Полный текст (10 202 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
والتوفي هنا قبض الأرواح عن التصرف في حال النوم، واستيفاء العقل والتمييز إلى وقت اليقظة، والذي ينام كأنه استوفى حركاته من اليقظة.
الثاني: يطلق التوفي على الموت، وذلك وقت انقضاء الأجل، وفيه استيفاء للروح دون البدن، فيستوفي الله الروح كما في قوله تعالى: " حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون " [الأنعام: ٦١] . أما البدن فليس فيه هنا استيفاء ولا قبض، بل يبقى في الأرض ويوارى في التراب.
الثالث: يطلق التوفي على توفي الروح والبدن جميعاً، أي قبضهما واستيفاؤهما جميعاً، وهذا الذي حصل للمسيح ﵇، وبذلك خرج عن حال أهل الأرض الذين يحتاجون إلى الأكل والشرب واللباس والنوم وغيرها، فحاله ﵇ ليست كحال أهل الأرض في ذلك.
وعلى هذا فمعنى التوفي في قوله تعالى: " وإذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ... " [آل عمران: ٥٥] . أي قابضك ورافعك في الدنيا من غير موت، وهذا التوفي يحتمل معنيين، وكلاهما صحيح:
الأول: أي رافعك إلي وافياً لم ينالوا منك شيئاً، كما يقال: توفيت من كذا وكذا واستوفيته: إذا أخذته تاماً.
الثاني: إني متسلّمك، كما يقال: توفيت منه كذا: أي تسلمته وقبضته.
стр. 1332
والله لم يذكر في القرآن عن المسيح أنه مات ولا قتل، ولو أراد الله الموت لقال: (وما قتلوه وما صلبوه بل مات) ، ولكن هذا لم يحصل، ولو أراد الله في معنى الوفاة المذكورة في القرآن الموت؛ لكان المسيح ﵇ في ذلك كسائر المؤمنين والناس جميعاً في قبض أرواحهم والعروج بها إلى السماء، ولو فارقت روح المسيح بدنه لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء، ولذلك قال الله تعالى: " بل رفعه الله إليه ... "؛ ليبين أن الرفع للروح والبدن، ويشهد لذلك الحديث الصحيح كما عند الإمام مسلم وغيره في نزول المسيح ﵇ في آخر الزمان بروحه وبدنه، وهذه الأحاديث كثيرة مشهورة ومتواترة ومعروفة في كتب السنة والحديث، ويشهد لذلك قوله تعالى: " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً.." [النساء: ١٥٩] أي موته في آخر الزمان بعد نزوله ﵇، ولذلك قال: " ليؤمنن به " وهذا فعل مُقسم عليه، ولا يكون إلا في المستقبل، وقوله ﵊ في الحديث الصحيح، كما عند البخاري (٣٤٤٨) ، ومسلم (١٥٥) : " والله لينزلن فيكم ابن مريم حكماً عدلاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ... " وهذا دلالة على المستقبل بدلالة القسم.
وخلاصة الكلام هنا أن لفظ التوفي في اللغة العربية لا يدل بنفسه على توفي الروح دون البدن، ولا توفيهما جميعاً، ولا توفي النوم إلا بقرينة منفصلة ككثير من الألفاظ العربية.
معنى:" الرفع "
الرفع في لغة العرب ضد الوضع، وقد يستخدم في الأعيان (أي الأجسام) ، وقد يستخدم في المعاني.
والرفع في الأجسام حقيقة في الحركة والانتقال إلى جهة العلو، كما يقال: ارتفع الطائر، أو ارتفع موج البحر. فارتفاع الشيء ارتفاعاً بنفسه أي علا، وهكذا.
стр. 1333
وأما الرفع في المعاني فهو محمول على ما يقتضيه المقام، فمثلاً: قوله ﵊: " رفع القلم عن ثلاثة الصغير حتى يكبر و ... " أخرجه أبو داود (٤٣٩٨) ، والنسائي (٣٤٣٢) . معناه عدم التكليف الشرعي، ويقال: ارتفع الرجل بحسبه ونسبه أي شرُف وصار شريفاً.
وأما معنى الرفع في قوله تعالى في سورة النساء عن المسيح ﵇: " بل رفعه الله إليه "، فيدل على أن الرفع هنا بمعنى العلو الحسّي أي الارتفاع؛ لأن معنى الرفع في الأجسام حقيقة في الحركة والانتقال إلى أعلى، وهذا ما حصل للمسيح ﵇.
ومما يدل أيضاً أن الرفع كان حقيقة في أمر المسيح قرينة " إليه " في السياق، أي الرفع كان لمكان عالٍ؛ لأن الله أضاف جهة الرفع إليه، والله -جل وعلا- في جهة العلو كما تدل عليه النصوص والعقل والفطرة.
وخلاصة الكلام هنا أن الرفع الوارد في الآية رفع حقيقي إلى أعلى بالبدن والروح، لأن الرفع في اللغة حقيقة في الأعيان (أي الأجسام) ، وليس مجازاً، والمسيح كان كذلك، إضافة إلى أن جهة الرفع أضيفت لله -تعالى- وهو في جهة العلو، فيكون الرفع هنا: أي الانتقال إلى أعلى.
стр. 1334
يحب ابنه أكثر من النبي ﷺ -
المجيب د. رشيد بن حسن الألمعي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ١٨/٧/١٤٢٤هـ
السؤال
كنت في حديث مع أحد الزملاء، وتطرقنا إلى محبة المصطفى ﷺ فذكر أنه يحب ابنه أكثر من الرسول ﷺ ، فأنكرت عليه ذلك، وذكرت له أنه من تمام الإيمان تقديم محبة الرسول ﷺ فرد قائلاً: إنه لا يستطيع التغلب على عواطفه، مع أنه حاول ذلك وقد عقد لساني لذلك، أرجو منكم الرد عليه مأجورين.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فأقول وبالله التوفيق:
اعلم بارك الله فيك أن محبة النبي ﷺ ليست من نوع الحب العاطفي المجرد، بل هي أمر وثيق الصلة بالإيمان وصحته؛ ولهذا بوب البخاري ﵀ لذلك في صحيحه بقوله: (باب حب الرسول من الإيمان) ، ثم أورد حديث رقم (١٤) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده"، وحديث أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" رواه البخاري (١٥) ، ومسلم (٤٤) .
стр. 1335
ونقل ابن حجر – ﵀ – في شرحه في الفتح (١/٥٨) من كلام القاضي عياض أن ذلك شرط في صحة الإيمان، قال ابن حجر (ومن علامة الحب المذكور أن يعرض على المرء أن لو خير بين فقد غرض من أغراضه، أو فقد رؤية النبي – ﷺ ، (أن لو كانت ممكنة، فإن كان فقدها - أن لو كانت ممكنة - أشد عليه من فقد شيء من أغراضه فقد اتصف بالأحبية) المذكورة، ومن لا فلا، وليس ذلك محصوراً في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته والذب عن شريعته وقمع مخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي هذا الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر، فإن الأحبية المذكورة تعرف به؛ وذلك أن محبوب الإنسان إما نفسه وإما غيره، أما نفسه فهو أن يريد بقاءها سالمة من الآفات، هذا هو حقيقة المطلوب، وأما غيرها فإذا حقق الأمر فيه فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما على وجوهه المختلفة حالاً ومآلاً، فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول – ﷺ – الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان إما بالمباشرة وإما بالسبب علم سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره؛ لأن النفع الذي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره، لكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسب استحضار ذلك والغفلة عنه، ولا شك أن حظ الصحابة – ﵃ – من هذا المعنى أتم؛ لأن هذا ثمرة المعرفة وهم بها أعلم، والله الموفق، وقال القرطبي: كل من آمن بالنبي – ﷺ – إيماناً صحيحاً لا يخلو من وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة، غير أنهم متفاوتون فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى كمن كان مستغرقاً في الشهوات، محجوباً في الغفلات في أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبي – ﷺ – اشتاق إلى رؤيته بحيث يؤثرها
стр. 1336
على أهله وولده وماله ووالده، ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة، ويجد مخبر ذلك من نفسه وجداناً لا تردد فيه" أ. هـ فليتأمل اللبيب قدر ذلك ومنزلته في نفسه، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 1337
ملة إبراهيم ﵇
المجيب د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي
عضو البحث العلمي بجامعة القصيم
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ١٥/٣/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سؤالي هو عن ملة إبراهيم أتمنى أن أرى إجابة مفصلة عن هذا الموضوع، وما هي أركانه، وهل هي خاصة لليهود والنصارى أم للعرب؟ ومن هم ذرية إبراهيم ﵇ في الوقت الحالي؟ وهل يكفي اعتناقها عن الإسلام وأركانه؟ ومن هم بنو إسرائيل وما هو التفضيل الذي فضلهم الله به عن العالمين؟ حيث إني بحثت عن معنى هذه الآية في بعض التفاسير فلم أجدها موجودة.
الجواب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
стр. 1338
ملة إبراهيم هي الحنفية، - أي التوحيد الخالص- كما قال –تعالى-: "ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً" [النساء: ١٢٥] ، وقال سبحانه واصفاً حاله: "إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين" [النحل: ١٢٠] ، وأمر نبيه محمداً ﷺ وأمته باتباع هذه الملة ولزومها، فقال: "قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً" [آل عمران: ٩٥] ، وقال: "ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً" [النحل: ٢٣] ، فملة إبراهيم ﵇ هي الإسلام: "إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين" [البقرة: ١٣١] ، فالإسلام ملته، والمسلمون أتباعه، قال –تعالى-: "ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا" [الحج: ٧٨] ، وذم الله من حاد عن ملة إبراهيم، ورغب عنها، فقال: "ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه" [البقرة: ١٣٠] ، وكان ممن رغب عن ملته اليهود، والنصارى، قال ابن جرير ﵀: (عنى الله بذلك اليهود والنصارى لاختيارهم ما اختاروا من اليهودية والنصرانية على الإسلام؛ لأن ملة إبراهيم هي الحنيفية المسلمة ... ثم ساق بسنده عن قتادة: رغب عن ملته اليهود والنصارى واتخذوا اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم، يعني الإسلام حنيفاً، كذلك بعث الله نبيه محمداً – ﷺ بملة إبراهيم) جامع البيان (١/٥٥٨) .
стр. 1339
فاليهود حرفوا التوراة، واستعاضوا عنها بتعاليم الحاخامات وتلمودهم واستطالوا على الله ورسله، والنصارى اتبعوا بولس وهجروا دين المسيح عيسى ابن مريم – ﵇ وقالوا بالحلول والتجسد والإبنية والتثليث، فأين هذا من ملة إبراهيم – ﵇، لما كان الأمر كذلك برأ الله نبيه وخليله إبراهيم من اليهودية والنصرانية، فقال: "ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً" [آل عمران: ٦٧] ، وأنكر الله –تعالى- على اليهود والنصارى انتحالهم إبراهيم والأنبياء من ذريته، فقال: "أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله" [البقرة: ١٤] .
إذا تقرر هذا تبين أن ملة إبراهيم ليست إرثاً تاريخياً يستحق بالنسب بل هي دين واتباع: "قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً" [الأنعام: ١٦١] ، فمعتنق التوحيد الخالص على ملة إبراهيم ولو كان من العجم، والراغب عن التوحيد الواقع في الشرك والتثليث ليس على ملة إبراهيم ولو كان من ذرية إسماعيل أو إسحاق ﵉ من العرب أو اليهود.
واليهود يزعمون أنهم ينالون شرف الإبراهيمية لمجرد النسب التاريخي، وأن الله أعطاهم عهداً مطلقاً واختارهم، بصرف النظر عن التزامهم بملة إبراهيم، وهذا من كذبهم وإفكهم، فقد قال الله لإبراهيم لما جعله للناس إماماً، وسأله قائلاً: "ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين" [البقرة: ١٢٤] .
стр. 1340
وأما التفضيل الذي أثبته الله لبني إسرائيل في مواضع من القرآن فهو تفضيل لهم على أهل زمانهم، حيث جعل الله فيهم الكتاب والحكم والنبوة، لكنهم لم يرعوا هذه النعمة ولم يشكروها، فسلبهم الله إياها، وجعلهم أرذل الأمم، حيث قال -تعالى-: "وإذا تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب" [الأعراف: ١٦٧] ، وأحل عليهم غضبه ولعنته، فقال تعالى: "ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة" [آل عمران: ١١٢] ، وادخر الله هذا الفضل والخير لأمة محمد ﷺ التي أحيا الله بها ملة إبراهيم، فقال تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس" [آل عمران: ١١٠] ، فلا يقبل الله ديناً سوى الإسلام: "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين" [آل عمران: ٨٥] وقال ﷺ : "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" رواه مسلم (١٥٣) . والله أعلم.
стр. 1341
هل نسبة بعض القبور إلى الأنبياء صحيحة ؟
المجيب عبد الحكيم محمد أرزقي بلمهدي
كلية الشريعة/ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ٥/١٢/١٤٢٤هـ
السؤال
فضيلة الشيخ: أحسن الله إليك، ما مدى صحة نسبة بعض القبور إلى الأنبياء غير نبينا محمد ﷺ مثل قبر إبراهيم وسليمان في فلسطين، وأيوب وعمران في عمان. وهل يجوز زيارتها للسلام؟.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالذي اتفق عليه العلماء وأجمعت عليه الأمة ونقل إلينا بالتواتر هو قبر نبينا محمد ﷺ ، وما سواه من قبور تنسب إلى الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، فجلها لا يثبت بطريق يوثق به، وإنما وقع النزاع في قبر الخليل ﵇، والذي عليه الأكثر أن القبر المعروف اليوم في فلسطين هو قبر إبراهيم ﵇.
أما زيارة قبورهم ﵈ للسلام عليهم، فما علم أنه قبر نبي فلا إشكال في جواز زيارته، فإذا كانت زيارة قبور عموم المؤمنين مستحبة، فزيارة قبور الأنبياء والصالحين من باب أولى، وليجتنب المؤمن الأفعال المحظورة هناك، ذلك أن زيارة قبور الأنبياء وسائر المؤمنين على وجهين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية.
فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام عليهم، والدعاء لهم، والاتعاظ والاعتبار والتفكر في حال من مضى، وأين صاروا اليوم، وتذكر يوم الدين، فهذه جائزة، بل مستحبة، وقد ندبنا إلى هذا.
والزيارة البدعية: أن يزورها كزيارة المشركين وأهل البدع لدعاء الموتى وطلب الحاجات منهم أو لاعتقاده أن الدعاء عند قبر أحدهم أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت، فهذا من الممنوع الذي لا يجوز فعله، ومن كان هذا قصده من الزيارة فلا شك أن فعله محرم.
هذا في حق من لم ينشئ سفراً لذلك.
стр. 1342
أما إنشاء سفر لأجل ذلك فالأمة مجمعة على جواز شد الرحل واستحبابه لأحد المساجد الثلاثة التي جاء بها النص، وهي: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، أما غير هذه من قبر وأثر نبي ومسجد وغير ذلك فليس بواجب ولا مستحب، وإنما وقع الخلاف بين المتأخرين في جواز شد الرحل لزيارة نبينا محمد ﷺ ، أما غيره فلا شك في منعه. والله أعلم.
стр. 1343
(هل لكل نبي دعوة لأمته يوم القيامة ؟)
المجيب عبد الحكيم محمد أرزقي بلمهدي
كلية الشريعة/ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ٣٠/٣/١٤٢٥هـ
السؤال
قرأت أن الرسول ﷺ له دعوة جعلها لأمته في يوم القيامة، فهل لكل نبي دعوة لأمته؟ فإن كان الجواب بنعم، فهل هي معروفه دعواتهم؟ وهل صحيح أن كل الأنبياء دعوا على أممهم إلا نبينا ﷺ . وجزاكم الله خير.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد أخرج البخاري (٦٣٠٤) ومسلم (١٩٨) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة". وعند مسلم (١٩٩) قال رسول الله ﷺ " لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا". وللحديث طرق كثيرة وفي بعضها زيادات عما هو مذكور هنا.
وظاهر الحديث أن الله جعل لكل نبي دعوة تستجاب في حق أمته أو نفسه، فنالها كل منهم في الدنيا, فمنهم من دعا على قومه، كقول نوح ﵇: "لا تذر على الأرض" [نوح:٢٦] ، ومنهم من دعا لنفسه، كقول زكريا ﵇: "فهب لي من لدنك وليا يرثني" [مريم:٥ -٦] ، وقول سليمان ﵇: "وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي" [ص:٣٥] ، ودعوات الأنبياء مذكورة في القرآن، ولا يقطع بأن جميع الأنبياء دعوا على أقوامهم بالهلاك، إذ لم يرد في ذلك نص يعول عليه، وإن ذكر بعض الشراح ذلك، وقد دعا النبي ﷺ على أحياء من العرب، ودعا على أناس بأعيانهم، حتى قال له ربه سبحانه: "ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم" [آل عمران:١٢٨] .
стр. 1344
والحديث فيه بيان فضل نبينا ﷺ على سائر الأنبياء حيث آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة, ولم يجعلها أيضا دعاء عليهم بالهلاك كما وقع لغيره ممن تقدم. قال ابن الجوزي: هذا من حسن تصرفه ﷺ لأنه جعل الدعوة فيما ينبغي, ومن كثرة كرمه لأنه آثر أمته على نفسه, ومن صحة نظره لأنه جعلها للمذنبين من أمته لكونهم أحوج إليها من الطائعين. وقال النووي: فيه كمال شفقته ﷺ على أمته ورأفته بهم واعتنائه بالنظر في مصالحهم, فجعل دعوته في أهم أوقات حاجتهم.
стр. 1345
ما المراد بخاتم الأنبياء ؟
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ١٧/١٢/١٤٢٤هـ
السؤال
السلام عليكم.
تدعي الطائفة الأحمدية أن خاتم الأنبياء لا تعني أن النبي محمد ﷺ هو آخر الأنبياء. فما صحة هذا القول، وما صحة ما روي عن عائشة ﵂ "قولوا إنه خاتم الأنبياء ولا تقولوا لا نبي بعده" (تكملة مجموع البحر صفحة ٨٨) ، وقال الإمام السيوطي: إن المغيرة قال بذلك (الدر المنثور) .
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وبعد:
هذه الطائفة زائغة عن الحق، ضالة عن الصراط المستقيم، مكذبة للقرآن والسنة، وقد تواترت الأدلة من الكتاب والسنة أنه لا نبي بعد نبينا محمد ﷺ ، قال الله :"وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً" [الأحزاب: من الآية٤٠] ، ومعنى خاتم النبيين: أي الذي ختمت به النبوة فطبع عليها، فلا تفتح لأحد بعده إلى قيام الساعة.
ودلت السنة المتواترة عن النبي ﷺ أنه خاتم الأنبياء والمرسلين ومن ذلك:
- ما جاء في الصحيحين البخاري (٣٥٣٥) ، ومسلم (٢٢٨٦) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجلٍ بنى بيتاً، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين ".
стр. 1346
- وفي الصحيحين البخاري (٤٨٩٦) ، ومسلم (٢٣٥٤) من حديث جبير بن مطعم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب"، والعاقب الذي ليس بعده نبي.
- عن ثوبان – ﵁، قال رسول الله ﷺ : " وإنه سيكون من أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، ولا نبي بعدي" رواه أبو داود (٤٢٥٢) ، وغيره.
- وفي صحيح مسلم (٥٢٣) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " فضلت على الأنبياء بست، أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون ".
стр. 1347
قال الحافظ ابن كثير: " وقد أخبر الله ﵎ في كتابه، ورسوله في سنته المتواترة عنه أنه لا نبي بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل، ولو تخرق وشعبذ وأتى بأنواع السحر والطلاسم.." قال القاضي عياض: " نكفر من ادعى نبوة أحدٍ مع نبينا ﷺ .. أو من ادعى النبوة لنفسه، أو جوز اكتسابها والبلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها كالفلاسفة وغلاة المتصوفة، وكذلك من ادعى منهم أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوة، فهؤلاء كلهم كفار مكذبون للنبي ﷺ ؛ لأنه أخبر ﷺ أنه خاتم النبيين لا نبي بعده، وأخبر ﷺ عن الله –تعالى- أنه خاتم النبيين ... " الشفاء (٢ / ١٠٧٠) وأما ما جاء عن عائشة والمغيرة ﵄ فقد أخرجهما ابن أبي شيبة في مصنفه (٩ / ١٠٩ – ١١٠) قال: من كره أن يقول: لا نبي بعد النبي – ﷺ حدثنا حسين بن محمد قال: حدثنا جرير بن حازم عن عائشة – ﵂ قالت: قولوا خاتم النبيين، ولا تقولوا: لا نبي بعده.
حدثنا أبو أسامة عن مجالد قال أخبرنا عامر قال: قال: رجل عند المغيرة بن شعبة – ﵁: صلى الله على محمد خاتم الأنبياء لا نبي بعده، قال المغيرة – ﵁: حسبك إذا قلت خاتم الأنبياء فإنا كنا نحدث أن عيسى – ﵇ خارج فإن هو خرج فقد كان قبله وبعده. ومراد عائشة والمغيرة ﵄ واضح وهو الإشارة إلى نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان.... وقد دل على هذا قوله تعالى: "وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً" [النساء: ١٥٩] ، ودل أيضاً على نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان الأحاديث المتواترة عن النبي ﷺ .
стр. 1348
قال ابن قتيبة: " وأما قول عائشة ﵂: قولوا لرسول الله ﷺ : خاتم الأنبياء، ولا تقولوا لا نبي بعده، فإنها تذهب إلى نزول عيسى ﵇ وليس هذا من قولها ناقضاً لقول النبي ﷺ : "لا نبي بعدي" لأنه أراد لا نبي بعدي ينسخ ما جئت به كما كانت الأنبياء ﵈ تبعث بالنسخ، وأرادت هي لا تقولوا إن المسيح لا ينزل بعده " وهذا على تقدير صحة ما جاء عن عائشة والمغيرة ﵄، فأثر عائشة ﵂ منقطع، وفي أثر المغيرة ﵁ مجالد بن سعيد وهو ضعيف. هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 1349
الطعن في أمية محمد ﷺ
المجيب د. أحمد بن عبد اللطيف العبد اللطيف
الأستاذ بقسم العقيدة بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ١٨/١/١٤٢٥هـ
السؤال
كيف أرد على شخص كافر يقول لي أن ما روي أن محمد- ﷺ لم يعرف القراءة والكتابة، وأنه لقي جبريل ﵇ هو باطل؟.
الجواب
إن التشكيك في وقائع التاريخ الماضية منهج مرفوض، ولا يؤثر تشكيك المشككين في ثبوت الأحداث ووقوعها.
ووقائع التاريخ منها ما يثبت بالتواتر المعنوي وهو يفيد العلم كعلمنا بالأنبياء السابقين وعلمنا بوجود فلاسفة كأرسطو وعلمنا بكرم حاتم الطائي، وشجاعة علي ﵁ وفقه الشافعي-﵀. وعليه فالعلم بوجود النبي ﷺ ، وأنه كان لا يقرأ ولا يكتب علم ضروري، ثبت بالتواتر وبنصوص الوحي.
وثبوت نبوته وأنه نبي قد أيدته المعجزات ومنها القرآن العظيم والبشارات التي صاحبت أحواله مما أظهر الإسلام على الدين كله، ومنها أحداث وقعت في زمنه كانشقاق القمر، ونبع الماء من أصبعه، وقد ألف أهل العلم كتباً في دلائل النبوة فلتراجع ... وعليه فهذا الشخص تبين له الأخبار، وأنه منها المتواتر ومنها الآحاد والمتواتر يفيد العلم القطعي كعلمنا بالبلاد النائية والأخبار الماضية ... هذا ما اتفق عليه العقلاء من جميع الملل.
وأما نبوة الرسول ﷺ واتصال جبريل-﵇ به فهي ظاهرة معروفة عند الأمم السابقين من اليهود والنصارى، فهم لا ينكرون هذه الظاهرة؛ لأنها وقعت للأنبياء الذين يؤمنون بهم.
وعليه فنقول لهم كيف تثبت نبوة الأنبياء السابقين دون محمد ﷺ ؟ فبالطريق الذي عرفتم نبوة الأنبياء السابقين تعرفون نبوة محمد ﷺ . والله أعلم.
стр. 1350
عصمة الأنبياء من الذنوب
المجيب أ. د. ناصر بن عبد الكريم العقل
أستاذ العقيدة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ٢٤/٠٩/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لقد سألني شابٌ نصرانيٌ أمريكي (يسأل من أجل المعرفة لا من أجل التحدي) ، يقول: كيف تقولون إن الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، معصومون من الخطأ والذنوب، والقرآن يقول لمحمد ﷺ ، في سورة محمد الآية ١٩: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) . وكان النبي ﷺ يستغفر الله من الذنوب؟ ثم كيف تقولون إنه معصوم من الخطأ ثم تقولون في الحديث: قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فما هذه الذنوب التي غفرها الله له، والتي تقدمت؟ (زاد على ذلك أن سأل أيضًا عن قول إبراهيم ﵇ في سورة (الشعراء: ٨٢) : (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) . فما خطيئة إبراهيم ﵇؟ أليس معصومًا من الخطأ؟ وسأل أيضًا عن قتل موسى ﵇ للمصري، والآية ١٦ من سورة القصص: (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) .
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
стр. 1351
الذنب هو المعصية، ويشمل الكبائر- كالربا، والزنا- والصغائر- كالغضب غير الشديد، والضيق، والحزن، ونحو ذلك- والأنبياء، ﵈، كلهم معصومون من الكبائر، ومن كل ما يخل بتبليغ الدين، لكنهم قد يقعون فيما دون ذلك من السهو والنسيان؛ (إلا أن الله يسددهم بما هو من الدِّين) ، وكذلك الصغائر قد تكون منهم لبشريتهم وما لا يتنافى مع تبليغ الرسالة، والله يسددهم في ذلك؛ كما قال تعالى: (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) [التوبة:٤٣] . و: (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ) [التحريم:١] . و: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) [عبس:١] . ومثلها. والله أعلم. والأنبياء، عليهم الصلاة والسلام- لشدة عبادتهم وتعظيمهم لله تعالى- يعدون الوقوع في الصغائر، والسهو والنسيان والغفلة من التقصير، ويخافون أن يكون خطيئة، فيستغفرون الله منها، كما أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام- لقوة معرفتهم بالله وحقوقه ونعمه- يرون أن كل أعمالهم الصالحة لا تكافئ نعم الله التي لا تعد ولا تحصى، فتفزع نفوسهم للشعور بالتقصير ويهرعون إلى الاستغفار، وهكذا يجب أن يكون عباد الله الصالحون. نسأل الله أن يجعلنا منهم، آمين. والله أعلم.
стр. 1352
المقصود بالحكمة في قوله "وآتاه الله الملك والحكمة "
المجيب د. محمد بن صالح الفوزان
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ١٩/٠٨/١٤٢٥هـ
السؤال
ما الحكمة من ذكر إيتاء الحكمة لداود بعد ذكر قتله لجالوت في سورة البقرة آية:
(٢٥١؟) .
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الحكمة هي النبوة على القول الراجح، وقد أعطى الله داود الحكمة والملك بعد قتله لجالوت: "وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء" [البقرة: من الآية٢٥١] ، والنبوة اصطفاء من الله لمن يشاء من عباده، وقد كان داود فتى صغيراً في بني إسرائيل لا شأن له، وقيل: إنه كان راعي غنم، فلعل من الحكم أن الله أراد أن يبين لبني إسرائيل أن الأمور تجري بحكمة الله لا على ظواهر الأشياء، فلم تمنح لا لطالوت ولا لجالوت، وإنما لهذا الراعي، وكما قال تعالى عن المشركين: "وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم" [الزخرف: ٣١] . والله أعلم.
стр. 1353
ختم النبوة بمحمد ونزول عيسى عليهما الصلاة السلام
المجيب خالد بن عبد العزيز السيف
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ ٢٥/١٢/١٤٢٥هـ
السؤال
أحد المنكرين لرجوع عيسى ﵇ في آخر الزمان أرسل إليّ رسالة طويلة فيها شبهات تقلقني ولا أستطيع الرد عليها. أرجو من فضيلتكم أن تجيبوا عن هذه الشبهات. ومنها: نقطع بأن ليس هناك أنبياء آخرون يأتون بعد النبي محمد ﷺ ولكن من الخطأ تحديد الأمر بأنبياء جدد. والبعض يحاولون التوفيق بين النزول الثاني للمسيح ﵇ (ترجمة حرفية) وإيماننا بختم النبوة حيث يزعمون أن عيسى ﵇ كان نبيًّا قديمًا وليس بنبي جديد، وفي إضافة لتوثيق ذلك يجادلون بأنه حيث إن عيسى ﵇ سيتبع شرع محمد ﷺ فلن يكون نبيًّا حقيقة في ذلك الحين. ومعنى ذلك أن عودة عيسى ﵇ لن تمثل تهديدًا لختم النبوة، وليس في عقيدتنا مبدأ نزع النبوة عن نبي، ولا شك أن القاديانيون خرجوا من ملة الإسلام بالردة بسبب ما عندهم من وجهات نظر مشابهة عن ختم النبوة، بحيث يزعمون أنه قد يكون هناك أنبياء على نفس شريعة محمد ﷺ ، ولكن ليس هناك أساس لتحديد ختم النبوة بظهور أنبياء جدد أو لأنبياء من نوع معين. فإن ختم النبوة تشمل جميع الأنبياء.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد..
من القواعد المقررة أن نبوة النبي محمد ﷺ ثبتت كما ثبتت نبوة غيره من الأنبياء السابقين ممن يؤمن بهم النصارى كموسى ﵇ وسائر أنبياء بني إسرائيل؛ وإذا ثبتت نبوة نبي وأنه مرسل من عند الله وجب الإيمان به وأن كل ما يقوله حق يجب تصديقه.
стр. 1354
ومما جاء به محمد ﷺ أنه خاتم الأنبياء لا نبي بعده، كما قال تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [الأحزب: ٤٠] . وكما قال الرسول ﷺ في الحديث الصحيح: "فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ". أخرجه مسلم (٥٢٣) . وقال أيضًا في الصحيح: "أَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ". أخرجه البخاري (٣٥٣٥) ومسلم (٢٢٨٦) .
ومن عقائد الإسلام أيضًا التي يجب تصديق محمد ﷺ فيها- لأنه فرع عن نبوته- ما جاء في سورة الزخرف حكاية عن المسيح: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ) [الزخرف:٦١] . أي علامة على قربها. وفسرها الرسول ﷺ بنزول المسيح ﵇ في آخر الزمان- انظر صحيح ابن حبان (٦٨١٧) ومستدرك الحاكم ٢/٢٧٨.
أما عن شريعة المسيح بعد النزول فسيحكم بشريعة محمد ﷺ ، كما ذكر ذلك النبي ﷺ في الحديث الصحيح عند الإمام البخاري (٢٢٢٢) والإمام مسلم (١٥٥) : "وَاللَّهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلًا فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ..". وفي الحديث الآخر: "كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ". أخرجه مسلم (١٥٥) . أي: فأمكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم. كما فسرها الصحابة.
стр. 1355
بل إن الذي يؤم الناس في الصلاة في ذلك الوقت ليس المسيح ﵇ بل رجل من أمة محمد ﷺ ، كما أخبرت بذلك الأحاديث الصحيحة: انظر صحيح البخاري (٣٤٤٩) ومسلم (١٥٥) . وليس ذلك الرجل أفضل من المسيح ﵇، بل دلالة على أن المسيح بعد نزوله تابع لشريعة محمد ﷺ وحاكم بها. ومع ذلك فهو نبي ويدعى في ذلك الوقت بنبي الله، وليس في ذلك إشكال، والنصارى يؤمنون بنظير ذلك، فقد جاء في الكتاب المقدس من العهد القديم منه: اجتماع أكثر من نبي في وقت واحد ومكان واحد ويعملون بشريعة واحدة، وليس في ذلك ما يطعن في نبوة واحد منهم، وهذا له أمثلة كثيرة أشهر من أن تذكر، وهذا يؤمن به اليهود والنصارى، كما هو موجود عندهم.
وأما مسألة القاديانية فالأمر فيها يختلف من عدة أوجه:
١- أن النبي محمدًا ﷺ أخبر بنزول المسيح ﵇ محكِّمًا لشريعته، ولم يخبر بغيره كالميرزا أحمد غلام القادياني.
٢- يعتقد القاديانيون بأن النبوة لم تختم، بل هي مستمرة، وأن الله يرسل الرسل تباعًا حسب الحاجة، حتى بعد محمد ﷺ ، وأن الميرزا أحمد غلام القادياني أفضل الأنبياء.
٣- أن القاديانية أتوا بمعتقدات بعيدة جدًّا عن الإسلام، فمع أنهم ألغوا فكرة ختم النبوة إلا أنهم قالوا بنزول كتاب آخر غير القرآن على نبيهم الميرزا أحمد غلام القادياني، واسمه الكتاب المبين، وهو المعتمد لا القرآن، ويعتقدون أنهم أصحاب دين جديد مستقل وشريعة مستقلة، وكل مسلم عندهم كافر حتى يدخل في القاديانية، إلى غير ذلك من المعتقدات، سواء في الله أو في التشريعات التي تخالف الإسلام.
وعلى هذا فخروج القاديانيبة عن الإسلام لأنهم ليسوا على شريعة محمد ﷺ ، وأول شيء خالفوا فيه أصل الشريعة هو نفيهم لختم النبوة. والله أعلم.
стр. 1356
مس كتب التوراة والإنجيل
المجيب عبد الرحمن بن عبد الله العجلان
المدرس بالحرم المكي
العقائد والمذاهب الفكرية/ الإيمان بالكتب
التاريخ ١٠/٧/١٤٢٤هـ
السؤال
قرأت في كتب الفقه القديمة المختلفة القول بحرمة مس كتب التوراة والإنجيل، وبعضهم قيَّد الحرمة بما لم يبدل، فهل هذا الكلام دقيق حاليا؟ حيث ثبت تحريف هذه الكتب، وبالتالي يجوز مسها للمحدث حدثا أصغر وحدثا أكبر؟
الجواب
لا أعرف أنه يحرم مسُّها على المحدث حدثاً أصغر أو أكبر، لأنها كلها مبدلة ومحرَّفة، وقد تلاعب اليهود بالتوراة، وتلاعب النصارى بالإنجيل.
стр. 1357
قصة قتل عمر للمنافق
المجيب د. ناصر بن محمد الماجد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالكتب
التاريخ ٠٨/٠٥/١٤٢٥هـ
السؤال
ما حكم القول: بأن القرآن ليس معجزاً؟ وأن العلم أثبت عدم صحة القرآن الكريم، وأن معجزته الوحيدة هي بقاؤه من غير تغيير!! علماً بأن قائلها مسلم، كما أنه قال التالي: "نتذكر قصّة "مشهورة مرة" لـ عُمر بن الخطاب ﵁، عن ذاك الذي سألَ الرسولَ ﷺ ثمّ أبا بكر ﵁ عن حُكمٍ مُعين، ولم يكتف بهذا، بل ذهبَ لسؤالِ عُمر ﵁ أيضا، فأجهز عليهِ حينَ عَلم بأنه لم يرض حكم رسول الله ﷺ .
نعم! رسولُ اللهِ ﵊ هوَ، وطاعتهُ واجبٌة علينا، لكن تصرف عُمر "الفردي" دونَ الرجوعِ إلى صاحبِ الشأن، ألم يكن قمّة الديكتاتورية "أو الاعتداء كما تسميهِ"؟ فما حكم هذا القول؟ أفيدوني مأجورين جزاكم الله خيرا.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فأما ما حكاه السائل الكريم من قول ذلك المتكلم في وصف القرآن الكريم فهو قول خطير، ومنكر عظيم، يجب قبل الحكم عليه أن يوقف على نص كلامه حتى يتثبت منه، ويفهم مراده من قوله: (ليس القرآن معجزاً، وإن العلم أثبت عدم صحة القرآن الكريم) لأن هذا كلام لا يكاد يصدر عمن ينتسب إلى الإسلام، فأرى أن يرسل السائل نص كلامه قبل أن يحكم على قوله.
стр. 1358
وأما الحادثة التي نسبها إلى عمر – ﵁ فقد أوردها بعض المفسرين في بيان سبب قوله تعالى: "ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ... " إلى قوله: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ... " [النساء:٦٠] ، فقد أخرج الثعلبي والواحدي والبغوي أنها نزلت في رجل من المنافقين نازع رجلاً من اليهود, فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم , وقال المنافق: بيني وبينك الكاهن. وقيل: قال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف, يفر اليهودي ممن يقبل الرشوة، ويريد المنافق من يقبلها. ويروى أن اليهودي قال له: بيني وبينك أبو القاسم. وقال المنافق: بيني وبينك الكاهن, حتى ترافعا إلى النبي ﷺ فحكم لليهودي على المنافق, فقال المنافق: لا أرضى, بيني وبينك أبو بكر; فأتيا أبا بكر فحكم أبو بكر لليهودي. فقال المنافق: لا أرضى, بيني وبينك عمر. فأتيا عمر فأخبره اليهودي بما جرى; فقال: مهلاً حتى أدخل بيتي في حاجة , فدخل فأخرج سيفه ثم خرج, فقتل المنافق ; فشكا أهله ذلك إلى النبي ﷺ فقال عمر: يا رسول الله ; إنه رد حكمك. فقال له النبي ﷺ : أنت الفاروق) وهذا الخبر لم يصح سنده؛ لأنه من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس – ﵄، وطريق الكلبي عن ابن عباس – ﵄ من أوهى الطرق وأضعفها، فالخبر لم يصح أصلاً، ثم لو صح هذا الخبر عن عمر بن الخطاب – ﵁، لكنا جزمنا بصواب فعله – ﵁؛ وذلك أن النبي – ﷺ قد أقره على ذلك ولم ينكره، بل سماه الفاروق، وما كان له ﵊ أن يقره على فعله لو لم يكن صواباً، والمعلوم من سنته وهديه – عليه الصلاة السلام - أنه كان لا يقر أحداً على منكر مهما كانت منزلته ومحبته له، فهذا أسامة بن زيد – ﵂ مع محبة النبي – ﷺ له لما قتل رجلاً من بعد أن
стр. 1359
نطق بالشهادة، أنكر – ﷺ فعله ذلك غاية الإنكار، ففي الصحيحين البخاري (٤٢٦٩) ومسلم (٩٦) وغيرهما أن أسامة بن زيد – ﵄ قال: "بعثنا رسول الله – ﷺ إلى الحرقة من جهينة قال فصبحنا القوم فهزمناهم قال ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم قال فلما غشيناه قال لا إله إلا الله قال فكف عنه الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته قال فلما قدمنا بلغ ذلك النبي – ﷺ قال فقال لي يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله قال قلت يا رسول الله إنما كان متعوذا قال أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله قال فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم"، وكانت شبهة أسامة – ﵁ قوية حيث قال إنما قالها مخافة القتل، ومع هذا فقد أنكر عليه النبي – ﷺ إنكاراً شديداً، حتى قال أسامة من شدة ما يجد ـ مع ما له من سابقة عظيمة في الإسلام ـ ولله لقد تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.
стр. 1360
وبعد: فهذه المقالات وأمثالها المتضمنة الطعن في سلف هذه الأمة وخير القرون لا سيما صحابة رسول الله ﷺ إنما تصدر عن مرضى القلوب ممن لا يعرف لصحابة رسول الله ﷺ قدرهم ولا ينزلهم ﵃ منزلتهم، وهم الذين ﵃ وأثنى عليهم بقرآن يتلى، يقول تعالى ((لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة)) [الفتح:١٨] ، ويقول تعالى: ((محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود)) [الفتح:٢٩] ، وفي الحديث الصحيح عند البخاري (٣٦٧٣) ومسلم (٢٥٤٠) أن النبي ﷺ قال: ((لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) ، فرضي الله عنهم وأجزل ثوابهم جزاء نصرهم لنبيه ﷺ وتبليغ هذا الدين غضاً طرياً كما أنزل، وأسأل الله بمنه وكرمه أن يحشرنا في زمرتهم وتحت لواءهم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 1361
القتال بين موسى ومحمد ﵉
المجيب د. عثمان بن جمعة عثمان ضميرية
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالكتب
التاريخ ٢٥/١٠/١٤٢٥هـ
السؤال
يدعي المسلمون أن موسى ﵇ مسلم ونبي، لكن إحدى الوصايا العشر تنص على عدم القتال، لكن نبي الإسلام أُوحى إليه أن يقاتل في سبيل الله، فهل غير الله (سبحانه) رأيه. أم أن أحد النبيَّين ليس نبيًّا بحق؟
الجواب
الحمد لله، وبعد: فإن الإيمان بجميع الرسل والأنبياء ﵈ ركن من أركان العقيدة لا يتم الإيمان إلا به، فالمسلم يؤمن بجميع الرسل دون تفريق بينهم في الإيمان، وموسى- على نبينا وعليه أفضل السلام- رسول من أولي العزم من الرسل بعثه الله تعالى بدعوة التوحيد والإسلام، ولكن القوم غيّروا وبدّلوا في كتابهم. وليس هذا ادعاء يدعيه المسلمون. وقد بعث الله محمدًا ﵇ بدعوة عامة خاتمة ناسخة لما سبقها، فلا يقبل الله تعالى من الناس دينًا غيره.
стр. 1362
وأما الوصايا العشر التي جاء ذكرها في سِفْر الخروج من التوراة التي بأيدي القوم فيما يسمى بالعهد القديم، فقد جاءت بصيغتين، إحداهما تتصل بالعقيدة والأخرى أكثر اتصالاً بالتشريع، وليس فيهما نص أو إشارة إلى عدم القتال. بل إننا نجد في سفر التثنية من العهد القديم (التوراة) وفي غيره أحكامًا كثيرة شديدة تتعلق بالحرب والقتال وما يترتب على ذلك من آثار في الأموال والأشخاص كالغنائم والأسرى والاسترقاق.. إلخ، وهذا واضح عندهم في نصوص كثيرة. كما أن قصة موسى ﵇ في القرآن الكريم جاء فيها ما يدل على ذلك. ولهذا لا يصح القول بأن الوصايا العشر تدل على عدم القتال، على خلاف في أمر آخر وهو: هل القتال كان مفروضًا على القوم استقلالاً أم تبعًا لفرضيته على النبي. ومن ثَمَّ لا يقال: إن الله تعالى غيّر رأيه. فهذا مما لا يوصف الله تعالى به ولا يقال في حقّه سبحانه. ولو اختلفت شريعة نبي عن آخر في التشريع، فإن ذلك نسخ لبعض الأحكام، ولكل نبي شريعة تخصه، وقد تختلف عن الشرائع الأخرى لحكمة أرادها الله تعالى- كما هو معروف- وبعد هذا يظهر ما في الفقرة الأخيرة في السؤال من خطأ أو تجاوز في التعبير، فلا يقال: إن أحد النبيين ليس نبيًّا. لأنك تقول إنه أحد النبيين، وهذا اعتراف بنبوته بحق. والله أعلم.
стр. 1363
هل ترى المرأة ربها في الجنة ؟
المجيب د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/ الإيمان باليوم الآخر
التاريخ ١٣/٧/١٤٢٢
السؤال
لقد قرأت في كتب العقائد أن المرأة لاترى الرب يوم القيامة، أو على أقل تقدير فالمسألة خلافية، وأنا خائفة من هذا الأمر، فما ذنبي أن خلقني ربي امرأة ثم يحرمني لذة النظر إليه، وهالني الأمر عندما أخبرني أحدهم بقوله: إنك امرأة، ولايجوز أن ينظر إليك الرب، ومن ذلك الحين وأنا في قلق، وبدأت ألعن الساعة التي كنت فيها امرأة رجاء أخرجوني من حيرتي؟
الجواب
أحاديث الرؤية تشمل المؤمنين جميعاً من الرجال والنساء، فالوعد الكريم برؤية وجه الله -تعالى- الكريم يعمّ أهل الإيمان ذكوراً وإناثاً، فليست الأنوثة مانعاً من تحقيق هذا النعيم، كما أن الذكورة ليست شرطاً في ذلك.
فعلى الأخت السائلة أن تبادر إلى أسباب هذا الوعد الكريم من الإيمان والعمل الصالح، كما أن عليها أن تحذر من التسخّط على قدر الله، واختياره الذي لايكون إلا لحكمة بالغة، قال : ((ولا تتمنوا ما فضّل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب ما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليماً)) ، فإن الخير فيما اختاره الله تعالى.
كما أن عليها أن تتجنب سبّ الأيام ولعنها؛ لأن لعن الأيام والسبّ محرم لقوله ﷺ يقول الله تعالى: " يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلّب الليل والنهار " أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (٢٢٤٦) .
стр. 1364
هل ينادى الناس يوم القيامة بأسماء أمهاتهم ؟
المجيب د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان باليوم الآخر
التاريخ ٢٢/٧/١٤٢٢
السؤال
هل قول من يقول أن الناس يوم القيامة ينادون بأسماء أمهاتهم قول صحيح؟
الجواب
أخرج أبو داود بسنده عن أبي الدرداء ﵁ قال رسول الله ﷺ ((إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم)) . ففي هذا الحديث ردٌّ على من قال إن الناس يوم القيامة إنما يدعون بأمهاتهم لا آبائهم. وقد ترجم البخاري في صحيحه لذلك فقال (باب يدعى الناس بآبائهم) وذكر فيه حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال ((الغادر يرفع له لواء يوم القيامة؟ يقال له: هذه غدرة فلان بن فلان)) .
ونذكّر السائل وجميع إخواننا بالاستعداد ليوم الميعاد، والاشتغال بما ينفع من العلم النافع والعمل الصالح وبالله التوفيق.
стр. 1365
يا بني أوقف هذه التساؤلات
المجيب د. عبد الوهاب بن ناصر الطريري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان باليوم الآخر
التاريخ ٠١/١١/١٤٢٥هـ
السؤال
بسم الله الرحمن الرحيم.. ما الحكمة من اختيار الله النار للعذاب مع تعدد طرقه؟ فقد تكون الكهرباء أقوى في العذاب من النار ـ على سبيل المثال فقط لا غير ـ؟ ودمتم سالمين.
الجواب
أيها الابن الكريم
أولاً: سؤالك هذا وأنت في السابعة عشر من عمرك وهي سن نشاط ذهني ترد إلى الذهن فيها هذه التساؤلات وأكثر منها، ولذا فإني أنصحك بعدم الاستمرار مع هذه التساؤلات فإن تقدمك في السن ونضجك التعليمي والعملي في المستقبل سيكشف لك أن كثيراً من هذه التساؤلات غير واردة، وليست في محلها الصحيح، وستجد أن ذهنك يعرض عنها ويتجه إلى غيرها مما هو أجدى، وكثيراً ما يعيش الشباب في مثل سنك حمى هذه التساؤلات وإذا تقدمت السن واتسعت المدارك وأخذت الحقائق حجمها الحقيقي هدأت هذه التساؤلات وخف هذا التوتر في الذهن، وانشغل الذهن والفكر بما هو أجدى وأنفع وأخذت هذه التساؤلات حجمها الحقيقي.
ثانياً: إن التمادي مع هذه التساؤلات وتطلُّب الجواب ينقلك في الغالب إلى أسئلة أخرى فربما تقع في ورطات فكرية لا تستطيع الانفكاك منها. والسبب في ذلك اقتحام العقل ما ليس من مجاله، ونزوله إلى غير ميدانه، فإن الله - جل وعلا- رزقنا العقول لنحاكم بها أنفسنا ونعرف بها طريق هدايتها، لا لنحاكم بها حكمة الله وقدره وشرعه، وهناك فرق كبير ينبغي ألاّ يغيب عنك وهو التفريق بين مالا يفهمه العقل وبين ما يرده العقل؛ أمّا مالا يفهمه العقل فكثير، وسببه قصور العقل عن إدراكه، وأمّا ما يرفضه العقل ويرده فليس في كل ما أخبر الله به أو شرعه ما يمكن أن يكون مخالفاً للعقل ومصادماً له.
стр. 1366
ثالثاً: نقع في خطأ كبير عندما ننقل قوانين الأرض الفيزيائية والطبيعية إلى عالم البرزخ أو إلى ملكوت السماوات، أو إلى غيب الآخرة.
يا بني إن هذه الأرض التي تراها على امتدادها وانفساحها وسعتها ما هي إلا هباءة تسبح في ملكوت واسع، أو كما يقول بعض علماء الفلك: "الأرض بالنسبة للكون نقطة على كلمة في مجلد في مكتبة". فكيف تريد أن تنقل قوانينها الفيزيائية والطبيعية وتعممها في الكون كله وتنقلها إلى آفاق السماوات وغيب الآخرة.
يا بني إن المركبة الفضائية الصغيرة إذا خرجت من الأرض نظرت إليها عن بعد فإذا هي كالبرتقالة، وانفكت عن أول قوانين الأرض التي كانت تأسرها وهي الجاذبية، فكيف تنقل قوانين الأرض إلى ملكوت الله الفسيح، أو إلى غيب الآخرة المحجوب عنّا.
رابعاً: إنك تساءلت عن عذاب النار، ولماذا يكون بالنار ولا يكون بغيره من أنواع العذاب؟ والذي ينبغي علينا أن يكون تساؤلنا الحقيقي عندما نذكر النار هو: ما الذي يكون سبباً في اتقاء عذابها والفوز بالنجاة منها "فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز" [آل عمران:١٨٥] .
لا أن يكون تساؤلنا في اقتراح أنواع من العذاب فيها، ولذلك أُمرنا بالاستعاذة من عذاب النار في كل صلاة، نقول: اللهم إننا نعوذ بك من عذاب النار ومن عذاب القبر، وحكى الله عن عباده الصالحين دعاءهم "ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما" [الفرقان:٦٥] .
إن الذي ينبغي أن نتساءل عنه كيف نتقي عذاب النار، وليس الانشغال بالتساؤل عن أنواع عذاب النار وكيفيتها وما هو الأشد منها عافانا الله وإياك وأعاذنا من النار.
стр. 1367
خامسا: أما إذا عدنا إلى سؤالك فعليك أن تعلم أن أنواع العذاب والنعيم التي في الآخرة لا تماثل مسمياتهما في الدنيا، ولذلك روى الطبري في تفسيره (٤٩٠) عن ابن عباس ﵄ قال: ليس في الدنيا مما في الآخرة إلاّ الأسماء، أي: أن حقائقها لا تتماثل وإنما يوجد تقارب في المعنى يوضح الحقيقة ولا يعني التطابق والتماثل، ولذلك أخبر النبي ﷺ عن البون الشاسع بين نار الدنيا ونار الآخرة فقال:"ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم" قيل: يا رسول الله إن كانت لكافية؟ قال: "فضلت عليهن بتسعة وستين جزءاً كلها مثل حرها" رواه البخاري (٣٢٦٥) ومسلم (٢٨٤٣) من حديث أبي هريرة ﵁ قالوا: يا رسول الله، وإن كانت لكافية.) فليس بين نار الآخرة ونار الدنيا تماثل حتى نقيس عليه باقي صنوف عذاب الدنيا.
سادساً: عندما ذكر الله من عذاب جهنم عذاب النار كان هذا في وحي يخاطب جميع أجيال البشرية وفي بقاع الدنيا كلها والبشر كلهم على تعاقب الأعصار وتفرق الديار يدركون ما في النار من إحراق وعقوبة فما ظنك لو ذكر أموراً لا تدرك إلاّ في زمن دون زمن، أو في بلد دون بلد من نحو ما أشرت إليه ـ كالصعق الكهربائي ونحوه ـ فهل سيكون هذا في كتاب يخاطب البشرية في الدهور كلها، إن هذه الأمور التي تذكرها الآن غير مدركة في بلاد كثيرة، وغير مدركة في أعصار كثيرة، فكان من إعجاز هذا الكتاب العظيم ذكره الحقيقة التي يشترك فيها البشر والتي لا يضرها تعاقب الأجيال، ولا تفرق الأماكن.
стр. 1368
سابعاّ: من أين أتيت بأن الكهرباء أقوى في العذاب من النار، يا بني إن في الدنيا من عذاب النار ما لا يمكن تصوره، عذاباً بعضه أشد من بعض، ففي الدنيا التي نارها جزء من تسعة وستين جزءاً من نار جهنم مصاهر الحديد ومصاهر الصخور التي تصل درجة حرارتها إلى آلاف الدرجات المئوية فإذا كانت نار الدنيا فيها هذا القدر الشديد من الحرارة فما بالك بنار الآخرة، علماً بأن نار الآخرة ليس عذابها فقط في حرارتها ولكن في بقاء المعذبين في هذه الحرارة المحرقة بحيث يتعذبون بسعير جهنم من غير أن ينتج عن هذا السعير هلاك لهم، كما قال الله : "لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها" [فاطر:٣٦] . فنار الدنيا مهما كانت شدة العذاب فيها فإنه ينتهي سريعاً إلى الهلاك، أما نار جهنم -نسأل الله أن يجيرنا منها- فهي على هذه الدرجة من الحرارة ومع ذلك فإن حالهم كما أخبر الله: "كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب" [النساء:٥٦] ، وقال تعالى: "وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ" [فاطر:٣٧] وهذه كيفية من العذاب غاية في الشدة والهول نسأل الله العافية.
стр. 1369
ثامناً: إن الذي خلق الخلق هو أعلم به، " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" [الملك:١٤] فهو -جل وعز- أعلم بخلقه وأعلم بأنواع نعيم المطيعين وأنواع عذاب المجرمين وهذا الرب الذي خلق وعلم ما خلق أخبر أن عذاب النار هو أشد العذاب فكل ما يرد في ذهنك من صور العذاب فما في النار أشد منه كما قال الله :"أدخلوا آل فرعون أشد العذاب " [غافر:٤٦] فقوله: "أشد العذاب" يدل على أنه لا يوجد عذاب أشد من هذا العذاب الذي يصلاه آل فرعون في النار، وكل ما يخطر على بالك من أنواع العذاب فهو دونه في الشدة لأن الذي أخبر بذلك هو الذي خلق الخلق وهو أعلم بهم "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" [الملك:١٤] .
تاسعا: إن ما في النار من العذاب ليس مقصوراً على التهاب حرارة النار، ففي النار من أنواع العذاب شكول أخرى فيها الزمهرير وفيها الزقوم وفيها السلاسل والأغلال ومقامع من حديد، وماء كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم فحرارة النار هي نوع من عذابها، وفيها من أنواع العذاب أشياء أخرى نسأل الله أن يجيرنا منها.
أيها الابن الكريم وبعد هذا كله فإني أنصح نفسي وإياك بأن يكون في قلوبنا توقير للرب الذي نعبده وتعظيم للكتاب الذي أنزله، وذلك بأن نتوجه إلى المعنى الذي سيقت من أجله الأخبار فنملأ به قلوبنا، فأخبار النار إنما سيقت لتحذيرنا وتخويفنا منها وإنذارنا من الوقوع فيها، وحملنا على تجنب المعاصي والآثام والالتزام بطاعة الله ومرضاته التي هي طريق إلى جنته. فهذا الشيء الذي ينبغي أن يكون عامراً في قلوبنا وهذا الشيء الذي ينبغي أن تتحرك فيه قوانا العقلية والفكرية لا أن ننقل عقولنا إلى التفكير فيما هو وراء ذلك مما يقصر العقل عن إدراكه ويفوت الثمرة العظمى الحقيقية التي جاءت الأخبار وتنزلت الآيات من أجلها نسأل الله أن يأخذ بنواصينا إلى الحق وأن يهدينا سواء السبيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 1370
زوج المرأة في الآخرة
المجيب محمد بن صالح العثيمين ﵀
عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وعضو هيئة كبار العلماء
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان باليوم الآخر
التاريخ ٢٤/١١/١٤٢٣هـ
السؤال
الزوجة الصالحة التي تتزوج من بعد وفاة زوجها الأول وهما متحابان في عشرتهما، وكذلك الزوج الثاني على أحسن حال، السؤال، تكون من نصيب مَنْ في الجنة؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
سئل فضيلته: إذا كانت المرأة لها زوجان في الدنيا فمع من تكون منهما؟ ولماذا ذكر الله الزوجات للرجال ولم يذكر الأزواج للنساء؟
فأجاب بقوله: إذا كانت المرأة لها زوجان في الدنيا فإنها تخير بينهما يوم القيامة في الجنة، وإذا لم تتزوج في الدنيا فإن الله - تعالى - يزوجها ما تقر به عينها في الجنة، فالنعيم في الجنة ليس مقصوراً على الذكور، وإنما هو للذكور والإناث ومن جملة النعيم الزواج.
وقول السائل "إن الله - تعالى - ذكر الحور العين وهن زوجات ولم يذكر للنساء أزواجاً".
فنقول: إنما ذكر الزوجات للأزواج؛ لأن الزوج هو الطالب، وهو الراغب في المرأة، فلذلك ذكرت الزوجات للرجال في الجنة وسكت عن الأزواج للنساء، ولكن ليس مقتضى ذلك أنه ليس لهن أزواج بل لهن أزواج من بني آدم.
[مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيح/ محمد بن عثيمين ﵀، ج٢، ص:٥٣] .
следующие страницы →