← Фатава

Фатава · id 894

فتاوى واستشارات الإسلام اليوم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 202 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

الحر والعبد أمام الأحكام الشرعية المجيب د. خالد بن علي المشيقح عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/الأحكام التكليفية التاريخ ٢٤/٠٦/١٤٢٥هـ السؤال لماذا فرَّق الإسلام بين الأحكام الفقهية المتعلِّقة بكل من الحر والعبد؟. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: أولاً: نفهم أن الأحكام الفقهية بين الحر والعبد كثير منها لم يفرق فيها الإسلام، وإنما فرق بعض الفقهاء ﵏، فمثلاً: في باب العبادات الأصل تساوي الأرقاء والأحرار في العبادات البدنية المحضة، ولا يفرق بينهما إلا بدليل، وما يتعلق بالعبادات المالية يفرق بينهما؛ لأن الحر يملك، والرقيق لا يملك، فالرقيق إنما هو مال فلا تجب عليه الزكاة، ولا يجب عليه الحج ... إلى آخر، الأمور التي تتعلق بالمال، كما أن المعاملات الأصل فيها الصحة من الأحرار والأرقاء جميعاً؛ لأن الرقيق مكلف بالغ عاقل يصح تصرفه، لكن لا بد من إذن السيد لأن العبد لا يملك- كما تقدم- فلا فرق بينهم، وكذلك في الأنكحة فالأصل تساوي الأرقاء والأمراء فيما يتعلق بالنكاح والطلاق على الصحيح، وفي تعدد الزوجات وفي القسم، وفي الإيلاء والخلع والظهار ... إلخ، هذا هو الصواب أنه لا يفرق، فنقول: المتأمل في الأدلة الشرعية يجد التساوي إلا فيما يتعلق بالمال فقط؛ لأنه لا يملك كما تقدم، وأيضاً بالنسبة للحدود والقصاص فإذا قُتل الرقيق فإنه يقتل قاتله كما يقتل قاتل الحر، وإذا قُذف يجلد قاذفه، وإذا زنى فهو الذي ورد فيه أنه على النصف من الحر، وكما ذكر الأصل في ذلك التساوي، وهذا ما ذهب إليه ابن حزم ﵀ كثيراً، ويؤيده ما في المغني، ثم هو اختيار بعض المالكية-﵏ كما في كتبهم. والله أعلم.

стр. 1962

التكاليف..والتخلف العقلي المجيب هاني بن عبد الله الجبير قاضي بمحكمة مكة المكرمة أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/الأحكام التكليفية التاريخ ٢٤/٠٦/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم ما هي التسهيلات والإعفاءات التي تمنح للمتخلف عقلياً في الإسلام؟ قرأت مقالاً أن من يفقد عقله في رمضان فليس عليه إعادة صوم الأيام التي أفطرها، وأريد أن أعرف باقي التساهلات والإعفاءات التي تمنح لي في هذه الحالة. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فكل الواجبات التعبدية لا يطالب بها من يفقد عقله، فالمتخلف عقلياً والمجنون لا يكلف في الإسلام بشيء من العبادات، وهذا التخفيف سببه عدم تمكنه من أداء العبادة؛ لأن معنى العبادة التوجه إلى الله والخضوع له، وهذا غير ممكن ممن فقد عقله، فلا تجب عليه الصلاة ولا الصيام، ولا الحج. أما الواجبات المتعلِّقة بأمواله فإنها لا تسقط عنه، فلو كان له مال وهو فاقد لعقله فإنه يؤخذ منه الزكاة ونفقة أولاده، أو زوجته، إن كان له زوجة أو أولاد، وكذلك لو اعتدى على أحد أو أتلف شيئاً فإنه لا يعاقب، لكن يكلف بإصلاح ما أتلف، والتعويض من ماله. والله الموفق والهادي لا إله إلا هو.

стр. 1963

الحد الشرعي والحكم القبلي المجيب سلمان بن عبد الله المهيني القاضي بوزارة العدل أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/الأحكام الوضعية التاريخ ٢٨/١٢/١٤٢٣هـ السؤال بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: هل يجوز استبدال حد شرعي مثل القذف أو الزنا أو السرقة بحكم قبلي يرضى به الشخص المتضرر صاحب الحق؟ كذبح أربع ذبائح ودفع مبلغ من المال استرضاء للمتضرر بنية الإصلاح. الجواب الحمد لله وحده، أما بعد: فإن الحدود الشرعية الواجبة حقاً لله جل وعلا كالزنا والسرقة لا يجوز إسقاطها بعوض من المال إذا ثبتت وقد حذر رسول الله ﷺ من التهاون بحدود الله وأخبر أن التهاون بشيء منها صفة من صفات الكفار، وأخبر أنه لو سرقت فاطمة ابنته لقطع يدها انظر: البخاري (٢٦٤٨) ومسلم (١٦٨٨) ، وأما ما يفعله بعض الجهال من ذلك فينبغي نصحهم وتحذيرهم، وأما ما كان حقاً للآدميين كالقصاص قوداً فلا بأس بالتنازل عنه في مقابل عوض مالي ولو بأكثر من الدية، والله أعلم.

стр. 1964

معنى عدم قبول صلاة شارب الخمر المجيب سامي بن عبد العزيز الماجد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/الأحكام الوضعية التاريخ ١٣/٧/١٤٢٥هـ السؤال ما حكم شرب الخمر؟ وهل من شربها لا تقبل له صلاة أربعين يوماً؟. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فشرب الخمر كبيرة من كبائر الذنوب، وشارب الخمر ملعون على لسان رسول الله ﷺ ومن شربها لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، كما في الحديث الذي أخرجه أحمد (٤٨٩٨) والنسائي (٥٦٦٤) وغيرهما بسند حسن: "من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه.. الحديث". وليس معنى عدم قبول صلاته أنها لا تنفعه إذا صلاها وهو لم يتب من شرب الخمر، وإنما "معناه: أنه لا يؤجر عليها إذا صلاها، وإن كانت صحيحة في نفسها، قال النووي: معناه: لا ثواب له فيها، وإن كانت مُجزئة في سقوط الفرض عنه" ا. هـ. كما أن العقوبة بعدم قبولها منه أربعين ليلة مشروطة بألاّ يتوب أثناء الأربعين، فإن تاب أثناءها فإنه يرتفع عنه هذا الوعيد، وتقبل صلاته كما تقبل صلاة من لم يشرب الخمر، لأن التوبة تجب ما قبلها، وهو المظنون بالشارع الحكيم، فإنه ودود رحيم، يتشوف إلى توبة العباد، ويغريهم بها بمحو السيئات وتبديلها حسنات، ولا شك أن عدم قبول صلاة شارب الخمر أربعين ليلة حتى وإن تاب أثناء الأربعين مُبَطِّئ ومثبط له عن التوبة، وهذا مناف لمقصود الشرع، إذ ما فائدة التوبة إذا كانت صلاته لن تقبل منه أربعين ليلة سواء تاب أم لم يتب. والمقصود أن وجوب الصلاة لا يسقط عن شارب الخمر، وإذا صلاها فصلاته صحيحة تجرئه في سقوط الفرض عنه، فلا يعاقب على تركها، لكنه لا يثاب عليها أربعين ليلة حتى يتوب من شرب الخمر، فإن تاب أثناء الأربعين رفعت عنه عقوبة حرمانه من ثواب الصلاة، وصار كمن لم يشربها وصلاته صحيحة ومثاب عليها. والله أعلم، وصلى الله على بنينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1965

المجاز في القرآن المجيب د. ناصر بن محمد الماجد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة التاريخ ٢٤/٧/١٤٢٢ السؤال ما حكم تأول المجاز عند تفسير القرآن فنقول مثلا عند تفسير قوله تعالى: ((إن الأبرار لفي نعيم)) إن استعمال النعيم في الآية مجاز؛ لأن النعيم لايحلَّ فيه الإنسان لأنه معنى من المعاني، وإنما أطلق فيه الحال وأريد المحل، وهل يعتبر المجاز في القرآن من باب القول على الله بغير علم؟ الجواب مسألة تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز من المسائل التي نقل الخلاف فيها قديماً، وجماهير أهل العلم من المفسرين، والأصوليين، وأهل اللغة على إثباته، ولايفرقون بين مورده في اللغة، ومورده في القرآن الكريم، وفيهم أئمة لهم قدم صدق في تقرير عقيدة السلف والذود عنها. والذين ذهبوا إلى نفي المجاز -خصوصاً من أهل السنة- حملهم على ذلك مارأوه من تسلط المبتدعة بدعوى المجاز على نصوص الوحيين، فعطلوها عن دلالاتها في مسائل الغيبيات، وصفات الخالق خصوصاً. وفي الحق، فإن القول بالمجاز لاخطر وراءه، ذلك أن الأصل في الكلام أن يحمل على حقيقته إلا بقرينة بإجماع أهل العلم، ولا قرينة تصحّح قول المعطل، وإنما أُتوا من توهّم كيفيات معينة لتلك النصوص، ثم سلّطوا التأويل عليها لدفع توهمهم الفاسد. على أن تلك الأخبار المتعلقة بالله -تعالى- لاتقبل دعوى المجاز من جهة اللغة وتراكيب الكلم، وهذا مبسوط تقريره في كلام أهل السنة -والحمد لله-. والمقصود أنه لاضير من القول بالمجاز، ولايعدّ من القول على الله بغير علم، إذ القرآن الكريم نزل بلغة العرب، فجرى على طرائقهم في التعبير، وأساليبهم في تركيب الكلم، وإنما يكون قولاً على الله بغير علم إذا تعلق بأمور غيبية لاتدرك، ولم تشاهد تُعطل عن ظواهرها، ويُلحد فيها. بقي أن يقال: إن الأسلوب المجازي ضرورة لبقاء أي لغة وحياتها، إذ الألفاظ وإن كثرت فهي محدودة لا تستوعب كل ما يطرأ من المعاني في حياة الناس، ومن تأمل هذا الأمر زال عنه ـ بإذن الله ـ كل تردد في هذه المسألة، والله ولي التوفيق.

стр. 1966

يقين الحل لا يزول بشك الحرمه المجيب د. عبد الله بن ناصر السلمي عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٢٢/٧/١٤٢٢ السؤال لديَّ أحد الزملاء في العمل اشتركت أنا وهو في شراء أرض على أننا بعد فترة سنبيعها ونقسم الربح بيننا بالتساوي، وبالفعل اشترينا أرض، ولكن اكتشفت أن المبلغ الذي معه نتيجة لشراء سيارة من أحد البنوك ولا أدري هل ماله حرام أم حلال؟ وما مصير تجارتي معه؟ وكذلك سلفته مبلغ من المال - إذا سددني من المال الذي حصل عليه من البنك - فهل فيه شيء؟ أفيدوني جزاكم الله خيراً. الجواب الأصل أن مال الإنسان إذا اشترك مع غيره ولم يتقن حرمه ذلك المال بعينه والغالب عليه الحلال لكثرته أو قله الربا المحرم، فالأصل في ذلك أن ماله يجوز كما ذكر ذلك أبو العباس ابن تيميه ونسبه إلى جماهير أهل العلم. ثم إن شراء سيارة من البنك ثم يبيعها نقداً فالأصل فيها الجواز إذا توفرت فيها الشروط بحيث يملكها البنك ثم يبيعها إلى العميل.

стр. 1967

إنكار أدلة القياس في التحريم المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ١٥/٨/١٤٢٤هـ السؤال ما حكم من ينكر أدلة القياس في التحريم؟ أحد الإخوة يقول إنه لا يستدل بالقياس فيما يحرمه الإسلام، فما حكم من ينكر أدلة القياس في التحريم؟ وماذا يترتب على ذلك؟ بارك الله فيكم. الجواب قسَّم جمهور العلماء الأدلة التي يستدل بها على الأحكام - إيجاباً وندباً وتحريماً وكراهةً وجوازاً - إلى قسمين: (١) أدلة متفق على الاحتجاج بها، وبناء الأحكام عليها، وهي: الكتاب والسنة، والإجماع، والقياس. (٢) أدلة مختلف في الاحتجاج بها، وبناء الأحكام عليها، وهي كثيرة، ومنها: الاستصحاب والاستحسان، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع، وقول الصحابي وشرع من قبلنا، وغير ذلك. هذا التقسيم الذي سار عليه جمهور العلماء، حيث عدوا القياس من الأدلة المتفق على الاستدلال بها على الأحكام الشرعية، ويستوي في ذلك الاستدلال بها في إباحة الأحكام، أو وجوبها، أو تحريمها؛ لأن الإباحة والوجوب والتحريم كلها أحكام شرعية، فتكون طرق إثباتها واحدة، ومن خلال ما سبق يتضح أن القياس دليل شرعي معتبر، وقد ورد في سنة النبي ﷺ العملُ به، انظر ما رواه أحمد (٢٤٣٨) من حديث ابن عباس ﵄ وأصله في البخاري (٢١٣٥) ، ومسلم (١٥٢٥) كما أن سيرة الصحابة - رضوان الله عليهم - ومن بعدهم شاهدةٌ على اعتباره والعمل به، ومن تأمل كتب العلماء الذين تحدثوا عن الأحكام يتضح له أنهم اعتمدوا على القياس في إثبات الأحكام الشرعية في مواطن لا يمكن عدها ولا حصرها. ولهذا فإنه لا يجوز لأحد أن ينكر العمل بهذا الدليل؛ لأنه حينئذٍ يكون مخالفاً لما استقر عليه الأمر عند العلماء من عهد النبي ﷺ إلى عصرنا الحاضر، ثم إن العمل بالقياس ليس عملاً بالرأي المجرد، وإنما هو توسيع لما دلت عليه النصوص الشرعية. ولكن يجب التنبيه إلى أمر مهم، وهو: أن العمل بالقياس ليس على إطلاقه، بل له شروط ذكرها أهل العلم، لا بد من توفرها، فإن توفرت صح العمل به، وإن لم تتوفر كلها أو بعضها لم يجز العمل به، وهذه الشروط مذكورة في كتب أهل العلم، خصوصاً ما ذكروه في كتب أصول الفقه. ثم إن الأخ الذي ذكرت أنه لا يستدل بالقياس في التحريم، هل يستدل به في الإيجاب أو الجواز، أو لا، فإن كان يستدل به في الإيجاب والجواز، فما الفرق بين التحريم وبينهما؛ لأن كلاً منها أحكام شرعية، والقول في واحد منها كالقول في الآخر، وإن كان لا يستدل بالقياس مطلقاً فقد ورد في الجواب ما تناقشه به. والله أعلم، -وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم-.

стр. 1968

النسخ في القرآن الكريم المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٧/٩/١٤٢٢ السؤال أرجو التكرم بالإجابة بالتفصيل عن موضوع الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم؛ لأنه يوجد من يدعي أنه لا نسخ في القرآن، وأن من يقول ذلك يعد كافراً، مع العلم أن هذا الأمر مذكور في الصحيحين، فضلاً عن كتاب الله العزيز وفي أكثر من موضع، ولكنه الجدل الذي لا دليل معه. الجواب أجيب عن السؤال بخمس نقاط على الإيجاز والاختصار، فأقول: الأولى: المعنى اللغوي للنسخ: النسخ في اللغة مصدر للفعل الثلاثي نسخ ينسخ نسخاً، ويطلق في اللغة على معانٍ أربع، هي: (١) الإزالة تقول: نسخت الشمس الظل إذا أزالته، ومنه قوله - تعالى -:".. فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته ". [الحج: ٥٢] . (٢) التبديل والتغيير كقولك: نسخت الريح آثار الديار أي: بدلتها وغيرت هيئتها، ومنه قوله - تعالى -: " وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر " [النحل:١٠١] . (٣) التحويل كالمناسخات في المواريث، وهو: أن يموت الميت، ثم يموت وارثه قبل أن تقسم تركة الميت الأول، وهكذا. (٤) بمعنى: النقل من موضع إلى آخر، تقول: نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه إلى موضع آخر من كتاب ونحوه حاكياً للفظه، ومنه قوله - تعالى -:" إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ". [الجاثية: ٢٩] . الثانية: أجمعت الأمة من السلف والخلف على جواز النسخ ووقوعه في القرآن الكريم بدليل قوله - تعالى -:" ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير " [البقرة: ١٠٦] ، وقوله:" يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب " [الرعد: ٣٩] ، وقوله: " وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعقلون " [النحل: ١٠١] . فهذه الآيات نصت على أن الله إذا أراد نسخ حكم أو تأجيله أتى بحكم مثله أو أفضل منه؛ لأن علمه محيط بكل شيء في هذا الكون، ومسطور عنده في اللوح المحفوظ، ويمحو الله منه ما يشاء ويثبت ما يشاء ممّا فيه مصلحتهم، وهو العليم في إبداله آية مكان أخرى، وحكماً مكان آخر، وبهذا يتبين أن كل المعاني اللغوية في النسخ متحققة في معناه الشرعي، على أن السلف من الصحابة والتابعين أكثر ما يطلقون لفظ النسخ في القرآن يريدون به التخصيص وهو غير ما يريده أو عرفه به علماء الأصول، حيث هو عندهم: (رفع الحكم السابق بحكم لاحق بدليل شرعي متراخياً عنه) ، فالمعنى عند السلف حين فسروا النسخ بالتخصيص أوسع من تعريف المتأخرين، وقد بالغ بعض المفسرين في تعيين المنسوخ من آيات القرآن حتى عدوا جميع آيات الجهاد في القرآن وقالوا: نسختها آية واحدة هي آية السيف " وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة " [التوبة: ٣٦] ، وقالوا: إن هذه الآية نسخت ما يقرب من (٥٠٠) آية من القرآن، وهذه المبالغة في هذا التوجه إنما هو مسايرة للمفهوم الأول للنسخ، المعروف عند السلف من الصحابة والتابعين كعبد الله بن عباس، وابن عمر، ومجاهد، والحسن البصري، ولو طبق على كل هذا العدد من الآيات التي يقال إنها منسوخة. - الاصطلاح الثاني - اصطلاح المتأخرين من علماء أصول التفسير والفقه لا نحصر هذا إلى عدد رؤوس الأصابع، فمثلاً الإمام محمد بن جرير الطبري شيخ المفسرين يرى أن آيات الجهاد والقتال ليس فيها ناسخ ومنسوخ، بل تحمل آيات القتال والغزو على حال ما إذا كانت الأمة المسلمة قوية، وتحمل آيات الصبر والموادعة والمهادنة على ما إذا كانت الأمة ضعيفة مغلوبة على أمرها، وهذا رأي راشد وسديد، وعليه لا تكون آية السيف ناسخة لذلك العدد الكبير من آيات القتال. وقد تتبع الحافظ بن جرير الطبري الآيات التي يمكن أن يقال إنها منسوخة فوجهها توجيهاً سديداً، وبقي عنده قرابة إحدى عشرة آية فقط هي منسوخة الحكم قطعاً لتغير الحكم اللاحق عن السابق بنص قطعي من القرآن الكريم، أو السنة الصحيحة، وهي معروفة عند أهل الاختصاص في علوم القرآن. وعلم الناسخ والمنسوخ من أهم علوم القرآن، روي عن علي بن أبي طالب أنه سمع واعظاً يعظ الناس، فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ في القرآن؟ قال: لا، فقال له: لقد هلكت وأهلكت. الثالثة: قال بمنع وقوع النسخ في القرآن قديماً اليهود - عليهم لعائن الله - وتبعهم أبو مسلم الأصبهاني المعتزلي (ت ٤٥٩هـ) ، وبعض الكتاب المعاصرين كعبد الكريم الخطيب، وعبد المتعال الجبري، ووجه منع وقوعه في القرآن الكريم عند اليهود أن القول بالنسخ يعني القول بالبداء، وهو: الظهور بعد الخفاء، أما من جاء بعدهم فوجه منعه عندهم لئلا يأتي أحد فيغير حكم الله، ثم يقول: إن هذا كان منسوخاً، ودليل هؤلاء وأولئك في المنع ظاهر قوله - تعالى - في وصف القرآن:" لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد " [فصلت: ٤٢] ، والباطل ضد الحق. ولكن أولئك نسوا أن الله هو منزل القرآن وهو المتكفل بحفظه " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " [الحجر: ٩] . كما نسوا أو تناسوا أن الحافظ لهذا الكتاب من أن يقع فيه باطل أو تحريف، هو الذي أوجد فيه الناسخ والمنسوخ لحكمة يعلمها- سبحانه -. واليهود قد تذرعوا ظاهراً لما منعوا وقوع النسخ في كلام الله - بالبداء، وهو: الظهور بعد الخفاء، وتبعهم الرافضة الغلاة، ويروون عن جعفر الصادق أنه قال:" البداء ديني ودين أبائي "، ومتى كان اليهود يقصدون التنزيه للباري - سبحانه -، وهم الذين وصفوه بأحط الصفات - تعالى - الله عن ذلك علواً كبيراً، وقالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، وقالوا: عزير ابن الله، وقالوا: الملائكة بنات الله.. إلخ. وإنما كان قصد اليهود في مقالتهم تلك لما منعوا وقوع النسخ في كلام الله كتمان الحق، وكراهية أهله، وبغضاً لمحمد ﷺ الذي يعرفونه حق المعرفة " الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ... " [الأعراف:١٥٧] . أما إنكار أبي مسلم الأصبهاني المعتزلي (ومخالفته لجمهور المعتزلة أيضاً) ، وبعض الكتاب المعاصرين إنما كانت مخالفتهم لجهلهم باللغة العربية، وأقوال سلف الأمة، ومحبتهم للتجديد والمخالفة طلباً للشهرة واتباعاً لكل قول مطمور مهجور. الرابعة: سبق أن ذكرت بأن التخصيص (النسخ عند السلف) أعم من النسخ عند المتأخرين؛ لأن التخصيص قد يكون بالتقييد بعد الإطلاق، أو بالتفصيل بعد الإجمال، أو بالوصف، أو الاستثناء.. إلخ، وهذا معلوم في مظانِّه وعند أهله المتخصصين به. ويجب أن يعلم أن النسخ في القرآن لا يقع إلا في خطاب الأمر والنهي، ولا يقع في الأخبار، فلم يقع في قصص الماضين، ولا في أمور الاعتقاد؛ كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ولا في أسماء الله وصفاته، كما لا يقع النسخ في الأمور الكونية كقوله:" الذي خلق سبع سموات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت " [الملك: ٣] . ونحو قوله:" وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون " [يس: ٣٧] . الخامسة: بعض الآيات المنسوخة حكماً عند جمهور الأمة من السلف والخلف: ١) نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة في المسجد الحرام. ٢) عدة المرأة المتوفى عنها زوجها كانت عدتها من أول الأمر سنة كاملة، ثم نسخ ذلك فصارت أربعة أشهر وعشراً. ٣) المصابرة في مقابلة العدو كان في أول الأمر يجب أن يثبت المسلم أمام عشرة من الكفار، ثم نسخ ذلك بأخف منه لما علم الله ضعف المسلمين، فلزم أن يثبت المسلم أمام اثنين من الكفار فقط. ٤) كانت الخمر حلالاً في مثل آية البقرة، ثم نسخ ذلك بآية الخمر في سورة المائدة. ٥) نسخ الصدقة عند إرادة مناجاة الرسول كما في سورة المجادلة. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 1969

الأخذ بالكتاب والسنة دون فهم السلف المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٢٩/١٠/١٤٢٥هـ السؤال قال لي أحد الإخوة: إن علينا فقط الأخذ بالكتاب والسنة دون فهم الصحابة- ﵃ والتابعين؛ فإن فهمهم ملزم لهم ومناسب لعصرهم، أما نحن فنأخذ القرآن والسنة بفهمنا وباعتبار واقعنا، مثلاً مرة قال إن هنالك حديثًا أذن فيه النبي ﷺ لامرأة بأن تؤم أهل بيتها في الصلاة. فقلت له: ماذا قال العلماء في الحديث؟ فقال لي: إنني آخذ النص من القرآن والسنة ولا شأن لي بأقوال العلماء. الجواب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن الواجب على جميع الناس اتباع الكتاب والسنة، والامتثال لأوامرهما، والاجتناب عن نواهيهما، والمسلم متعبد بما جاء فيهما، ولا يُقبل من أي أحدٍ قولٌ يخالف قول الله أو قول رسوله ﷺ مهما بلغ هذا المخالف من العلم والدين؛ لأن الله تعبدنا باتباع شرعه الوارد في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ . هذا هو الحكم العام في تلقي نصوص الشريعة وأدلتها، إلا أنه يجب معرفة أن هذه الطريقة لا تتيسر لكل أحدٍ، وإنما هي طريقة أهل العلم الذين أحاطوا بالأدلة، وتمكنوا من العلوم الشرعية التي تمكنهم من استنباط الأحكام من الأدلة، كما هو مذكور في باب الاجتهاد من كتب أصول الفقه، فإذا كان الإنسان بهذه المنزلة فإن له أن يسلك هذه السبيل في العمل بالأدلة الشرعية. ومن المهم جدًّا لمن أراد النظر في الأدلة من الكتاب والسنة أن يكون مطلعًا على أقوال أهل العلم، لا ليقلدها ويتبعها، ولكن ليعرف آراء العلماء وينظر في أدلة كلٍّ منهم، وليكون مطلعًا على مواطن الخلاف؛ ليأخذ بما يوافق الدليل، ومواطن الإجماع؛ لئلا يخالفها. وثمة أمرٌ مهم، وهو: أن هناك أدلةً لا يجوز العمل بها؛ لأنها قد تكون منسوخة أو مؤوَّلة أو معارضة بما هو أقوى منها، والإنسان الذي لم يطلع على أقوال العلماء لا يدرك هذا الأمر، فقد يقع في الخطأ نتيجة تقصيره في الاطلاع على أقوال أهل العلم في المسألة، ونتيجةً لهذا فإنه قد يعمل بدليل منسوخ، أو يعمل بدليل ويترك ما هو أقوى منه. أما ما يتعلق بفهم الصحابة ﵃، فإن المقرر عند العلماء قديمًا وحديثًا أن لأقوال الصحابة من المنزلة والفضل ما ليس لغيرهم من العلماء على مر العصور، وهذا الأمر هو الذي جعل كثيرًا من أهل العلم يعدون قول الصحابي من الأدلة التي يحتج بها على الأحكام؛ لأنهم عاصروا تنزل الوحي وشاهدوا الوقائع مع النبي ﷺ ، ومن هذا الباب ما ذكره الإمام الشاطبي حيث قرر أن الواجب على الناس عمومًا أن يفهموا نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة مثل ما فهمها الصحابة، ﵃؛ لأنهم هم الذين خوطبوا بهذه الأدلة أولاً، فلابد أن نفهمها كما فهموها؛ لنعمل بها كما عملوا هم بها. وإذا نظرنا إلى واقع الصحابة، ﵃، نجد أنه قد صدر منهم عدد كبير من الأقوال والأحكام والفتاوى والاجتهادات، والمسلم عمومًا مأمور باتباع الصحابة، ﵃، إلا إن ذلك يختلف بحسب اختلاف الأحوال المصاحبة لتلك الأقوال، وقد فُصِّل القول في هذه المسألة في جواب آخر بعنوان: (التوفيق بين اجتهادات الصحابة) ، وخلاصته أن اتباع الصحابة، ﵃، واجب فيما اتفقوا عليه قولاً أو سكوتًا، أما ما اختلفوا فيه فإنه لا يجب اتباع قول معين، وإنما الواجب علينا ألّا نخرج عن مجموع أقوالهم، ولذلك فإنه لا يجوز لنا إحداث قول لم يقل به أحد منهم. وهذا الكلام عام في كل ما نقل عن الصحابة، ﵃، سواءٌ أكان قول الصحابي في مسألة معينة، أو في تفسيرٍ لآيةٍ، أو في شرحٍ لحديث، فأقوالهم متبعة في كل ذلك، ويجب علينا أن نفهم النصوص كما فهمها أولئك القوم المباركون علَّنا أن نلحق بهم، وهذا هو صنيع العلماء على مر العصور، حيث كانوا يستنيرون بأقوال الصحابة، ﵃، واجتهاداتهم، ولا أدل على ذلك من نقلهم لأقوال الصحابة، ﵃، وأفعالهم في كتب الآثار والسنن والمسانيد والتراجم، ومن ذلك ما يتعلق بفهم نصوص الكتاب والسنة، فقد حملت لنا كتب التفاسير والسنن والمصنفات والآثار عددًا كبيرًا من الأقوال الصادرة عن الصحابة، ﵃ فيما يتعلق بتأويل النصوص من الكتاب والسنة وتفسيرها، بل إن كثيرًا من المفسرين اهتموا بأقوال الصحابة؛ حيث إنهم يفسرون القرآن بالقرآن وبالسنة وبأقوال الصحابة، ﵃. والله الموفق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1970

سنة الخلفاء الراشدين المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ١٦/١١/١٤٢٢ السؤال ما المقصود بالحديث " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " هل جميع ما يصدر من الخلفاء الراشدين سنة؟ أم هي مقتصرة على سنة الخلافة والحكم؟ وهل السنة أخذ فعل النبي أم فعل الخليفة بعد وفاة النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام -؟ الجواب الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله الشرفا وعلى أصحابه الوفا، ومن لآثارهم اقتفى، أما بعد: فجواباً على سؤال السائل عن حديث: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " وعن المقصود بسنة الخلفاء وما إلى ذلك، أقول وبالله التوفيق: هذا جزء من حديث صحيح مشهور وهو من أصول الدين العظمى، وهو حديث العرباض بن سارية ﵁ الذي جاء فيه قول النبي ﷺ : " أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " رواه أبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦) وابن ماجة (٤٣) والدارمي (٩٦) وأحمد (١٧١٤٢) واللفظ لأبي داود. والمقصود بالسنة في هذا الحديث: الطريقة المسلوكة، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه ﷺ وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة، وفي الأمر بالتمسك بسنته ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين بعد أن أمر بطاعة ولاة الأمور إشارة إلى أنه لا طاعة لأولي الأمر إلا في طاعة الله، وفيه أيضاً دليل على أن سنة الخلفاء الراشدين متبعة كاتباع سنته ﷺ بخلاف غيرهم من ولاة الأمور الذين إنما يطاعون في الطاعة. وعلى هذا فسنة الخلفاء الراشدين حجة يلزم اتباعها في حالات، منها: الأولى: مع موافقة النص من الكتاب والسنة. الثانية: مع إجماع أربعتهم ﵃ (وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، دون مخالف لهم من الصحابة) الثالثة: إذا اجتهد أحد الخلفاء في مسألة لا نص فيها ولا نعلم له مخالفاً من الصحابة. الرابعة: إذا اجتهد أحد الخلفاء في مسألة لا نص فيها، ولم يخالفه منهم أحد، بل خالفه غيره من الصحابة، فأكثر السلف على تقديم قول أحد الخلفاء على من سواه. وهذه المسألة مسألة كبرى من أصول السنة، وفيها كلام طويل لأهل العلم، والله أعلم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

стр. 1971

صفة السلام على الجماعة المجيب د. سعد بن عبد الله الحميد أستاذ الدراسات العليا بجامعة الملك سعود أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٢٠/٧/١٤٢٤هـ السؤال عندما يدخل أحدهم المجلس والناس جالسون، ويراهم كل أسبوع تقريباً، هل من السنة أن يسلِّم لفظاً وإشارة بدون مصافحة ويجلس حيث انتهى به المجلس (للحديث الوارد) ، أم يصافحهم فرداً فرداً ثم يجلس ويأخذ الفضل الوارد في الحديث "تحاتت ذنوبهما"؟ أرجو التفصيل؛ لأن عندي درساً عن السلام سوف ألقيه على بعض طلبة العلم، وما المراجع التي ترونها مناسبة للبحث في هذه المسألة تفصيلاً؟. الجواب هذه المسألة من المسائل التي طال الخلاف فيها بسب ورود بعض أحاديث النهي عن ذلك، وبعض الأحاديث التي يفهم منها الإباحة، ولم يخرّج صاحبا الصحيح شيئاً من أحاديث النهي، وبوّب البخاري في صحيحه (١١/٤٩) بقوله: "باب قول النبي ﷺ :" قوموا إلى سيدكم"، قال الحافظ ابن حجر:" هذه الترجمة معقودة لحكم قيام القاعد للداخل، ولم يجزم فيها بحكم؛ للاختلاف، بل اقتصر على لفظ الخبر كعادته" أ. هـ. وقد ورد في النهي حديث معاوية ﵁، يرويه عنه أبو مجلز حميد بن لاحق قال: خرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر، فقام ابن عامر، وجلس ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر: اجلس فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أحب أن يمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار"، أخرجه أبو داود (٥٢٢٩) ، والترمذي (٢٧٥٥) ، وقال: "هذا حديث حسن"، وصححه الشيخ الألباني. وأخرج الترمذي (٢٧٥٤) من طريق عفان، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس ﵁ قال: "لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، قال: وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك". قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه". كما ورد في الإباحة قوله ﷺ للأنصار: "قوموا إلى سيدكم" يعني: سعد بن معاذ ﵁، أخرجه البخاري (٣٠٤٣) ، ومسلم (١٧٦٨) . وفي حديث قصة توبة كعب بن مالك وصاحبيه ﵃، وهي مخرجة في الصحيحين البخاري (٤٤١٨) ، ومسلم (٢٧٦٩) ، وجاء في رواية مسلم لها قول كعب: "فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره". وهناك أحاديث أخرى استدل بها من يرى الجواز غير هذه تجدها في كتاب النووي (الترخيص في القيام) ، وفي (تفسير القرطبي ٩/٢٦٥، و١٩/٢٥٦) ، و (تفسير ابن كثير ٤/٣٢٦) ، ومن أحسن ما يمكنك الرجوع إليه كلام الحافظ ابن حجر في (فتح الباري ١١/٤٩-٥٤) ، فإنه أطال جداً في هذه المسألة، ونقل عن ابن رشد أن القيام يقع على أربعة أوجه: الأول: محظور، وهو أن يقع لمن يريد أن يقام له تكبُّراً وتعاظماً على القائمين عليه. الثاني: مكروه، وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين، ولكن يخشى أن يدخل نفسه بسبب ذلك ما يحذر، ولما فيه من التشبه بالجبابرة. الثالث: جائز، وهو أن يقع على سبيل البر والإكرام لمن لا يريد ذلك، ويؤمن معه التشبه بالجبابرة. الرابع: مندوب، وهو أن يقوم لمن قدم من سفر فرحاً بقدومه ليسلِّم عليه، أو إلى من تجددت له نعمة فيهنِّئه بحصولها، أو مصيبة فيعزيه بسببها أ. هـ. ولعل من أقوى ما يستدل به مما يؤيد أحاديث النهي: ما أخرجه مسلم في صحيحه (٤١٣) من حديث جابر ﵁ في قصة مرضه ﷺ ، وصلاته وهو قاعد، والصحابة ﵃ قيام، فلما سلّم قال: "إن كدتم آنفاً لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا". وهو أيضاً مما يؤيد قول من جعل القيام المحرّم ما أشبه قيام الأعاجم، والقيام للسلام على الداخل لا يشبه ذلك القيام. وبكل حال: فلعل من أحسن ما يخرج من الخلاف، ولا يوقع شيئاً في نفس الداخل: إلقاء السلام على الجالسين، والجلوس حيث انتهى به المجلس، أو في فرجة يجدها، دون القيام على مصافحة الحضور، مما يضطرهم للقيام له ولغيره، فيلحق من المشقة ما لا يخفى، وبالأخص إذا تقاربت مدة دخولهم، وإن جلسوا أو بعضهم ربما أوقع ذلك في النفوس شيئاً من الدغل، والله أعلم.

стр. 1972

استخدام الواقي هل يدرأ حد الزنى المجيب هاني بن عبد الله الجبير قاضي بمحكمة مكة المكرمة أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٢٥/٧/١٤٢٣هـ السؤال هذا سؤال وسوس لي به أحدهم، وقد احترت فيه: ما هو ضابط الزنا الذي فيه الحد، هل هو الإيلاج أم اللمس، بمعنى هل إذا زنى أحدهم مستعملا عازلا طبيا يكون زناه غير موجب للحد؟ بما أن عضوه لم يلمس المرأة حقيقة، أم أنه يستوجب الحد بما أنه أدخل عضوه؟ هب أني أناقش فقيها أصوليا، كيف أقنعه بالجواب مدعوما بالدليل النقلي الصحيح؟ وقد عثرت على فتوى للشيخ ابن عثيمين ﵀ في كتاب " لقاءات الباب المفتوح " يسأل فيها عن وجوب الغسل لمن جامع بالعازل الطبي ولم ينزل، فأجاب " أن الأحوط أن يغتسل، وأن بعض العلماء قالوا إنه لا غسل عليه، لأن الختانين لم يلتقيا ". فلست أدري إن كان هذا يجيب عن هذا! الجواب الحمد لله وحده وبعد: فقد اتفق أهل العلم على أن الزنى يحصل بإيلاج الذكر في الفرج ولو لم يمس الذكر جدار الفرج، ولو كان هناك حائل بين الذكر والفرج، ما دام الحائل لا يمنع اللذة والإحساس. وهذا بحمد الله لا إشكال فيه ومما يمكن الاستدلال به حديث عائشة مرفوعاً (إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل) رواه أحمد (٢٢٠٤٦) والترمذي (١٠٨) وصححه الألباني (إرواء الغليل ١/١٢١) ، فجعل مجرد مجاوزة الختان موجباً للغسل، وفي حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال لمن أقر بالزنا: "دخل ذلك منك في ذلك منها"؟ قال نعم، قال "كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر"؟ قال: نعم صحيح البخاري (٦٨٢٤) وله روايات فسؤاله عن ذلك دليل على اعتباره مناطاً لإقامة حد الزنا وذلك هو الإيلاج في الفرج. ثم بالنظر المجرد أن العازل المعروف لا يمنع لذة ولا إحساساً فلا فرق بينه وبين الاتصال بدونه، والشرع لا يفرق بين المتماثلات. أما الغسل فالخلاف في العازل الذي يمنع اللذة والإحساس بحرارة الفرج، فهذا عند جملة من أهل العلم لا يوجب الغسل، وهذا مراد الشيخ محمد ﵀ بفتواه، وأما العازل المعروف فلا يمنع شيئاً من ذلك. وأنصح السائل أن لا يشرب قلبه شبهة، وأن يحرص على طلب العلم والتزود منه. وفقه الله وزاده من فضله.

стр. 1973

مضاعفة الذنب في زمان أو مكان المجيب عبد الرحمن بن ناصر البراك عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٩/١/١٤٢٤هـ السؤال هل الذنب يتضاعف في مكان أو زمان معين؟ الجواب قال الله تعالى: "مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ" [الأنعام:١٦٠] ، وقال : "إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا" [النساء: ٤٠] ، فجزاء الله تعالى على الحسنات يقوم على الفضل، وجزاؤه على السيئات يقوم على العدل، فيجزئ على الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ويجزئ على السيئة سيئة مثلها أو يعفو، وبهذا يعلم أن الذنب لا يضاعف أبداً لا في زمان ولا في مكان، بمعنى أنه يجزى على السيئة سيئتين أو ثلاث أو أكثر، لكن السيئة في المكان الفاضل كالحرم، والزمان كرمضان والأشهر الحرم أعظم من السيئة في سائر الزمان أو سائر الأمكنة. وليست هذه مضاعفة للسيئات ولكن تغليظ وتعظيم لها، وكلما قويت الأسباب الموجبة لتغليظ التحريم كان التحريم أعظم كما أن الذنب من العارف بدين الله وبما حرم الله أعظم من الذنب الذي يقع من الجاهل. والله - تعالى أعلم-.

стр. 1974

الفرق بين حجاب الحرة والأمة المجيب سامي بن عبد العزيز الماجد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٠١/٠٧/١٤٢٥هـ السؤال ما العلة في تخصيص الأمة بعدم ارتداء الحجاب؟ الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فالأصل أن الحجاب للحرائر، أما الإماء فالأصل أنه لا يجب عليها تغطية وجهها ولا رأسها، والحكمة في هذا التخفيف عن الإماء هو ـ والله أعلم ـ لأجل ابتذالهن بالبيع والشراء، واستخدامِهن في المهنة، وهي محتاجة في مثل هذا إلى أن تكشف عن وجهها ورأسها وكفيها. ولذا فرق بعض أهل العلم ـ كما في الإنصاف ١/٤٥٠ ـ بين الأمة البَرْزَة (وهي التي تبرز كثيراً كالرجل، وبين الأمة الخَفْرَة (وهي التي لا تظهر غالباً، وإنما تكون في البيت) . ولذا فرَّق ابن القيم بين إماء الاستخدام والابتذال، وبين إماء التسري اللاتي جرت العادة بصونهن وحجبهن، فقال ﵀ إعلام الموقعين ٢/٤٦ ـ: "وأما تحريم النظر إلى العجوز الحرة الشوهاء القبيحة، وإباحته إلى الأمة البارعة الجمال فكذب على الشارع, فأين حرم الله هذا وأباح هذا؟ والله سبحانه إنما قال: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ لم يطلق الله ورسوله للأعين النظر إلى الإماء البارعات الجمال, وإذا خشي الفتنة بالنظر إلى الأمة حرم عليه بلا ريب, وإنما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب, وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك, لكن هذا في إماء الاستخدام والابتذال , وأما إماء التسري اللاتي جرت العادة بصونهن وحجبهن. فأين أباح الله ورسوله لهن أن يكشفن وجوههن في الأسواق والطرقات ومجامع الناس وأذن للرجال في التمتع بالنظر إليهن؟ فهذا غلط محض على الشريعة " ا. هـ كلامه ﵀. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (مجموع الفتاوى ١٥/٣٧٢) : "ثبت في الصحيح: ﴿أن النبي ﷺ لما دخل بصفية قال أصحابه: إن أرخى عليها الحجاب فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم يضرب عليها الحجاب فهي مما ملكت يمينه، فضرب عليها الحجاب﴾ وإنما ضرب الحجاب على النساء لئلا ترى وجوههن وأيديهن. والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء، كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي ﷺ وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز، وكان عمر ﵁ إذا رأى أمة مختمرة ضربها، وقال: أتتشبهين بالحرائر أي لكاع. فيظهر من الأمة رأسها ويداها ووجهها". ثم قال ﵀: "وكذلك الأمة إذا كان يخاف بها الفتنة كان عليها أن ترخي من جلبابها وتحتجب، ووجب غض البصر عنها ومنها. وليس في الكتاب والسنة إباحة النظر إلى عامة الإماء ولا ترك احتجابهن وإبداء زينتهن، ولكن القرآن لم يأمرهن بما أمر الحرائر، والسنة فرقت بالفعل بينهن وبين الحرائر، ولم تفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام، بل كانت عادة المؤمنين أن تحتجب منهم الحرائر دون الإماء، واستثنى القرآن من النساء الحرائر القواعد فلم يجعل عليهن احتجاباً، واستثنى بعض الرجال وهم غير أولي الإربة، فلم يمنع من إبداء الزينة الخفية لهم لعدم الشهوة في هؤلاء وهؤلاء، فأن يستثنى بعض الإماء أولى وأحرى، وهن من كانت الشهوة والفتنة حاصلة بترك احتجابها وإبداء زينتها. وكما أن المحارم أبناء أزواجهن ونحوه ممن فيه شهوة وشغف لم يجز إبداء الزينة الخفية له، فالخطاب خرج عاماً على العادة، فما خرج عن العادة خرج به عن نظائره، فإذا كان في ظهور الأمة والنظر إليها فتنةٌ وجب المنع من ذلك، كما لو كانت في غير ذلك. وهكذا الرجل مع الرجال والمرأة مع النساء: لو كان في المرأة فتنة للنساء وفي الرجل فتنة للرجال، لكان الأمر بالغض للناظر من بصره متوجهاً كما يتوجه إليه الأمر بحفظ فرجه. فالإماء والصبيان إذا كن حسانا تختشى الفتنة بالنظر إليهم كان حكمهم كذلك كما ذكر ذلك العلماء" انتهى كلامه ﵀. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1975

التدرج في التقوى المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٩/١/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم. شيخي الفاضل: لقد قرأت مرة في كتاب الإسلام ما هو للأستاذ: مصطفى محمود، عن تدرج أحكام الشرع كما في حالة تحريم الخمر وكيف أنها بدأت بالنهي عنها، حين الصلاة ثم تحريمها، وتحدث عن التدرج في التقوى، وقال إنه نزل قوله: "فاتقوا الله ما استطعتم"، وبعدها نزلت "اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون"، وبعدها سمعت من أحدهم في أحد المحاضرات وكان الموضوع عن التقوى أنه نزلت (اتقوا الله حق تقاته) هي الأولى، فكانت صعبة على المسلمين فخففها الله وقال: (اتقوا الله ما استطعتم) رأفة ورحمة من الله فأي الرأيين أصح؟ وبارك الله فيكم. الجواب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فقد أنزل الله قوله في سورة آل عمران: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون" [آل عمران: ١٠٢] ، ومعنى: "حق تقاته" كما رواه الحاكم (٣٢١٣) عن ابن مسعود ﵁ "أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر" وقال ابن عباس ﵁: "ألا يعصى طرفة عين" ولأن هذا الأمر لا يطيقه البشر ولا يستطيعون إليه سبيلاً خفف الله عن المسلمين فأنزل قوله تعالى: "فاتقوا الله ما استطعتم" [التغابن: ١٦] ، وبهذا يتبين أن الصحيح في نزول هاتين الآيتين: أن آية آل عمران: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون" أنزلت قبل آية التغابن" فاتقوا الله ما استطتعم" وقد صرح بهذا الأمر أكثر المفسرين، ومما يدل على ذلك ما نقله القرطبي (الجامع لأحكام القرآن: ٤/١٠١-١٠٢) ، عن المفسرين أنهم قالوا: (إنه لما نزلت هذه الآية - يعنون آية آل عمران- قال الصحابة ﵃ يا رسول الله من يقوى على هذا؟ وشق عليهم، فأنزل الله : "فاتقوا الله ما استطعتم" وكذلك ما رواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه قال: "لما نزلت يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون" اشتد على القوم العمل فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم، فأنزل الله تخفيفاً على المسلمين: "فاتقوا الله ما استطعتم" اهـ، نقل هذا الأثر السيوطي في أسباب النزول (٣٨٧) ، ولكن وقع خلاف بين المفسرين في أمر آخر، وهو: هل آية آل عمران منسوخة أو محكمة؟ حيث اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين هما: القول الأول: إنها منسوخة، ونقل المفسرون عن مقاتل أنه قال: ليس في آل عمران من المنسوخ شيء إلا هذه الآية. القول الثاني: إنها غير منسوخة، ويكون قوله تعالى: "فاتقوا الله ما استطعتم" بياناً لآية آل عمران، والمعنى: فاتقوا الله حق تقاته ما استطعتم، قال القرطبي وهذا أصوب، لأن النسخ إنما يكون عند تعذر الجمع، والجمع ممكن فهو أولى، وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قوله "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون" لم تنسخ، ولكن حق تقاته، أن يجاهد في سبيل الله حق جهاده، ولا تأخذكم في الله لومة لائم وتقوموا بالقسط، ولو على أنفسكم وأبنائكم. اهـ. والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1976

الحكمة من قضاء الحائض الصيام دون الصلاة المجيب البندري بنت عبد العزيز العمر عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٢٨/١٢/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سؤالي: ما الحكمة من أن المرأة لا تقضي ما فاتها من الصلاة بعد الحيض والنفاس وتقضي ما فاتها من الصيام؟ أرجو التوضيح. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الحكمة من ذلك واضحة، وهو رفع الحرج عن الأمة والتيسير عليهم، فرمضان لا يكون في السنة إلا مرة واحدة، وعدد أيام الحيض أو وقوع النفاس فيه قليل، فليس في القضاء مشقة، بخلاف الصلاة، فإن الحيض يتكرر في كل شهر وفي كل يوم خمس صلوات، فحصيلة الأسبوع الواحد فقط ٣٥ صلاة، وفي قضائها حرج على المرأة، فلله الحمد أولاً وآخراً. والله أعلم.

стр. 1977

العقل ونصوص الشريعة المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ١٢/٠٥/١٤٢٥هـ السؤال ما رأيكم فيمن يستخدم العقل في التعامل مع النصوص المترتبة على أحكام شرعية، على اعتبار أنه ليس كل ما نُقل قد وصل صحيحاً، وعملاً بمبدأ أخذ المعقول من المنقول؟ فإذا افترضنا أن هذا الشخص هو من أهل الذكر والعلم، ولكنه حين يقدم اجتهاده على شكل فتوى فإنه يستخدم مفتاحين لفتح خزانة الفتاوى، الأول هو: النص الشرعي، والثاني هو: العقل البشري، ولا يعتقد بإمكان فتح الخزنة إلا بهذين المفتاحين معاً، فما رأيكم في ذلك؟. الجواب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن الأدلة الشرعية لا تنافي ما تقتضيه العقول السليمة، وهذا الأمر مقطوع به، والأدلة عليه كثيرة، ومن أهمها: (١) أن الأدلة الشرعية لو جاءت على خلاف ما تقتضيه العقول لكان التكليف بمقتضاها تكليفاً بما لا يطاق، وذلك من جهة التكليف بتصديق ما لا يصدقه العقل ولا يتصوره، بل يتصور خلافه ويصدقه. (٢) أن مناط التكليف هو العقل، ولذلك رفع التكليف عن فاقد العقل كالمجنون والمعتوه، ونحوهما، ولو جاءت الأدلة الشرعية على خلاف ما تقتضيه العقول لكان لزوم التكليف على العاقل أشد من لزومه على المجنون والمعتوه، لأنه لا عقل لهؤلاء يصدق أو لا يصدق، بخلاف العاقل الذي يأتيه ما لا يمكن تصديقه به. (٣) أنه لو كان كذلك لكان الكفار أول من رد الشريعة به، لأنهم كانوا في غاية الحرص على رد ما جاء به الرسول ﷺ ، فلو كانت على خلاف ما تقتضيه العقول لقالوا: إن هذا لا يعقل، لكنهم لم يقولوا شيئاً من ذلك، فدل على موافقتها للمعقول. وإذا ثبت أن أدلة الشريعة وأحكامها جارية على ما يوافق العقول السليمة، فإنه لا يمكن ولا يتصور أن يقع تعارض أو تناقض بين النقل الصحيح والعقل الصريح، لما سبق ذكره من ملاءمة الشريعة للعقول السليمة، وإذا حصل عند الإنسان تعارض بينهما فإن هذا التعارض إنما هو في نظر الإنسان، وليس في نفس الأمر وحقيقته والمقدم هنا هو النقل، لأن النقل الصحيح لا يعتريه ما يعتري العقل من الأهواء والآفات والأمراض. ولأجل هذا فإن المرجع في استنباط الأحكام وتحرير الفتاوى والبحث في النواحي الشرعية هو النصوص الشرعية الصحيحة، سواء وافق ذلك عقولنا أم خالفها، لأننا في هذا المجال لا نبحث عن حكم عقولنا، وإنما نبحث عن حكم الله ورسوله ﷺ ، وطريق معرفة حكم الله ورسوله ﷺ هو الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة. ومما يؤيد هذا الأمر أن الأحكام الشرعية منها ما هو معقول المعنى وهو الكثير، ومنها ما ليس كذلك، بحيث لا يهتدي العقل إليها، بل يتلقاها المسلم بالقبول من غير أن يكون للعقل مدخل فيها، كأعداد الركعات في الصلوات، وأعداد الحصى في رمي الجمرات، والغسل من بول الجارية، والنضح من بول الغلام، ومسح أعلى الخف، وترك أسفله، وأشباه ذلك مما لا مجال للعقل فيه. ولو جعلنا العقل حاكماً في المسائل الشرعية لما قبلنا هذا النوع من الأحكام؛ لأن العقل لا يهتدي إليها، ولا يفهم مما سبق ذكره أن الإسلام لا يجعل للعقل اعتباراً واهتماما، بل اهتم الإسلام بالعقل وأمر بإعماله في فهم سنن الله في الكون، وفي التدبر في أحكامه وشرائعه وآياته، ولذلك فإن كثيراً من الآيات تختم بما يدل على الاهتمام بالعقل نحو قوله: "أفلا تعقلون" [البقرة: ٤٤] و"أفلا تتفكرون" [الأنعام: ٥٠] ، ونحو ذلك، إلا أن الإسلام جعل للعقل حدوداً لا يتعداها ولا يقصر عنها، وهذه الحدود موضحة في نصوص الكتاب والسنة، والمجال لا يتسع لذكرها. ومما تحسن الإشارة إليه أن أهل العلم بحثوا هذه المسألة وتكلموا عنها في كتبهم المختلفة، ومن أهم هذه المؤلفات وأحسنها: كتاب درء تعارض العقل مع النقل، لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو كتاب نادر وفريد في بابه، ينصح بالاطلاع عليه لمن أراد الاستزادة حول موضوع موافقة المعقول للمنقول. والله الموفق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1978

الزندقة وتتبع الرخص المجيب عمر بن عبد الله المقبل عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٩/٣/١٤٢٤هـ السؤال فضيلة الشيخ.. أرجو أن توضح لنا المقصود بـ "من تتبع الرخص فقد تزندق"، حيث إنني اختلفت أنا وزملائي في الجمع والقصر في القرية التي نسكنها، وهي تبعد عن بلدتنا ١٦٠ كلم، فأخذت برأي الجمع وأنا في تلك القرية، فأجمع الصلوات؛ بل حتى إننا نصلي في البيت إذا كنا جماعة لأننا مسافرون، وهذا أخذاً برأي أحد المشايخ المعروفين عندنا، فقالوا أنت تتبع الرخص، فأرجو منكم إيضاح الحق في هذا؟ وفقكم الله. الجواب أما معنى قولهم: "من تتبع الرخص فقد تزندق"، أي أن من تتبع الأقوال الشاذة والآراء المطروحة من شذوذات بعض أهل العلم، التي لا يكاد يسلم منها أحد من أهل العلم، فإن هذه علامة نفاق (تزندق) ، لأنه حينئذ يكون ممن اتبع هواه، وليس غرضه اتباع الحق من الكتاب والسنة، واعلم يا محب أن كل من لم يتبع الدليل من الكتاب والسنة بعد تبينه له ووضوح الدلالة من النص؛ فهو متبع لهواه ولابد، يقول تعالى: "فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" [القصص:٥٠] ، أما فيما يخص مسألتك، فالذي فهمت من سؤالك أنك مقيم في القرية، وساكن فيها، واتخذت بيتاً أنت وزملاؤك يصلح لمثلكم، فعلى هذا فقد انقطع السفر في حقكم، ولا يجوز لك الترخص برخص السفر، وهذا هو قول أكثر أهل العلم ﵏، وأنت في هذا كأهل القرية الأصليين، لأنك اتخذت سكناً وأثثته بما يناسب حالك، وهذا نوع إقامة بلا شك، ولا يوجد في الشرع إلا مسافر ومن في حكمه أو مقيم، وأنت من المقيمين، أما إن كنت قد ضربت في الأرض وسافرت بسيارتك، فأنت في مسيرك مسافر، تترخص برخص السفر كلها، والله أعلم.

стр. 1979

التكني بأبي القاسم المجيب د. أحمد بن محمد أبا بطين ﵀ عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٢/١/١٤٢٤هـ السؤال هل يجوز أن يُكنى المرء بـ (أبو القاسم) تيمناً وتأسياً واقتداءً بالحبيب ﷺ ؟ وما أفضل ما يكنى به المرء نفسه من الأسماء؟ ولكم جزيل الشكر. الجواب كان النهي عن الكنية بـ (أبو القاسم) في حياة النبي ﷺ على الراجح من أقوال أهل العلم -أما الآن فلا بأس بالإطلاق بكنية (أبو القاسم) ، والله أعلم. أما أفضل ما يُكنى المرء نفسه فهذا يحتاج إلى عدم التكرار في المجتمع الصغير بكنية واحدة. والكنية بـ (أبو عبد الله) أو (أبو عبد الرحمن) مناسبة إذا لم تسبق إليها في مجتمعك الصغير.

стр. 1980

استخدام الميل الفضي المجيب د. عبد الله بن عمر السحيباني عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٩/١/١٤٢٤هـ السؤال هل يجوز استخدام ميل الكحل إذا كان مصنوعاً من فضة لأنه لا يصدأ ولا يؤثر سلباً على العين كما لو كان من معادن أخرى؟ الجواب ذهب عامة الفقهاء إلى تحريم اتخاذ آلة الاكتحال من الفضة أو الذهب، واستدلوا بحديث أم سلمة زوج النبي ﷺ ورضي عنها:"الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" متفق عليه البخاري (٥٦٣٤) ، ومسلم (٢٠٦٥) ، ووجه الدلالة من الحديث: أن منفعة استعمال آلة الاكتحال عائدة إلى البدن، فأشبه الأكل والشرب لاستواء ذلك في الاستعمال، ثم إن كل ما كان خارجاً عن جسد المرأة فلا يباح اتخاذه من أحد النقدين (الذهب والفضة) ، وآلة الاكتحال خارجة عن الجسد.

стр. 1981

الحكمة من تحريم الأغاني والموسيقى المجيب د. طارق بن عبد الرحمن الحواس عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٢٣/٩/١٤٢٤هـ السؤال ما هي الحكمة من تحريم الأغاني أو الموسيقى؟ الجواب الأخت سمية السلام عليكم، وشكرا لمراسلتك لنا على موقع الإسلام اليوم، ثم اعلمي بارك الله فيك انه ليس بالضرورة العلم بحكمة ما يحرم علينا؛ لأن ذلك من باب الاختبار والامتحان، هل نلتزم بما نؤمر به وننهى عنه أم لا؟ وهل نسلم بما يحرم علينا ولو لم نعلم الحكمة أم لا؟ وتأملي معي قول الله : "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً" [النساء: ٦٥] لا حظي ويسلموا تسليما لا بد من التسليم الكامل لله ولرسوله في كل أمر أمرنا به، أو نهي نهينا عنه علمنا فيه الحكمة أو لم نعلم، وكذلك قوله تعالى: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا" [الأحزاب:٣٦ٍ] وتأملي قوله: "يكون لهم الخيرة من أمرهم" وقارنيه بما عليه كثير من الناس من التردد من قبول أمر الله وأمر رسوله؛ لأنهم لم يقتنعوا بالحكم وهنا تكمن الخطورة وأصبحنا نرى أناسا يقترحون على الدين أحكاما ويتساهلون بالتحليل والتحريم بما يوافق هواهم؛ لمجرد انهم لا يجدوا في ذلك الحكم حكمة أو غير مقتنعين بالحكمة التي يمكن أن تظهر منها؛ لذلك عجبت من قول عائشة بنت الصديق ﵄ كما في البخاري (٣٢١) ، ومسلم (٣٣٥) لما سئلت ما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة؟ تأملي معي جوابها: أنها لم تقل الصلاة كثيرة ومتكررة في كل يوم فخفف عن الحائض ذلك واقتصر على قضاء الصيام؛ لأنه شهر واحد في السنة أنها لم تقل من ذلك شيئا لقد قالت: (كنا يصيبنا ذلك على عهد رسول الله فنؤمر بقضاء الصيام دون الصلاة) ما الحكمة إذاً أنه الأمر والامتثال له، هكذا يغلقون أبواب الشيطان على أنفسهم وأبواب التردد في العمل بالحكم بحجة عدم فهم الحكمة؛ لذلك ينبغي يا أختي أن نوطن أنفسنا على العمل بالأحكام الشرعية سواء أدركنا الحكمة أم لم ندرك وإذا كان هناك أمر ذكروه أهل العلم في الحكمة من الأمر أو النهي دون تكلف فهو نور على نور ومما يمكن ذكره هنا من حكمة تحريم الغناء ما يمكن أن يجلبه على النفس من التعلق بغير ذكر الله والصد عن القرآن، وتحديث النفس بما يغنى به من ذكر الحبيب والهيام به؛ ولذلك وجدنا اليوم أن الغناء أصبح حقيقة بريد الزنا بسببه تهيج النفوس للحرام وتبعث الشهوات بتلك الأصوات الداعية للخنا والبعد عن الله، وكم وجدنا من أناس يرددون الأغاني ويخشعون لها اعظم من تردادهم لذكر الله أو خشوعهم بسماع القرآن، بل وجدنا من يعرض عن سماع القرآن؛ لأنه لا يجد فيه لذة ولا متعة بخلاف حاله مع مزمار الشيطان والحال اليوم تشهد بضحايا الأغاني وظهور حكمة التحريم منه اعظم من الحديث حولها والله الموفق وهو الهادي لسواء السبيل والسلام عليكم.

стр. 1982

الاشتغال بالإعجاز العلمي في النصوص الشرعية المجيب د. محمد بن إبراهيم دودح باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ١٧/١/١٤٢٥هـ السؤال هل يوجد دليل على مشروعية الاشتغال بمسألة الإعجاز العلمي في القرآن أو السنة النبوية الصحيحة؟ وهل نجد مثالا في عهد (خير القرون) على ذلك؟ لأن الموضوع بين الذين يؤيدونه بشكل مطلق والذين ينفونه بشكل مطلق أيضا ضاع عليهم الاحتكام إلى الشرع كما أمر بذلك العزيز الحكيم. وجزاكم الله خيرا ً. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: لقد ادخر القرآن الكريم كثيراً من الآيات للأجيال في عبارات معلومة الألفاظ، لكن الكيفيات والحقائق لا تتجلى إلا حيناً بعد حين، يقول -تعالى-: "إن هو إلا ذكر للعالمين ولتعلمن نبأه بعد حين" [ص:٨٧ - ٨٨] ، وقد فسر الطبري معنى الحين بقوله: (فلا قول فيه أصح من أن يطلق كما أطلقه الله من غير حصر ذلك على وقت دون وقت) انظر تفسير الطبري (٢٣/٢١) ، فلكل نبأ في القرآن زمن يتحقق فيه، فإذا تجلى الحديث ماثلاً للعيان أشرقت المعاني وتطابقت دلالات الألفاظ والتراكيب مع الحقائق، وهكذا تتجدد معجزة القرآن على طول الزمان، يقول العلي القدير: "وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبأٍ مستقر وسوف تعلمون" [الأنعام: ٦٦-٦٧] ، ونقل ابن كثير عن ابن عباس ﵄ تفسيره للمستقر بقوله: "لكل نبأ حقيقة أي لكل خبر وقوع ولو بعد حين"، وقد تردد هذا الوعد كثيراً في القرآن الكريم بأساليب متعددة كما في قوله -تعالى-: "ثم إن علينا بيانه" [القيامة: ١٩] ، وقوله: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" [فصلت: ٥٣] وقوله: "وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها" [النمل: ٩٣] ، قال ابن حجر: (ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة وخرقه للعادة في أسلوبه وفي بلاغته وإخباره بالمغيبات فلا يمر عصر من العصور إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه) فتح الباري (٩/٧) ، قال محمد رشيد رضا: (ومن دلائل إعجاز القرآن أنه يبين الحقائق التي لم يكن يعرفها أحد من المخاطبين بها في زمن تنزيله بعبارة لا يتحيرون في فهمها والاستفادة منها مجملة وإن كان فهم ما وراءها من التفصيل الذي يعلمه ولا يعلمونه يتوقف على ترقي البشر في العلوم والفنون الخاصة بذلك) ، وقال جوهري: (أما قولك كيف عميت هذه الحقائق على كثير من أسلافنا؟، فاعلم أن الله هو الذي قال: "سأريكم آياتي فلا تستعجلون" [الأنبياء: ٣٧] ، وقال: "وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها" [النمل: ٩٣] ، إن الله لا يخلق الأمور إلا في أوقاتها المناسبة وهذا الزمان هو أنسب الأزمنة، والمدار على الفهم، والفهم في كل زمان بحسبه، وهذا زمان انكشاف بعض الحقائق) تفسير الجواهر (٨/٣٠-١٠/٦٥) ، وفي قوله -تعالى-: "سأريكم آياتي فلا تستعجلون" [الأنبياء: ٣٧] ، قال ابن عاشور: (وعد بأنهم سيرون آيات الله في نصر الدين) وهي كما قال الرازي: (أدلة التوحيد وصدق الرسول ﷺ ولذلك قال سبحانه: "فلا تستعجلون"، أي أنها ستأتي لا محالة في وقتها، واستعجال المنكرين يعني كما قال جوهري: (استبعاد ما جاء في هذه الآيات من الأمور العلمية التي أوضحها علماء العصر الحاضر، فهم يستبعدونها طبعاً لأنهم لا يعقلونها فقال الله تعالى لا تستبعدوا أيها الناس: "سأريكم آياتي فلا تستعجلون" [الأنبياء: ٣٧] ، فإذا لم تفهمها أمم سابقة، سيعرفها من بعدهم، فقد ادخرنا هذه الأمور لأمم ستأتي؛ لتكون لهم آية علمية على صدقك فتكون الآيات دائماً متجددة، قال الرافعي: (والكلام في وجوه إعجاز القرآن واجب شرعاً وهو من فروض الكفاية، وقد تكلم فيه المفسرون والمتكلمون، فإن كان ذلك قد وفى حاجة تلك الأزمنة، فهو لا يفي بحاجة هذا الزمان إذ هي داعية إلى قول أجمع وبيان أوسع، وبرهان أنصع في أسلوب أجذب للقلب وأخلب للب، وأصغى للأسماع، وأدنى إلى الإقناع) (إعجاز القرآن ص٢٠) .

стр. 1983

تأويل حديث: (القاتل والمقتول في النار) المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٢٧/٠٤/١٤٢٥هـ السؤال الجمع بين حديث: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" وبين الآية: "وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما.." وجزاكم الله خيراً. الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ . وبعد: الحديث المذكور في السؤال أخرجه البخاري ح (٣١) ، ومسلم ح (٢٨٨٨) ، من حديث أبي بكرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، فقلت: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه، وليس هناك تعارض بين الآية وهي قوله : "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [الحجرات:٩] ، وبين الحديث؛ بل يؤخذ من الآية دلالة على أن ما يحصل بين المؤمنين من قتال: فإنه لا يخرجهم عن الإيمان، فقد سماهم الله مؤمنين مع الاقتتال، وقال بعد ذلك: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" [الحجرات:١٠] ، وأخرج البخاري ح (٢٧٠٤) من حديث الحسن عن أبي بكرة ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ خطب يوماً ومعه على المنبر الحسن بن علي ﵄ فجعل ينظر إليه مرة وإلى الناس أخرى، ويقول: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"، فكان كما أخبر عليه الصلاة، والسلام أصلح الله به بين أهل الشام والعراق بعد الحروب التي وقعت بينهم، وعلى هذا فمرتكب الكبيرة من قتل - وهذا إذا كانت المقاتلة بغير تأويل سائغ- وزنى وشرب خمر هو تحت المشيئة، ولا يخرج عن الملة، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة خلافاً للخوارج والمعتزلة، كما قال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ" [النساء: من الآية٤٨] ، وقد بوب البخاري في كتاب الإيمان بقوله: باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها إلا بالشرك، ثم بوب أيضاً بقوله: "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا" [الحجرات: من الآية٩] ، قال البخاري: فسماهم المؤمنين، وذكر حديث أبي بكرة: "إذا التقى المسلمان...." الحديث قال ابن بطال: (غرض البخاري الرد على من يكفر بالذنوب كالخوارج ويقول إن من مات على ذلك يخلد في النار، والآية ترد عليهم، لأن المراد بقوله: "ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" [النساء: ٤٨] ، من مات على كل ذنب سوى الشرك) ، قال الحافظ ابن حجر: (واستدل المؤلف يعني البخاري أيضاً على أن المؤمن إذا ارتكب معصية لا يكفر بأن الله تعالى أبقى عليه اسم المؤمن فقال: "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا" [الحجرات: ٩] ، ثم قال: "إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم" [الحجرات: ١٠] ، واستدل أيضاً بقوله ﷺ "إذا التقى المسلمان بسيفيهما" (سبق تخريجه) فسماهما مسلمين مع التوعد بالنار) ، والمراد هنا إذا كانت المقاتلة بغير تأويل سائغ. والحاصل أن ما جاء في هذا الحديث من توعد الملتقيين بسيفيهما بالنار، هذا الوعيد تحت مشيئة الله إن شاء عذبهما وإن شاء غفر لهما؛ لعموم قوله: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" [النساء: ٤٨] . لكن لا يخلدان في النار، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة في حكم مرتكب الكبيرة إذا مات من غير توبة؛ لأن التوبة تجب ما قبلها هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 1984

هل يقع التعارض بين نصوص الكتاب والسنة ؟ المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٧/١٠/١٤٢٤هـ السؤال السلام عليكم. هل يمكن أن يعارض حديث صحيح القرآن الكريم؟ هل يمكن أن ينسخ حديث صحيح حكماً من أحكام القرآن، أو يضيف حكماً إضافياً لحكم ثابت بالقرآن؟ أرجو التوضيح بأمثلة على كل مسألة، وجزاكم الله خيراً. الجواب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: أولاً: يقول الله :"ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً" [النساء: ٨٢] ، وانطلاقاً من هذه الآية الكريمة ومثيلاتها فإن النصوص الشرعية-من الكتاب والسنة- يصدق بعضها بعضاً، ويؤكد بعضها ما يدل عليه البعض الآخر. ونتيجةً لهذا الترابط بين الأدلة الشرعية فإنه لا يمكن ولا يتصور أن يقع تعارض حقيقي بين دلالات النصوص الشرعية، بحيث يدل بعضها على حكم وبعضها الآخر على حكم مخالف للحكم الأول، بحيث لا يمكن الجمع بينهما. وقد يقول قائل: كيف يقرر هذا الأمر ونحن نجد كثيراً من الأدلة الشرعية حكم العلماء بوقوع التعارض بينها، ومصداقاً لذلك فإنهم وضعوا القواعد والضوابط التي يجب أن يراعيها الإنسان عندما يعرض له دليلان متعارضان كل منهما يدل على خلاف ما يدل عليه الآخر؟ وهذا يدل على وقوع التعارض بين الأدلة الشرعية. فيقال: إن التعارض بين الأدلة الشرعية ليس واقعاً في نفس الأمر وحقيقته؛ لأن الأدلة الشرعية منزَّهة عن الاضطراب والخلل؛ لأنها منزلة من أحكم الحاكمين الذي خلق فأحسن ما خلق وشرع فأحكم ما شرع، وإنما هو في نظر الإنسان فقط، نتيجةً لقصور فهمه، ويؤيد هذا أنه قد يتعارض عند إنسان أدلةٌ لا تتعارض عند غيره، مما يدل على أن هذا التعارض ليس في حقيقة الأمر. ومن خلال ما سبق يتبين أنه لا يمكن أن يتعارض دليلان صحيحان أبداً سواءٌ أكانا من الكتاب أو من السنة أو منهما، ولكن إذا عرض للإنسان دليلان يظهر أنهما متعارضان، فإن الواجب عليه أن يسلك طرق دفع التعارض ورفعه التي قررها أهل العلم، وهي: (١) الجمع بينهما، وهو أول الطرق وأولاها؛ لأن الجمع بين الدليلين فيه عمل بكلا الدليلين، وهو المتعين عند القدرة عليه، قال الخطيب البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه (المجلد الثاني ٢٢٢-٢٢٣) : (ما من نصين صحيحين متخالفين إلا ويمكن الجمع بينهما) . ويمكن التمثيل لهذا الطريق بالتعارض الذي يظهر بادئ الأمر بين قوله تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" [المائدة: ٣٨] . وقوله ﵊:"لا تقطع اليد إلا في ربع دينارٍ فما فوقه" أخرجه البخاري (٦٧٩٠) ، ومسلم (١٦٨٤) من حديث عائشة ﵂ ووجه التعارض هنا: أن الآية تفيد قطع يد كل سارق سواءٌ أسرق كثيراً من المال أو قليلاً، والحديث يفيد أن القطع لا يكون إلا لمن سرق ربع دينارٍ فصاعداً، ولكن هذا النوع من التعارض ليس حقيقياً، ولذلك فإنه يدفع بوجهٍ من وجوه الجمع، وهو حمل العام على الخاص، حيث نخصص عموم الآية بالحديث فنقطع يد كل من سرق ربع دينارٍ فصاعداً ولا نقطع يد من سرق أقل من ذلك، وفي هذا الجمع عمل بكلا الدليلين. فإن تعذر الجمع بين الدليلين المتعارضين بأي وجهٍ من وجوه الجمع انتقلنا إلى الطريق الثاني، وهو: (٢) النسخ، فنحكم بأن أحد الدليلين المتعارضين ناسخٌ لحكم الدليل الآخر، فنعمل بالدليل الناسخ ونترك الدليل المنسوخ، ولكن هذا الطريق مشروط بمعرفة تاريخ كلٍ من النصين؛ لأن النسخ عبارة عن رفع حكم الدليل الأول بالدليل الثاني المتأخر عنه، وإذا جهلنا التاريخ لم نعرف المتقدم من المتأخر، فلا نستطيع معرفة الناسخ من المنسوخ. ويمكن التمثيل لهذا الطريق بقوله تعالى:"واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهم أربعةً منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً " فإن هذه الآية دالة على أن المرأة إذا اقترفت الفاحشة وثبتت عليها فإنها تمسك في البيوت حتى يتوفاها الموت أو يجعل الله لها سبيلاً، إلا أن هذه الآية منسوخة بقول النبي ﷺ :" خذوا عني، خذوا عني، خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة أو الرجم ". (رواه مسلم، كتاب: الحدود، باب: حد الزنى، رقم الحديث: ٤٤١٤) ، وكذلك آية الوصية للوالدين والأقربين، وهي قوله تعالى:" كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين" نُسخت بقوله ﷺ :" إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" (رواه أبو داود، كتاب: الوصايا، باب: ما جاء في الوصية للوارث، رقم الحديث: (٢٨٧٠) ، والترمذي، كتاب: الوصايا، باب: ما جاء لا وصية لوارث، رقم الحديث: (٢١٢٠) ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح) فإن تعذَّر معرفة الناسخ من المنسوخ من الدليلين المتعارضين فإنا ننتقل إلى الطريق الثالث، وهو: ٣- الترجيح، فإذا تعارض عند الإنسان دليلان ولم يستطع الجمع بينهما، وتعذَّر عليه معرفة الناسخ من المنسوخ، فإن عليه حينئذٍ المصير إلى الترجيح بينهما، فينظر في الدليلين المتعارضين ويعمل بوجوه الترجيح التي ذكرها أهل العلم، فما ترجح منهما وجب أخذه والعمل به؛ لأن العمل بالراجح متعين، ومن نظر في أحوال الصحابة ﵃ والتابعين ومن بعدهم وجدهم متفقين على العمل بالراجح وترك المرجوح. فإن تعذر عليه معرفة الراجح من المرجوح، فإن العلماء قد اختلفوا فيما يجب عليه، والذي يظهر من أقوالهم أن الدليلين يتساقطان ويطلب الحكم من غيرهما. وهذا الكلام المذكور يسري في جميع الأدلة التي يظهر منها التعارض، سواءٌ أكان الدليلان المتعارضان من الكتاب أو من السنة أو أحدهما من الكتاب والآخر من السنة. ما سبق ذكره هو الواجب عندما يعرض للإنسان دليلان يظهر منهما التعارض، وقد ذكرت هذه الطرق على سبيل الإيجاز والاختصار، وإلا فلأهل العلم فيها كلام طويل لا يناسب المقام ذكره، ومن أراده فعليه بالرجوع إلى مباحث التعارض والترجيح المذكورة في كتب أهل العلم خصوصاً ما كتبوه في مؤلفاتهم في أصول الفقه. ثانياً: ذهب كثير من أهل العلم إلى جواز أن تكون السنة ناسخة للقرآن الكريم، سواء أكانت السنة متواترةً أو آحاداً، واستدلوا بأدلة عديدة، أهمها وأولاها: الوقوع، وهو أقوى أدلة الجواز عموماً. ومن أمثلة نسخ السنة المتواترة للقرآن الكريم ما تقدم ذكره، وهو نسخ عقوبة الزنا الواردة في القرآن الكريم بقوله ﵊:"خذوا عني ......وكذلك نسخ الوصية للوالدين والأقربين الواردة في القرآن الكريم بقوله ﵊:" لا وصية لوارث". ومن أمثلة نسخ السنة الآحادية للقرآن الكريم: قوله تعالى:" قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة" الآية، فإنها منسوخة بأن النبي ﵊:" نهى عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير " (رواه مسلم، كتاب: الصيد والذبائح، باب: تحريم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، رقم الحديث: ٤٩٩٤) ، وهو خبر آحاد. ثالثاً: أما ما سألت عنه من جواز أن تضيف السنة حكما إضافيا لحكم ثابت بالقرآن؟ فهذه المسألة تكلم عنها أهل العلم في المباحث المتعلقة بالسنة وبحثوها تحت عنوان: استقلال السنة بالتشريع، أي: هل يجوز أن تثبت السنة أحكاماً غير ثابتة في القرآن؟ وهذه المسألة وقع فيها خلاف بين أهل العلم، حيث أجازه قوم ومنعه آخرون، والراجح - والله أعلم - هو الجواز، ويدل للجواز أدلة عديدة قوية، ومن أهمها: ١- عموم عصمة النبي ﷺ عن الخطأ في التبليغ لكل ما جاء به عن الله تعالى، ومن ذلك ما روته السنة وسكت عنه الكتاب. ٢- عموم آيات الكتاب الدالة على حجية السنة، فهي دالةٌ على حجيتها: سواءٌ أكانت مؤكدةً لما في الكتاب، أم مبينةً له، أم مستقلة. ٣- الوقوع، فقد ثبتت أحكام كثيرة لم يكن لها ذكر في القرآن، وإنما كان مستندها السنة المستقلة عن القرآن، وأجمع المسلمون على مشروعيتها، ولو لم يكن هذا النوع من السنة محتجاً به لما ثبتت هذه الأحكام، ولما أجمع المسلمون عليها، ومن هذه الأحكام: أ - ميراث الجدة، فقد ثبت أن النبي ﷺ أعطى الجدة السدس (رواه أبو داود، كتاب: الفرائض، باب: في الجدة، رقم الحديث:٢٨٩٤، والترمذي، كتاب: الفرائض، باب: ما جاء في ميراث الجدة، رقم الحديث: ٢١٠٠، وقال ابن قدامة في المغني (٩/٥٤) :قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح) . ب - مشروعية الشفعة، فقد ثبت أن النبي ﷺ قضى بالشفعة فيما لم يقسم (متفق عليه، رواه البخاري، كتاب: الشفعة، باب: الشفعة فيما لم يقسم، رقم الحديث: (٢٢٥٧) ، ومسلم، كتاب: المساقاة والمزارعة، باب: الشفعة، رقم الحديث: (٤١٢٨) . ج - تحريم الجمع بين المرأة وعمتها في النكاح، فقد ثبت نهي النبي ﷺ عنه (متفق عليه، رواه البخاري، كتاب: النكاح، باب: لا تنكح المرأة على عمتها، رقم الحديث: (٥١١٠) ، ومسلم، كتاب: النكاح، باب: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، رقم الحديث: (٣٤٤٣) . د - تحريم لحوم الحمر الأهلية، فقد ثبت نهي النبي ﷺ عن أكلها (متفق عليه، رواه البخاري، كتاب: الذبائح والصيد، باب: لحوم الحمر الإنسية، رقم الحديث: (٥٥٢١) ، ومسلم، كتاب: الصيد والذبائح، باب: تحريم أكل لحم الحمر الإنسية، رقم الحديث: (٥٠٠٩) . وغير ذلك من الأحكام التي ثبتت، وعمل بها المسلمون قديماً وحديثاً، وكان مستندهم في ذلك سنة النبي ﷺ من غير أن يكون لها ذكر في القرآن الكريم. ومن أراد الاستزادة حول موضوع استقلال السنة بالتشريع فعليه بكتاب: حجية السنة، للدكتور عبد الغني عبد الخالق ﵀ فقد جمع في كتابه هذا كلام أهل العلم في المسألة ووجهه بطريقة علمية متميزة. والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1985

دلالة الاقتضاء والإيماء المجيب عبد الله بن سعد الكليب عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٩/٢/١٤٢٥هـ السؤال فضيلة الشيخ: يذكر الأصوليون ويقولون دلالة الاقتضاء ودلالة الإيماء ومفهوم المخالفة ومفهوم الموافقة، وغير ذلك من الدلالات، نريد القول الراجح في العمل بهذه الدلالات مع خلاصة مبسطة لكي يسهل علينا حفظها وفهمها مع ذكر أمثلة وجزاكم الله خيراً. الجواب بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله والصلاة والسلام على رسوله. وبعد: فتنقسم دلالة اللفظ على الحكم عند الجمهور إلى قسمين هما: منطوق ومفهوم ولكل منهما أقسام: المنطوق وأقسامه: المنطوق هو: ما دل عليه اللفظ في محل النطق، وذلك كدلالة قوله: "لا يغتب بعضكم بعضا" [الحجرات:١٢] على النهي عن الغيبة وهو قسمان: صريح وغير صريح، والصريح هو: هو ما وضع اللفظ له فيدل عليه بالمطابقة أو التضمن، كالمثال السابق وكما في قوله تعالى: "وأحل الله البيع وحرم الربا" [البقرة:٢٧٥] ، فإنه يدل بمنطوقه الصريح على حل البيع وحرمة الربا. والمنطوق غير الصريح هو: ما لم يوضع اللفظ له، بل هو لازم لما وضع له، أي هو دلالة اللفظ على الحكم بطريق الالتزام لا بطريق المطابقة والتضمن وله أقسام: ١- دلالة اقتضاء وهي دلالة اللفظ على ما يكون مقصودا للمتكلم ويتوقف عليه صدق الكلام أو صحته عقلا أو شرعاً، ومثال الأول قوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" أخرجه ابن ماجة (٢٠٤٣) وصححه الألباني، فإن الخطأ والنسيان لم يرفعا بدليل وقوعهما من أمته إذن فلا بد من تقدير شيء حتى يكون الكلام صادقا وذلك بأن نقول رفع إثم الخطأ والنسيان أو نحو ذلك. ومثال الثاني: قوله تعالى: "واسأل القرية" [يوسف:٨٢] فإن هذا الكلام لا بد فيه من تقدير لفظ لكي يصح عقلا وهو لفظ الأهل إذ القرية وهي الأبنية المجتمعة لا يصح سؤالها عقلاً. ومثال الثالث: قوله تعالى: "فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر" [البقرة:١٨٤] فتقدير الكلام فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر إذ إن المريض والمسافر إذا صاما فلا قضاء عليهما شرعاً. فاحتجنا إلى تقدير لفظ فأفطر. ودلالة الإيماء هي: دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلم لا يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته عقلاً أو شرعاً بسبب اقتران الحكم بوصف لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل لكان اقترانه به غير مقبول ولا مستساغ فيفهم منه التعليل ويدل عليه وإن لم يصرح به، ومثاله: قوله ﷺ : "من أحيا أرضاً ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق" أخرجه الترمذي (١٣٧٨) وأبو داود (٣٠٧٣) ، وأحمد (٢٢٢٧٢) ، ومالك (١٤٥٦) وصححه الألباني فهنا اقترن تملك الأرض بوصف الإحياء فلو لم يكن وصف الإحياء علة في التملك لكان ذكر هذا الوصف لا معنى له، دلالة الإشارة هي: دلالة اللفظ على لازم غير مقصود للمتكلم، ومثاله قوله تعالى: "وحمله وفصاله ثلاثون شهراً" [الأحقاف:١٥] مع قوله تعالى: "وفصاله في عامين" [لقمان:١٤] فإنه يدل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وهذه الدلالة ليست هي المقصود بالآيتين، وإنما المقصود في الآية الأولى هو بيان حق الوالدة وما تقاسيه من التعب في الحمل والرضاع، والمقصود في الآية الثانية بيان أكثر مدة الرضاع، ولكن هذه الدلالة لازم للمقصود من الآيتين. القسم الثاني: المفهوم وهو: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، وهو قسمان: مفهوم الموافقة، ومفهوم المخالفة. مفهوم الموافقة: هو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه لاشتراكهما في معنى يدرك من اللفظ بمجرد معرفة اللغة دون الحاجة إلى بحث واجتهاد، ومثاله قوله تعالى: "فلا تقل لهما أف" [الإسراء٢٣] فإنه يدل على تحريم الضرب - وهو المسكوت عنه - لاشتراك التأفف والضرب في معنى الإيذاء. ومفهوم المخالفة: هو دلالة اللفظ على ثبوت حكم للمسكوت عنه مخالف لما دل عليه المنطوق، ومثاله: قوله تعالى:" ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات" [النساء:٢٥] ، فإنه يدل على تحريم الزواج بالإيماء عند استطاعة طول الحرة، وكقوله تعالى: "وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن" [الطلاق:٦] ، فإنه يدل على عدم وجوب النفقة للمعتدة غير الحامل، وهذه الدلالات جميعها صحيحة ومعتبرة على تفاوت بينها في قوة الدلالة.

стр. 1986

حدود الله في (الطلاق- والمعاملات- والعبادات) المجيب راشد بن فهد آل حفيظ القاضي بالمحكمة العامة بالمخواة أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ١٥/٦/١٤٢٥هـ السؤال بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً، وبعد: أخي الكريم -أعزكم الله- ما هي حدود الله في (الطلاق - والمعاملات - والعبادات؟) وجزاكم الله عنا وعن الأمة الإسلامية خير الجزاء. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فالجواب: أن هذا سؤال مهم جداً، ونافع ومفيد لطالب العلم، وجوابه يحتاج إلى بسط، فأقول مستعيناً بالله، مراعياً جانب الاختصار ما يلي: أولاً: العبادة ومفهومها: إن للعبادة مفهوماً عاماً، ومفهوماً خاصاً: أما العام فهو التذلل لله -تعالى- محبة وتعظيماً، بفعل أمره واجتناب نهيه على الوجه الشرعي. أما الخاص: ويتعلَّق بتفاصيلها فهو أن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، والأصل فيها المنع والحظر، فلا يجوز لأحد أن يتعبد لله -تعالى- إلا بما شرعه، أو شرعه لنا رسول الله ﷺ قال تعالى: "أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله" [الشورى: ٢١] . فمن تعبد الله بشيء لم يشرعه الله، أو بشيء لم يكن عليه النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون فهو مبتدع، سواء كان ذلك التعبد فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، أو فيما يتعلَّق بأحكامه وشرعه؛ قال ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور"رواه أبو داود (٤٦٠٧) ، والترمذي (٢٧٧٦) ، وابن ماجة (٤٢) ، والعبادة مبنية على أمرين: الأول: الحب، فبه تطلب مرضاة المعبود، تحبه فتطلبه. الثاني: التعظيم، فبه يُهرب من معصية المعبود، تعظمه فتخافه. ولا تقبل العبادة إلا بشرطين: الأول: الإخلاص لله -تعالى- بأن يقصد المرء بعبادته التقرُّب إلى الله -تعالى- والوصول إلى دار كرامته. الثاني: موافقة الشريعة، فلا بد من المتابعة للرسول ﷺ بأن يعبد الله -تعالى- على وفق ما شرعه ﷺ أو قلَّ. والأدلة على هذين الشرطين كثيرة منها: قوله -تعالى-: "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا" [الكهف: ١١٠] ، وقوله -تعالى-: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء" [البينة: ٥] ، وقال ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"رواه البخاري (٢٦٩٧) ، ومسلم (١٧١٨) من حديث عائشة-﵂. ثانياً: الطلاق، وحكمه: الطلاق: هو حل قيد النكاح أو بعضه، فإن كان بائناً فهو حل لقيد النكاح كله، ولا يكون إلا بعد نكاح، والأصل فيه الكراهة؛ لقوله -تعالى-: "فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم" [آل عمران: ٢٢٦-٢٢٧] ، فقوله: "سميع عليم" فيه شيء من التهديد، وهذا في الطلاق، أما في الفيء فقال: "فإن الله غفور رحيم"، فدل هذا على أن الطلاق غير محبوب إلى الله وأن الأصل فيه الكراهة، وقال ﷺ : "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" رواه أبو داود (٢١٧٨) ، وابن ماجة (٢٠١٨) من حديث ابن عمر-﵄ لكن هذا الحديث ضعيف، وفي معناه نظر واضح - ولأن في الطلاق تشتيت للأسرة غالباً- ويباح الطلاق للحاجة، مثل ألا يستطيع الزوج الصبر على زوجته، ويستحب لضرر المرأة؛ لما في ذلك من الإحسان إليها لإزالة الضرر عنها، ويتأكد ذلك جداً في بعض الأحوال ويجب إذا آلى من زوجته بأن حلف ألَّا يجامعها أكثر من أربعة أشهر، فإذا تمت أربعة أشهر فإما أن يرجع ويكفر كفارة يمين، وإما أن يطلق وجوباً، وكذلك يجب أن يطلق إذا اختلت عفتها، ولم يستطع الإصلاح، وكذلك يجب أن يفارقها إذا كانت لا تصلي، وقد أصرَّت على ذلك، ويحرم أن يطلقها طلاقاً بدعياً، إما في الوقت كأن يطلقها في الحيض، أو في طهر جامعها فيه وهي ممن تحيض، ولم يتبين حملها، وإما في العدد بأن يطلق أكثر من واحدة. إذاً فالطلاق السني أن يطلقها طاهراً من غير جماع، أو قد تبين حملها طلقة واحدة. وهل يقع الطلاق البدعي أم لا؟ خلاف بين العلماء، وقاعدة شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم وتبعهما العلامة الشيخ/ محمد بن عثيمين: أن الطلاق البدعي لا يقع؛ لأدلة كثيرة معلومة، وبالإمكان الرجوع إليها في (مجموع الفتاوى) (وزاد المعاد) ، و (إغاثة اللهفان) ، و (الإعلام) ، وفتاوى الشيخ محمد بن عثيمين وشرحه للزاد وللبلوغ. ويصح الطلاق ممن يعقل معناه من زوج مكلف، وصبي مميز. ثالثاً: المعاملات، والأصل فيها: الأصل في المعاملات الحل؛ لقوله -تعالى-: "وأحل الله البيع وحرم الربا" [البقرة: ٢٧٥] ، فكل مبايعة أو معاوضة فالأصل فيها الحل، وهكذا بقية العقود، وقال تعالى: "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً" [البقرة: ٢٩] ، ولا يحرم منها إلا ما دل الدليل على تحريمه، ومدار ذلك على أمور ثلاثة: ١- الربا. ٢- الغرر. ٣- الظلم. فكل معاملة تضمنت ربا أو غرراً أو ظلماً، أو أدت إلى ذلك فهي محرمة، كما قرره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، والشيخ العلامة محمد بن عثيمين - رحمة الله على الجميع-؛ لأن المعاملات مبناها على العدل والقسط. أما الربا ففروعه كثيرة، ومنها مسألة العينة: وهي بيع بيعتين في بيعة؛ بأن يبيع سلعة بثمن مؤجل، ثم يرجع فيشتريها ممن باعها عليه بثمن حالٍّ أقل. أما الغرر فكل بيع فيه ميسر وقمار ومخاطرة، ومن ذلك كل بيع مجهول. أما الظلم فهو أعم مما تقدم إذ يشملهما، فكل ما اشتمل على أحدهما من المعاملات دخله الظلم، كما أنه يشمل غير ذلك مما دخله الظلم الظاهر، كبعض المعاملات المعاصرة، ومنها على سبيل المثال: مسألة الإيجار المنتهي بالتمليك، ومنها اشتراط حلول الثمن المؤجل بتأخر سداد أحد الأقساط، كما يحصل في بيع التقسيط أحياناً، ووجه الظلم فيه أن التأجيل يكون له أثر معلوم في زيادة ثمن السلعة على ثمنها لو بيعت بثمن حال، أما قوله ﷺ : "المسلمين على شروطهم ... " رواه الترمذي (١٣٥٢) ، وابن ماجة (٢٣٥٣) من حديث عمرو بن عوف المزني ﵁ فالمقصود بذلك الشروط الصحيحة التي لا تتضمن ربا، أو غرراً، أو ظلماً، وقد علل الشيخ العلامة محمد بن عثيمين تحريم هاتين المسألتين بذلك - يعني بالظلم-، وذلك حين سألته ﵀. المراجع: ١- مجموع فتاوى شيخ الإسلام. ٢- القواعد النورانية لشيخ الإسلام. ٣- نظرية العقد (العقود) لشيخ الإسلام. ٤- زاد المعاد. ٥- الإعلام. ٦- إغاثة اللهفان (كلها لابن القيم) . ٧- مجموع فتاوى الشيخ محمد بن عثيمين. ٨- شرحه للزاد والبلوغ المطبوع والمسجل بالأشرطة. ٩- الفتاوى السعدية. ١٠- المختارات الجلية (كلاهما للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي) على الجميع - رحمة الله-. والله أعلم.

стр. 1987

ما فائدة الإجماع مع ورود النص في المسألة ؟! المجيب د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي عضو البحث العلمي بجامعة القصيم أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ١١/٠٥/١٤٢٦هـ السؤال أرجو التوضيح: أحيانا نجد إجماع أهل العلم على أمر ورد فيه نص، فما معنى الإجماع مع ورود النص من الشارع الحكيم؟ جزاكم الله خيراً. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الإجماع عند الأصوليين: هو اتقاق جميع مجتهدي أمة محمد ﷺ بعد وفاته على حكم شرعي في واقعة، في عصر من العصور، وهو المصدر الثالث من مصادر الاستدلال، بعد الكتاب والسنة. ويحكى الإجماع، عادة في حالين: إحداهما: في الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، كفرضية الصلاة ونحوها، بغرض تأكيد الثبوت، وحصول الاستفاضة بالعلم بذلك. والثانية: في مسائل واقعة بعده ﷺ ، إذ إن اتفاق الصحابة في عهده لا يعد إجماعاً من حيث كونه دليلاً، لأن الدليل حصل بالسنة النبوية. وجميع مسائل الإجماع إما تستند إلى دليل، أو لا تخالف دليلاً. فلا يمكن أن تجمع الأمة على خلاف دليلٍ صحيح صريح غير منسوخ. وعليه فحكاية الإجماع على أمرٍ ورد فيه نص يفيد ما يلي: ١ - تكثير الأدلة على إثبات الحكم الشرعي. ٢ - الاتفاق على تنزيل النص على واقعة معينة حدثت بعد عصر النبوة. ٣ - إثبات فهم السلف للنص على نحو معين. ٤ - منع حدوث خلاف لاحق. والله أعلم.

стр. 1988

الفرق بين الحكمة والعلة المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٠١/١١/١٤٢٥هـ السؤال ما الفرق بين العلة والحكمة؟ أرجو ضرب أمثلة حتى يتضح الفرق، مثل العلة أو الحكمة من النوم على الشق الأيمن، وتحريم الخمر، والوضوء من أكل لحم الإبل. الجواب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: العلة والحكمة مصطلحان من المصطلحات الأصولية، وقد تكلم عنهما الأصوليون في مواضع مختلفة من كتبهم الأصولية، وأكثر ما يكون ذلك في مباحث القياس ومباحث المصلحة. وهذان المصطلحان بينهما قدرٌ من التشابه، مما يجعل أحدهما قد يلتبس بالآخر، والبحث في الفرق بين هذين المصطلحين من المسائل الشائكة التي اختلفت النقول فيها عن أهل العلم، ونحاول فيما يأتي أن نبين بعض الجوانب المتعلقة بكل منهما مما قد يساعد في إبراز الفرق بينهما، فأقول: اختلف أهل العلم في تعريف العلة على أقوال كثيرة، من أشهر هذه الأقوال: أن العلة: الوصف الظاهر المنضبط المعرِّف للحكم، فمثلًا: جعل الشارع قطع يد السارق حدًّا من الحدود الشرعية، وإذا بحثنا عن علة هذا الحكم نجد أنها: السرقة، والسرقة من الأوصاف الظاهرة التي لا تخفى على أحد، كما أنها منضبطة لا تختلف من شخص لآخر أو من مكان لآخر، وإذا تحققنا من وجود السرقة فإنها تعرّفنا على وجود الحكم الذي هو قطع اليد إذا تمت شروطه. أما الحكمة فهي: ما يترتب على مشروعية الحكم من جلب مصلحة أو دفع مفسدة، أوهي: المصلحة التي قصد الشارع من تشريع الحكم تحقيقها أو تكميلها, أو المفسدة التي قصد الشارع بتشريع الحكم دفعها أو تقليلها، وكما قلنا في قطع يد السارق: إن علته السرقة، فإن الحكمة من تشريع هذا الحد: حفظ أموال الناس وحمايتها وصيانتها. وبهذا يتبين أن حكمة الحكم: هي الباعث على تشريعه, والغاية المقصودة منه, أما علة الحكم فهي الأمر الظاهر المنضبط الذي بنى الشارع الحكم عليه، وربطه به وجودًا وعدمًا; لأن من شأن بنائه عليه وربطه به أن يحقق حكمة تشريع الحكم. ويترتب على هذا أن الحكمة مبنية على العلة، فإذا عرفنا العلة أمكننا معرفة الحكمة، أما إذا خفيت علينا العلة فإنه لا يمكننا التعرف على الحكمة، وهذا الأمر يجعلنا نتعرض لأقسام الأحكام الشرعية من حيث معرفة العلة، وهي قسمان: القسم الأول: أحكام معقولة المعنى، وهذه الأحكام يمكن معرفة عللها، مثل: تحريم الخمر، ومشروعية القصاص، وما إلى ذلك، وهذا القسم يمكن معرفة الحكمة من مشروعيته. القسم الثاني: أحكام غير معقولة المعنى، فلا يمكننا معرفة العلة فيه، وهذا لا يدل على أن هذه الأحكام ليس لها علل، بل لها علل لكن خفيت علينا، ويطلق العلماء على هذا النوع من الأحكام: الأحكام التعبدية، مثل عدد ركعات الصلاة، وتقبيل الحجر الأسود، ومسح أعلى الخف، ونحو ذلك، وفي هذا القسم لا يمكن معرفة الحكمة من مشروعيته؛ لعدم التعرف على العلة، لكن يجب الإيمان به، واعتقاد أنه لم يُشرع لنا إلا لحكمة خفيت علينا. ومما يحسن التنبيه إليه أن العلة نوعان: الأول: العلة بمعناها المتقدم، وهي التي يستخدمها أهل العلم في عملية القياس الشرعي المعروف. الثاني: العلة الغائية، وهي بمعنى الأهداف المرجوة من أي حكم من الأحكام، والعلة بهذا المعنى تكون مرادفةً للحكمة، فمثلًا: جاء الشرع بمشروعية قصر الصلاة في السفر، والعلة الاصطلاحية في هذا الحكم: السفر. والعلة الغائية التي بمعنى الحكمة: دفع المشقة والضيق عن الناس، وكذلك الإفطار في السفر، فإن علة هذا الحكم: السفر. والعلة الغائية التي بمعنى الحكمة: دفع المشقة والضيق عن الناس. أما تحريم الخمر، ومشروعية النوم على الشق الأيمن- انظر صحيح البخاري (٢٤٧) ومسلم (٢٧١٠) - والوضوء من لحم الإبل- انظر صحيح مسلم (٣٦٠) - فهذه الأحكام، ولا شك، لها علل شرعية معتبرة، قد نعرفها وقد تخفى علينا، وقد اجتهد أهل العلم في بيان عللها وحِكمها، وفيما يأتي ذكرٌ لشيء من ذلك: - تحريم الخمر، العلة فيه: الإسكار، فمتى ما وجد الإسكار وجد التحريم، وهذا معنى قول العلماء: إن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. أما حكمة تحريم الخمر فهي: المحافظة على عقول الناس والبعد بها عمّا يفسدها. - الوضوء من أكل لحوم الإبل، وهو من الأحكام التعبدية، ومع هذا فقد حاول بعض أهل العلم تعليل هذا الحكم، كابن القيم حيث بين أن لحوم الإبل لها تأثير على من يأكلها؛ لأن الإبل فيها الفخر والخيلاء، كما أخبر النبي ﷺ أخرجه البخاري (٣٣٠١) ومسلم (٥٢) - ولأنه قد جاء أن على ظهر كل بعير شيطان- أخرجه أحمد (١٦٠٣٩) - وما إلى ذلك، فهذا الذي ذكره ابن القيم هو بمثابة علة الأمر بالوضوء من أكل لحوم الإبل، والحكمة من ذلك البعد عن القسوة وبقاء المسلم على فطرته، فإن المسلم هيّن ليّن. - استحباب النوم على الشق الأيمن، فقد بين أهل العلم حكمة المشروعية من هذا الحكم، وبينوا أن النوم بهذه الكيفية مفيد من الناحية الصحية، ودعموا ما ذهبوا إليه بكلام علماء الطب، ومن أراد الاستزادة فيما يتعلق بالحكمة من مشروعية النوم على الشق الأيمن فعليه بالكتب المؤلفة في الطب النبوي، خصوصًا كتاب ابن القيم، ﵀. ومحاولة التعرف على علل الأحكام وحِِِِِِِكَمِها نوع من أنواع الاجتهاد المطلوب شرعًا، ولذلك اجتهد كثير من أهل العلم في استنباط علل الأحكام وحكمها، وهو أمر مطلوب له أثره البالغ في امتثال هذه الأحكام، كما أنه طريق من طرق معرفة مقاصد الشارع، ولاشك أن العلم بالمقاصد الشرعية من مهمات العلوم، ولأجل هذا عدّ بعض أهل العلم معرفة مقاصد الشريعة شرطًا من شروط الاجتهاد. هذا. والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1989

الفرق بين العاصي والفاسق والفاجر المجيب أ. د. ناصر بن عبد الكريم العقل أستاذ العقيدة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٤/٦/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم. لقد سمعنا عن فتوى تحريم شرب الدخان، ففيه من يقول إنه معصية، أي أن شاربه عاص، وفيه من يقول إنه فسق، أي أن شاربه فاسق، وفيه من يقول إنه فجور، فما الفرق بين العاصي والفاسق والفاجر؟ جزاكم الله كل خير عن الإسلام. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. المعصية والفسق والفجور كلمات مترادفة تؤدي غالباً إلى معنى واحد، والفروق بينها قليلة، فالمعصية أهم هذه المصطلحات، فهي تشمل الكبائر والصغائر، والفسق أخص من المعصية، وقد يفسَّر بها، فالفسق هو معصية الله وترك أمره، لكن غالباً يكون الفسق في فعل الكبائر وترك الواجبات، والفجور أخص منها فهو من قبائح الذنوب، وعظائم المعاصي، وهتك الحرمات. نعوذ من ذلك كله، والله أعلم.

стр. 1990

أدلة مضاعفة دية الرجل لدية المرأة المجيب د. يوسف بن أحمد القاسم عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٢٨/٠٩/١٤٢٥هـ السؤال سمعت في إحدى الندوات أن الأدلة التي بنى العلماء رأيهم عليها في جعل دية المرأة نصف دية الرجل غير ثابتة، فهل هذا صحيح؟ وما علة جعل دية المرأة نصف دية الرجل؟ جزاكم الله خيرًا. الجواب الحمد لله وحده، وبعد: فلم يثبت- فيما أعلم- دليل صحيح على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، ولكن ثبت هذا بدليل الإجماع، وهو من أقوى الأدلة، كما لا يخفى، حيث قال ابن عبد البر في الاستذكار (٨/٦٧) : (أجمعوا على أن دية المرأة نصف دية الرجل) ا. هـ. وكذا حكى هذا الإجماع ابن المنذر في الإقناع (١/٣٥٨) بلفظ: (لا أعلمهم يختلفون فيه) . وكذا حكاه الشوكاني في السيل الجرار (٤/٤٣٩) ، وغيرُهم، هذا بالنسبة للجناية عليها في النفس. أما فيما دون النفس من الجراح، فقد وقع خلاف بين أهل العلم على قولين: الأول: أن دية المرأة قيل مثل دية الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها، ثم تكون على النصف من ديته، وقد رجح هذا القول ابن القيم في إعلام الموقعين (٣/٤١٩) . الثاني: أنها على النصف من ديته فيما قل عن الثلث وفيما زاد. وقد استدل أصحاب القول الأول بدليل ضعيف أخرجه النسائي في الكبرى (٧٠٠٨) وغيره: عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : "عَقْلُ المرأةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجلِ حتَّى تَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا". ثم قال النسائي: (إسماعيل بن عياش ضعيف كثير الخطأ) ا. هـ وهو كما قال، والأقرب ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، وهو ما رجحه ابن المنذر في الإقناع (١/٣٥٨) ، وغيره. هذا وقد ذكر العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين (٣/٤١٨) الحكمة في كون دية المرأة على النصف من دية الرجل، حيث قال: (وأما الدية فلما كانت المرأة أنقص من الرجل، والرجل أنفع منها، ويسد ما لا تسده المرأة من المناصب الدينية، والولايات، وحفظ الثغور، والجهاد، وعمارة الأرض، وعمل الصنائع التي لا تتم مصالح العالم إلا بها، والذب عن الدنيا والدين، لم تكن قيمتها مع ذلك متساوية، وهي الدية ... ) ا. هـ. والله أعلم.

стр. 1991

عن حديث "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة " المجيب د. محمد بن عبد الرحمن أبو سيف الجهني عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ١٦/١١/١٤٢٥هـ السؤال فضيلة الشيخ، ورد في الحديث أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، أولًا: هل المقصود كل البيت أم الغرفة التي فيها الصورة؟ ثانيًا: إذا ألبس الطفل ملابس عليها صور، هل يعني ذلك عدم حفظ الملائكة لهذا الطفل؟ وهل يمنع ذلك القراءة على الطفل؟ وجزاكم الله خيرًا، ولا حرمكم الأجر. الجواب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لفظ (البيت) يطلق على المسكن بما فيه من نواح، المنعزل بنواحيه عن غيره، ولا يعرف إطلاق البيت على ناحية فيه دون جميعه، وقد جزم عدد من أهل العلم كابن وضاح والخطابي وآخرين أن المراد بالملائكة في هذا الحديث ملائكة الرحمة والبركة دون الكاتبين والحافظين ونحوهم، فلا يمنع لبس الطفل أو غيره ملابس عليها صور محرمة حفظ الملائكة الموكلين بحفظه، والكاتبان يكتبان إثم لبس هذا على ولي الطفل وعلى المكلف، والأولى نزع لباس الطفل في الحال المذكورة؛ لأن فيه تعظيم شعائر الله بالبراءة من المحرم، وهو أدعى لحصول البركة والانتفاع بالقراءة، إن شاء الله، والقراءة في ذاتها صحيحة نافعة، وعلى المسلم تقوى الله بالاحتراز من حصول الإثم ونقص البركة بالامتناع عن اقتناء الصور وتعليقها. والله أعلم.

стр. 1992

حجية القياس المجيب وليد بن إبراهيم العجاجي عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ١٢/٠٨/١٤٢٥هـ السؤال هناك بعض طلبة العلم ينكرون القياس ويدعون اتباع السلف. هل أنكر السلف القياس؟ وما حكم منكري القياس؟ وجزاك الله خيراً. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، "سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم"، وبعد: فإن القياس هو: مساواة فرع لأصل في علة حكمه، ويقسِّم أهل العلم القياس باعتبار قوته وضعفه إلى قسمين رئيسين، هما: القسم الأول: القياس الجلي، وهو ما قطع فيه بنفي الفارق المؤثِّر بين الأصل والفرع، أو كانت العلة فيه منصوصاً عليها، أو مجمعاً عليها، فهذا النوع لا يحتاج فيه إلى التعرض لبيان العلة الجامعة؛ لذلك سمي بالجلي، ومن أمثلته: (١) قياس إحراق مال اليتيم على أكله في التحريم بجامع الإتلاف فيهما، وهنا الأصل هو أكل مال اليتيم الذي جاء النص بتحريمه في قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً" [النساء:١٠] ، والفرع هو إحراقه، والعلة هي الإتلاف، والحكم هو التحريم، ولا فرق بين الأصل والفرع هنا فهما متساويان في الضرر بمال اليتيم. (٢) قياس ضرب الوالدين على قول: "أُفٍّ" لهما، في التحريم، بجامع الإيذاء، ولا شك أن ضرر الوالدين بالضرب أشد من ضررهما بالكلام، فيكون أشد وأعظم في كونه محرماً. وهذا النوع من القياس ينبغي ألا يخالف فيه أهل العلم أحد من أهل العلم، وإن لم يسمه قياساً. القسم الثاني: القياس الخفي: وهو بخلاف ما سبق في القياس الجلي، ويمثلون له: بقياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد في وجوب القصاص بجامع كونه قتلاً عمداً عدواناً. وهذا النوع لا بد فيه من التعرض لبيان العلة، وبيان وجودها في الفرع. وهذا متفق على تسميته قياساً، وهو حجة في الأمور بالاتفاق فيما يلي: (١) الأمور الدنيوية: كقياس دواء على دواء وسعر بضاعة على سعر بضاعة أخرى، ونحوه. (٢) القياس الصادر منه ﷺ بالاتفاق؛ لأن مقدماته قطعية، لوجوب علم وقوعه. كما اتفق أهل السنة على عدم إجراء القياس في التوحيد والعقائد إن أدّى ذلك إلى تشبيه الخلاق بالمخلوق، وإنما يصح إذا استدل به على معرفة الصانع وتوحيده، ويستخدم في ذلك قياس الأولى؛ لئلا يدخل الخالق والمخلوق تحت قضية كلية تستوي أفرادها، ولئلا يتماثلان في شيء من الأشياء، فـ "لله المثل الأعلى"، و "ليس كمثله شيء". بل الواجب أن يعلم أن كل نقص ثبت للمخلوق فالخالق أولى بنفيه عنه، وكل كمال ثبت للمخلوق فالخالق أولى به. وقد وقع النزاع في إجراء القياس في الأحكام الشرعية: فذهب كافة الأئمة من الصحابة ﵃ والتابعين، وجمهور الفقهاء، والمتكلمين إلى أن القياس الشرعي أصل من أصول الشرع، يستدل به على الأحكام التي لم يرد بها السمع، حتى قال الإمام أحمد: (لا يستغني أحد عن القياس) . وأنكره النظام المعتزلي، وتابعه قوم من المعتزلة كجعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر، ومحمد بن عبد الله الإسكافي، وتابعهم من أهل السنة على نفيه في الأحكام داود الظاهري. ثم المنكرون اختلفوا في طريق نفيه، فمنهم من نفاه عقلاً، فقالوا: الخوض فيه قبيح لعينه، أو أن الأحكام الشرعية طريقها المصالح، ولا يعرف المصالح إلا صاحب الشرع، فلا يجوز إثباتها إلا من جهة التوقيف، إلى غير ذلك مما عللوا به رأيهم، ومنهم من قال: الشرع يمنع من إجراء القياس، وإن أجازه العقل، وهم فرقتان: (١) فرقة قالت: نصوص الكتاب والسنة قد وفت وأثبتت فلا حاجة إلى القياس، وهو رأي ابن حزم. (٢) وفرقة قالت: بل حرم القول بالقياس. قال الدبوسي: (نفاة القياس أربعة: منهم من لا يرى دليل العقل حجة والقياس منه، ومنهم من لا يراه حجة إلا في موجبات العقول، والقياس ليس منها، ومنهم من لا يراه حجة لأحكام الشرع، ومنهم من لا يراه حجة فيها إلا عند الضرورة، ولا ضرورة، لأنا نحكم فيما لا نص فيه باستصحاب البراءة الأصلية) . والصحيح الاحتجاج به، وما وقع من خلاف فهو خلاف حادث بعد أن تقدم الإجماع بإثبات القياس من الصحابة ﵃ والتابعين قولاً وعملاً. ولكن للعمل بالقياس ضوابط أسوقها لك مختصراً: - ألا يخالف نصاً أو قاعدة شرعية؛ إذ القياس عند عدم النص. - أن يصدر من عالم مؤهل قد استجمع شروط الاجتهاد. - أن يكون القياس في نفسه صحيحاً قد استجمع شروط الصحة التي يذكرها الأصوليون في بحثهم لهذا الدليل. فإذا خلا من هذه الضوابط فهو القياس الباطل الذي ذمه سلف الأمة. وأما حكم من أنكر القياس الصحيح، فقد قال فيه الغزالي: (ومن ذهب إلى رد القياس فهو مقطوع بخطئه من جهة النظر، محكوم بكونه مأثوماً) . وقال ابن المنير: (ذكر القاضي بكر بن العلاء من أصحابنا أن القاضي إسماعيل أمر بداود - منكر القياس- فصفع في مجلسه بالنعال، وحمله إلى الموفق بالبصرة؛ ليضرب عنقه؛ لأنه رأى أنه جحد أمراً ضرورياً من الشريعة في رعاية مصالح الخلق والجلاد في هؤلاء أنفع من الجدال) . والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 1993

(المصلحة: ضوابطها وتطبيقاتها ..) المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٧/٦/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم. أحيطكم علماً بأني طالب في كلية القانون في إحدى الجامعات، وقد اخترت عنوان (نظرية المصلحة، ضوابطها وتطبيقاتها في الشريعة الإسلامية) كموضوع لبحث التخرج كجزء من متطلبات درجة البكالوريوس في القانون، لذا أرجو منكم أن تساعدوني بما يمكن من آراء ومقترحات ومصادر وإرشادات ضرورية، لإتمامه وإنجازه على الوجه المطلوب. وجزاكم الله خيراً. الجواب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فإن موضوع المصلحة أو نظرية المصلحة من المواضيع الأصولية المهمة والشائكة في الوقت نفسه، والمصلحة في الحقيقة دليلٌ من الأدلة الشرعية المختلف في الاحتجاج بها بين أهل العلم، وغالباً ما يعبرون عنها بمصطلح (المصالح المرسلة) ، وسبب هذه التسمية أن المصلحة على ثلاثة أقسام: ١- مصالح اعتبرتها الشريعة، فهي معمول بها؛ لأن أدلة الشريعة اقتضت اعتبارها. ٢- مصالح ألغتها الشريعة، فلا يجوز العمل بها؛ لأن أدلة الشريعة أبطلت العمل بها. ٣- مصالح مرسلة لم يأتِ في الشريعة دليل خاص يقتضي اعتبارها أو إلغاءها، ولكن الغالب أنها توافق الأحكام العامة للشريعة، وهذا القسم هو الذي حصل فيه خلاف بين أهل العلم، وإذا أُطلقت المصلحة فالمراد بها هذا القسم. وإذا نظرنا في حقيقة اختلاف العلماء في الاستدلال بالمصالح المرسلة نجد أنه من الناحية النظرية، أما من الناحية العملية والتطبيقية فالأمر مختلف؛ لأن أغلب أهل العلم يعتبرونها ويعملون بمقتضاها، وإن كانوا لا يصرحون بذلك. وعلى كلٍ فإن هذا الموضوع قد تكلم عنه عدد من العلماء قديماً وحديثاً، ومن أهم ما يثار في هذا الموضوع: ما قاله نجم الدين الطوفي في كتابه (شرح الأربعين) حينما شرح قوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار "، حيث تكلم عن المصلحة، وبين الحكم عندما تتعارض المصلحة مع النص الشرعي، وما الواجب فعله وقتئذ؟ وهذه النقطة من أهم النقاط التي يجب أن يتعرض لها من أراد الكلام عن المصلحة. أما بالنسبة للمراجع والمصادر التي تناولت هذا الموضوع، فإن جميع الكتب الأصولية القديم منها والجديد تتحدث عن موضوع المصلحة وما يتعلق بها، وذلك في باب الأدلة المختلف في الاحتجاج بها أو في مباحث التعليل في باب القياس، وهذه الكتب الأصولية تعد المرجع الرئيس في هذا الموضوع، أما المؤلفات المعاصرة التي تناولت المصلحة بالبحث والدراسة فهي كثيرة، ومن أهمها: ١- المصلحة في التشريع الإسلامي للدكتور/ مصطفى زيد، من منشورات: دار الفكر العربي. ٢- المصلحة المرسلة، للشيخ/ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، من منشورات: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. ٣- نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي، للدكتور/ حسين حامد حسان، من منشورات: مكتبة المتنبي في القاهرة. ٤- ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، تأليف: محمد سعيد رمضان البوطي، رسالة دكتوراه، وهي مطبوعة. إضافةً إلى عدد من المؤلفات الأصولية التي لها علاقة بموضوع المصلحة، مثل المؤلفات التي أُلفت في مسألة تعليل الأحكام، أو الكتب التي أُلفت في مقاصد الشريعة، ومن أهم هذه المؤلفات: ١- تعليل الأحكام، لمحمد مصطفى شلبي، من منشورات: دار النهضة العربية بلبنان. ٢- رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، للدكتور/يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين، من منشورات: مكتبة الرشد بالرياض. ٣- رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، للدكتور/صالح بن عبد الله بن حميد، من منشورات: دار الاستقامة. ٤- مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة، للدكتور/محمد سعد اليوبي، من منشورات: دار الهجرة بالرياض. ٥- المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، للدكتور/يوسف العالم، من منشورات: المعهد العالمي للفكر الإسلامي. ومن أراد الكتابة في هذا الموضوع فإن من الأحسن والأفضل أن يشبع المسائل الآتية بالبحث والدراسة والمعالجة: تحديد المصلحة المعتبرة التي تبنى عليها الأحكام، وضبطها بالضوابط الشرعية التي تسندها الأدلة الشرعية الصحيحة الصريحة؛ لأن الناس فيما يتعلق بالمصلحة على طرفي نقيض: فمنهم من يأخذ بكل ما يحقق مصالحه بغض النظر عن موافقتها للأدلة الشرعية أو مخالفتها لها، ومنهم من يمنع من الأخذ بأي مصلحة وإن كانت لا تخالف الأدلة الشرعية، ولا شك أن كلاً من الطرفين قد تطرف في هذه القضية، ولذلك فإنه لا بد من وضع ضوابط واضحة تحدد المصلحة المعتبرة التي تبنى الأحكام عليها والمصلحة الباطلة التي لا يجوز الاستناد إليها. الاستفادة من الفتاوى والأحكام والأقوال الصادرة عن عدد من الأئمة والعلماء المتقدمين لا سيما في المسائل التي ليس فيها نص خاص من الكتاب والسنة، حيث يلاحظ الباحث أن هؤلاء العلماء قد بنوا أحكامهم على عدة أصول، منها: المصلحة، وهذا أمر مشاهد وواقع، ومما لا شك فيه أن الباحث إذا استطاع أن يثبت أن العلماء كانوا يعملون بالمصلحة ويبنون عليها الأحكام، فإن ذلك له أثره البالغ في إظهار أهمية المصلحة ومشروعية العمل بها، كما أن هذا الأمر يساعد كثيراً في بيان ضوابط المصلحة ومجال العمل بها. دراسة عدد من الأمور النازلة، وبيان أثر الأخذ بالمصلحة المعتبرة بشروطها وضوابطها في تيسير الوصول إلى معرفة حكمها بأيسر الطرق وأسهل الأسباب، وإذا استطاع الباحث تحقيق هذا الأمر فإنه سيعطي هذا الموضوع أهمية بالغة؛ لأنه -والحالة هذه- ذريعة إلى الوصول إلى معرفة الحكم الشرعي. بيان العلاقة القائمة بين المصلحة المعتبرة ومقاصد الشريعة؛ لأن الشارع لم يكلف الناس عبثاً، وإنما أمرهم بما يحقق مصالحهم الدينية والدنيوية، وهذا الأمر يساعد كثيراً في ربط أحكام الشريعة بعضها ببعض. هذا ما تيسر الكلام عنه فيما يتعلق بموضوع المصلحة، وأسأل الله لك التوفيق والسداد، وأن يكون النجاح حليفك في هذا البحث وسائر أمورك، كما أسأله أن يصلح الأمور في بلدكم وبلدنا الحبيب: العراق، وأن يخرج الغزاة المحتلين منه أذلةً صاغرين، وأن يعز الله أهل الحق ويظهرهم على عدوهم، آمين. والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1994

النقاب..وكشف الوجه المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ١٤/٠٨/١٤٢٥هـ السؤال قرأت في الموقع أن النقاب واجب وأن وجه المرأة عورة، وليس هذا ما ذهب إليه جمهور العلماء على اختلاف المذاهب والعصور..حتى جمهور الصحابة-رضوان الله عليهم أجمعين- (الدر المنثور للسيوطي) - والغريب أن علماء المملكة الأجلاء- حفظهم الله- يجمعون على أن الوجه عورة، على الرغم من أن إمامهم الإمام مالك إمام أهل المدينة قد فصَّل أن الوجه والكفين ليسا بعورة، وكذا سار نهج الجمهور حتى عصرنا الحالي (راجع كتاب حجاب المرأة المسلمة للألباني) ، سؤالي هو: إذا كان الإجماع كشف الوجه والكفين, فلم تُحرِّمون ما أحلَّ الله لكم؟ وإذا عرفنا أن للنقاب أساسًا إسلاميًّا أيضًا, فينبغي هنا احترام رأي الجمهور أيضًا واختلاف العلماء الثقات أنفسهم في تلك المسألة..وشكرًا. الجواب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن الواجب على المسلم اتباع ما دلت عليه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، بغض النظر عن أقوال الرجال؛ لأن الحق لا يُعرف بأقوال الرجال، وأقوال الرجال ليست دليلاً على الشرع، والله يقول: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ) [النساء:٥٩] . وعلى كلٍّ فإن مسألة تغطية وجه المرأة ويديها من المسائل التي كثُر فيها كلام أهل العلم، والذي يرجحه المحققون من أهل العلم هو وجوب تغطية المرأة لوجهها ويديها عند الأجانب، فلا يجوز للمرأة أن تكشف وجهها ويديها عند غير محارمها، ولا يجوز لأي رجلٍ من غير محارمها أن ينظر إلى ذلك منها، وهذا القول هو الموافق لأدلة الكتاب والسنة، ولفهم خير هذه الأمة، وهم صحابة رسول الله ﷺ ; وهذه الأدلة كثيرة جدًّا، أذكر بعضًا منها طلبًا للاختصار: الدليل الأول: قال تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ) [النور: ٣١] . ووجه الشاهد من هذه الآية قوله: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) . والجيب هو فتحة الرأس، والخمار ما تخمر به المرأة رأسها وتغطيه به، فإذا كانت مأمورة بأن تضرب بالخمار على جيبها كانت مأمورة بستر وجهها، إما لأنه من لازم ذلك أو بالقياس، فإنه إذا وجب ستر النحر والصدر كان وجوب ستر الوجه من باب أولى؛ لأنه موضع الجمال والفتنة. الدليل الثاني: قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [الأحزاب: ٥٩] . قال ابن عباس، ﵄: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب. وتفسير الصحابي حجة، بل قال بعض العلماء: إنه في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ ، والجلباب هو الرداء فوق الخمار بمنزلة العباءة. الدليل الثالث: أن النبي ﷺ لما أمر بإخراج النساء إلى مصلى العيد قلن يا رسول الله: إحدانا لا يكون لها جلباب. فقال النبي ﷺ : "لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِن جِلْبَابِهَا". رواه البخاري (٣٥١) ومسلم (٣٢٤) . فهذا الحديث يدل على أن المعتاد عند نساء الصحابة ألا تخرج المرأة إلا بجلباب، وأنها عند عدمه لا يمكن أن تخرج، وفي الأمر بلبس الجلباب دليل على أنه لابد من التستر. الدليل الرابع: عَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: "يُرْخِينَ شِبْرًا". فَقَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ. قَالَ: "فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لا يَزِدْنَ عَلَيْه". رواه الترمذي (١٧٣١) وصححه الألباني. ففي هذا الحديث دليل على وجوب ستر قدم المرأة، وأنه أمرٌ معلوم عند نساء الصحابة، ﵃، والقدم أقل فتنة من الوجه والكفين بلا ريب. فالتنبيه بالأدنى تنبيه على ما فوقه وما هو أولى منه بالحكم، وحكمة الشرع تأبى أن يجب ستر ما هو أقل فتنة ويرخص في كشف ما هو أعظم منه فتنة، فإن هذا من التناقض المستحيل على حكمة الله وشرعه. الدليل الخامس: عَن عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ; مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ. رواه أبو داود (١٨٣٣) . ففي هذا الحديث دليل على وجوب ستر الوجه؛ لأن المشروع في الإحرام كشفه، فلولا وجود مانع قوي من كشفه حينئذٍ لوجب بقاؤه مكشوفًا حتى مع مرور الركبان. وبيان ذلك: أن كشف الوجه في الإحرام واجب على النساء عند الأكثر من أهل العلم، والواجب لا يعارضه إلا ما هو واجب، فلولا وجوب الاحتجاب وتغطية الوجه عند الأجانب ما ساغ ترك الواجب من كشفه حال الإحرام، وقد ثبت في الصحيح: أن المرأة المحرمة تُنهى عن النقاب والقفازين. صحيح البخاري (١٨٣٨) . والأدلة الدالة على وجوب تغطية وجه المرأة كثيرةٌ جدًّا، وإنما ذكرت طرفًا منها؛ لأن المقام لا يتسع لذكرها جميعًا. وقد شمل سؤال الأخ وفقه الله أمورًا ينبغي التنبيه عليها، وهي: الأول: قال السائل: إن الإجماع منعقدٌ على جواز كشف وجه المرأة ويديها. أقول: هذا غير صحيح، وعلى السائل أن يتفضل مشكورًا بذكر من نقل هذا الإجماع من أهل العلم المعتبرين، وأين نقله، وما مستنده؟ وإذا كان الإجماع غير منعقد على جواز ذلك فماذا ينقم السائل على قومٍ اتبعوا ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعملوا بما جاء فيهما، كما سبق ذكره، ولا شك أننا متعبدون باتباع ما قاله الله ورسوله ﷺ ، لا ما قاله فلان وفلان. بل نستطيع أن نقول إن الإجماع منعقدٌ على وجوب ستر وجه المرأة ويديها عند خوف الفتنة، وذلك عند فساد الزمان، ورقة الديانة، والبعد عن الدين، كما هو حال غالب المسلمين اليوم، وهذا الإجماع هو الأقرب والأصلح لما عليه المسلمون اليوم، ثم إن من قال بجواز كشف الوجه واليدين من أهل العلم إنما قال بذلك بشرط الأمن من الفتنة وعدم تزين المرأة وتجملها، ومن المعلوم أن هذين الشرطين قلَّما يتحققان في هذا الزمن. الثاني: قال السائل: إن الإمام مالكًا يقول بجواز كشف الوجه واليدين. أقول له: أين قال الإمام مالك ذلك؟ ومن نقله عنه؟ بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية قد نقل عن الإمام مالك أنه يرى حرمة كشف وجه المرأة ويديها. وعلى فرض أن الإمام مالكًا قال بذلك فإننا لسنا متعبدين باتباع أقوال الإمام مالكٍ أو غيره من أئمة الإسلام، كيف وقد خالفت الأدلة الشرعية الصحيحة التي سبق ذكر طرفٍ منها، والإمام مالك وغيره من أئمة المسلمين كثيرًا ما يقولون: (إذا خالف قولي قول رسول الله ﷺ ; فاضربوا بقولي عرض الحائط) . الثالث: قال السائل: إن جمهور أهل العلم على أن وجه المرأة ليس بعورةٍ ولا يجب ستره. أقول له: هذا غير صحيح، ومن تتبع أقوال أهل العلم يجد أن كثيرًا منهم على القول بوجوب ستر وجه المرأة وكفيها، حتى قال الإمام أحمد: إن ظفر المرأة عورة. وقال شيخ الإسلام: إن هذا قول الإمام مالك. وعلى هذا كان عمل المسلمين قديمًا، ويدل على ذلك النقول التالية: ١- قال أبو حامد الغزالي في الإحياء (٦/١٥٩مع شرحه) : (لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن متنقبات) . ٢- نقل ابن رسلان اتفاق المسلمين على منع النساء من أن يخرجن سافرات الوجوه (نيل الأوطار٦/١١٤) . ٣- قال ابن حجر في الفتح (٩/٢٢٤) : (لم تزل عادة النساء قديمًا وحديثًا أن يسترن وجوههن عن الأجانب) . وأنصح السائل بقراءة كتاب: حراسة الفضيلة، للشيخ الدكتور/ بكر بن عبد الله أبو زيد؛ فهو كتابٌ قيمٌ مفيدٌ في هذا الباب. هذا والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1995

أصل العبادات والمعاملات المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ١٦/١١/١٤٢٥هـ السؤال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كثيرًا ما نناقش هنا في التحريم علته وسببه، أو الحكمة منه، وسؤالي يتقرر في تفاصيل متفرقة: ما الأصل في العبادات، وما الأصل في المعاملات، ما الأصل في اللباس، ما الأصل في المطعوم والمشروب، ما الأصل في الألعاب والترفيه؟ ثم إذا كان هناك تحريم، فهل على المسلم تطبيقه دون فهم ووعي لعلته، أم يجب عليه الفهم ثم التطبيق؟ وإن كان مطبقًا لأمر الله لا محالة، فهل من الأفضل له أن يعي ثم يطبق، أم يمتثل على غير فهم؟ ومن ذلك مثلًا علة تحريم أكل لحم الخنزير أو غيرها مما لم يرد فيه توجيه لتحريمه إلا النص المتبع. والله يرعاكم. الجواب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: دلَّت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة على الأصل المقدَّم في سائر الأمور، ومنها: العبادات، والمعاملات، واللِّباس، والأطعمة والمشروبات، والألعاب والترفيه، ومعرفة الأصل في هذه الأمور مهمٌّ جدًّا؛ لأن الإنسان إذا أشكل عليه حكم أمرٍ من الأمور فإنه يعمل بما هو الأصل فيها، فإن كان الأصل الإباحة أقدم عليه، وإن كان الأصل التحريم أحجم عنه. وأذكر الآن الأصل في الأمور التي سأل عنها السائل. الأصل في العبادات التوقيف، ومعنى التوقيف أننا لا نتعبَّد لله تعالى، بأي عبادةٍ إلا إذا دلَّ الدليل المعتبر على مشروعيتها، فإن لم يدلّ على مشروعيتها دليلٌ معتبر فإنها لا تكون مشروعةً، ولا يجوز أن نتعبدَّ لله بها، مثلًا: لا يُشرع للإنسان أن يتقرَّب إلى الله ، بالاحتفال بمولد النبي ﷺ ؛ لأن هذا الأمر عبادة، والأصل في العبادات التوقيف، ولم يأتِ في النصوص الشرعية ما يدل على مشروعية هذا الأمر، فلا يكون مشروعًا. والأصل في المعاملات واللِّباس والأطعمة والمشروبات والألعاب والترفيه الحلُّ والإباحة، فإذا جاء دليلٌ من الشارع يحرِّم شيئًا منها فإنه محرَّمٌ؛ لورود الدليل على تحريمه، وإن لم يأتِ دليلٌ من الشارع يدل على تحريم شيءٍ منها فإنه جائزٌ مباحٌ؛ لأن الأصل في هذه الأمور الجواز والإباحة، فمثلًا: يجوز للناس التعامل بكل المعاملات التي لم يحرِّمها الشارع، ويجوز لهم لبس جميع الملابس التي لم يحرِّمها الشارع، ويجوز لهم أكل وشرب كل ما لم يحرِّمه الشارع، وهكذا في الألعاب والترفيه. أما ما يتعلَّق بمعرفة العلة: فإذا جاء أمرٌ أو نهيٌ من الشارع فإن الواجب على المكلفين امتثال الأمر واجتناب النهي، ولا يتوقف ذلك على معرفة علة الأمر والنهي، ولا يُفهم من هذا الكلام أن الإنسان لا يُشرع له البحث عن علة الأحكام الشرعية، بل هو مطلوبٌ ومرغَّبٌ فيه شرعًا، لأن الإنسان إذا عرف علة الأمر أو النهي فإن هذا يكون دافعًا ومشجعًا على الامتثال، إضافةً إلى أن معرفة علة الأحكام الشرعية طريقٌ من طرق معرفة أحكام الحوادث والنوازل التي لم يُنصَّ على حكمها، وذلك عن طريق القياس، فإذا عرفنا علة تحريم أمرٍ ما، ثم وجدنا هذه العلة في أمرٍ آخر لم يُنصَّ على حكمه، فإنا نقيسه على ذلك الأمر المحرم، فيكون محرَّمًا؛ لاشتراكهما في علة التحريم. ونحن نقول إن الواجب على المسلم امتثال أوامر الشارع واجتناب نواهيه من غير أن يتوقف على معرفة العلة وفهمها؛ لأن كثيرًا من الأحكام لا يمكن معرفة العلة فيه، وهي الأحكام التعبدية، كما يسميها بعض أهل العلم، مثل: علة مسح أعلى الخفِّ وترك أسفله، وعلة الوضوء من المذي مع نجاسته والغسل من المني مع طهارته، وعلة نضح بول الصبي وغسل بول الجارية، والحكمة من تقبيل الحجر الأسود، ونحو ذلك. ولو كان الأمر متوقفًا على معرفة العلة وفهمها لما أمكن تطبيق هذه الأمور وامتثالها. وأختم الجواب بالإشارة إلى أن هناك كتبًا عديدة تناولت مسألة تعليل الأحكام الشرعية، وبيَّنت أهميتها وأثرها وما يتعلق بها، وهذه الكتب على صنفين: الصنف الأول: الكتب المؤلفة في أصول الفقه، حيث تكلم الأصوليون عن هذه المسألة في مباحث القياس، وذلك في باب العلة وما يُشترط لها. الثاني: الكتب المؤلفة في مقاصد الشريعة، حيث تكلم مؤلفو هذه الكتب عن مقاصد الشارع في كثيرٍ من الأحكام، وبينوا أن معرفة مقاصد الشريعة من أحكامها متوقفٌ على معرفة علل هذه الأحكام، فإن عُرفت عرف مقصد الشارع فيها، وإن جُهلت جُهل مقصد الشارع فيها. والله الموفق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 1996

الأصل الشرعي لعقوبة السجن المجيب ناصر بن محمد آل طالب القاضي بمحكمة عرعر أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٠٢/٠٢/١٤٢٦هـ السؤال لي سؤالان مرتبطان معاً: الأول: هل لعقوبة السجن أصل شرعي، وهل سبق تطبيقها في أيام الرسول- ﷺ وخلفائه الراشدين ﵃؟. الثاني: قرر العلماء أن من حق السجين أن تزوره زوجته في فترات محددة، وان تهيئ لهما إدارة السجن ما يسمح لهما بممارسة الجماع، وأن هذا حق شرعي للزوج وللزوجة لا يجوز حرمان السجين منه ولو بالعقوبة؛ فهل هذا صحيح؟ الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: نعم عقوبة السجن لها أصل شرعي، فقد حبس النبي ﷺ ثمامة بن أثال الحنفي-﵁ في المسجد ثلاثة أيام، وربطه في سارية من سواري المسجد، كما في صحيح البخاري (٤٦٢) ، وصحيح مسلم (١٧٦٤) . كما اشترى عمر ﵁ دار صفوان بن أمية في مكة واتخذها سجناً، انظر أخبار مكة للفاكهي (٢٠٧٦) ، وسنن البيهقي ٦/٣٤، وقد سجن أولاد علي ﵃ قاتل أبيهم عبد الرحمن بن ملجم حتى قتل، ومن حق السجين أن تزوره زوجته في السجن متى تيسر ذلك وكان المكان مناسباً، وهذا هو المعمول به في سجون المملكة العربية السعودية. والله أعلم.

стр. 1997

الفرق بين قياس الشمول وقياس التمثيل المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٠٦/٠٤/١٤٢٦هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ما الفرق بين قياس الشمول وقياس التمثيل، مع شرح كل نوع مع الأمثلة؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، أمَّا بعد: فإن الأصوليين تكلموا عن القياس، وبينوا حقيقته، وذكروا له أنواعاً كثيرة، إلا أنهم لا يذكرون هذين النوعين غالباً، وإن أشاروا إليهما فإنما هي إشارة عابرةٌ من غير بيان لحقيقتهما، وعلى كلٍ فإنه يمكن أن يُقال في تعريفهما ما يأتي: قياس الشمول: إلحاق جزءٍ بقاعدةٍ كليةٍ، وهو القياس المنطقي المكوَّن من مقدمة صغرى ومقدمة كبرى ونتيجة، وقد عرَّفه شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه القياس المؤلف من المقدمات اليقينية، وأشار -رحمه الله تعالى- إلى أن الأفراد في هذا النوع من القياس متساوية. (الفتاوى الكبرى: ١/١٢٩) . من أمثلة هذا النوع من القياس: حكم بيع الحمل في بطن أمه، حيث حكم أهل العلم بتحريم ذلك، مستدلين بعددٍ من الأدلة، منها قياس الشمول، وبيانه: أن بيع الحمل فيه غررٌ غير يسير، وكل بيع فيه غررٌ غير يسير باطل، فيكون بيع الحمل باطلاً، فالمقدمة الصغرى: (بيع الحمل فيه غررٌ غير يسير) ، والمقدمة الكبرى: (كل بيع فيه غررٌ غير يسيرٍ باطل) ، والنتيجة: (بيع الحمل باطل) . أما قياس التمثيل: فهو القياس الاصطلاحي المشهور، وقد اختلفت عبارات العلماء في تعريفه، ومن أحسن هذه التعريفات أنه: إلحاق فرعٍ بأصلٍ في حكم؛ لاشتراكهما في مناط ذلك الحكم. ومن أمثلة هذا النوع من القياس: حكم من أُحْصِرَ بمرض، هل يجوز له التَّحلل بذلك؟ أجمع العلماء على أن المحُرِمَ إذا حصره عدوٌ ومنعه من البيت الحرام أنه يجوز له التحلل بذلك؛ لقوله تعالى: "فإن أُحصرتم فما استيسر من الهدي" [البقرة:١٩٦] . لكن إذا أُحْصِرَ المُحْرِمُ بغير العدو كالمرض، فهل يجوز له التَّحلل بذلك، أو لا؟ محل خلاف بين أهل العلم، فمنهم من منع من التَّحلل بذلك، وألزمه بالتَّحلل بالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ومنهم من قال بأن له أن يتحلل بذلك، واستدل بعددٍ من الأدلة. منها: قياس التمثيل، وبيانه: أن الإحصار بالمرض مثل الإحصار بالعدو، فيكون حكمهما واحداً. وهنا أُلحِقَ الفرع: (الإحصار بالمرض) بالأصل: (الإحصار بالعدو) في الحكم: (التَّحلل) ؛ لاشتراكهما في مناط الحكم: (المنع من وصول البيت الحرام) . ومن أراد الاستزادة حول هذا الموضوع فعليه بالرجوع إلى مباحث القياس في كتب أصول الفقه، أو كتب المنطق، أو كتب الجدل والمناظرة. والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 1998

ثبوت الأحكام بفعل النبي ﷺ المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ١٣/٠٥/١٤٢٦هـ السؤال ما هي السنة الفعلية، وما دورها في إثبات الأحكام الشرعية؟ الجواب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، أمَّا بعد: فإن السنة المأثورة عن الرسول ﷺ تنقسم إلى ثلاثة أقسام من حيث طريقة بيانه ﷺ للأحكام: القسم الأول: سنة قولية، وهي: ما بينه النبي ﷺ من الأحكام بقوله، كقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات". صحيح البخاري (١) ، وصحيح مسلم (١٩٠٧) ، وقوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". صحيح البخاري (٧٥٦) ، صحيح مسلم (٣٩٤) . القسم الثاني: سنة فعلية، وهي: ما بينه الرسول ﷺ من الأحكام بفعله، كبيانه ﷺ أحكام الحج بفعله كما جاء في الحديث: "لتأخذوا مناسككم". صحيح مسلم (١٢٩٧) . وبيانه لأحكام الصلاة بفعله كما جاء في الحديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي". صحيح البخاري (٦٣١) . ومن هذا النوع ما كان يحكيه الصحابة ﵃ عن رسول الله ﷺ ، وغالباً ما يكون ذلك بلفظ: (كان رسول الله يفعل كذا) ، كقول عائشة ﵂ عند البخاري (١١٧٠) : (كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة, ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين) ، وقول ابن عمر ﵄ عند البخاري (٩٢٨) ، ومسلم (٨٦١) : (كان رسول الله ﷺ يخطب خطبتين، يقعد بينهما) . القسم الثالث: سنة تقريرية، وهي: ما بينه الرسول ﷺ من الأحكام بسكوته وإقراره، كقول أنس ﵁ عند مسلم (٨٣٦) : (كنا نصلي على عهد النبي ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس, قبل صلاة المغرب, فقيل له: أكان رسول الله ﷺ صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما, فلم يأمرنا, ولم ينهنا) . وهذه الأقسام الثلاثة كلها محتجٌ بها في إثبات الأحكام، لا فرق بينها في ذلك. وبهذا يتضح أن أفعال النبي ﷺ طريق من الطرق الدالة على الأحكام الشرعية، إلا أنها تختلف في الدلالة على كون الفعل واجباً أو مندوباً حسب القرائن والأحوال، وقد بين الأصوليون هذا الأمر في مباحث السنة من كتبهم الأصولية، أو في ما أفردوه من مؤلفات في هذه المسألة بخصوصها، ككتاب: المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول ﷺ ، لأبي شامة. والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد

стр. 1999

المسكوت عنه في الشرع المجيب أ. د. حسين بن خلف الجبوري عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ١٠/٠٦/١٤٢٦هـ السؤال أود الحصول على تعريف الأصوليين لمصطلح (المسكوت عنه) . وجزاكم الله خيراً. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فأقول وبالله التوفيق والسداد: المسكوت عنه عند الأصوليين: هو الأمر الذي سكت عنه الشارع فلم يبين حكمه، إلا أن علماء الأصول لا يرد عندهم ذكر المسكوت عنه في الغالب إلا عند تعريفهم لمفهوم الموافقة والمخالفة، فيقولون في تعريف مفهوم الموافقة: هو إثبات حكم المنطوق للمسكوت، مثل إثبات تحريم ضرب الوالدين المفهوم من تحريم التأفيف عليهم في قوله تعالى: "ولا تقل لهما أفٍّ" [الإسراء: ٢٣] ، وكذا يقولون عند تعريف المفهوم المخالف: هو إثبات خلاف حكم المنطوق للمسكوت عنه، مثل: إثبات عدم وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة، مخالفة لإثباتها في حق الغنم السائمة؛ استدلالاً بمفهوم قول الرسول ﷺ " في سائمة الغنم زكاة" أخرجه بلفظه ابن قانع في معجمه - كما في الإصابة (٢/٥٦) - وأخرج البخاري (١٤٥٤) وغيره في حديث الصدقات: "وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة ... ". هذا والله أعلم بالصواب.

стр. 2000

متى يسوغ تأويل النص ؟ المجيب محمد الحسن الدَّدَوْ الداعية الإسلامي المعروف أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام التاريخ ٢٧/١٠/١٤٢٦هـ السؤال هل هناك ضابط يوضّح لنا متى نؤول نصاً من نصوص القرآن والسنة على غير ظاهره، أو على أنه من المجاز؟ مثل حديث نزول المسيح ﵇ فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، قال فيه الشيخ أبو الأعلى المودودي: "إن النزول على الحقيقة، ولكن قتل الخنزير وكسر الصليب يجب أن تُفهم كتعبيرات مجازية". الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فالتأويل هو حمل الدليل المحتمل لمعنيين، أحدهما مرجوح على المعنى المرجوح. فإن كان لدليل يقتضيه، وصدر من مجتهد فهو سائغ. وإلا لم يكن سائغاً. فتأويل قتل الخنزير -بأن معناه تحريم الخنزير ومنع أكله وتربيته، مما يدل على أن عيسى ﵇ سيأتي مجدِّداً لملة محمد ﷺ لا لملته هو، وتأويله كسر الصليب بأن معناه إبطال دعوى الصلب؛ لأن كل الناس سيرون عيسى عياناً، فيعلمون أنه لم يصلب ولم يقتل- من التأويل السائغ، إلا أنه لا حاجة إليه. والله أعلم.
следующие страницы →