← Фатава

Фатава · id 894

فتاوى واستشارات الإسلام اليوم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 202 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

والتساؤل: لماذا خلق الله العالم والإنسان؟ , أو وفق تعبير القرآن: لماذا (خَلَق السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ) ؟ و (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) ؟ , جوابه واحد، وهو كما يقول العلي القدير: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [هود ٧ والملك ٢] , فالعالم ليس إلا ساحة النظر والتأمل والاستدلال وتجليات القدرة الطليقة والمشيئة النافذة أمام ذوي الأبصار, وللسيد أن يتفضل ويبين لعبده قبل أن يسأل: كيف؟ , ولكن هل يملك العبد أن يراجع سيده الحر المشيئة ويسأل: لماذا؟؛ في الحقيقة لا يملك العبد سوى طاعة من يملك الأمر, فما بالك بمن يملك السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير! , يقول العلي القدير: (لاَ يُسْأَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الأنبياء:٢٣] , وفي بيان الوظيفة التي قامت من أجلها السماوات العامرة بالساجدين المستورين، والأرض الزاخرة بدعوة المرسلين يقول تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ. مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ) [الذاريات:٥٦-٥٧] , وبهذا يعفيك القرآن من التشاغل عن التوجه لمن خضع لمشيئته كل شيء، والمستحق وحده الحمد, يقول سبحانه: (ذَلِكُمُ اللهُ رَبّكُمْ لآ إِلََهَ إِلاّ هُوَ خَالِقُ كُلّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) [الأنعام ١٠٢] . والله تعالى أعلم.

стр. 1892

درجات أهل الإيمان في الجنة المجيب د. رشيد بن حسن الألمعي عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد العقائد والمذاهب الفكرية/مسائل متفرقة التاريخ ٩/٣/١٤٢٥هـ السؤال كما هو معلوم هناك تفاوت في الدرجات فيأتي في الدرجة الأولى الأنبياء ثم الصحابة ثم التابعون ثم تابعو التابعين، فأين تكون درجة أشخاص صالحين آخرين مثل عزير والخضر وأمهات المؤمنين؟. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: إعلم يا أخي أن الجنة درجات بعضها أعلى من بعض، وقد ذكر ابن القيم ﵀ في كتابه حادي الأرواح باباً في درجات الجنة، وذكر في ذلك ما يناسب المقام من الآيات والأحاديث والآثار من ذلك ما ثبت في الصحيحين البخاري (٣٢٥٦) ، ومسلم (٢٨٣٠) أن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق، من المغرب أو المشرق لتفاضل ما بينهم"، قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: "بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين". وفي البخاري (٢٧٩٠) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة أراه فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة".

стр. 1893

وإذا كان الله قد امتن على الأنبياء والرسل بأعلى الدرجات فإنه قد بيّن أن غيرهم ممن أطاع الله ورسوله يكون في معيتهم حيث قال جل من قائل: "ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا" [النساء: ٦٩] . وهؤلاء الذين ذكرت في سؤالك من أمثال الخضر، وعزير ونساء النبي ﷺ لا نشك في أن الله سينزلهم منازلهم التي يتسحقونها وهو بهم أعلم وأرحم أو يرفعهم فوقها تفضلاً منه وإحساناً. وإذا أردت المزيد في بيان صفة الجنة وأحوال أهلها فانظر كتاب (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) ؛ طريق الهجرتين وباب السعاديين، فإنه ذكر في آخره طبقات المكلفين في الآخرة وعدها ثماني عشرة حلقة وكلاهما لابن القيم ﵀ وفيهما ما يشفي ويكفي بإذن الله. والله الموفق.

стр. 1894

هل الاستعانة بالمخلوق تقدح في الاستعانة بالله ؟! المجيب د. سليمان بن وائل التويجري عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى العقائد والمذاهب الفكرية/مسائل متفرقة التاريخ ٠٢/٠٣/١٤٢٦هـ السؤال السلام عليم ورحمة الله. أنا مقيم في بلاد الغرب، ولي أخ يحبني كثيراً في الله وأنا كذلك, ولم أر منه إلا الحرص على تعلم وتطبيق دينه ونصحي في ديني، أخي هذا لا يتردد في بذل قصارى جهده كلما طلبت منه العون في أمور ديني ودنياي، ويقول لي بأن ذلك يدخل السرور على قلبه، بصراحة أنا أستثقل طلب العون من الناس، وذلك حتى لا أثقل عليهم، وأيضاً خوفاً من مخالفة قول النبي ﷺ : "إذا استعنت فاستعن بالله". فسؤالي: هل يجوز أن أستعين بأخي على قضاء شؤوني؟ أم أن ذلك مخالف للحديث المذكور? وهل من الأفضل لي عدم طلب العون والتشدد على نفسي?. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

стр. 1895

الاستعانة نوعان: نوع لا يقدر عليه إلا الله، ونوع يقدر عليه المخلوق، فما جاء في قوله تعالى: "إياك نعبد وإياك نستعين"، هذا عبادة خاصة بالله، وما يحصل للمخلوق من عون المخلوق له ليس هذا حاصلاً بحول المخلوق، وإنما هو من تسخير الله -تعالى- لك أن يقوم فلان بمساعدتك وإعانتك على ما تحب، وأحوال الناس في هذه الدنيا كلها مبنية على تبادل المنافع، فالإنسان إذا ذهب يشتري يحتاج إلى من يعينه على تحصيل البضاعة التي يريدها، والعامل الذي يحتاج إلى عمل يحتاج إلى من يساعده في إكمال عمله، وغير ذلك من الأمور، فكل شئون العباد فيما بينهم مبنية على تبادل المنافع ومعاونة بعضهم لبعض، لكن هذا إنما هو تسخير من الله -تعالى- حيث يقوم بعض الناس بمساعدة الآخرين مما ييسر الله -تعالى- للجميع تحقيق مرادهم وتحصيل منافعهم، وكون صديقك وزميلك يسر بأن يقدم لك خدمة، هذا أمر يشكر عليه، وأمر حسن، ولا يتنافى مع النهي عن الاستعانة بالمخلوق؛ لأن هذا العمل الذي يقوم به هذا الإنسان يقوم به مما يستطيع تحصيله ويقدر عليه، وليس من الأمور التي هي مما لا يقدر عليها إلا الله، وكونك تقبل هذا إنما يجب عليك أن تقبله على أنه من عون الله -تعالى- لك حيث سخر لك هذا الإنسان ليحقق لك بعض الخدمة وينفعك في بعض الأمور. والله ولي التوفيق.

стр. 1896

تقسيم ابن تيمية للإيمان المجيب عبد الحكيم محمد أرزقي بلمهدي كلية الشريعة/ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية العقائد والمذاهب الفكرية/مسائل متفرقة التاريخ ١٤/٠٤/١٤٢٥هـ السؤال هل قسم شيخ الإسلام ابن تيمية الإيمان إلى ثلاثة أقسام؟ وما هي هذه الأقسام؟. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فإن المعروف في كتب العقيدة تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات ... ولم يعهد تقسيم الإيمان بهذه الكيفية. ولم ينقل تصنيف الإيمان إلى أقسام عن أحد من أهل السنة في حدود معرفتي واطلاعي. اللهم إلا أن يكون مراد السائل الاستفسار عن مسمى الإيمان فيكون الجواب نعم، فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو في ذلك تابع لمن سلفه من علماء الأمة - أن الإيمان: قول وعمل. وأن القول يدخل فيه قول اللسان والقلب، وقول اللسان هو النطق بالشهادتين، وقول القلب هو التصديق، وهو الاعتقاد الجازم بوجود الله، وما يلزم عن ذلك من التصديق بجميع ما أخبر الله به. وأن العمل يدخل فيه عمل القلب وهو النية والإخلاص، وعمل الجوارح، وهو الإتيان بما أمر الله به، والانتهاء عما نهى عنه، وللسلف عبارة مأثورة في ذلك، وهي أن الإيمان: تصديق بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، فيكون الجواب بهذا الاعتبار أن أقسام الإيمان ثلاثة، وهي: (١) تصديق القلب. (٢) نطق اللسان. (٣) عمل بالأركان. والعمل يكون بالقلب والجوارح الظاهرة. والله أعلم.

стр. 1897

ترجمة ما فيه بعض المخالفات الشرعية المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً العقائد والمذاهب الفكرية/مسائل متفرقة التاريخ ٠٥/٠٨/١٤٢٥هـ السؤال أقوم حالياً بترجمة كتاب فلسفي، وورد به بعض العبارات والأفكار المنافية للتوحيد والعقيدة, فهل يجوز ترجمة مثل هذا الكتاب؟ مع الأخذ في الاعتبار عدم قدرتي على التعليق على الكتاب، وبيان ما به من أخطاء؛ لعدم سماح الكاتب بذلك. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: لا بد من معرفة نسبة المنافاة للتوحيد والعقيدة فيما يراد ترجمته، فإن كان الكتاب مشتملاً على أفكار مخالفة للمعلوم من الدين بالضرورة، كوحدانيته - سبحانه- والإيمان بالرسل، والكتب المنزلة، والملائكة، والجنة والنار، ونحو ذلك من أركان الإسلام والإيمان، إذا كان الأمر كذلك فلا تجوز ترجمة هذا الكتاب أو نشره، أو الإعانة على ذلك بأي صورة كانت، وإن كانت أفكار الكتاب عامتها سليمة وقليل فيها المخالفة لبعض أمور الاعتقاد كتأويل بعض صفات الله، وكذلك هذه الكتب المراد ترجمتها مفيدة للأمة في دينها أو دنياها، جاز حينئذ ترجمتها ما دام النفع فيها أكبر من الضرر، كما يوجد في كتب بعض السلف كالحافظ ابن حجر، والسخاوي، والنووي، كتأويل بعض الصفات على مذهب الأشاعرة والعز بن عبد السلام، وابن الجوزي، والوفاء بن عقيل، وغيرهم، فإن كانت أخطاء صاحب الكتاب المراد ترجمته كأخطاء هؤلاء العلماء فلا أرى بترجمته بأساً، وإن كنت أنصح لك بعدم ترجمته؛ فمن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه. والله أعلم.

стр. 1898

مقولة: " بلغ الرسول ﷺ الكمال البشري " المجيب عبد الرحمن بن ناصر البراك عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية العقائد والمذاهب الفكرية/مسائل متفرقة التاريخ ١٩/٠٩/١٤٢٥هـ السؤال ما الكمال البشري؟ وهل يصح أن يقال إن الرسول ﷺ بلغ الكمال البشري. بمعنى أنه كامل كمالاً بشريًّا أم لا؟ ولكم جزيل الشكر. الجواب

стр. 1899

الحمد لله، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات:٥٦] . وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:٢١] . فدلت الآيتان على أن الله خلق الجن والإنس لعبادته، وأن العبادة فرض على جميع الناس، ووصف أولياءه وأنبياءه وملائكته بالعبودية، فقال سبحانه للملائكة: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ) [الأنبياء:٢٦] . وقال: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) [الفرقان: من الآية٦٣] . وقال سبحانه: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) [النمل: من الآية٥٩] . ووصف محمدًا ﷺ بالعبودية في أعلى المقامات؛ في مقام النِّذارة والدعوة وفي الإسراء، وفي مقام التحدي بالقرآن، فقال سبحانه: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) [الجن:١٩] . وقال: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) [الإسراء: من الآية١] . وقال: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) [الفرقان:١] . وقال: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) [البقرة: من الآية٢٣] . وشرف الإنسان وكماله بحسب تحقيقه لمقام العبودية، وأكمل البشر عبودية هم الأنبياء والرسل، وأكملهم على الإطلاق محمد خاتم النبيين ﷺ ، ولهذا كان سيد ولد آدم، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم (٢٣٧٨) ، عن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يومَ القيامةِ، وأَوَّلُ مَن يَنْشَقُّ عنه القَبْرُ، وأولُ شَافعٍ وأولُ مُشَفَّعٍ". ومن كمال عبوديته كمال خلقه، وقد أقسم الله على

стр. 1900

ذلك في قوله: (نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) [القلم:١] . إلى قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:٤] . ومما يظهر الله به كماله يوم القيامة أن يبعثه المقام المحمود الذي يحمده به الأولون والآخرون، كما قال تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) [الإسراء:٧٩] . وذلك حين يتراد الأنبياء الشفاعة، ثم ينهض بها- ﷺ فيأتي ربه، قال: "فَإذا رأيتُ رَبِّي خَرَرْتُ له ساجدًا". ثُمَّ يقال له: "ارفَعْ رأسَكَ، وقُلْ تُسْمَعْ، وسَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ". رواه البخاري (٤٤٧٦) ومسلم (١٩٣) ، من حديث أنس، ﵁. والله أعلم.

стр. 1901

ادعاء خلق آدم من أب وأم المجيب د. عبد العظيم بن إبراهيم المطعني رئيس قسم التفسير والحديث بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر العقائد والمذاهب الفكرية/مسائل متفرقة التاريخ ٢٩/٠٧/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نأمل منكم التكرم بتوضيح الفتوى التي يتحدث بها الناس في هذه الأيام بشأن أن آدم ﵇ ولد من أب وأم (فتوى الدكتور عبد الصبور شاهين إن صحت عن الدكتور) نأمل إفادتنا بكيفية الرد عليها بالدليل. وجزاكم الله خيرًا. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله, وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. هذا الموضوع من الموضوعات الغيبية، التي حدثت في أزمنة سحيقة، وبعُد بيننا وبينها العهد، بل هو موضوع يقع الآن خارج ذاكرة الوعي التاريخي، وهو أشد الأمور الغيبية غموضًا، وكل حديث عنه يخوض فيه الباحثون، إنما هو رجم بالغيب، وطحن في الهواء، بل هو ضرب من الظنون أو الأوهام التي لا تغني من الحق شيئًا، ولا يبنى عليها عمل، وليست من المسؤول عنه يوم الحساب. والأمور الغيبية التي لا يكون للبحث فيها جدوى الآن، لانقطاع صلة الناس فيها، كثيرة، منها هذه القضية (قضية خلق آدم) ، ومنها البحث عن عمر الأرض، وعن اللغة "الأم" ما هي؟ وعن كيفية نشأة هذه اللغة، ثم البقعة التي هبط إليها آدم وحواء، وكيف تمت هجرات الناس منها إلى ربوع الأرض؟ ومنها التحديد الزماني لعهود الرسل والأنبياء، والفترات التي بين كل رسولين، وأصل اللغات السامية، أهي العربية أم العبرية؟ والموطن الأصلي للساميين، وكيف تمت الهجرات منه؟ إلخ.. إلخ. والبحث حول هذه الأمور لم ولن يؤدي فيها إلى طائل، والنماذج التي عرفها الناس منها، إنما هي ركام هائل من الفرضيات والأقوال المتضاربة.

стр. 1902

وحيث إن موقف سلفنا الصالح من مثل هذه القضايا هو الموقف الأحكم والأسلم؛ إذ يدور مع ما ورد في محكم الكتاب العزيز، وما صح سنده ومتنه من أحاديث رسول الله ﷺ : فإن موقفهم يتلخص في أن هذه القضية أمر غيبي، يجب الإيمان بها كما وردت في كتاب الله، وما أشارت إليه أحاديث الصادق المصدوق ﷺ ، والوقوف في الإيمان بها عند دلالات النصوص المقدسة دون تحريف، أو تأويل تأباه دلالات اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، أو تأباه حقائق الإسلام الواضحة، وأن هذه القضية لا يحتاج المسلم في الإيمان بها جملة وتفصيلاً إلى مصادر أخرى غير المصادر الإسلامية المقدسة. وأنهم لا يقولون فيها غير ما قاله الله ورسوله، شأنهم فيها شأنهم في كل أمر غيبي لا يملك الحديث عنه إلا علاَّم الغيوب. ففي أوائل القرآن الكريم يأتي كلام الله ﵎ عن صفات المؤمنين التي لا يصح منهم إيمان بدونها وهي (.. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ..) [البقرة:٣] . ويقول تعالى: (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) [النمل:٦٥] . ويقول تعالى: (مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) [الكهف:٥١] .

стр. 1903

وعقيدة الأمة أن الله هو الذي سمى أبانا آدم بهذا الاسم لأنه أول مخلوق بشري على وجه الأرض، كتسميته لابن زكريا بيحيى (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا) [مريم:٧] . وفي لسان العرب أن علة التسمية بآدم لأنه خلق من الأرض، يعني خلقه المباشر كان من الأرض (اللسان ١/٤٦) . وأما عن قول الملائكة: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء ... ) [البقرة:٣٠] . فإن الملائكة ـ كما قال علماء التفسير ـ قاست حال الإنسان على حال الجان؛ لأن الجان كانوا يعمرون الأرض قبل خلق آدم، فكانوا يسفكون الدماء ويفسدون في الأرض، والبشر مثلهم ذوو شهوات تحمل على الصراع والمنازعة، فوجه الشبه بين الجان والإنسان شديد القوة والوضوح، أما الملائكة فهم أشكال نورانية لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون، وقد جاء في القرآن أن الجان مخلوق قبل الإنسان، قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ) [الحجر ٢٦-٢٧] . فآدم ﵇ هو "البشر" المخلوق من تراب، وليس من أب وأم، وهو "البشر" الذي سواه الله ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة أن تسجد له. وفي صحيح البخاري (٦٢٢٧) وصحيح مسلم (٢٨٤١) ، مرفوعًا، عن أبي هريرة، ﵁: "خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ". أي هكذا كما هو وبدون سابقة من أصل أب أو أم.

стр. 1904

أما القائلون بغير هذا فيزعمون أن آدم ﵇ ليس هو أبا البشر، ولا أول مخلوق عاقل من غير الجن والملائكة، بل هو "أبو الإنسان"، وأن الله خلق قبله من جنسه خلائق كثيرين عاشوا قبل آدم "هذا" ملايين السنين، وكانوا في تلك الأزمان خاضعين للتصرف الإلهي من التسوية والتعديل والتهذيب، ثم انقرضوا جميعًا بعد أن اختار الله منهم آدم "هذا" من أب وأم "منهم"، كما اختار حواء زوجة آدم من "أب وأم" كذلك من آخر أجيال البشر الأولين الذين انقرضوا تمامًا ولم يصبح في الوجود منهم أحد، وأن آدم وحواء وحدهما هما اللذان بقيا ليكونا أبوين لنوع جديد من ذلك الجنس الذي انقرض، أي نوع من الإنسان المستمر توالده حتى الآن إلى قيام الساعة. وهم يضعون- حسب زعمهم ـ عدة فروق بين "البشر" وبين "الإنسان"، وهي: ١. أن البشر أقوام همجيون، لا سمع لهم ولا بصر لهم ولا عقل. ٢. الإنسان هو النوع المنتخب المهذب الراقي، لهم سمع وإبصار وعقول. ٣. البشر لم يرسل الله فيهم رسولا، ً ولم يكونوا من أهل التكليف الإلهي؛ فلا إيمان بالله ولا أوامر ولا نواهٍ. ٤. البشر مخلوقون من تراب أو طين. ٥. أما الإنسان فإنه هو المخلوق من ماء أو من علقة أو من نطفة. وهي شبهة مردودة، وحجة داحضة، القول بها يتشابه مع نظرية التطور لدى اليهودي الملحد دارون التي من عناصرها: ١- أن الإنسان ليس مخلوقًا لأول مرة وإنما متطور عن مخلوق آخر هو القرد.. الإنسان أصله قرد.. ويرده قوله تعالى: (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) [ص:٧٥] . وقال رسول الله ﷺ "النَّاسُ بَنُوآدَمَ, وآدَمُ مِنْ تُرَابٍ". أخرجه أبو داود (٥١١٦) والترمذي (٣٩٥٦) .

стр. 1905

٢- أن الأجناس البشرية متفاوتة في قدرها وذكائها وأهميتها، فاليهود أفضل من الآريين، والآريون أفضل من العرب، والعرب أفضل من الزنوج وهكذا.. والرسول ﷺ يقول: " لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَد، َ وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى ". أخرجه أحمد (٢٣٤٨٩) . ورُوي عنه ﷺ : "الناسُ سَوَاءٌ كَأَسْنَانِ المُشْطِ". أخرجه ابن عدي ٣/٢٤٨، والقضاعي في مسند الشهاب (١٩٥) . وانظر السلسلة الضعيفة (٥٩٦) . ٣- البقاء للأصلح، بمعنى وجوب قتل الضعفاء والمرضى وعدم مراعاة الأخلاق ولا أوامر الدين بالإحسان إليهم ونواهيه عن الإساءة إليهم، وقد تبلورت هذه النظرة غير الإنسانية بشكل لافت لدى الملحد الألماني "فريدريك نيتشه" الذي زعم أن إلهه نزل إلى الأرض ومات. أما من حيث اللغة فإن كلمات "البشر"، "الإنسان"، "الناس"، "الإنس" تطلق على بني آدم، وكل أهل العلم من اللغويين والفقهاء على ذلك لم يخالف منهم واحد سوى عبد الصبور شاهين صاحب كتاب "أبي آدم.. قصة الخليقة" الذي يقول إن البشر غير آدم الذي هو أبو الإنسان، ومن ثم فالإنسان- في زعمه ـ غير البشر؛ إلا أن العلماء ردوا حجته وفندوا زعمه بالأدلة الدامغة والحجج البالغة، ومنها قوله تعالى: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ) [ص:٧١] . يعني (خلقت في الماضي) ، وسائر المفسرين ومقتضى لغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم الذي منه هذه الآية على أن معناها: سوف أخلق في المستقبل. في إعلام الله تعالى ملائكته ﵈ بخلق آدم (الإنسان أبي الناس والبشر جميعًا) ، وأخيرًا فالله هو العليم بما خلق ومن خلق (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك:١٤] .

стр. 1906

الفرق بين عذاب القبر وفتنة القبر المجيب د. محمد بن عبد الرحمن أبو سيف الجهني عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية العقائد والمذاهب الفكرية/مسائل متفرقة التاريخ ١١/١٠/١٤٢٥هـ السؤال من الثابت في عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بعذاب القبر، فما الفرق بين عذاب القبر وفتنة القبر كما جاء في الدعاء؟ وهل عذاب القبر للروح أم الجسد أم كلاهما؟ أرجو أن يعرض السؤال على متخصص في العقيدة. الجواب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقصود بفتنة القبر: سؤال الملكين العبد في القبر عن ربه ودينه ونبيه. أما عذاب القبر: فهو المشاق التي تقع على العبد فيه، وهي نوعان: (١) مشاق العقوبات النازلة على العبد لمعاصيه. (٢) مشاق هي من طبيعة القبر تنال كل أحد وليست عقوبة على ذنب كضغطة القبر. وعذاب القبر نوعان: (١) عذاب يقع على الروح مفردة. (٢) عذاب يقع على الروح والجسد جميعًا، ولا يقع عذاب على الجسد مفردًا. وصلى الله وسلم على النبي محمد.

стр. 1907

الاستغفار للكافر وتوبته . المجيب د. يوسف بن أحمد القاسم عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء العقائد والمذاهب الفكرية/مسائل متفرقة التاريخ ١٣/٠٩/١٤٢٥هـ السؤال (١) الآية ٥٣ من سورة الزمر "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" [الزمر:٥٣] هل تعني المسلمين أم تشمل غيرهم؟. (٢) هل يجوز الاستغفار لغير المسلم أثناء حياته؟ ولكم جزيل الشكر. الجواب الحمد لله وحده، وبعد:

стр. 1908

فهذه الآية من سورة الزمر رقم: (٥٣) ، " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ"، هذه عامة لجميع العصاة من المسلمين وغيرهم، كما صرح بذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره (٦/١٠٠) ، حيث قال: (هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة ... ) ا. هـ، وأما الاستغفار للكافر فلا يجوز أثناء حياته، ولا بعد مماته؛ كما تدل عليه الآية الكريمة في سورة التوبة: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم" [التوبة:١١٣] مع قوله تعالى في سورة الممتحنة: "قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ... " [الممتحنة: من الآية٤] .. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٦/٦٢٥) ، تعليقاً على هذه الآية: " أي: لكم في إبراهيم وقومه أسوة حسنة تتأسون بها إلا في استغفار إبراهيم لأبيه، فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه ... "يعني فلا تتأسوا به في هذا القول، وعلى هذا، فيكتفي المسلم بالدعاء للكافر أن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن يوفقه للدخول في الإسلام، ونحو ذلك. والله -تعالى- أعلم.

стр. 1909

الله غني عن عبادتنا.. فلماذا خلقنا ؟ المجيب عبد الرحمن بن ناصر البراك عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية العقائد والمذاهب الفكرية/مسائل متفرقة التاريخ ٢١/٠٦/١٤٢٦هـ السؤال هنالك سؤال يلح علي خصوصاً عند قراءتي للآية: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وهو ما حاجة الله للعبادة؟ وإذا كانت الملائكة قد عبدت الله قبل خلق البشر، فلماذا خلق البشر؟ (أجد نفسي أجيب عن هذا السؤال تحديداً بأن الملائكة قد جبلت على الطاعة فقط، بعكس الإنسان الذي إن شاء آمن وإن شاء كفر، ولكن هذه الإجابة أجدها تعيدني للسؤال الأول: "ما حاجته سبحانه من خلقه للمخلوقات لكي يعبدوه"؟ فهل هناك إجابة شافية لهذا السؤال؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب

стр. 1910

الحمد لله، قد بيّن حكمته من خَلقِ السماوات والأرض، وخلقِ ما على الأرض وخَلقِ الموتِ والحياة، وهي الابتلاء للجن والإنس، كما قال : "وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملاً" [هود: ٧] ، وقال تعالى: "إنا جعلنا ما على الأرض زينةً لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً" [الكهف: ٧] ، وقال تعالى: "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً" [الملك: ٢] . فعُلم من هذه الآياتِ أن الله خلق ما خلق لابتلاء العباد ليتبين من يكونُ منهم أحسنَ عملاً، ويظهرُ ذلك في الواقع حقيقة موجودة، بل بيّن سبحانه في كتابه أن ما يجري في الوجود من النعم والمصائب لنفس الحكمة وهي الابتلاء الذي يُذكر أحياناً بلفظ الفتنة، قال الله تعالى: "ونبلوكم بالشر والخير فتنة" [الأنبياء: ٣٥] ، وقال تعالى: "أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين" [العنكبوت: ٢] .فبهذا الابتلاءِ يتبينُ الصادقُ من الكاذبِ، والمؤمن من الكافر مما هو معلوم للرب قبل ظهوره في الواقع، وقد أخبر في موضع من القرآن أنه خلقَ الناسَ ليختلفوا ويكونُ منهم المؤمن والكافر، ويترتبُ على ذلك ما يترتبُ من ابتلاءِ الفريقين بعضهم ببعض، قال تعالى: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" [هود: ١١٧، ١١٨] ، وقال تعالى: "وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين" [الأنعام: ٥٣] . وقال تعالى: "ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض" [محمد: ٤] .

стр. 1911

وبيّن أن من حكمته في القتال بين المؤمنين والكافرين ومداولة الأيامِ ما ذكره في قوله: "وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين" [آل عمران: ١٤٠- ١٤١] . وأما قوله تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" [الذاريات: ٥٦] فقد قيل: إن المعنى لآمرهم وأنهاهم فيعبدوني، وأمره ونهيه هو ما بعث به رسله، وفي هذا ابتلاء للعباد يكشف به حقائقهم حتى يميز الله الخبيث من الطيب، قال تعالى: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء" [إبراهيم: ٤] ، وقال تعالى: "وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم" [آل عمران: ١٧٩] . وقد ذكر سبحانه أن من حكمته من خلق السماوات والأرض أن يعلم العباد كمال علمه وقدرته قال تعالى: "الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما" [الطلاق: ١٢] ولم يكن خلقُ الله لآدم أو للجن والإنس لحاجةٍ به إليهم ولا لحاجةٍ إلى عبادتهم –كما توهم السائل- بل لا حاجةَ به إلى عبادة الملائكة ولا غيرهم؛ لأنه الغني بذاته عن كل ما سواه، لكنه تعالى يحب من عباده أن يعبدوه ويطيعوه، وعبادته هي محبته والذل له والافتقار إليه سبحانه، ونفع ذلك عائد إليهم.

стр. 1912

كما جاء في الحديث القدسي: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخْيَط إذا أدخل البحر" رواه مسلم (٢٥٧٧) . وقول السائل: (إذا كانت الملائكة قد عبدتِ -اللهَ قبل خلق البشر، فلماذا خُلق البشر؟) جوابه في قوله تعالى: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون" [البقرة: ٣٠] ، فقوله تعالى: "إني أعلم ما لا تعلمون" يتضمن أن له حكمة في خلق آدم واستخلافه في الأرض، وإن كان يحصل من بعض ذريته ما يحصل من الإفساد وسفك الدماء، قال تعالى: "إني أعلم ما لا تعلمون" إلى قوله عن الملائكة: "قالوا لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم" [البقرة: ٣١-٣٢] ففوضت الملائكة الأمر إلى علمه وحكمته "إنك أنت العليم الحكيم". فقد تبين مما تقدم أن قول السائل: "نحن المسلمين نعلم أن الإنسان خُلق لسبب واحد وهو عبادة الله وحده" ليس بصحيح؛ لأن الله بيّن أنه خلق الجن والإنس لعبادته، وليبتليهم بأنواع الابتلاء، وليعرفوه بأسمائه وصفاته كما تقدم ذكر ما يدل على ذلك كله، والله أعلم.

стр. 1913

القول فيمن يعبد الله بالحب وحده المجيب د. محمد بن عبد الرحمن أبو سيف الجهني عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية العقائد والمذاهب الفكرية/مسائل متفرقة التاريخ ٠٣/٠١/١٤٢٦هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سؤالي هو: ما رأيكم في من يقول أنني لا أعبد الله خوفاً من ناره, أو أنال جنته, وإنما عبدت الله محبة في وجهه الكريم؟. الجواب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الحمد لله وحده لا شريك له، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: لا تكون عبادة لله إلا بخوف وطمع، قاله الله في كتابه حين أمر عابديه بهما في مواضع: "وادعوه خوفاً وطمعاً" [الأعراف:٥٦] ، "واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة" [الأنعام:٦٣] ، وامتدحهما في عابديه: "تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً" [السجدة:١٦] "إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً" [الأنبياء: ٩٠] ، فلا تخلو عبادة الله من الرغب والرهب، ومن الخوف والطمع، والرغب لا يكون إلا في رضا الله وثوابه، والرهب لا يكون إلا من غضب الله وعقابه، ومن ادعى أنه لا يرغب في ثواب الله ولا يرهب عقابه لم تصدق منه دعوى عبوديته لله إلا أن يدعي أنه مستغن عن ثواب الله وآمن من عقابه، فتكون عبوديته تفضلاً منه على رب لا يملك أن يعاقبه ولا حاجة به لثوابه، فلا يكون هذا رباً ولا ذاك عابداً على الحقيقة، بل هما ندّان متساويان، وتفضّل أحدهما على الآخر بمحبته له، ومن ذا يكون مؤمناً ثم يقول ذلك؟!

стр. 1914

وفي هذه الدعوى من الباطل أيضاً: الإعراض عن دعوة الله عباده إلى السعي إلى الجنة والاستخفاف بها، "وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض" [آل عمران:١٣٣] ، "سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض" [الحديد:٢١] ، وفيها الإعراض عن دعوة الله عباده إلى اتقاء النار والاستخفاف بها: "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً" [التحريم:٦] ، "فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة" [البقرة:٢٤] ، ومثل هذه الدعاوى شطحات تنفسخ عند وجود الحقائق، فإذا أشرف مدعي هذه الدعوى على النار علم كذب دعواه. نسأل الله السلامة من الضلال.

стр. 1915

اجتماع النبي ﷺ بالأنبياء ﵈ ليلة الإسراء المجيب د. رشيد بن حسن الألمعي عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد العقائد والمذاهب الفكرية/مسائل متفرقة التاريخ ١٦/١١/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم ذكر النبي ﷺ أن الروح إما أن تكون في عذاب وإما أن تكون في نعيم، في القبر، فلا تذهب هنا أو هناك. فكيف اجتمع رسول الله ﷺ بالأنبياء في السماوات في الإسراء والمعراج؟ هل خرجت أرواح الأنبياء لذلك الوقت فقط؟ وجزاكم الله خيرًا. الجواب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فهذا السؤال له صلة بمسألة تعلق الروح بالبدن، وقد ذكر ابن القيم، ﵀، أن للروح مع البدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة الأحكام: أحدها: تعلقها بالبدن في بطن الأم جنينًا. الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض. الثالث: تعلقها به في حال النوم، فلها به تعلّق من وجه ومفارقة من وجه. الرابع: تعلقها به في البرزخ. الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد، وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن. وموضوع سؤالك هو عن تعلقها بالبدن في البرزخ، فإنها وإن فارقت البدن وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقًا كليًّا لا يُبْقِي لها التفاتًا إليه.

стр. 1916

وما سألت عنه من رؤيته ﷺ ، الأنبياء ليلة الإسراء والمعراج، قال عنه ابن القيم: (وأما إخبار النبي ﷺ ، عن رؤيته الأنبياء ليلة أسري به فقد زعم بعض أهل الحديث أن الذي رآه أشباههم وأرواحهم. قال: فإنهم أحياء عند ربهم، وقد رأى إبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور- أخرجه مسلم (١٦٢) - ورأى موسى قائمًا في قبره يصلي- أخرجه مسلم (٢٣٧٥) . ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا: هذه الرؤية إنما هي لأرواحهم دون أجسادهم، والأجساد في الأرض قطعًا، إنما تبعث يوم بعث الأجساد، ولم تبعث قبل ذلك إذ لو بعثت قبل ذلك لكانت قد انشقت عنها الأرض قبل يوم القيامة وكانت تذوق الموت عند نفخة الصور، وهذه موتة ثالثة. وهذا باطل قطعًا) . قال ابن القيم: (وقد علمنا عنه أنه رأى موسى قائمًا يصلي في قبره ليلة الإسراء، ورآه في السماء السادسة- أخرجه البخاري (٣٢٠٧) ومسلم (١٦٤) - أو السابعة، فالروح كانت هناك ولها اتصال بالبدن في القبر وإشراف عليه وتعلق به، يصلي في قبره ويرد سلام من سلّم عليه، وهي في الرفيق الأعلى، ولا تنافي بين الأمرين فإن شأن الأرواح غير شأن الأبدان، وليس نزول الروح وصعودها وقربها وبعدها من جنس ما للبدن، فإنها تصعد إلى ما فوق السماوات ثم تهبط إلى الأرض ما بين قبضها ووضع الميت في قبره، وهو زمن يسير لا يصعد البدن وينزل في مثله، وكذلك صعودها وعودها إلى البدن في النوم واليقظة) . وخلاصة القول أن التسليم بما ثبت من إخبار النبي ﷺ ، بما يكون من حال البرزخ وأحوال القيامة وسائر المغيبات واجب، والتعمق في البحث عن كيفيات ذلك من التكلف. وانظر بسط هذه المسألة في كتاب الروح لابن القيم، ﵀، ففيه ما يشفي ويكفي. والله الموفق.

стр. 1917

هل كل ما في اللوح المحفوظ لا يتغيَّر ؟ المجيب عبد الرحمن بن ناصر البراك عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية العقائد والمذاهب الفكرية/مسائل متفرقة التاريخ ١١/٠٦/١٤٢٦هـ السؤال أرجو منكم إفادتي بأصح قولي العلماء في مسألة (اللوح المحفوظ) فقد قيل: إن ما فيه من الأقدار ثابت لا يتغير، كما قيل: إنه يمكن أن يتغير؟ والكل مستدل بقوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) ؟ الجواب الحمد لله، اللوح المحفوظ هو أم الكتاب، وهو الكتاب المبين، وهو كتاب الأقدار، قال الله تعالى: "بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ" [البروج: ٢١-٢٢] ، وقال تعالى: "إنا جعلناه قرآناً عربيًّا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب" [الزخرف: ٣-٤] ، وقال تعالى: "ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب" [الحج: ٧٠] ، وقال تعالى: "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها" [الحديد: ٢٢] . وروى مسلم في صحيحه (٢٦٥٣) عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء". وهذا الكتاب مطابق لعلم الله السابق، وعلمه بالأشياء مطابق لما هي عليه ومعلوماته لا تتغير عما علمه، وقد قرن بين علمه وكتابه في آيات من القرآن، قال تعالى: "وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب" [فاطر: ١١] ، وقال تعالى: "ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب" [الحج: ٧٠] .

стр. 1918

وما في هذا الكتاب هو تقدير عام لكل ما هو كائن إلى يوم القيامة، وهناك تقديرات خاصة منها ما يختص بآدم وذريته كما جاء في حديث احتجاج آدم وموسى، حيث قال آدم: "أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجياً، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاماً". صحيح البخاري (٣٤٠٩) ، وصحيح مسلم (٢٦٥٢) . ومنها ما يختص بكل فرد من بني آدم كالتقدير الذي يكون عند نفخ الروح في الجنين، وهذه التقديرات لا تتعارض مع التقدير العام، وأما قوله تعالى: "يمحو الله ما يشاء ويثبت" [الرعد: ٣٩] ، فقد اختلف المفسُرون في متعلق المحو والإثبات، فقيل: المراد بذلك الشرائع ما يُحْكِِمُ الله منها وما ينسخ، وقيل المراد صحف الأعمال التي في أيدي الملائكة، وكل ما يكون من محو وإثبات في الشرائع أو صحف الملائكة قد سبق به علم الله وكتابه الأول. وعلى هذا فالصواب أن اللوح المحفوظ لا تغيير فيه، وما سبق في علمه وكتابه أنه كائن لا بد أن يكون كما علمه بالأسباب التي قدَّرها، فالقدر شامل للأسباب والمسببات، ويدخل في ذلك الكون كله، وما يجري فيه من صغير وكبير، بما في ذلك أفعال العباد طاعاتهم ومعاصيهم " الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً" [الطلاق: ١٢] . والله أعلم.

стр. 1919

تعزية المسلم للكافر المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً العقائد والمذاهب الفكرية/مسائل متفرقة التاريخ ٣٠/٠٢/١٤٢٦هـ السؤال ما حكم تعزية المسلم للكافر (بمناسبة وفاة بابا الفاتيكان) ؟ الجواب أصل التعزية هي التسلية للمصاب الذي نزلت به مصيبة من موت قريب ونحو ذلك- لغرض تخفيف ما ألم به أو نزل من مصيبة أو كارثة، وأكثر ما تجري التعزية عادة في الوفاة. ويجوز للمسلم أن يعزي الكافر -سواء كان كتابياً أو غيره- بموت قريب أو عزيز لديه. ويدعو لولي الميت أو صديقه بدوام الصحة والبقاء وكثرة الولد والمال. ولا يدعو له بالمغفرة والأجر وجبر المصيبة لأن هذا لا يكون إلا للمؤمن، ولو قال: (أعطاك الله على مصيبتك أفضل ما أعطى أحداً من أهل دينك) أو نحوه - لكان حسناً، وتعزية المسلم للكافر من حسن الخلق، وهي وسيلة من وسائل التآلف والدعوة إلى الإسلام، لا سيما في مثل هذا الظرف. أما إذا كانت تربط المسلم بالكافر رابطة قرابة -من نسب أو صهر أو زمالة عمل ونحوه- تعين العزاء حينئذ، وعزاء المسلم لأهل الكتاب من يهود ونصارى المجوس أولى من غيرهم. أما تعزية المسلم لأخيه المسلم عند موت قريبه الكافر فهي مشروعة ويدعو للحي بعظم الأجر وحسن العزاء وجبر المصيبة، ولا يدعو لميته الكافر بشيء من هذا، وإنما يدعو له بنحو ما سبق من دوام البقاء وكثرة المال والولد. قال الإمام مالك بن أنس في تعزية المسلم بأبيه الكافر - يقول: (بلغني مصابك بأبيك وألحقه الله بكبار أهل دينه وخيار ذوي حلته) ، وسئل ابن عبد الحكم كيف يعزى المسلم بأمه النصرانية؟ قال يقول: الحمد لله على ما قضى قد كنا نحب أن تموت على الإسلام حتى تسر بذلك.

стр. 1920

أما تعزية المسلمين بعضهم لبعض بموت الكافر- إذا لم يكن الميت قريباً لمسلم فحرام لا تجوز بحال لقول الله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) والتعزية في هذا من الاستغفار المنهي عنه في الآية جزماً كالصلاة عليه في قوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون) .والله أعلم.

стр. 1921

إذا كان أحدنا لا يدخل الجنة بعمله؛ فلِمَ العمل ؟! المجيب د. محمد بن عبد الرحمن أبو سيف الجهني عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية العقائد والمذاهب الفكرية/مسائل متفرقة التاريخ ٢٠/٠١/١٤٢٦هـ السؤال السلام عليكم. من المعلوم أنه لا يدخل الجنة أحد بعمله، بل برحمة الله وفضله، ومعلوم أيضا أن الله -سبحانه- صرح بأن الجنة هي ثواب من يقوم بالعمل الصالح، وذكر طائفة من الأعمال التي سيكون أجرها دخول الجنة، وفي هذا السياق يوجد كثير من الأحاديث النبوية. فكيف نوفق بين هذين الوجهين؟ الجواب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الأعمال سبب في دخول الجنة وليست ثمناً لها، ودخول الجنة فضل من الله ورحمة وليس عوضاً عن الأعمال وبدلا عنها، فلا ينال العبد الجنة بمجرد العمل، بل العمل سبب، والله يتفضل على من حصَّله بالجنة إن شاء، ولو حرمه منها لم يكن ظالماً له، ولهذا قال ﷺ : " لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِه"ِ قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّه؟ ِ قَالَ: "وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ وَفَضْلٍ" أخرجه أحمد (٧٤٧٩) واللفظ له، والبخاري (٥٦٧٣) ، ومسلم (٢٨١٦) ، فالباء في قوله "بعمله" باء المقابلة والعوض، وقال الله: "ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون" [النحل:٣٢] أي بسبب عملكم. والله أعلم.

стр. 1922

المقصود بالحنيفية المجيب د. محمد بن عبد الرحمن أبو سيف الجهني عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية العقائد والمذاهب الفكرية/مسائل متفرقة التاريخ ٠٩/٠٣/١٤٢٦هـ السؤال أرجو توضيح المقصود بالحنيفية، وهي دين إبراهيم ﵊، هناك كاتب يقول إن النبي ﷺ كان حنيفاً قبل أن يصبح خاتم الأنبياء. الجواب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحنيفية هي ملة التوحيد التي بُعث بها الأنبياء جميعاً صلى الله عليهم وسلم، ومنهم محمد ﷺ ، فملته الحنيفية منذ ابتداء نبوته حتى موته ﷺ ، وهي هدية لأمته، قال له ربه: "قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين" [الأنعام:١٦١] ، وقال له: "وأن أقم وجهك للدين حنيفاً ولا تكونن من المشركين" [يونس:١٠٥] ، وهو ﷺ خاتم الأنبياء من ابتداء بعثته، منذ نبئ ﷺ كانت نبوته خاتمة النبوات. ولفظ (الحنيفية) في اللغة هو من الحنف وهو الميل، والحنيفية في الشرع هي الميل إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة غيره، ومعلوم أن من مال إلى شيء أعطى ظهره لغيره، لا يكون الميل إلا كذلك، فلا يكون مستقبلاً شيئاً غير ما مال إليه، وكل شيء غيره فوراء ظهره.

стр. 1923

إذا علمت ذلك، فاعلم أن النبي ﷺ كان قبل نبوته، وكان لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان كما قال الله: "وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان" [الشورى:٥٢] كان ﷺ يتحنف في غار حراء انظر صحيح مسلم (١٦٠) ، أي يميل إلى الانقطاع فيه بالتوجه إلى خالق السماوات والأرض، ويترك ما كان عليه قومه من التوجه إلى الأصنام والأشجار، وهذا منه تحنف فطري وسلوك شخصي سبق النبوة ثم نبئ ﷺ ، وكان في أهل الجاهلية من يفعل ذلك، وهو من بقايا ملة إبراهيم ﵇ فيهم. وصلى الله وسلم على النبي.

стр. 1924

تعريض أسماء الله للامتهان المجيب د. أحمد بن محمد الخضيري عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإٌسلامية العقائد والمذاهب الفكرية/مسائل متفرقة التاريخ ١٦/٠٧/١٤٢٦هـ السؤال شاهدت في الفضائيات سيارة -ضمن سباق السيارات- وضع سائقها على غطاء المحرك علم -المملكة العربية السعودية- وعليه كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ، ومن جنس هذا التصرف الأعلام السعودية التي يحملها مشجعو كرة القدم، فهل مثل هذا العمل -بغض النظر عن نية صاحبه- يعتبر مباحاً، أم أن فيه نوعاً من الإهانة لهذه الكلمة العظيمة؟ أرجو الإفادة مشكورين. الجواب من المعلوم أن عَلَم المملكة العربية السعودية يحتوي على كلمة التوحيد "لا إله إلا الله محمد رسول الله" وهي تشتمل على لفظ الجلالة، وأسماء الله -تعالى- يجب توقيرها واحترامها، والبعد بها عن أماكن الامتهان، فإذا كان وضع العلم على السيارة سيعرض اسم الله تعالى للامتهان والابتذال، كالجلوس عليه أو وطئه، أو إصابته بما لا يليق، فالواجب البعد عن وضعه في هذا المكان توقيراً لأسماء الله تعالى، ويمكن الاستعاضة عن ذلك بوضع العلم دون كلمة التوحيد، والاكتفاء بأي شعار آخر يرمز للدولة.

стр. 1925

رؤية الملائكة المجيب د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي عضو البحث العلمي بجامعة القصيم العقائد والمذاهب الفكرية/مسائل متفرقة التاريخ ٢٨/١٠/١٤٢٦هـ السؤال هل من الممكن للإنسان رؤية الملائكة، وهل من الممكن الاتصال بين الإنس والجن؟ وهل من الممكن رؤية أو مقابلة الرسول ﷺ والتحدث معه وأخذ التوجيهات منه حال اليقظة، وما حكم مَنْ يدعي هذه الأمور؟ الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد: فإن الملائكة الكرام عالم غيبي، خلقهم الله من نور، وحجبهم عن أعين خلقه، إلا من -شاء الله- كرؤية النبي ﷺ جبريل على صفته التي خلقه الله عليها. كما أن الملائكة الكرام قد تتشكل بأمر الله على هيئة بني آدم، كما وقع لمريم ﵂ وكما أتوا لوطاً ﵇ على هيئة شبان صباح الوجوه، وكما كان جبريل ﵇ يأتي نبينا محمداً ﷺ على صورة دحية الكلبي. لكن ليس لأحد أن يدعي أنه رأى الملائكة أو خاطبهم، كما يزعم بعض المهوسين، فإن ذلك من تلاعب الشياطين بهم. أما إمكانية الاتصال بين الإنس والجن؛ مسلمين أو كافرين، فالظاهر أنه ممكن من ناحية الوجود، لكن الغالب أنه يقع على وجه شركي، أو استمتاع محرم. وأما إمكانية رؤية أو مقابلة، أو التحدث مع النبي ﷺ في الحياة الدنيا بعد وفاته، يقظةً لا مناماً، فأمر مستحيل، ومن ادعى ذلك فهو كاذب، ومن ادعى أنه يأخذ منه التوجيهات مباشرةً فهو كافر زنديق، لأن دعواه تلك تتضمن إضافة شيء إلى دين الله، ليس منه، وقول على الله وعلى رسوله بمحض الكذب، واتهام للشريعة بالنقص وعدم الكمال، حتى أحوجه الأمر إلى أن يتلقى منه مباشرة، بزعمه الكاذب. والله أعلم.

стр. 1926

هل يغتسل المرتد لدخوله الإسلام ؟ المجيب د. حمد بن إبراهيم الحيدري عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية العقائد والمذاهب الفكرية/مسائل متفرقة التاريخ ٠٨/٠٧/١٤٢٦هـ السؤال إذا ارتدّ شخص عن الإسلام هل يجب عليه أن يغتسل وينطق بالشهادة للدخول فيه مرة أخرى؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فالمرتد مثل الكافر الأصلي، وقد اختلف في وجوب الغسل على الكافر، فقال قوم: يجب عليه الغسل استدلالاً بأنه ﷺ أمر قيس بن عاصم لما أسلم أن يغتسل بماء وسدر". أخرجه أبو داود (٣٥٥) ، والترمذي (٦٠٥) وغيرهما، وصححه النووي. وقال آخرون لا يجب؛ لأنه لو كان واجباً لاشتهر مع كثرة من يسلم، والقول الأول أحوط. وأما النطق بالشهادتين فلا بد أن يأتي بهما المرتد كالأصلي؛ لقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ... " الحديث. صحيح البخاري (٢٥) ، وصحيح مسلم (٢٢) . لكن قال العلماء في المرتد: إن ارتدَّ بجحود فرض أو استباحة محرم لم يصح إسلامه حتى يرجع عما اعتقده، ويعيد الشهادتين، وعلى هذا فلابد أن يزيل سبب الردة إن كان يتعلق بسبب من الأسباب التي تقتضي ردة صاحبها ويأتي بالشهادتين، وإن كان ارتدَّ ورجع عن الإسلام مطلقاً فدخوله فيه كدخول الكافر الأصلي يكون بالشهادتين والإقرار بالإسلام وأحكامه. انظر المهذب في فقه الشافعية (٢/٢٢٤) ، والروض المربع بحاشية ابن قاسم في فقه الحنابلة (٧/٤١٠، ٤١١) . والله تعالى أعلم.

стр. 1927

الفرق بين "الملة" وبين "الدين " المجيب د. سعيد بن ناصر الغامدي عضو هيئة التدريس بجامعة الملك عبد العزيز العقائد والمذاهب الفكرية/مسائل متفرقة التاريخ ٢٣/٠٨/١٤٢٦هـ السؤال السلام عليكم. ما معنى كلمة "ملة"، وما الفرق بينها وبين كلمة "دين"؟. الجواب الحمد لله، وبعد: لفظ "الملة" و"الدين" لفظان متقاربان في المعنى، فيقال: هذا على ملة الإسلام، وعلى دين الإسلام، وقد وردت كلتا العبارتين في القرآن العظيم، كما في قوله تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) [البقرة:١٢٠] ، وقوله تعالى: (ذلك دين القيمة) [البينة:٥] ، وهذه ليست من قبيل المترادف اللغوي، بل لكل منها معنى يخصه مع وجود الاشتراك في المعنى العام، بحيث إذا وجد أحد اللفظين دل على الآخر، وإذا اجتمعا معاً في سياق واحد فإن الملة هي معظم الدين وجملة ما يجيء به الرسل، وأما الدين فمن دان يدين إذا ذل وخضع وأطاع، مأخوذ من الدينونة وهي الطاعة والاتباع التي هي العبادة على وجه الخصوص. والله أعلم.

стр. 1928

لماذا يحتكر المسلمون الجنة ؟! المجيب خالد بن عبد العزيز السيف عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم العقائد والمذاهب الفكرية/مسائل متفرقة التاريخ ٠٦/٠٣/١٤٢٧هـ السؤال أنا طالب بإحدى الجامعات الغربية، وتقتضي دراستي الاختلاط والتعامل مع غير المسلمين، ومع مسلمين عاشوا مدة طويلة في الغرب، وهناك شبهات يطرحونها فلم أستطع الرد، وأكثر الشبهات جدلاً: لماذا الجنة للمسلمين وحدهم دون النصارى، ولماذا مصير النصراني -بعد وفاته- النار، فقد يكون لم يصل إليه الإسلام؟ كما أن في الإسلام إذا ترك الرجل دينه يدخل النار فكذلك في النصرانية، ويقولون: لماذا يدخل النار بينما هو رجل طيب يقدم المساعدة لأي كان؟ فإن قلنا لهم: مكتوب في كتبكم: إن هناك نبيًّا اسمه محمد: يقولون: ليس موجوداً. فيرون كل شخص طيب يدخل الجنة، ولا يشترط فيه أن يكون مسلمًا. أرجوكم ساعدوني في حل هذه المشكلة، خصوصاً وأن البعض قد انساق خلفهم! الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فالديانات بشكل عام -سواء منها السماوي أو غير السماوي- تقوم على مبدأ الحقيقة الواحدة، بمعنى أن الدين الصحيح الموجب للنجاة هو دين واحد، والمتبع لما سواه متعرض للهلاك الأخروي والعذاب الأبدي، ولأجل ذلك كان تغيير الدين يعد جرماً لا مغفرة له، وربما يكون عقوبته القتل كما عند المجتمعات الشرقية. وعندما نأخذ الدين النصراني أنموذجًا فإن المتبع لغير الدين النصراني -حسب رأي معتنقيه- يعتبر غير ناجٍ النجاة الأخروية، بل العذاب السرمدي الأبدي ينتظره في الآخرة كما نطق بذلك الكتاب المقدس، وحكمه في الدنيا أنه غير مؤمن بالمسيح (أي كافر) ، وهذا لن يكون كمن آمن به بالمعتقد الذي تبنته النصرانية من معتقد التثليث والصلب وغيره، فمن آمن به فله النجاة (الجنة بلغة المسلمين) ، ومن لم يؤمن به فله الهلاك والعذاب الأبدي (النار بلغة المسلمين) .

стр. 1929

وما يعتقده النصارى في يوم الدينونة صارخ بذلك، ومضمونه أن المسيح -على حد زعمهم- سينزل في آخر الزمان ليدين الخلائق، فمن آمن به فله الخلاص والنعيم الأبدي، ومن لم يؤمن به فله العذاب والشقاء الأبدي، وغالب أسفار الكتاب المقدس أشارت إلى هذا، فعلى سبيل المثال لا الحصر ما جاء في سفر يوحنا (٣: ٣٦) : "الذي يؤمن بالابن -أي المسيح- له حياة أبدية. والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة، بل يمكث عليه غضب الله". وفي إنجيل متى (١٢: ٣١،٣٢) : "كل خطيئة وكفر يُغفر للناس، وأما الكفر بالروح القدس فلن يغفر لهم. ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له، وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا في الدنيا ولا في الآخرة ". والنص المشهور الذي يحفظه كل المسيحيين ما جاء في إنجيل يوحنا (٣: ١٦) : "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية". ومفهوم هذا أن الذي لا يؤمن به فسوف يهلك. ويوم الدينونة موجود بشكل أوسع في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي، فقد جاء في سفر متى (٢٧:١٦) : "فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله". ويصف يوحنا كيفية هذه الدينونة، وكيف يدين المسيح الخلائق، فقد جاء في سفر رؤيا يوحنا: (١٣:٢٠-١٥) : "ورأيت الأموات صغاراً وكباراً أمام الله وانفتحت أسفار، وانفتح سفر آخر وهو سفر الحياة، ودين الأموات مما هو مكتوب في الأسفار بحسب أعمالهم. وسلم البحر الأموات الذين فيه، وسلم الموت والهاوية الأموات الذين فيهما، ودينوا كل واحد بحسب أعماله. وطرح الموت والهاوية في بحيرة النار. هذا هو الموت الثاني. وكل من لم يوجد مكتوباً في سفر الحياة طرح في بحيرة النار".

стр. 1930

وعلى ما سبق ذكره فليس الإسلام غريباً من بين الديانات التي لا تلتزم بنجاة من لم يؤمن بها، بل الإسلام أفضل منها، بحيث إنه لا يقول بتعذيب من لم يصل إليه الإسلام، ولا من وصل إليه الإسلام مشوشاً، وهؤلاء وأمثالهم حكمهم إلى الله، وليس في الأديان مثل الإسلام في هذا التشريع المعتدل، وهذا خلاف ما يدعيه النصارى عن الإسلام. وأما كون حسن الأخلاق والمعاملة كافية في المعادلة بين المؤمن وغير المؤمن فهذا لا يقول به النصارى أنفسهم، فهل معنى ذلك أن المسلم إذا كان طيب الخلق وحسن المعاملة ويقدم المساعدة للآخرين هل يعني ذلك أنه ناج في الآخرة على المعتقد النصراني، أو هل يتساوى مع من يؤمن بالمسيح على معتقد النصارى!! هذا لا يقول به نصراني أبداً، ومن قال بخلاف ذلك فهو مغالطٌ نفسه، بل الكتاب المقدس ناطق بالتفريق، وأن الخلاص مشروط بالإيمان بالمسيح على معتقد النصارى من القول بالصلب والتثليث وغيرها من المعتقدات. وأما وجود اسم النبي محمد ﷺ في كتب النصارى فهذا لا يؤمن به النصارى، ولو آمنوا بذلك لانتهت المشكلة ولم يوجد إلا الإسلام، وهم ينكرون ذلك، وسواء أنكروه أو أثبتوه فنبوته ﵊ ثابتة بنفس الأدلة التي أثبتوا بها ألوهية المسيح، فإذا طعنوا في تلك الأدلة فقد طعنوا في أدلة ألوهية المسيح؛ وتفصيل ذلك يحتاج ورقة أخرى.
следующие страницы →