Полный текст (10 202 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
الأصل الشرعي لعقوبة السجن
المجيب ناصر بن محمد آل طالب
القاضي بمحكمة عرعر
أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام
التاريخ ٠٢/٠٢/١٤٢٦هـ
السؤال
لي سؤالان مرتبطان معاً:
الأول: هل لعقوبة السجن أصل شرعي، وهل سبق تطبيقها في أيام الرسول- ﷺ وخلفائه الراشدين ﵃؟. الثاني: قرر العلماء أن من حق السجين أن تزوره زوجته في فترات محددة، وان تهيئ لهما إدارة السجن ما يسمح لهما بممارسة الجماع، وأن هذا حق شرعي للزوج وللزوجة لا يجوز حرمان السجين منه ولو بالعقوبة؛ فهل هذا صحيح؟
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
نعم عقوبة السجن لها أصل شرعي، فقد حبس النبي ﷺ ثمامة بن أثال الحنفي-﵁ في المسجد ثلاثة أيام، وربطه في سارية من سواري المسجد، كما في صحيح البخاري (٤٦٢) ، وصحيح مسلم (١٧٦٤) . كما اشترى عمر ﵁ دار صفوان بن أمية في مكة واتخذها سجناً، انظر أخبار مكة للفاكهي (٢٠٧٦) ، وسنن البيهقي ٦/٣٤، وقد سجن أولاد علي ﵃ قاتل أبيهم عبد الرحمن بن ملجم حتى قتل، ومن حق السجين أن تزوره زوجته في السجن متى تيسر ذلك وكان المكان مناسباً، وهذا هو المعمول به في سجون المملكة العربية السعودية. والله أعلم.
стр. 1997
الفرق بين قياس الشمول وقياس التمثيل
المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام
التاريخ ٠٦/٠٤/١٤٢٦هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما الفرق بين قياس الشمول وقياس التمثيل، مع شرح كل نوع مع الأمثلة؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، أمَّا بعد:
فإن الأصوليين تكلموا عن القياس، وبينوا حقيقته، وذكروا له أنواعاً كثيرة، إلا أنهم لا يذكرون هذين النوعين غالباً، وإن أشاروا إليهما فإنما هي إشارة عابرةٌ من غير بيان لحقيقتهما، وعلى كلٍ فإنه يمكن أن يُقال في تعريفهما ما يأتي:
قياس الشمول: إلحاق جزءٍ بقاعدةٍ كليةٍ، وهو القياس المنطقي المكوَّن من مقدمة صغرى ومقدمة كبرى ونتيجة، وقد عرَّفه شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه القياس المؤلف من المقدمات اليقينية، وأشار -رحمه الله تعالى- إلى أن الأفراد في هذا النوع من القياس متساوية. (الفتاوى الكبرى: ١/١٢٩) .
من أمثلة هذا النوع من القياس: حكم بيع الحمل في بطن أمه، حيث حكم أهل العلم بتحريم ذلك، مستدلين بعددٍ من الأدلة، منها قياس الشمول، وبيانه: أن بيع الحمل فيه غررٌ غير يسير، وكل بيع فيه غررٌ غير يسير باطل، فيكون بيع الحمل باطلاً، فالمقدمة الصغرى: (بيع الحمل فيه غررٌ غير يسير) ، والمقدمة الكبرى: (كل بيع فيه غررٌ غير يسيرٍ باطل) ، والنتيجة: (بيع الحمل باطل) .
أما قياس التمثيل: فهو القياس الاصطلاحي المشهور، وقد اختلفت عبارات العلماء في تعريفه، ومن أحسن هذه التعريفات أنه: إلحاق فرعٍ بأصلٍ في حكم؛ لاشتراكهما في مناط ذلك الحكم.
ومن أمثلة هذا النوع من القياس: حكم من أُحْصِرَ بمرض، هل يجوز له التَّحلل بذلك؟ أجمع العلماء على أن المحُرِمَ إذا حصره عدوٌ ومنعه من البيت الحرام أنه يجوز له التحلل بذلك؛ لقوله تعالى: "فإن أُحصرتم فما استيسر من الهدي" [البقرة:١٩٦] .
لكن إذا أُحْصِرَ المُحْرِمُ بغير العدو كالمرض، فهل يجوز له التَّحلل بذلك، أو لا؟ محل خلاف بين أهل العلم، فمنهم من منع من التَّحلل بذلك، وألزمه بالتَّحلل بالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ومنهم من قال بأن له أن يتحلل بذلك، واستدل بعددٍ من الأدلة. منها: قياس التمثيل، وبيانه: أن الإحصار بالمرض مثل الإحصار بالعدو، فيكون حكمهما واحداً. وهنا أُلحِقَ الفرع: (الإحصار بالمرض) بالأصل: (الإحصار بالعدو) في الحكم: (التَّحلل) ؛ لاشتراكهما في مناط الحكم: (المنع من وصول البيت الحرام) .
ومن أراد الاستزادة حول هذا الموضوع فعليه بالرجوع إلى مباحث القياس في كتب أصول الفقه، أو كتب المنطق، أو كتب الجدل والمناظرة.
والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 1998
ثبوت الأحكام بفعل النبي ﷺ
المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام
التاريخ ١٣/٠٥/١٤٢٦هـ
السؤال
ما هي السنة الفعلية، وما دورها في إثبات الأحكام الشرعية؟
الجواب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، أمَّا بعد:
فإن السنة المأثورة عن الرسول ﷺ تنقسم إلى ثلاثة أقسام من حيث طريقة بيانه ﷺ للأحكام:
القسم الأول: سنة قولية، وهي: ما بينه النبي ﷺ من الأحكام بقوله، كقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات". صحيح البخاري (١) ، وصحيح مسلم (١٩٠٧) ، وقوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". صحيح البخاري (٧٥٦) ، صحيح مسلم (٣٩٤) .
القسم الثاني: سنة فعلية، وهي: ما بينه الرسول ﷺ من الأحكام بفعله، كبيانه ﷺ أحكام الحج بفعله كما جاء في الحديث: "لتأخذوا مناسككم". صحيح مسلم (١٢٩٧) . وبيانه لأحكام الصلاة بفعله كما جاء في الحديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي". صحيح البخاري (٦٣١) . ومن هذا النوع ما كان يحكيه الصحابة ﵃ عن رسول الله ﷺ ، وغالباً ما يكون ذلك بلفظ: (كان رسول الله يفعل كذا) ، كقول عائشة ﵂ عند البخاري (١١٧٠) : (كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة, ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين) ، وقول ابن عمر ﵄ عند البخاري (٩٢٨) ، ومسلم (٨٦١) : (كان رسول الله ﷺ يخطب خطبتين، يقعد بينهما) .
القسم الثالث: سنة تقريرية، وهي: ما بينه الرسول ﷺ من الأحكام بسكوته وإقراره، كقول أنس ﵁ عند مسلم (٨٣٦) : (كنا نصلي على عهد النبي ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس, قبل صلاة المغرب, فقيل له: أكان رسول الله ﷺ صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما, فلم يأمرنا, ولم ينهنا) .
وهذه الأقسام الثلاثة كلها محتجٌ بها في إثبات الأحكام، لا فرق بينها في ذلك.
وبهذا يتضح أن أفعال النبي ﷺ طريق من الطرق الدالة على الأحكام الشرعية، إلا أنها تختلف في الدلالة على كون الفعل واجباً أو مندوباً حسب القرائن والأحوال، وقد بين الأصوليون هذا الأمر في مباحث السنة من كتبهم الأصولية، أو في ما أفردوه من مؤلفات في هذه المسألة بخصوصها، ككتاب: المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول ﷺ ، لأبي شامة.
والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد
стр. 1999
المسكوت عنه في الشرع
المجيب أ. د. حسين بن خلف الجبوري
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام
التاريخ ١٠/٠٦/١٤٢٦هـ
السؤال
أود الحصول على تعريف الأصوليين لمصطلح (المسكوت عنه) . وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فأقول وبالله التوفيق والسداد:
المسكوت عنه عند الأصوليين: هو الأمر الذي سكت عنه الشارع فلم يبين حكمه، إلا أن علماء الأصول لا يرد عندهم ذكر المسكوت عنه في الغالب إلا عند تعريفهم لمفهوم الموافقة والمخالفة، فيقولون في تعريف مفهوم الموافقة: هو إثبات حكم المنطوق للمسكوت، مثل إثبات تحريم ضرب الوالدين المفهوم من تحريم التأفيف عليهم في قوله تعالى: "ولا تقل لهما أفٍّ" [الإسراء: ٢٣] ، وكذا يقولون عند تعريف المفهوم المخالف: هو إثبات خلاف حكم المنطوق للمسكوت عنه، مثل: إثبات عدم وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة، مخالفة لإثباتها في حق الغنم السائمة؛ استدلالاً بمفهوم قول الرسول ﷺ " في سائمة الغنم زكاة" أخرجه بلفظه ابن قانع في معجمه - كما في الإصابة (٢/٥٦) - وأخرج البخاري (١٤٥٤) وغيره في حديث الصدقات: "وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة ... ". هذا والله أعلم بالصواب.
стр. 2000
متى يسوغ تأويل النص ؟
المجيب محمد الحسن الدَّدَوْ
الداعية الإسلامي المعروف
أصول الفقه / الأحكام وأدلتها/أدلة الأحكام
التاريخ ٢٧/١٠/١٤٢٦هـ
السؤال
هل هناك ضابط يوضّح لنا متى نؤول نصاً من نصوص القرآن والسنة على غير ظاهره، أو على أنه من المجاز؟ مثل حديث نزول المسيح ﵇ فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، قال فيه الشيخ أبو الأعلى المودودي: "إن النزول على الحقيقة، ولكن قتل الخنزير وكسر الصليب يجب أن تُفهم كتعبيرات مجازية".
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالتأويل هو حمل الدليل المحتمل لمعنيين، أحدهما مرجوح على المعنى المرجوح. فإن كان لدليل يقتضيه، وصدر من مجتهد فهو سائغ. وإلا لم يكن سائغاً.
فتأويل قتل الخنزير -بأن معناه تحريم الخنزير ومنع أكله وتربيته، مما يدل على أن عيسى ﵇ سيأتي مجدِّداً لملة محمد ﷺ لا لملته هو، وتأويله كسر الصليب بأن معناه إبطال دعوى الصلب؛ لأن كل الناس سيرون عيسى عياناً، فيعلمون أنه لم يصلب ولم يقتل- من التأويل السائغ، إلا أنه لا حاجة إليه. والله أعلم.
стр. 2001
الخروج عن المذاهب الأربعة
المجيب د. علي بن حسن الألمعي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد
أصول الفقه / الاجتهاد والتقليد
التاريخ ١٩/١/١٤٢٤هـ
السؤال
ما حكم الخروج عن المذاهب الأربعة؟
وما هو قصد الإمام ابن رجب في رسالته في الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة. وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فقد أجاب سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ على سؤال حول هذا، وأجاب كما ورد في مجموع فتاواه (٣/٢) "لا يجب تقليد أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم مهما كان علمه؛ لأن الحق في اتباع الكتاب والسنة لا في تقليد أحد من الناس.
فالذي يتمكن من الأخذ بالكتاب والسنة يتعين عليه ألا يقلد أحداً من الناس، ويأخذ عند الخلاف بما هو أقرب الأقوال لإصابة الحق، والذي لا يستطيع ذلك فالمشروع له أن يسأل أهل العلم، وفي موضع آخر يزيد الأمر وضوحاً، ويفرق بين من كان أهلاً للأخذ من الكتاب والسنة وتحقيق المسائل، واستنباطها من الأدلة وبين القاصر الذي ليس أهلاً لأن يجتهد فهذا عليه أن يسأل أهل الفقه، ويتفقه في الدين ويعمل بما يرشدونه إليه" (٧/٢٣٨) وللمزيد ينظر مجموع فتاوى ابن تيمية ﵀ (٢٠/٢٠٨-٢١٠) ، أما قصد الإمام ابن رجب ﵀ في رسالته التي أشار إليها السائل فلم أقف على الرسالة حتى أعرف مقصده والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 2002
الموقف من الأئمة المجتهدين
المجيب د. عبد الوهاب بن ناصر الطريري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
أصول الفقه /الاجتهاد والتقليد
التاريخ ٢٠/١/١٤٢٣
السؤال
ماذا تقولون في بعض الأشخاص أو أهل العلم الذي يرمون الإمام أبا حنيفة باتهامات كاذبة وباطلة، متذرعين باختلاف الرأي في مسائل معينة؟ هناك الكثير من السلفيين وأهل الحديث يشنّعون عليه، فماذا ترون في مثل هذه الجماعات؟
الجواب
نقول كما قال الله : " ... ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم" [الحشر:١٠] .
ونقول عن الإمام أبي حنيفة ﵀ إنه إمام هدى، ومعلم خير، وفقيه من فقهاء الإسلام العظام، ومجتهد يبتغي إصابة الحق فيما يجتهد فيه، ونسأل الله له الرحمة، ونحبه ونعظم مذهبه وأتباعه من أهل العلم.
ثم نعلم في الوقت ذاته أنه ليس بمعصوم، وأنه يجتهد فيصيب ويخطئ كما يجتهد غيره من الأئمة مالك والشافعي وأحمد، وكل يؤخذ من قوله ما وافق الدليل ويترك ما خالفه، فلا نتعصب لإمام دون غيره، ولا نقع في إمام عصبيةً لآخر، ولكن نرى أنهم كلهم اجتهدوا، ونحن مأمورون باتباع الحق سواء قال به أبو حنيفة أو الشافعي أو مالك أو أحمد ﵏ ورضي عنهم-.
стр. 2003
تقليد العامي لأحد الأئمة
المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /الاجتهاد والتقليد
التاريخ ٧/٢/١٤٢٥هـ
السؤال
قبل أيام كنت أصلي جنب رجل مسلم، وكان يضع يده على بطنه، فقلت له: يا أخي من السنة أن تضع يدك على صدرك، فرد علي قائلاً: أنا حنفي، فسكت عنه. وسمعت بعد ذلك أن الرجل العامي يجوز له؛ بل يجب عليه أن يقلد إماماً ويتبعه في شيء. فهل هذا الكلام صحيح لكي أعتذر للرجل؟ جزاكم الله عني وعن الإسلام خير الجزاء. وبارك الله فيكم. والسلام.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
مسألة وضع اليدين في الصلاة من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم - وهي من الأفعال التي تسن في الصلاة، ولم يقل أحدٌ من العلماء بوجوب شيءٍ في ذلك، فقال بعضهم بوضع اليدين على الصدر كما هو مذهب الشافعية ورواية عن أحمد، ومنهم من قال بوضعهما أسفل من السرة كما هو مذهب أبي حنيفة، ومنهم من قال بإرسالهما كما هو مذهب مالك، وذهب بعضهم إلى أن المصلي مخير بين الوضع والإرسال وهو رواية عن أحمد.
والذي تدل عليه السنة وتشهد له الأحاديث والآثار هو: وضع اليدين على الصدر؛ لما روى أبو بكر بن خزيمة في صحيحه (٤٧٩) بسنده عن وائل بن حجر-﵁ أنه قال::"صليت مع رسول الله ﷺ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره".
أما مسألة التزام عوام الناس بمذهب إمامٍ معين للعمل به وعدم الخروج عنه، فهي من المسائل التي طال فيها الكلام قديماً وحديثاً، والناس فيها طرفان ووسط؛ فمنهم من يلزم الناس باتباع مذهب إمام معين ولا يسوّغ الخروج عنه إلى مذهب غيره مهما كان السبب الداعي إلى ذلك، ومنهم من يحرّم هذا الأمر ويشنِّع على من يقول به، وهناك من توسط في الأمر فجعله جائزاً في حق من لم يستطع النظر في الأدلة من عامة الناس. وقيل هذا في حق عامة الناس لأنهم لا يستطيعون النظر والاجتهاد، ومن أجل ألاّ يختار أحدهم الأسهل والأهون من أقوال أهل العلم من المذاهب المختلفة.
أما طلاب العلم والقادرون على النظر في الأدلة والاجتهاد في النوازل والحوادث ولو بالاجتهاد الجزئي - وهو القدرة على الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض - فإن الواجب عليهم النظر في الأدلة والعمل بما يوافقها وطرح ما يخالفها؛ لأن الواجب على جميع المكلفين معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها، ولكن تُرك هذا الأمر في حق عامة الناس لعدم قدرتهم عليه؛ لأن الله يقول:" لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" [البقرة:٢٨٦] .
فيبقى الأمر على ما هو عليه فيمن عداهم من أهل العلم وطلابه، وبهذا يتضح أن الشخص العامي الذي لا يستطيع النظر في الأدلة يجوز له أن يقلّد أحد الأئمة المجتهدين المشهود لهم بالعلم والصلاح، ويتبعه في كل ما لم يعلم بطلانه.
أما إذا علم بطلان قوله في أي مسألة من المسائل بأن تبين له فيها دليل يخالف قول إمامه؛ فإن الواجب عليه العمل بما دل عليه الدليل، ولا يجوز له حينئذٍ الاستمرار على ما ذهب إليه إمامه؛ لأن التقليد إنما جاز لهذا العامي لأنه جاهل بالدليل، أما إذا عرفه أو أُخبر به وجب عليه ترك التقليد والعمل بالدليل؛ لعدم الحاجة إلى التقليد. ومن أجل ما سبق ذكره فإنك تخبر صاحبك بما دلّ عليه الدليل الثابت عن رسول الله ﷺ ، وتبين له أن الواجب على المسلم اتباع النبي المصطفى ﵊ في كل ما ثبت عنه، وأن الله لم يتعبد أحداً من الناس باتباع الأشخاص مهما بلغوا من العلم إلا إذا كان الإنسان جاهلاً لا يعلم من الأدلة ما يستطيع العمل به، وفي هذه المسألة اتضحت فيها سنة النبي ﷺ فوجب على الجميع العمل بها. والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 2004
هل يجب التزام مذهب معين ؟
المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /الاجتهاد والتقليد
التاريخ ١١/١١/١٤٢٤هـ
السؤال
هل يجوز لي أن أكون شافعياً؟ ولكن متبعا للدليل، وما الحكم لو خالفتهم في مسألة فقهية مثلا ولو لم يظهر لي الدليل الصريح الصحيح فيها؟
مثلاً: مسألة وجوب الإتيان بالقنوت في صلاة الفجر، فهم يقولون من لم يأت بدعاء القنوت في الفجر يسجد سجود السهو، وغير ذلك.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد اختلف أهل العلم في حكم التزام مذهب معين من المذاهب المعتبرة على أقوال عديدة، والذي يرجحه المحققون منهم: جواز ذلك في حق العامي وغير العالم بأحكام الشريعة؛ لأن هؤلاء لا يستطيعون النظر والاجتهاد، ومن أجل ألاّ يختار أحدهم الأسهل والأهون من أقوال أهل العلم من المذاهب المختلفة.
أما طلاب العلم والقادرون على النظر في الأدلة والاجتهاد في النوازل والحوادث ولو بالاجتهاد الجزئي - وهو القدرة على الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض - فإن الواجب عليهم النظر في الأدلة، والعمل بما يوافقها، وطرح ما يخالفها؛ لأن الواجب على جميع المكلفين معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها، ولكن تُرك هذا الأمر في حق عامة الناس لعدم قدرتهم عليه؛ لأن الله يقول:"لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" [البقرة من الآية:٢٨٦] ، فيبقى الأمر على ما هو عليه فيمن عداهم من أهل العلم وطلابه، وبهذا يتضح أن الشخص العامي الذي لا يستطيع النظر في الأدلة يجوز له أن يقلّد أحد الأئمة المجتهدين، المشهود لهم بالعلم والصلاح، ويتبعه في كل ما لم يعلم بطلانه، أما إذا علم بطلان قوله في أي مسألة من المسائل بأن تبين له فيها دليل يخالف قول إمامه فإن الواجب عليه العمل بما دل عليه الدليل، ولا يجوز له حينئذٍ الاستمرار على ما ذهب إليه إمامه؛ لأن التقليد إنما جاز لهذا العامي؛ لأنه جاهل بالدليل، أما إذا عرفه أو أٌخبر به وجب عليه ترك التقليد والعمل بالدليل؛ لعدم الحاجة إلى التقليد. وإذا ثبت أن العامي يُشرع له تقليد أحد الأئمة المعتبرين فإن مخالفته له حينئذٍ تكون على قسمين:
الأول: أن يخالف العامي مذهب إمامه لظهور دليلٍ صحيح يدل على خلاف ما ذهب إليه إمامه، وهنا يجب على العامي العمل بما دل عليه الدليل وترك التقليد.
الثاني: أن يخالف مذهب إمامه من غير ظهور دليل يدل على خلاف ما ذهب إليه إمامه، وهنا لا يجوز للعامي أن يخالف إمامه؛ لأنه لا يخالفه حينئذٍ على علم-كما في القسم الأول- وإنما على هوى، واتباع الهوى لا يجوز.
أما مسألة القنوت في صلاة الفجر بصفة دائمة، فقد اختلف أهل العلم فيها، وذهب كثير من أهل العلم إلى عدم مشروعية ذلك، وهو الحق؛ لعدم الدليل على ذلك، وإنما دل الدليل على مشروعية القنوت في النوازل التي تنزل بالمسلمين؛ لما ثبت في صحيح مسلم (٦٧٧) عن أنس ﵁: "أن الرسول ﷺ قنت شهراً يدعو على أحياء من أحياء العرب، ثم تركه"، ولما رواه الترمذي (٤٠٢) والنسائي (١٠٨٠) وابن ماجه (١٢٤١) عن أبي مالك الأشجعي أنه قال لأبيه ﵁: إنك صليت خلف رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃ هاهنا بالكوفة نحواً من خمس سنين، أكانوا يقنتون؟ قال: أي بني مُحْدَثٌ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم.
ومما يدل على أن القنوت في غير الوتر مختصٌ بالنوازل التي تنزل بالمسلمين ما رواه أبو هريرة ﵁ أنه قال: " إن رسول الله ﷺ -كان لا يقنت في صلاة الفجر إلا إذا دعا لقوم، أو دعا على قوم " انظر تهذيب الآثار (٥٤٩) .
ولكن الإنسان إذا صلى خلف إمام يرى مشروعية القنوت في صلاة الفجر بصفة دائمة، فإنه يتابعه في الصلاة والقنوت، ويؤمِّن على دعائه، وإن كان المصلي لا يرى مشروعية هذا الأمر؛ لأن مصلحة اجتماع الناس والتفاف بعضهم ببعض خير من التفرق من أجل أمرٍ مختلف فيه، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى قريبٍ من هذا المعنى، حيث قال:" ولهذا ينبغي للمأموم أن يتبع إمامه فيما يسوغ فيه الاجتهاد، فإذا قنت قنت معه، وإن ترك القنوت لم يقنت، فإن النبي ﷺ قال: "إنما جُعل الإمام ليؤتم به" رواه البخاري (٣٧٨) ومسلم (٤١١) من حديث أنس ﵁، وقال: "لا تختلفوا على أئمتكم" انظر ما رواه البخاري (٧٢٢) ومسلم (٤١٤) من حديث أبي هريرة ﵁، وثبت عنه في الصحيح أنه قال: "يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم" رواه البخاري (٦٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁، فإذا قنت لم يكن للمأموم أن يسابقه، فلابد من متابعته، ولهذا كان عبد الله بن مسعود ﵁ قد أنكر على عثمان ﵁ التربيع بمنى، ثم إنه صلى خلفه أربعاً، فقيل له في ذلك، فقال: الخلاف شر " ا. هـ. ولذا فإن الواجب عليك إذا صليت خلف إمام يرى مشروعية القنوت في صلاة الفجر أن تتابعه في القنوت وتؤمن على دعائه، وإذا نسي القنوت وسجد للسهو فعليك متابعته في ذلك؛ لما سبق ذكره.
أما إذا صليت وحدك فلا تقنت؛ لأن الأدلة الصحيحة التي سبق ذكرها تدل على عدم
مشروعيته إلا في النوازل.
والله الموفق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2005
تقليد العامي لأحد المذاهب
المجيب د. محمد بن سليمان المنيعي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
أصول الفقه /الاجتهاد والتقليد
التاريخ ٦/١١/١٤٢٤هـ
السؤال
هل يجب على الشخص العامي تقليد مذهب معين من المذاهب الأربعة؟ أم يجوز له أن يأخذ حكماً من هذا وحكماً من ذاك؟ وأرجو أن تذكروا الأدلة أيضا ليطمئن قلبي. ولكم جزيل الشكر.
الجواب
العامي مذهبه مذهب من يفتيه، والواجب عليه أن يسأل من يثق في دينه وعلمه وأمانته ثم يعمل بفتواه، أما أن يتنقل بين الكتب وأهل العلم يأخذ من كل شيخ أو كتاب ما فيه رخصة له فهذا لا يجوز، ولذلك يقول الإمام أحمد: (من تتبع زلة كل عالم فهو رجل قد اجتمع فيه السوء كله) ، انتهى كلامه.
ولأنه بذلك قد جمع زلات العلماء، وتتبع الرخص، وخرج بمنهج مستقل ملفق لم يقل به أحد من أهل العلم.
стр. 2006
التقليد عند اختلاف العلماء
المجيب د. أحمد بن محمد الخليل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
أصول الفقه /الاجتهاد والتقليد
التاريخ ٩/٣/١٤٢٥هـ
السؤال
نرجو أن تعرفوا لنا معنى العامي الذي يجوز له تقليد من يطمئن إلى علمه وتقواه، وما رأيكم فيمن يقول: إذا اختلف الشيخ الألباني مع الشيخ ابن عثيمين رحمهما الله فإنني آخذ بفتوى ابن عثيمين حتى لو كان الدليل القوي مع الألباني، ولو اختلف ابن باز مع ابن عثيمين رحمهما الله فإنني آخذ بفتوى ابن باز؛ لأنه عندي أعلم حتى لو كان الدليل والحجة مع ابن عثيمين، وبشكل عام هل يجوز للشخص العادي غير المجتهد أن يرجح فتوى من عالم على فتوى من عالم آخر إذا كان يفهم استدلالات كليهما دون النظر إلى أيهما أتقى أو أعلم؟ أم أن ذلك واجب عليه؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
العامي هو الذي لم تتوفر فيه أهلية الاجتهاد، ويجب عليه أن يقلد لعموم قوله تعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" [الأنبياء:٧] ، وقد أجمع الصحابة- ﵃ والتابعون على ذلك، فقد كانوا يفتون العوام الذين يسألونهم دون نكير على ذلك، وإذا كان هناك جماعة من المفتين والعلماء فالواجب على العامي استفتاء الأفضل في العلم والورع فإن استووا تخير بينهم، والعامي الذي لم يحصل شيئاً من العلوم التي يرتقي بها إلى مرتبة الاجتهاد الجزئي أو الكلي، ولم يفهم مقاصد الشرع العامة ولم يمارس الأدلة التفصيلية فهماً واستنباطاً واستدلالاً فهذا لا يجوز له أن يرجح فتوى على فتوى لأن ذلك منه تحكم بلا مستند صحيح. والله أعلم.
стр. 2007
التقليد وبراءة الذمة
المجيب د. إبراهيم بن محمد قاسم رحيم
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
أصول الفقه /الاجتهاد والتقليد
التاريخ ٩/٢/١٤٢٥هـ
السؤال
هل إذا قلَّد العامي عالماً ما تبرأ ذمته بذلك؟ أم أنه لا بد له أن يقوم ببحث خاص؟ ثم إذا قلد عالما من علماء الضلا ل يكون آثما بذلك أم لا؟ ثم نود أن تبينوا لنا حكم التقليد بصفة عامة، وحكم التقليد في العقيدة بصفة خاصة. وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
مما لا شك فيه أن الله سبحانه فاوت بحكمته بين العباد، ولم يوجب على الجميع التوجيه إلى نشاط معين ليتحقق بذلك الاستخلاف في الأرض وعمارتها، وأحكام الشريعة منها ما يكون تعلمه واجباً عينياً على كل مسلم مكلف، وذلك في أمور العبادات، وما يتوقف عليه صحتها، وما يحتاج إليه في تعامله، وبقية أحكام الشريعة على سبيل فرض الكفاية، والعامي لا شك أنه لا يمكنه الاستنباط والاجتهاد ففرضه التقليد، ولكن يقلد من هو أتقى منه وأشد ورعاً وعلماً، ويمكنه أن يعرف ذلك بالتحري، كما أنه في أمور دنياه يتحرى، فأمور دينه يجب عليه فيها التحري أكثر، وفي هذا العصر اختلطت الأمور، وكثرت مصادر الفتوى، ولذلك لا بد من سلوك سبيل الاحتياط والبعد عن الشبهات، وإذا اختلفت الفتوى لديه وكان كل من المفتين على درجة واحدة أو متقاربة فإنه يأخذ بالأحوط، ولا بأس أن يطلب دليلاً أو مرجحاً يعتمده في العمل بأحد القولين، وأما إذا كان المستفتي من علماء الضلال كما قال السائل، فلا يجوز العمل بقوله ولا أخذ فتواه، ولو وافقت الدليل؛ لأن كونه من علماء البدعة أو الضلال موجب لرد قوله، وقد حذر علماء السلف من الأخذ عن علماء البدعة والضلال؛ لأن في الأخذ منهم إظهاراً لشأنهم، وإعلاماً بهم، وهذا مخالف لما دلت عليه النصوص.
أما مسائل العقيدة فقد ذكر العلماء أنها مما لا يدخل في مجال التقليد، بل يجب فيها معرفة الحق بدليله، وهي ظاهرة، وما استقر عليه أهل السنة والجماعة مما يجب اعتقاده في الإلهيات أو النبوات أو السمعيات، وكله مدون بأسلوب واضح سهل، ولله الحمد، والسؤال المذكور يتطلب تفصيلاً أكثر ويمكن للسائل الرجوع إلى كلام لابن القيم في إعلام الموقعين. والله أعلم.
стр. 2008
أسباب اتباع كل بلد لإمام معين
المجيب عبد الله بن سعد الكليب
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /الاجتهاد والتقليد
التاريخ ٢١/٢/١٤٢٥هـ
السؤال
ما هو سبب أخذ بلد معين بمذهب معين؟ مثلا بلاد الشام تأخذ بمذهب الإمام الشافعي, السعودية تأخذ بمذهب الإمام أحمد. فهل هناك سبب معين لاختيار إمام معين؟ وهل هناك رؤية واضحة بأن إماماً معيناً يصلح في بلد معين أكثر من غيره, وجزاكم الله كل خير.
الجواب
بسم الله، والصلاة والسلام على رسوله وبعد:
فلأخذ بلد ما مذهبا فقهيا معينا أسباب كثيرة، أهمها: تبني السلطة السياسية في القائمة البلد لذلك المذهب، فبلاد الشام ساد فيها مذهب الشافعي لتبني الدولة الأيوبية له، وبعدها دولة المماليك - وإن كان بدرجة أقل، وكذلك الأمر في المملكة العربية السعودية. ومن الأسباب نشاط أتباعه وكثرة الأوقاف المحبوسة عليهم، وتوليهم للمناصب الشرعية كالقضاء والحسبة والتدريس، وكل المذاهب الفقهية صالحة لجميع بلاد المسلمين، ولا يبعد أن يكون بعضها أنسب من بعض في بعض البلدان لظروفها السياسية أو الاجتماعية.
стр. 2009
الحق واحد أم متعدد ؟؟
المجيب هاني بن عبد الله الجبير
قاضي بمحكمة مكة المكرمة
أصول الفقه /الاجتهاد والتقليد
التاريخ ٢٨/٠٨/١٤٢٥هـ
السؤال
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ الفاضل: كثيرًا ما نسمع من بعض إخواننا هذه العبارة: (الحق واحد) . فهل هذه قاعدة من الفقه أو الحديث؟
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فلا شك أن الحق في المسائل الخلافية واحد، والحق لا يتعدد على الصحيح من قولي أهل العلم، ودليل ذلك أن النبي ﷺ قال: "إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ ". متفق عليه البخاري (٧٣٥٢) ومسلم (١٧١٦) ، ففي هذا الحديث قسَّم النبي ﷺ المجتهدين إلى مصيب ومخطئ، فالحكم في كل مسألة عند الله تعالى- واحد، يوفق إليه من شاء من عباده، ولذا كان الفقهاء يرد بعضهم على بعض، ويخطئ بعضهم بعضًا، قال ابن عبد البر: (والصواب مما اختلف فيه وتدافع: وجه واحد، ولو كان الصواب في وجهين متدافعين ما خطأ السلف بعضهم بعضًا في اجتهادهم وقضائهم وفتواهم، والنظر يأبى أن يكون الشيء وضده صوابًا كله) . جامع بيان العلم وفضله (٢/٨٨) . وإذا اختلف أهل العلم في مسألة من مسائل الدين فإن الواجب على من استطاع الاجتهاد وتمكن منه باجتماع آلاته عنده أن يجتهد في معرفة الصواب) ، فإن لم يكن من أهل الاجتهاد فإنه يتبع من يثق به أكثر ويعتقد أنه الأعلم، ولتكن حاله كحالة المريض الذي وصف له طبيبان علاجًا فإنه يستعمل وصفة الأكثر علمًا الذي يعتقد أنه أوثق وأتقن في فنه، فإن استويا لديه ولم يتمكن من ذلك فله أن يختار ما شاء من القولين. والله الموفق والهادي، لا إله إلا هو.
стр. 2010
اجتهاد الصحابة ﵃ واختلافهم
المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /الاجتهاد والتقليد
التاريخ ٠٩/٠٥/١٤٢٥هـ
السؤال
كيف نوفِّق بين وجوب اتباع آراء السلف من الصحابة ﵃ واختلافهم في اجتهاداتهم في بعض الأحيان؛ وهل اختلف الصحابة ﵃ في تأويل النصوص من الكتاب والسنة؟.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن المقرر عند أهل العلم أن أفضل هذه الأمة -بعد النبي ﷺ هم صحابته ﵃، كيف لا وقد أخبر الله أنه قد رضي عنهم وأرضاهم، وانطلاقاً من فضلهم وعدالتهم ومصاحبتهم للنبي ﷺ فإن لأقوالهم من المنزلة والفضل ما ليس لغيرهم من العلماء على مر العصور، وهذا الأمر هو الذي جعل كثيراً من أهل العلم يعدون قول الصحابي من الأدلة التي يحتج بها على الأحكام؛ لأنهم عاصروا تنزل الوحي، وشاهدوا الوقائع مع النبي ﷺ ، ومن هذا الباب ما ذكره الإمام الشاطبي، حيث قرر أن الواجب على الناس عموماً أن يفهموا نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة مثل ما فهمها الصحابة ﵃؛ لأنهم هم الذين خوطبوا بهذه الأدلة أولاً، فلا بد أن نفهمها كما فهموها؛ لنعمل بها كما عملوا هم بها.
وإذا نظرنا إلى واقع الصحابة ﵃ نجد أنه قد صدر منهم عدد كبير من الأقوال والأحكام والفتاوى والاجتهادات، والمسلم عموماً مأمور باتباع الصحابة ﵃، إلا أن ذلك يختلف بحسب اختلاف الأحوال المصاحبة لتلك الأقوال، ويمكن تقسيم المسألة إلى الأقسام التالية:
١- إن كان الصحابة متفقين على حكم معين في مسألة من المسائل، فهذا يعد إجماعاً منهم، والواجب على كل من جاء بعدهم أن يصير إلى قولهم ولا يجوز له مخالفتهم؛ لأنهم مجمعون على هذا القول، ومن خالفهم والحالة هذه فإنه يكون متبعاً غيرَ سبيل المؤمنين، والله يقول:"ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً ".
٢- إن صدر من أحد الصحابة قولٌ وانتشر بين الصحابة-﵃، ولم يخطِّىء أحد من الصحابة-﵃ هذا القول، ولم يصدر من أحد من الصحابة ﵃ إنكار على صاحب هذا القول، فإن الواجب علينا اتباع هذا القول؛ لأن القول المنتشر الذي لم يخالفه أحد يعد نوعاً من أنواع الإجماع، وهو الإجماع السكوتي، وأكثر أهل العلم على أن الإجماع السكوتي يجب اتباعه ولا تجوز مخالفته.
٣- إن صدر قول من أحد الصحابة، ولم ينتشر هذا القول، ولم يُنقل إلينا أن غيره من الصحابة قد خالفه، وهذا القسم حصل فيه خلاف بين أهل العلم، والذي عليه كثيرٌ من أهل العلم أن قول الصحابي بهذه الحالة يجب اتباعه، وذكروا عدداً من الأدلة الدالة على وجوب الأخذ بقول الصحابي بهذه الحالة، والمقام لا يتسع لذكرها.
٤- إن صدر من أحد الصحابة قول معين في أي مسألة من المسائل، وخالفه غيره من الصحابة، فإنه ليس قول بعضهم حجة على بعض، ولذلك فإنه لا حرج على من اتبع أيّاً من القولين.
والخلاصة: أن اتباع الصحابة ﵃ واجب فيما اتفقوا عليه قولاً أو سكوتاً، أما ما اختلفوا فيه فإنه لا يجب اتباع قول معين منه، وإنما الواجب علينا ألاَّ نخرج عن مجموع أقوالهم، ولذلك فإنه لا يجوز لنا إحداث قول لم يقل به أحد منهم، مثلاً: إذا اختلف الصحابة ﵃ في مسألة من المسائل على قولين: الأول: الجواز، والثاني: الكراهة، فيجب علينا اتباعهم في أحد هذين القولين، ولا يجوز لنا أن نحدث قولاً جديداً لم يقل به أحد من الصحابة ﵃ كأن نقول بالتحريم مثلاً؛ لأن اختلافهم على هذين القولين فقط هو بمثابة الإجماع منهم بعدم جواز قول ثالث.
وهذا الكلام عام في كل ما نقل عن الصحابة ﵃، ومن ذلك ما يتعَّلق بتأويل النصوص من الكتاب والسنة، فقد حملت لنا كتب التفاسير والسنن والمصنفات والآثار عدداً كبيراً من الأقوال الصادرة عن الصحابة ﵃ فيما يتعلق بتأويل النصوص من الكتاب والسنة وتفسيرها، بل إن كثيراً من كتب التفسير اهتمت بأقوال الصحابة ﵃؛ حيث إنهم يفسرون القرآن بالقرآن، وبالسنة، وبأقوال الصحابة ﵃.
والأقوال المنقولة عن الصحابة ﵃ فيما يتعلق بتأويل النصوص منها ما هو متفق عليه بين الصحابة-﵃، ومنها ما وقع فيه خلاف بينهم، وموقفنا من هذه الأقوال يكون على وفق التقسيم السابق ذكره.
والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2011
الاجتهاد في استنباط الأحكام من النصوص
المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /الاجتهاد والتقليد
التاريخ ١١/٦/١٤٢٥هـ
السؤال
هل الاجتهاد واستنباط الحكم من النصوص الشرعية أمر جائز؟ أم يجب عدم الخروج عن محتوى النص؟ وما الدليل الشرعي على ذلك؟.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله تعبَّد الناس باتباع شرعه، وأمرهم بالتحاكم إليه في كل أمورهم، ولم يكلهم في ذلك إلى أهوائهم وشهواتهم، وإنما أنزل إليهم كتابه تبياناً لهم، وأمرهم بالرجوع إليه، وإلى ما أنزل على رسوله ﷺ .
إذا نظرنا في نصوص الكتاب والسنة من حيث دلالتها على الأحكام وجدناها قسمين:
القسم الأول: نصوص خاصة دلت على أحكام خاصة، مثل آيات التوحيد وإثبات صفات الله -تعالى-، والأمر بفرائض الإسلام، ومقادير المواريث، والزكوات، وما إلى ذلك، وهذه النصوص دلت على أحكام واضحة جلية، ولذلك فإنها لا تحتاج إلى اجتهاد في إثباتها أو في أحكامها الأساسية، ولذلك تضافرت النقول عن أهل العلم في المنع من الاجتهاد في هذه المسائل، حتى جعلوا من ذلك قاعدةً معتبرةً، وهي قولهم: (لا مساغ للاجتهاد في مورد النص) .
الثاني: نصوص عامة، هي عبارة عن كليات وعمومات، يدخل فيها ما لا حد له من المسائل والأحكام، وهذا القسم هو الغالب في النصوص الشرعية، وهذه النصوص تحتاج إلى أن يجتهد العالم في دلالتها، وأن يبذل وسعه في استنباط ما تدل عليه من أحكامٍ، والاجتهاد في هذه النصوص ليس أمراً جائزاً فحسب، بل هو مأمور به؛ لأنه هو طريق معرفة حكم الشريعة في أغلب المسائل، بل هو السر في بقاء هذه الشريعة المباركة واستمرارها، وصلاحها لكل زمان ومكان؛ لأن النصوص الشرعية محصورة ومتناهية، والحوادث غير متناهية، ولا طريق لمعرفة أحكام الحوادث إلا بالاجتهاد في عمومات الشريعة وكلياتها من أجل استنباط الأحكام منها، ويمكن التمثيل لهذا القسم بقوله -تعالى-:"ويحرم عليهم الخبائث"، فإن هذا النص لا يمكن الحكم بمجرده على تحريم شيءٍ معين إلا بعد الاجتهاد في إثبات كون هذا الشيء ضاراً، ومن ثم يمكن تطبيق هذا الدليل على ما لا يُحصر من المسائل والفروع، وكقوله ﵊:"لا ضرر ولا ضرار" فإنه يحتاج إلى اجتهاد في إثبات الضرر ووقوعه، وبالتالي نستطيع أن نطبقه على ما لا حد له من المسائل.
والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2012
التمذهب واتباع الدليل
المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /الاجتهاد والتقليد
التاريخ ٢٣/٠٦/١٤٢٥هـ
السؤال
أنا رجل مسلم زائرٌ يوميٌّ لموقعكم "موقع الإسلام اليوم". فأشكر كل من يعمل في هذا الموقع الذي يطلع عليه الناس من نواحٍ شتى؛ ليجدوا الحل لمشكلاتهم، وأدعو الله أن يجزي كل من يعمل على هذا الموقع أحسن الجزاء. ففضيلة الشيخ عندي سؤال واحد. أتمنى منكم أن تردوا عليه في أقرب وقت.
فيا فضيلة الشيخ العلماء وجمعياتهم كثيرة عندنا، ولكنهم مختلفون في آرائهم. فبعض العلماء يزعمون أن تقليد أحد المذاهب الأربعة واجب على كل مسلم، وكذلك لو رأى أحدٌ - إن كان عالماً أو عامياً - الأدلةَ القاطعةَ من أحاديث النبي ﷺ ضد مذهبه المُتَّبَعِ فلا يجوز له أيضا الفعل به؛ لأن أئمة المذهب رأوا من الأحاديث التي لم نرها في العصر الحالي، ولكن لما أمعنتُ نظري إلى موقعكم فقرأتُ فيه مرةً (إذا وَجد مُتَّبِعُ المذهب دليلاً قاطعاً من أحاديث النبي ﷺ ضد مذهبه فعليه أن يَعمل حسبَ حديثِ النبي ﷺ ) ، فمثلا أنا متبع المذهب الشافعي، ففي هذا المذهبِ القنوتُ في صلاة الفجر مِن أبعاضِ السنة للصلاةِ. فلذلك لو نَسي أحدٌ أن يَقنتَ في الصبح فعليه أن يسجد للسهو. ولكن إذا نظرنا إلى الأحاديث التي عندنا الآن لا نستطيع أن نرى فيها الأمرَ للقنوت مِن طرفِ النبي ﷺ ولا من أصحابه الكرام- ﵃، فالقنوت أمر لم يَفعله ﷺ ، فتركُ القنوتِ أحسنُ على ما فهمتُ من موقعكم؛ لأنا لا نستطيع أن نَستدلّ بأي من الأحاديث للقنوت، ولكنَّ بعضَ العلماء يقولون: لا يجوز لشافعيٍّ أن يَترك القنوتَ، ويتبع حديثَ النبي ﷺ الذي ضد مذهبه؛ لأن الناس في العصر الحديث مُقلِّدون وليسوا بمجتهدين، فماذا يفعل المؤمنُ إذا رأى حديثاً ضد مذهبه؟ أعينوني بالإفتاءِ على هذه القضية في أقرب وقت. والله الموفق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الواجب على جميع المكلفين- في سائر الأزمان - اتباع الأدلة الشرعية من الكتاب، وما صحّ عن رسول الله ﷺ والمصير إلى ما تدل عليه، وليس لقول أي أحدٍ من الناس -مهما كان علمه وقدره- وزن مع قول الله أو قول رسوله ﷺ ، فإذا وجدنا قولاً لأحد العلماء يعارض قول الله أو قول رسوله ﷺ فإننا نضرب به عرض الحائط، وهذا الأمر هو معنى ما ورد عن عدد من أئمة الإسلام التي تفيد طرح أقوالهم وفتاواهم إذا خالفت الأدلة الشرعية كالإمام مالك والشافعي وغيرهم.
ولكن إذا لم يكن الإنسان من أهل النظر في الأدلة الشرعية، وتمييز الصحيح منها من الضعيف، وليس من أهل استنباط الأحكام من الأدلة، فإنه يجوز له أن يقلد أحد الأئمة المشهود لهم بالعلم والورع؛ لأن هؤلاء العامة لا يستطيعون النظر والاجتهاد، ومن أجل ألاّ يختار أحدهم الأسهل والأهون من أقوال أهل العلم من المذاهب المختلفة، ولذلك فإنه يُلزم باتباع مذهب من مذاهب أهل العلم المعتبرة.
أما طلاب العلم والقادرون على النظر في الأدلة والاجتهاد في النوازل والحوادث فإن الواجب عليهم النظر في الأدلة والعمل بما يوافقها وطرح ما يخالفها؛ لأن الواجب على جميع المكلفين معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها، ولكن تُرك هذا الأمر في حق عامة الناس لعدم قدرتهم عليه؛ لأن الله -يقول:" لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" [البقرة: ٢٨٦] ، فيبقى الأمر على ما هو عليه فيمن عداهم من أهل العلم وطلابه.
وبهذا يتضح أن الشخص العامي الذي لا يستطيع النظر في الأدلة يجوز له أن يقلّد أحد الأئمة المجتهدين المشهود لهم بالعلم والصلاح، ويتبعه في كل ما لم يعلم بطلانه، أما إذا علم بطلان قوله في أي مسألة من المسائل، بأن تبين له فيها دليل يخالف قول إمامه فإن الواجب عليه العمل بما دل عليه الدليل، ولا يجوز له حينئذٍ الاستمرار على ما ذهب إليه إمامه؛ لأن التقليد إنما جاز لهذا العامي؛ لأنه جاهل بالدليل، أما إذا عرفه أو أٌخبر به وجب عليه ترك التقليد والعمل بالدليل؛ لعدم الحاجة إلى التقليد.
وهنا يجب التنبيه إلى أن العامي لا يسوغ له ترك مذهب إمامه في أي مسألة من المسائل، وإنما يتركه عندما يظهر له دليل صحيح صريح يخالف مذهب إمامه، ويتبعه فيما عدا ذلك. أما إذا لم يظهر له دليلٌ يدل على خلاف ما ذهب إليه إمامه، فإنه لا يجوز له أن يخالف إمامه؛ لأنه لا يخالفه حينئذٍ عن علم، وإنما مستنده في ذلك الهوى، واتباع الهوى لا يجوز.
على أنه يجب علينا أن نحسن الظن بأئمة الإسلام وعلمائه عندما نجد لهم أقوالاً تخالف أدلة الكتاب والسنة، ونعتذر لهم بأن هذه الأدلة لم تبلغهم أو لم تصح عندهم؛ لأنهم لو بلغتهم هذه الأدلة وصحَّت عندهم فإنهم -ومن دون شك- سيصيرون إليها وسيقولون بمقتضاها.
والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2013
التعارض بين النصوص الشرعية
المجيب محمد بن صالح الدحيم
القاضي في محكمة الليث
أصول الفقه / التعارض والترجيح
التاريخ ١٤/٢/١٤٢٤هـ
السؤال
أنا مسلم وأحب الإسلام حتى الموت، ولكني حينما أطلع على كثير من الأحاديث النبوية أرى بعضها يناقض بعضاً أحياناً ويناقض بعضها القرآن أحياناً أخرى، وحينما أنظر في تعليل ذلك من قبل العلماء السابقين أو الحاضرين لا أراني مقتنعاً، ولا أجد لها تفسيراً إلا قوله تعالى:"ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً" فهل نظريتي سليمة؟
الجواب
الحمد لله، وبعد:
مسألة التعارض، من المسائل الكبار، ولكن من أهم المهم أن تعلم ما يلي:
(١) أن كثيراً مما يظن فيه التعارض هو في نظر الناظر، وراجع إلى نقص في الفهم.
(٢) أن كثيراً منه أيضاً يكون سببه أن أحد الدليلين المتعارضين صحيح والآخر ضعيف أو أحدهما صريح والآخر غير صريح، فالصحيح الصريح يندر أن يعارض مثله، ومع ذلك فإن وجد فيصار إلى الترجيح.
(٣) أن يكون أحد الدليلين عاماً والآخر خاصاً، فيبقى العام على عمومه ويخص منه ما ورد الدليل الخاص بتخصيصه ولا تعارض، ولذلك بسط في مصنفات مستقلة.
وسؤالك جاء عاماً ولو ذكرت لنا مثالاً لأمكن تفصيل الجواب حوله، ولذا فنصيحتي لك التوجه إلى ما أجدى في العلم والعمل، والتزود من العلم النافع، والمشاركة في العمل الجاد وستصيب من ذلك خيراً كثيراً بإذن الله، بارك الله فيك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2014
احترنا بين أقوال العلماء !
المجيب د. خالد بن علي المشيقح
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
أصول الفقه /التعارض والترجيح
التاريخ ١٦/٢/١٤٢٥هـ
السؤال
على أي أساس نقول هذا الرأي هو الأقوى أو الأصح؟ وهل يجوز اتباع رأي أحد المشايخ في يوم ورأي شيخ آخر في يوم آخر؟ بمعنى أن نصلي على المذهب الشافعي في يوم، وعلى المذهب الحنفي في يوم آخر.
الجواب
الأصل أن الإنسان متبع لما جاء في القرآن والسنة، ويدل لهذا أدلة كثيرة من ذلك: قول الله : "ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين" [القصص:٦٥] ، لا يقول: ماذا أجبتم فلاناً أو فلاناً من العلماء، وأيضاً قول الله : "أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله" [الشورى:٢١] ، وأيضاً من السنة حديث العرباض بن سارية ﵁، أن النبي ﷺ قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" رواه الترمذي (٢٦٧٦) ، وأبو داود (٤٦٠٧) ، وابن ماجة (٤٢) ، وأيضاً ما ثبت في صحيح مسلم (٨٦٧) عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: "أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ " وحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"رواه البخاري (٢٦٩٧) ، ومسلم (١٧١٨) واللفظ له، وأيضاً قول النبي ﵊: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله" رواه البخاري (٧١٣٧) ، ومسلم (١٨٣٥) من حديث أبي هريرة ﵁، والنصوص في هذا كثيرة جداًّ، وإذا اختلف العلماء ﵏ على قولين فأكثر فإن الإنسان لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يتبين له الحق من الكتاب والسنة، فهذا يجب عليه أن يتبعه؛ لما تقدم من الدليل.
الأمر الثاني: ألا يتبين له كأن يكون عامياً، أو تتكافأ عنده الأدلة، ونحو ذلك، فهذا يأخذ بقول أوثق العالمين علماً وورعاً، فإن تساوى عنده العالمان في العلم والورع، قال بعض الأصوليين: بأنه يتخير من أقوالهما، وقال بعض الأصوليين بأنه يأخذ بالأشد. والله أعلم.
стр. 2015
الجمع بين البراءة من النصارى والزواج بنسائهم
المجيب أ. د. محمد بن أحمد الصالح
أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /التعارض والترجيح
التاريخ ١١/٤/١٤٢٤هـ
السؤال
كيف علينا ألا نود النصارى وألا نسلم عليهم، ولا نتعامل معهم، وقد سمح الله
تعالى للمسلمين بالزواج منهم؟ ما يعني حبهن وإنجاب الأطفال منهن وتركهن على دينهن إذا أبين أن يسلمن، وهن اللواتي يربين الأطفال، فكيف ذلك الفاصل
الشعوري الذي يجب أن يكون بين الفئتين؟ ووصفهم بالكفار، مع العلم أنني
أتكلم عن فئة النصارى التي لا تشرك بالله تعالى، والتي تؤمن بأنه واحد
أحد، وأن عيسى ﵇ رسول الله. الكثير من الفتاوى تنص على أن النصارى هم من أهل النار، لأنهم لم يؤمنوا بسيدنا محمد ﵊ فكيف يكون للزوج حق القوامة، وتوجيه امرأته في أمور دينها ومعاشها، وأن يتزوج نصرانية بذات الوقت ويبقيها على دينها؟
الجواب
أحل الله ﵎ للمسلمين الزواج بالكتابيات المحصنات، العفيفات، كما جاء في الآية الخامسة من سورة المائدة؛ فالكتابية العفيفة التي ليس لها صديق، وإنما كانت في مسلك رشيد بعيد عن الفواحش يحل الزواج بها وتتولى الإنجاب وتربية الأولاد. والنصارى واليهود المسالمون -إن وجدوا- لا ينهانا الله عن معاملتهم بالحسنى، وإكرامهم واحترامهم، كما قال تعالى: "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [الممتحنة:٨] ، وقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" [المائدة:٨] ، وفئة النصارى وصفهم الله بالكفر في قوله: "لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [المائدة:٧٣] ، وقال تعالى: "لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ" [المائدة: من الآية١٧] ، وقال تعالى: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ" [التوبة:٣٠] ، وإذاً فالمشهور عن النصارى اعتقادهم عقيدة التثليث، وليس فيهم من يؤمن بالله رباً، وأن عيسى عبد الله ورسوله، ولا أدري من أين جئت بمفهومك هذا؟!.
стр. 2016
استبدال الكفارات بالأدعية
المجيب عبد الرحمن بن عبد الله العجلان
المدرس بالحرم المكي
أصول الفقه /التعارض والترجيح
التاريخ ٧/٦/١٤٢٤هـ
السؤال
السلام عليكم، ورد في بعض الكفارات عتق رقبة فهل يجوز استبدالها بما ورد في الأحاديث الصحيحة أن قول دعاء معين لا أذكره بمثابة عتق رقبة من ولد إسماعيل وجزاكم الله خيراً.
الجواب
إذا كان على المرء عتق رقبة وهو قادر على ذلك فلا يجزئ عنه الإتيان بالذكر الوارد، وإنما الذكر الوارد فضله عظيم، وينال به المرء ثواب العتق وفضله بخبر الصادق ﷺ ولكنه لا يكفي عن إعتاق الرقبة الواجبة، وإليك أخي الحبيب الوارد في فضل الذكر وأنه ينال به فضل العتق، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت عدل عشر رقاب وكتب له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه"، وقال: "ومن قال في يوم سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر "متفق عليه البخاري
(٦٤٠٣-٦٤٠٥) ، ومسلم (٢٦٩١) ، وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرار كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل" متفق عليه البخاري (٦٤٠٤) ، ومسلم (٢٦٩٣) ، ولا تخالف بين الحديثين لأن مقابل المئة عشر رقاب وكتابة مائة حسنة ومحو مئة سيئة وكانت حرزه من الشيطان يومه ذلك، وفي حديث أبي أيوب ثواب العشر مرات كمن أعتق أربعة أنفس ولم يذكر معها غيرها.
стр. 2017
الجمع بين إيجاب حد الردة وآية "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ "
المجيب سليمان بن عبد الله القصير
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
أصول الفقه /التعارض والترجيح
التاريخ ١/٦/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم.
وفقاً لحديث متفق على صحته: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" وذكر منها المرتد"، ألا يكون ذلك مناقضاً لقوله تعالى: "لا إكراه في الدين"؟ أرجو بيان وجه التعارض. وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيظهر من السؤال أن السائل على معرفة، ويحتاج إلى بيان وتوضيح في الإجابة؛ ولذا سأبسط الجواب وأوضحه له إن شاء الله؛ فأقول:
ليس بين الآية والحديث تعارض - بحمد الله -؛فإن الحديث، وكذا الأحاديث الأخرى التي جاءت في قتل المرتد كحديث: "من بدَّل دينه فاقتلوه" رواه البخاري (٣٠١٧) من حديث علي ﵁ كلها في من كان مسلماً، وذاق حلاوة الإيمان، ثم ارتدَّ عنه- والعياذ بالله- إلى الكفر مختاراً له ومفضلاً له على الإيمان، وردته هنا وكفره تستلزم تنقصه لله ولرسوله ﷺ ولدينه القويم، فلذا استحق القتل عقوبة له؛ فإن فعله هذا جريمة لا يعدلها جريمة. وقد نقل الإجماع على وجوب قتله ابن قدامة في (المغني٩ /١٦) .
كما أن المفسدة التي تترتب على ردة المسلم عن دينه أعظم بكثير من مفسدة بقاء الكافر الأصلي على كفره.
أما الآية وهي قوله تعالى: "لا إكراه في الدين" [البقرة:٢٥٦] ، فهي في الكافر الأصلي الذي لم يدخل الإسلام أصلاً، وقد جاء في تفسير هذه الآية قولان للمفسرين:
أحدهما: أنها منسوخة بآيات القتال، - فلا تكون معارضة للحديث - وعلى القول بنسخها فإنه يكره جميع الكفار على الإسلام؛ لأن النبي ﷺ قد أكره العرب على دين الإسلام، ومن أبى منهم الدخول فيه أو بذل الجزية قاتله - وهذا هو الإكراه -، ومن أدلة هذا أيضاً: قول الله -تعالى-: "ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون" [الفتح: ١٦] ، وقوله تعالى: "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم" [التوبة: ٧٣] ، وقوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار" [التوبة: ١٢٣] .
وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري (٣٠١٠) عن أبي هريرة-﵁ عن النبي ﷺ قال: "عجب الله من قومٍ يدخلون الجنة في السلاسل". يعني الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإسلام في الوثاق والقيود ثم بعد ذلك يسلمون فيدخلون الجنة وهذا القول ذهب إليه بعض المفسرين.
والقول الثاني: أنها محكمة غير منسوخة، وأنها نزلت في أهل الكتاب خاصة (اليهود والنصارى والمجوس، وهم من تؤخذ منهم الجزية) ، وأنهم لا يكرهون على الإسلام إذا بذلوا الجزية، وأما المشركون والكفار فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو يقاتلون؛ لأنهم الذين نزل فيهم قوله تعالى: "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين" [التوبة: ٧٣] ، وهذا قول أكثر المفسرين منهم: سعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وقتادة والحسن والضحاك، وهو قول عمر بن الخطاب-﵁، فقد روى زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر ﵁ يقول لعجوز نصرانية: أسلمي أيتها العجوز تسلمي؛ إن الله بعث محمداً بالحق، قالت أنا عجوز كبيرة، والموت إلي قريب، فقال عمر-﵁: اللهم اشهد وتلا:" لا إكراه في الدين" [البقرة: ٢٥٦] .
وجاء عن ابن عباس ﵄: أن هذه الآية نزلت فيمن دخل اليهودية من أبناء الأنصار أنهم لا يكرهون على الإسلام. رواه أبو داود في سننه ح (٢٦٨٢) وهذا القول رجحه شيخ المفسرين ابن جرير الطبري.
وقال ابن حزم الظاهري ﵀: (وأما قول الله -تعالى-: "لا إكراه في الدين" [البقرة: ٢٥٦] ، فلم يختلف أحد من الأمة كلها في أن هذه الآية ليست على ظاهرها؛ لأن الأمة مجمعة على إكراه المرتد عن دينه - يعني بالرجوع إلى الإسلام - ... الخ) .
وليس قول العلماء هنا بإكراه الكفار يشمل إكراه كل كافر على الدخول في الإسلام، بل المراد الكفار المحاربين الذين وقع بينهم وبين المسلمين قتال، أما من لم يقع بين المسلمين وبينهم قتال فلا يكرهون، وقد نص العلماء على الذمي والمعاهد والمستأمن - وهم كفار - أنهم لا يجوز إكراههم، قال ابن قدامة في (المغني ٩ /٣٠) : (الدليل على تحريم الإكراه قوله تعالى: "لا إكراه في الدين" [البقرة: ٢٥٦] ، وأجمع أهل العلم على أن الذمي إذا أقام على ما عوهد عليه والمستأمن لا يجوز نقض عهده، ولا إكراهه على ما لم يلتزمه) . والله أعلم، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وينظر للزيادة في هذا المراجع التالية:
١- تفسير ابن جرير ٣/ ١٤.
٢- تفسير ابن كثير ١/ ٣١١.
٣- تفسير القرطبي ٣/ ٢٧٩.
٤- المحلى لابن حزم ٩/ ٢٢٥.
стр. 2018
كيف نجمع بين هذين النصين ؟!
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
أصول الفقه /التعارض والترجيح
التاريخ ٢٦/٠٤/١٤٢٥هـ
السؤال
كيف نجمع بين قوله -تعالى-:"والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون.." الآية في سورة آل عمران. وحديث النبي ﷺ :"يأتي أقوام يوم القيامة بأعمال كالجبال يجعلها الله هباء منثورا"، فقال الصحابة ﵃ لرسول الله ﷺ جلهم لنا يا رسول الله، فقال: "أما إنهم يصلون كما تصلون ويصومون كما تصومون ويقومون من الليل كما تقومون لكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها". الحديث ... نرجو الإيضاح. ولكم جزيل الشكر.
الجواب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
دلت نصوص الكتاب والسنة على أن التوبة النصوح التي استكملت الشروط يحصل بها مغفرة الذنوب وتكفير السيئات ودخول الجنات، كما جاء في الآية التي ذكرها السائل، وهي قوله -تعالى-: "وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ" [آل عمران:١٣٥] ، وكما في قوله -تعالى-: "وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً" [الفرقان:٦٨-٧٠] ، وكما في قوله -تعالى-: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" [الزمر:٥٣] ، وقد ورد في سبب نزول هاتين الآيتين ما أخرجه البخاري (٣٨٥٥) ، ومسلم (١٢٢) من حديث ابن عباس ﵄ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا وَانْتَهَكُوا، فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ قَالُوا يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً فَأَنْزَلَ اللَّهُ : "وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَر"َ إِلَى: "فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ" قَالَ: يُبَدِّلُ اللَّهُ شِرْكَهُمْ إِيمَانًا وَزِنَاهُمْ إِحْصَانًا، وَنَزَلَتْ: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ" الْآيَةَ، وأما ما جاء في الحديث المذكور في السؤال فهو محمول - والله أعلم - على أن هؤلاء الذين انتهكوا محارم الله قد وافتهم المنية ولم يتوبوا من هذه الذنوب، أو لم يستوفوا شروط التوبة، وهي: الإقلاع عن الذنب والعزم على عدم العود، والندم على مافات، وإذا كانت الحقوق للعباد لم يقوموا بأدائها، والخروج من المظالم، فبقيت السيئات والذنوب من غير توبة، فقدموا على ربهم وهم يحملونها على ظهورهم، فعند الموازنة تغلب سيئاتهم حسناتهم، كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم (٢٥٨١) من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟، قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ"، وكما أخرجه البخاري (٦٥٣٤) من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ"، ويحتمل أن هؤلاء الذين جاء وصفهم في الحديث المذكور في السؤال فعلوا هذه المحرمات فعل المستحل لها الآمن من مكر الله وعقوبته، ويؤيد هذا أن معنى الانتهاك المبالغة في خرق محارم الله، والحديث المذكور من أفراد ابن ماجة (٤٢٣٥) أخرجه من حديث ثَوْبَانَ ﵁ أن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا" قَالَ ثَوْبَانُ ﵁: "يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ: "أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا"، وقال البوصيري: إسناده صحيح. هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 2019
أقل الجمع
المجيب وليد بن إبراهيم العجاجي
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /التعارض والترجيح
التاريخ ٩/٢/١٤٢٥هـ
السؤال
ما أقل الجمع على القول الراجح مع ذكر مثال للتوضيح؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فهذه المسألة مما وقع فيها الخلاف قديماً وحديثاً، بل إن بعض محققي أهل العلم كالقرافي، لا تزال المسألة عنده محل إشكال، وقال عن نفسه: إن له نحو من عشرين سنة يورده، ولم يتحصل عنده جواب.
والراجح- والله أعلم - أننا ننظر في المراد بالجمع في قولنا: (أقل الجمع) هل المراد به الجمع لغة وهو ضم أمر إلى آخر، أو أن المراد به مدلوله، وهو كل ما يسمى جمعاً، فإن كان المراد الأول فأقل الجمع يصدق على اثنين لحصول الضم بالثاني.
وإن كان المراد به مدلوله - وهو كل ما يسمى جمعاً- فإن صيغ الجموع على قسمين: جموع قلة، وجموع كثرة، والخلاف حينئذ في جموع القلة، إذ هو موضوع للعشرة فما دونها إلى الاثنين والثلاثة على الخلاف، أما جموع الكثرة فموضوعة لأحد عشر فما فوق بالاتفاق بين النحاة.
والذي يبدو لي في أقل جموع القلة هو ثلاثة وهو رأي الأكثر، ويؤيده قول ابن عباس ﵄ لعثمان ﵁ (ليس الإخوة أخوين بلغة قومك) .
ثم إن الله قد أعطى الأم السدس في حالة وجود جمع من الإخوة فقال تعالى: "فإن كان له إخوة فلأمه السدس" [النساء:١١] ، ومعلوم أن الأم تحجب بأخوين من الثلث إلى السدس، إلا أنه يستثنى من ذلك، أنه يعبر عن عضوين متصلين من جسدين بلفظ الجمع قصداً للتخفيف، كما قال الله: "فقد صغت قلوبكما" [التحريم:٤] ، فإنه لو قال: "قلبكما" لثقل اجتماع ما يدل على التثنية فيما هو كالكلمة الواحدة مرتين، ومن فروع هذه المسألة وتصلح أن تكون مثالاً توضيحياً لها، لو أقر الإنسان على نفسه بدراهم، فهل يحمل على درهمين أو ثلاثة، ولو قال رجل: إن اشتريت سيارات فامرأتي طالق، فهل تطلق امرأته بشراء سيارتين أو ثلاثة؟. والله أعلم.
стр. 2020
هل اختلاف الأمة رحمة ؟
المجيب د. عبد الله بن المحفوظ بن بيه
وزير العدل في موريتانيا سابقاً
أصول الفقه /التعارض والترجيح
التاريخ ١٦/٦/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كثر الحديث بين الخطباء والمحدثين بأن اختلاف الأمة رحمة، واختلاف العلماء والفقهاء رحمة لأمة محمد ﵊، والسؤال هو: كيف يستقيم ذلك إن كان الإسلام يدعو دائماً للوحدة ونبذ الاختلاف؟، كما أن الفطرة تبين لكل ذي لب بأن الاختلاف ليس دائماً ممدوحاً ومفيداً، فما الموقف الصحيح في هذه المسألة من حيث الشرع والدين والفتيا واتباع الحق؟ وفقنا الله وإياكم للطريق المستقيم، وجعلنا وإياكم من عباده الصالحين، والحمد لله رب العالمين.
الجواب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
هذه المسألة مهمة، فإن مسألة اختلاف الأمة وكونه رحمة، قد وردت في حديث غير ثابت، رواه البيهقي بسند منقطع عن ابن عباس ﵄ بلفظ: قال رسول الله ﷺ : "مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به، لا عذر لأحدكم في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله، فسنة مني ماضية، فإن لم يكن سنة مني ماضية، فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيها أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة" وخرجه الألباني في الضعيفة (٥٩) وقال: إنه موضوع.
وكذلك أورد هذا الحديث ابن الحاجب بلفظ: "اختلاف أمتي رحمة"، وكذلك الملا علي القاري الذي قال: إن السيوطي قال: أخرجه نصر المقدسي في الحجة، والبيهقي في الرسالة بغير سند، ورواه القاضي حسين، وإمام الحرمين وغيرهم، ولعله خُرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا، ونقل السيوطي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول: "ما سرني أن أصحاب النبي محمد ﷺ لم يختلفوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة"، وكذلك أخرج الخطيب أن هارون الرشيد قال لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله نكتب هذا الكتاب - يعني الموطأ-، ونحمل الناس عليه، ونفرقه في آفاق الإسلام لنحمل عليه الأمة، فقال يا أمير المؤمنين: إن اختلاف العلماء رحمة من الله -تعالى- على هذه الأمة، كل يتبع ما صح عنده، وكلهم على هدى، وكل يريد الله -تعالى-.فهذه الأقوال تدل على أن حديث: "اختلاف الأمة رحمة" ليس ثابتاً، ولكن مع ذلك هناك ما يدل على أن المسألة لها أصل، فكلام عمر بن عبد العزيز، وكلام مالك - رحمهما الله تعالى- يدل على أن المسألة لها أصل، ومعنى ذلك: أن الاختلاف الحميد الذي تكون له أسباب وجيهة من دلالات الألفاظ، ومن معقول النص، هي اختلافات حميدة وسائغة، ولهذا سماها ابن القيم ﵀: الخلاف السائغ بين أهل الحق، فهذا النوع من الاختلاف لا حرج فيه، ويجب على المسلم أن يوسع صدره لتلك الحكمة التي كتبها العالم يوصى بها ابنه: اعرف الخلاف يتسع صدرك، فإذا عرف اختلاف العلماء، وأسباب هذا الاختلاف لوجود دلالات الألفاظ المختلفة، ولوجود مسائل معقول النص، فالاختلاف في الاجتهاد -كما يقول ابن القيم ﵀ إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع، وللاجتهاد فيها مساغ لم ينكر على من عمل به مجتهداً ومقلداً، ويقول العز بن عبد السلام: من أتى شيئاً مختلفاً في تحريمه اعتقد تحليله، فلا ينكر عليه إلا أن يكون قول المحلل ضعيفاً جداً.
إذاً الاختلاف بهذه المثابة يكون توسعة على الناس في الفروع، فمن عمل بشيء من أقوال العلماء في ذلك يكون إن شاء الله مصيباً، وحتى لو كان مخطئاً فإنه معفو عنه، ومن اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري (٧٣٥٢) ، ومسلم (١٧١٦) عن عمرو بن العاص ﵁، فحينئذ لا ينكر هذا الاختلاف، وهذا هو الاختلاف الذي يمثل الرحمة؛ لأنه يمثل سعة واتساعاً لحل قضايا الأمة ومشاكلها، وكذلك يحمل الناس على التعايش مع بعضهم دون وجود ضغن وأحقاد لا مبرر لها.
أما الاختلاف المنهي عنه، والذي يمثله قوله تعالى: "وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ" [الأنفال: من الآية٤٦] ، هذا الاختلاف الذي يؤدي إلى التباغض والتدابر، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك فقال: "لا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا تناجشوا، وكونوا عباد الله إخواناً" رواه البخاري (٦٠٦٦) ، ومسلم (٢٥٦٣) من حديث أبي هريرة ﵁، هذا الاختلاف الذي يؤدي إلى التباغض والتدابر هو الاختلاف الذي يمس العقائد الكبرى، وهو أمر يتجاوز -على حد التعبير المعاصر- الخطوط الحمراء، وبمعنى أنه يتجاوز الاختلاف المقبول إلى التناحر وإلى أن يضرب بعض الأمة بعضها، وألا تتحد سياساتها، وألا تواجه عدوها معاً، هذا الاختلاف مذموم.
إذاً الاختلاف منه حميد، ويكون علامة صحية، هو اختلاف عرفت أسبابه وظهرت آثاره الطيبة على الأمة، وأحدث يسراً، وهناك اختلاف ظهرت آثاره السيئة على الأمة وهو الاختلاف المذموم، فعلى المجتهد العالم أن يعرف ذلك ببصيرته، وأن يكون بصيراً بأنواع الخلاف التي يتسامح بها، وخبيراً بأنواع الخلاف التي تؤدي إلى تدمير وحدة الأمة، وتؤدي إلى التباغض والتدابر الذي نهى الشرع عنه.
أرجو أن يكون قد فهم ذلك السائل، والله أعلم.
стр. 2021
هل هناك إجماع يعارض نصاً ؟
المجيب وليد بن إبراهيم العجاجي
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /التعارض والترجيح
التاريخ ٠٦/٠٨/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
سؤالي هو: هل يعارض الإجماع حديثاً صحيحاً؟.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فإن الإجماع إذا ثبت فإنه يترتب عليه أحكام، منها: أنه لا يقع على خلاف نص، ومن ادعى ذلك فلا يخلو الحال من أمرين: إما أن يكون الإجماع غير صحيح، وإما أن يكون النص منسوخاً، فبالإجماع الصحيح يعرف بطلان غيره من الأدلة؛ فمحال على الأمة أن تضيع دليلاً تحتاج إليه؛ إذ هي معصومة، لكن قد يجهل بعض الأمة بعض النصوص، ولا تجهله كل الأمة، والإجماع قول كل مجتهدي الأمة. يقول الإمام الشافعي: (لا نعلم رجلاً جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء، فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن، وإذا فرق علم كل واحد منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم ما كان ذهب عليه منها موجوداً عند غيره) . ويقول الخطيب البغدادي في كلامه على طرق معرفة الناسخ والمنسوخ: (وقد يعلم بالإجماع، وهو أن تجمع الأمة على خلاف ما ورد من الخبر؛ فيستدل بذلك على أنه منسوخ؛ لئلا تجتمع على الخطأ) . ويقول ابن القيم: (ومحال أن تجمع الأمة على خلاف نص له إلا أن يكون له نص آخر ينسخه) . والله أعلم.
стр. 2022
الطعن في فتاوى كبار العلماء
المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه / الفتوى والإفتاء
التاريخ ١٤/٢/١٤٢٥هـ
السؤال
دار الحديث في إحدى المنتديات حول قيادة المرأة وعرضت فتوى الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين والشيخ ابن باز - رحمهما الله تعالى- رد عليها من يدعي العلم بلا علم، وقال العلماء يصيبون ويخطئون، وكم من فتوى اكتشفوا أنها خاطئة فيما بعد ثم استشهد لي بأن امرأة أتت إلى عمر بن الخطاب ﵁ وردت عليه في مسألة، فقال عمر ﵁ أخطأ عمر وصدقت المرأة.
سؤالي: هل هذه الرواية صحيحة؟ وهل نجعلها قاعدة في الدين نقيس عليها؟ وهل كل من هب ودب يأتي ويستشهد بهذه الرواية نتبعه في عدم الأخذ من العلماء؟ وهل رد فتوى العلماء بلا علم جائز؟ ألا يصح أن نقول على هؤلاء بأنهم خالفوا أمراً إلهياً وهو: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون".
ملحوظة أولية: للأسف اتصلت ببعض الدعاة ولم يتحمس للموضوع، وكان الأمر سهلاً وأنا أرى أن الأمر خطير جداً لأن الناس سيبدؤون في التشكيك بالعلماء فيصبح كل عالم فيه شبهة، وبالتالي سيكون علماؤهم ومشايخهم ومفتوهم هم الأسماء المستعارة في المنتديات التي خلفها ربما يكون يهودي أو نصراني أو منافق أو جاهل لا يعي ما يقول أو إمعة، لكن عندما نقارعهم بالحجة، ونبين لهم الحق بوضوح وجلاء، وبالأدلة الشرعية فإن ذلك بمشيئة الله سيكون سبباً في إنقاذ الكثير من أخواتك نساء المسلمين.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
стр. 2023
أولاً: روى أبو داود (٢١٠٦) والترمذي (١١١٤) والنسائي (٣٣٤٩) عن أبي العجفاء السلمي قال: خطبنا عمر ﵁ يوماً فقال: "ألا لا تغالوا في صدقات النساء، فإن ذلك لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها رسول الله ﷺ ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه ولا أصدق امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية".
стр. 2024
وقال القرطبي في تفسيره: وخطب عمر ﵁ فقال:"ألا لا تغالوا في صدقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ ، ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر: يعطينا الله وتحرمنا؟ أليس الله يقول: "وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً" [النساء:٢٠] ، قال عمر ﵁: "أصابت امرأة وأخطأ عمر" وفي رواية فأطرق عمر ﵁ ثم قال: "كل الناس أفقه منك يا عمر"، وفي أخرى: "امرأة أصابت ورجل أخطأ والله المستعان"،وروى الحافظ أبو يعلي هذا الأثر فقال: "حدثنا أبو خيثمة حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني محمد بن عبد الرحمن عن خالد بن سعيد عن الشعبي، عن مسروق قال: ركب عمر بن الخطاب ﵁ منبر رسول الله ﷺ ثم قال: "أيها الناس: ما إكثاركم في صداق النساء، وقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ لا تعدو الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها، فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم فما دون ذلك، قال: ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش، فقالت يا أمير المؤمنين: نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم؟ قال: نعم، فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال وأي ذلك؟ قالت أما سمعت الله يقول: "وآتيتم إحداهن قنطاراً" [النساء:٢٠] ؟ فقال عمر ﵁: اللهم غفراً، كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر، فقال أيها الناس: إني كنت نهيتكم أن تزيدوا في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب".
стр. 2025
قال أبو يعلي: وأظنه قال: "فمن طابت نفسه فليفعل"، إسناد جيد وقوي، ومن طرق هذا الأثر: قال ابن المنذر: حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن قيس بن ربيع عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: عمر بن الخطاب ﵁: "لا تغالوا في مهور النساء، فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر، إن الله يقول: "وآتيتم إحداهن قنطاراً" فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته".
ومن طرقه كذلك وفيه انقطاع قال الزبير بن بكار: حدثني عمي مصعب بن عبد الله عن جدي قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "لا تزيدوا في مهور النساء، فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال، فقالت امرأة من صفة النساء طويلة في أنفها فطس: ما ذاك لك، قال ولم؟ قالت: إن الله قال: (وآتيتم إحداهن قنطاراً) [النساء:٢٠] ، فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ".
من خلال هذا العرض السريع لمجريات هذه الواقعة كما وردت في الطرق المختلفة يتضح أن عمر بن الخطاب ﵁ فعل الواجب في هذه المسألة، حيث رجع إلى الحق لما بُيِّن له، ولم يمتنع من ذلك لمنصبه ومكانه بين الصحابة ﵃ لأنه كان يبحث عن الحق، وهو هنا لم يرجع إلى مجرد قول المرأة، لأنه لا حجة في قولها ولا في قول غيرها من الناس، وإنما رجع إلى الآية التي ذكرتها المرأة.
стр. 2026
ثانياً: الواجب على الإنسان عموماً أن يكون باحثاً عن الحق متلمساً له في كل أحواله، وإذا قال شيئاً أو حكم بشيء ثم تبين له أن الحق بخلافه فإن الواجب عليه الرجوع إلى الحق ولا غضاضة في ذلك، وهو خير من التمادي في الباطل، قال عمر بن الخطاب ﵁ في كتابه إلى أبي موسى الأشعري ﵁ "والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل"، وذلك بغض النظر عمّن أرشدك إليه سواء أكان امرأة أو رجلاً عالماً أو عامياً، صغيراً أو كبيراً، لأن الحكمة والحق ضالة المؤمن بغض النظر عن قائلها، ولذلك قال النبي ﷺ لأبي هريرة ﵁: "صدقك وهو كذوب" يعني: إبليس لما ذكر لأبي هريرة ﵁ فضل آية الكرسي، والحديث رواه البخاري (٣٢٧٥) من حديث أبي سعيد ﵁.
ثالثاً: هذه القصة الواردة عن عمر ﵁ تعد قاعدة من قواعد الإفتاء والاجتهاد، والعلماء متفقون على مضمونها، ولم يقل أحد من أهل العلم بأن الإنسان يجوز له البقاء على قوله مع تبين خطئه ومجانبته للصواب، لكن العالم إذا اجتهد في أي مسألة من المسائل وتبين له الحق فيها وجب عليه العمل بما ظهر له من الحق وإفتاء من سأله عن حسب ما يراه حقاً في المسألة، ولا يرجع عما توصل إليه لقول أي إنسان كائناً من كان، ولكن إذا تبين له دليل يخالف ما توصل إليه سواء أذكره هو أم ذكره غيره به وجب عليه العمل بما يقتضيه هذا الدليل.
رابعاً: ينقسم الناس بحسب علمهم بالأدلة الشرعية إلى قسمين: علماء، وعامة؛ فالعلماء: هم أهل النظر في الأدلة الشرعية واستنباط ما اشتملت عليه من الأحكام، وهم الذين يجوز لهم مناقشة بعضهم البعض فيما ذهب إليه كل منهم في المسائل المختلف فيها، ولا يلزم أحد بما ذهب إليه غيره من العلماء، بل الواجب على كل منهم العمل بما أداه إليه اجتهاده.
стр. 2027
أما العامة: فالواجب عليهم سؤال العلماء فيما يعرض لهم من أمور دينهم امتثالاً لقوله تعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" [النحل:٤٣] ، وليس من شأن العامي رد فتاوى أهل العلم أو عدم الأخذ بها أو تخير ما شاء منها، لأنه إن فعل ذلك فإنه لا يفعله عن علم ومعرفة، وإنما منطلقه في ذلك الهوى والتشهي، كما أنه لا يجوز للعامي أن يترك الأخذ بفتاوى أهل العلم بحجة أنهم ربما يكونوا مخطئين، لأننا لو أجزنا له ذلك لبقي العامي بغير تكليف، لأن كثيراً من المسائل اجتهادية والعلماء مختلفون فيها واحتمال الخطأ قائم في حق كل فريق، وإنما الواجب على العامي أن يقلّد العلماء المشهود لهم بالعلم والتقوى، ولا يتجاوز أقوالهم إلا إذا تبين له خطؤها بدليل صحيح واضح، وإذا كان ليس من حق العامي رد كلام العلماء، فإن من حقه أن يسأل العالم عن دليل المسألة ومستندها الذي اعتمده العالم في فتواه، لأن العامي ليس متعبداً باتباع أشخاص العلماء، وإنما هو متعبد باتباع الأدلة التي يعرفها العلماء ويبينونها للعامة.
والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 2028
متى استفتى ؟
المجيب د. ناصر بن محمد الماجد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /الفتوى والإفتاء
التاريخ ٧/٤/١٤٢٤هـ
السؤال
إذا عرض لي سؤال في الدين، فهل يجب عليّ الاستفتاء فوراً؟
الجواب
الأصل والقاعدة في ذلك أن يسارع المرء في سؤال أهل العلم عن كل ما أشكل عليه من أمر دينه؛ لأن ذلك من حسن الصالحات التي أمر الله بالمبادرة إليها يقول - تعالى -:" وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض" [آل عمران:١٣٣] غير أنه يجب عليه أن يبادر على الفور في سؤال أهل العلم في صور منها:
- إن أشكل عليه أمر في عبادة قد أداها، فهذا يلزمه أن يسأل على الفور؛ حتى يقيم نقص عبادته إن أمكن ذلك، أو يكفر إن صح التكفير أو يعبد إن لزم ذلك.
- إن وجبت عليه عبادة على الفور وهو يجهل شيئاً مما لا تصح إلا به، فيجب عليه السؤال على الفور حتى تكون عبادته على بصيرة وعلم.
- إن وقع منه أمر لا يدري هل يترتب عليه حكم شرعي أم لا؟ فيجب عليه السؤال على الفور حتى تبرأ ذمته، وهذه الصورة عامة لا تختص بالعبادات ونحوها. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 2029
أخذ الأجرة على الفتوى
المجيب هاني بن عبد الله الجبير
قاضي بمحكمة مكة المكرمة
أصول الفقه /الفتوى والإفتاء
التاريخ ٢٤/١٠/١٤٢٣هـ
السؤال
في مدينتي شيخ من أهل الصلاح والتقوى ومؤهله عالٍ في الشريعة - ضاق به الحال - فمال إلى طلب مقابل نقدي على الفتوى حين يستفتى- وهذا أمر مقزز جدا في بلادنا، وفي ظني أنه استند إلى أصل شرعي في هذا التصرف آمل أن تفيدونا بالجوانب الشرعية- لأخذ الأجرة على الفتوى.
الجواب
الحمد لله وحده، وبعد:
فقد اختلف أهل العلم في أخذ المفتي الأجرة على فتياه من أعيان من يفتيهم إذا كان فقيراً وليس له كفاية ولا رزق من بيت المال.
والجمهور على المنع، وهو اختيار العلامة ابن القيم ﵀ وغيره.
ولا شك أن هذا هو الأولى. وعلى كل فهذه المسألة من مسائل الخلاف فلعله اختار القول بالجواز.
ويمكن للسائل أن يتفق مع أثرياء البلد وأعيانه على إعطاء هذا المفتي مبلغاً كل مدة نظير فتياه وتعليمه للناس، ففي ذلك سعي في حاجة أخ مسلم، وفيه كف له عن الأخذ من كل مستفت، وفق الله الجميع لهداه - وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمين.
стр. 2030
جرأة غير المختصين على الفتوى
المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /الفتوى والإفتاء
التاريخ ١٦/٣/١٤٢٤هـ
السؤال
أريد إجابة وافية شافية رداً على من يقول إن الحديث عن الدين لا يحتاج إلى مختص؟
فيفتون ويجيبون ويقولون وجهات نظرهم كما يشاءون، وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
من الأمور المسلمة عند أهل العلم: أن الكلام في الأحكام الشرعية وما يتعلق بها ليس متاحاً لكل أحد، كما أنه ليس مقصوراً على أناسٍ محددين معينين لا يشاركهم غيرهم، وإنما هناك حدٌ من العلم من حصّله جاز له أن يتكلم في أمور الدين في حدود ما يعلم، وحرُم عليه الكلام فيما يجهل من الأحكام.
وذلك لأن الكلام في أمور الدين إنما هو إخبارٌ عن حكم الله، أو حكم رسوله ﷺ في المسألة، وإذا كان الإنسان لا يحيط علماً بما ورد عن الله وعن -رسوله ﷺ ، فإن إخباره عنهما لا يكون مطابقاً لما جاء عنهما، وإنما يكون من تلقاء نفسه، واعتماداً على عقله، وبذلك يجعل عقله حاكماً على الشرع، وهذا باطل، ولنا في رسول الله ﷺ أسوةٌ حسنة، حيث كان يجيب السائل إذا كان عنده علم بالمسألة، وإذا لم يكن عنده علم بها فإنه ينتظر الوحي، ولم يتكلم فيها إذ كان غير عالمٍ بحكمها.
وكذلك الأمر بالنسبة للصحابة والتابعين ﵃ أجمعين- حيث كانوا لا يتكلمون إلا فيما يعلمونه من أمور الشرع، وقد حفظت لنا سيرهم توقف كثير منهم وامتناعهم عن الكلام فيما جهلوا من الأحكام، ومما حُفِظَ عنهم في ذلك: قول أبي بكر ﵁: " أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا تكلمت في كتاب الله بغير علم" رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١٥٦١) وغيره، وقد سئل الإمام مالك بن أنس ﵀ عن أربعين مسألة، فأجاب عن أربعٍ منها، وقال في ستٍ وثلاثين: لا أدري، ونحو ذلك من الأخبار التي يتبين فيها أن العلماء الربانيين والأئمة المجتهدين لم يكونوا يتكلمون في أمور الدين إلا في حدود ما علموه واطلعوا عليه.
وإذا كان الأمر كذلك في حق العلماء والأئمة المجتهدين، فالواجب على غيرهم ممّن لم يطلب العلم ولم يكن من أهله الموصوفين به ألا يتكلم فيما يتعلق بالأحكام الشرعية؛ لأنه غير عالم بها، وغير العالم لا يجب عليه السكوت فحسب، بل يجب عليه مع السكوت أن يسأل العلماء؛ استجابةً لقوله تعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" [النحل: ٤٣] ، ويحرم عليه أن يتصدى ويتصدر في أمورٍ هو جاهلٌ بها؛ عملاً بقوله تعالى:"ولا تقف ما ليس لك به علم " [الإسراء: ٣٦] .
وهذا الأمر هو المتبع عند الناس في أمور دنياهم، فنجدهم لا يرضون بكلام الإنسان إلا فيما يعلم، فمثلاً: إذا أصاب أحدَهم مرضٌ فإنه لا يسأل إلا الطبيب، ولا يعتمد على كلام غيره من الناس، وإذا أراد أحدهم البناء فإنه لا يسأل إلا المهندسين الذين يمتهنون البناء والتصميم، وهكذا فكل إنسان يتكلم فيما يحيط بعلمه في أمور الدنيا، وإذا كان الأمر كذلك في أمور الدنيا فأمور الدين من باب أولى ألّا يتكلم فيها إلا أهل العلم وطلبته الذين أخذوا منه بحظٍ وافر.
وقد يقول قائل: إن الإنسان وإن لم يكن من أهل العلم، إلا أنه قد يبحث عن أدلة المسألة المعينة، ثم يتكلم فيها بناءً على ما علمه من أدلتها، فيقال له: إن الأدلة الشرعية مترابطة، وبعضها مبنيٌ على بعض، ثم إن الدليل المعين يحتاج إلى عدة أمور من أجل أن يصح الاستدلال به، كأن يكون صحيحاً ثابتاً عن الله أو عن رسوله ﷺ ، غيرَ معارضٍ بغيره من الأدلة الأخرى، سالماً من النسخ والتأويل، ونحو ذلك مما لا يعرفه إلا أهل العلم الذين نهلوا منه، وهذه الأمور بلا شك لا تتوفر في عامة الناس.
ونحن لا نقول هذا الكلام بناءً على أن الدين له رجالٌ محددون معينون لا يتكلم فيه غيرهم، كما هو الأمر في بعض الديانات الأخرى، ولكن نقول: إنه لا يتكلم في أمور الدين إلا العلماء الذين حازوا شروط العلم التي ذكرها أهل العلم، فكل من حصّلها جاز له الكلام في الأحكام الشرعية في حدود ما يعلم كما سبق ذكره.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2031
الأجرة مقابل الفتوى
المجيب هاني بن عبد الله الجبير
قاضي بمحكمة مكة المكرمة
أصول الفقه /الفتوى والإفتاء
التاريخ ١٧/٥/١٤٢٤هـ
السؤال
ظهر في إحدى الدول، ظاهرة جديدة خاصة بإفتاء الجمهور وهو هاتف الفتوى، ومعناه أن العالم يمكنه تلقي الفتاوى عن طريق الهاتف الخلوي أو العادي، لا أعلم بالضبط ويرد عليها مباشرة.
وذلك مقابل مبلغ مالي للدقيقة الواحدة يدفعها السائل، أي أنها تضاف إلى فاتورته الشخصية، ما حكم هذا؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله وحده، وبعد:
فقد اختلف أهل العلم في أخذ المفتي أجرةً على فتواه من أعيان من يفتيهم، والجمهور أن ذلك ممنوع، ولا شك أن المنع هو الأولى، لكنها مسألة خلافية، فلعل من فعلها يرى الجواز فيها.
لكن إذا لم يوجد من يتفرغ لإفتاء الناس احتساباً، ولم يعين ولي الأمر من يتولى ذلك برزق يعطيه له، وتفرغ مؤهل لإفتاء الناس بمقابل فإني أرجو أن هذا يسير، والله الموفق والهادي.
стр. 2032
شروط المفتي
المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /الفتوى والإفتاء
التاريخ ١٦/٤/١٤٢٤
السؤال
ما هي الشروط العلمية التي حدد العلماء لطالب العلم أن يحوزها شرطا ليفتي الناس في أمور دينهم؟ وهل يجب أن يزكي العالم طالب العلم ويجيزه؟ وما هو الحال لمن تدرج في العلم عن طريق الكتب ولم يجلس في حلقات العلم؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
أولاً: عرَّف أهل العلم الإفتاء بأنه: "الإخبار بحكم الله تعالى عن دليل شرعي". ولما كان الإفتاء بهذه المنزلة من الأهمية اشترط له العلماء شروطاً عديدة، لا بد من توفرها فيمن أراد التصدي لهذا المنصب الخطير. والشروط - باختصار- هي:
(١) الإسلام. (٢) البلوغ.
(٣) العقل. (٤) العدالة.
وهذه الأربعة شروط لقبول فتواه والعمل بها، وهي مجمعٌ على اشتراطها لذلك. قال ابن حمدان: " أما اشتراط إسلامه وتكليفه (أي أن يكون بالغاً عاقلاً) وعدالته فبالإجماع؛ لأنه يخبر عن الله تعالى بحكمه، فاعتبر إسلامه وتكليفه وعدالته؛ لتحصل الثقة بقوله ويُبنى عليه كالشهادة والرواية ". (صفة الفتوى والمفتي والمستفتي: ١٣) .
(٥) الاجتهاد.
وقد ذكر العلماء للمجتهد عدة شروطٍ، منها ما هو محل وفاق، ومنها ما هو محل خلاف، وأهم هذه الشروط إجمالاً:
(١) العلم بآيات الأحكام من القرآن الكريم.
(٢) العلم بأحاديث الأحكام من السنة الشريفة.
(٣) العلم باللغة العربية.
(٤) العلم بأصول الفقه.
(٥) العلم بمسائل الإجماع حتى لا يخالفها.
وللعلماء كلام طويل حول تحقق هذه الشروط في المفتين قديماً وحديثاً، وهل هذه الشروط معتبرة في حق كل مفتٍ، أو أنها تشترط لما يُسمى بالمجتهد المطلق؟ وهذه المسألة من المسائل المشكلة التي كثر الكلام حولها.
ولمن أراد الاطلاع على كلام أهل العلم فيها، فعليه بالكتب التي تناولت هذه المسألة وما يتعلق بها، ومن أهم هذه الكتب ما يأتي:
(١) صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، لابن حمدان.
(٢) أدب المفتي والمستفتي، لابن الصلاح.
(٣) كتاب الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي.
(٤) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم.
إضافةً إلى ما كتبه العلماء في مؤلفاتهم في أصول الفقه، وذلك في كتاب الاجتهاد والتقليد، حيث يتطرقون لهذه المسألة بشيءٍ من التفصيل عندما يتكلمون عن شروط المجتهد، أو عندما يتكلمون عن مسألة تجزؤ الاجتهاد، ويعنون بهذه المسألة: هل من شرط الاجتهاد أن يكون الإنسان مجتهداً في جميع المسائل والأبواب، أو يجوز أن يكون مجتهداً في بعضها دون بعض؟.
ثانياً: إن الإنسان الذي يفتي الناس فيما يسألون عنه من أحكام الشريعة ويبين لهم أمور دينهم يقوم بعمل مهم جداً، وهو من أهم الأعمال وأعظمها، ولما كان هذا العمل بهذه المنزلة، كان من الواجب معرفة هذا الشخص الذي يؤدي هذا العمل، ولا بد من اتصافه بالعلم والتقوى والورع ونحو ذلك من الصفات الحسنة، وهذا الأمر يُعرف من شهادة الناس له وثنائهم عليه، فالناس كما قال الرسول ﷺ :"أنتم شهداء الله في الأرض...." الحديث رواه البخاري (١٣٦٧) ، ومسلم (٩٤٩) من حديث أنس ﵁، ولا شك أن تزكية العلماء لطالب العلم وشهادتهم له باستحقاق منصب الفتوى دليلٌ أكيد على صلاحية هذا الإنسان للقيام بهذا العمل العظيم.
ثالثاً: أما بالنسبة لمن تدرج في العلم عن طريق الكتب ولم يجلس في حلقات العلم، فإنه وإن أصاب علماً كثيراً بهذه الطريقة، إلا إنه قد يحصل له الخلل والخطأ من حيث لا يدري، فإنه قد يفهم الشيء على خلاف ما هو عليه، وقد تستغلق عليه بعض الأمور المشكلة فلا يجد من يفتحها عليه، وقد يتجه إلى كتب تضر أكثر مما تنفع، وغير ذلك من المحاذير التي تنتفي إذا أخذ العلم عن أهله. ولذلك فإن السلف الصالح ومن بعدهم لم يتلقوا العلم عن طريق الكتب فقط، وإنما أخذوا العلم عن أهله، حيث جلسوا عند العلماء وتتلمذوا على أيديهم، وهم في ذلك يقتدون بالصحابة ﵃، إذ كانوا يلازمون النبي ﷺ ويأخذون العلم عنه، وكذلك الأمر بالنسبة للتابعين، حيث لازموا الصحابة ﵃ حتى فقهوا في الدين، وبلغوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية.
وقد تكلم الشاطبي ﵀ عن هذه المسألة، ثم قال بعد أن قرر هذا الأمر: " ...وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالماً اشتهر في الناس الأخذ عنه إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك، وقلما وُجِدت فرقةٌ زائغة ولا أحدٌ مخالف للسنة إلا وهو مفارق لهذا الوصف. وبهذا الوجه وقع التشنيع على ابن حزم االظاهري، وأنه لم يلازم الأخذ عن الشيوخ ولا تأدب بآدابهم، وبضد ذلك كان العلماء الراسخون كالأئمة الأربعة وأشباههم " (الموافقات١/٦٦-٦٧) .
ولا يُفهم من هذا الكلام أن طالب العلم لا يلتفت إلى الكتب ولا يطَّلع على ما فيها، كلا ليس هذا هو المقصود، ولكن المقصود أن الأصل أن طالب العلم يلازم العلماء ويأخذ عنهم، ومع هذا فإنه يطَّلع على الكتب التي كتبها أهل العلم ويقرأ ما فيها، وإذا أشكل عليه شيءٌ أو استغلق عليه فهمه سأل أهل العلم عنه، وبهذا يحصل له الأخذ عن العلماء المتقدمين والمعاصرين، فيأمن من الغلط والخطأ، وقد أشار الشاطبي إلى هذا المعنى، حيث قال: إن العلم لا بد أن يؤخذ من أهله، وهذا الأخذ له طريقان، هما:
(١) المشافهة، وهي أنفع الطريقين وأسلمهما.
(٢) مطالعة كتب المصنفين ومدوني الدواوين، فإنه نافع في بابه بشرطين:
أ - أن يحصل للمطَّلع من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب، ومعرفة اصطلاحات أهله، ما يمكنه من فهم ذلك العلم.
ب - أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد، فإنهم أفضل من غيرهم من المتأخرين. ثم أخذ في شرح هذه الأمور وبيان المراد منها. والمقام هنا لا يحتمل التفصيل، فمن أحب الاطلاع على كلامه في هذه المسألة فليرجع إلى كتاب الموافقات (١/٦٧-٦٨) . والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2033
الأصوب في منهج الإفتاء
المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /الفتوى والإفتاء
التاريخ ١١/٦/١٤٢٤هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا معلم تربية إسلامية في إحدى المدارس وأحمل شهادة بكالوريوس شريعة / الفقه وأصوله، وأتعرض لكثير من الأسئلة الفقهية فأجيب بما أعرف، ونحن نعلم بأن الفقهاء ﵏ قد اختلفوا في كثير من المسائل الفقهية وهذا من رحمة الله تعالى بالمسلمين، أرجو مساعدتكم في أن تعلموني طريق الصواب في عملية الإفتاء، هل أتبع مذهباً معيناً وأفتي به؟ أم أختار في كل مسألة المذهب الأسهل وأجيب به؟
ثم أرجو منكم أن تدلوني على أسماء أفضل الكتب في الفقه والعقيدة والتفسير، وجزاكم الله كل خير، وجعل هذا العمل في ميزان حسناتكم يوم القيامة إنه سميع مجيب الدعوات.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإذا عُرِضَ على طالب العلم سؤالٌ عن حكم شرعي، فإن كان يعرف الجواب مسبقاً، فإنه يفتي السائل بما يدين لله بأنه هو الحق، والمعتمد في ذلك هو الأدلة الشرعية، فما وافق الأدلة الشرعية وجب الأخذ به بغض النظر عن موافقة الحكم لمذهب إمام معين؛ لأن الله تعبدنا باتباع الأدلة ولم يتعبدنا باتباع الأشخاص، وما خالف الأدلة الشرعية وجب طرحه؛ لأنه قول فاسد فلا اعتبار له البتة. أما إذا كان طالب العلم لا يعرف جواب المسألة، فإن عليه أن يبحث عنه فيما كتبه أهل العلم حول المسألة، وليس المراد من هذا البحث معرفة رأي مذهب معين أو إمام معين ليقلَّده ويفتي به، ولكن المراد معرفة كلام أهل العلم في المسألة والاطلاع على ما استدلوا به والنظر فيما يعرض لهذه الأدلة من مناقشات واعتراضات من أجل أن يأخذ الباحث الحكم الذي تعضده الأدلة السالمة من الاعتراضات. وينبغي على طالب العلم - مع ما تقدم- ألّا يغفل عن سؤال العلماء المشهود لهم بالعلم والصلاح عن حكم المسألة والاستنارة بما يقررونه، مع الحرص على معرفة الدليل الدال على الحكم، ومعرفة الدليل أمرٌ في غاية الأهمية؛ لأن الغرض من السؤال ليس معرفة الحكم فحسب، وإنما الاستفادة من طريقة أهل العلم في الحكم على المسائل والحوادث. وإذا لم يتبين لك الحق في المسألة أو تعارضت لديك الأدلة ولم تستطع الترجيح بينها، فعليك أن تعتذر عن الجواب؛ لأن الذي يجيب إنما هو العالم بالحكم، أما غير العالم ففرضه أن يقول لا أدري، وهي نصف العلم كما قيل، ولا عيب فيها، فقد قالها علماء الأمة وأئمتها من الصحابة ومن بعدهم، وهاهو الإمام مالك إمام دار الهجرة سئل عن أربعين مسألة، فأجاب في أربع منها، وقال في ستٍ وثلاثين: لا أدري. أما مسألة الالتزام بمذهب معين للعمل والإفتاء به، فهي مسألة طال فيها الكلام قديماً وحديثاً، والناس فيها طرفان ووسط، فمنهم من يلزم الناس باتباع مذهب إمام معين ولا يسوّغ الخروج عنه إلى مذهب غيره، ومنهم من يحرّم هذا الأمر ويشنِّع على من يقول به، وهناك من توسط في الأمر فجعله جائزاً في حق من لم يستطع النظر في الأدلة من عامة الناس، وقيل هذا في حق عامة الناس لأنهم لا يستطيعون النظر والاجتهاد ومن أجل ألاّ يختار أحدهم الأسهل والأهون من أقوال أهل العلم من المذاهب المختلفة، أما طلاب العلم والقادرون على النظر في الأدلة والاجتهاد في النوازل والحوادث ولو بالاجتهاد الجزئي فإن الواجب عليهم النظر في الأدلة وترجيح ما وافق الدليل؛ لأن الواجب على جميع المكلفين معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها، ولكن تُرك هذا الأمر في حق عامة الناس لعدم قدرتهم عليه؛ لأن الله يقول:" لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" [البقرة: ٢٨٦] ، فيبقى الأمر على ما هو عليه فيمن عداهم من أهل العلم وطلابه. أما ما ذكرته من الإفتاء بأسهل المذاهب في المسألة من أقوال أهل العلم، فإن هذا الأمر لا يستقيم إطلاقه على كل حال، بل عليك أن تجعل الحاكم في ذلك الأدلة الشرعية، فإن ألزمت الأدلة الشرعية بحكم معين في المسألة فعليك الإفتاء به سواءً أكان هو الأسهل أم الأصعب، أما إذا كان في الأمر سعةٌ فعليك الأخذ بالأسهل؛ اقتداءً بالرسول ﷺ ، فإنه " ما خير بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه " (متفق عليه، رواه البخاري، كتاب: المناقب، باب: صفة النبي ﷺ ، رقم الحديث:٣٥٦٠، ومسلم، كتاب: الفضائل، باب: مباعدته ﷺ للآثام واختياره من المباح أسهله، رقم الحديث:٦٠٤٥) .أما أفضل الكتب في الفقه والعقيدة والتفسير، فكتب أهل العلم المشهود لهم بسعة العلم وصلاح المعتقد كلها فيها خير عظيم ونفع عميم، ولكن أشير إلى أهم هذه الكتب في الفنون التي سألت عنها: أولاً: العقيدة، وعليك الاهتمام بالكتب التي ألفها أصحاب المعتقد السليم الموافق لما جاء في الكتاب والسنة، ومن أهمها:
(١) كتب شيخ الإسلام ابن تيمية (ت:٧٢٨هـ) ، وتلميذه ابن القيم (٧٥١هـ) فهي من أنفع الكتب وأكثرها فائدة، وأبعدها عن البدع ومحدثات الأمور.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي.
ثانياً: التفسير، وعليك بكتب التفسير بالمأثور، وهي التي تهتم بتفسير القرآن الكريم بالقرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعين، مع العناية بالكتب المهتمة باستنباط الأحكام المختلفة من نصوص القرآن الكريم، ومن أهمها:
(١) الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (ت:٦٧١هـ) .
(٢) تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء إسماعيل ابن كثير (ت:٧٧٤هـ) .
(٣) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد الأمين الشنقيطي (ت:١٣٩٢هـ) .
ثالثاً: الفقه، وأحسن الكتب في هذا العلم ما كان صاحبه مبتعداً عن التعصب
والتقليد، مهتماً بالدليل والتأصيل، ومن أهم هذه الكتب:
(١) المغني، لموفق الدين ابن قدامة الحنبلي (ت:٦٢٠هـ) .
(٢) المجموع شرح المهذب، لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي (٦٧٦هـ) ، والإمام
النووي لم يكمل هذا الشرح، وإنما وصل إلى كتاب الربا من المتن، ثم أكمل
الكتاب غيره.
(٣) الذخيرة، لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي (٦٨٤هـ) .والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
стр. 2034
بفتوى مَن نأخذ ؟
المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
أصول الفقه /الفتوى والإفتاء
التاريخ ١٩/١٠/١٤٢٤هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله.
موضوع سؤالي هو: مسألة الأخذ بالفتوى عندما تختلف من عالم إلى عالم في نفس الإشكالية، وسؤالي تحديداً عن شراء المسكن بالفائدة البنكية؛ فقد وجدت عدة آراء في هذه المسألة بين من حرمها قطعاً، ومن أجازها للضرورة حتى داخل الدول الإسلامية،
فهناك من العلماء من لهم وزنهم على الساحة العالمية، ويجيزون شراء البيت بالقروض البنكية بدعوى أن البيت من الضرورات التي تبيح المحظورات، وهناك من يرى من العلماء الكبار أيضا أن الضرورات لا حد لها وتقدر حسب الأشخاص، وبالتالي فإن فتح هذا الباب سيجعل من الاقتراض الربوي حالة شائعة وعامة، بالإضافة إلى أدلة أخرى تجعل هذا الفريق الثاني يحرم الاقتراض الربوي بشكل عام، أمام هذا الوضع أتساءل -جزاكم الله خيراً- عن حكم من أخذ بفتوى الفريق الأول من العلماء الذين يجيزون الاقتراض الربوي لشراء مسكن، وهو غير مقتنع برأيهم ولكنه يحملهم وزر فتواهم، فهل يعتبر آثما؟ أم لا؟. وجزاكم الله خير الجزاء.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله تعبد الخلق باتباع شرعه وتطبيق أحكامه، ونصب على ذلك الأدلة البينة والبراهين الواضحة، وطلب من الناس النظر فيها واستنباط أحكامها وآدابها وأسرارها، ولما كان العامي من الناس لا يستطيع النظر في الأدلة واستخراج ما اشتملت عليه من أحكام وشرائع، فإن عليه أن يقلّد أحد الأئمة المجتهدين المشهود لهم بالعلم والصلاح، ويتبعه في كل ما لم يعلم بطلانه، أما إذا علم بطلان قوله في أي مسألة من المسائل بأن تبين له فيها دليل يخالف قول إمامه، فإن الواجب عليه العمل بما دل عليه الدليل، ولا يجوز له حينئذٍ الاستمرار على ما ذهب إليه إمامه؛ لأن التقليد إنما جاز لهذا العامي؛ لأنه جاهل بالدليل، أما إذا عرفه أو أٌخبر به وجب عليه ترك التقليد والعمل بالدليل، وإذا تعدد العلماء والمجتهدون فعلى العامي أن يقلد الأعلم والأفضل؛ لأن قول الأعلم والأفضل أرجح وأقرب إلى الصواب من قول غيره، ولا يجوز للعامي أن يختار من الأقوال أسهلها أو أحبها إلى نفسه، أو أقربها إلى تحقيق مآربه؛ لأن في ذلك تتبعاً للرخص، وهو يؤدي إلى الانحلال من التكليف، ولو فعل ذلك مع اقتناعه بعدم صحة القول الذي أخذ به فإنه مخطئ وآثم، وليس على من أفتى بهذا القول شيء؛ لأنه مجتهد، والمجتهد مأجور على كل حال، إلا إن كان الذي أفتى بهذا القول غير عالم، فإن أفتى وهو جاهل فهو آثم على كل حال ولا يجوز تقليده أبداً.
أما مسألة شراء البيت بالفائدة الربوية، فهي من التعامل الصريح بالربا، وهذه المسألة ليست من المسائل التي يُضطر إليها الناس حتى يُقال بإباحتها، ومن قال بجواز التعامل بالربا في شراء البيوت نظراً لاضطرار الناس فقوله باطل وليس له مستند من الأدلة الشرعية، ولو أخذنا بهذا القول لأجزنا كثيراً من الأمور المحرمة؛ لأن كل إنسان يزعم أنه مضطر إلى ذلك الأمر المحرم.
وإذا نظرنا إلى سيرة الرسول ﷺ نرى شدته في التحذير من الربا والنهي عنه بكافة صوره وأشكاله، بل إنه ردّ كثيراً من المعاملات الربوية التي حصلت من بعض الناس في ذلك العصر مع جهلهم بتحريمها، ولم يجعل النبي ﷺ حاجة الناس في ذلك العصر سبباً لجواز التعامل بالربا، مع أن أكثر الناس في ذلك العصر كانوا من الفقراء، بل إن بعضهم أو كثيراً منهم لا يجد ما يسد رمقه من الجوع.
ولذلك فإنه لا يجوز شراء البيوت ولا غيرها عن طريق البنوك الربوية، ومن فعل ذلك فقد اقترف كبيرة من كبائر الذنوب، وعرّض نفسه لغضب الله وسخطه، وأذكرك بأن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ملعونون كما ثبت عن رسول الله ﷺ ، انظر مسلم (١٥٩٧) ، وهل يرضى أحد من المسلمين أن تحل عليه لعنة الله؟.
ثم إن الله لم يحرم علينا شيئاً إلا أباح لنا غيره مما يحقق المقصود نفسه، وإن كان الله حرم علينا الربا فقد أباح لنا كثيراً من المعاملات والعقود التي تساعد الإنسان على تحقيق ما يصبو إليه، ومن هذه المعاملات: البيع بالأجل وبيع التقسيط، والتورق، والاستصناع، والسلم، ونحو ذلك من المعاملات الجائزة التي يعتاض بها الإنسان عن المعاملات المحرمة، وختاماً أقول: من ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 2035
الموقف عند اختلاف الفتوى
المجيب هاني بن عبد الله الجبير
قاضي بمحكمة مكة المكرمة
أصول الفقه /الفتوى والإفتاء
التاريخ ٣/٢/١٤٢٥هـ
السؤال
ماذا نفعل تجاه مسألة اختلف العلماء فيها فبعضهم أحلها وبعضهم حرمها؟ علماً بأن جميعهم متساوون في العلم والتقوى (نحسبهم كذلك) فهل نتبع الرأي الذي حرمها؟ أم الذي حللها؟ جزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله وحده، وبعد:
فالواجب عند حصول الاختلاف الرد للكتاب والسنة كما قال تعالى: "فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ" [النساء: من الآية٥٩] ، والرد إلى الله والرسول ﷺ بالرجوع للكتاب والسنة، فما وافق الكتاب والسنة فهو الذي يجب اتباعه وموافقته، وإنما يعرف ذلك أهل العلم.
وأما غير العالم فإنه يقلد من يفتيه، قال تعالى: "فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ" [النحل: من الآية٤٣] ، وإذا أفتاه لزم قوله إلا أن يعلم أنه غير صحيح، ومتى سأل أحداً من أهل العلم، فإنه لا يسأل غيره بل يكتفي بجوابه، لأنه فعل ما وجب عليه، فإذا اختلف مفتيان فإنه يتبع أعلمهما، ويعرف ذلك بخضوع أهل العلم لأعلمهما وتقديرهم إياه ومراجعتهم له، ثنائهم عليه، ونحو ذلك، مما يدل على مكانته وتقدمه، كما يفعل المريض عند اختلاف الأطباء فإنه يقلد أعلمهم بفنه ويعرف هذا بالطرق المذكورة.
فإن لم يعلم ذلك ولم يعرف فهو مخير في تقليد من شاء منهم، لكن إن قلده في بعض فروع المسألة فلا بد أن يقلده في جميعها لئلا يفضي به ذلك إلى عمل ما لا يفتي به أحد، فيختار أحد العلماء ويسأله في هذه المسألة وما شابهها. والله أعلم.
следующие страницы →