أحاديث الأذان والإقامة في أذن المولود
المجيب عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ١/٦/١٤٢٢
السؤال
ما صحة أحاديث الأذان والإقامة في أذن المولود؟
الجواب
قد ورد في هذا الباب أحاديث بعضها موضوع، وبعضها ضعيف، وأجود ما ورد في الباب -حسب علمي- حديث أبي رافع ﵁ قال: ((رأيت رسول الله ﷺ أذّن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة)) أخرجه أحمد ٦/٩، وأبو داود (٥١٠٥) ، والترمذي (١٥١٤) وقال: حسن صحيح. ورواه غيرهم. ولكنه ضعيف الإسناد؛ لأن مداره على عاصم بن عبيد الله، وهو ضعيف الحديث.
وقد أورد العلامة ابن القيم في الباب الرابع من كتابه (تحفة المودود بأحكام المولود) ثلاثة أحاديث في هذا الموضوع، أحسنها حديث أبي رافع على ضعفه، ثم ذكر الحكمة من استحباب بعض أهل العلم التأذين في أذنه أوّل ما يولد.
والذي يظهر أنه إذا لم تثبت بذلك الأحاديث المرفوعة، ولا الآثار الموقوفة فلا ينبغي فعله، ومن استحبه من أهل العلم فالظاهر أنه لم يقف على ضعف الأحاديث الواردة في الباب، والله أعلم.
стр. 387
ارتداد أم جحود
المجيب د. سعد بن عبد الله الحميد
أستاذ الدراسات العليا بجامعة الملك سعود
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٧/٤/١٤٢٢
السؤال
ما صحة حديث إرتداد بعض الصحابة عقب حادثة الإسراء والمعراج بعد إخبار النبي ﷺ لهم بها؟
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فإنه لا يصح أن أحداً من أصحاب النبي ﷺ ارتدّ بعد حادثة الإسراء، ولم يرد ذلك صراحة إلا في حديث منكر أخرجه الحاكم (٣/٦٢و٦٣) وغيره من طريق محمد بن كثير الصنعاني، عن معمر بن راشد، عن ابن شهاب الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: لمّا أسري بالنبي ﷺ إلى المسجد الأقصى، أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتدّ ناس ممن كانوا آمنوا به وصدّقوه ... الحديث قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه؛ فإن محمد بن كثير صدوق) ، والحاكم كما هو معلوم انتُقد كثيراً على أحكامه على الأحاديث في "المستدرك"، ويظهر انتقاده هنا بوضوح. فإن محمد بن كثير هذا لم يخرج له أحد الشيخين شيئاً، ومع هذا فهو مضَعف من قبل حفظه، ويشتد ضعفه إذا روى عن معمر، وهذا من روايته عنه. قال عبد الله بن الإمام أحمد: ذكر أبي محمد بن كثير فضعّفه جداً، وضعّف حديثه عن معمر جداً، وقال: هو منكر الحديث، وقال: يروي أشياء منكره. أ. هـ من "تهذيب الكمال" (٢٦/٣٣١) . والصواب في هذا الحديث: رواية ابن جرير له في تفسيره (١٧/٣٣٥) عن ابن شهاب الزهري، عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن مرسلاً، والمرسل من أنواع الضعيف، ومع ذلك فذكر الارتداد لم يرد من قولهما، وإنما ذكره عبد الله بن وهب من قوله، وابن وهب هو الرواي للحديث عن يونس بن يزيد، عن الزهري.
فإن قيل: ورد خبر الارتداد أيضاً في حديث ابن عباس عند الإمام أحمد (١/٣٧٤ رقم ٣٥٤٦) ، والنسائي في "الكبرى" (١١٣٨٣) ، وغيرهما، وصححه ابن جرير الطبري في "تهذيب الآثار" (١٧) ، وابن كثير في "التفسير" (٥/٢٦) .
فالجواب: أن هذا الحديث ليس فيه دلالة على أنهم كانوا مؤمنين، ولفظه عند هؤلاء: "فقال ناس: نحن لا نصدق محمداً بما يقول، فارتدّوا كفاراً، فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل. . " الحديث.
فقوله: "فارتدوا كفاراً" لا يدل على أنهم كانوا مؤمنين، وإنما يدل على أنهم بعد أن رأوا هذه الآية العجيبة؛ وهي أنهم تحدّوا النبي ﷺ أن يثبت صدقه في أنه أسري به إلى بيت المقدس، ثم رجع في ليلة، فأخذ النبي ﷺ يصف لهم بيت المقدس وصفاً دقيقاً، وهم يعلمون أنه لم يره، وأخبرهم بعيرهم التي في الطريق، وهذه آية عظيمة تستوجب من كفار مكة الإيمان بصدق نبوته r، ولكنهم مع هذا كله قالوا: نحن لا نصدق محمداً بما يقول، فبدلاً من الإيمان ارتدّوا إلى كفرهم، وباقي الروايات التي ذكرت في هذه الحادثة من غير هذا الطريق تدل على ما ذكرته، فليس فيها ذكر الارتداد، فضلاً عن التصريح بردة بعض من كان آمن، على أن سند الحديث يحتاج إلى تأمل، يشعر به قول ابن جرير الطبري في الموضع السابق من "تهذيب الآثار": "وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيماً غير صحيح؛ لعلل: إحداها: أنه خبر لا يعرف له مخرج يصح عن ابن عباس - على ما روي عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عنه - إلا من هذا الوجه، وإن كان قد روى بعض ذلك عن عكرمة، من غير حديث هلال بن خباب. .)) الخ ما قال، والمهم منه ذكر العلة الأولى هذه فالحديث يرويه هلال بن خبّاب، عن عكرمة، عن ابن عباس. وأحاديث الإسراء وردت عن جمع من الصحابة ﵃ استوعب ذكرهم الحافظ ابن كثير في أول سورة الإسراء، ومنهم ابن عباس ﵄، ولم يرد في حديث أي منهم ذكر الردّة إلا في طريق عائشة الذي تقدم الكلام عنه، أو في هذه الرواية. وقد روي الحديث عن ابن عباس من خمس طرق - على ما ذكر ابن كثير -، وبعضها في الصحيح، وليس في شيء منه هذه الطرق ذكر الردّة، إلا في رواية عكرمة. ولم نجد هذه الرواية مروية عن عكرمة إلا من طريق هلال بن خبّاب، وتلاميذ عكرمة الذين رووا عنه السنّة كثر، ولم يرو أحد منهم هذا الذي رواه هلال بن خبّاب، وهم أكثر ملازمة لعكرمة من هلال، وأحاديثهم مخرّجة في الصحيح عنه، وأما هلال بن خبّاب فأعرض صاحبا الصحيح عن إخراج حديثه بالمرة، لأنه تغيّر قبل موته بسبب كبر سنّه، ومثله لا يحتمل منه التفرُّد بهذه الرواية، وفيها ما تقدم ذكره مما ينكر عليه من لفظها.
فهذا ما يتعلق بالرواية من حيث السند، أمن نقدها من حيث المتن فهي منكرة للأسباب التالية: -
(١) حديث أبي سفيان مع هرقل، وفيه سؤال هرقل لأبي سفيان - وكان حين ذلك مشركا - هل يرتد أحدٌ منهم - يعني أصحاب النبي ﷺ سخطة لدينه بعد أن يدخلة قال أبو سفيان: لا، فلو كانت حادثة الارتداد عن الإيمان صحيحة لما أقرّ أبو سفيان بذلك، بل كان يقول له: نعم هناك من ارتدّ عن الإيمان به لما حصل كذا وكذا.
(٢) في متن هذا الحديث من هذا الطريق ألفاظ أخرى منكرة تدل على عدم ثبوته؛ كقوله: "ورأى الدجال في صورته رؤيا عين، ليس رؤيا منام. . "، وذكر صفته، فلو كان ﷺ رآه في تلك الليلة؛ لما التبس الأمر عليه بابن صيّاد بعد أن هاجر إلى المدينة، بل كان يعرفه بعد أن رآه رأي العين، وبالأخص ما ذكر في الحديث من علاماته التي لا تخفي، ومنها قوله: "رأيته فيلمانيَّاً أقمر هِجَاناً إحدى عينيه قائمة كأنها كوكب دُرِّيّ، كأن شعر رأسه أغصان شجرة"، وبعض هذه الأوصاف من أنها لم تكن في ابن صياد، كذكر العين؛ فإن عينه كانت في زمن النبي r سليمة، وإنما نَفَرت بعد ذلك كما يدلّ عليه حديث ابن عمر عند مسلم في "صحيحه" (٢٩٣٢) .
(٣) إن الصحابة كانوا وقت حادثة الإسراء قلة قليلة معروفون بأسمائهم وأسماء آبائهم وحفظت لنا كل الحوادث التي مرت بهم في تلك الفترة، فنقل إلينا خبر إسلامهم وتعذيبهم وهجرتهم الأولى والثانية إلى الحبشة ومن مات منهم ومن ولد له كل ذلك باسم كلٍ منهم، فلا يعقل أن يحدث لأحد منهم هذا الحدث وهو الردة عن الإسلام، ثم لا ينقل لنا اسم أحد من هؤلاء المرتدين، فلم يسمي لنا من طريق صحيح أو ضعيف، أسم شخص على أنه ممن ارتد بعد حادثة الإسراء. ومعلوم أنه لا يمكن أن تنقل لنا أحدثٌ أقل من هذا شأناً ويترك ذكر ذلك.
(٤) أن كل مؤمن برسالة محمد ﷺ يؤمن بأن جبرائيل ينزل من السماء على قلب محمد ﷺ في لحظة، فكيف يستبعد أن يُسرى بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس في ليلة. ولذلك نقل هذا المعنى عن أبي بكر -رضى الله عنه- في محاجته للمشركين، وأنه قال لهم أنا أصدقه فيما هو أعظم من ذلك بخبر السماء يأتيه في لحظة. فعُلِمَ من ذلك كله عدم صحة هذه الحادثة، ولشهرتها أطلنا القول فيها تصحيحاً لأحداث السيرة وبياناً للحق والله أعلم.
стр. 388
ما صحة هذا الحديث . .
المجيب عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٢٢/٧/١٤٢٢
السؤال
من قرأ القرآن وعمل بما فيه، ألبس والداه تاجا يوم القيامة، ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم، فما ظنكم بالذي عمل بهذا؟ "
الجواب
أخرجه أبو داود ح (١٤٥٣) ، وأحمد ٣/ ٤٤٠ وغيرهما وهو ضعيف الإسناد جداً، لأن فيه زبان بن فائد، وهو ضعيف الحديث وفي روايته عن سهل بن معاذ ـ وهو شيخه في هذا الحديث ـ ضعف شديد، كما نبه على ذلك ابن حبان في " المجروحين " ١/ ٣١٣.
وقد ورد معنى هذا الحديث أيضاً عند الطبراني في " الأوسط " من حديث أبي هريرة ح (٥٧٦٤) وهو أيضاً لا يصح، لأن مداره على شريك وهو سئ الحفظ، وقد تفرد به، كما نص على ذلك الطبراني رحمه الله تعالى.
стр. 389
خبر عائشة في قتل عثمان
المجيب د. محمد بن تركي التركي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٢٥/٨/١٤٢٤هـ
السؤال
هل الأحاديث الواردة صحيحة: فتوى عائشة بقتل عثمان "اقتلوا نعثلاً فقد كفر"، ونعثل اسم لشخص يهودي، "اقتلوا نعثلاً فقد كفر" أي عثمان، راجع، تاريخ الطبري (٤/٤٥٩) ، الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري (٣/٢٠٩) ، تذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي صـ ٦١-٦٤، الإمامة والسياسة لابن قتيبة (١/٤٩) ، وفيه "فجر" بل كفر. السيرة الحلبية لعلي برهان الدين (٣/٢٨٦) ، تاريخ بن أعشم صـ ١٥٥، النهاية لابن الجوزي (٥/٨٠) ، تاج العروس من شرح القاموس للزبيدي (٨/١٤١) ، لسان العرب (١٤/١٩٣) .
الجواب
الخبر الذي أشار إليه السائل لا يثبت عن عائشة ﵂.
وقد أخرجه الطبري في تاريخه ٤/٤٥٩ من طريق سيف بن عمر الضبي، وهو متفق على تضعيفه وقد تفرد به، وعليه فلا يثبت عن عائشة ﵂ كيف وهي التي روت بعض الأحاديث في فضل عثمان بن عفان ﵁ وخرجت في وقعة الجمل للمطالبة بدمه ﵃ أجمعين_. والله أعلم.
стр. 390
صحة قصة عمر مع أم كلثوم بنت علي
المجيب عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ١٨/٠٤/١٤٢٧هـ
السؤال
قرأت أن عليا ﵁ أرسل ابنته أم كلثوم إلى عمر ﵁ بغرض الزواج بها. وفي رواية ذُكر أن عمر كشف ثوبها ونظر إلى ساقيها!!
أرجو بيان صحة هذه الرواية مع المرجع؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالأثر المروي أن عمر ﵁ كشف ساق أم كلثوم بنت علي ﵃ لم يصح، بل هو منقطع، فإن الأثر قد رواه عبد الرزاق في مصنفه (٦/١٦٣) وسعيد بن منصور (١/١٤٧) ، كلاهما من طريق محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال: خطب عمر ... الحديث.
وسبب انقطاعه أن محمد بن علي لم يدرك عمر ولا عليا ﵄.
وروي من طريق أخرى منقطعة، وهي طريق الأعمش، أن عمر ﵁ خطب ... الحديث.
رواه عبد الرزاق -أيضاً- (٦/١٦٣) ، والأعمش لم يسمع أحداً من صغار الصحابة، فكيف بعمر ﵁؟!.
تنبيه: وقع في التلخيص الحبير (٣/١٤٧) أن راوي الأثر هو محمد بن علي بن الحنفية، والذي رأيته في المصدرين السابقين هو أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وليس محمد بن الحنفية، فإن ابن الحنفية مشهور بكنيتين: أبي القاسم، وأبي عبد الله، ولا يعرف أنه يكنى بأبي جعفر، ينظر: تهذيب الكمال (٢٦/١٤٨) .
ولما كان الشوكاني ينقل كثيراً من "التلخيص" في كتابه "نيل الأوطار"، فقد وقع في الوهم نفسه الذي وقع للحافظ، والله أعلم.
стр. 391
صحة حديث" واضربوهم عليها لعشر "
المجيب د. تركي بن فهد الغميز
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٠٣/٠٥/١٤٢٧هـ
السؤال
في بلدي كثر ممن ينكر أحاديث الرسول ﷺ ! هؤلاء الجهال ينكرون حديث "مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر". يقولون: الرسول أرسل رحمة، والقلم مرفوع عن الأطفال، فكيف يأمر بضربهم؟ سؤالي: أولاً ما صحة هذا الحديث؟ ثانياً: هل ضرب الرسول ﵊ الأطفال في حياته الطاهرة؟ وإذا ضرب، لماذا وكيف؟ ثالثا: كيف نجيب هؤلاء؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالحديث المذكور هو من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ ، وهذا إسناد حسن عند أكثر أهل العلم على اختلاف بينهم في ذلك، لكن بشرط ثبوت الإسناد عن عمرو بن شعيب، وهنا قد رواه عنه راو فيه كلام وتابعه آخر ضعيف، وقد قواه بعض أهل العلم خصوصاً أن له ما يشهد له. ومع ذلك هو لا يخلو من ضعف [ (المسند) (٦٦٨٩) ] .
المهم في هذا أن من تكلم في هذا الحديث من جهة إسناده فله وجه، أما من رده لموجب رأي رآه هو دون أن يعتبر صحته وعدمها، فليس هذا بصحيح. فإن ضرب التأديب سواء للأطفال أو لغيرهم كالنساء، إنما يجوز بالقدر الذي يحصل به المقصود، ثم هو ضرب خفيف غير مبرح يراد به التأديب وليس التعذيب.
ولا أعلم أن النبي ﷺ ضرب أحداً لا طفلاً ولا امرأة فإنه كان رحيماً رفيقاً. ولكن هذا لا يمنع من الضرب عند الحاجة فعمر بن الخطاب ﵁ كانت له درة يحملها، والله قد أذن بضرب المرأة إذا خيف نشوزها. ضرباً غير مبرِّح.
وهؤلاء المخالفون هنا يبين لهم، فإن كان خلافهم نشأ عن جهل فتوضح لهم السنة، وإن كان عن اتباع هوى، فيوعظون، ويذكرون، وتقام عليهم الحجة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
стр. 392
حديث: "من مات ولم يعرف إمامه "
المجيب عبد الرحمن بن ناصر البراك
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٠٨/٠٥/١٤٢٥هـ
السؤال
يقول الرسول الكريم- ﷺ : "من مات ولم يعرف إمامه مات ميتة الجاهلية"، أنا بصراحة لا أعرف من هو إمامي؟ هل إذا مت أعتبر من الجاهلين؟ وما السبيل لأعرف إمامي؟
الجواب
الحمد لله، هذا الحديث لا أصل له عن النبي ﷺ ، فهو حديث موضوع مكذوب، وهو من وضع الرافضة؛ لأن الرافضة يرون أن معرفة الإنسان لإمامه أو معرفة المكلف للإمام كمعرفته للرسول ﷺ ، فكما يجب على كل إنسان معرفة الرسول ﷺ والإقرار برسالته، فكذلك عند الرافضة يجب على كل مكلف أن يعرف الإمام والأئمة عندهم اثنا عشر أولهم: علي ﵁، وآخرهم الإمام محمد بن الحسن العسكري، الذي يزعمون أنه دخل سرداب سامراء، وهو ابن خمس أو ست سنين، وأنه سيخرج في آخر الزمان، وهم ينتظرونه، وهذا من حماقات الرافضة، ويسمونه الإمام المنتظر، وإمام الزمان، والإمام المعصوم، وهو في الحقيقة الإمام المعدوم المزعوم، والرافضة تزعم العصمة للأئمة الاثني عشر، وبهذا يرفعونهم إلى منزلة الأنبياء، بل ربما فضلهم بعضهم على الأنبياء، فلا تغتر أيها السائل بهذا الحديث وأمثاله من الموضوعات، وإذا سمعت بحديث فعليك أن تسأل أهل العلم عن ثبوته عن النبي ﷺ فإنه قد وضع الكذابون على الرسول ﷺ أحاديث كثيرة ضل بها كثير من الناس، والذي دلت عليه السنة الصحيحة أن الإنسان يسأل في قبره عن ربه ودينه، ونبيه، ولا يسأل عن إمامه، وإمام كل مسلم هو الرسول ﷺ ، وأنت بحمد الله تعرفه، فعليك أن تحقق إيمانك به بتحقيق متابعته وطاعته، ومحبته ﷺ ، فإنه ﷺ سيد المرسلين وإمام المتقين، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. والله أعلم.
стр. 393
انحسار الفرات عن جبل من ذهب
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ١٨/٣/١٤٢٤هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل تعد المعركة القائمة الآن -في العراق الجريح- مصداقاً لما في حديث الرسول الكريم ﷺ فيما معناه (سيتقاتل على جبل من ذهب إلى تسعة وتسعين) ... إلى آخر الحديث؟ خصوصاً أن الدول المحاربة الآن كثيرة، وكذلك الدول الأخرى التي أرسلت القوات، أو التي أيدت أمريكا وبريطانيا هل هي بداية لذلك؟ وجزاكم الله خيراً وأحسن إليكم ورفع منزلتكم في الدنيا والآخرة، والسلام عليكم.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
أقول وبالله التوفيق:
صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم لعلي أكون أنا الذي أنجو" أخرجه البخاري (٢٨٩٤) ومسلم (٢٨٩٥) ، واللفظ له.
فهذا الحديث واضح منه أن هذا الذي يقتتل عليه هو معدن صلب يكون كالجبل، بل قد سماه النبي ﷺ ذهباً، فهو الذهب المعروف، ولا يصح حمله على النفط.
أما متى سيقع ذلك؟ فالله أعلم؛ إلا أننا نجزم أنه سيقع كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ في مستقبل الزمان، الذي قد يكون قريباً وقد يكون بعيداً.
وهنا أحذر من التعجل وعدم التثبت في تنزيل أحاديث الفتن وأشراط الساعة والملاحم على الواقع، كما أنني أحذر من تعطيل معانيها وعدم الاستفادة منها في تصور المستقبل، أو تفسير الواقع إذا كانت تتعلق بالواقع يقيناً. والله أعلم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
стр. 394
قراءة سورة هود يوم الجمعة
المجيب عبد الحكيم بن عبد الله القاسم
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٢٢/٥/١٤٢٤هـ
السؤال
هل ورد شيء صحيح عن قراءة سورة هود في يوم الجمعة؟ أي هل كان هذا من فعل الرسول ﷺ ، أفيدونا بارك الله فيكم، لأنني كنت أظنها واردة، وأنا أداوم عليها كل جمعة، والآن أخاف أن تكون هذه مخالفة لما كان يفعله الرسول ﷺ . وجزاكم الله خيراً على ما تقومون به من مجهودات.
الجواب
الحديث الذي تشير إليه نصه: "اقرؤوا سورة هود يوم الجمعة" أخرجه الدارمي في سننه ج:٢ص: ٥٤٥ (٣٤٠٣) و (٣٤٠٤) ، والبيهقي في شعب الإيمان ج ٢ص: ٤٧٢، وهو على أحسن الأحوال مرسل عن كعب الأحبار ﵁، وعليه فالحديث ضعيف لا يثبت، ولم يصح من الأحاديث فيما يقرأ يوم الجمعة في غير صلاة فجرها وجمعتها إلا سورة الكهف، والله أعلم، وفقنا الله وإياك لتحري السنة والتثبت من الأحاديث.
فائدة قال ابن حجر: واعلم أن المتبادر إلى أكثر الأذهان أنه ليس المطلوب قراءته ليلة الجمعة ويومها إلا الكهف وعليه العمل في الزوايا والمدارس وليس كذلك، فقد وردت أحاديث في قراءة غيرها يومها وليلتها منها ما رواه التيمي في الترغيب:"من قرأ سورة البقرة، وآل عمران في ليلة الجمعة كان له من الأجر كما بين البيداء -أي الأرض السابعة- وعروباً -أي السماء السابعة-" وهو غريب ضعيف جداً، وما رواه الطبراني في الأوسط (٦١٥٧) عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً:"من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة -صلى الله عليه- وملائكته حتى تغيب الشمس"، قال ابن حجر: وفيه طلحة بن زيد ضعيف جداً؛ بل نسب للوضع، وخبر أبي داود في فضائل القرآن عن الحبر ﵁:"من قرأ سورة يس والصافات ليلة الجمعة أعطاه الله سؤله"، وفيه انقطاع، وخبر ابن مردويه عن كعب ﵁ يرفعه:"اقرؤوا سورة هود يوم الجمعة" قال ابن حجر: مرسل سنده صحيح، انظر فيض القدير ج: ٦ص: ١٩٩.
стр. 395
حديث اشتراط الطواف للتحلل يوم النحر
المجيب د. فهد بن عبد الرحمن اليحيى
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ١١/٨/١٤٢٤هـ
السؤال
يوجد حديث أخرجه الحاكم وأبو داود والبيهقي، وفيه "هذا يوم رخص فيه لكم إذا رميتم الجمرة ونحرتم الهدي إن كان لكم فقد حللتم من كل شيء حرمتم منه إلا النساء حتى تطوفوا بالبيت، فإذا أمسيتم ولم تفيضوا صرتم حرما كما كنتم أول مرة حتى تفيضوا بالبيت". وقد صحح الإمام الألباني هذا الحديث وقال به، وسبقه الإمام النووي في المجموع، واعتذر عنه بأن الإجماع انعقد على خلافه، وبأن ذلك الإجماع دل على ناسخ لهذا الحديث.
فما رأي فضيلتكم بالعمل بهذا الحديث؟ علماًَ أن مذاهب الأئمة على خلافه، وإن قلتم به فما حكم من تحلل من ملابس الإحرام؟ ولكنه لم يطف إلا في اليوم التالي ليوم النحر.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن هذا الحديث قد قال فيه البيهقي ﵀: (لا أعلم أحداً من الفقهاء قال به) .
وقد ضعفه ابن حزم ﵀، ومن صححه فقد رأى أنه مخالف للإجماع، كما ذكر النووي ﵀.
والذي يظهر لي -والله أعلم- أن هذا الحديث لا يخلو من ضعف أو شذوذ، وإذا أردت الاستزادة في شأن الكلام على هذا الحديث فارجع إلى كتاب (المسائل المشكلة من مناسك الحج والعمرة) لـ د/ الصبيحي، فهو من خير ما وقفت عليه في دراسة هذا الحديث وبيان ما فيه، والله أعلم.
стр. 396
سؤال اليهود للرسول عن الصلوات
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٢٦/٥/١٤٢٤هـ
السؤال
سلام الله عليكم، أود أن أتأكد من صحة هذا الحديث أو ضعفه، وأرجو الإفادة، وجزاكم الله خيراً، في حفظ الله.
روي عن سيدنا علي ﵁ بينما كان الرسول ﷺ جالساً بين الأنصار والمهاجرين إذ أتى إليه جماعة من اليهود فقالوا له: يا محمد إنا نسألك عن كلمات أعطاهن الله تعالى لموسى بن عمران لا يعطاها إلا نبي مرسل أو ملك مقرب، فقال النبي ﷺ سلوا، فقالوا يا محمد أخبرنا عن هذه الصلوات الخمس التي افترضها الله على أمتك؟ فقال النبي أما صلاة الظهر إذا زالت الشمس يسبح كل شيء لربه، وأما صلاة العصر فإنها الساعة التي أكل فيها آدم ﵇ من الشجرة، وأما صلاة المغرب فإنها الساعة التي تاب الله على آدم ﵇ فيها، فما من مؤمن يصلي هذه الصلاة محتسباً ثم يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه، وأما صلاة العتمة فإنها الصلاة التي صلاها المرسلون قبلي، وأما صلاة الفجر فإن الشمس إذا طلعت تطلع بين قرني الشيطان ويسجد لها كل كافر من دون الله، قالوا له صدقت يا محمد فما ثواب من صلى؟ قال النبي ﷺ أما صلاة الظهر فإنها الساعة التي تسعر فيها جهنم فما من مؤمن يصلي هذه الصلاة إلا حرم الله تعالى عليه لفحات جهنم يوم القيامة، وأما صلاة العصر فإنها الساعة التي أكل آدم ﵇ فيها من الشجرة فما مؤمن يصلي هذه الصلاة إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ثم تلا قوله تعالى: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى".
وأما صلاة المغرب فإنها الساعة التي تاب الله فيها على آدم ﵇ فما من مؤمن يصلي هذه الصلاة محتسباً ثم يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه، وأما صلاة العتمة فإن القبر ظلمة ويوم القيامة ظلمة فما من مؤمن مشى في ظلمة الليل إلى صلاة العتمة إلا حرم الله عليه وقود النار، ويعطى نوراً يجوز به على الصراط، وأما صلاة الفجر فما من مؤمن يصلي الفجر أربعين يوماً في جماعة إلا أعطاه الله براءتين براءة من النار وبراءة من النفاق، قالوا صدقت يا محمد.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: أقول وبالله التوفيق:
الحديث المذكور حديث ظاهر النكارة والتصنُّع، وملامح الوضع ظاهرة عليه، فلا تجوز نسبته إلى رسول الله ﷺ بالإجماع في مثله، بل الجزم بنسبته إلى النبي ﷺ مع العلم ببطلانه من أكبر الكبائر؛ لقوله ﷺ : "من حدث عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين". رواه الترمذي (٢٦٦٢) ، وابن ماجة
(٤١) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
ومع ذلك فلا شك أن فضل الفروض الخمسة من الصلوات ثابت معلوم من الدين بالضرورة، وهي أفضل القربات بعد تحقيق التوحيد، دلّ على ذلك الكتاب وصحيح السنة والإجماع، والله أعلم. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
стр. 397
ما معنى "النساء ناقصات عقل ودين "
المجيب أ. د. بكر بن زكي عوض
أستاذ مقارنة الأديان بجامعة الأزهر
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ١٧/٨/١٤٢٤هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما مدى صحة الحديث المنقول عن الرسول ﷺ وهو:"النساء ناقصات عقل ودين"؟ وإن كان صحيحاً فما هو نص الحديث؟ وما هي مناسبته؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
أخي الفاضل: الحديث صحيح، وروي من طرق متعددة، وصيغته هي: "عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر؛ أي يوم عيد الأضحى أو عيد الفطر إلى المصلى، فمر على النساء فقال: يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقلن: وبم يا رسول الله قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن، قلن وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل قلن: بلى: قال فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان دينها"، وقد ورد الحديث ٣٢ مرة في كتب السنة وشروحها، راجع البخاري ج٢ ص ٥٣١ رقم (١٣٩٣) ، ح ٢ ص ٩٤١، رقم (٢٩٨) ، (٢٥١٥) ، وصحيح مسلم من رواية عبد الله بن عمر ﵄ مع خلاف في بعض الألفاظ، وفي المستدرك حـ ٤ ص٦٤٥، رقم (٨٧٨٣) ، وسنن الترمذي حـ ٥ ص ١٠رقم (٢٦١٣) ، وسنن ابن ماجة حـ ٢ ص ١٣٠٦، رقم (٤٠٠٣) ، ومسند أحمد حـ ٢ ص ٢٦، رقم (٥٣٤٣) ، وسنن أبي داود حـ ٤ ص ٢١٩ وابن خزيمة حـ ٣ص ٢٦٨، رقم (٢٠٤٥) ، وغير ذلك من كتب السنة.
مناسبة الحديث: الرسول ﷺ يلفت نظر المسلمين إلى إكمال جوانب النقص في العبادة، وإذا كانت بعض السيدات لا يصلين لظروف خاصة، فإن الصدقة تجبر النقص في غير الفرائض.
والحديث فيه مدح للنساء أكثر من كونه ذماً لهن، لأن الرسول ﷺ أكد على قدرة النساء في السيطرة على عقول وقلوب الرجال، فهن أقوى تأثيراً على الرجل من تأثير الرجل عليهن.
وعلينا نحن المسلمين أن لا نأخذ بحديث واحد ورد بحق النساء ونترك سائر آيات القرآن التي كرمت المرأة كالرجل، وامتدحتها كما امتدحت الرجل، وكذلك الأحاديث النبوية التي أثنت على المرأة في كل مرحلة من مراحلها، وأوجبت برها وحسن معاملتها، سواء أكانت بنتاً أو أختاً، أو زوجة، أو أماً..إلخ ... والله أعلم.
стр. 398
حديث توسل الأعمى بالنبي
المجيب محمد بن صالح العثيمين ﵀
عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وعضو هيئة كبار العلماء
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٢٦/٢/١٤٢٤هـ
السؤال
بسم الله الرحمن الرحيم.
سؤالي بخصوص الحديث الشريف "أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال ادع الله لي أن يعافيني، فقال إن شئت أخرت لك، وهو خير وإن شئت دعوت فقال ادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة يا محمد إني قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي، هذه لتقضى اللهم شفعه في" وإسناده صحيح.
السؤال هو: أليس في هذا الحديث سؤال برسول الله ﵊ وهو شيء منهي عنه؟ سؤالي سؤال الجاهل لا المعترض.
جزاكم الله خيراً.
الجواب
سئل فضيلة الشيخ عن هذا الحديث: أنّ أعمى أتى إلى رسول الله- ﷺ فقال: يا رسول الله ادع الله أن يكشف عن بصري. قال: "أو أدعك"، قال: يا رسول الله إنه قد شق علي ذهاب بصري، فقال:"فانطلق فتوضأ ثم صلى ركعتين ثم قل: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد، ﷺ نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي" ما صحة هذا وما معناه؟
فأجاب قائلاً: هذا الحديث اختلف أهل العلم في صحته، فمنهم من قال إنه ضعيف، ومنهم من قال إنه حسن، وقد رواه الترمذي (٣٥٧٨) ، وقال حسن صحيح غريب، وصححه الألباني ﵀، ولكن له وجهة ليست كما يتبادر من اللفظ، فإن هذا الحديث معناه أن النبي ﷺ أمر هذا الرجل الأعمى أن يتوضأ ويصلي ركعتين؛ ليكون صادقاً في طلب شفاعة النبي ﷺ له، وليكون وضوؤه وصلاته عنواناً على رغبته في التوسل بالنبي ﷺ والتوجه به إلى الله ،فإذا صدقت النية وصحت وقويت العزيمة فإن النبي ﷺ يشفع له إلى الله ، وذلك بأن يدعو النبي ﷺ له فإن الدعاء نوع من الشفاعة، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه" مسلم (٩٤٨) ، فيكون معنى هذا الحديث أن هذا الأعمى يطلب من النبي ﷺ أن يدعو الله له، لأن هذا الدعاء نوع شفاعة. أما الآن وبعد موت النبي ﷺ فإن مثل هذه الحال لا يمكن أن تكون لتعذر دعاء النبي ﷺ لأحد بعد الموت، كما قال النبي ﷺ "إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" مسلم (١٦٣١) ، والدعاء بلا شك من الأعمال التي تنقطع بالموت، بل الدعاء عبادة كما قال الله - تعالى -: "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ" [غافر:٦٠] ، ولهذا لم يلجأ الصحابة- ﵃ عند الشدائد وعند الحاجة إلى سؤال النبي ﷺ أن يدعو الله لهم، بل قال عمر بن الخطاب ﵁ حين قحط المطر "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون" البخاري (١٠١٠) ، وطلب من العباس ﵁ أن يدعو الله بالسقيا فدعا فسقوا. وهذا يدل على أنه لا يمكن أن يطلب من رسول الله ﷺ بعد موته أن يدعو لأحد، لأن ذلك متعذر لانقطاع علمه بموته صلوات الله - وسلامه عليه-، وإذا كان لا يمكن لأحد أن يطلب من النبي ﷺ فإنه لا يمكن - ومن باب أولى - أن يدعو أحد النبي ﷺ نفسه بشيء من حاجاته أو مصالحه، فإن هذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، والذي حرم الله على من اتصف به الجنة، قال الله - تعالى-: "وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ" [يونس:١٠٦] وقال - تعالى- "فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ" [الشعراء:٢١٣] ، وقال الله : "وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ" [المؤمنون:١١٧] . وقال - تعالى- "إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ" [المائدة: من الآية٧٢] ، فالمهم أن من دعا رسول الله - صلى الله عله وسلم- بعد وفاته أو غيره من الأموات لدفع ضرر أو جلب منفعة فهو مشرك شركاً أكبر مخرجا عن الملة، وعليه أن يتوب إلى الله ، وأن يوجه الدعاء إلى العلي الكبير، الذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، وإني لأعجب من قوم يذهبون إلى قبر فلان وفلان يدعونه أن يفرج عنهم الكربات ويجلب لهم الخيرات، وهم يعلمون أن هذا الرجل كان في حال حياته لا يملك ذلك فكيف بعد موته؟! بعد أن كان جثة، وربما يكون رميماً قد أكلته الأرض، فيذهبون يدعونه ويتركون دعاء الله ، الذي هو كاشف الضر وجالب النفع والخير، مع أن الله -تعالى - أمرهم بذلك وحثهم عليه، فقال: "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" [غافر: من الآية٦٠] . وقال - تعالى-:" وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ" [البقرة: من الآية١٨٦] .
وقال تعالى منكراً على من دعا غيره:"أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ" [النمل:٦٢] ، أسأل الله تعالى أن يهدينا جميعاً صراطه المستقيم.
[مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ: محمد بن عثيمين ﵀ (٢/٣٤٨) ]
стр. 399
صحة حديث في الاحتراس
المجيب د. محمد بن تركي التركي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ١١/٤/١٤٢٤هـ
السؤال
ما مدى صحة الحديث الطويل القائل:"بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله وبالله، بسم الله خير الأسماء، بسم الله رب الأرض والسماء، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، وأعز وأجل مما أخاف وأحذر، اللهم إني أستجيرك وأحتجب بك من كل شيء خلقته وأحترس بك من جميع خلقك ... " سبع مرات؟
الجواب
الحديث أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة برقم (٣٤٦) من حديث أبان بن أبي عياش عن أنس ﵁ قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف أن انظر إلى أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ فادن مجلسه وأحسن جائزته وأكرمه قال: فأتيته فقال لي: ذات يوم يا أبا حمزة إني أريد أن أعرض عليك خيلي فتعلمني أين هي من الخيل التي كانت مع رسول الله ﷺ -فعرضها فقلت شتان ما بينهما فإنها كانت تلك أرواثها وأبوالها وأعلافها أجرا فقال الحجاج: لولا كتاب أمير المؤمنين فيك لضربت الذي فيه عيناك فقلت: ما تقدر على ذلك قال: ولم؟ قلت: لأن رسول الله- ﷺ علمني دعاء أقوله لا أخاف معه من شيطان ولا سلطان ولا سبع قال: يا أبا حمزة علمه ابن أخيك محمد بن الحجاج فأبيت عليه فقال: لابنه إيت عمك أنساً فسله أن يعلمك ذلك قال أبان: فلما حضرته الوفاة دعاني فقال: يا أحمر إن لك إلي انقطاعا وقد وجبت حرمتك وإني معلمك الدعاء الذي علمني رسول الله ﷺ -فلا تعلمه من لا يخاف الله أو نحو ذلك قال: تقول: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر بسم الله على نفسي وديني بسم الله على كل شيء أعطانيه ربي بسم الله خير الأسماء بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء بسم الله افتتحت وعلى الله توكلت، الله ربي لا أشرك به أحداً أسألك اللهم بخيرك من خيرك الذي لا يعطيه أحد غيرك عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك اجعلني في عياذك من شر كل سلطان ومن الشيطان الرجيم، اللهم إني أحترس بك من شر جميع كل ذي شر خلقته وأحترز بك منهم وأقدم بين يدي بسم الله الرحمن الرحيم "قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد" ومن خلفي مثل ذلك وعن يميني مثل ذلك وعن يساري مثل ذلك ومن فوقي مثل ذلك" وهذا الحديث إسناده ضعيف جداً؛ لأنه من رواية أبان وهو متروك الحديث كما قال الحافظ في التقريب، وعلى هذا فلا يصح هذا الحديث، والله أعلم.
стр. 400
أحاديث فضل فاطمة
المجيب د. محمد بن تركي التركي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ١٩/٢/١٤٢٤هـ
السؤال
ما مدى صحة الأحاديث التالية؛ لأني أقرأ عنها لأول مرة:
(١) "إذا كان يوم القيامة نادى مناد يا أهل الجمع غضوا أبصاركم حتى تمر فاطمة".
(٢) "إذا اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رقبة فاطمة".
(٣) إذا اشتقت إلى ثمار الجنة قبلت فاطمة"، أول مرة أسمع بهذه الأحاديث أفيدوني مأجورين.
الجواب
هذه الأحاديث كلها موضوعة ولا يصح نسبتها إلى النبي ﷺ ، فأما الأول فأخرجه تمام في فوائده (١٤٩١) وابن حبان في المجروحين (٢/١٩٠) وابن عدي في الكامل (٥/٥) ، وغيرهم من طريق العباس بن الوليد الضبي عن خالد الواسطي عن بيان عن الشعبي عن أبي جحيفة عن علي بنحوه.
وقال ابن عدي: وهذا الحديث بهذا الإسناد منكر، لا أعلم قد رواه عن خالد غير عباس هذا، وقال ابن حبان عن العباس: يروي العجائب لا يجوز الاحتجاج به بحال.
وذكر هذا الحديث ابن الجوزي في الموضوعات والسيوطي في اللآلي وحكما عليه بأنه موضوع، وللاستزادة يراجع تخريج محقق فوائد تمام (٤/٣١٣) .
وأما الحديثان الثاني والثالث فهما لحديث واحد أورده السيوطي أيضاً في اللآلي المصنوعة (١/٣٩٤) ونقل عن غير واحد من الأئمة تضعيفهم له، ومن ذلك قول الذهبي: هذا كذب جلي وهو من وضع مسلم الصفار.
وقال في الميزان: هذا حديث موضوع.
ومقام فاطمة ﵂ وأرضاها- أعلى من أن يشاد بهذه الأحاديث الموضوعة والواهية، فهي سيدة نساء العالمين، وهي بضعة من رسول الله ﷺ يريبه ما يريبها، ويحزنه ما يحزنها، وأول أهله لحوقاً به، فصلوات الله وسلامه وبركاته على محمد وذريته وأزواجه وآله وصحبه.
والخلاصة أن هذه الأحاديث موضوعة ولا تثبت، والله أعلم.
стр. 401
صحة حديث "من ترك ثلاث جمع تهاوناً ... "
المجيب عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٢٤/٢/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم
ما هو نص الحديث الذي ذكر فيه رسول الله ﷺ أن من لا يحضر ثلاث صلوات جمعة متتالية فهو كافر؟ وهل الحديث صحيح؟ وما هو قول العلماء في الحكم المستنبط من هذا الحديث؟ وما هي الاستدلالات على هذا الحكم؟.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحديث ليس كما ذكر في السؤال، وإنما لفظه " من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه" أخرجه أبو داود في سننه، باب التشديد في ترك الجمعة حـ (١٠٥٢) - عن مسدد عن يحيى بن عمرو عن عبيدة بن سفيان عن أبي الجعد الضمري، قال أبو داود: (وكانت له صحبة) .
وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده (٣/٤٢٤ - ٤٢٥) ، والترمذي في جامعه في الصلاة، باب ما جاء في ترك الجمعة من غير عذر حـ (٥٠٠) ، والنسائي في سننه ٣ /٨٨، باب التشديد في التخلف عن الجمعة، والدارمي (١/٣٦٩) ، والبيهقي (٣/١٧٢) ، والحاكم (١/٢٨٠) .. كلهم من طريق محمد بن عمرو به والحديث صححه ابن خزيمة حـ (١٨٥٧) ، وابن حبان حـ (٢٧٨٦) كما في صحيحيهما وقد جاء من حديث جابر رواه ابن ماجة في سننه حـ (١١٢٦) ، وأحمد في مسنده بلفظ:" من ترك الجمعة ثلاثاً من غير ضرورة طبع الله على قلبه ". وصححه الحاكم في مستدركه (١/٢٩٢) والبوصيري في مصباح الزجاجة.
وقد جاء أيضاً من حديث عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه باللفظ السابق، رواه أحمد في مسنده حـ (٢٢٥٥٨) لكن المحفوظ كما قال أبو حاتم في العلل (١/٢٠٣) أنه من رواية عبد الله بن أبي قتادة عن جابر.
والحكم المستنبط من الحديث، التشديد في ترك الجمعة كما بوب بذلك أبو داود والنسائي وغيرهما على هذا الحديث، وقال ابن حبان في صحيحه (٧/٢٦) على هذا الحديث:" باب صلاة الجمعة، ذكر طبع الله جل وعلا على قلب التارك إتيان الجمعة على سبيل التهاون بها عند المرة الثالثة ".
وقد روى الإمام مسلم في صحيحه حـ (٨٦٥) ، في الجمعة، باب التغليظ في ترك الجمعة، عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:" لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين".
стр. 402
حديث:"إني والإنس والجن في نبأ عظيم ... "
المجيب د. محمد بن تركي التركي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٢١/٢/١٤٢٤هـ
السؤال
ما مدى صحة هذا الحديث القدسي؟ وأين أجده في كتب الحديث؟ "إني والإنس والجن في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري، خيري إلى العباد نازل وشرهم إلي صاعد ... " إلى آخر الحديث.
الجواب
هذا الحديث أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢/٩٣) رقم (٩٧٤) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٧/٧٧) .
وأخرجه أيضاً البيهقي في شعب الإيمان (٤/١٣٤) رقم (٤٥٦٣) (طبعة دار الكتب العلمية) وعبد الغني المقدسي في كتاب التوحيد صـ (٨٥) رقم (٨٩) .
كلهم من طريق بقية بن الوليد، عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، وشريح بن عبيد الحضرميان، عن أبي الدرداء ﵁ نحوه.
وحكم الشيخ الألباني على الحديث بالضعف في السلسلة الضعفية رقم (٢٣٧١) وفي ضعيف الجامع رقم (٤٠٥٢) .
стр. 403
صحة حديث: إحياء ليلة العيد
المجيب عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٢٩/٩/١٤٢٤هـ
السؤال
ما صحة حديث من قام ليلتي العيد لم يمت قلبه يوم تموت القلوب؟
الجواب
هذا الحديث رواه ابن ماجه ح (١٧٨٢) من طريق بقية بن الوليد، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "من قام ليلتي العيدين، لم يمت قلبه
يوم تموت القلوب".
وفي سنده بقية بن الوليد، وهو وإن كان ثقة، إلا أنه يدلس ويكثر من ذلك عن الضعفاء
والمتروكين، وهو هنا لم يصرح بالسماع، وقد رواه الطبراني في "الأوسط" من طريق عمر بن هارون، عن ثور به، إلا أنه جعله من مسند عبادة بن الصامت.
وعمر بن هارون هذا، لا يبعد ـ والله أعلم ـ أن يكون هو شيخ بقية بن الوليد في الحديث السابق، واختلاف مخرج الحديث من سوء حفظه، بل قال عنه ابن مهدي، وأحمد، والنسائي: متروك، وكذبه ابن معين وصالح بن محمد البغدادي ـ كما في "الميزان" ٣/٢٢٨،وقد صحح الإمام الدارقطني وقف هذا الحديث على مكحول، كما ذكره ابن حجر في "التلخيص" ٢/٨٠.
والحديث بلا شك فيه نكارة من جهة المتن أيضاً، فإن من المقطوع به أن النبي ﷺ لم يحي ليلة النحر في حجته، بل قال ابن القيم ﵀ في سياق حجته ﷺ في زاد المعاد ٢/ ٢٤٧: "ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيد شيء ".
وخلاصة القول أن هذا الحديث ضعيف جداً إن لم يكن موضوعاً، وقد ورد نحو هذا الحديث
حديثان موضوعان، فينظر السلسلة الضعيفة رقم (٥٢٠،٥٢٢) .
ومع ذلك، فمن كانت عادته قيام الليل، فإن إحياءه لليل جرياً على عادته لا إشكال في
جواز عمله؛ وإنما المقصود بهذا الحديث من يعمد إلى إحيائها اتكاءا على هذا الحديث الضعيف جداً، والله أعلم.
стр. 404
صحة حديث: يوم العيد يوم الجوائز
المجيب عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٣٠/٩/١٤٢٢
السؤال
ما صحة حديث يوم العيد يوم الجوائز؟
الجواب
هذا الحديث يروى أنه: " إذا كان يوم الفطر وقفت الملائكة على أفواه الطرق، ونادت:
يا معشر المسلمين! اغدوا إلى رب رحيم، يأمر بالخير ويثيب عليه الجزيل، أمركم فصمتم
،وأطعتم ربكم، فاقبلوا جوائزكم، فإذا صلوا العيد، نادى مناد من السماء: ارجعوا إلى
منازلكم راشدين، فقد غفرت ذنوبكم كلها، ويسمى ذلك اليوم: يوم الجوائز "
قال الحافظ ابن رجب في لطائف المعارف (٣٧٤) : خرّجه سلمه بن شبيب في كتابه (فضائل رمضان) وغيره وفي إسناده مقال، وقد روي من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ موقوفاً بعضه، وقد روي معناه مرفوعاً من وجه أخر فيها ضعف " ا. هـ.
وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم ١/٩٧: "وهذا الحديث رويناه في كتاب المستقصى في فضائل المسجد الأقصى تصنيف الحافظ أبى محمد بن عساكر الدمشقي ﵀ ".
ولم أقف على سند لهذا الحديث ليتسنى الحكم عليه، ولكن ما من شك لدى المشتغلين بهذا العلم الشريف، أن الحديث إذا لم يكن في دواوين الإسلام المعروفة، فهو مظنة الضعف، فكيف به إذا لم يوجد ولا في الكتب التي هي من مظان الضعاف والغرائب؟ هذا أبعد وأبعد من الصحة، والله أعلم.
стр. 405
هل هذا الحديث صحيح ؟
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٢٨/٩/١٤٢٢
السؤال
ما صحة الحديث الآتي: ما رواه أحمد ﵀ عن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم صلى ركعتين يتمهما أعطاه الله ما سأل معجلاً، أو مؤخراً "؟
الجواب
أخرج الإمام أحمد (٦/٤٤٢) ، والدارقطني، في الأفراد (كما في أطرافه رقم ٤٦١٧) الحديث المسؤول عنه، فقال الإمام أحمد: " حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا ميمون (يعني أبا محمد المرَئي التميمي) قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال صحبت أبا الدرداء أتعلم منه، فلما حضره الموت، قال: آذِن الناس بموتي، فآذنت الناس بموته، فجئت وقد مُلئ الدار وما سواه قال: فقلت: قد آذنت الناس بموتك، وقد مُلئ الدار وما سواه، قال: أخرجوني، فأخرجناه، قال أجلسوني، فقال: أجلسناه فقال: أيها الناس، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم صلى ركعتين يُتِمَّهُما، أعطاه الله ما سأل مُعَجَّلاً أو مؤجَّلاً. قال أبو الدرداء: يا أيها الناس، إياكم والإلتفات في الصلاة، فإنه لا صلاة لملتفت، فإن غُلبتم في التطوع، فلا تُغْلَبُنّ في الفريضة ".
وإسناده حسن، وقد حكم الدارقطني بتفرّد محمد بن بكر البُرْساني به. لكن أخرجه المحاملي في أماليه (رقم ٧١) ، من طريق محمد بن بكر البرساني، لكن بتسمية الراوي، من يوسف بن عبد الله بن سلام، يحيى بن أبي هيثم - وهو العطار - أحدُ الثقات، وهو المعروف بالرواية عن يوسف بن عبد الله، كما في تهذيب الكمال (٣٢/٤٣٦) .
فالحديث على أيًّ من الوجهين حسنُ الإسناد.
وللحديث وَجْهٌ آخر حسن الإسناد أيضاً، من طريق صدقة بن أبي سهل، عن كثير بن يسار، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبي الدرداء، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قام فصلى ركعتين أو أربع ركعات [شكّ سهل] يُحسن فيهن الركوع والسجود والخشوع، ثم استغفر الله، غفر له " أخرجه الإمام أحمد وابنه عبد الله في زوائده (٦/٤٢٠) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (رقم ٢٠٤٠) والطبراني في الدعاء (رقم ١٨٤٨) لكن الإسناد الأول أشهرُ رجالاً، ومتنه أضبط لفظاً. والله أعلم.
стр. 406
أفطرنا ثم أقلعت الطائرة فرأينا الشمس
المجيب محمد بن صالح العثيمين ﵀
عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وعضو هيئة كبار العلماء
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٣/٩/١٤٢٤هـ
السؤال
في شهر رمضان يكون إقلاع بعض الرحلات وقت أذان المغرب فنفطر ونحن على الأرض، وبعد الإقلاع والارتفاع عن مستوى الأرض نشاهد قرص الشمس ظاهراً، فهل نمسك أم نكمل إفطارنا؟
الجواب
أكمل إفطارك، ولاتمسك؛ لأنك أفطرت بمقتضى الدليل الشرعي؛ لقوله -تعالى-:" ثم أتموا الصيام إلى الليل " [البقرة:١٨٧] ، وقوله- ﷺ :"إذا أقبل الليل من هاهنا، وأشار إلى المشرق وأدبر النهار من هاهنا، وأشار إلى المغرب وغربت الشمس فقد أفطر الصائم".
مجموع فتاوى ورسائل الشيخ/محمد بن عثيمين-﵀ فتوى رقم (١١٧٤) .
стр. 407
صحة حديث استياك النبي ﷺ وهو صائم
المجيب عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٦/٩/١٤٢٢
السؤال
ما صحة حديث: " رأيت رسول الله ﷺ يستاك مالا أحصي وهو صائم "
الجواب
هذا الحديث رواه أبو داود - وغيره كما سيأتي، فقال في (٢/٧٦٨) باب السواك للصائم ح (٢٣٦٤) : حدثنا محمد بن الصبّاح، حدثنا شريك /ح/، وحدثنا مسدد، حدثنا يحيى عن سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال:" رأيت رسول الله- ﷺ يستاك وهو صائم"، زاد مسدد: "ما لا أعد ولا أحصي".
تخريجه:
أخرجه (الترمذي ٣/١٠٤) باب ما جاء في السواك للصائم ح (٧٢٥) ، و (أحمد ٣/٢٤٨، ٤٤٥،٤٤٦) ، و (ابن أبي شيبة ٢/٢٩٥) ح (٩١٤٨) و (الحميدي ١/٧٧) ح (١٤١) (ابن خزيمة ٣/) ٢٤٨ ح (٢٠٠٧) ، و (البخاري (تعليقاً) ٢/٣٩) ، باب سواك الرطب واليابس للصائم، عن عامر بن ربيعة ﵁ بصيغة التمريض.
الحكم عليه:
إسناد الحديث ضعيف من أجل عاصم -كما سبق بيان حاله - ولذا قال أبو جعفر العقيلي في (الضعفاء ٣/٣٣٤) - عقب إخراجه الحديث من طريق الثوري عن عاصم: " ولا يروى بغير هذا الإسناد، إلا بإسناد لين " ا. هـ. وقال الدارقطني عقب إخراجه الحديث (٢/١٦٢) ح (٢٣٤٤) "عاصم بن عبيد الله غيره أثبت منه " ا. هـ وقال - كما في (إتحاف المهرة لابن حجر ٦/٣٩٣) "عاصم ليس بقوي " ا. هـ وقد سقط هذا الكلام من المطبوع.
وقال (البيهقي ٤/٢٧٢) لما أخرجه من طريق عاصم: " عاصم ليس بالقوي "، وفي موضع آخر قال عن عاصم ٢/١٢: " ضعيف "، وقال في ١٠/٢٤: " روايات عاصم فيها ضعيف ". وأشار ابن عبد البر إلى تضعيفه بقوله في (الاستذكار ١٠/٢٥٤) : " وقد روي عنه.. " ا. هـ. وقال المنذري في (اختصار سنن أبي داود ٣/٢٤١) - عقب حكاية تحسين الترمذي - " وفي إسناده عاصم بن عبيد الله، وقد تكلم فيه غير واحد ". وقال ابن حجر في (التغليق ٣/١٥٩) : وأما إمام أهل الصنعة محمد بن إسماعيل فعلق حديثه بصيغة التمريض للين فيه " ا. هـ ومع ذلك فقد حسن إسناده الحافظ في (التلخيص ١/٦٢) .
وأما ابن خزيمة فقد قال عقب إخراجه له: " وأنا برئ من عهدة عاصم.. - ثم قال -:" كنت لا أخرج حديث عاصم بن عبيد الله في هذا الكتاب، ثم نظرت فإذا شعبة والثوري قد رويا عنه ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، وهما إماما أهل زمانهما قد رويا عن الثوري عنه، وقد روى عنه مالك خبراً في غير الموطأ "ا. هـ.
وبما سبق يعلم أن في تحسين الترمذي وابن حجر في (التلخيص ١/٦٢) له نظر، والله أعلم ولم أقف على ما يشهد لما دل عليه حديث الباب من كثرة السواك للصائم إلا أنه جاء حديث عن عائشة مرفوعاً: " من خير خصال الصائم السواك " وهو حديث ضعيف؛ لأنه من رواية مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂ ومجالد ليس بالقوي، وفي روايته عن الشعبي - خاصة - ضعف - كما نص عليه الإمام أحمد ﵀ فينظر جملة كبيرة من أقوال الأئمة فيه في ترجمته عند العقيلي في (الضعفاء ٤/٢٣٣) ولذا قال ابن حجر في (التلخيص) عن هذا الحديث (١/٦٨) : " ضعيف " ولا تخلو أحاديث الباب - التي وقفت عليها - من ضعف وبعضها شديد الضعف.
وبعد: فإن ضعف الأحاديث الواردة في الباب، لا يعني عدم مشروعية السواك للصائم، بل المشروعية ثابتة بالأحاديث العامة التي تدل على مشروعية السواك في كل وقت كحديث:" لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " أخرجه البخاري ح (٨٨٧) ومسلم ح (٢٥٢) . وقد حكى ابن القيم ﵀ استحباب السواك في كل وقت عن أكثر العلماء، كما في (تهذيب السنن ٣/٢٤١) .
ولعل من المناسب هنا أن أشير إلى أشهر حديثين تمسك بهما - فيما أعلم - من كره السواك بعد الزوال:
الحديث الأول:
حديث علي وخباب ﵄ الذي أخرجه (البزار ٦/٨٢-٨٣) ح (٢١٣٨،٢١٣٧) والطبراني في (الكبير ٤/٧٨) ح (٣٦٩٦) ، والدارقطني في (السنن ٢/٢٠٤) والبيهقي في (الكبرى ٤/٢٧٤) من طريق كيسان أبي عمر القصار، عن يزيد بن بلال، عن علي ﵁، وثنا كيسان عن عمرو بن عبد الرحمن، عن خباب ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إذا صمتم فاستكاوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي؛ فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كان نوراً بين عينيه يوم القيامة ". هذا لفظ الطبراني، وقال بعده: " لم يرفعه علي " أي: أنه موقوف على علي ﵁ من قوله، وهذا الحديث مداره - كما ترى - على كيسان أبي عمر القصار، وقد ضعفه أحمد وابن معين والساجي وقال الدارقطني: "ليس بالقوي"، كما في (تهذيب التهذيب ٨/٣٩٦) .وقال الدارقطني - عقب إخراجه الحديث في سننه -: "كيسان أبو عمر ليس بالقوي ومن بينه وبين علي غير معروف "، ووافقه على ذلك الذهبي في تهذيبه للسنن الكبرى للبيهقي ٤/١٦٥٠ ح (٧٢٠٣) ، وضعفه ابن حجر في (التلخيص ١/٦٢) .
الحديث الثاني:
حديث أبي هريرة ﵁ أخرجه (الدارقطني ٢/٢٠٣) ، و (البيهقي ٤/٢٧٤) من طريق عمرو بن قيس، عن عطاء عن أبي هريرة ﵁ قال: "لك السواك إلى العصر، فإذا صليت العصر فألقه، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك "، وفي إسناده عمرو بن قيس، قال عنه ابن حبان في (المجروحين ٢/٨٥) يروي عن عطاء، وكان فيه دعابة، ويقلب الأسانيد ويروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات "، ولذا قال الذهبي في تعليقه على سنن (البيهقي ٤/١٦٥٠-١٦٥١) ح (٧٢٠٤) : " عمرو واهٍ "
стр. 408
صحة حديث "أفطر الحاجم والمحجوم "
المجيب عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٧/٩/١٤٢٢
السؤال
نرجو بيان درجة حديث: " أفطر الحاجم والمحجوم "
الجواب
هذا الحديث روي عن النبي ﷺ من طرق كثيرة، لكن أصح ما ورد فيها بنص جمع من الأئمة حديثان، وهما:
الحديث الأول: حديث ثوبان ﵁
وقد أخرجه أبو داود: وغيره من الأئمة كما سيأتي: قال أبو داود: ٢/٧٧٠ باب في الصائم يحتجم ح (٢٣٦٧) حدثنا مسدد، حدثنا يحيى عن هشام /ح/ حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا حسن بن موسى، حدثنا شيبان جميعاً، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، يعني الرحبي، عن ثوبان عن النبي ﷺ : " أفطر الحاجم والمحجوم ".
قال شيبان: أخبرني أبو قلابة، أن أبا أسماء الرحبي حدثه أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أخبره أنه سمع النبي ﷺ ، وقبل أن أذكر تخريجه والكلام عليه مفصلاً، أذكر خلاصة ما ظهر لي في هذا البحث وهي كما يلي:
٠١ أن الحديث روي عن ثوبان من أربعة طرق، وأن هذه الطرق أكثرها معل، وأقواها الطريق التي رواها مسدد، عن يحيى القطان، عن هشام الدستوائي، عن يحيى ابن أبي كثير، عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان ﵁ _
٠٢ أن أكثر أئمة الحديث كأحمد والبخاري والدارمي وغيرهم على تصحيح الحديث وخالف في ذلك إمامان، وهما: يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي، ولعل سبب إعلالهما له هو ما وقع فيه من اضطراب سيأتي الجواب عنه -إن شاء الله-.
٠٣ أن تصحيح الحديث لا يكفي في الحكم به وحده على مسألة الحجامة للصائم، لأن؛ في المسألة أحاديث كثيرة تدل على أن هذا الحديث منسوخ وبإمكان القارئ الفاضل أن يراجع مظان هذه المسألة من كتب الشروح، والفقه مع الإشارة إلى أن مذهب جماهير أهل العلم على عدم الفطر بالحجامة.
تخريج الحديث:
الحديث في مسند أحمد ٥/٢٨٣
وأخرجه النسائي في (الكبرى ٢/٢١٧) ، باب ذكر الاختلاف على أبي قلابة ح (٣١٣٧) وأحمد (٥/٢٨٢) وفي (٥/٢٧٧) و (الدارمي ١/٤٤٠) ح (١٦٨٢) والحاكم (١/٤٢٧) من طرق عن هشام الدستوائي به بنحوه إلا أن في حديث أصحاب هشام جميعاً - سوى ابن علية- قصة في أوله.
وأخرجه (ابن ماجه ١/٥٣٧) باب ما جاء في الحجامة للصائم ح (١٦٨٠) و (عبد الرزاق ٤/٢٠٩) ح (٧٥٢٢) و (أحمد ٥/٢٨٠) و (ابن خزيمة ٣/٢٢٦) ح (١٩٦٢) وا (بن حبان ٨/٣٠١) ح (٣٥٣٢) و (الحاكم ١/٤٢٧) من طرق عن يحيى بن أبي كثير به بنحوه وفي حديث بعضهم قصة. وأخرجه النسائي في (الكبرى ٢/٢١٧) ح (٣١٣٩) من طريق عاصم بن هلال، وفي ح (٣١٤٠،٣١٤١) من طريق عباد بن منصور. وفي ح (٣١٤٢) من طريق جرير بن حازم. وفي ح (٣١٤٣) من طريق حماد بن زيد، وفي ح (٣١٤٤) من طريق ابن عيينة وعبد الرزاق ٤/٢٠٩ ح (٧٥١٩) عن معمر، ستتهم (عاصم، وعباد، وجرير، وحماد، وابن عيينه، ومعمر) عن أيوب، عن أبي قلابة به بنحوه إلا أن عباد بن منصور اضطرب فجعله مرة كحديث الباب، ومرة جعله عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن شداد، وفي حديث جرير: عن أبي قلابة عن شداد وثوبان، لم يذكر أبا أسماء، وقال جرير: عرضت على أيوب كتاباً لأبي قلابة، فإذا فيه: عن شداد وثوبان هذا الحديث، قال: عرضته عليه فعرفه، وفي حديث حماد وابن عيننه: عن أبي قلابة عن شداد فحسب، ليس فيه أبو أسماء ولا ثوبان، وفي حديث معمر: عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن أبي أسماء عن شداد وفي حديث عاصم: عن أبي قلابة عن أبي أسماء، عن شداد وأخرجه النسائي في (الكبرى ٢/٢١٦) باب من الشيخ؟ ح (٣١٣٦) من طريق راشد بن داود، و (أحمد ٥/٢٨٢) ومن طريقه (أبو داود ٢/٧٧٢) ح (٢٣٧٠) و (النسائي ٢/٢١٦)
ح (٣١٣٥،٣١٣٤) من طريق عن ابن جريج. و (أبو داود ٢/٢٧٣) ح (٢٣٧١) و (النسائي ٢/٢١٦) ح (٣١٣٥) من طرق العلاء بن الحارث و (النسائي ٢/٢١٧) ح (٣١٣٧) من طريق سعيد بن عبد العزيز ثلاثتهم (ابن جريج، والعلاء، وسعيد) عن مكحول. كلاهما (راشد، ومكحول) عن أبي أسماء الرحبي به بنحوه، وفي حديث ابن جريج، وسعيد بن عبد العزيز عن شيخ من الحي، وقد سماه العلاء بن الحارث في حديثه وأنه مكحول , وأخرجه (النسائي ٢/٢٢١) ح (٣١٥٧) من طريق همام بن يحيى وفي ٢/٢٢٢ ح (٣١٥٨) وأحمد ٥/٢٨٢، من طريق ابن أبي عروبة و (أحمد ٥/٢٨٦) من طريق شعبة، ثلاثتهم (همام، وابن أبي عروبة، وشعبة) عن قتادة، عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم و (النسائي في ٢/٢٢٢) ، باب الاختلاف على خالد الحذاء ح (٣١٥٩) ، والطبراني في " الكبير " ٢/٩١ ح (١٤٠٦) من طريق بكير بن أبي السميط، عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة، والنسائي في ٢/٢٢٢ ح (٣١٦٠) و (ابن خزيمة ٣/٢٣٦) ح (١٩٨٤) ، والطبراني في (الأوسط ٥٧/١٥٣) ح (٤٧٢٠) من طريق الليث، عن قتادةن عن الحسن. ثلاثتهم (ابن غنم، ومعدان، والحسن) عن ثوبان به بنحوه، إلا أن هماماً لم يذكر عبد الرحمن بن غنم، بل جعله عن شهر عن ثوبان.
دراسته والحكم عليه:
إسناد أبي داود صحيح، وما يخشى من إرسال أبي قلابة زال بتصريحه بالسماع كما نقل ذلك أبو داود عن شيبان عن أبي قلابة نفسه، وأما ما وقع في حديث ابن جريج وسعيد بن عبد العزيز من قولهما: عن شيخ من الحي، فقد صرّح العلاء بن الحارث في روايته عن مكحول بأنه أبو أسماء الرحبي، وقد نص على اسمه أيضاً أبو حاتم - كما في (العلل) لابنه ١/٢٣٨ ولذلك جعل المزي في (التحفة ٢/١٤٣) حديث ثوبان هذا فيما رواه عنه أبو أسماء حيث أحال عليه عند قوله: "حديث شيخ من الحي". وقد تبين من التخريج السابق أن الحديث رواه عن ثوبان أربعة:
٠١ أبو أسماء الرحبي، وعنه ثلاثة: مكحول، وراشد بن داود، وأبو قلابة، وقد اختلف على أبي قلابة:
أ. فرواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء عن ثوبان
ب. ورواه أيوب، عن قلابة، واختلف عليه:
- فرواه عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان.
- ورواه عباد نفسه، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد، عن أوس.
-ورواه جرير بن حازم، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن شداد وثوبان، مرسلاً، فلم يذكر أبو قلابة أحداً بينه وبين ثوبان ولا شداد.
-ورواه حماد بن زيد، وابن عيينة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن شداد فأرسلاه عن أبي قلابة.
-ورواه معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن أبي أسماء، عن شداد
-ورواه عاصم بن هلال، عن أبي أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن شداد.
أما رواية عباد بن منصور، فقد قال عنها النسائي (٢/٢١٧) : " عباد بن منصور جمع بين الحديثين، فقال: عن أبي أسماء، عن ثوبان، عن أبي الأشعث عن شداد: " ثم قال عقب ذلك (٢/٢١٨) : " وعباد بن منصور ليس بحجة في الحديث، وقيل إن ريحان بن سعيد - الراوي عنه - ليس بقديم السماع منه ". وقول النسائي هنا: (ليس بحجة) مفسرٌ بقوله في (الضعفاء) ص (٢١٤) رقم (٤١٤) : " ضعيف، وكان أيضاً قد تغير " ا. هـ. أما رواية معمر، فهي من روايته عن البصريين، وهي متكلم فيها عند الأئمة - كما في ترجمته من (تهذيب الكمال ٢٨/٣٠٣) . وأما رواية جرير، فجرير وإن كان ثقة، إلا أن الإمام أحمد قال - كما في شرح علل الترمذي ٢/٦٩٩ - " يروي عن أيوب عجائب " ا. هـ، ومع ذلك فقد خولف من قبل حماد بن زيد، وسفيان، وحماد خاصة ـ من أثبت الناس في أيوب، كما نص على ذلك جمع من الأئمة - كما في شرح العلل ٢/٦٩٩- ولذلك أشار النسائي إلى ترجيح رواية حماد بن زيد على غيره بقوله - في (السنن الكبرى ٢/٢١٨) : " تابعه حماد بن زيد على إرساله عن شداد وهو أعلم الناس بأيوب"ا. هـ وأما رواية عاصم، فعاصم قال عنه أبو زرعه - كما في أسئلة البرذعي له (٢/٥٣٦) -: " حدث عن أيوب بأحاديث مناكير" ا. هـ فلعل هذا منها، والله أعلم.
وهناك اختلاف أوسع من هذا على أيوب، سيأتي ذكره في حديث شداد التالي - إن شاء الله تعالى - فتبين إذاً أن الراجح عن أيوب، هو ما رواه حماد بن زيد، وابن زيد، وابن عيينه، وتابعهما جرير بن حازم على بعض ذلك، عن أيوب عن أبي قلابة عن أيوب، فرجع حديث أيوب إلى حديث شداد، وسيأتي الكلام على حديث شداد في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -. أما بقية الراوة عن ثوبان فهم ثلاثة، وهم:
٠١ معدان بن أبي طلحة: وقد رواه عنه سالم بن أبي الجعد، وعن سالم، بكير بن أبي السميط.
٠٢ الحسن البصري: وقد رواه عنه قتادة، وعن قتادة، الليث بن سعد
وقد سئل أبو حاتم الرازي - كما في (العلل) لابنه (١/٢٢٦) عن طريق الليث فقال:" هذا خطأ، رواه قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ وهو مرسل ورواه أشعب بن عبد الملك عن الحسن، عن أسامة بن زيد " ا. هـ. وقال النسائي عن هذين الطريقين: " ما علمت أحداً تابع الليث، ولا بكير بن أبي السميط على روايتهما، والله أعلم " ا. هـ وقال ابن خزيمة: " الحسن لم يسمع من ثوبان " ا. هـ وقال الطبراني في (الأوسط) : " لم يرو هذا الحديث عن قتادة عن الحسن عن ثوبان إلا الليث بن سعد " ا. هـ.
٠٣ عبد الرحمن بن غنم: قد رواه عنه شهر بن حوشب وعن شهر، قتادة واختلف عليه:
أ. فرواه ابن أبي عروبة، وشعبة، عن قتادة، عن شهر، عن عبد الرحمن بن غنم، عن ثوبان.
ب. ورواه همام بن يحيى، عن قتادة، عن شهر، عن ثوبان، ليس فيه ذكر عبد الرحمن بن غنم.
وقد قال أبو حاتم - كما في (العلل) لابنه (١/٢٢٦) - " وأما حديث ثوبان، فإن سعيد بن أبي عروبة يرويه عن قتادة، عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن ثوبان عن النبي- ﷺ ورواه بكير بن أبي السميط، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، عن النبي ﷺ ورواه يزيد بن هارون، عن أيوب أبي العلاء، عن قتادة، عن شهر بن حوشب عن بلال عن النبي ﷺ ورواه قتادة عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان عن النبي ﷺ " ا. هـ.
وكلام الإمام أبي حاتم، يشير إلى أن في الحديث اضطراباً، وأن قتادة اختلف عليه في ذلك كثيراً، ويمكن أن يقال: إن هذا الاضطراب الذي وقع في الطرق إلى شهر، إنما هي من شهر نفسه، لأنه متكلم في حفظه وضبطه، كما في ترجمته من (تهذيب الكمال ١٢/٥٨٧) . والله أعلم.
وبناء على ما تقدم من نقد الطرق إلى ثوبان فإنها كلها معلولة سوى الطريق الأولى التي أخرجها أبو داود. وقد صحح حديث الباب جمع من الأئمة، منهم:
٠١ ابن المديني، كما نقله عنه الترمذي في (العلل الكبير) ص (١٢٣)
٠٢ أحمد: ففي مسائل أبي داود ص (٣١١) قال أحمد: " كل شيء يروى عن ثوبان فهو صحيح، يعني حديث مكحول هذا " ا. هـ.
وفي مسائل ابنه عبد الله (٢/٦٢٦) قال: شيبان جمع الحديثين جميعاً، يعني: حديث ثوبان، وحديث شداد بن أوس " ا. هـ وقد نص أحمد على الحديثين - أي ثوبان وشداد - كما في (طبقات الحنابلة ١/٢٠٦) وفي مسائل (ابن هانئ ١/١٣١) نص على أن أقوى حديث عنده هو حديث ثوبان. ونقل ابن حجر في (الفتح ٤/٢٠٩) عن عثمان الدرامي أنه قال: " صح حديث أفطر الحاجم والمحجوم، من طريق ثوبان، وشداد، قال: وسمعت أحمد يذكر ذلك، ولما قيل لأحمد: إن يحيى بن معين قال: ليس فيه شيء يثبت، قال: هذه مجازفة " انتهى بتصرف "
٠٣ عثمان الدرامي، وقد تقدم آنفاً.
٠٤ البخاري: نقله الترمذي في (العلل الكبير) ص (١٢٢) ،فأورد الترمذي عليه ما فيه من الاضطراب؟ فقال: كلاهما عندي صحيح؛ لأن يحيى بن أبي كثير، روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء، عن ثوبان، وعن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس، روى الحديثين جميعاً ا. هـ. قال ابن حجر معلقاً على ذلك في (الفتح ٤/٢٠٩) يعني فانتفى الاضطراب، وتعين الجمع بذلك " ا. هـ.
٠٥ (ابن خزيمة ٣/٢٢٦) .
٠٦ (ابن حبان ٨/٣٠١) .
٠٧ (الحاكم ١/٤٢٧) .
٠٨ ابن حزم في (المحلى ٦/٢٠٣) .
٠٩ النووي في (المجموع ٦/٣٤٩-٣٥٠) .
٠١٠ شيخ الإسلام بن تيمية في (مجموع الفتاوى ٢٥/٢٥٥) .
٠١١ابن القيم: كما يدل عليه كلامه في (تهذيب السنن ٣/٢٤٣) وما بعدها وغيرهم من أهل العلم ﵏ جميعاً -
وكلام الإمام أبي حاتم الرازي في (العلل) لابنه (١/٢٤٩) ،يدل على أن الحديث عنده غلط، حيث قال - لما سئل عن حديث رافع بن خديج " أفطر الحاجم والمحجوم " الذي روى من طريق معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ عن السائب بن يزيد عن رافع - قال ﵀: " إنما يروي هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء عن ثوبان، واغتر أحمد بن حنبل بأن قال: الحديثان عنده، وإنما يروى بذلك الإسناد عن النبي ﷺ أنه نهى عن كسب الحجام ومهر البغي، وهذا الحديث في يفطر الحاجم والمحجوم عندي باطل " ا. هـ.
ومراد أبي حاتم ﵀ أن الراجح في حديث رافع هو قوله ﷺ "كسب الحجام خبيث " الذي أخرجه مسلم وغيره أنه " أفطر الحاجم والمحجوم ". وأما رد أبي حاتم لهذا الحديث كله - كما يفهم من كلامه - فلعل سبب رده هو أنه يرى أن الحديث مضطرب الإسناد، إلا أن أبا حاتم خولف من بعض الأئمة الذي نصّ بعضهم على أن الحديث عن ثوبان وشداد - محفوظ لا اضطراب فيه كما تقدم آنفاً-. والله أعلم.
الحديث الثاني: حديث شداد بن أوس:
والبحث فيه كالبحث في سابقه من حيث كثرة الاختلاف فيه، وطول الكلام عليه، ولذا سأكتفي عن إيراده بحديث ثوبان ﵁ وما حصل فيه من تفصيل، إلا أنه يحسن هنا أن أجيب على إيراد قد يورده بعض الفضلاء، ألا وهو: ألا يحتمل أن حديث ثوبان، وشداد كلاهما مضطرب؛ لأن مدار الحديثين على رجل واحد، وهو أبو قلابة؟
والجواب: أنه تقدم من كلام الإمام أحمد، والبخاري - في حديث ثوبان السابق - ما يبين أن كلا الحديثين محفوظ، وقد تبعهما على هذا الجواب؛ (ابن حبان ٨/٣٠٣) ، و (الحاكم ١/٤٢٧) ،وابن حجر في (الفتح ٤/٢٠٩) ، بل يقال: إن جميع الأئمة الذين ثبت عنهم تصحيح الحديثين يقولون بذلك، إذ لو ثبت الاضطراب في الحديث عند أحدهم، لم يقل بتصحيح الحديثين.
هذا وقد صحح حديث شداد هذا جمع من الأئمة، ومنهم من تقدم ذكرهم في حديث ثوبان وهم: ابن المديني، وأحمد، وعثمان الدارمي، والبخاري، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم، ويضاف إليهم هنا: الإمام إسحاق بن راهوية، كما نقله الحاكم (١/٤٢٨) ، حيث قال: " هذا إسناد صحيح، تقوم به الحجة، وهذا الحديث قد صح بأسانيد، وبه نقول ا. هـ، وكذا صححه أبو جعفر العقيلي في (الضعفاء ٤/٤٥٦) والله تعالى أعلم.
بقي أن يقال: إن تصحيح الحديث، لا يكفي في الحكم به وحده على مسألة الحجامة للصائم؛ لأن في المسألة أحاديث كثيرة جعلت أهل العلم يختلفون في حكم الفطر بالحجامة؟ فمنهم من يرى أن هذا الحديث منسوخ، وأن الحجامة لا تفطر كما هو مذهب جماهير أهل العلم، ومنهم من أخذ بحديث الباب فقال: إن الحجامة تفطر، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، ونصره من فقهاء الحديث ابن خزيمة، وابن المنذر، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه - رحم الله الجميع -.
وفي المسألة تفاصيل عند بعضهم من حيث تعليق الحكم بتأثير الحجامة على إضعاف الصائم وعدمه، وبإمكان القارئ الفاضل أن يراجع مظان هذه المسألة من كتب الشروح، والفقه، ومنها:
(المغني لابن قدامه ٤/٣٥٠) ، (البحر الرائق ٢/٢٩٤) ، و (شرح الزرقاني على مختصر خليل ١/٩٢) ، و (فتح الباري ٤/٢٠٥) عند شرح الباب رقم (٣٢) من كتاب الصيام، وهو: باب الحجامة والقئ للصائم. والله أعلم.
стр. 409
صحة حديث دعوة الصائم عند فطره
المجيب عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٩/٩/١٤٢٢
السؤال
ما صحة حديث: ((ثلاثة لا تردّ دعوتهم ... )) وذكر منهم: ((والصائم حتى يفطر)) ؟
الجواب
حديث: " ثلاثة لا ترد دعوتهم ... ":
هذا الحديث رواه الإمام (الترمذي ٤/٥٨٠) كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة الجنة ونعيمها ح (٢٥٢٦) فقال:
حدثنا أبو كريب، حدثنا محمد بن فضيل، عن حمزة الزيات، عن زياد الطائي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قلنا يا رسول الله، مالنا إذا كنا عندك رقت قلوبنا، وزهدنا في الدنيا، وكُنَّا من أهل الآخرة، فإذا خرجنا من عندك فآنسنا أهالينا، وشممنا أولادنا أنكرنا أنفسنا، فقال رسول الله ﷺ : "لو أنكم تكونون إذا خرجتم من عندي كنتم على حالكم ذلك، لزارتكم الملائكة في بيوتكم، ولو لم تذنبوا لجاء الله بخلقٍ جديد كي يذنبوا فيغفر لهم "، قال: قلت يا رسول الله ممّ خُلِق الخلق؟ قال: "من الماء "، قلنا: الجنة ما بناؤها؟ قال: " لبنة من فضة ولبنة من ذهب، ومِلاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران، من دخلها ينعم ولا ييأس، ويُخلَّد ولا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم"،ثم قال:" ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حين يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب : وعزتي لأنصرنَّكِ ولو بعد حين ".
قال أبو عيسى: هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي، وليس هو عندي بمتصل، وقد روي هذا الحديث بإسنادٍ آخر عن أبي مُدلَّة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ
وقبل أن ذكر الكلام عليه مفصلاً، أذكر خلاصة الحكم، فأقول:
١- الحديث مداره ـ على الراجح ـ على أبي مدلة، عن أبي هريرة ﵁.
٢- إن أبا مدلة في عداد المجاهيل، ولم يتابعه أحد فيما وقفت عليه.
٣- أنه قد ورد معنى هذا الحديث عن أنس ﵁ وفيه ضعف ـ كما سأبينه ـ.
٤- أن الأحاديث الواردة في إجابة دعوة المسافر ـ وإن كانت ضعيفة ـ إلا أن ذلك لا يعني ترك الصائم للدعاء، فإن الدعاء مشروع في كل وقت، بل دعاء الإنسان عند تلبسه بالعبادة أرجى في الإجابة، والله أعلم.
تخريجه:
*أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٣٨٠) ح (١٠٧٥) عن حمزة الزيات، عن سعد الطائي، عن رجلٍ، عن أبي هريرة به بنحوه، فسمَّى شيخ حمزة: سعداً.
*وأخرجه (الترمذي ٥/٥٣٩) في الدعوات، باب في العفو والعافية ح (٣٥٩٨) من طريق عبد الله بن نمير، و (ابن ماجة ١/٥٥٧) باب الصائم لا ترد دعوته ح (١٧٥٢) ، و (أحمد ٢/٤٤٣،٤٧٧) من طريق وكيع، و (الدارمي في ٢/٧٨٩) ح (٢٧١٧) عن أبي عاصم النبيل، ثلاثتهم (ابن نمير، ووكيع، وأبو عاصم) عن سعدان بن بشر، والطيالسي ص (٣٣٧) ، وأحمد ٢/٣٠٤ عن أبي كامل، وأبي النضر، وأحمد ٢/٣٠٥ عن حسن بن موسى، والطبراني في "الدعاء" (٣/١٤١٤) ح (٣١٥) من طريق أحمد بن يونس، و (ابن حبان ٨/٢١٤) ح (٣٤٢٨) ، وفي ١٦/٣٩٦ ح (٧٣٨٧) من طريق فرح - بالحاء المهملة - ابن رواحة، ستتهم (الطيالسي، وأبو كامل، وأبو النضر، وحسن، وأحمد بن يونس، وفرح) عن زهير بن معاوية، و (ابن خزيمة ٣/١٩٩) ح (١٩٠١) من طريق محمد بن عبد الرحمن المحاربي، عن عمرو بن قيس الملائي، ثلاثتهم (سعدان، وزهير، وعمرو) عن أبي مجاهد سعد بن عبيد الطائي، عن أبي مدلّة، عن أبي هريرة به بنحوه، إلاَّ أن وكيعاً، والطيالسي، وعمرو بن قيس اقتصر حديثهما على قوله: (ثلاثة لا ترد دعوتهم ... الخ) ، وفي الموضع الثاني - عند (أحمد ٢/٤٧٧) - قال وكيع في حديثه: (الصائم لا ترد دعوته) فحسب، وفي الموضع الأول عند أحمد عن وكيع (١/٤٤٣) اقتصر حديثه على قوله: (الإمام العادل لا ترد دعوته) فحسب، ولفظ حديث فرح في الموضع الأول نحو حديث الطيالسي وعمرو الملائي، واقتصر حديث أبي عاصم على صفة بناء الجنة.
*وأخرجه (البزار ٤/٣٨) ح (٣١٣٩) - كشف - من طريق إبراهيم بن خيثم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة بنحوه، إلاَّ أنه قال: "والمسافر حتى يرجع" بدلاً من "الإمام العادل".
الحكم عليه:
وقد تبين من التخريج أن الحديث رواه عن أبي هريرة اثنان، وهما: زياد (أو سعد) الطائي - كما سيأتي تحريره - وأبو مدلة، ولكن عند التأمل والنظر يتبين أنهما واحد، وبيان ذلك أن يقال:
إن محمد بن فضيل، رواه عن حمزة الزيات، عن زياد الطائي، عن أبي هريرة، وخالفه ابن المبارك، فرواه عن حمزة عن سعد الطائي - الذي هو أبو مجاهد - حدثه، عن رجل، عن أبي هريرة فذكره بنحوه، ورواية ابن المبارك أرجح من وجهين:
الأول: أن ابن المبارك ثقة ثبت فقيه عالم - كما في التقريب (٣٢٠) ، وابن فضيل ليس في منزلته، على أن في روايته مخالفةً أخرى ـ كما سيأتي ـ.
الثاني: أن الرواة الآخرين عن أبي مجاهد رووه كذلك عنه عن أبي مدلة، فعاد حديث حمزة إلى رواية الجماعة.
وثمة مخالفة أخرى من ابن فضيل لابن المبارك في إسناده، وهو أن ابن فضيل قد أسقط الواسطة بين أبي هريرة وزياد الطائي، بينما رواه ابن المبارك بذكر الواسطة.
وقد سئل الدارقطني ـ كما في (العلل ١١/٢٣٥) ـ عن هذا الحديث فقال - بعد إشارته إلى الرواة عن أبي مجاهد الذين سبق ذكرهم -: "ورواه حمزة الزيات، عن سعد الطائي أبي مجاهد، وقال: عن رجل، عن أبي هريرة، وأحسبه لم يحفظ كنيته، فقال: عن رجل، وأراد أبا مدلَّة، والله أعلم، والحديث محفوظ" اهـ.
فالإمام الدارقطني، لم يشر إلى مخالفة ابن فضيل في إسناده، فكأنه لم يلتفت إليها، وإنما أشار إلى رواية ابن المبارك فحسب، وإلى هذا أشار الترمذي بقوله عن الطريق التي رواها ابن فضيل:" هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي، وليس هو عندي بمتصل، وقد روي هذا الحديث بإسناد آخر عن أبي مدلَّة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
فكأنه يقول ﵀: إن هذا هو المحفوظ في حديث أبي مدلة عن أبي هريرة، وأن تسمية زياد وهْم، وبهذا يمكن أن تفسر كلمة الدارقطني بقوله: "والحديث محفوظ" أي من حديث أبي مدلة عن أبي هريرة، والله أعلم.
وإذا تبين أن مدار الحديث على أبي مجاهد، عن أبي مدلة، عن أبي هريرة، فقد حسنه الترمذي ح (٣٥٩٨) ،وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وحسنه ابن حجر - كما في "الفتوحات الربانية" لابن علان (٤/٣٣٨) -.
وابن خزيمة ﵀ قد صحح الحديث من طريق محمد بن عبد الرحمن المحاربي عن عمرو بن قيس الملائي، عن أبي مجاهد به، وقد قال الدارقطني - كما في (أطراف الغرائب ٥/٢٩٧) -:" تفرد به المحاربي محمد بن عبد الرحمن، عن عمرو بن قيسٍ بطوله، وروي عن قُرَّان بن تمام، عن عمر بعضه" اهـ.
وأبو مدلَّة - الذي مدار الحديث عليه - قال عنه ابن المديني - كما في (تهذيب التهذيب ١٢/٢٠٤) -: " أبو مدلة مولى عائشة لا يعرف اسمه، مجهول، لم يرو عنه غير أبي مجاهد" اهـ.
وفي التقريب (٦٧١) : مقبول، ومثل هذا لا يحسن حديثه، خاصةً وأنه لم يتابع - فيما وقفت عليه - والله أعلم.
وفيما يتعلق بالطريق التي أخرجها البزار، فهي لا تصلح، لأن في إسنادها إبراهيم بن خيثم، قال عنه النسائي: "متروك" كما في "الميزان" ١/٣٠.
وهذا الحديث قد اشتمل على عدة فقرات، إلاَّ أنني لم أجد ما يشهد له بهذا السياق، وأما المعنى الذي لأجله ذكر الحديث ههنا هذا الحديث وهو قوله: "ثلاث دعوات ... ومنها: والصائم حتى يفطر" فقد وقفت على حديث أخرجه (البيهقي ٣/٣٤٥) ، والضياء في (المختارة ٦/٧٤) ح (٢٠٥٧) من طريق إبراهيم بن بكر المروزي، عن عبد الله بن بكر السهمي، عن حميد الطويل، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ : " ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر ".
وفي إسناده إبراهيم بن بكر، لم أظفر له -بعد البحث - بترجمة، مع أنه في طبقة الإمام أحمد بن حنبل؛ لأن عبد الله بن بكر السهمي في طبقة شيوخ أحمد، فقد توفي سنة ٢٠٨هـ، كما في التقريب (٢٩٣) ، ومثل هذا لو كان مشهوراً، أو له عناية بالحديث لترجمه الأئمة أو بعضهم، ولكن لم أجد شيئاً من هذا، إلاَّ أن ابن الجوزي قال - كما نقله عنه الذهبي في "الميزان" ١/٢٤ -:"وإبراهيم بن بكر ستة، لا نعلم فيهم ضعفاً سوى هذا " يعني الشيباني الأعور، قال الذهبي معلقاً:" قلت: ولو سماهم لأفادنا، فما ذكر ابن أبي حاتم منهم أحداً " اهـ، فكلمة الذهبي فيها ردٌ لكلمة ابن الجوزي؛ لأنهم لو كانوا معروفين بحمل العلم لترجمهم الأئمة.
وفي الإسناد أيضاً عنعنة حميد، وهو كثير التدليس حتى قيل إن معظم ما يرويه عن أنس، رواه بواسطة ثابت وقتادة - كما في تعريف أهل التقديس (١٣٣،١٣٤) - ولم أقف على غير هذا الحديث.
стр. 410
صحة حديث (صوموا تصِحُّوا)
المجيب عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٢/٩/١٤٢٢
السؤال
نرجوا بيان صحة حديث: صوموا تصِحُّوا:
الجواب
هذا الحديث روي عن جماعة من الصحابة ﵃ منهم:
٠١ أبو هريرة ﵁: أخرج حديثه العقيلي في " الضعفاء " ٢/٩٢ في ترجمة زهير بن محمد التميمي، والطبراني في " الأوسط " ٨/٢١٣ ح (٨٣١٢) من طريق زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: " اغزوا تغنموا، وصوموا تصحوا، وسافروا تستغنوا ".
قال العقيلي عقب إخراجه: " لا يتابع عليه إلا من وجه فيه لين ".
وقال الطبراني: " لم يروِ هذا الحديث عن سهيل بهذا اللفظ إلا زهير "
وضعفه العراقي في " تخريج الإحياء" ٣/١١٥
٠٢ علي ﵁ أخرجه ابن عدي في " الكامل " ٢/٣٥٧ من طريق حسين بن عبد الله بن ضميرة بن أبي ضميرة، عن أبيه عن جده، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " صوموا تصحوا " وإسناده تالف؛ لأن حسيناً هذا متروك الحديث كما قاله أحمد والنسائي وغيرهما، وقال عنه البخاري: منكر الحديث، كما ذكر ذلك ابن عدي عنهم.
٠٣ عن ابن عباس ﵁: أخرجه ابن عدي في " الكامل " ٧/٥٧ من طريق نهشل بن سعيد عن الضحاك، عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " سافروا تصحوا، وصوموا تصحوا، واغزوا تغنموا ".
وإسناده ضعيف جداً، إن لم يكن موضوعاً؛ لأن نهشل بن سعيد قال عنه ابن راهويه: كان كذاباً، وقال النسائي: متروك الحديث.
وخلاصة القول:
أن الحديث روي عن جماعة من الصحابة ﵃، ولا يصح منها عن المعصوم ﷺ شيء، ولا يعني ذلك بطلان معناه؛ لأن الأطباء يتحدثون كثيراً عن فوائد الصيام الصحية، وهو أمر مشاهد ومعروف، بل هو - أي الصيام - من الأساليب التي يستخدمها بعض الأطباء لعلاج بعض الأعراض، ولكن هنا ينبغي التنبُّه لأمرين:
الأول: أن المحدثين يهتمون ببيان صحة الحديث عن النبي ﷺ ، وهل هو ثابت عنه من ذلك الطريق أم لا؟ وقد يكون معناه صحيحاً، أو صح موقوفاً عن بعض الصحابة ﵃ إلا أن صحة المعنى أو ثبوته عن الصحابي شيء، وصحة نسبته للنبي ﷺ شيء آخر.
الثاني: أن بعض الناس حينما يتحدث عن فوائد بعض العبادات الصحية أو الطبية، يوغل في ذلك ويبالغ مبالغة غير محمودة، حتى إنه ليخيل لبعض المستمعين أن تلك العبادة إنما شرعت لهذه الفوائد الطبية أو تلك، وهذا خطأ! لأن الغاية العظمى من مشروعية العبادات هي تعبيد الناس لرب العالمين ﷻ وحصول التذلل له -سبحانه- وزيادة الإيمان بالإقبال عليه ﵎، وحصول التأسي بالنبي ﷺ الذي شرع وبين لأمته هذه العبادات العظيمة.. نعم، في العبادات فوائد صحية وبدنية، لكنها تبع، وليست أصلاً، فينبغي أن تعطى حجمها اللائق بها، والله أعلم.
стр. 411
صحة حديث " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته "
المجيب عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٤/٩/١٤٢٢
السؤال
ما صحة حديث: " صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته"؟
الجواب
هذا اللفظ هو جزء من حديث روي عن جماعة من الصحابة ﵃ وحديث بعضهم في الصحيحين، ولذا فسأقتصر على ذكر اثنين منهم، وهما: أبو هريرة، وابن عمر ﵄.
فأما حديث أبي هريرة ﵁: فأخرجه (البخاري ٢/٣٢) ح (١٩٠٩) ، و (مسلم ٢/٧٦٢) ح (١٠٨١) وأما حديث ابن عمر ﵄ فأخرجه (البخاري ٢/٣٠) ح (١٩٠٠) ، و (مسلم ٢/٧٥٩) ح (١٠٨٠) .
стр. 412
صحة حديث "إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة "
المجيب عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٥/٩/١٤٢٢
السؤال
نرجو منكم بيان درجة حديث: " إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين "
الجواب
هذا الحديث متفق على صحته من حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه (البخاري ٢/٣٠) ح (١٨٩٩) ، و (مسلم ٢/٧٥٨) ح (١٠٧٩) . ولفظ البخاري: " إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين" ولفظ مسلم " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وفي لفظ (الرحمة) - وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين".
стр. 413
متى يحكم الباحث على الأحاديث ؟
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٢٢/٦/١٤٢٣
السؤال
متى يحكم طالب العلم المتخصص في علم الحديث على حديث ما بالصحة
أو الضعف؟
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واتقى حدّه، أما بعد:
فأقول وبالله التوفيق:
إن الطالب الذي يتخصص في علوم السنة النبوية قد يكون في مراحل طلبه الأولى، وقد يكون تجاوز ذلك، ولا أقصد بذلك الزمن أو المراحل التعليمية والشهادات والألقاب، فكم من رجل يمضي عمره ويشيخ في السن ولم يزل في أولى مراحل الطلب، وكم من دكتور في علوم السنة ولما يزل في أولى تلك المراحل.
ولكني قصدت مراحل التعليم الحقيقية التي يترقى من خلالها طالب العلم، حتى يصل إلى الحد الذي يُمكن الطالب فيه أن يفهم مآخذ الأحكام على الأحاديث وطريقة الوصول إليها، وكنت قد ذكرت في مناسبة قديمة السلم التعليمي الذي إذا سار عليه طالب علم الحديث، رجي له أن يصل إلى حد الإفادة، ويمكن أن أضع ضابطاً إجمالياً للحد الذي إذا بلغه طالب العلم يكون معه متأهلاً للحكم على الأحاديث بدراسة أسانيدها، وهو أن تكون غالب أحكامه صواباً ويعرف أن غالب أحكامه صواب، بأن توافق أحكامه -غالباً- أحكام الأئمة المعتمدين، لا تقليداً، ولكن اتباعاً وفهماً لدليل الحكم.
فإذا وصل الطالب إلى هذا الحد، حق له أن يحكم على الأحاديث التي يظهر له فيها وجه الحكم، ويبقى أنه لا بد أن يقف على أحاديث لا يظهر له فيها وجه الحكم، فلا ينسى حينها أن يقول: لا أدري.
ثم إن الأحاديث التي يحكم عليها المتأخر من المتخصصين في علوم السنة تنقسم قسمين:
الأول: الأحاديث التي سبق إلى الحكم عليها بنحو حكمه عليها -صراحة أو تلميحاً- من إمام متقدم من النقاد المعتبرين، فهذه يكون حكمه عليها شاملاً الإسناد والمتن؛ لأن الناقد المتقدم قد قام بما يعجز عنه المتأخر من نفي وجود العلل الخفية عند الحكم على الحديث بالصحة، أو نفي وجود المتابعة المقوية للحديث عند الحكم عليه بالضعف.
الثاني: الأحاديث التي لم يُسبق إلى الحكم عليها، وهذه ليكن حكمه عليها مقتصراً على الإسناد وحده دون المتن؛ لأن المتأخرين لم تتحقق فيهم أهلية الاستقلال بالحكم على المتن.
وقد سبق الجواب في هذا الموقع عن الفرق بين الحكم على الإسناد والحكم على المتن، وبينت في الجواب إفادة الحكم على الإسناد وحده، وأنها تقيم الحجة بالحديث المحكوم على إسناده بالقبول -صحة أو حسناً-، وأنها أيضاً إفادة بعدم الثبوت وعدم القبول للحديث المحكوم على إسناده بالضعف، هذا والله أعلم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين.
стр. 414
حديث باطل
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ١٤/١١/١٤٢٢
السؤال
قرأت حديثاً شريفاً ولكنني غير متأكدة من صحته، والحديث هو: قال الرسول الكريم ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: يا علي لا تنم قبل أن تأتي بخمسة أشياء هي: قراءة القرآن كله، والتصدُّق بأربعة آلاف درهم، وزيارة الكعبة، وحفظ مكانك في الجنة، ورضاء الخصوم. فقال علي - كرم الله وجهه -: كيف ذلك يا رسول الله؟ " فقال رسول الله ﷺ : أما تعلم أنك إذا قرأت (قل هو الله أحد) إلى آخره ثلاث مرات فقد قرأت القرآن كله، وإذا قرأت (سورة الفاتحة) أربع مرات فقد تصدقت بأربعة آلاف درهم، وإذا قلت (لا إله إلا الله يحي ويميت وهو على كل شيء قدير) عشر مرات فقد زرت الكعبة، وإذا قلت (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) عشر مرات فقد حفظت مكانك في الجنة، وإذا قلت (أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه) فقد أرضيت الخصوم. أرجو من حضرتكم معرفة ما إذا كان هذا الحديث صحيحاً أم أنه موضوع؟
الجواب
جواباً على سؤال السائلة عن حديث: " يا علي، لا تنم قبل أن تأتي بخمسة أشياء، هي: قراءة القرآن كله، والتصدُّق بأربعة آلاف درهم، وزيارة الكعبة، وحفظ مكانك في الجنة، ورضاء الخصوم..) إلى آخره.
فأقول إن هذا الحديث حديث باطل لا أصل له، وفيه من علامات الوضع ما لا يخفى على أهل العلم، مع أنه قد صح عن النبي ﷺ أن قراءة سورة الإخلاص: " قل هو الله أحد " تعدل ثلث القرآن انظر ما رواه البخاري (٥٠١٣) ومسلم (٨١١) ، وصح عن النبي ﷺ في فضل سورة الفاتحة أحاديث متعددة انظر ما رواه البخاري (٤٤٧٤) ومسلم (٨٠٦) ، وكذلك صح في صنوف الذكر من التهليل والتسبيح والتحميد والتكبير وغير ذلك أحاديث ووردت فيها نصوص، لكن هذا الحديث المسؤول عنه بهذا اللفظ وبهذه المقادير والأجور والخصائص لا يصح، وفي هذا السياق فإني أنبه إلى أن هناك كتاباً يتضمن وصايا من النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁ وقد طُبع مراراً أنه كتاب مكذوب على نبينا ﷺ ، يجب الحذر منه وتحذير الناس منه. وقد نبّه العلماء على كذب غالب الوصايا المنسوبة إلى النبي ﷺ زوراً وبهتاناً والموجَّهة - بزعمهم- إلى عليّ ﵁ مبدوءة بعبارة: " يا علي " حتى قال بعض أهل العلم: " إن وصايا علي المصدّرة بياء النداء كلها موضوعة غير قوله ﷺ : " يا علي، أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي " فقد رواه أحمد (٢٧٤٦٧) وانظر ما رواه البخاري (٣٧٠٦) ومسلم (٢٤٠٤) وإن كان في هذا الحصر نظر، لكن يبقى أن غالب هذه الوصايا مكذوب، فعلى المسلم أن يحذر من أمثال هذه الأحاديث وأن يسأل عنها أهل العلم.
ومن هذه الوصايا ما أورده ابن الجوزي في الموضوعات (رقم ١٦٧٧، ١٦٧٨) والصنعاني في الموضوعات (رقم ٩،٨) ، والسيوطي في اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (٢/٣٧٣ - ٣٧٦) ، والأسرار المرفوعة لملا علي القارئ (رقم ٦١٤) والمصنوع في معرفة الحديث الموضوع له أيضاً (رقم ٤٣٦) والتنكيت والإفادة لابن هِمّات (٤٤-٤٥) . والله أعلم. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
стр. 415
صحة حديث: فرعون هذه الأمة
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٢١/١١/١٤٢٢
السؤال
ما صحة قول النبي ﷺ عن أبي جهل "إنه فرعون هذه الأمة " عندما أخبره ابن مسعود عن قتله إياه، فإن كان صحيحاً كيف يكون أبو جهل من أمة محمد ﷺ وقد مات كافراً، ومن المعلوم أنه إذا أطلق لفظ "أمة محمد " قصد به المسلمون دون غيرهم؟
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واتقى حده. أما بعد.
فجواباً عن سؤال القائل: " ما صحة قول النبي ﷺ عن أبي جهل " إنه فرعون هذه الأمة.. " يعني السائل: هل ثبت ذلك عن النبي ﷺ ثم يسأل عن وجه وصف أبي جهل بأنه فرعون هذه الأمة، مع أن أمة محمد هم المسلمون فقط دون غيرهم. فأقول وبالله التوفيق:
أولاً: الحديث المذكور أخرجه الإمام أحمد (رقم ٣٨٢٤، ٣٨٢٥، ٤٢٤٦، ٤٢٤٧) وأبو داود مختصراً ليس فيه موطن الشاهد (رقم ٢٧١٦) ، والنسائي في السنن الكبرى مختصراً (رقم ٨٦١٧) وغيرهم من طريق أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه ﵁ بقصة مقتل أبي جهل يوم بدر، وفيه قول النبي ﷺ " هذا فرعون هذه الأمة ". غير أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه كما عليه عامة من تكلم في هذا الإسناد من أهل العلم، وانظر البحث القوي للشيخ أبي إسحاق الحويني في هذه المسألة الإسنادية المذكورة في كتابه. (النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة ١/٢٦ ٣١ رقم ٦) ولذلك قال ابن حزم في المحلى (٩/٣٨٩) عن هذا الحديث " إسناده متكلم فيه " وللحديث متابعات كلها لا تصح، ومرجعها إلى أن تكون وهماً عن الرواية السابقة كما بين ذلك النسائي في الكبرى (رقم ٥٩٦١) والدارقطني في العلل (٥/٢٩٤-٢٩٥ رقم ٨٩٣) والبيهقي في الكبرى (٩/٩٢-٩٣) مع أن أصل قصة مقتل أبي جهل ثابت صحيح لكن دون ذكر الكلمة المسؤول عنها - فانظر صحيح البخاري (رقم٣١٤١،٣٩٦٤،٣٩٦٣،٣٩٦٢،٣٩٦١) وصحيح مسلم (رقم ١٨٠٠) .
ومع ما ذكرناه من الكلام في إسناد هذا الخبر إلا أنه قابل للتحسين، لعلم أبي عبيدة بأبيه وتقصيه لأحواله، ولذلك كان الترمذي غالباً ما يُحَسَّن أحاديث أبي عبيدة عن أبيه.
والخلاصة: أن هذه اللفظة ثابتة عن النبي ﷺ .
ثانياً: أما ما استشكله السائل من وصف أبي جهل بكونه من هذه الأمة، فجوابه أن الأمة في اللغة تطلق على كل جماعة يجمعها أمرٌ، ما إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، أو نسب واحد، وغير ذلك. أما أمة محمد ﷺ فيقول الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات (٣/١١) : " لفظة الأمة تطلق على معانٍ منها: من صَدَّق النبي ﷺ وآمن بما جاء به واتبعه فيه، وهذا هو الذي جاء مدحه في الكتاب والسنة كقوله - تعالى-: " وكذلك جعلناكم أمة وسطاً " و " كنتم خير أمة " وكقوله ﷺ : " شفاعتي لأمتي " وقوله: " تأتي أمتي غُراً محجلين " وغير ذلك، ومنها من بُعِِثَ إليهم النبي ﷺ من مسلم وكافر، ومنه قوله ﷺ : " والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار " رواه مسلم في صحيحه (رقم ١٥٣) في كتاب الإيمان.
وهذان القسمان من أمة محمد ﷺ هما اللذان اصطلح العلماء على تسميتهما بأمة الإجابة (وهم المسلمون) وأمة الدعوة (وهم كل أهل الملل ممن أدرك بعثة النبي ﷺ أو جاء بعدها إلى قيام الساعة) .
ومن العلماء من يقسم أمة محمد ﷺ إلى ثلاثة أقسام: أمة الاتباع (وهم أهل العمل الصالح من المسلمين) وأمة الإجابة (وهم مطلق المسلمين) وأمة الدعوة (وهم من عداهم ممن بُعث النبي ﷺ إليهم) كما تراه في فتح الباري لابن حجر (١١/٤١١) .
وعلى هذا فإنما وصف أبو جهل بأنه فرعون هذه الأمة لأنه من أمة الدعوة أي من الأمة المطالبة بالإيمان بدين الإسلام الذي بعث به النبي ﷺ وليس في هذه الإضافة إلى أمة محمد ﷺ أي تشريف، إنما التشريف يكون لمن كان من أمة الإجابة والاتباع فقط دون أمة الدعوة. والله الهادي إلى سواء السبيل ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله أعلم. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
стр. 416
صحة حديث "رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً "
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ١٨/١/١٤٢٥هـ
السؤال
ما صحة الحديث: " رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً ".
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:
حديث: " رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً" من الأحاديث التي اختلف فيها، والحكم عليه فيه دقة بالغة , والذي أميل إليه التوقف فيه. فقد أخرجه الإمام أحمد (٥٩٨٠) ، وأبو داود (١٢٦٥) ، والترمذي (٤٣٠) وقال: حديث غريب حسن (٤٣٠) ، وابن خزيمة في صحيحه (١١٩٣) ، وابن حبان في صحيحه (٢٤٥٣) ،كهلم من طريق أبي داود الطيالسي عن محمد بن إبراهيم بن مسلم بن مهران بن المثنى عن جدَّه أبي المثنى مسلم بن المثنى، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ . وسبب الخلاف هو شيخ أبي داود الطيالسي: محمد بن إبراهيم بن مسلم فإنه تفرد بأحاديث عن جدَّه، منها هذا الحديث، والتفرد يُلزم التثبت في الرواية، بل ربما في الراوي نفسه، خاصة مع قلة حديث مثل هذا الراوي، ويُنظر هل يقع في ضبطه وإتقانه ما يجبر تفرده؟ وهل طبقته تحتمل أن يتفرد بما تفرد به؟ فذهب الترمذي وابن خزيمة وابن حبان إلى قبول حديثه، وهذا يقتضي أنهم قد قبلوا روايته ورأوه أهلاً لضبط ما نقل، في حين قال الفلاس: أنه ذكر لعبد الرحمن بن مهدي حديثاً تفرد به هذا الراوي عن جده عن ابن عمر في الوتر، قال: " فأنكره، ولم يرض الشيخ " وتابعه الفلاس فقال عنه:" روى عنه أبو داود الطيالسي أحاديث منكرة في السواك وغيره ". وسُئل أبو زرعة الرازي عنه، مُعرَّفاً في السؤال بأنه الذي روى عن جده عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ :" من صلى قبل العصر" فقال أبو زرعة: " واهي الحديث " ولم يرد شيء من هذه الأقوال في هذا الراوي في ترجمته في تهذيب التهذيب (٩/١٦-١٧) وإنما ورد في الجرح والتعديل (٨/٧٨) والكامل لابن عدي (٦/٢٤٣) وقد أورد ابن عدي كلمة ابن مهدي في ترجمة هذا الراوي، وأخرج له ثلاثة أحاديث وكان منها حديثه هذا ثم قال: " ومحمد بن مسلم بن مهران " هذا ليس له من الحديث إلا اليسير، ومقدار ماله من الحديث لا يتبين صدقه من كذبه " وهذا الذي ذهب إليه ابن عدي هو ما أرجحه، وهو التوقف عن الحكم على الراوي وعلى حديثه.
والله أعلم بالصواب. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين.
стр. 417
صحة حديث "كل عمل ابن آدم له يؤجر عليه إلا البناء "
المجيب د. محمد بن تركي التركي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٤/١٢/١٤٢٢
السؤال
ما مدى صحة حديث " كل عمل ابن آدم له يؤجر عليه إلا البناء"، وما هو فقه الحديث -إن صح-، وكيف الجمع بينه وبين الأحاديث التي تدل على أجر المسلم فيما ينفقه على أهله.
الجواب
الحديث الذي أشار إليه السائل هو ما ورد عن خباب ﵁ أن النبي ﷺ قال: " يؤجر الرجل في نفقته كلها إلا التراب"، وفي رواية: " إلا البناء "، والحديث أخرجه أحمد بإسناد رجاله ثقات، كما أخرجه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وانظر تمام تخريجه في هامش المسند (طبعة مؤسسة الرسالة ٣٤/٥٣٩، رقم ٢١٠٥٩) ، ومعنى الحديث محمول على ما لا حاجة للإنسان فيه.
قال الحافظ ابن حجر بعد إشارته لهذا الحديث، ونحو مما ورد في معناه، قال:"وهذا كله محمول على ما لا تمس الحاجة إليه مما لا بد منه للتوطن، وما يقي البرد والحر". (فتح الباري ١١/٩٥، الحديث رقم ٦٣٠٢) ، وقال المباركفوري في شرحه على الترمذي: "وهذا في بناء لم يقصد به قربة أو كان فوق الحاجة".
ولما تقدم فلا معارضة بينه وبين ما ذكره السائل من أنه قد يفهم منه تعارض هذا الحديث مع الأحاديث الدالة على أجر المسلم فيما ينفقه على أهله؛ لأن البناء الذي يبنيه الرجل له ولأهله مما يريد به الاستقرار فيه، وغير ذلك مما هو معلوم من حاجة الإنسان للبناء، فهذا كله داخل في النفقة على الأهل، ولعله أن لا يحرم الأجر - إن شاء الله -، وخاصة مع الاحتساب في ذلك، والله أعلم.
стр. 418
صحة حديث "من زار قبري وجبت له شفاعتي "
المجيب د. أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٦/١٢/١٤٢٢
السؤال
ما صحة الحديث الذي يقول:" من زار قبري وجبت له شفاعتي"؟
الجواب
أولاً: يشكر الأخ السائل على حرصه على البحث عن درجة الحديث إذ ليس كل حديث في الكتب يكون صحيحاً، فيجب على المسلم قبل أخذ الحديث التأكد من صحته.
ثانياً: هذا الحديث هو فقرة من حديث موضوع، قال ابن عبد الهادي:"هو حديث موضوع مكذوب مختلق مفتعل مصنوع من النسخة الموضوعة المكذوبة الملصقة بسمعان المهدي قبح الله واضعها ... "، وللحديث رواية أخرى رواها أبو داود الطيالسي (٦٥) ، ورواها البيهقي في (الشعب والسنن) ثم قال في (السنن) :" إسناد مجهول" (٥/٢٤٥) .
ثالثاً: زيارة القبور مشروعة ما لم ينشئ لها سفراً، فأما السفر للزيارة فلا يجوز قال ﷺ :" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" رواه مسلم (٩٧٧) من حديث بريدة بن الحصيب ﵁، وقال ﷺ :" لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى" متفق عليه عند البخاري (١١٨٩) ومسلم (٨٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
رابعاً: زيارة مسجد النبي ﷺ مستحبة، ثم بعد ذلك يزور قبره ﷺ ، والله الموفق.
стр. 419
صحة حديث" تعلموا السحر ولا تعملوا به "
المجيب عبد العزيز بن باز ﵀
المفتي العام للمملكة العربية السعودية سابقاً
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٢٧/١٢/١٤٢٢
السؤال
ما صحة الحديث الذي يقول:" تعلموا السحر ولا تعملوا به"؟
الجواب
سئل الشيخ/ عبد العزيز بن باز ﵀ عن هذا الحديث، نذكر لك فيما يلي نص السؤال والإجابة:
السؤال: ما صحة حديث سمعته عن النبي ﷺ : " تعلموا السحر ولا تعملوا به"؟
الجواب:
هذا الحديث باطل لا أصل له، ولا يجوز تعلم السحر ولا العمل به، وذلك منكر بل كفر وضلال، وقد بين الله إنكاره للسحر في كتابه الكريم في قوله -تعالى-:" واتبعوا ما تتلوا الشياطين على مُلك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يُعلمان من أحدٍ حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحدٍ إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خيرٌ لو كانوا يعلمون " [البقرة:١٠٢-١٠٣] ، فأوضح -سبحانه- في هذه الآيات أن السحر كفر، وأنه من تعليم الشياطين، وقد ذمهم الله على ذلك وهم أعداؤنا، ثم بين أن تعليم السحر كفر، وأنه يضر ولا ينفع، فالواجب الحذر منه؛ لأن تعلم السحر كله كفر، ولهذا أخبر عن الملكين أنهما لا يعلمان الناس حتى يقولا للمتعلم إنما نحن فتنة فلا تكفر، ثم قال: " وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " فعلم أنه كفر وضلال، وأن السحرة لا يضرون أحداً إلا بإذن الله، والمراد بذلك إذنه -سبحانه- الكوني القدري لا الشرعي الديني؛ لأنه -سبحانه- لم يشرعه ولم يأذن فيه شرعاً، بل حرمه ونهى عنه، وبين أنه كفر ومن تعليم الشياطين، كما أوضح -سبحانه- أن من اشتراه، أي: اعتاضه وتعلمه ليس له في الآخرة من خلاق؛ أي: من حظ ولا نصب، وهذا وعيد عظيم، ثم قال -سبحانه-:" ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون"، والمعنى: باعوا أنفسهم للشيطان بهذا السحر، ثم قال -سبحانه-:" ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون" فدل ذلك على أن تعلم السحر والعمل به ضد الإيمان والتقوى ومناف لهما، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز ﵀ (الجزء ٦ص ٣٧١) ]
стр. 420
بطلان حديث أوس في التوسل بالنبي ﷺ -
المجيب د. فهد بن عبد الرحمن اليحيى
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ١٤/١١/١٤٢٤هـ
السؤال
قرأت هذا الحديث في مقدمة سنن الدارمي، وقد ذكر لي أن الدارمي من علماء الحديث، أفلا يدل على جواز التوسل بالنبي ﷺ خاصة وأن الذي أمرهم بذلك السيدة عائشة ﵂؟
عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله قال: "قحط أهل المدينة قحطاً شديداً، فشكوا إلى عائشة فقالت: "انظروا قبر النبي ﷺ فاجعلوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا فمطرنا مطراً حتى نبت العشب، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق.
الجواب
لا شك أن الدارمي ﵀ من علماء الحديث ومن أصحاب الكتب المصنفة فيه، ولكن لا تلازم بين عدالة وإمامة الجامع للأحاديث في مصنف، وبين صحة كل ما ورد فيه؛ لأنه يذكر الأحاديث بأسانيدها، ويستطيع الباحث عن صحتها بعد ذلك أن يعرف هل هي صحيحة أو لا من خلال البحث؟
فهذا الحديث أخرجه الدارمي في سننه رقم (٩٢) باللفظ المذكور في السؤال، ولكن الحديث فيه علل من حيث الإسناد ومن حيث المتن، فأما من حيث الإسناد:
١-فيه سعيد بن زيد، نقل العقيلي في الضعفاء عن يحيى بن معين أنه ضعيف، وأنه ليس بشيء، وضعفه يحيى بن سعيد.
فإذا انفرد في مثل هذا الحديث فهذه علة قوية.
٢-فيه أبو النعمان: محمد بن الفضل الملقب بعارم، قال فيه الحافظ في التقريب: ثقة ثبت تغير في آخر عمره، وقد نص على اختلاطه البخاري وأبو حاتم والعقيلي والنسائي والدارقطني.
٣-فيه عمرو بن مالك النكري قال فيه ابن حبان: يخطئ ويغرب، وقال في الكامل في الضعفاء: منكر الحديث عن الثقات ويسرق الحديث، وقال ابن حجر في التقريب: صدوق له أوهام، وإن كان قد نقل في التهذيب من الطعن فيه ما يظهر للناظر أنه أدنى مرتبة من قوله صدوق له أوهام، والله أعلم.
وأما من حيث المتن:
١-ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على البكري، وما روي عن عائشة ﵂ من فتح الكوة من قبره إلى السماء لينزل المطر فليس بصحيح، ولا يثبت إسناده، ومما يبين كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة ﵂ لم يكن للبيت كوة، بل كان باقياً كما كان على عهد النبي ﷺ ، بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه كما ثبت في الصحيحين البخاري (٥٤٥) ومسلم (٦١٠) عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ صلى العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء من حجرتها، ولم تزل الحجرة كذلك في مسجد الرسول ﷺ ، ومن حينئذ دخلت الحجرة النبوية في المسجد، ثم إنه بني حول حجرة عائشة ﵂ التي فيها قبر جدار عال، وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل منها من ينزل إذا احتيج إلى ذلك لأجل كنس أو تنظيف، وأما وجود الكوة في حياة عائشة ﵂ فكذب بين، ولو صح ذلك لكان حجة ودليلاً على أن القوم لم يكونوا يقسمون على الله، وإنما فتحوا على القبر لتتنزل الرحمة عليه، ولم يكن بدعائه أو بعلمه، فإن الله -تعالى- يحب أن نتوسل إليه بالإيمان والعمل والصلاة والسلام على نبيه ﷺ ومحبته وطاعته وموالاته، فهذه هي الأمور التي يحب الله أن نتوسل بها إليه.
٢-أن هذا الأثر فيه غرابة؛ لأن فتح السقف على القبر كيف يكون له أثر في نزول المطر؟! فهل المقصود أن يكون القبر حينئذ أقرب إلى الله؟ فكيف يقال هذا والنبي ﷺ كان يقول عند وفاته: "في الرفيق الأعلى في الرفيق الأعلى"، كما في الصحيحين البخاري (٤٤٥١) ومسلم (٢١٩٢) من حديث عائشة ﵂؟ فمنزلته ﵊ أعلى من أن يتصور أن يحول بينه وبين قربه من ربه سقف الحجرة فضلاً عن غيره.
وإن كان المقصود أن ينزل المطر على قبره، فإذاً كان قبره بحاجة إلى تنزل الرحمة عليه كما أشار إلى ذلك ابن تيمية، مع أن تنزل المطر على قبره لا يظهر كونه سبباً للاستسقاء.
٣-أن من يستدل بهذا الأثر إنما يستدل به على التوسل بذات النبي ﷺ كما هو وارد في السؤال أيضاً.
وهذا الاستدلال لا يستقيم حتى مع صحة الأثر، ولو كان باتفاق الصحابة ﵃، وذلك أن الأثر ليس فيه إلا فتح الكوى، فليس فيه أن أم المؤمنين عائشة ﵂ أمرتهم بالتوسل بذاته ﵊ وقالت: قولوا: اللهم اسقنا بنبيك أو بجاهه ونحو ذلك.
٤-أن هذا الأثر -على فرض صحته- هو من قبيل الموقوف عن عائشة ﵂، وحينئذ فقد يكون اجتهاداً منها في هذه المسألة لم ينقل عن غيرها مثله، ومن استقرأ ما جاء عن الصحابة ﵃ تبين له أنهم لم يكونوا يتوسلون بذات النبي ﷺ ، مع أنهم أصدق الناس له حباً وأكملهم له اتباعاً، بل كانوا يتوسلون بدعائه ﷺ في حياته، وأما بعد مماته فكانوا يدعون الله مباشرة، أو يطلبون ممن يرونه أصلح منهم وأتقى لله وأقرب إليه أن يدعو لهم كما في قصة عمر ﵁ في توسله بالعباس ﵁ حين قحطوا وذلك بطلب الدعاء منه، وهذا في البخاري (١٠١٠) من حديث أنس ﵁، وكذلك طلبه من أويس القرني أن يدعو له، وهذا في مسلم (٢٥٤٢) من حديث أُسير بن جابر ﵁، وكما طلب معاوية ﵁ من يزيد بن الأسود أن يدعو في الاستسقاء.
وهذا يدل على أنهم لم يكونوا يتوسلون بذات النبي ﷺ ، إذ لو كانوا يرون التوسل به جائزاً ما عدلوا عنه إلى غيره، بل إن عمر ﵁ وهو من هو في العلم والدين والفضل لم يتوجه إلى قبر المصطفى ﵊ عند الاستسقاء، بل إنما طلب من العباس ﵁ الدعاء، وكان هذا بمجمع من الصحابة ﵃، ومع ذلك لم ينقل أن أحداًَ منهم أرشده إلى غير ما فعله (سبق تخريجه) .
فلو فرض ثبوت النقل عن أحد من الصحابة ﵃ بخلاف ذلك كما في هذا الأثر عن عائشة ﵂ لو صح، وكما ورد في أثر آخر أيضاً لم يثبت عن عثمان بن حنيف ﵁ فهذا لا يقاوم ما ثبت عن جمهورهم من ترك ذلك، وما زال بعض الصحابة ﵃ يقول القول ولا يوافق عليه سائرهم، كما كان ابن عمر ﵄ يغسل عينيه في الوضوء. وكما كان أبو هريرة ﵁ يغسل ذراعيه حتى يبلغ الإبط، وكقول ابن عباس في العول وبعض مسائل الفرائض وغير ذلك. بل عائشة ﵂ جاء عنها بعض مسائل لم يوافقها عليها سائر الصحابة ﵃ وعامة الأمة كثبوت المحرمية برضاع الكبير وغيرها. وقول الصحابي إنما يكون حجة حين يوافقه بقية الصحابة ﵃ فيصبح إجماعاً. أو لا ينقل عن غيره مخالفة له، أو لا يعرف له مخالف، فقوله حينئذ حجة عند طوائف من أهل العلم.
٥-أن هذا الأثر لو صح أو صح غيره مما يدل على التوسل بالنبي ﷺ ، واعتقد الناظر صحة تلك الأدلة، وأنه لا معارض لها فينبغي حينئذ أن يقتصر على التوسل بالنبي ﷺ دون غيره، فإن إلحاق غيره به لا يصح بحال، ولا يمكن الاستدلال له بذات الأدلة؛ لما لرسول الله ﷺ من الخصوصية والمنزلة التي لا يشاركه -بل ولا يدانيه- فيها غيره.
وهذا على فرض صحة الأدلة وسلامتها من المعارض، مع أنا قد بينا خلاف ذلك، وليس لأحد حين يتبين له الحق أن يحيد عنه إلى غيره، وقد تبين له ضعف دليله، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 421
أحاديث شهر رجب
المجيب محمد بن ناصر السلمي
القاضي في وزارة العدل
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٠٦/٠٧/١٤٢٦هـ
السؤال
حفظكم الله يا شيخ: أود معرفة صحة هذه الأحاديث الأربعة، وحبذا يا شيخنا إعطائي مصدر تضعيفها؛ لكي يتسنى لي البحث في الأحاديث الموضوعة والضعيفة في شهر رجب.
الأحاديث هي كالتالي:
(١) رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي.
(٢) عن علي- ﵁: من صام يوماً من رجب كتب الله له صوم ألف سنة، ومن صام منه سبعة أيام أغلقت عنه أبواب جهنم، ومن صام منه خمسة عشر يوماً بدلت سيئاته حسنات، ونادى مناد من السماء: قد غفر لك فاستأنف العمل.
(٣) إن في الجنة نهراً يقال له رجب. من صام يوماً من رجب سقاه الله من ذلك النهر.
(٤) من صام ثلاثة أيام من شهر حرام كتب الله له عبادة تسعمائة سنة.
وجزاكم الله كل خير يا شيخنا على كل ما بذلتم وماتبذلون.
الجواب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اعلم -وفقني الله وإياك- أنه لما كثر اختلاف الناس في هذا الشهر المسمى برجب، وقلَّ العارف به المتكلم فيه بما وجب، حتى قال بعضهم في نهاره بفضيلة صيامه، ونزع بعضهم في ليله إلى الاعتناء بقيامه، وجعله من لا يدري مفضلاً على الشهور، وزاده فضيلة على الأربعة الحرام في المذكور، ولما كثر الخلط في ذلك بين العوام، ولم يكن من الخواص من يعرف ما فيه من الكلام، تعيَّن على أهل العلم (١) بيان الحق في هذا الشهر المذكور.
فأقول: إن هَدْي النبي ﷺ في الشهور محفوظ منقول، حفظه عنه أصحابه الكرام ﵃ في أحاديث صحيحة كثيرة، جاءت في الصحاح، والسنن، والمسانيد....إلخ.
ولم يكن له في ذلك هدي خاص في رجب، ولو كان له فيه هدي لنقله إلينا أصحابه ﵃ كما نقلوه في أشهر أخرى. لكن الوضاعين من الوعَّاظ، والقصَّاص أبوا إلا أن يلصقوا بالسنة ما ليس منها، فألصقوا فيها من الأحاديث الدالة على فضيلة شهر رجب، وفضيلة الصلاة فيه والصيام، وما علموا أن لهذا الفن فرسانه فذبوا عن حياض السنة وحاموا عن حماها، ولكن العجب كل العجب ممن شم رائحة العلم بالسنن أن يغتر بمثل هذه الأحاديث، فيرويها ويعمل بمقتضاها، وما علم أن هذه الأحاديث باطلة منكرة، وأن كل حديث في صوم رجب، وصلاة بعض الليالي فيه كذب مفترى، كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم.
قال ابن رجب ﵀ في اللطائف (١/١٩٤) : (لم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به، والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء، وممن ذكر ذلك من أعيان العلماء المتأخرين من الحفاظ أبو إسماعيل الأنصاري، وأبو بكر السمعاني وأبو الفضل بن ناصر، وأبو الفرج ابن الجوزي.
ولم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ﵃) ا. هـ.
وقال الإمام أبو العباس ابن تيمية (٢٥/٢٩) : (وأما صوم رجب بخصوصه فأحاديثه كلها ضعيفة بل موضوعة، لا يعتمد أهل العلم على شيء منها، وليست من الضعيف الذي يروى في الفضائل، بل عامتها من الموضوعات المكذوبات) . ا. هـ.
وقال ابن القيم في المنار المنيف (٩٦) : (وكل حديث في ذكر صوم رجب وصلاة بعض الليالي فيه فهو كذب مفتري) . ثم ساق ﵀ بعض الأحاديث في ذلك.
وقال ابن حجر في تبيين العجب (٢٣) : (لم يرد في فضل شهر رجب -ولا في صيامه، ولا صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه- حديث صحيح يصلح للحجة، وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ) .
وقال في موطن آخر (٣٣) : (الأحاديث الواردة في فضل رجب أو فضل صيامه أو صيام شيء منه صريحة، فهي على قسمين ضعيفة وموضوعة) .
وقال: (وورد في فضل رجب من الأحاديث الباطلة أحاديث لا بأس بالتنبيه عليها لئلا يغتر بها) ا. هـ (ص٤٠) .
وممن ذكر أنه لا يصح في الباب شيء: الإمام ابن دحية الكلبي، وأبو الفضل بن ناصر وغيرهم كثير، والأحاديث التي جاء السؤال عنها: كحديث:
(١) "رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي"، فقد جاء من حديث أبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك ﵄ فأما حديث أبي سعيد الخدري ﵁: فأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/٥٧٦) ، وابن عراق في التنزيه (٢/١٥١) من طريق محمد بن الحسن النقاش: حدثنا أبو عمرو أحمد بن العباس الطبري: حدثنا الكسائي: حدثنا أبو معاوية: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن أبي سعيد به، وذكر حديثاً طويلاً في فضل صيام رجب.
قال ابن الجوزي: (هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ والكسائي لا يعرف والنقاش متَّهم) .
وقال ابن حجر في تبيين العجب (٢٣) : ولهو سند مركب... والعهدة في هذا الإسناد على النقاش، والنقاش هذا هو مؤلف كتاب "شفاء الصدور" وقد ملأ أكثره بالكذب والزور.
قال الخطيب الحافظ أبو بكر بن ثابت البغدادي في تاريخه (٢/٦٠٢) : بل هو شقاء الصدور. ثم ذكر كلام الناس في النقاش واتهامهم له بالوضع، ومن ذلك ما قال الخطيب فيه: من أن أحاديثه مناكير بأسانيد مشهورة، وقال طلحة بن محمد بن جعفر الحافظ: كان النقاش يكذب في الحديث والغالب عليه القصص.
وقال البرقاني: كل حديثه منكر. والكسائي هذا غير معروف قال الحافظ في تبيين العجب: (لا يدرى من هو، وليس هو علي بن حمزة المقدسي، فإنه أقدم من هذه الطبقة بكثير) .
وله طريق آخر: أخرجه السهمي في تاريخ جرجان (٢٢٥) ، فقال: حدثنا أبو علي الحسن بن أحمد بن يحيى الثقفي: حدثنا محمد بن إبراهيم المقري: حدثنا أبو عبد الله سختويه بن الجنيد: حدثنا عبيد الله بن موسى: حدثنا عثمان بن الأسود، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري ﵁ به.
وهو حديث مسلسل بالمجاهيل والضعفاء. وللحديث طرق أخرى واهية ذكرها ابن حجر في تبيين العجب.
وأما حديث أنس، فأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/٤٣٦) ، وأبو شامة المقدسي في الباعث على إنكار البدع والحوادث، والكناني في فضل رجب، وابن عراق في تنزيه الشريعة، من طريق عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن منده، عن أبي الحسين علي بن عبد الله بن جهضم، عن علي بن محمد بن سعيد البصري، عن أبيه، عن خلف بن عبد الله -وهو الصغاني - عن حميد الطويل عن أنس به، وفيه ذكر صلاة الرغائب.
قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ وقد اتهموا به ابن جهضم ونسبوه إلى الكذب، وسمعت شيخنا عبد الوهاب الحافظ يقول: رجاله مجهولون، وقد فتشت عليهم جميع الكتب، فما وجدتهم، زاد الذهبي بل لعلهم لم يخلقوا.
قلت: ابن جهضم هذا متهم بوضع الحديث، قاله الذهبي في الميزان (٣/١٤٢) ، وقد استوفى الحافظ اللكنوي في (الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة) الكلام على هذا الحديث فعد إليه.
وله طريق آخر أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٧/٣٩٦) من طريق نوح بن أبي مريم عن زيد العمي عن يزيد الرقاشي عن أنس به.
قال البيهقي: (هذا إسناد منكر) . وهو حديث مسلسل بالضعفاء والمتروكين.
(٢) وحديث علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن شهر رجب شهر عظيم من صام فيه يوماً كتب الله له صوم ألف سنة" ... الحديث. أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/٥٧٨) ، وابن شاهين في الترغيب والترهيب، من طريق إسحاق بن إبراهيم الختلي قال: حدثنا الحسين بن علي بن يزيد الصدائي: حدثنا أبي: حدثنا هارون بن عنترة عن أبيه عن علي بن أبي طالب ﵁ به.
قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن النبي ﷺ .
قلت: هذا الحديث مسلسل بالمجاهيل الضعفاء والمتروكين. فإسحاق بن إبراهيم الختلي ضعيف الحديث. الميزان (١/١٨٠) ، وعلى بن يزيد الصدائي قال عنه الذهبي: تالف. وهارون بن عنترة قال عنه ابن حبان: منكر الحديث جداً يروي المناكير الكثيرة، حتى يسبق إلى قلب المستمع لها أنه المتعمد لذلك من كثرة ما يروي مما لا أصل له، ولا يجوز الاحتجاج به بحال. وقد ذكر هذا الخبر ابن حجر في تبيين العجب، واتهم به إسحاق بن إبراهيم الختلي، وقال السيوطي في اللآلي: (لا يصح، وهارون بن عنترة يروي المناكير) . وعده الشوكاني في الفوائد المجموعة من المنكرات.
(٣) وحديث: "إن في الجنة نهراً يقال له رجب، من صام يوماً من رجب سقاه الله من ذلك النهر" أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٨٣٠٠) ، وابن شاهين في الترغيب والترهيب، ومن طريقه الخلال في فضل رجب (ق: ١٠٣/أ) ، والديلمي (١/٢/٢٨١) ، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٥٥٥) ، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٨٤٧) ، والذهبي في الميزان (٤/١٨٩) ، من طريق منصور بن يزيد الأسدي عن موسى بن عمران عن أنس بن مالك ﵁ به.
قال ابن الجوزي: لا يصح وفيه مجاهيل لا ندري من هم. وقال الذهبي: ومنصور لا يعرف والخبر باطل، وقد أورده الألباني ﵀ في الضعيفة رقم (١٨٩٨) ، وقال: (حديث باطل) .
(٤) وحديث: "من صام ثلاثة أيام من شهر حرام كتب الله له عبادة تسعمائة سنة".
أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (١٧٨٩) ، والبيهقي في فضائل الأوقات (٣٠٨) ، والخطيب في الموضح (١/١١٨) ، وابن عساكر في تاريخه (١٩/١١٦) ، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٥٥٤) من حديث أنس ﵁ بلفظ: "من صام ثلاثة أيام من شهر حرام: الخميس والجمعة والسبت؛ كتب له عبادة تسعمائة عام".
وعندالطبراني بلفظ: "عبادة سنتين". وروي بألفاظ أخر.
وفي إسناده مسلمة بن راشد، قال أبو حاتم: مضطرب الحديث. وقال الأزدي: لا يحتج به. وأورده الألباني في الضعيفة (٤٦١١) . والله أعلم.
стр. 422
حديث صلاة الأبرار
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٣٠/٦/١٤٢٤هـ
السؤال
الرجاء التفضل بتعليق فضيلتكم بيان المقصود بقوله: "فصلى ركعتين" في حديث أبي أمامة الذي أخرجه الطبراني في الكبير:
عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال:"من توضأ ثم أتى المسجد فصلى ركعتين قبل الفجر ثم جلس حتى يصلي الفجر كتبت صلاته يومئذ في صلاة الأبرار وكتب في وفد الرحمن".
قوله:"فصلى ركعتين قبل الفجر" هل سنة الفجر أو قيام الليل أو تحية المسجد أو ركعتين لهما ثواب معين؟.
حديث عثمان مرفوعا "من توضأ مثل هذا الوضوء ثم أتى المسجد فركع ركعتين ثم جلس غفر له ما تقدم من ذنبه ولا تغتروا". (صحيح) انظر صحيح الجامع.
الظاهر في هذا أن المراد بقوله:"فصلى ركعتين" هي سنة الفجر.
أن أكثر الأحاديث الواردة في قوله:"ركعتين قبل الفجر" المراد بها سنة الفجر.
كما في مسند أحمد: عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى ركعتين قبل الفجر ربما اضطجع.
وكما روى النسائي في سننه عن مالك بن ربيعة السلولي، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأسرينا ليلة، فلما كان في وجه الصبح، نزل رسول الله ﷺ ، فنام، ونام الناس، فلم يستيقظ إلا بالشمس قد طلعت علينا، فأمر رسول الله ﷺ المؤذن، فأذن، ثم صلى ركعتين قبل الفجر، ثم أمره، فأقام، ثم صلى بالناس، ثم حدثنا ما هو كائن، حتى تقوم الساعة. وعند النسائي من حديث ابن عباس ﵄ الذي فيه "ثم أتيته فقمت عن يساره فتناولني بيده فأقامني عن يمينه فصلى ثلاث عشرة ركعة ثم اضطجع حتى جاءه بلال ﵁ فأذن بالصلاة فقام فصلى ركعتين قبل الفجر".
قال المباركفوري في تحفة الأحوذي في (باب ما جاء في الوتر بركعة ٢/٤٥٤) قوله:"أطيل في ركعتي الفجر" المراد بركعتي الفجر سنة الفجر، وفي رواية البخاري: قلت لابن عمر أرأيت الركعتين قبل صلاة الغداة أطيل فيهما القراءة.
وأما معنى قوله صلاة الأبرار: فقال المناوي في فيض القدير الجزء الرابع في حديث (صلاة الأبرار ركعتان إذا دخلت بيتك وركعتان إذا خرجت (عن عثمان بن أبي سودة مرسلا. (ضعيف) انظر حديث رقم: ٣٥٠٨ في ضعيف الجامع) .
(صلاة الأبرار) لفظ هذه الرواية كما حكاه المؤلف (أي السيوطي) في مختصر الموضوعات، وكذا غيره صلاة الأوابين وصلاة الأبرار (ركعتان إذا دخلت بيتك وركعتان إذا خرجت من بيتك) أي: من محل إقامتك بيتاً أو غيره، فهاتان الركعتان سنة للدخول والخروج.
على أنه صححه الألباني ﵀ في صحيح الترغيب والترهيب (١/٢٤٠-٢٤١) وبيَّن أحاديث أفضلية صلاة السنة الراتبة في البيت؛ لأن لكل منهما أجراً خاصاً به.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واتقى حدّه. أما بعد:
فجواباً على السؤال أقول وبالله التوفيق:
الحديث المسؤول عنه منكر سنداً ومتناً.
فقد أخرجه الطبراني في الكبير (رقم ٧٧٦٦) ، ومسند الشاميين (رقم ٥٢٥-١٢٢٩) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن هود، عن محمد بن يزيد الكلاعي الواسطي، عن عاصم بن رجاء بن حيوة، عن عروة بن رُويم، عن القاسم بن عبد الرحمن الشامي، عن أبي أمامة ... به مرفوعاً.
قلت: فيه إسماعيل بن إبراهيم بن هود -وينسب إلى جده- الواسطي، مولى قريش أبو إبراهيم الضرير، (ت ٢٤٣هـ) مختلف فيه، لكن الأرجح أنه ضعيف، فانظر (لسان الميزان ١/١٠١-١٠٢ رقمه ١١٢٥) .
ثم هو مخالف في إسناده: فقد أخرجه عبد الرزاق (رقم ٤٧٨٣) عن الأوزاعي، عن عروة بن رُويم، قال:"من صلى ركعتي الفجر، وصلى الصبح في جماعة، كُتبت صلاته يومئذ في صلاة الأوابين، وكُتب يومئذ في وفد المتقين".
وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/١٢٢) من وجه آخر عن الأوزاعي بمثله، ثم تعقبه بالإشارة إلى مخالفته لحديث عاصم بن رجاء بن حيوة.
ولا شك أن الأوزاعي وحديثه أرجح وأصح إسناداً.
ثم هو يختلف في متنه عن متن الحديث المرفوع، مما يدل على نكارة متن الحديث المسؤول عنه أيضاً، حيث إن هذا الحديث يدل على أن الركعتين الأولى هي سنة الفجر، وليس فيه أنها كانت في المسجد، وأن الركعتين الثانية هي فريضة الفجر في جماعة، ولو صح الحديث المسؤول عنه، فيحمل على تحية المسجد بعد أداء راتبته في البيت.
وأما فقه المسألة: فقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية جواز صلاة النافلة غير راتبة الفجر قبل فريضة، بشرط ألا يتخذ ذلك سنة، كما في مجموع الفتاوى (٢٣/٢٠٥) .
وأما ما نقله السائل من تصحيح الألباني -عليه رحمة الله- للحديث، في صحيح الترغيب والترهيب، فلم أجده فيه، بل وجدت نقيضه، فقد أورده في ضعيف الترغيب والترهيب (١/١٢٥-١٢٦ رقم ٢٢٨) , مشيراً في الحاشية إلى أنه كان قد حسنه، ثم رجع عن ذلك إلى الحكم بنكارته.
هذا والله أعلم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين.
стр. 423
خبر: رجم القردة للزانية
المجيب د. علي بن عبد الله الجمعة
رئيس قسم السنة وعلومها بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ١٧/٢/١٤٢٤هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
روى البخاري في صحيحه كتاب مناقب الأنصار أن أحد الصحابة -رضوان الله عليهم- مر على قردة قد زنت وقد اجتمع حولها قردة يرجمونها فرجمها معهم، فما حكم هذا الحديث؟ مع العلم أن ابن عبد البر ﵀ قال عنه: حديث موضوع.
وهل يقبله العقل؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
بسم الله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
(١) إن عَمْر بن ميمون ليس صحابياً إنما هو تابعي.
(٢) إن هذا الحديث ليس حديثاً مرفوعاً، إنما هي قصة من قسم المقطوع حسب اصطلاح علماء مصطلح الحديث.
(٣) هذه القصة ذكرها البخاري تعليقاً لأن أغلب رواياته ﵀ عن نعيم بن حماد تعليقا، ً كما حكى ذلك الحافظ في الفتح مجلد (٧/١٦٠) وحديث (٣٨٤٩) ولعل هذا منها.
(٤) قال السائل: وهل هذا يعقل؟ فنقول: شرعنا جاء بما تدركه العقول وبما لا تدركه العقول، لكنه لم يرد فيه ما تستحيله العقول.
(٥) هذه القصة لم يكن فيها تشريع إنما هي حكاية صورة وقعت من هذا المخلوق أشبهت ما يقع من المكلفين من الجن والإنس الذين نزل التشريع فيهم.
(٦) لمّا ذكر ابن عبد البر هذه القصة استخرج منها حكمين، أحدهما: إضافة الزنا إلى غير المكلفين. وثانيهما: إقامة الحد على من وقع منه ذلك من البهائم. وقال: هذا منكر عند أهل العلم. (الاستيعاب ٣/٥-١٢٠٦) . وأجاب الحافظ بأنه لا يلزم من كون صورة الواقعة صورة الزنا والرجم أن يكون ذلك زنا حقيقة ولا حداً وإنما أطلق ذلك عليه لشبهه به، فلا يستلزم ذلك إيقاع التكليف على الحيوان.
(٧) حكاية السائل عن ابن عبد البر أنه قال: هذا حديث موضوع، قول باطل لأمور ثلاثة: أحدها: إنه لا يوجد في صحيح البخاري حديث موضوع بإجماع أهل العلم. وثانيها: أن ابن عبد البر لم يقل ذلك وإنما قال استنكرها أهل العلم. وثالثها: أن الحديث الموضوع هو التقول على رسول الله ﷺ بما لم يصدر منه من قول أو فعل أو تقرير، وليس في القصة المذكورة شيء من ذلك.
(٨) إن هذه القصة لا يجوز الاستدلال بها على إثبات حكم من الأحكام على أي نوع من المخلوقات عدا المكلفين من الجن والإنس.
(٩) قد ورد في الصحيح وغيره شيء من الحكايات والقصص التي لا يراد منها التشريع في إثبات حكم أو نفيه كما ورد عن أخبار بني إسرائيل وقد قال ﷺ :"حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، البخاري (٣٤٦١) ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 424
حديث: من وضع يده على امرأة لا تحل له ..
المجيب د. محمد بن تركي التركي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٢٨/٢/١٤٢٤هـ
السؤال
السلام عليكم، نرجو إفادتنا بدرجة هذا الحديث:
من وضع يده على امرأة لم تحل له بشهوة جاء يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه، فإن قبلها قرضت شفتاه في النار، فإن زنى بها نطقت فخذه وشهدت عليه يوم القيامة، وقالت: أنا للحرام ركبت، فينظر الله - تعالى- إليه بعين الغضب، فيقع لحم وجهه فيكابر، ويقول: ما فعلت، فيشهد عليه لسانه فيقول: أنا بما لا يحل نطقت، وتقول يداه، أنا للحرام تناولت، وتقول عيناه أنا للحرام نظرت، وتقول رجلاه: أنا للحرام مشيت، ويقول فرجه، أنا فعلت، ويقول الحافظ من الملائكة: وأنا سمعت، ويقول الآخر: وأنا كتبت ويقول الله - تعالى- وأنا اطلعت وتسترت، ثم يقول الله - تعالى- "يا ملائكتي خذوه ومن عذابي أذيقوه، فقد اشتد غضبي على من قل حياؤه مني".
الجواب
لم أقف على من أخرج هذا الحديث بهذا اللفظ وليت أن السائل ذكر من أي مصدر جاء به. وإن كان لفظه لا يشبه كلام النبي ﷺ وهو أشبه بكلام القصاص والوعاظ وسياقه بهذا اللفظ يشبه الأحاديث الموضوعة. ولكن ورد عدة أحاديث صحيحة في الترهيب من الزنا وفي أن زنا العين النظر وزنا اليد البطش ... إلخ وكذا في الترهيب من الخلوة بالأجنبية. وفيها غنية عن هذه الأحاديث الغريبة والتي تكون عادة ضعيفة أو موضوعة.
стр. 425
حديث (ما نزل بلاء إلا بذنب)
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٢٥/٧/١٤٢٣هـ
السؤال
هناك أثر يقول:"ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة"، فهل هذا الأثر حديث أم قول لأحد السلف؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين، أما بعد:
فجواباً على سؤالك أقول - وبالله التوفيق-: الحكمة القائلة "ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة "، لم أجده من كلام النبي ﷺ وإنما وجدته مروياً عن العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ ﵁ فأخرج الدينوري في (المجالسة رقم ٧٢٧) ، وابن عساكر في (تاريخ دمشق - مجلد ترجمة العباس ﵁ ١٨٤ - ١٨٥) ، بأسانيد واهية شديدة الضعف، أنه كان من ضمن دعاء العباس في استسقائه: "اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة".
إلا أن هذه الحكمة حق لا مرية فيها، وتواترت نصوص الكتاب والسنة في الدلالة عليها، فكل عقوبات الله -تعالى- العامة للأمم المذكورة في كتاب الله -تعالى- كانت بسبب الكفر والمعاصي، وفي ذلك يقول الله -تعالى-:"كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ" [آل عمران:١١] ، وقال -تعالى-:"أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ" [الأنعام:٦] ، وقال -تعالى-:"أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ" [الأعراف:١٠٠] ، وبين الله -تعالى- أثر الإيمان والتقوى والاستغفار في حصول الخير لأهل الأرض، فقال -تعالى-:"وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" [لأعراف:٩٦] ، وفي دعوة نوح ﵇ يقول -تعالى-:"فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً" [نوح: ١٠- ١٢] ، وقال -تعالى-: "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ" [الطلاق: ٢ - ٣] . إلى غير ذلك من آيات كثيرة جداً، وفي الصحيحين (صحيح البخاري رقم (٧٥٠٧) ، وصحيح مسلم (٢٧٥٨) ، في الحديث القدسي، أن الله -تعالى- يقول:"أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب ... ".
وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ... " أخرجه ابن ماجة (رقم ٩٠، ٤٠٢٢) ، وابن حبان في صحيحه (٨٧٢) ، والحاكم وصححه (١/٤٩٣) قال البوصيري في (مصباح الزجاجة رقم ٣٣) :"سألت شيخنا أبا الفضل العراقي ﵀ عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن".
وهو كما قال العراقي، فأقل أحواله الحسن.
وفي حديث بعض أصحاب النبي ﷺ أنه قال: "لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم" أخرجه الإمام أحمد (٤/٢٦٠) (٥/٢٩٣) وأبو داود رقم (٤٣٤٧) بإسناد صحيح، وفي تفسير قوله ﷺ :"حتى يعذروا" قال أبو عبيد في غريب الحديث (١/١٣١) يقول:"حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم".
وعن جبير بن نفير ﵁ قال: لما فتحت مدائن قبرس وقع الناس يقتسمون السبي ويفرقون بينهم ويبكي بعضهم على بعض فتنحى أبو الدرداء ثم احتبى بخمائل سيفه، فجعل يبكي فأتيته، فقلت: ما يبكيك يا أبا الدرداء؟! أتبكي في يوم أعزَّ الله فيه الإسلام وأهله وأذل فيه الكفر وأهله؟!! فضرب على منكبيه، ثم قال: ثكلتك أمُّك يا جبير ابن نفير!! ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره!!! بينما هي أمّةُ قاهرة ظاهرة على الناس، لهم الملك، حتى تركوا أمر الله، فصاروا إلى ما ترى، وإنه إذا سلط السباء على قوم فقد خرجوا من عين الله، وليست لله بهم حاجة" أخرجه الإمام أحمد في (الزهد رقم ٧٦٢) ، وسعيد بن منصور في سننه - واللفظ له - (٢/٢٩٠ - ٢٩١ رقم ٢٦٦٠) ، وابن أبي الدنيا في (العقوبات رقم ٢) بإسناد صحيح.
أسأل الله -تعالى- أن يوفقنا لما رضيه، وأن يجعل أعمالنا خالصة له، والله أعلم.
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.