← Фатава

Фатава · id 894

فتاوى واستشارات الإسلام اليوم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 202 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

حكم قتال العراقيين للأمريكان المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار التاريخ ٢٨/١/١٤٢٤هـ السؤال ما حكم قتال العراقيين للكفرة الغزاة؟ وهل يشترط في كون الجهاد شرعياً أن يكون تحت راية إسلامية؟ أو أن يأذن فيه الحاكم؟ نرجو التفصيل في القول، وجزاكم الله خيرا. الجواب من المعلوم أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة وهو نوعان:

стр. 3467

جهاد طلب وجهاد دفع، فجهاد الطلب أن يغزو المسلمون بلاد الكفار، لتبليغهم الإسلام ودعوتهم إليه فمن دخل فيه بنعمة الله دخل، ومن امتنع عن الدخول عرض عليه أن يدفع الجزية إن كان من أهل الكتاب (اليهود والنصارى) وله ما لنا وعليه ما علينا والجزية إنما شرعت في مثل هذه الحال مقابل حمايته وحقن دمه. هذا كله إذا كانت الدولة المسلمة قوية مهابة الجانب قادرة على مثل هذا الجهاد، وهو الذي يسمى بجهاد الطلب، أما إذا كانت الأمة الإسلامية ضعيفة أمام العدو فيلزمها الصبر والمصابرة وعدم التعرض والمساكنة للعدو والكافر المتغلب، وقد اختفى الجهاد الطلبي في - سبيل الله- منذ زمن طويل لتخلف المسلمين وتفوق عدوهم عليهم في وسائل الإعداد وفي العُدد، ولم يبق أمام المسلمين في مقاتلة الأعداء غير جهاد الدفع والمدافعة إذا اعتدي عليهم، وهذا النوع من الجهاد لا يشترط له ما يشترط للنوع الآخر، - جهاد الطلب- فإذا دهم العدو بلداً من بلاد المسلمين وجب على أهل تلك البلاد المغزوة -وجوباً عينياً عن كل مكلف رجلاً كان أو امرأة- مقاتلة الكفار المعتدين كل بحسبه، ولا يشترط حينئذ إذن الوالي (الحاكم) أو الوالدين أو الزوج، بل يخرج الجميع حاملين السلاح في وجه العدو، وإن لم يأذن الأولياء في ذلك، وأيضاً جهاد الدفع لا يشترط فيه اتحاد الراية بأن تكون إسلامية، بل لو قاتلوا تحت راية حزبية كقومية أو بعثية جاز لهم ذلك، وإن أمكن أن يتحد المسلمون العراقيون تحت راية إسلامية واحدة، وينسقوا مع الرايات الحزبية الأخرى في الميدان لكان حسناً، وإن لم يكن فلا شيء عليهم إن شاء الله، وسيبعثون على نياتهم كما جاء في الحديث. انظر البخاري (٢١١٨) ، ومسلم (٢٨٨٤) ، ولعله من الواضح البين أن الأحزاب الإلحادية التي تحكم بعض الدول كالعراق مثلاً تهتم بتكثير سواد العضوية للحزب أكثر من اهتمامها بتطبيق مواد دستور الحزب، والداخلون في الحزب ليسوا كلهم كفاراً، ولا ملحدين، إذ

стр. 3468

الدافع لعدد من الناس أن يدخلوا في الحزب، لا رغبة فيه وإنما لطلب العيش والارتزاق وتسهيل مهماتهم الحياتية والوظيفية والتي احتكرت كلها، أو معظمها لمن ينتسب إلى الحزب لا غير، وعلى هذا لا ينبغي أن يعمم الكفر على جميع أعضاء حزب البعث والصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يشترط إذن الإمام الحاكم في الجهاد في - سبيل الله- عامة وفي جهاد الدفع خاصة لمن دهم الكفار بلاده؛ لقوله تعالى: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" [الحج:٤٠] ، وذكر الشيخ عبد الرحمن بن حسن أحد أئمة الدعوة في نجد، في رده على من اشترط وجود الإمام أو إذنه للجهاد في سبيل الله فقال: بأي كتاب أم بأية حجة أن الجهاد لا يجب إلا مع إمام متبع هذا من الفرية في الدين والعدول عن سبيل المؤمنين. والأدلة على إبطال هذا القول أشهر من أن تذكر ... ولا يكون الإمام إماماً إلا بالجهاد، لا أنه لا يكون جهاداً إلا بالإمام، وقصة أبي بصير لا تكاد تخفى على البليد لما جاء مهاجراًُ فطلبت قريش من رسول الله ﷺ أن يرده إليهم بالشرط الذي كان بينهم في - صلح الحديبية- فانفلت منهم حين قتل المشركين اللذين أتيا في طلبه، ورجع إلى الساحل واستقل بحرب قريش يتعرض لقافلتهم إذا أقبلت من الشام فقال رسول الله ﷺ : لما سمع خبره "ويل أمه مسعر حرب لو كان معه غيره" البخاري (٢٧٣٤) .

стр. 3469

وانضم معه بعض المسلمين الذين خرجوا من مكة ولم يصلوا إلى المدينة مخافة أن يردهم كما رد أبا بصير، فهل قال رسول الله ﷺ أخطأتم في قتال قريش لأنكم لستم مع إمام؟! - سبحان الله - ما أعظم مضرة الجهل على أهله ... وإذا كان هناك طائفة مجتمعة لها منعة وجب عليها أن تجاهد في - سبيل الله - بما تقدر عليه لا يسقط عنها فرضه بحال ولا عند جميع الطوائف. الدرر السنية ٥/٩٧-٩٩. والواجب المتعين على جميع العراقيين داخل العراق أو خارجه محاربة العدو الأمريكي وحلفائه كل حسب استطاعته؛ تحقيقاً لقول الرسول ﷺ "قاتلوا المشركين بأنفسكم وأموالكم وألسنتكم" النسائي (٣٠٩٦) ، وأبو داود (٢٥٠٤) ، وأحمد (١٢٢٤٦) ، وعليهم بالصبر والمصابرة والاجتماع وتوحيد الصف والحذر كل الحذر من الخلاف والنزاع في جبهات القتال "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" [الأنفال: ٤٦] ، وعلى المسلمين عامة أن يناصروا إخوانهم المسلمين في العراق، فيرفعوا من معنوياتهم ولا يخذلوهم في ساعات هم أحوج ما يكونون إليها، ولا أقل من أن يناصروهم في الدعاء بالقنوت في الصلوات لعل الله أن ينصرهم ويرد كيد الأعداء في نحورهم آمين.

стр. 3470

العمل في منظمة الصليب الأحمر المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار التاريخ ١٣/٣/١٤٢٤هـ السؤال هل يجوز العمل في منظمة الصليب الأحمر الدولي كممرض؟ علماً أن هذه المنظمة تستعد للعمل الإنساني في العراق خلال الحرب، وجزاكم الله عنا كل خير. الجواب المعلوم أن منظمة الصليب الأحمر الدولي منظمة إنسانية عالمية، تقوم بعلاج المرضى وتبادل الأسرى بين الدول دون النظر إلى دين ذلك المريض أو الأسير، مع أننا نعلم أن الهدف منها (المنظمة) هو التبشير بنشر النصرانية، وما دامت هذه المنظمة كغيرها من المنظمات الأخرى التي تشابهها تقدم خدماتها لعامة الناس دون النظر إلى جنسهم أو دينهم فإن العمل فيها يكتنفه أمران: أمر يبيح وآخر يمنع، ووجه الإباحة عموم نفعها، ووجه المنع أن من أهدافها التنصير، وإذا كان الأمر كذلك فينظر إلى أي الأمرين أكثر، والأظهر في خدمتها لا شك أن عدد المنتفعين منها أكثر بكثير ممن تنصر بسببها، فيصبح العمل في منظمة الصليب الأحمر الدولي جائز شرعاً، لحصول المنفعة الراجحة والملموسة، ولا ينظر إلى المنع؛ لأن ما علل به أمر مظنون أو قليل ينغمر في النفع الكثير، فيقدم القطعي (الإباحة) على الظني (المنع والتحريم) ، ودفع الظلم عن المظلومين، وتقديم الخير للناس عامة مطلوب شرعاً من كل مسلم، وعمل هذه المنظمة يغلب فيه الخير، فنحن المسلمين مطالبون بفعله، ومساعدة من يفعله، وكل أمر يحدث للناس لا يتبين فيه الدليل من القرآن أو السنة ينبغي أن ينظر إليه من وجهين: الأول: ماذا يقصد منه الفاعل عند فعله؟.

стр. 3471

الثاني: ينظر إلى ما يؤول إليه الفعل، وذلك تطبيقاً لقاعدتين من القواعد الفقهية هما: (الأمور بمقاصدها) ، و (الأمور بمآلاتها) والواجب على المسلم عندما يعمل عملاً أو يقدم خدمة لأحد أن ينوي بفعله طلب الأجر والثواب من الله؛ للحديث المتفق عليه "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.." رواه البخاري (١) ، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر ﵁، ولحديث: "في كل كبدٍ رطبةٍ أجرٌُ"رواه البخاري (٢٣٦٣) ، ومسلم (٢٢٤٤) من حديث أبي هريرة ﵁ ويقول الله وهو أصدق القائلين "وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً" [المزمل: من الآية٢٠] وأنصحك يا أخي أن تحسن نيتك، وأن تنصح لإخوانك وزملائك في العمل، وأن تدعو غير المسلمين منهم إلى الدخول في الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وتحبب إليهم الخير وعليك أن تفهم الفرق بين تولي الكافر وموالاته، فإن الأول فعل محرم، والثاني فعل جائز، فتولي الكفار والثناء على دينهم ومناصرتهم على المسلمين بقول أو فعل ونحو ذلك هذا كفر يخرج من الإسلام، نعوذ بالله من ذلك، أما الثاني وهو موالاة الكافر كمحادثته ومعاملته بلطف ولين طلبا لهدايته أو الثناء عليه بما فيه من أخلاق حميدة يقرها الإسلام كالصدق والأمانة وإتقان العمل والصنعة فإن هذا مما يحمد لك، وتجده عند الله، وعليك أن تستحضر دوماً وأبداً عند مخاطبتك ومعاملتك للكافر حديث رسول الله ﷺ : - "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" رواه البخاري (٢٩٤٢) ، ومسلم (٢٤٠٦) من حديث سهل بن سعد ﵁. وفقني الله وإياك إلى ما يحبه الله ويرضاه. آمين.

стр. 3472

طريق الجماعات للتخلص من النظم المتسلطة المجيب أ. د. جعفر الشيخ إدريس رئيس الجامعة الإسلامية الأمريكية المفتوحة الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار التاريخ ٢/٥/١٤٢٤هـ السؤال ما هو الطريق العملي للجماعات الإسلامية للتخلص من النظم المتسلطة عليهم: الجهاد المسلح أم العمل الدعوي والسياسي أم العمل التعليمي والتربوي بعيداً عن المصادمات مع الأنظمة الحاكمة. الجواب فإن الإنسان العاقل لا يقدم على عمل يعلم أنه لن يحقق الغرض المرجو منه، أو على عمل يكون الضرر الناتج عنه أكثر من الضرر الذي كان يرجى أن يزيله. سنة الرسول ﷺ تدلنا على أن مصادمة سلطة أنت تحتها لا تؤدي إلا إلى إحدى تلك النتائج غير المرغوب فيها. ولذلك فإن الله تعالى نهى المسلمين عن قتال الكفار عندما كانوا خاضعين لسيطرتهم بمكة، وقال لهم"كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة ... " [النساء: ٧٧] ، وقد ذكر المفسرون أن من أسباب ذلك كونهم كانوا قليلي العدد ضعيفي العدة بالنسبة لعدوهم، فلما هاجروا وصارت لهم أرضهم، وازدادت قوتهم أذن لهم بالقتال ثم أمروا به. وقد دلت تجارب كثير من الجماعات الإسلامية في العصر الحديث على صحة هذا المنهج الرباني السني، فما أكثر الجماعات التي دخلت في حرب مع حكوماتها ثم لم تجن من ذلك إلا ازدياداً في الضرر والإفساد، واقرأ إن شئت ما كتبته الجماعة الإسلامية بمصر عن تجربتها في هذا الأمر، والعاقل من اتعظ بغيره.

стр. 3473

حضور جنائز النصارى المجيب د. عبد الله بن عمر الدميجي عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار التاريخ ٧/٢/١٤٢٤هـ السؤال مات زميل لنا في العمل، وكان متقناً عمله، وأخلاقه جيدة، ولكنه نصراني فحضر بعض الزملاء الجنازة في الكنيسة، منهم من كان يقف كلما وقف الموجودون في الكنيسة، ومنهم من لم يشارك في أي شيء سوى أنه جلس معهم فقط، ما حكم الإسلام في حضور هذه الجنازة في الكنيسة، ودخول مقابرهم للمجاملة؟ وهل حضر الرسول جنائز لأهل الذمة؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد: فالأصل في التعامل مع النصارى وغيرهم من الكفار قوله تعالى في سورة الممتحنة:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين*إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون" [الممتحنة: ٨-٩] . وعليه فإذا كان أهل الزميل المذكور من القسم الأول فلا بأس من زيارتهم ودخول منازلهم وتعزيتهم في مصابهم والإحسان إليهم وحسن التعامل معهم، لكن يجب أن يكون ذلك كله مصحوباً بدعوتهم إلى الإسلام واستمالة قلوبهم إليه، مع بغض ما هم عليه من كفر وضلال. والميت النصراني -مهما كانت أخلاقه في العمل وحسن تعامله- لا تجوز الصلاة عليه ولا الدعاء له بالمغفرة، لا الصلاة الشرعية ولا صلاتهم هم البدعية على موتاهم، بل هذه من باب أولى سواء في كنائسهم أو في غيرها. وعليه فلا تجوز المشاركة في مواسم عباداتهم واحتفالاتهم في تشييع جنائزهم ولا في غيرها.

стр. 3474

كما لا يجوز الوقوف صمتاً دقيقة واحدة أو أكثر أو أقل حداداً وتشريفاً لأرواح الموتى، لأن هذا من شعائر الكفار التي أمرنا بمخالفتهم، سواء كان ذلك مجاملة أو عادة أو تقليداً. فلا تجوز المجاملة في دين الله تعالى ولا الالتزام بالأعراف والتقاليد المخالفة لدين الله، ومع ذلك فإنه يجوز حمل جنازة الكافر والذهاب بها إلى المستشفى أو إلى مكان الدفن إذا لم يوجد من يقوم بذلك. أما دخول الكنائس فالأصل فيه المنع إلا لمصلحة شرعية، لما روى البيهقي بإسناد صحيح إلى عمر بن الخطاب ﵁ قال:" ... ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم ومعابدهم فإن السخطة تنزل عليهم". ولا نعرف عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الخلفاء الراشدين أنه شيع جنازة أحد من أهل الذمة. بل قد ورد النهي الصريح للنبي ﷺ من الله تعالى أن يقوم على قبر عبد الله بن أبي سلول فقال تعالى:"ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون" [التوبة: ٨٤] ، كذلك لم يشهد النبي ﷺ جنازة عمه أبي طالب مع قرابته ومناصرته له، وإنما قال لعلي ﵁:"اذهب فواره".

стр. 3475

وما ورد عند النسائي (١٩٢١) أن النبي ﷺ مرت به جنازة فقام ﵊ فقيل: إنها من أهل الأرض -يعني الذميين- وفي رواية إنها يهودية، فقال:"أليست نفساً" فقد اختلفت العلة في قيام النبي ﷺ لهذه الجنازة فقد ورد في رواية جابر عند النسائي (١٩٢٢) قال: قلت يا رسول الله، إنما هي جنازة يهودية، فقال:"إن للموت نزعاً" وفي رواية لأنس (١٩٢٩) قال ﷺ :"إنما قمنا للملائكة" وعلل الحسن البصري ﵀ قيام النبي ﷺ لجنازة اليهودي بقوله: كان رسول الله ﷺ في طريقها جالساً، فكره أن تعلو رأسه جنازة يهودي فقام. (سنن النسائي ١٩٢٧) . علماً بأنه ذهب بعض أهل العلم كابن عباس ﵄ وغيره إلى نسخ القيام للجنازة مطلقاً، لأن النبي ﷺ لم يعد يقوم بعد ذلك كما قاله ابن عباس ﵄، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3476

عقد صفقات مع الكفار المحاربين المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار التاريخ ٥/٧/١٤٢٤هـ السؤال بالنسبة للقاعدة الأمريكية في قطر والمعدة لاستقبال أربعين ألف جندي، والتي تجهز حالياً بجميع الاحتياجات من مواد بناء وصيانة وتشغيل وتموين، وبالتالي توجد فرص تجارية كبيرة، وأرباح مغرية، وهم إذا لم يشتروا منا فسيشترون من غيرنا، والفرصة متاحة لجميع التجار، فهل يجوز الدخول في عقود البيع هذه؟ ونحن نعلم الغرض الذي من أجله أتى هؤلاء وأقاموا قاعدتهم، فهل يجوز للتاجر المسلم التعامل مع هؤلاء وجني الأرباح من الصفقات التي تعقد معهم؟ وما الحكم بالنسبة للشخص البائع؟ وما حكم الأموال المجنية من هذه الصفقات؟ الجواب

стр. 3477

الدخول في عقود تجارية مع الحكومة الكافرة أو من يمثلها من شركات حرام لا يجوز إذا كان ما يقدم لهم يخدم القضية العسكرية مباشرة، كتشغيل أجهزة الكمبيوتر والمولدات الكهربائية، وتزويد الطائرات والآليات بالوقود، ونحو ذلك، لأن هذه الأعمال أكثر ما تستخدم لحرب المسلمين بقتلهم ونهب ثرواتهم وخيرات بلادهم، أما إذا كان ما يؤمن للعدو لا يستخدم في حرب المسلمين عادة كتأمين الطعام والشراب أو الملابس ونحوها مما لا يلحق المسلمين منه ضرر فلا بأس بالتعاقد مع الكفار عليه، لأن الأصل في مبايعة الكفار فيما لا ضرر منه الجواز، والأولى والأتقى اجتناب مثل هذا، للابتعاد عما فيه شبهة، لحديث النعمان بن بشير ﵄: "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ... " رواه البخاري (٥٢) ، ومسلم (١٥٩٩) ، وقد نص العلماء على منع وتحريم بيع السلاح إلى العدو زمن الفتنة، وكل ما يعمل بالمسلمين عمل السلاح محرم بيعه للعدو في مثل هذه الحال، وإذا حرم البيع حرم ما ينتج عنه من ربح، والله أعلم.

стр. 3478

أتهرب من دفع الضريبة المجيب د. فهد بن عبد الرحمن المشعل عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار التاريخ ٢/١١/١٤٢٢ السؤال هل يجوز التهرب من دفع الضريبة المفروضة علينا هنا في أمريكا؛ لأن جزء منها يذهب إلى دعم اليهود، قد لا يستطيع الشخص التهرب منها كلها، ولكن جزء منها، أليس المسلمون أولى بها من دفعها لليهود؟ ثم إن أجزاء من هذه الأموال تصرف هنا بما يخالف الإسلام. الجواب أرى لك أن لا تتهرب من دفع الضرائب ولو كانت لدولة كافرة؛ خشية أن يسيء ذلك إلى غيرك من إخوانك المسلمين، وتشدد عليهم المعاملة فيما بعد، بل تحتسب، والله يعوضك ويخلف عليك.

стр. 3479

توحيد الصف بين الطوائف الإسلامية في جهاد المدافعة المجيب أ. د. ناصر بن عبد الكريم العقل أستاذ العقيدة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار التاريخ ٧/٩/١٤٢٤هـ السؤال ما ضابط توحيد الصفوف في حالة الجهاد الدفعي بالنسبة للحركات الإسلامية وغير الإسلامية؟ هل يتوحَّد الصف مع كل الفئات، أم مع الصفوف الإسلامية دون غيرها من التيارات؟. الجواب جهاد المدافعة (قتال الدفاع) فيما إذا بوغت المسلمون أو بعض بلادهم أو بعض فئاتهم بعدو معتدٍ يقاتلهم، يوجب توحيد صفوف جميع المسلمين أهل السنة وأهل البدعة، بل وغير المسلمين من المواطنين والمقيمين، لكن يجب أن تكون الراية والقيادة إسلامية. وإذا لم تكن الراية والقيادة إسلامية، فلا يكون للقتال حكم الجهاد بمفهومه الشرعي الشامل، لكن دفاع عن النفس والمال والعرض، والناس (الأفراد) في هذا وذاك على نياتهم، والله أعلم.

стр. 3480

الأذان للجهاد المجيب سامي بن عبد العزيز الماجد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار التاريخ ٢١/١٠/١٤٢٢ السؤال كان الصحابة ينادون للجهاد، هل كانوا يستخدمون صيغة الأذان للصلاة لنداء المسلمين للجهاد؟ أو صيغة أخرى؟ الجواب ذهب عامة أهل العلم إلى أن الأذان لا يشرع إلاّ للصلوات الخمس، ولا يشرع لغيرها من الصلوات كصلاة الكسوف، أو الاستسقاء، أو العيدين، وإنما ينادى لها: الصلاة جامعة، ويدل لذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب صلاة العيدين، رقم الحديث ٨٨٧) عن جابر بن سمرة ﵁ قال: " صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة ". فإذا كان الأذان لا يُشرع لصلاة العيدين والاستسقاء والكسوف مع أنها من جنس الصلوات المكتوبة، فأولى ألاّ يشرع الأذان للجهاد. ولم أرَ أحداً من أهل العلم قال بمشروعيته للجهاد، ولا نقل ذلك عن أحدٍ من الصحابة. والله أعلم.

стр. 3481

الدعاء للكافر في الأمور الدنيوية المجيب د. عبد الله بن عمر الدميجي عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار التاريخ ٢٦/١٢/١٤٢٤هـ السؤال السلام عليكم. من المعلوم أنه لا يجوز أن ندعو لوالدينا وأقاربنا من الكفار بعد وفاتهم، فهل يجوز أن ندعو لهم بأمور دنيوية وهم أحياء؟ مثل أن ندعو الله أن يعافيهم من مرض أصابهم وخلاف ذلك. الجواب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. وبعد: نعم، كما تفضلت -أخي السائل- فمن مات كافراً لا يجوز الدعاء له ولا الاستغفار أو الترحم ونحو ذلك، قال الله -تعالى-: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم" [التوبة: ١١٣] ، وقد استأذن النبي ﷺ ربه في الاستغفار لأمه بعد موتها فأذن له في زيارة قبرها، ولم يأذن له في الاستغفار لها. انظر: مسلم (٩٧٦) . أما الحي فيجوز أن يُدْعَى له بالهداية وبشرح صدره للإسلام وبالعافية ونحوها، وقد قال النبي ﷺ : "اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك" أحمد (٥٦٩٦) ، والترمذي (٣٦٨١) ، وقال عنه حسن صحيح غريب، أو كما قال ﷺ وهذا يتضمن الدعوة بهداية أحدهما للإسلام، وكان هذا قبل إسلام عمر ﵁، وكذلك ورد: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" البخاري (٣٤٧٧) ، ومسلم (١٧٩٢) . والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3482

جهاد الطلب وجهاد الدفع المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار التاريخ ٢٦/٥/١٤٢٣ السؤال أمر الله المؤمنين بالكف وعدم الرد على الكفار في أذاهم للمؤمنين في العهد المكي، وكان الجهاد -إن صحت التسمية له بالجهاد- أو العبادة المفروضة في هذا المقام هي عبادة الصبر لا الدفع، مع أن المسلم لو قاتل ودافع لنال الأجر العظيم، لكن للمصلحة العليا كان هذا الحكم. السؤال: هل صحيح نسخ هذا الحكم أم لا؟ وما الظروف التي يشرع من خلالها للمسلم في هذا العصر -الذي لا يوجد فيه ركن يأوي إليه المسلم- من الأسباب المادية؟ وهل الأمر في تطبيق هذا الأمر خاضع للاجتهاد الفردي أم لابد من أن يكون جماعياً؟ وما الشروط التي يجب توافرها حتى نلزم المؤمن في هذا العصر بالصبر؟ ما العلامات التي يعرف بها انقضاء هذا الحكم أو بموجبها يحكم بأن الدفع هو الأمثل؟ وهل بحكم تأثر العالم كله -ومنه المسلمون- بما يحدث في أي قطر إسلامي يكون هذا الحكم عاماً أم أنه يختلف باختلاف البلدان والأزمان والقضايا؟ وإن كان بالإمكان ذكر أوجه الشبه بين العهد المكي، وهذا العصر، وذكر أوجه الاختلاف. وجزاكم الله خيراً الجواب

стр. 3483

حكم الجهاد بنوعيه: جهاد الطلب وجهاد الدفع باقٍ لم ينسخ، وإنما هو حسب حال الأمة من القوة والضعف، فإذا كانت الأمة قوية في عددها وعُددها فهي مطالبة بالأخذ بنصوص القتل والقتال وغزو المشركين والقعود لهم في كل مرصد؛ ليؤمنوا بالله أو يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وإن كانت الأمة ضعيفة مستضعفة كحال المسلمين اليوم فالواجب الأخذ بآيات الصبر والمصابرة وعدم محارشة الكفار وإثارة حميتهم، قال -تعالى-:"ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم" [الأنعام:١٠٨] ، وفي هذا العصر الذي لا يكاد يوجد فيه للمسلم ركن يركن إليه فعليه اللجوء إلى الله وأداء شعائر دينه، والصبر على الأذى فيه، لا سيما إذا كان فرداً وخصمه جماعة، أو دولة، أو قوبل رأيه بفتوى شرعية مستندة إلى الكتاب والسنة وجب عليه قبولها. وتقدير جهاد الدفع وتحديده وإعلانه يخضع للاجتهاد الجماعي من أهل العلم الشرعي -في كل بلد بحسبه- إلا إذا اعتدي على المرء بنفسه أو ماله أو عرضه جاز له أن يدفع ذلك عنه ما استطاع، والأفضل أن يستشير قبل ذلك من هو أعلم منه وأكثر خبرة وتجربة. وليس هناك علامات ينتفي بها جهاد الدفع بل هو باقٍ إلى يوم القيامة ما دامت الأمة ضعيفة مستضعفة، واختيار أي نوع من نوعي الجهاد يخضع لتقرير أهل العلم والفكر والشوكة في كل بلد من بلاد المسلمين وكل أهل بلد أدرى بشؤونهم من غيرهم.

стр. 3484

ومن أوجه الشبه بين المسلمين اليوم والمسلمين في العهد المكي: الضعف وقلة العدد والعُدد، وتكالب الأعداء على المسلمين من اليهود وأذنابهم، والمشركين وإخوانهم والمنافقين وأتباعهم، ومن أوجه الاختلاف بين الحاضر والماضي -العهد المكي خاصة-: وجود الرسول ﷺ بين ظهراني المسلمين في مكة، ينزل عليه الوحي ويصحح لهم أخطاءهم ويسدد آراءهم، وكانوا لا يتجاوزون عشر آيات من القرآن يتلونها حتى يعملوا بها، أما نحن اليوم فقد يحفظ الواحد منا القرآن كاملاً أو يختمه أكثر من مرة، ولكنه لا يكاد يعرف شيئاً من حلاله وحرامه، وكانوا عرباً خلصاً على صفات حميدة من الصدق والشجاعة والكرم والشهامة والرجولة، أما نحن فعلى خلاف ذلك -إلا ما شاء الله-.

стр. 3485

الحرب مع اليهود المجيب سامي بن عبد العزيز الماجد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار التاريخ ١٥/٤/١٤٢٣ السؤال ما صحة القول إن حربنا مع اليهود ليست بحرب عقيدة؟ الجواب إن كان قصد هذا القائل أنَّ قتال المسلمين لليهود في فلسطين اليوم ليس سببه ضلالهم، ولا كونهم يهوداً، فقوله هذا حقٌّ من هذا الوجه، فإننا متّفقون على أنّ قتالهم وإخراجهم من ديار المسلمين لا يختلف حكمُه لو كانوا نصارى أو مجوساً أو هندوساً؛ لأنهم معتدون وظالمون وباغون، فإنهم قد استباحوا دماء المسلمين واستطالوا على أعراضهم وأموالهم، وغصبوا ديارهم، ودنّسوا المسجد الأقصى، فقتالهم وإخراجهم من أعظم الجهاد في سبيل الله، لا نشك في هذا على أن هذه الحرب القائمة بيننا وبينهم ستؤول إلى ما نبَّأنا به الصادقُ المصدوق ﷺ أن المسلمين سيقاتلون اليهود في آخر الزمان ... قتال بين جيش الإيمان يقدمه نبي الله عيسى ﵊، وجيش الكفر يقدمه الدجَّال، وفي جنده اليهود، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود" أخرجه البخاري (٢٧٠٩) ، ومسلم (٥٢٠٣) ، واللفظ له. والمقصود: أنَّ هذه المقالة بمعناها هذا ليست بخاطئة ولا كاذبة، وإنما المقالة الخاطئة الكاذبة الخبيثة الباطلة ما تلوكه ألسنة بعض المنهزمين الجاهلين من أنَّ منابذتنا لليهود بالعداوة والبغضاء إنما هي وليدة عدوانهم واحتلالهم لأرض المسلمين، ليس إلاَّ!.

стр. 3486

وهذا القول الخبيث يناقض عقيدة البراء بكل جلاء، إذ مفهومه أن هذه المعاداة والبغضاء لليهود يجب أن تزول متى خرجوا من أرض المسلمين، وكفّوا أيديهم عن بغيهم وعدوانهم، ولكن عقيدة البراء تفرض علينا -نحن المسلمين- منابذة اليهود، بل وكل كافر بالعداوة والبغضاء -ولو لم يعتدوا علينا ويظلمونا- حتى يؤمنوا بالله وحده، متأسين بنبي الله إبراهيم ﵊ والذين معه، كما قال -سبحانه-:"قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ" [الممتحنة:٤] .

стр. 3487

فليس لليهود في سويداء قلوبنا إلا الكره والبغض والعداوة حتى يؤمنوا بالله وحده ويدخلوا في الإسلام، وحتى يخرجوا من ديار المسلمين ومقدساتهم، ويكفُّوا أيديهم عن الظلم والعدوان، غير أن كُرهنا وبغضنا لهم لهو أشد من كرهنا لغيرهم من الكفّار؛ لأنهم أشدُّ الناس عداوةً لنا، وأظهرهم مكراً وكيداً بنا، وصدورهم قد مُلئت خبثاً ومكراً، وفساداً وغدراً، أمّا إن كان القائل يقصد بمقالته تلك أن حرب اليهود على المسلمين في فلسطين لم يكن الدافع لها عقيدتهم وما تتضمنه من النبوءات، وإنما يدفعهم إليها قصد الاستيطان لإقامة دولة مستقلة تضمن لهم حقوقهم وتؤويهم من التشرد والاضطهاد ... إلخ، فحربهم على المسلمين في فلسطين متمحِّضةٌ لأغراض وأطماع دنيوية؛ فهذا قولٌ فيه سذاجة وغفلة وجهل بالواقع، وهو منقوضٌ باعترافات وتقريرات اليهود أنفسهم، فإنهم يسعون من خلال حربهم على المسلمين في فلسطين وغصب أراضيهم إلى تحقيق نبوءات الأسفار والتوراة المحرَّفة من إقامة دولة الأمة الموعودة والهيكل المزعوم، ومهما يكن فجهادهم واجب، بل هو من أعظم الجهاد في سبيل الله، وبغضهم ومعاداتهم دِينٌ نتقرب إلى الله به، وهو من مقتضى عقيدة البراء في الإسلام. نسأل الله أن يجعلنا أذلة على المؤمنين أعزّة على الكافرين، سلماً لأوليائه، حرباً على أعدائه، وهو وحده المستعان، وهو حسبنا ومولانا فنعم المولى ونعم النصير، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3488

إذا كان لا إكراه في الدين، فلِمَ شرع الجهاد ؟! المجيب سامي بن عبد العزيز الماجد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار التاريخ ١٣/٢/١٤٢٥هـ السؤال كيف نجمع بين قول الله "لا إكراه في الدين" وبين حديث رسول الله ﷺ " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" (البخاري ٤/١٩٦) والحديث الآخر: "أخرجوا اليهود من جزيرة العرب" وهذا الحديث الأخير يحتج به غير المسلمين على عداوة الإسلام للأديان الأخرى. فكيف تجيبون على هذا الادعاء؟ الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فمن الحقائق التي تظافرت الأدلة الشرعية على تقريرها: أنه لا يكره أحدٌ على اعتناق الإسلام، بل الواجب أن تقام الحجة حتى يتبين الرشد من الغي. فمن شاء بعدُ أن يسلم فليسلم، ومن أبى إلا الكفر فلا يُكْرَه على الإسلام، ولا يُقتل إن استحبّ الكفر على الإيمان. ومن أصرح الأدلة على ذلك: قوله تعالى: "لا إكراه في الدين" [البقرة:٢٥٦] أي لا يُكره أحدٌ على الدخول في الإسلام. وقولُه تعالى: "ولو شاء ربك لآمن مَن في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تُكرِه الناس حتى يكونوا مؤمنين" [يونس:٩٩] . وقوله: "فإن تولوا فإنما عليك البلاغ" سورة [آل عمران:٢٠] ، ومثله قوله تعالى: "ما على الرسول إلا البلاغ" سورة [المائدة:٩٩] ، وكلتا الآيتين مدنيتان. ويتساءل بعضهم: إذا كان الأمر كذلك، فلِمَ شُرع الجهاد؟ وكيف تفسرون قتال الرسول ﷺ وصحابته ﵃ للمشركين؟ والجواب: أن الجهاد شُرع لغاياتٍ ليس منها إكراهُ الناس على اعتناق الإسلام.

стр. 3489

فقد شُرِع أوَّلَ ما شرع دفاعاً عن المستضعفين المؤمنين الذين يُضطهدون في دينهم ويؤذَون في أنفسهم وأموالهم، ويُخرجون من ديارهم، (وهو ما يسمى بجهاد الدفع) ، فقال تعالى: "أُذن للذين يُقاتَلون بأنهم ظُلِموا وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله.." [الحج:٣٩ - ٤٠] قال غير واحد من السلف: هذه أول آية نزلت في الجهاد، ثم نزل قوله تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم..الآية" سورة [البقرة: ١٩٠-١٩١] وشُرعَ سنداً لنشر الدعوة حتى تبلغ رسالتها إلى الناس كافةً "وهذا من جهاد الطلب الذي يأتي في مرحلة القوة وظهور الشوكة. إن الدعوة في حقيقتها دعوةٌ سلمية ... باللسان والبيان، فما صحبها السلاحُ لكي يُكره الناس على الدخول في دين الله، وإنما صحبها ليدفع كلَّ من يقف في طريقها ويناوئها. وما أكثر تلك القوى المتنفِّجة بالباطل التي تقف في وجه دعوة الإسلام، وتصد الناس عن دين الله! وما عسى الإسلام أن يفعل إذا هي وقفتْ في وجهه وحالت بينه وبين الناس؟ هل سيتركها لتحجبَ عن الناس دعوة الحق، وتمنَعهم اتّباعَها إذا اختاروها؟ وإنها لفتنة: أن يُصد الناس عن سماع كلمة الحق، ويُسلبوا حرية اختيار الدين، وأعْظِمْ بها من فتنة؟! "والفتنة أشد من القتل" [البقرة:١٩١] "والفتنة أكبر من القتل" [البقرة:٢١٧] . إنه ليس ثمَّة خيار للإسلام أمام هذه القوى إلا أن يجاهدها ويدكَّها؛ ليقرِّرَ للناس حريةَ الدعوة بعد أن كانوا محرومين منها تحت سطوة الطغاة ورهبة العتاة، يستعبدونهم ويمارسون الوصاية على عقولهم؟! ولذا قال ﷻ : "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنةٌ ويكون الدين لله" سورة [البقرة:١٩٣] .

стр. 3490

وقال النبي ﷺ في كتابه لهرقل الروم: "أما بعد؛ فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين" متفق عليه البخاري (٧) ، ومسلم (١٧٧٣) ، وإنما جعل عليه إثم الأريسيين ـ وهم رعاياه ـ؛ لأنهم يأتمرون بأمره وينقادون بانقياده. فلا بد إذاً أن تنداح لدعوة الإسلام هذه الموانعُ وتنزاحَ أمامه كل العقباتُ؛ ليسمع الناس دعوة الإسلام كما هي في صفائها وموافقتها للفطرة، لا كما كانوا يسمعونها من أعدائها مشوَّهةً بالأباطيل المختلقة. فإذا بلغتهم كما هي في حقيقتها فهم وما اختاروا لأنفسهم. وشُرع الجهاد (في أعظم ما شُرع) : ليفتح البلاد ويحطم ما نُصب فيها من الطواغيت الباغية، وما تقنِّنه من النظم المستبدة الجائرة؛ ليقيم مكانها نظامَ الإسلام (جهاد الطلب) . وهذا النوع من الجهاد يتطلب قوةً وقدرةً، ولا يتحقق إلا مع ظهور شوكة المسلمين وتحقق وحدتهم وتمكينهم في الأرض. أما مع حال الضعف والتفرق ـ كما هو حال الأمة اليوم ـ فلا يجب عليهم إلا النوع الأول من الجهاد: وهو جهاد الدفع ـ أي دفع المعتدين على بلاد المسلمين ومقدساتهم وأموالهم ـ، كما يجب عليهم في هذه الحال أن يأخذوا بأسباب القوة والمنعة، والاعتصام ونبذ الفرقة؛ فلا يمكن أن تقوم لدولة الإسلام قائمة ما لم تكن لها قوةٌ تحميها وتناضل عنها. إن شريعة الإسلام يجب أن تحكم أرجاء الأرض، حتى لا يُظلم في كنفها مسلم ولا كافر، ولا عجب! فالكتاب إنما نزل ليقوم الناس بالقسط "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ... "الآية سورة [الحديد:٢٥] ، بيد أن الإسلام إنما ضمن للكافر هذا بشرطه، وشرطُه: أن يحترمَ شعائرَ الإسلام وعقائدَه، وأن يخضعَ لنظامه وشريعتِه.

стр. 3491

إن إرضاخ البلاد والأقاليم لحكم الإسلام يعني ـ في أول ما يعنيه ـ إقامةَ العدل "ليقوم الناس بالقسط" الذي لا قيام له إلا بتحكيم شريعة الله في أرضه، لا لإكراه الكفارِ على الدخول فيه، فلهم أن يبقوا على دينهم، وأن يمارسوا شعائرهم في بيوتهم، لكنْ يقابل هذا الحقَّ واجبٌ عليهم لا بد وأن يلتزموه، وهو: أن يخضعوا لحكم الإسلام في مخالطتهم للمجتمع، وفي شؤونه الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، وأن يحترموا نظمَه ويسالموه، فلا يقاوموا دعوته ولا يفتنوا أهله. ولو كان الجهاد لإرغام الكفار على الدخول في الإسلام لما أمر النبي ﷺ بالكف عنهم إذا اختاروا الجزية، وَلَمَا نهى عن قتل النساء والصبيان في الغزو، وحين رأى مرةً امرأة مقتولةً في إحدى غزواته قال: "ما كان لهذه أن تُقاتِل" أحمد (٥٩٥٩) ، فأشار إلى علة القتل، وهي المقاتلَة. ولو كان الجهاد لأجل إرغام المشركين على الدخول في الإسلام لَمَا نهى خلفاؤه الراشدون عن قتل الرهبان إذا اعتزلوا الناس، ولم يعينوا على القتال بتدبير أو رأيٍ. ويدل لذلك دلالة ظاهرة حديث بريدة بن حصيب: "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم، وكُفّ عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ... فإن هم أبوا فسلهم الجزيةَ، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم ... "الحديث رواه مسلم (١٧٣١) . وهذا الحديث عام في كل مشرك، من العرب وغيرهم، وإنما لم يأخذ النبي ﷺ الجزية من مشركي العرب لأن آية الجزية إنما نزلت في السنة التاسعة حين لم يبق في الحجاز عربي مشرك محارب.

стр. 3492

والجزية التي تؤخذ من الكافر الذمي ليست ضريبةَ رفضه الدخول في الإسلام، وإنما هي مقابل حقن دمه وحماية المسلمين له مما يحمون منه أنفسهم وأهليهم؛ ولذا كتب خالد بن الوليد ﵁ لصلوبا بن نسطونا حينما دخل الفرات وأوغل فيها: "إني قد عاهدتكم على الجزية والمنعة، فلك الذمة والمنعة. وما منعناكم (أي حميناكم) فلنا الجزية، وإلا فلا". وهذا أبو عبيدة ﵁ لما أحس العجزَ عن حماية بعض أهل الذمة في بلادهم كتب إلى ولاته في تلك البلاد يأمرهم أن يردوا عليهم ما جُبي منهم من الجزية، وكتب إليهم أن يقولوا لهم: "إنما رددنا عليكم أموالكم؛ لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا إليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشرط" أخرجه القاضي أبو يوسف في كتاب الخراج. إن الغاية العظمى من تشريع الجهاد هي أن تكون كلمة الله هي العليا، كما جاء في الحديث الصحيح أنه لما سئل النبي ﷺ عن الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا فهو في سبيل الله" متّفقٌ عليه البخاري (١٢٣) ، ومسلم (١٩٠٤) . وهذه الغاية العظمى (أن تكون كلمة الله هي العليا) تحققها غايات الجهاد وبواعثه التي تقدم ذكرها آنفاً، وهي: ١- حماية الدعوة وضمان تبليغها للناس. ٢- سحق الطواغيت وتحطيم النظم الباغية ودفعِ كل مَنْ يقف في طريق الدعوة ويمنع بلوغها إلى الناس. ٣- إقامة نظام الإسلام في الأرض ليحتكم الناس إلى شريعته ... وكلٌ من هذه الغايات الثلاث تعمل في إعلاء كلمة الله.

стр. 3493

على أن تشريع الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا ليس مقتضاه أن يُسلم كلُّ من دعي إليه، بل مقتضاه أن يكون نظامُ الإسلام هو المهيمنَ والحاكمَ على حياة الناس، أما هم فيما يعتقدون فلهم الحرية المطلقة أن يعتقدوا ما شاءوا، ودولة الإسلام تحميهم مما تحمي منه أبناءها مقابل دفع الجزية. وبعد تقرير أن "لا إكراه في الدين" [البقرة:٢٥٦] ، وبيان بواعث الجهاد في سبيل الله وغاياته، لا بد من الإجابة عما يُظَنّ أنه معارض لهذه الحقيقة أو ناسخٌ لها من الأدلة الشرعية. يذكرون من ذلك قوله تعالى: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد.."الآية سورة [التوبة:٥] . فقد ظن بعضهم أنها ناسخةٌ لآية "لا إكراه في الدين"، إذ مقتضى عمومها أن كل من بلغته الدعوة من الكفار فإنه لا يقبل منه إلا الإسلام، وإلا مضى فيه السيف. والجواب: أن هذه الآية وإن كانت من آخر ما نزل ـ حيث نزلت في السنة التاسعة من الهجرة ـ لكن تأخر نزولها لا يقضي بنسخ ما تقدمها من الآيات، ومنها قوله تعالى: "لا إكراه في الدين". والآية وإن وردت بلفظ العموم؛ لكنها من العام المخصوص، إذ خصّصت عمومها آياتٌ وأحاديث أخرى ـ سيأتي ذكرها ـ، فبقي عمومها مخصوصاً بمشركي العرب الذين حاربوا النبي ﷺ ونقضوا عهدهم ونكثوا أيمانهم. وخرج من هذا العموم مَن عداهم ممن لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا على المسلمين أحداً، وكذلك أهل الكتاب والمجوس وعبدة الأوثان من غير العرب. ويدل لذلك ما يلي:

стр. 3494

أولاً: أن الله قال في أول سورة [براءة:١:٦] "براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر.."، فأمهل هؤلاء المشركين أربعة أشهر، وأمر بقتلهم إذا انسلختْ هذه الأشهر الأربعة ولم يتوبوا، ثم استنثى منهم "إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم" [التوبة:٤] . فدل هذا على أن قوله تعالى: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم.." [البقرة:٥] الآية ليست على عمومها، وإنما هي من العام المخصوص، فهي مخصوصة بمشركي العرب المحاربين لرسول الله ﷺ ، والذين نكثوا أيمانهم ... ويُشعِر بهذا دليلان: الأول: قوله تعالى ـ في صدر سورة التوبة، بعد آية السيف ببضع آيات ـ "ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهمّوا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرَّة.."الآية [التوبة:١٣] . قال ابن العربي في أحكام القرآن (٢/٤٥٦) : (وتبين أن المراد بالآية: اقتلوا المشركين الذين يحاربونكم) أهـ. الثاني: قوله تعالى ـ بعد آية السيف بآية ـ: "كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم" الآية [التوبة:٧] . والمقصود بهذه الآية: هم بعض بني بكر من كنانة ممن أقام على عهده، ولم يدخل في نقض ما كان بين رسول الله ﷺ وبين قريش يوم الحديبية من العهد، حين نقضته قريش بمعونتها لحلفائها من بني الديل على حلفاء النبي ﷺ من خزاعة. (ينظر: تفسير الطبري ١٠/٨٢) . ثانياً: قوله تعالى "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" [التوبة:٢٩] .

стр. 3495

وهي آية الجزية، نزلت عام تبوك، حين لم يبق عربي مشرك محارب في الحجاز، ولم يكن ﷺ ليغزو النصارى عام تبوك بجميع المسلمين ويدع الحجاز وفيه من يحاربه (ينظر مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٩/٢٠) . وقد أثبتت الآية لأهل الكتاب حق البقاء على دينهم بشرط دفع الجزية، فهي مخصِّصة لعموم قوله تعالى: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم"..الآية [التوبة:٥] . ثالثاً: حديث بريدة بن حصيب "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم، وكُفّ عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ... فإن هم أبوا فسلهم الجزيةَ، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم ... "الحديث وقد تقدم قريباً (سبق تخريجه) . والحديث يدل على أن المشركين ـ سواء من عبدة الأوثان من العرب أو من غيرهم، كما يقتضيه عموم اللفظ ـ إذا أبوا الدخول في الإسلام واختاروا دفع الجزية فإنه يجب قبولها منهم والكف عنهم، ولا يجوز قتلهم، ولا إكراههم على الإسلام. فعموم هذا الحديث يدل على أن المقصود بـ (المشركين) في ما يسمى بآية السيف "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم.." هم المشركون الذين كانوا يحاربون النبي ﷺ ، وينقضون عهدهم. أما حديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" فهو حديث صحيح ـ ولا شك ـ رواه البخاري (٢٥) ومسلم (٢٠) وغيرهما. ولكن الحديث ليس على عمومه، وليس المقصود بـ (الناس) جميع الكفار، من المشركين وأهل الكتاب، بل هو من العام المخصوص.

стр. 3496

وكيف يُعمل بعمومه؟ وقد قال الله: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ... حتى يُعطوا الجزية ... "الآية، وقال ﷺ : "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم، وكُفّ عنهم ... "الحديث (سبق تخريجه) . وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لمن قالوا بأن الجزية تؤخذ من كل كافر، لا من أهل الكتاب خاصة، جواباً لهم عن الاستدلال بعموم هذا الحديث، فقال (مجموع الفتاوى ١٩/٢٠) : (مراده قتال المحاربين الذين أذن الله في قتالهم، لم يرد قتال المعاهدين الذين أمر الله بوفاء عهدهم) أهـ. وأجاب عنه ابن حجر بعدة أجوبة (فتح الباري ١/٩٧) ، فقال ـ مع بعض الاختصار ـ: (الجواب من أوجه, أحدها: دعوى النسخ بأن يكون الإذن بأخذ الجزية والمعاهدة متأخرا عن هذه الأحاديث , بدليل أنه متأخر عن قوله تعالى "فاقتلوا المشركين"، ... ثالثها: أن يكون من العام الذي أريد به الخاص , فيكون المراد بالناس في قوله " أقاتل الناس " أي: المشركين من غير أهل الكتاب , ويدل عليه رواية النسائي بلفظ " أمرت أن أقاتل المشركين " ... رابعها: أن يكون المراد بما ذكر من الشهادة وغيرها التعبيرَ عن إعلاء كلمة الله وإذعان المخالفين, فيحصل في بعضٍ بالقتل وفي بعضٍ بالجزية وفي بعضٍ بالمعاهدة ... ) أهـ. وأما حديث: "أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب" أحمد (١٦٩١) والدارمي (٢٤٩٨) بلفظ "أخرجوا اليهود الحجاز من جزيرة العرب ... " فلا يدل على أن الكافر يرغم على الدخول في الإسلام، بل غاية ما يدل عليه ألا يؤذن لكافرٍ أن يستوطن جزيرة العرب. أما بقاؤه فيها من غير قصد للاستيطان؛ كأن يقيم فيها لأجل العمل، أو للتجارة، أو للخدمة، فليس في الحديث ما يدل على النهي عن شيء من ذلك.

стр. 3497

وهذا الحكم خاص بجزيرة العرب، أما غيرها من بلاد الإسلام مما فتحه المسلمون فلا يُخرج أهلها منها إن بقوا على الكفر، بل لهم أن يستوطنوها على أن يدفعوا الجزية مقابل حماية المسلمين لهم. على أن بعض أهل العلم يرى أن الحديث وإن ورد فيه الأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، إلا أن المراد بعض الجزيرة لا كلها، وهو الحجاز خاصةً، بدليل أن عمر ﵁ أخرج يهود خيبر وفدك ولم يخرج أهل تيماء، وهي من جزيرة العرب، قال النووي في شرح مسلم (١٠/٢١٢- ٢١٣) عند شرح حديث إجلاء عمر لليهود من خيبر، وفيه: "فأجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء" قال: (وفي هذا دليل أن مراد النبي ﷺ بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب إخراجهم من بعضها، وهو الحجاز خاصة؛ لأن تيماء من جزيرة العرب لكنها ليست من الحجاز والله أعلم) أهـ. وقال في (١١/٩٣-٩٤) : (وأخذ بهذا الحديث مالك، والشافعي وغيرهما من العلماء، فأوجبوا إخراج الكفار من جزيرة العرب، وقالوا: لا يجوز تمكينهم من سكناها، ولكن الشافعي خص هذا الحكم ببعض جزيرة العرب، وهو الحجاز، وهو عنده: مكة، والمدينة، واليمامة وأعمالها دون اليمن وغيره مما هو من جزيرة العرب، بدليل آخر مشهور في كتبه وكتب أصحابه) اهـ. وقال ابن قدامة في "المغني" ١٣/٢٤٢-٢٤٤ ـ بعد أن ذكر رواية عن الإمام أحمد في (جزيرة العرب المدينة وما والاها) ـ: (يعني أن الممنوع من سكنى الكفار به: المدينةُ وما والاها ـ وهو مكة، واليمامة، وخيبر، والينبع، وفدك، ومخاليفها، وما والاها ـ وهذا قول الشافعي ... فكأن جزيرة العرب في تلك الأحاديث أريد بها الحجاز، وإنما سمي حجازاً لأنه حجز بين تهامة ونجد، ولا يمنعون أيضا من أطراف الحجاز كتيماء وفدك ونحوهما؛ لأن عمر لم يمنعهم من ذلك) أهـ.

стр. 3498

وقال ابن حجر (الفتح ٦/١٩٨) : (لكن الذي يمنع المشركون من سكناه منها الحجاز خاصة، وهو مكة والمدينة واليمامة وما والاها، لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم جزيرة العرب؛ لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها، مع أنها من جملة جزيرة العرب، هذا مذهب الجمهور) أهـ. والمقصود أن منع اليهود والنصارى من استيطان جزيرة العرب إنما هو من خصائص الجزيرة، انفردت به دون سائر ديار الإسلام. إن الإسلام بأدلته الصريحة يعلن بطلان الديانات الأخرى كلها؛ لأنها إما محرَّفة؛ كاليهودية والنصرانية، وإما وثنية شركية كالمجوسية والهندوسية ووو ... إلخ. غير أنه ـ مع ذلك ـ أوجب علينا العدل معهم، ورغَّبنا في البر إليهم ترغيباً لهم في الإسلام ما لم يقاتلونا، ولم يخرجونا من ديارنا، كما قال تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" سورة [الممتحنة:٨] وأمر المسلمَ بمصاحبة والديه في الدنيا معروفاً ولو كانا مشركَين، اعترافاً بجميلهما، ومكافأة لمعروفهما. وأمر بألا نُجادل أهل الكتاب (اليهود والنصارى) إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم، فقال تعالى: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم.." سورة [العنكبوت:٤٦] وأمرنا بإيفاء العقود والعهود معهم، وأن نستقيم لهم ما استقاموا لنا، وأعظمَ النبي ﷺ قتل المعاهد منهم فقال: "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة.."أخرجه البخاري (٣١٦٦] . لقد أبطل الإسلام اليهودية والنصرانية؛ لأنها قد حُرِّفتْ ودخلها الشرك وافتراء الكذب على الله إلى غير ذلك من عظائم الأمور ـ تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً ـ.

стр. 3499

ومع ذلك فقد أثنى على أتباعها الأولين الذين صدقوا أنبياءهم وناصروهم، ولم يقتلوهم، ولم يحرفوا الكلم عن مواضعه، ووعدهم ما وعد المسلمين ـ أتباع محمد ﷺ فأعد لهم جنات ومغفرةً وأجراً عظيماً. ولا يصح إسلام أحد من ملة محمد ﷺ حتى يؤمن بالأنبياء والرسل كلهم ويصدِّق بكتبهم (غير المحرفة) ، فقال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل، ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً" سورة [النساء: ١٤٦] كما أثنى القرآن كثيراً على موسى وعيسى ﵉، وبرأ مريم الصديقة مما رماها به المفترون من اليهود. ومما استفاض في القرآن والسنة: أن دعوة الرسل واحدة وإن اختلفت شرائعهم التفصيلية، ودعوتهم هي توحيد الله سبحانه: "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون" سورة [الأنبياء:٢٦] . وقال ﷺ : "الأنبياء إخوة من علاّت، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد" رواه مسلم (٤٣٦٢) . وأولاد العلات: هم الإخوة من الأب من أمهاتٍ شتى، فالأب رمز للتوحيد، والأمهات رمز للشرائع (الفروع) . فالدعوة التي جاء بها محمد ﷺ لم تخرج عن أصل دعوة الأنبياء والمرسلين قبله، وهي: توحيد الله سبحانه، وإخلاص العبادة له وحده. ولا يضير في هذا أن تختلف شرائعهم؛ كتفاصيل العبادات من صلاة وصيام وحج، وأحكام الأطعمة والذبائح وسائر المعاملات، ونحو ذلك. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 3500

مقاطعة البضائع الأمريكية المجيب سامي بن عبد العزيز الماجد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار التاريخ ٢٩/٦/١٤٢٣هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أردت أن أستفسر عن حكم الشراء من المحلات التي ذكر اسمها ضمن قائمة المقاطعة والتي يشك في احتمالية دعمها لإسرائيل، فكثير من أخواتي يلومونني على الشراء من تلك المحلات التجارية، مع العلم أنني أشتري من تلك المحلات وأنا كارهة وما ذلك إلا أنني أعجز أحياناً في البحث عن جودة السلعة مع السعر المناسب إلا في تلك المحلات التي ذكر اسمها في قائمة المقاطعة، وهل أنا آثمة على هذا الفعل؟ أفيدوني، جزاكم الله خيراً. الجواب لا شك أن الأولى مقاطعة ما تستطيعين مقاطعته من البضائع الأمريكية، حتى ولو فرضنا أن المقاطعة لا تبلغ بتلك الشركات ما نتمناه من الخسارة أو الإفلاس، فلا أقل من أن تكون مقاطعتنا لها رسالة تعبر عن شيء مما في قلوبنا من الغيظ والغضب من غطرسة أمريكا وتوقح سياساتها ومواقفها تجاه إخواننا في فلسطين وفي غيرها من بلاد المسلمين، والمقاطعة رسالة كذلك تحمل البراءة من أن تستحيل أموالنا إلى قوة لأعدائنا على إخواننا، فما صمود دولة يهود إلا من دعم مولاتها أمريكا. وتتأكد المقاطعة مع توفر البديل الذي ينافس البضائع الأمريكية في السعر والجودة. أما إذا كان الحال كما ذكرتِ -والعهدة عليكِ- ففي الأمر سعة، وأرجو ألا تكوني آثمة في ذلك، ولكن ينبغي أن تستمري في مقاطعة غيرها من السلع التي تجدين لها بديلاً منافساً، فحيثما لا يكون عليكِ حرج في المقاطعة ينبغي أن تواصلي المقاطعة، حتى تبقى عداوة أمريكا وكراهيتها تتأجج مراجلها في قلوبنا. أما البضائع اليهودية فلا ينبغي أن يكون فيها ترخص أو تهاون، ومقاطعتها ليس فيها خيار، وليس لنا بد من مقاطعتها. ولا تنسي إخواننا في فلسطين وأسرانا في (جوانتنامو) من دعائك، والله يسددك ويوفقك، وهو يهدي إلى سواء السبيل، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 3501

الحكمة من الجهاد المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار التاريخ ٢٨/٥/١٤٢٤هـ السؤال هل الحكمة من وراء جهاد الطلب كان فقط منع الطغاة والحكام من أن يسمع الناس رسالة الإسلام؟ أم أنه يجب أن تحكم كل بلاد الأرض بالشريعة الإسلامية؟ حيث إن الأرض ملك لله -سبحانه-، ويجب أن يساس أهلها بحكمه وشرعه . أرجو التفصيل بالأدلة. الجواب الجهاد في سبيل الله أعم من معنى القتال أو الحرب، فهو يشمل جهاد النفس، والهوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومقاومة الظلم، ونشر الدعوة إلى الله بكل مجالاتها، ولكن لما كان الجهاد في سبيل الله قد ورد في القرآن بلفظ (القتال) بالنفس والمال في مواضع كثيرة ظن بعض الناس أن الجهاد مقصور على القتال، وإن كان أشمل منه قال -تعالى-: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ"

стр. 3502

[العنكبوت: ٦٩] وقوله:" فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً" [الفرقان: ٥٢] وهاتان الآيتان نزلتا بمكة قبل الإذن بالقتال، مما يؤكد الجهاد في سبيل الله بمعناه العام، وعامة الآيات القرآنية في الجهاد تحدد أسباب الحرب (القتال) هي: دفع الظلم، ونصرة المظلوم، ومنع الفتنة في الدين والإخراج من الوطن بغير حق، وكفالة حرية العبادة لأهل الكتاب وغيرهم - في غير جزيرة العرب -، وبهذا فالحرب في الإسلام عالمية المنزع إنسانية الهدف، لتكون كلمة الله هي العليا، ليس فيها منزع لعدوان على أحد، ولا مطمع في التوسع لحدود الدولة أو زيادة ثرواتها على حساب الغير، لقد جاءت مبادئ الإسلام عالمية كونية لتحرير الضمير والفكر من ترسبات الوثنيات بأنواعها وأشكالها، فربط الاعتقاد بالفهم والاقتناع "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ"

стр. 3503

[البقرة:٢٥٦] ، وربط الإيمان بالدليل والبرهان عند إرادة الجدال والحوار "وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" [البقرة: ١١١] ، وربط العلم العملي بالتقوى "وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ" [البقرة: ٢٨٢] ولم تكن الغزوات ولا السرايا في عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين إلا تطبيقاً عملياً لمعنى الجهاد الخاص (القتال أو الجهاد) بعد توافر الأسباب الشرعية للحرية المشار إليها أعلاه. فغزوة بدر الكبرى البادئ فيها المشركون، حيث اضطهدوا المسلمين في مكة وصادروا أموالهم واضطروهم إلى الخروج من أوطانهم، فأراد النبي ﷺ أن يقتص من مشركي مكة باعتراض قافلة لهم قادمة من الشام، فخروج المسلمين لم يكن لغرض القتال وإنما للاستيلاء على عير قريش من باب المقاصة أو المعاملة بالمثل، قد أراد المؤمنون شيئاً وأراد الله شيئاً آخر "كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ" [الأنفال: ٥] أي: كارهون للمعركة؛ لأنهم على غير استعداد.

стр. 3504

أما غزوة أحد فكانت هجوماً من مشركي مكة على المدينة انتقاماً لهزيمتهم في بدر، ومع هذا تردد رسول الله ﷺ في الخروج في أول الأمر مما جعله يستشير أصحابه، ثم أخذ رأي الأكثرية منهم الداعين إلى القتال، أما غزوة المريسيع فإن سببها ما بلغه عن يهود بني المصطلق أنهم يجمعون لحرب المسلمين جموعاً كبيرة من قبائل العرب، أما غزوة الأحزاب وبني قريظة فواضح أمرها إذ إن يهود بني قريظة نقضوا العهد الذي أبرموه مع النبي ﷺ في الوثيقة الشهيرة في التاريخ، فتحالفوا مع المشركين، وفي غزوة الحديبية تجلى حب النبي ﷺ ورغبته في الصلح، وإنما أراد العمرة والطواف بالبيت، لكن مشركي مكة منعوه ونقضوا العهد الذي بينهم وبينه، فخرج إليهم بقرابة عشرة آلاف من المؤمنين، وعسكر قرب مكة فجاءه بعض وجهاء قريش كالعباس بن عبد المطلب، وأبي سفيان بن حرب فأسلموا وعادوا إلى مكة بأمان إلى أهلها، ودخل النبي والمؤمنون مكة بصلح مع وجهاء قريش كما هو مذهب الشافعي ورواية لأحمد، فكان الفتح المبين للإسلام والمسلمين، أما معركة حنين فسببها أن قبيلة هوازن وثقيف وبعض القبائل تجهزوا لحرب المسلمين والهجوم على المصلين في مكة، فخرج إليهم النبي ﷺ ومن معه من المسلمين وحاصروهم حتى استسلموا وقتل من قتل، وأسلم عدد كبير، أما غزوة مؤتة وتبوك فسببها أن زعيم الروم قتل أحد رسل النبي ﷺ الذي قام بتبليغه رسالة الدعوة إلى الإسلام، والعرف الجاري بين الدول والشعوب أن الرسل لا تقتل، وكانت دولة الروم آنذاك تحرض قبائل العرب المجاورة على قتال أهل المدينة، فجمعوا بقيادة (هرقل) أكثر من مئتي ألف مقاتل، فقاتلهم المسلمون فكان ما كان مما قدره الله، ومع هذا كله فإن الإسلام يمنع ويحرم (المباغتة) التي تعتبرها كل دول العالم اليوم مبدأ من مبادئ الحرب، ففرض على المسلمين أن ينذروا

стр. 3505

عدوهم ويعلنوه بالحرب فلا يؤخذ العدو على غرة قال -تعالى-: "وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ" [الأنفال: ٥٨] يجوز للمسلمين في حالات خاصة أن يبيتوا عدوهم فيعاملوا المشركين عند القتال بمثل معاملتهم للمسلمين "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ" [النحل: ١٢٦] . قال ابن القيم في (زاد المعاد) :"لما قدم النبي ﷺ صار الكفار معه ثلاثة أقسام: قسم صالحهم ووادعهم على أن لا يحاربوا ... ، وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة، وقسم تاركوه فلم يحاربوه ولم يصالحوه، وهؤلاء ثلاثة أقسام منهم من كان يحب ظهور الرسول وانتصاره، وهؤلاء أسلموا بعد ذلك"، ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه وهزيمة المسلمين - وهؤلاء آلت حالهم بعد ذلك فانضموا مع المحاربين له، ومنهم من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه في الباطن وهم المنافقون، فعامل ﷺ كل طائفة من هذه الطوائف بما يناسب حالها مما أمره الله به.
следующие страницы →