول زميله: أتسمع ما ما تقول عدو روما قد اجترأت على روما البغي أتحت لوائها وبجانبها يخوض الحرب من روما كمي وقد أطال شوقي في منظر الغناء في الوليمة إرضاء للذوق الجمهور المصري آنذاك، الذي كان يُحب الغناء ويكلف به ولا يقبل على المسرحيات في كثير من الأحياء إلا إذا كان مسرحيات غنائية، لأنه شعب يحب الطرب. وفي التاريخ طبقًا لما كتبه "بلوتارك": أن كليوباترا أرسلت إلى "أنطونيوس" بعد الهزيمة تخبره كذبًا بانتحارها فينتحر أنطونيوس على الأثر؛ ولكن شوقي يلقي

стр. 523

بالتبعة على هذا الخبر الكاذب على "ألنبوس" لأنه يجعله هو الذي يسوق "لأنطونيوس" هذا النعي الكاذب، ويطلب أنطونيوس من كليوباترا آنذاك قبلة يسلم على آثارها الروح، وهذا أثر من مسرحية "دريدن" الذي يجعل هذا النعي يساق على لسان "ألكساس". وتستنكر كليوباترا ما فعله "ألكساس"، ويطلب "أنطونيوس" منها قبلة هي أغلى عنده من كل ما سيتركه "لأكتافيوس"، ثم يسلم على أثرها الروح، وهذا مسلك كلاسيكي عام يتمثل في إظهار نبل أبطال المأساة، وإلقاء تبعة النقائص على الوصيفات أو الشخصيات الثانوية. والكلاسيكيون يتبعون في ذلك قاعدة عامة وضعها لهم "أرسطو" وقد انتهج شوقي نفس الطريقة في إشاعة خبر انتصار كليوباترا في "أكتيوم" كذبًا؛ فقد جعل الخبر مسوقًا بتدبير وصيفة "شيمبيون"، وكذلك فعل شوقي في إلقاء التبعة الفشل السياسي لكليوباترا على العناصر الوطنية التي كانت لا تتجاوز في نقدها لتلك السياسة الحمقاء مجال الكلام، ولا تفكر في الاشتراك في توجيه الأحداث حتى إن حابي يرضى عن كليوباترا؛ لأنها صفحت عنه، ومنحته ضيعة يتمتع فيها مع حبيبته "هيلانة"، وهذا ما يتناوله أنوبيس في كلامه لحابي عقب الهزيمة الفاصلة في مصير البطلين: وأين كنت يا فتى وأين فتيان الحمى وأين فرسان المقال هل مضوا إلى الوغى تركتمُ أنطونيوس وحده يلقى العدى من أجلكم سل الحسام وإلى الحرب مشى أبعد أن حل على النيل وواديه انقضى ولم يجد من شيبه ولا شبانه الفدا أتيت تدعوني كما تدعو العواجز السما الرأي ليس نافعًا إذا أوامره مضى وشوقي يُطيل فيما تقوله كليوباترا من أشعار قبيل انتحارها، تُبرر موقفها وتأسى على ماضيها، وتهيئ نفسها للإقدام على الانتحار، وهي أشعار طابعها غنائي،

стр. 524

وقد سبقه إلى ذلك "جودل" في مسرحيته سابقة الذكر فجعل الملكة أيضًا تُسهب كثيرًا في أشعارها في نفس للغاية ذاتها. ومنظر توديع كليوباترا لأولادها له نظيره في مسرحية "روبير جارنيا" التي عنوانها: "مارك أنطوان" في الفصل الخامس منها، وشعر شوقي في هذا الموقف أروع من شعر جودل من ناحية الصياغة. وفي مسرحية مدام "دي جيرلدا" تظهر كليوباترا في صورة المستهترة التي أخذت على نفسها عهدًا بحياة الملذات ثم الموت، وفي جسمها الأنثوي نفس كبيرة، يتراءى سلطانها من ثنايا ضعفها ويتقهقر من بحضرتها أمامها لروعة جمالها، ولكن يلذ له التقهقر وتطيب له الهزيمة؛ حتى إن عبدًا يتطلع إلى الظفر بها ساعة، على أن يتجرع السم عقب ذلك، وهي في استهتارها واستغراقها في صبواتها تستجيب له، ويتجرع العبد السم بعد أن ينشد نشيد الموت، يتغنى فيه بالبطولة وصدق العاطفة، وحين يشرف على الموت بعد تناول السم، يَسقيه "ديويت" و"فانتديوس" ترياقًا ينجو به من الهلاك ليتخذه أداة انتقامية ومثار غيرة، ولكن هذا العبد هو الذي ينقذ كليوباترا من ذل الأسر إذ هو الذي يحمل إليها الثعبان في سلة من زهر. وواضح شبه إنقاذ العبد من الموت بعد تناول السم، بإنقاذ "هلامي" بترياق بعد تجرعها السم لتموت مع سيدتها في مسرحية كليوباترا لشوقي، ثم إن نشيد الموت في مسرحية شوقي له كذلك نظيره في مسرحية مدام "دي جيرلدا". ولا سبيل هنا لمقابلة جميع الصور الجزئية في شعر شوقي بنظائرها من المسرحيات الغربية، فحسبنا أن نضرب أمثلة من ذلك

стр. 525

فما يخص تأثر شوقي بمسرحية "شكسبير"، ففي آخر الفصل الأول من مسرحية "شكسبير" تتخيل كليوباترا أن "أنطونيوس" يهمس إليها قائلًا: أين رقطائي ثعبانة النيل القديم، ثم تقول: إنه كان هكذا يدعوني. وفي مسرحية شوقي تُدعى كليوباترا رقطاء على لسان "زينون" ثم إنها في آخر المسرحية تتحدث الأفعى هكذا: تعالي عانقي أفعى قصور بها شوق إلى أفعى التلال وفي المنظر السادس ثم السابع من مسرحية "شكسبير" نرى كليوباترا تدعى بغيًّا، ثم نرى "أنطونيوس" يعصي قائد جيشه العام "كانيديوس" ويُفضل عليه رأي كليوباترا بالاشتراك في حرب "أكتيوم" بحرًا لا برا، فيغضب القائد العام ويقول: إن قائدنا مقود، وجنودنا خاضعون لأوامر النساء. ثم يقول: الساعة حبلى بأحداث تتمخض كل آونة عن واحدة منها. ويقرب هذا من قول القائد الروماني في آخر الفصل الثاني من مسرحية شوقي: أنطونيوس سيدي أفي الخير أننا نبيت سكارى والعدو مبيت ألا إنه يوم له ما وراءه غرامك حي فيه والمجد ميت وفي المنظر الرابع عشر من الفصل الرابع من مسرحية "شكسبير" يطلب "أنطونيوس" من "إيروس" أن يقيه ذل العار بالضربة القاضية وبعد محاورة يقتل العبد نفسه، فيقول "أنطونيوس": إن "إيروس" أراه في بطولته أنه لا يستطيع أن يقوم بما عليه وأن يفعل، وأنه هو سيده، وأنه هو سيده بمثابة تلميذ له في هذه الميتة، فما سأفعله فقد تعلمته منك. وهي خواطر يجعلها شوقي تدور بين "أنطونيوس" و"إيروس"،

стр. 526

حين يطلب "أنطونيوس" منه أن يشفيه بضربة سيف أو بطعنة خنجر، فيقتل العدو نفسه على أثر، فيقول أنطونيوس: أوروس عفوًا قد ذهبت ضحية ... وجنى عليك تردد الممقوت فعلمت مني كيف يجني قيصر ... وعلمت منك العبد كيف يموت وفي مسرحية شكسبير حين يدخل "أكتافيوس" على أنطونيوس بعد موته منتحرًا يأسى على أن ألجأه إلى هذا المأزق، ويقول: إن في الجسم بعض آفات تتطلب بعض الجراح. ثم يعبر عن آساه في شبه رثاء لرفيقه قائلًا: لكن دعني أنتحب بدموعي القدسية من كلام القلب أن يا أخي ويا شريكي، ويا ذا المكان الأول في كل ما شرعنا فيه، وندي في الإمبراطورية وصديقي ورفيقي في جبهة الحرب، والذراع لجسمي أنا، والقلب الذي تضيء أفكاره أفكاري. وصدى هذه الخواطر يتراءى في شعر شوقي حين يودع "أكتافو" رفيقه المنتحر قبل دفنه متوجهًا إلى كليوباترا. وأخيرًا يطلب "أكتافيوس" في أواخر مسرحية شكسبير فيرى كليوباترا ووصيفتها ميتتين على أثر لدغات الأفاعي التي انتحرتا بها، وكان مما قاله: ما طريقة موتهن، إني لا أراهن يدمين. يدع شوقي "أكتافيوس" يعبر عن نفس المعنى حين دخل حجرة كليوباترا عقب انتحارها متوجهًا إلى الطبيب قوله: عجيب يا طيب أرى قتيلًا ولكن لا أرى أثر الجراح. وقد أفاد شوقي من كل مصادره التي قد أشرنا إلى بعضها، وأخرج منها خلقًا فنيًّا مُتّسمًا بطابعه، فأراد أن يصور كليوباترا تصويرًا جديدًا خالف فيه كل من سبقوه؛ ليصحح جناية التاريخ عليها كما قال.

стр. 527

تأثر أدب شعب ما بأدب آخر أو بالآداب الأخرى مجتمعة والنوع الأخير من دراسات المصادر هو ما يكون أدب شعب ما، وبيان وجوه تأثره بأدب آخر أو بالآداب الأخرى مجتمعة، كما فعل الباحثان "توكر" و"مجنوس" في شرح علاقات الأدب الإنجليزي بالآداب الأخرى، وكما فعل دو بي في بحثه علاقات الأدب الفرنسي بالأدب الألماني. ومِثلُ هذه الدراسات كما يقول الدكتور محمد غنيمي هلال: قد تفقد شيئًا من الضبط، والتحديد والدقة، لسعة أطراف البحث فيها، وإلى حاجتها إلى اطلاع وإلى ثقافة قد يعي بهما مجهود باحث بمفرده؛ ولكنها حتى في رسم الخطوط الكبيرة في التأثير بوجه عام ذات أهمية كبيرة للباحثين ودارسي الأدب. ثم إن الآداب المختلفة لا تتعرض للتأثير بآداب أجنبية بنسبة واحدة في كل العصور، فقد يبقى الأدب القومي لدولة ما مقطوع الصلة بغيره في عصر ما، ثم يجدد صلاته بالآداب المختلفة على حسب أحوال العصر لكل دولة، وتبعًا لنشاط رجالها الفكري والسياسي. لقد ظل الأدب الفرنسي مثلًا يستمد من الآداب القديمة اللاتينية واليونانية، ومع ذلك طغى عليه في القرن السادس عشر تأثير الأدب الإيطالي حتى غلب على كل تأثير سواه، وقد اتسم القرن السابع عشر في فرنسا بغلبة تأثير الأدب الإسباني عليه، ولما جاء القرن الثامن عشر التجأ أدباؤه وجهة الأدب الإنجليزي أولًا، ثم وجهة الأدب الألماني في النصف الثاني من ذلك القرن وفي أوائل القرن التاسع عشر، أما في أواخره، فقد ظهر تأثير الأدب الروسي والأدب الأمريكي وبخاصة في مؤلفي القصص والمسارح.

стр. 528

ويُجمل الدكتور محمد غنيمي هلال مظاهر التأثر والتأثير العامة المتبادلة بين الأدبين العربي والفارسي، فيقول: إن أول مظهر لهذا التأثير يتمثل في الترجمة؛ سواء من الإيرانية القديمة للعربية منذ العباسيين، أو من العربية الفارسية بعد الفتح الإسلامي، على أن الترجمة من العربية إلى الفارسية كانت أعمق أثرًا في أدب الفرس بعد الفتح، إذ بفضلها وجد النثر الفارسي وتطور، واتبع في تطوره نفس المراحل التي مر بها النثر العربي. وعلى رغم صعوبة تحديد نشأة النثر الفارسي بعد الإسلام؛ فإن أقدم ما وصل إلينا منه يرجع إلى عصر الدولة السامانية في أواخر القرن التاسع إلى أوائل القرن الحادي عشر، وقد اعتمد في نشأته على أصول عربية، مثل ترجمة (تفسير الطبري)، و (تاريخ الطبري). ومن المقطوع به أن اللغة الفارسية ظلت حتى بعد الفتح الإسلامي لغة الكلام وكانت تنظم بها الأغاني والأقاصيص الشعبية ولكنها ارتقت إلى المكانة الأدبية بفضل احتذائها اللغة العربية في صورة الترجمة، ولا بد أن تكون هذه الترجمة قد سبقتها جهود عديدة لإغناء تلك اللغة، تمهيدًا لصعودها إلى المكانة الأدبية، ومن هذه الجهود ما اعتمد قطعًا على شروح النصوص القرآنية والدينية أول العهد بالإسلام، وهي نصوص تتناول كثيرًا من شئون الحياة السياسية والمدنية. وسند ذلك ما يحيكه المؤلف الفارسي أبو جعفر المرشخي في كتابه (تاريخ بُخارى)، عن أهل تلك المدينة من أنهم كانوا في أول العهد بالإسلام يقرؤون القرآن في ترجمته الفارسية، وكانت تلك القراءة تتبع حتمًا شروطًا وتعليقات لفهم معاني النصوص الأصلية، ولا يتأثر ذلك بدون إدخال كثير من الألفاظ العربية والمعاني التجريدية والصور الدينية، مما ترتب عليه حتمًا إغناء تلك المواد في أول عهدها بممارسات مثل تلك الموضوعات.

стр. 529

ويظهر ذلك الجهد واضحًا في ترجمة الوزير الساماني أبي علي محمد البلعمي لتاريخ الطبري في أواخر القرن العاشر الميلادي، متصرفًا على حسب حاجته وما يراه، ولا أدل على ذلك من قول البلعمي في مقدمته لترجمته الكتاب إلى الفارسية، إذ قال: لما وجدت ذلك الكتاب يحتوي على كثير من الحكم والأمثال، وعلى شرح آيات قرآنية وأشعار جميلة، وعلى سير الأنبياء والملوك، اجتهدت في ترجمته إلى اللغة الفارسية طالبًا من الله العون. وبهذه الترجمة تحقق للغة الفارسية أسلوب الأدب النثري كما قال الدكتور هلال، وأسلوب بلعمي في ترجمته سهل خال من الحلية اللفظية إلا ما ندر من سرش وإلا ما يذكر أحيانًا من جمل أو من مفردات تتوالى على معنًا واحد، محاكاة للأسلوب العربي. ونسبة الألفاظ العربية في هذه الترجمة ضئيلة تتفاوت ما بين ثلاث في المائة وخمسة وعشرين في المائة، وتكثر في الاصطلاحات والتعبيرات الدينية والكلمات التجريدية، وقلما تكون الألفاظ العربية في هذه الترجمة أسماء لأشياء محسة. وبالترجمة أيضًا ظهر النثر الفني الفارسي، وذلك بترجمة أبي المعالي نصر الله لـ"كليلة ودمنة" من العربية لابن المقفع إلى الفارسية، حوالي عام خمسمائة وتسعة وثلاثين هجرية، وقد تصرف أبو المعالي في ترجمته تصرفًا خلق في لغته النثر الفني بخصائصه العربية. وقد وصل هذا التأثير العربي أقصاه في العناية بالحلية اللفظية والسجع، بترجمة "الجربذقاني" كتاب (يمين الدولة) لأبي نصر محمد بن عبد الجبار العتبي إلى الفارسية عام أربعمائة واثنين وثمانين للهجرة.

стр. 530

وزادت نسبة الألفاظ العربية في الأصول فتراوحت في هذه المرحلة ما بين ثمانين وخمسين في المائة، حتى كادت تكون الكلمات عربية مرتبة على حسب قواعد النحو الفارسي، بل إن النحو نفسه لم يسلم من التأثير العربي، ومظهر ذلك حذف الفعل في بعض الجمل الفارسي أو تقديمه أو خلق الفعل المبني للمجهول على غرار ما في العربية وكذلك استعمال الحال كما في النحو العربي. وقد تم ذلك كله بفضل من يجيدون اللسانين العربي والفارسية. وبفضل الترجمة على اختلاف صورها، تبادلت اللغتان التأثيرات فيما بينهما سواء في الأدب النثري أو التاريخ، أو المقامة، أو القصة على لسان الحيوان كما هو معروف. ومن ذلك أيضًا أدب الحكمة والسلوك وهي حكم الملوك أو وصايا العظماء، أو حكايات خلقية عامة تمت بصلة إلى السياسة، وقد كثرت الكتب في هذه الموضوعات في الأدب العربي في العصر العباسي ومتأثرة بأدب النصائح الإيرانية، وكان هذا الضرب من الأدب قد لقي رواجًا كبيرًا في اللغة "البهلوية" في آخر العصر "الساساني". وقد تكون لذلك صلة بنبوغ كثير من مسلمي إيران في القصص والمواعظ العربية ممن كانوا يجيدون اللغتين فيما يروي الجاحظ، مثل: الخطباء القاصين من أسرة الرقاشي، وكانوا خطباء الأكاسرة، ثم نبغوا في العربية نبوغهم في الفارسية، ومثل موسى الأسواري. ولا شك أن هؤلاء كانوا ينتفعون في قصصهم ومواعظهم بثقافتهم الإيرانية؛ مما سوغ قول بعض متقدمي المسلمين من ذوي الميول الإيرانية فيما يروي الجاحظ: "من احتاج إلى العقل والأدب والعلم بالمراتب والعبر والمثلات والألفاظ الكريمة
следующие страницы →