← Фатава

Фатава · id 894

فتاوى واستشارات الإسلام اليوم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 202 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أحاديث شهر رجب المجيب محمد بن ناصر السلمي القاضي في وزارة العدل التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٠٦/٠٧/١٤٢٦هـ السؤال حفظكم الله يا شيخ: أود معرفة صحة هذه الأحاديث الأربعة، وحبذا يا شيخنا إعطائي مصدر تضعيفها؛ لكي يتسنى لي البحث في الأحاديث الموضوعة والضعيفة في شهر رجب. الأحاديث هي كالتالي: (١) رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي. (٢) عن علي- ﵁: من صام يوماً من رجب كتب الله له صوم ألف سنة، ومن صام منه سبعة أيام أغلقت عنه أبواب جهنم، ومن صام منه خمسة عشر يوماً بدلت سيئاته حسنات، ونادى مناد من السماء: قد غفر لك فاستأنف العمل. (٣) إن في الجنة نهراً يقال له رجب. من صام يوماً من رجب سقاه الله من ذلك النهر. (٤) من صام ثلاثة أيام من شهر حرام كتب الله له عبادة تسعمائة سنة. وجزاكم الله كل خير يا شيخنا على كل ما بذلتم وماتبذلون. الجواب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اعلم -وفقني الله وإياك- أنه لما كثر اختلاف الناس في هذا الشهر المسمى برجب، وقلَّ العارف به المتكلم فيه بما وجب، حتى قال بعضهم في نهاره بفضيلة صيامه، ونزع بعضهم في ليله إلى الاعتناء بقيامه، وجعله من لا يدري مفضلاً على الشهور، وزاده فضيلة على الأربعة الحرام في المذكور، ولما كثر الخلط في ذلك بين العوام، ولم يكن من الخواص من يعرف ما فيه من الكلام، تعيَّن على أهل العلم (١) بيان الحق في هذا الشهر المذكور. فأقول: إن هَدْي النبي ﷺ في الشهور محفوظ منقول، حفظه عنه أصحابه الكرام ﵃ في أحاديث صحيحة كثيرة، جاءت في الصحاح، والسنن، والمسانيد....إلخ. ولم يكن له في ذلك هدي خاص في رجب، ولو كان له فيه هدي لنقله إلينا أصحابه ﵃ كما نقلوه في أشهر أخرى. لكن الوضاعين من الوعَّاظ، والقصَّاص أبوا إلا أن يلصقوا بالسنة ما ليس منها، فألصقوا فيها من الأحاديث الدالة على فضيلة شهر رجب، وفضيلة الصلاة فيه والصيام، وما علموا أن لهذا الفن فرسانه فذبوا عن حياض السنة وحاموا عن حماها، ولكن العجب كل العجب ممن شم رائحة العلم بالسنن أن يغتر بمثل هذه الأحاديث، فيرويها ويعمل بمقتضاها، وما علم أن هذه الأحاديث باطلة منكرة، وأن كل حديث في صوم رجب، وصلاة بعض الليالي فيه كذب مفترى، كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم. قال ابن رجب ﵀ في اللطائف (١/١٩٤) : (لم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به، والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء، وممن ذكر ذلك من أعيان العلماء المتأخرين من الحفاظ أبو إسماعيل الأنصاري، وأبو بكر السمعاني وأبو الفضل بن ناصر، وأبو الفرج ابن الجوزي. ولم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ﵃) ا. هـ. وقال الإمام أبو العباس ابن تيمية (٢٥/٢٩) : (وأما صوم رجب بخصوصه فأحاديثه كلها ضعيفة بل موضوعة، لا يعتمد أهل العلم على شيء منها، وليست من الضعيف الذي يروى في الفضائل، بل عامتها من الموضوعات المكذوبات) . ا. هـ. وقال ابن القيم في المنار المنيف (٩٦) : (وكل حديث في ذكر صوم رجب وصلاة بعض الليالي فيه فهو كذب مفتري) . ثم ساق ﵀ بعض الأحاديث في ذلك. وقال ابن حجر في تبيين العجب (٢٣) : (لم يرد في فضل شهر رجب -ولا في صيامه، ولا صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه- حديث صحيح يصلح للحجة، وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ) . وقال في موطن آخر (٣٣) : (الأحاديث الواردة في فضل رجب أو فضل صيامه أو صيام شيء منه صريحة، فهي على قسمين ضعيفة وموضوعة) . وقال: (وورد في فضل رجب من الأحاديث الباطلة أحاديث لا بأس بالتنبيه عليها لئلا يغتر بها) ا. هـ (ص٤٠) . وممن ذكر أنه لا يصح في الباب شيء: الإمام ابن دحية الكلبي، وأبو الفضل بن ناصر وغيرهم كثير، والأحاديث التي جاء السؤال عنها: كحديث: (١) "رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي"، فقد جاء من حديث أبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك ﵄ فأما حديث أبي سعيد الخدري ﵁: فأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/٥٧٦) ، وابن عراق في التنزيه (٢/١٥١) من طريق محمد بن الحسن النقاش: حدثنا أبو عمرو أحمد بن العباس الطبري: حدثنا الكسائي: حدثنا أبو معاوية: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن أبي سعيد به، وذكر حديثاً طويلاً في فضل صيام رجب. قال ابن الجوزي: (هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ والكسائي لا يعرف والنقاش متَّهم) . وقال ابن حجر في تبيين العجب (٢٣) : ولهو سند مركب... والعهدة في هذا الإسناد على النقاش، والنقاش هذا هو مؤلف كتاب "شفاء الصدور" وقد ملأ أكثره بالكذب والزور. قال الخطيب الحافظ أبو بكر بن ثابت البغدادي في تاريخه (٢/٦٠٢) : بل هو شقاء الصدور. ثم ذكر كلام الناس في النقاش واتهامهم له بالوضع، ومن ذلك ما قال الخطيب فيه: من أن أحاديثه مناكير بأسانيد مشهورة، وقال طلحة بن محمد بن جعفر الحافظ: كان النقاش يكذب في الحديث والغالب عليه القصص. وقال البرقاني: كل حديثه منكر. والكسائي هذا غير معروف قال الحافظ في تبيين العجب: (لا يدرى من هو، وليس هو علي بن حمزة المقدسي، فإنه أقدم من هذه الطبقة بكثير) . وله طريق آخر: أخرجه السهمي في تاريخ جرجان (٢٢٥) ، فقال: حدثنا أبو علي الحسن بن أحمد بن يحيى الثقفي: حدثنا محمد بن إبراهيم المقري: حدثنا أبو عبد الله سختويه بن الجنيد: حدثنا عبيد الله بن موسى: حدثنا عثمان بن الأسود، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري ﵁ به. وهو حديث مسلسل بالمجاهيل والضعفاء. وللحديث طرق أخرى واهية ذكرها ابن حجر في تبيين العجب. وأما حديث أنس، فأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/٤٣٦) ، وأبو شامة المقدسي في الباعث على إنكار البدع والحوادث، والكناني في فضل رجب، وابن عراق في تنزيه الشريعة، من طريق عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن منده، عن أبي الحسين علي بن عبد الله بن جهضم، عن علي بن محمد بن سعيد البصري، عن أبيه، عن خلف بن عبد الله -وهو الصغاني - عن حميد الطويل عن أنس به، وفيه ذكر صلاة الرغائب. قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ وقد اتهموا به ابن جهضم ونسبوه إلى الكذب، وسمعت شيخنا عبد الوهاب الحافظ يقول: رجاله مجهولون، وقد فتشت عليهم جميع الكتب، فما وجدتهم، زاد الذهبي بل لعلهم لم يخلقوا. قلت: ابن جهضم هذا متهم بوضع الحديث، قاله الذهبي في الميزان (٣/١٤٢) ، وقد استوفى الحافظ اللكنوي في (الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة) الكلام على هذا الحديث فعد إليه. وله طريق آخر أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٧/٣٩٦) من طريق نوح بن أبي مريم عن زيد العمي عن يزيد الرقاشي عن أنس به. قال البيهقي: (هذا إسناد منكر) . وهو حديث مسلسل بالضعفاء والمتروكين. (٢) وحديث علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن شهر رجب شهر عظيم من صام فيه يوماً كتب الله له صوم ألف سنة" ... الحديث. أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/٥٧٨) ، وابن شاهين في الترغيب والترهيب، من طريق إسحاق بن إبراهيم الختلي قال: حدثنا الحسين بن علي بن يزيد الصدائي: حدثنا أبي: حدثنا هارون بن عنترة عن أبيه عن علي بن أبي طالب ﵁ به. قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن النبي ﷺ . قلت: هذا الحديث مسلسل بالمجاهيل الضعفاء والمتروكين. فإسحاق بن إبراهيم الختلي ضعيف الحديث. الميزان (١/١٨٠) ، وعلى بن يزيد الصدائي قال عنه الذهبي: تالف. وهارون بن عنترة قال عنه ابن حبان: منكر الحديث جداً يروي المناكير الكثيرة، حتى يسبق إلى قلب المستمع لها أنه المتعمد لذلك من كثرة ما يروي مما لا أصل له، ولا يجوز الاحتجاج به بحال. وقد ذكر هذا الخبر ابن حجر في تبيين العجب، واتهم به إسحاق بن إبراهيم الختلي، وقال السيوطي في اللآلي: (لا يصح، وهارون بن عنترة يروي المناكير) . وعده الشوكاني في الفوائد المجموعة من المنكرات. (٣) وحديث: "إن في الجنة نهراً يقال له رجب، من صام يوماً من رجب سقاه الله من ذلك النهر" أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٨٣٠٠) ، وابن شاهين في الترغيب والترهيب، ومن طريقه الخلال في فضل رجب (ق: ١٠٣/أ) ، والديلمي (١/٢/٢٨١) ، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٥٥٥) ، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٨٤٧) ، والذهبي في الميزان (٤/١٨٩) ، من طريق منصور بن يزيد الأسدي عن موسى بن عمران عن أنس بن مالك ﵁ به. قال ابن الجوزي: لا يصح وفيه مجاهيل لا ندري من هم. وقال الذهبي: ومنصور لا يعرف والخبر باطل، وقد أورده الألباني ﵀ في الضعيفة رقم (١٨٩٨) ، وقال: (حديث باطل) . (٤) وحديث: "من صام ثلاثة أيام من شهر حرام كتب الله له عبادة تسعمائة سنة". أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (١٧٨٩) ، والبيهقي في فضائل الأوقات (٣٠٨) ، والخطيب في الموضح (١/١١٨) ، وابن عساكر في تاريخه (١٩/١١٦) ، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٥٥٤) من حديث أنس ﵁ بلفظ: "من صام ثلاثة أيام من شهر حرام: الخميس والجمعة والسبت؛ كتب له عبادة تسعمائة عام". وعندالطبراني بلفظ: "عبادة سنتين". وروي بألفاظ أخر. وفي إسناده مسلمة بن راشد، قال أبو حاتم: مضطرب الحديث. وقال الأزدي: لا يحتج به. وأورده الألباني في الضعيفة (٤٦١١) . والله أعلم.

стр. 422

حديث صلاة الأبرار المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٣٠/٦/١٤٢٤هـ السؤال الرجاء التفضل بتعليق فضيلتكم بيان المقصود بقوله: "فصلى ركعتين" في حديث أبي أمامة الذي أخرجه الطبراني في الكبير: عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال:"من توضأ ثم أتى المسجد فصلى ركعتين قبل الفجر ثم جلس حتى يصلي الفجر كتبت صلاته يومئذ في صلاة الأبرار وكتب في وفد الرحمن". قوله:"فصلى ركعتين قبل الفجر" هل سنة الفجر أو قيام الليل أو تحية المسجد أو ركعتين لهما ثواب معين؟. حديث عثمان مرفوعا "من توضأ مثل هذا الوضوء ثم أتى المسجد فركع ركعتين ثم جلس غفر له ما تقدم من ذنبه ولا تغتروا". (صحيح) انظر صحيح الجامع. الظاهر في هذا أن المراد بقوله:"فصلى ركعتين" هي سنة الفجر. أن أكثر الأحاديث الواردة في قوله:"ركعتين قبل الفجر" المراد بها سنة الفجر. كما في مسند أحمد: عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى ركعتين قبل الفجر ربما اضطجع. وكما روى النسائي في سننه عن مالك بن ربيعة السلولي، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأسرينا ليلة، فلما كان في وجه الصبح، نزل رسول الله ﷺ ، فنام، ونام الناس، فلم يستيقظ إلا بالشمس قد طلعت علينا، فأمر رسول الله ﷺ المؤذن، فأذن، ثم صلى ركعتين قبل الفجر، ثم أمره، فأقام، ثم صلى بالناس، ثم حدثنا ما هو كائن، حتى تقوم الساعة. وعند النسائي من حديث ابن عباس ﵄ الذي فيه "ثم أتيته فقمت عن يساره فتناولني بيده فأقامني عن يمينه فصلى ثلاث عشرة ركعة ثم اضطجع حتى جاءه بلال ﵁ فأذن بالصلاة فقام فصلى ركعتين قبل الفجر". قال المباركفوري في تحفة الأحوذي في (باب ما جاء في الوتر بركعة ٢/٤٥٤) قوله:"أطيل في ركعتي الفجر" المراد بركعتي الفجر سنة الفجر، وفي رواية البخاري: قلت لابن عمر أرأيت الركعتين قبل صلاة الغداة أطيل فيهما القراءة. وأما معنى قوله صلاة الأبرار: فقال المناوي في فيض القدير الجزء الرابع في حديث (صلاة الأبرار ركعتان إذا دخلت بيتك وركعتان إذا خرجت (عن عثمان بن أبي سودة مرسلا. (ضعيف) انظر حديث رقم: ٣٥٠٨ في ضعيف الجامع) . (صلاة الأبرار) لفظ هذه الرواية كما حكاه المؤلف (أي السيوطي) في مختصر الموضوعات، وكذا غيره صلاة الأوابين وصلاة الأبرار (ركعتان إذا دخلت بيتك وركعتان إذا خرجت من بيتك) أي: من محل إقامتك بيتاً أو غيره، فهاتان الركعتان سنة للدخول والخروج. على أنه صححه الألباني ﵀ في صحيح الترغيب والترهيب (١/٢٤٠-٢٤١) وبيَّن أحاديث أفضلية صلاة السنة الراتبة في البيت؛ لأن لكل منهما أجراً خاصاً به. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واتقى حدّه. أما بعد: فجواباً على السؤال أقول وبالله التوفيق: الحديث المسؤول عنه منكر سنداً ومتناً. فقد أخرجه الطبراني في الكبير (رقم ٧٧٦٦) ، ومسند الشاميين (رقم ٥٢٥-١٢٢٩) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن هود، عن محمد بن يزيد الكلاعي الواسطي، عن عاصم بن رجاء بن حيوة، عن عروة بن رُويم، عن القاسم بن عبد الرحمن الشامي، عن أبي أمامة ... به مرفوعاً. قلت: فيه إسماعيل بن إبراهيم بن هود -وينسب إلى جده- الواسطي، مولى قريش أبو إبراهيم الضرير، (ت ٢٤٣هـ) مختلف فيه، لكن الأرجح أنه ضعيف، فانظر (لسان الميزان ١/١٠١-١٠٢ رقمه ١١٢٥) . ثم هو مخالف في إسناده: فقد أخرجه عبد الرزاق (رقم ٤٧٨٣) عن الأوزاعي، عن عروة بن رُويم، قال:"من صلى ركعتي الفجر، وصلى الصبح في جماعة، كُتبت صلاته يومئذ في صلاة الأوابين، وكُتب يومئذ في وفد المتقين". وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/١٢٢) من وجه آخر عن الأوزاعي بمثله، ثم تعقبه بالإشارة إلى مخالفته لحديث عاصم بن رجاء بن حيوة. ولا شك أن الأوزاعي وحديثه أرجح وأصح إسناداً. ثم هو يختلف في متنه عن متن الحديث المرفوع، مما يدل على نكارة متن الحديث المسؤول عنه أيضاً، حيث إن هذا الحديث يدل على أن الركعتين الأولى هي سنة الفجر، وليس فيه أنها كانت في المسجد، وأن الركعتين الثانية هي فريضة الفجر في جماعة، ولو صح الحديث المسؤول عنه، فيحمل على تحية المسجد بعد أداء راتبته في البيت. وأما فقه المسألة: فقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية جواز صلاة النافلة غير راتبة الفجر قبل فريضة، بشرط ألا يتخذ ذلك سنة، كما في مجموع الفتاوى (٢٣/٢٠٥) . وأما ما نقله السائل من تصحيح الألباني -عليه رحمة الله- للحديث، في صحيح الترغيب والترهيب، فلم أجده فيه، بل وجدت نقيضه، فقد أورده في ضعيف الترغيب والترهيب (١/١٢٥-١٢٦ رقم ٢٢٨) , مشيراً في الحاشية إلى أنه كان قد حسنه، ثم رجع عن ذلك إلى الحكم بنكارته. هذا والله أعلم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين.

стр. 423

خبر: رجم القردة للزانية المجيب د. علي بن عبد الله الجمعة رئيس قسم السنة وعلومها بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ١٧/٢/١٤٢٤هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. روى البخاري في صحيحه كتاب مناقب الأنصار أن أحد الصحابة -رضوان الله عليهم- مر على قردة قد زنت وقد اجتمع حولها قردة يرجمونها فرجمها معهم، فما حكم هذا الحديث؟ مع العلم أن ابن عبد البر ﵀ قال عنه: حديث موضوع. وهل يقبله العقل؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب بسم الله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: (١) إن عَمْر بن ميمون ليس صحابياً إنما هو تابعي. (٢) إن هذا الحديث ليس حديثاً مرفوعاً، إنما هي قصة من قسم المقطوع حسب اصطلاح علماء مصطلح الحديث. (٣) هذه القصة ذكرها البخاري تعليقاً لأن أغلب رواياته ﵀ عن نعيم بن حماد تعليقا، ً كما حكى ذلك الحافظ في الفتح مجلد (٧/١٦٠) وحديث (٣٨٤٩) ولعل هذا منها. (٤) قال السائل: وهل هذا يعقل؟ فنقول: شرعنا جاء بما تدركه العقول وبما لا تدركه العقول، لكنه لم يرد فيه ما تستحيله العقول. (٥) هذه القصة لم يكن فيها تشريع إنما هي حكاية صورة وقعت من هذا المخلوق أشبهت ما يقع من المكلفين من الجن والإنس الذين نزل التشريع فيهم. (٦) لمّا ذكر ابن عبد البر هذه القصة استخرج منها حكمين، أحدهما: إضافة الزنا إلى غير المكلفين. وثانيهما: إقامة الحد على من وقع منه ذلك من البهائم. وقال: هذا منكر عند أهل العلم. (الاستيعاب ٣/٥-١٢٠٦) . وأجاب الحافظ بأنه لا يلزم من كون صورة الواقعة صورة الزنا والرجم أن يكون ذلك زنا حقيقة ولا حداً وإنما أطلق ذلك عليه لشبهه به، فلا يستلزم ذلك إيقاع التكليف على الحيوان. (٧) حكاية السائل عن ابن عبد البر أنه قال: هذا حديث موضوع، قول باطل لأمور ثلاثة: أحدها: إنه لا يوجد في صحيح البخاري حديث موضوع بإجماع أهل العلم. وثانيها: أن ابن عبد البر لم يقل ذلك وإنما قال استنكرها أهل العلم. وثالثها: أن الحديث الموضوع هو التقول على رسول الله ﷺ بما لم يصدر منه من قول أو فعل أو تقرير، وليس في القصة المذكورة شيء من ذلك. (٨) إن هذه القصة لا يجوز الاستدلال بها على إثبات حكم من الأحكام على أي نوع من المخلوقات عدا المكلفين من الجن والإنس. (٩) قد ورد في الصحيح وغيره شيء من الحكايات والقصص التي لا يراد منها التشريع في إثبات حكم أو نفيه كما ورد عن أخبار بني إسرائيل وقد قال ﷺ :"حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، البخاري (٣٤٦١) ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 424

حديث: من وضع يده على امرأة لا تحل له .. المجيب د. محمد بن تركي التركي عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٢٨/٢/١٤٢٤هـ السؤال السلام عليكم، نرجو إفادتنا بدرجة هذا الحديث: من وضع يده على امرأة لم تحل له بشهوة جاء يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه، فإن قبلها قرضت شفتاه في النار، فإن زنى بها نطقت فخذه وشهدت عليه يوم القيامة، وقالت: أنا للحرام ركبت، فينظر الله - تعالى- إليه بعين الغضب، فيقع لحم وجهه فيكابر، ويقول: ما فعلت، فيشهد عليه لسانه فيقول: أنا بما لا يحل نطقت، وتقول يداه، أنا للحرام تناولت، وتقول عيناه أنا للحرام نظرت، وتقول رجلاه: أنا للحرام مشيت، ويقول فرجه، أنا فعلت، ويقول الحافظ من الملائكة: وأنا سمعت، ويقول الآخر: وأنا كتبت ويقول الله - تعالى- وأنا اطلعت وتسترت، ثم يقول الله - تعالى- "يا ملائكتي خذوه ومن عذابي أذيقوه، فقد اشتد غضبي على من قل حياؤه مني". الجواب لم أقف على من أخرج هذا الحديث بهذا اللفظ وليت أن السائل ذكر من أي مصدر جاء به. وإن كان لفظه لا يشبه كلام النبي ﷺ وهو أشبه بكلام القصاص والوعاظ وسياقه بهذا اللفظ يشبه الأحاديث الموضوعة. ولكن ورد عدة أحاديث صحيحة في الترهيب من الزنا وفي أن زنا العين النظر وزنا اليد البطش ... إلخ وكذا في الترهيب من الخلوة بالأجنبية. وفيها غنية عن هذه الأحاديث الغريبة والتي تكون عادة ضعيفة أو موضوعة.

стр. 425

حديث (ما نزل بلاء إلا بذنب) المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٢٥/٧/١٤٢٣هـ السؤال هناك أثر يقول:"ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة"، فهل هذا الأثر حديث أم قول لأحد السلف؟ الجواب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين، أما بعد: فجواباً على سؤالك أقول - وبالله التوفيق-: الحكمة القائلة "ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة "، لم أجده من كلام النبي ﷺ وإنما وجدته مروياً عن العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ ﵁ فأخرج الدينوري في (المجالسة رقم ٧٢٧) ، وابن عساكر في (تاريخ دمشق - مجلد ترجمة العباس ﵁ ١٨٤ - ١٨٥) ، بأسانيد واهية شديدة الضعف، أنه كان من ضمن دعاء العباس في استسقائه: "اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة". إلا أن هذه الحكمة حق لا مرية فيها، وتواترت نصوص الكتاب والسنة في الدلالة عليها، فكل عقوبات الله -تعالى- العامة للأمم المذكورة في كتاب الله -تعالى- كانت بسبب الكفر والمعاصي، وفي ذلك يقول الله -تعالى-:"كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ" [آل عمران:١١] ، وقال -تعالى-:"أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ" [الأنعام:٦] ، وقال -تعالى-:"أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ" [الأعراف:١٠٠] ، وبين الله -تعالى- أثر الإيمان والتقوى والاستغفار في حصول الخير لأهل الأرض، فقال -تعالى-:"وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" [لأعراف:٩٦] ، وفي دعوة نوح ﵇ يقول -تعالى-:"فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً" [نوح: ١٠- ١٢] ، وقال -تعالى-: "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ" [الطلاق: ٢ - ٣] . إلى غير ذلك من آيات كثيرة جداً، وفي الصحيحين (صحيح البخاري رقم (٧٥٠٧) ، وصحيح مسلم (٢٧٥٨) ، في الحديث القدسي، أن الله -تعالى- يقول:"أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب ... ". وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ... " أخرجه ابن ماجة (رقم ٩٠، ٤٠٢٢) ، وابن حبان في صحيحه (٨٧٢) ، والحاكم وصححه (١/٤٩٣) قال البوصيري في (مصباح الزجاجة رقم ٣٣) :"سألت شيخنا أبا الفضل العراقي ﵀ عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن". وهو كما قال العراقي، فأقل أحواله الحسن. وفي حديث بعض أصحاب النبي ﷺ أنه قال: "لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم" أخرجه الإمام أحمد (٤/٢٦٠) (٥/٢٩٣) وأبو داود رقم (٤٣٤٧) بإسناد صحيح، وفي تفسير قوله ﷺ :"حتى يعذروا" قال أبو عبيد في غريب الحديث (١/١٣١) يقول:"حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم". وعن جبير بن نفير ﵁ قال: لما فتحت مدائن قبرس وقع الناس يقتسمون السبي ويفرقون بينهم ويبكي بعضهم على بعض فتنحى أبو الدرداء ثم احتبى بخمائل سيفه، فجعل يبكي فأتيته، فقلت: ما يبكيك يا أبا الدرداء؟! أتبكي في يوم أعزَّ الله فيه الإسلام وأهله وأذل فيه الكفر وأهله؟!! فضرب على منكبيه، ثم قال: ثكلتك أمُّك يا جبير ابن نفير!! ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره!!! بينما هي أمّةُ قاهرة ظاهرة على الناس، لهم الملك، حتى تركوا أمر الله، فصاروا إلى ما ترى، وإنه إذا سلط السباء على قوم فقد خرجوا من عين الله، وليست لله بهم حاجة" أخرجه الإمام أحمد في (الزهد رقم ٧٦٢) ، وسعيد بن منصور في سننه - واللفظ له - (٢/٢٩٠ - ٢٩١ رقم ٢٦٦٠) ، وابن أبي الدنيا في (العقوبات رقم ٢) بإسناد صحيح. أسأل الله -تعالى- أن يوفقنا لما رضيه، وأن يجعل أعمالنا خالصة له، والله أعلم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

стр. 426

صحة حديث: "العنوهن فإنهن ملعونات " المجيب د. محمد بن تركي التركي عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ١٧/٨/١٤٢٤هـ السؤال الحديث الشهير الذي أوله: صنفان من أهل النار لم أرهما، هل وردت في آخره عبارة "العنوهن فإنهن ملعونات"؟ وما المقصود بها؟ ولماذا لم يأمرنا النبي ﷺ بالدعاء لهم بالرحمة والهداية؟ الجواب الحديث المشهور: "صنفان من أمتي.." حديث صحيح أخرجه مسلم وابن حبان وغيرهما من رواية أبي هريرة ﵁. ولكن لم يرد فيه لفظ "العنوهن" الحديث. وهذه اللفظة وردت في حديث آخر عند أحمد (٢/٢٢٣) وابن حبان برقم (٥٧٠٣) ، والحاكم (٤/٤٣٦) ، والطبراني في الصغير (١١٢٥) ، من رواية عبد الله بن عمرو ﵄. ولكن في إسنادهم جميعاً عبد الله بن عباس القتيباني وهو ضعيف، وعليه فلا تثبت هذه اللفظة، إضافة إلى معارضتها للأحاديث الكثيرة التي نهت عن لعن المسلم. والله أعلم.

стр. 427

" استفت قلبك وإن أفتوك " المجيب د. أنيس بن أحمد طاهر عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٧/٥/١٤٢٤هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أسأل عن عبارة (استفت قلبك وإن أفتوك) (١) هل من حديث صحيح ورد عن الرسول ﷺ أم لا؟. (٢) هل المقصود بهذه العبارة أنني إذا كنت أعتقد أن هذا الأمر حلال وأفتاني أهل العلم بحرمته فإنني أترك فتوى أهل العلم، وأعمل بما أشعر به بقلبي؟. (٣) نرجو إيضاح معنى هذا الحديث إذا كان صحيحا والمقصود به؟ جزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الجواب هذا الحديث أخرجه أحمد (١٨٠٠٦) ، والدارمي (٢٥٧٥) ، وغيرهما، من حديث وابصة بن معبد ﵁ وحسنه النووي وغيره. وهناك حديث صحيح آخر وهو: "البر هو ما اطمأن إليه القلب وسكنت إليه النفس، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس"، وهو يحمل المعنى نفسه، والمراد به أن القلب يطمئن بعد معرفة حكم القرآن والسنة في هذا الأمر، فإذا كان حلالاً وكان مما يرضي الله ﵎ فإن النفس المؤمنة تطمئن إلى هذا، وأما إذا كان فيه حرام أو كانت فيه شبهة فغالباً ما يقع عدم السكينة في الأمور المشتبهة، فالرسول ﷺ يقول: "البر ما اطمأن إليه القلب"، والغالب أن البر يطمئن إليه القلب، والبر أول ما يدخل فيه ما أحله الله ﵎ في كتابه وأباحه النبي ﷺ في سنته، وأما الإثم أو المشتبه الذي يشتبه على الإنسان تحليله أو تحريمه فهذا يقع في النفس منه ما يقع من الاضطراب وعدم السكينة وعدم الطمأنينة، وهذا هو المراد بالاستفتاء للقلب، ليس بمعنى ما يدعيه ويعتقده بعض من انحرفت عقيدتهم عن أهل السنة والجماعة من أن الإنسان لا يعلم حلالاً ولا حراماً ولا سنة ولا بدعة، ولكن يترك لقلبه العنان باختيار ما يختاره وفي محبة ما يحب وفي كراهة ما يكره، هذا يؤدي إلى ضلال مبين، وهو ما يقع فيه بعض طوائف الصوفية هداهم الله، من قولهم: حدثني قلبي عن ربي، وما شابه ذلك، ولكن الحديث يدل على أن قلب المؤمن كما يقال دليله، ولكن بالإيمان والتوحيد والعلم، وإنما العلم بالتعلم.

стр. 428

صحة حديث: "من مات يوم الجمعة ... " المجيب د. سعد بن عبد الله الحميد أستاذ الدراسات العليا بجامعة الملك سعود التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ١٥/١/١٤٢٥هـ السؤال ما صحة حديث أن من مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة وقاه الله عذاب القبر؟ الجواب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فهذا تخريج لحديث: "ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر"، وبيان لدرجته التي خلاصتها: أنه حديث ضعيف، لا يصح من طريق، ولا يتقوى بمجموع طرقه، وهذا ظاهر صنيع البخاري ﵀؛ حين ترجم في كتاب الجنائز من "صحيحه" (٣/٢٥٣- الفتح) بقوله: (باب موت يوم الإثنين) ، ثم أخرج برقم (١٣٨٧) حديث موت أبي بكر ﵁، فقال: حدثنا مُعَلّى بن أسد؛ قال: حدثنا وُهَيْب، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: دخلت على أبي بكر ﵁، فقال: في كم كَفّنْتم النبي ﷺ ؟ قالت: في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سَحولِيّة، ليس فيها قميص ولا عمامة. وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله ﷺ ؟ قالت: يوم الإثنين، قال: فأي يوم هذا؟ قالت: يوم الإثنين، قال: أرجو فيما بيني وبين الليل، فنظر إلى ثوب عليه كان يمرّض فيه به رَدْعٌ من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين فكفِّنوني فيها. قلت: إن هذا خَلِق، قال: إن الحيّ أحقّ بالجديد من الميت، إنما هو للمُهْلَة. فلم يُتَوَفّ حتى أمسى من ليلة الثلاثاء، ودُفِن قبل أن يصبح. قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري ٣/٢٥٣) : قوله: "باب موت يوم الإثنين": قال الزين ابن المنيِّر: تعيين وقت الموت ليس لأحد فيه اختيار، لكن في التسبب في حصوله مدخل؛ كالرغبة إلى الله لقصد التبرك، فمن لم تحصل له الإجابة أثيب على اعتقاده. وكأن الخبر الذي ورد في فضل الموت يوم الجمعة لم يصح عند البخاري، فاقتصر على ما وافق شرطه، وأشار إلى ترجيحه على غيره. والحديث الذي أشار إليه [يعني: ابن الْمُنَيِّر] أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو- ﵄ مرفوعًا: "ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر"، وفي إسناده ضعف، وأخرجه أبو يعلى من حديث أنس ﵁ نحوه وإسناده أضعف. اهـ. وقال العيني في "عمدة القاري" (٨ / ٢١٨) : أي: هذا باب في بيان فضل الموت يوم الإثنين. فإن قلت: ليس لأحد اختيار في تعيين وقت الموت، فما وجه هذا؟ قلت: له مدخل في التسبب في حصوله؛ بأن يرغب إلى الله لقصد التبرك، فإن أجيب فخير حصل، وإلا يثاب على اعتقاده. اهـ. وقال عن مناسبة الحديث للترجمة: (مطابقته للترجمة: من حيث إن النبي ﷺ كانت وفاته يوم الإثنين، فمن مات يوم الإثنين يرجى له الخير لموافقة يوم وفاته يوم وفاة النبي ﷺ ، فظهرت له مزيّة على غيره من الأيام بهذا الاعتبار ... ) ، ثم ذكر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ الذي ذكره ابن حجر، ثم قال: (فلذلك لم يذكره البخاري فاقتصر على ما وافق شرطه) . وحديث فضل الموت يوم الجمعة هذا ورد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس، وجابر ﵁. أما حديث عبد الله بن عمرو: فأخرجه الإمام أحمد في (المسند ٢/١٦٩) ، والترمذي في "الجامع" (١٠٧٤) والطحاوي في (شرح مشكل الآثار ص٢٧٧) ، وابن منده في "تعزية المسلم ص١٠٨) من طريق هشام بن سعد، عن سعيد ابن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر". وأخرجه عبد الرزاق في (المصنف ٥٥٩٦) عن ابن جريج، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: "برئ من فتنة القبر". وابن جريج معروف بالتدليس، ولم يصرح هنا بالسماع. قال الترمذي: (هذا حديث غريب) ؛ يعني أنه ضعيف، يوضحه قوله بعد ذلك: (وهذا حديث ليس إسناده بمتصل؛ ربيعة بن سيف إنما يروي عن أبي عبد الرحمن الْحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو-﵄، ولا نعرف لربيعة بن سيف سماعًا من عبد الله بن عمرو- ﵄) . وقد خولف هشام بن سعد في هذا الإسناد، فرواه الليث بن سعد، واختلف عليه. فأخرجه الطحاوي في (شرح المشكل ص ٢٧٩) من طريق يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن الليث، عن ربيعة بن سيف: أن عبد الرحمن بن قحزم أخبره: أن ابنًا لفياض بن عقبة توفي يوم جمعة، فاشتد وجده عليه، فقال له رجل من أهل الصدق: يا أبا يحيى، ألا أبشرك بشيء سمعته من عبد الله بن عمرو- ﵄ سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول ... ، فذكره. ثم أخرجه الطحاوي (٢٨٠) فقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم؛ حدثنا أبي وشعيب بن الليث، عن الليث؛ حدثنا خالد _ يعني ابن يزيد _، عن ابن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف: أن عبد الرحمن بن قحزم أخبره: أن ابنًا لفياض بن عقبة، ثم ذكر مثله سواء. وأخرجه البيهقي في "إثبات عذاب القبر ص ١٥٥) من طريق يعقوب بن سفيان عن أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث وأبي بكر _ غير منسوب _، كلاهما عن الليث بمثل رواية ابن عبد الحكم. وكان الطحاوي أعلّ الحديث أوّلاً (١/ ٢٥٠) بمثل إعلال الترمذي، ثم قال: عن هذا الإسناد: (وزاد [يعني ابن عبد الحكم] على يونس في إسناده إدخاله بين الليث وبين ربيعة بن سيف: خالد بن يزيد وسعيد ابن أبي هلال، وهو أشبه عندنا بالصواب _ والله أعلم _، فوقفنا بذلك على فساد إسناد هذا الحديث، وأنه لا يجوز لمثله إخراج شيء مما يوجب حديث عائشة ﵂ دخوله فيه) . وحديث عائشة ﵂ الذي ذكره الطحاوي هو الحديث الأصل الذي أورده في أول الباب، وهو قوله ﷺ : "إن للقبر لضغطة، لو كان أحد ناجيًا منها؛ نجا سعد بن معاذ"، ولأجله ضعّف حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الذي فيه: "وقاه الله فتنة القبر". ومع ما تقدم من العلل: فإن ربيعة وإن كان صدوقًا، فإنه ضعيف من قبل حفظه، فقد قال عنه البخاري في (التاريخ الكبير ٣/٢٩٠) : ((عنده مناكير)) ، وقال في (الأوسط) (١٤٦٤) : ((وروى ربيعة بن سيف المعافري الإسكندراني أحاديث لا يتابع عليه)) ، وقال النسائي في رواية: ((ليس به بأس)) ، وقال في أخرى: ((ضعيف)) ، وقال الدارقطني في (سؤالات البرقاني ص ١٥٣) : ((صالح)) ، وذكره ابن حبان في (الثقات ٦/٣٠١) ، وقال: ((يخطئ كثيرًا)) ، وقال ابن يونس: ((في حديثه مناكير)) ، وقال العجلي في (تاريخه) (٤٦٣) : ((ثقة)) . انظر (تهذيب التهذيب ص٣/ ٢٢١) . وقد عدّ الذهبي هذا الحديث من مناكير هشام بن سعد، حين قال في (الميزان ٧/٨١) : (ومن مناكيره ما ساق الترمذي له عن سعيد بن أبي هلال عن ربيعة بن سيف ... ) ، ثم ذكر هذا الحديث. وله طريق آخر عن عبد الله بن عمرو-﵄: أخرجه الإمام أحمد (٢/١٧٦و٢٢٠ رقم ٦٦٤٦ و٧٠٥٠) ، وعبد بن حميد (٣٢٣) والطبراني في (الأوسط، ٣١٠٧) ، والدارقطني في "الغرائب والأفراد" كما في (أطرافه، ٣٥٨٥) ، وابن منده في (تعزية المسلم ص ١٠٦ و ١٠٧) ، والبيهقي في (إثبات عذاب القبر، ص ١٥٦) من طريق معاوية بن سعيد التجيبي، عن أبي قَبيل، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄-قال قال رسول الله ﷺ : "من مات في يوم الجمعة _ أو ليلة الجمعة _ وُقي فتنة القبر". قال الدارقطني: (تفرد به معاوية بن سعيد، عن أبي قبيل) . وسنده ضعيف؛ فيه معاوية بن سعيد التجيبي ولم يوثق من إمام معتبر، وإنما ذكره البخاري في (تاريخه ٧ / ٣٣٤ رقم ١٤٤١) ، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٨/٣٨٤ رقم ١٧٥٥) ، وسكتا عنه، وذكره ابن حبان في (الثقات ٩/١٦٦) وقال: (من أهل مصر يروي المقاطيع) ، ولذا قال عنه ابن حجر في (التقريب ٦٧٥٧) : (مقبول) . وروي موقوفًا على عبد الله بن عمرو ﵄: أخرجه البيهقي في "إثبات عذاب القبر ص ١٥٧) من طريق ابن وهب؛ أخبرني ابن لهيعة، عن سنان بن عبد الرحمن الصدفي: أن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ كان يقول: من توفي يوم الجمعة _ أو ليلة الجمعة _ وُقي الفتان. وأما حديث أنس بن مالك ﵁: فأخرجه أبو يعلى (٤١١٣) _ ومن طريقه ابن عدي في "الكامل ص ٧/ ٩٢) _ من طريق عبد الله بن جعفر، عن واقد بن سلامة، عن يزيد بن أبان الرقاشي، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات يوم الجمعة وقي عذاب القبر". وسنده ضعيف جدًّا؛ فيه يزيد بن أبان الرقاشي ضعيف كما في "التقريب ص ٧٦٨٣) . والراوي عنه واقد _ ويقال: وافد (بالفاء) _ ابن سلامة وهو ضعيف أيضًا. انظر لسان الميزان ٦/٢١٥ رقم ٧٥٤) . والراوي عنه عبد الله بن جعفر يظهر أنه والد علي بن المديني، وهو ضعيف أيضًا كما في "التقريب ٣٢٥٥) . وله طريق أخرى أخرجها ابن منده في "تعزية المسلم ١٠٩) من طريق الحسين ابن علوان، عن أبان بن أبي عياش، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينجو من ضغطة القبر إلا شهيد أو مصلوب أو من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة". لكنها متابعة أوهى من سابقتها، فالحسين بن علوان كذاب يضع الحديث كما في (الكامل) لابن عدي (٢/٣٥٩) . وأبان ابن أبي عياش متروك كما في "التقريب ص ١٤٢) . وأما حديث جابر ﵁: فأخرجه أبو نعيم في "الحلية ٣/١٥٥) من طريق عمر بن موسى بن الوجيه، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة أجير من عذاب القبر، وجاء يوم القيامة عليه طابع الشهداء". وفي سنده عمر بن موسى بن وجيه وهو يضع الحديث أيضًا. انظر "لسان الميزان ٤/٣٣٢_٣٣٣) . وللحديث طرق أخرى مراسيل وفيها مجاهيل، لا يعتضد بشيء منها، والله أعلم.

стр. 429

الصيام في شدة الحر المجيب د. يوسف بن أحمد القاسم عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٩/٩/١٤٢٤هـ السؤال أريد صيام يوم الاثنين القادم وهو حسب التقويم الموجود لدي أطول نهاراً في هذه السنة. وقد قرأت أنّه من صام في يوم طويل شديد الحرارة إيمانا واحتسابا لوجه الله الكريم وقاه الله تعالى حر الموقف يوم القيامة، وأظله وسقاه بصيامه هذا اليوم الحار، وأدخله جنته برحمته. سؤالي: (١) كيف يكون العمل إيماناً واحتساباً؟ (٢) هل ما قرأت عنه وارد عن الرسول الكريم ﷺ أم أنه تقوّل عنه؟ (٣) إذا كان صحيحاً فكيف تكون نية الصيام لأكون قد صمت إيمانا واحتسابا؟. ولكم جزيل الشكر وأرجو لكم دوام التقدم والنجاح. الجواب الحمد لله وحده، وبعد: أقول: أما بالنسبة للحديث المشار إليه في السؤال، فلم أعثر عليه في كتب السنة بهذا اللفظ، ولا بهذا المعنى، وإنما جاء بنحوه بسند ضعيف - في مستدرك الحاكم (٣/٥٣٠) من طريق عبد الله بن المؤمل عن عطاء عن ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ استعمل أبا موسى على سرية البحر، فبينما هي تجري بهم في البحر في الليل، إذ ناداهم مناد من فوقهم: ألا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه، أنه من يعطش لله في يوم صائف، فإن حقاً على الله أن يسقيه يوم العطش الأكبر" ثم قال الحاكم في المستدرك (٣/٥٣٠) : "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه" أهـ فتعقبه الإمام الذهبي في التخليص، وقال: "إن المؤمل ضعيف" أ. هـ وهو كما قال، ولا سيما فيما انفرد به كما قاله ابن حبان في المجروحين (٢/٢٧-٢٨) ، وعبارته: "عبد الله بن المؤمل المخزومي شيخ من أهل مكة كان قليل الحديث، منكر الرواية، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد ... "أهـ ثم ذكر من رواياته هذا الحديث، وقال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب (ص: ٣٨٤) : "ضعيف الحديث " كما في ترجمته برقم (٣٦٤٨) . ومع هذا، فقد ذكر المنذري في الترغيب والترهيب (٢/٥١) هذا الحديث من رواية البزار عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً بدون إسناد، ثم قال: "رواه البزار بإسناد حسن - إن شاء الله - ورواه ابن أبي الدنيا من حديث لقيط عن أبي بردة عن أبي موسى ﵁ بنحوه، إلا أنه قال فيه: "قال: إن الله تعالى قضى على نفسه أنه من عطش نفسه لله في يوم حار، كان حقاً على الله أن يرويه يوم القيامة، قال: وكان أبو موسى- ﵁ يتوخى اليوم الشديد الحر، الذي يكاد الإنسان أن ينسلخ فيه حراً، فيصومه" أ. هـ. وقد علق الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/١٨٣) على رواية البزار بقوله: "رواه البزار، ورجاله موثوقون" أهـ ولم أعثر على هذا الحديث في مسند البزار المطبوع، للنظر في إسناده، وبكل حال، فالأحاديث الصحيحة الواردة في فضل الصيام كثيرة، ومنها قول نبينا ﷺ "من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً" أخرجه البخاري (٢٨٤٠) ، ومسلم (١١٥٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وفي صحيح البخاري (٢/٦٧١) ومسلم (٢/٨٠٨) عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم...." الحديث، قال العيني في عمدة القاري (١٠/٢٦٢) في معرض تفسيره للفظ (الريان) ما نصه: " ... مشتق من الري الكثير، الذي هو ضد العطش وسمي بذلك: لأنه جزاء الصائمين على عطشهم وجوعهم، واكتفى بذكر الري عن الشبع لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه، وأفرد لهم هذا الباب إكراماً لهم، واختصاصاً؛ وليكون دخولهم الجنة غير متزاحمين، فإن الزحام قد يؤدي إلى العطش" أهـ. وهذا بالنسبة للحديث المشار إليه وما يتعلق به من أحاديث، وبهذا يتبين أن اللفظ المذكور " ... إيماناً واحتساباً ... لا وجود له في ذلك الحديث، فيما وقفت عليه. وقد جاء هذا اللفظ في أحاديث أخرى صحيحة، ومنها ما أخرجه البخاري (٢/٦٧٢) ومسلم (١/٥٢٣) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ... " الحديث. ومعنى قوله: "إيماناً واحتساباً" أي: تصديقاً بوعد الله بالثواب عليه، وطلباً للأجر لا لقصد آخر من رياء أو نحوه كما أشار إلى هذا المعنى الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٤/٢٥١) وبهذا يعلم أن نية الصيام تكون بالقلب، وذلك بأن يكون قصده من الصيام التقرب إلى الله سبحانه بهذا العمل الصالح، وهو الصيام لأجل كسب رضا الله سبحانه وما يترتب عليه من ثواب في الآخرة، والله أعلم.

стр. 430

أحاديث المهدي المجيب سليمان بن عبد الله القصير عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ١٣/٣/١٤٢٥هـ السؤال سؤالي عن المهدي المنتظر، هل أحاديث المهدي ضعيفة كلها أم صحيحة كلها؟ أم يوجد هناك الضعيف والصحيح؟ وإن كان هناك أحاديث صحيحة في المهدي فهلا سمحتم بإيرادها، وإن كانت كل أحاديثه ضعيفة فهل نستنتج من ذلك أن أمر المهدي هو من المظنونات؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب ورد في المهدي أحاديث كثيرة، منها ما هو مرفوع إلى النبي ﷺ ، ومنها ما هو موقوف على الصحابة ﵃، وقد ذكر جماعة من أهل العلم أن أحاديث المهدي بلغت حد التواتر المعنوي (انظر: الإشاعة لأشراط الساعة للبرزخي صـ (٨٧) ولوامع الأنظار البهية (٢/٨٤) للسفاريني، والإذاعة للقنوجي صـ (١١٢) . قال الشوكاني:"الأحاديث في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثاً، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي لها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك". (الإذاعة للقنوجي صـ (١١٣) نقلاً عن كتاب الشوكاني (التوضيح) . ومن الأحاديث الصحيحة ما يلي: ١. عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:"يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطى المال صحاحاً، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعاً أو ثماني (يعني حججاً) -يعني: سبع أو ثمان سنين-". أخرجه الحاكم (٤/٥٥٧) بهذا اللفظ وقال: صحيح، وأخرجه أبو داود (٤٢٨٤) ، وأحمد (٣/٣٧) بنحوه، قال ابن القيم على سند أبي داود: إسناده جيد. وقال الألباني في (السلسلة الصحيحة ٢/٣٣٦) : سنده صحيح. ٢. وعن علي قال: قال رسول الله ﷺ :"المهدي منا -أهل البيت- يصلحه الله في ليلة" أخرجه أحمد (٢/٥٨) ، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وأخرجه ابن ماجه (١٣٦٧) . ٣. وعن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول:"المهدي من عترتي من ولد فاطمة" أخرجه أبو داود (٤٢٨٣) وابن ماجة (١٣٦٨) ، وقال الألباني في صحيح الجامع (٦٦١٠) : صحيح. ٤. وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجل مني أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي" وفي رواية:"يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً". أخرجه أبو داود في باب ذكر المهدي (٤٢٨١) ، وقال الألباني: صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير (٥١٨٠) . ٥. وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ :"يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثياً لا يعده عدا " قال الجريري -أحد رواة الحديث-: قلت لأبي نصرة وأبو العلاء: أتريان أنه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: "لا" أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة من صحيحه (١٨/٣٨ مع شرح النووي) . وهذا الحديث وإن لم يصرح بأن هذا الخليفة هو المهدي إلا أن أكثر العلماء ذكروا أن المراد به المهدي كما جاء في روايات وأحاديث أخرى أنه في زمن المهدي يكثر المال ... إلخ. هذه هي أشهر الأحاديث الصحيحة في هذا الباب وهناك أخرى لكنها أقل منها في الصحة، وكل من ألف في أشراط الساعة فإنه يذكرها ويستدل بها. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 431

هل تفسير ابن عباس لهذه (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ) من باب التأويل ؟ المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٢٨/٠٩/١٤٢٥هـ السؤال ما صحة نسبة هذه الآثار إلى ابن عباس، ﵄: ١- في قول الله تعالى: (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ) [الذاريات:٤٧] . قال: أي بقوة عظيمة. (رواه الطبري وذكره سفيان الثوري وقتادة) . ٢- في قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [النور:٣٥] . أولها ابن عباس بالهادي الذي يخلق الهداية. (رواه الطبري) . ٣- في قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ) [القلم:٤٢] . أولها ابن عباس، ﵄، باشتداد الأمور في يوم القيامة؟ الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد: هذه الآثار الثلاثة مما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ﵄، ومن المعلوم أن علي بن أبي طلحة له نسخة مشتملة على تفسير ابن عباس، ﵄، وقد أثنى عليها العلماء؛ لأنها من أجود الطرق وأصحها عن ابن عباس، ﵄، قال الإمام أحمد: بمصر صحيفة في التفسير، رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدًا، ما كان كثيرًا. وقال الحافظ ابن حجر: وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث، رواها عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ﵄، وهي عند البخاري عن أبي صالح، وقد اعتمد عليها في صحيحه كثيرًا فيما يعلقه عن ابن عباس. وقال الحافظ السيوطي: وقد ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة، وفيه روايات وطرق مختلفة، فمن جيدها طريق علي بن أبي طلحة عنه. وتنظر هذه الآثار في صحيفة علي بن أبي طلحة التي جمعها بعض الباحثين (ص: ٣٧٥، ٤٦٦، ٤٩٦) ، وليس ما جاء عن ابن عباس من باب التأويل، بل فهم منها ابن عباس، ﵄، أنها ليست نصًّا في الصفات، إذ لا يعرف عن الصحابة، ﵃، تأويل شيء من نصوص الصفات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة، ﵃، اختلاف في تأويلها، وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، ﵃، وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة، ﵃، أنه تأوَّل شيئًا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف.... وتمام هذا أنى لم أجدهم تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ) . فروى عن ابن عباس، ﵄، وطائفة أن المراد به الشدة، أن الله يكشف عن الشدة في الآخرة، وعن أبى سعيد وطائفة أنهم عدوها في الصفات؛ للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين، ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات فإنه قال: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ) . نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله ولم يقل عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل، إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف. ينظر: مجموع الفتاوى (٦/٣٩٤) . وقال أيضًا: ثم قول من قال من السلف: هادي أهل السموات والأرض. لا يمنع أن يكون في نفسه نورًا، فإن من عادة السلف في تفسيرهم أن يذكروا بعض صفات المُفسَّر من الأسماء أو بعض أنواعه، ولا ينافى ذلك ثبوت بقية الصفات للمسمَّى بل قد يكونان متلازمين ولا دخول لبقية الأنواع فيه..... فقول من قال: (نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) : هادى أهل السماوات والأرض. كلام صحيح، فإن من معاني كونه نور السماوات والأرض أن يكون هاديًا لهم، أما أنهم نفوا ما سوى ذلك فهذا غير معلوم، وأما أنهم أرادوا ذلك فقد ثبت عن ابن مسعود أنه قال: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور السماوات من نور وجهه. وقد تقدم عن النبي ﷺ من ذكر نور وجهه، وفى رواية (النور) ما فيه كفاية. ينظر: مجموع الفتاوى (٦/٣٩٠) . والحاصل أن بعض الآيات والأحاديث يفهم من سياقها والقرائن المحتفة بها أنها ليست نصًّا في الصفات، فتفسر بما يفهم من المقصود بها مثل قوله تعالى: (فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) [البقرة:١١٥] . ومثل قوله تعالى: (أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ) [الزمر:٥٦] . وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) [يس:٧١] . قال الحافظ ابن رجب- معلقًا على قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا) : وليس المراد هنا الصفة الذاتية- بغير إشكال- وإلا استوى خلق الأنعام وخلق آدم ﵇. فتح الباري لابن رجب (١/٧) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها: القطع بالطريقة الثابتة كالآيات والأحاديث الدالة على أن الله فوق عرشه، ويعلم طريقة الصواب في هذا وأمثاله، بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك؛ دلالة لا تحتمل النقيض، وفى بعضها قد يغلب على الظن ذلك مع احتمال النقيض، وتردد المؤمن في ذلك هو بحسب ما يؤتاه من العلم والإيمان، (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [النور:٤٠] . ينظر: مجموع الفتاوى (٥/١١٧) . هذا والله أعلم.

стр. 432

صحة أثر ابن عباس في الحكم المجيب عمر بن عبد الله المقبل عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٢/٣/١٤٢٤هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ما صحة الأثر المنسوب إلى ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى في سورة المائدة "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ"؛ أنه قال: "كفر دون كفر". وهل الأثر الضعيف إذا اجتمعت له شواهد ومتابعات ضعيفة أخرى تقويه؟ أفيدونا أثابكم الله. الجواب الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: أما الأثر المنسوب إلى ابن عباس ﵄، فهو مشهور عنه، وله عن ابن عباس طرق كثيرة، بعضها ضعيف، وبعضها قوي، وأقواها ما رواه الإمام محمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" ٢/٥٢١ رقم (٥٧٠،٥٧١) ، وابن جرير الطبري ٦/٢٥٦ من طريق ابن طاووس، عن أبيه عن ابن عباس ﵄ وسنده صحيح، ومما يؤيد ثبوته عن ابن عباس، شهرته عن أصحابه كعطاء، وطاووس، كما نقل ذلك ابن نصر، وابن جرير. ولكن لهذا الأثر فقه ونظر وتوضيح، وهو مبسوط في مواضعه، ومنها: رسالة تحكيم القوانين، للشيخ محمد بن إبراهيم ﵀[نشرته دار الوطن وغيرها] ، وكتاب الشيخ د. عبد الرحمن المحمود: الحكم بغير ما أنزل الله، أحواله وأحكامه (نشرته دار طيبة) ، وكذلك كتاب: نواقض الإيمان القولية والعملية، للشيخ د. عبد العزيز العبد اللطيف (نشرته دار الوطن) .

стр. 433

بول الكلاب في مسجد الرسول المجيب سامي بن عبد العزيز الماجد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ١٧/٢/١٤٢٤هـ السؤال ورد حديث كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله ﷺ ، وما كانوا يرشون عليها شيئا، ً فما صحة هذا الحديث؟ وهل يدل على أن بول الكلاب طاهر؟ وما الجمع بينه وبين حديث إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب؟ الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: هذا الحديث صحيح، أخرجه البخاري معلَّقاً بصيغة الجزم (١٧٤) ، ووصله أبو داود في سننه (٣٨٢) ، والبيهقي في السنن الكبرى (١/٢٤٢) ، وصححه البيهقي والنووي كما في المجموع (٢/٥٨٥) . وظاهره يدل على طهارة بول الكلاب، ولكن أجيب عن الاستدلال به لذلك بعدة أجوبة: الجواب الأول: إن ذلك كان أول الأمر؛ إذ جاء في رواية أبي داود قول ابن عمر ﵄ وهو راوي الحديث ـ: كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله ﷺ ، وكنت فتىً عَزِباً، وكانت الكلاب تبول...... الحديث. ثم ورد الأمر بتكريم المساجد، وتطهيرها، وجعل الأبواب عليها. (وهذا أحسن جوابٍ وأقواه، وهو ما ارتضاه ابن حجر من الأجوبة على الاستدلال بهذا الحديث) . الجواب الثاني: المراد أنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها، ثم تقبل وتدبر في المسجد، إذ لم يكن عليه في ذلك الوقت غلق، ويبعد أن تترك الكلاب تنتاب المسجد حتى تمتهنه بالبول فيه. الجواب الثالث: إنهم لم يكونوا يرشّون شيئاً من المسجد؛ لأن مكان بول الكلاب خفي عليهم، لكن من علمه وجب عليه غسله. وعلى كل حالٍ فلا يسوغ ترك حديث الولوغ الشهير الصحيح الصريح لمثل هذا الحديث المحتمل، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 434

وصية النبي ﷺ بأهل بيته المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ١٦/٢/١٤٢٥هـ السؤال وردت علينا هذه الشبهة من رافضي وحيث إنها تحتاج إلى متخصص في علم الحديث فأرجو التكرم بالإجابة عنها من متخصص. يقول الرافضي:" عندما يقول الشيعة بأن رسول الله -صلى الله عليه وآله- أوصى الأمة بالتمسك بعترته مع القرآن يصر البعض دون خجل وخشية لله تعالى أن يحرف الحقائق، ويصر على الكذب والتشويه، ويتمسك بخبر غير صحيح موضوع على لسان رسول الله ﵌ وهو: "إني تارك لكم كتاب الله وسنتي" وما ذلك إلا محاربة لله تعالى، ولرسوله ﵊، ولأهل بيت رسوله الأطهار. ولنناقش تلك الكذبة المفضوحة: أي سنة تركها رسول الله - صلى الله عليه وآله - بعد وفاته؟ هل كانت سنته مكتوبة مدونة حتى يتسنى للمسلمين التمسك بها، لاسيما وأن كتابة الحديث كان منهيا عنها حتى سنيين طويلة بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وآله-، وكان لعمر بن الخطاب مقولة شهيرة يمنع فيها تدوين السنة حتى لا تختلط بالقرآن. أسأل الجميع سؤالاً واضحاً ومحدداً: هل ورد هذا الحديث الموضوع في واحد من الكتب الستة المشهورة عندكم؟ * ففي (الموطأ) جاء فيه ما نصه:"وحدّثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله -صلى الله عليه [وآله] وسلم- قال: تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنة نبيه" (١) . (الموطأ ٢: ٨٩٩ حديث ٣) . وها أنت ترى بأن الحديث لا سند له: وقد قال السيوطي بشرحه: «وصله ابن عبد البر من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده» (تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك ٣: ٩٣) وقال الحاكم: حدث عن أبيه عن جده نسخة فيها مناكير. *وأما في المستدرك فقد أخرجه من طريق ابن أبي أويس عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، ثم قال: "وقد وجدت له شاهداً من حديث أبي هريرة" فأخرجه عنه من طريق صالح بن موسى الطلحي (المستدرك على الصحيحين ١: ٩٣) . هكذا رأيتم أيها الإخوة حال هذا الحديث الموضوع، والذي وضع قبالة الحديث الصحيح الوارد عن رسول الله -صلى الله عليه وآله-، وهو:"ألا أيها الناس إنَّما أنا بشر يوشك أنْ يأتي رسول ربي فأُجيب، وأنا تارك فيكم الثقلين: أوَّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور، وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي". وفي لفظ آخر: إنِّي تارك فيكم ما إنْ تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما. (انظر: سنن الترمذي ٥: ٦٦٢ و ٦٦٣ صحيح مسلم ٤: ١٨٧٣, ٢٤٠٨ مسند أحمد ٣: ١٧ و٥: ١٨١، مستدرك الحاكم ٣: ١٠٩، أُسد الغابة ٢: ١٢، السيرة الحلبية ٣: ٣٣٦، مجمع الزوائد ٩: ١٦٣ الصواعق المحرقة: ٢٣٠) وهو حديث تواتر نقله عن الصحابة والتابعين، حتى إن ابن حجر المكي مثلاً قال: «إنّ لحديث التمسّك بذلك طرقاً كثيرةً وردت عن نيف وعشرين صحابّياً". رغم أن التتبع يظهر بأنها بلغت نيفاً وثلاثين صحابيًّا، ولكن لا يهم. انتهى كلام الرافضي. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واتقى حدّه. أما بعد: فجواباً على السؤال أقول وبالله التوفيق: إن الحديث المذكور أورده الإمام مالك في الموطأ بلاغاً (معلقاً) غير متصل، رقم (٢٦١٨) ، ووصله بعض أهل العلم من طرق لا تصح، وليس في طرقه ما يُقوي بعضها، هذا ما يترجح لديّ وإن كان من أهل العلم من صحح أو قبل بعضها، بل منهم من اعتبره مستغنياً بشهرته عن الإسناد، كابن عبد البر في التمهيد (٢٤/٣٣١) . لكن لي مع كلام ذلك الرافضي وقفات، لن أستوعب فيها إلا أهم ضلالاته وتلبيساته: الأولى: اعتباره الحديث موضوعاً، هذا لا يُقبل منه ولا من غيره، بل الحديث ضعيف فقط، فبلاغات الإمام مالك، وإن كانت ضعيفة حتى نقف على إسنادها، فهي من أقوى المنقطعات. ومع ذلك: فمعنى الحديث ثابت بالكتاب وصحيح السنة، فالآيات الآمرة بطاعة النبي ﷺ والمحذرة من معصيته والحاثة على الاقتداء به والرجوع إلى سنته أكثر من أن تحصى، وكذلك أحاديث النبي ﷺ الثابتة عنه. الثانية: أن هذا الرافضي لبِس لباس المكتشف لأمر خفي على أهل السنة، وكأنه قد عرف ما لم يعرفوه! ألم يكفِه أن الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب أمهات كتب السنة عند أهل السنة كما ذكر هو، ليعلم أن أهل السنة كانوا أدرى بضعفه منه؟! ولئن صحح الحاكم (وكان فيه تشيع) بعض طرقه (١/٩٣) ، فإن الحاكم عند أهل السنة لا يُقلد في أحكامه ما دام قد بان لنا ما يدل على خلاف حكمه، مع إمامته، هذا ما نص عليه أهل السنة في كتب علوم الحديث. على أن ابن عدي، وهو من أئمة السنة، وقد توفي قبل هذا الرافضي بألف سنة (حيث توفي سنة ٣٦٥هـ) ، قد أورد إحدى طريقي الحديث عند الحاكم في كتابه (الكامل في معرفة ضعفاء المحدثين وعلل الحديث ٤/٦٩) ، مبيناً ضعف روايته ونكارة إسناده. ولئن خالف بعض أهل السنة في تضعيف هذا الحديث، فصححه، أو احتج به، فلم يكن ذلك منهم لأنهم يريدون رد حديث الوصية بالعترة!! بل هذه الدعوى هي الكذبة المفضوحة!!! فهذا الحاكم الذي صحح الحديث المسؤول عنه، قد صحح أيضاً حديث العترة (٣/١٠٩-١١٠) ، وهذا الإمام مسلم يخرج حديث العترة في صحيحه (رقم ٢٤٠٨) ، دون الحديث المسؤول عنه، وأخرج حديث العترة جماعة من أهل السنة وصححوه. فلماذا يدعي هذا الرافضي ما ليس له، ويتشبع بما لم يُعطَ؟! بل هذه بضاعتنا ردت إلينا، وهو دخيل فيها دعي عليها! وهذا يبين أن تصحيح من صحح الحديث المسؤول عنه أو احتجاجه به من أهل السنة لم يكن بقصد تضعيف ورد حديث الوصية بالعترة، كما ادعاه ذلك الرافضي، بل هو راجع إلى أحد سببين: الأول: اختلاف الاجتهاد، حيث إن في الحديث خلافاً -كما تقدم-، وهذا أمر غير مستنكر. الثاني: أنه ناشئ عن عدم اطلاع على علم الحديث عند بعض المحتجين به، ممن ليس تخصصه الحديث ولا علم له به من أتباع السنة، ومثل هذا يوجد في كل الملل والفرق. وإن كان الواجب -حينها- على هذا الذي لا علم عنده بالسنة من أهل السنة أن يسأل أهل العلم بها، كما فعل هذا السائل الذي طلب الإجابة لهذا الرافضي -وفقه الله تعالى-. الثالثة: أن هذا الرافضي قد اعتاد أن يلبس ثوبي زور!! فكما حاول أن يوهم أنه عرف ما لم يعرفه أهل السنة بالنسبة للحديث المسؤول عنه، فإنه أخذ يوهم نحو ذلك في حديث الوصية بالعترة، وكأنه هو وأمثاله من الرافضة أول من عرف صحته!!! فحديث العترة صححه وحسنه من أئمة السنة -كما سبق- عدد منهم، ومنهم الإمام مسلم (رقم ٢٤٠٨) ، والترمذي (رقم ٣٧٨٦-٣٧٨٨) ، وابن خزيمة (رقم ٢٣٥٧) ، والحاكم (٣/١٠٩-١١٠-١٤٨) وغيرهم. لكن الفرق بين أهل السنة والرافضة في حديث العترة، أن الرافضة يعتبرونه دليلاً على عصمة أهل بيت النبي ﷺ (وهو معتقد باطل يصادم الكتاب والسنة والإجماع) ، وأما أهل السنة فيعتبرونه دليلاً على حق آل بيت النبي ﷺ بالإكرام والمحبة والتقدير واحتمال الخطأ منهم والعفو عن إساءتهم وعلى عدم إهانتهم أو إيذائهم أو إنكار حقوقهم، حيث إن أصح ألفاظ حديث العترة، وهو لفظ صحيح مسلم (٨٤٠٨) ، ليس فيه أكثر من هذه المعاني الصحيحة، فلفظه:"وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به" فحث على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال:"وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي" ثم بيّن زيد بن أرقم ﵁ وهو راوي الحديث- أن أهل بيته هم: أزواجه أمهات المؤمنين، وآل علي وآل عقيل وآل جعفر أبناء أبي طالب، وآل العباس بن عبد المطلب، ﵃ أجمعين-. وأهل السنة هم أعرف الناس بحق آل البيت، وأن تحقيق هذا الحق من جليل شعب الإيمان، وهذا إمام أهل السنة قاطبة، خليفة رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق ﵁ يقول -كما في صحيح البخاري رقم (٣٧١٢-٤٠٣٦-٤٢٤١) -:"والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي"، ويقول ﵁ كما في صحيح البخاري رقم (٣٧١٣) :"ارقبوا محمداً ﷺ في أهل بيته" ويُفدي الحسن بن علي ﵄ بأبيه، فيقول ﵁ كما في صحيح البخاري رقم (٣٥٤٢-٣٧٥٠) وهو حامل للحسن على عاتقه:"بأبي شبيه بالنبي، لا شبيه بعلي" وعلي ﵁ يضحك. ولا ينكر أهل السنة أن آل بيت النبي ﷺ قد بُغي عليهم وظلموا، كما لا يجهلون أنه قد أُفرط في محبتهم، وغُلي في شأنهم، وأن الناس فيهم بين إفراط وتفريط، إلا ما كان من أهل السنة، الذين عرفوا لهم حقهم، وحققوه قولاً وعملاً -لا قولاً بغير عمل- بغير غلو ولا جفاء. فما لهذا الرافضي أن يدخل بين آل البيت وأنصارهم حقاً من أهل السنة؟!! فما خان آل البيت إلا أنتم!! وكما رفضكم أَوَّلوُنا يرفضكم آخِرونا!!! والله الهادي إلى سواء السبيل. والله أعلم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن ولاه.

стр. 435

" أنت ومالك لأبيك " المجيب سامي بن محمد الخليل مدير مركز الدعوة والإرشاد بعنيزة التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ١١/١٠/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أمي متوفاة منذ ٣٠ عامًا، وخلَّفتْ من الأولاد والبنات تسعة، وبعدها تزوج أبي وأعطى كل مصاغ المرحومة أمي لزوجته الجديدة، وعشنا وعاش الجميع، والله أعلم كيف عشنا نحن أولاد المرحومة، وخلفت زوجة أبي من الأولاد والبنات ١٣، وبضغط من زوجة أبي تريد كل شيء لأولادها، أبي والحمد لله كان وضعه المادي جيدًا، ولكن كان يحب أن يأخذ منا للآخرين ودائمًا. ما تفسير: "أنت ومالك لأبيك؟ ". الجواب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. قوله ﷺ : "أنتَ ومالُكَ لأبيك". أخرجه أبو داود (٣٥٣٠) وابن ماجه (٢٢٩٢) . يعني أنه يجوز للأب أن يأخذ أو يتملك من مال ابنه ما يشاء، لكن بشرط ألا يضر الابن، وذلك بأن يأخذ الأب ما يحتاجه الابن أو يضطر إليه، وذلك مثل أن يأخذ الأب أثاث بيت الابن المضطر إليه، أو يكون ليس مضطرًّا إليه، لكنه بحاجة إليه، أو يأخذ منه مالاً هو محتاج إليه، أو نحو ذلك فمثل هذه الأشياء ليس للأب أن يأخذها من ابنه. وأما ما ذكرته من أن والدك يعطي إخوتك من زوجته الثانية أكثر منكم، فهذا لا يجوز، ويجب على الأب أن يسوي بين أولاده، ولعلك تبيِّن لأبيك بلطف وحكمة أن هذا أمر لا يجوز، أو تطلب من غيرك مثل أعمامك أو غيرهم ممن يناسب أن يبين لأبيك ذلك؛ لعله يقبل منه ويرجع إلى العدل بينكم. والله أعلم.

стр. 436

صحة حديث: "خير أمتي في المدن " المجيب عمر بن عبد الله المقبل عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٠٦/١٠/١٤٢٦هـ السؤال أرجو إفادتي عن صحة حديث: "خير أمتي في المدن ". الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فقد بحثت عن هذا الحديث فلم أجده، ولكن معناه -من حيث الجملة- صحيح، أعني أن أهل المدن والقرى -في الغالب- خير من أهل البوادي، وذلك لأمور، منها: ١- أن الأنبياء كلهم بعثوا من القرى -أي من الحواضر- كما قال سبحانه: "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى ... " [يوسف:١٠٩] ، ولم يبعث الله نبياً قط من البادية. ٢- أهل الحواضر والمدن أكثر علماً بالشرع، وأقرب إلى التدين من أهل البوادي من الأعراب وأمثالهم، كما قال : "الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم" [التوبة:٩٧] . ٣- أن أهل المدن ألين عريكة، وأسمح خلقاً، وأكثر تسامحاً، وأقرب إلى العفو. ولا يعني هذا التفضيل المطلق، فإنه ما من شك أن في أهل البادية فضلاء، وفي أهل البوادي من كريم الأخلاق ما قد لا يوجد عند بعض أهل المدن، وقد أنصفهم خالقهم ؛ فقال عنهم: "ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم" [التوبة:٩٩] . وأوكد على أن هذا لا يبيح نسبة هذا الحديث إلى النبي ﷺ حتى يثبت عنه ﷺ بإسناد يحتج بمثله، والله أعلم.

стр. 437

عدم قبول صلاة شارب الخمر المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٧/٥/١٤٢٤هـ السؤال هل صحيح أن من شرب خمراً وسكر لا تقبل الصلاة منه لمدة أربعين يوماً، وأنه إن مات خلال الأربعين يوماً يكون كعابد وثن، وردت تلك الأحاديث في كتاب (الكبائر) للذهبي في موقع الوراق؟. الجواب جواباً عن سؤال من سأل عن صحة حديث فيه أن من شرب خمراً وسكر لا تقبل منه صلاة لمدة أربعين يوماً، وأنه إن مات خلال الأربعين يوماً يكون كعابد وثن، وعزاه السائل إلى كتاب (الكبائر) للذهبي، أقول وبالله التوفيق: صح من حديث عبد الله بن عَمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " من شرب الخمر فسكر لم تُقبل له صلاة أربعين صباحاً، فإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشرب فسكر، لم تُقبل له صلاة أربعين صباحاً فإن مات دخل النا ر، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشرب فسكر لم تُقبل له صلاة أربعين صباحاً، فإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخَبال يوم القيامة " قالوا: يا رسول الله ما طينة الخبال؟ قال: " عُصارة أهل النار " ـ أخرجه الإمام أحمد (رقم ٦٦٤٤، ٦٦٥٩، ٦٧٧٣،٦٨٥٤) ، والنسائي (رقم ٥٦٦٤، ٥٦٧٠) ،وابن ماجة (رقم ٣٣٧٧) ، وابن خزيمة (رقم ٩٣٩) ، وابن حبان (رقم ٥٣٥٧) ، والحاكم وصححه (١/٣٠-٣١، ٢٥٧) (٤/١٤٦) ، وأما حديث:" مدمن الخمر كعابد وثن " فقد اختلف فيه تصحيحاً وتضعيفاً، والراجح ضَعْفُه من جميع وجوهه، فانظر (العلل) لابن أبي حاتم (رقم ١٥٥٣، ١٥٩١) ، و (التاريخ الكبير) للبخاري (١/١٢٩) (٣/٥١٥) ، و (شعب الإيمان) للبيهقي (٥/١٢-١٣رقم ٥٥٩٧ - ٥٥٩٨) ، (والعلل المتناهية) لابن الجوزي (رقم ١١١٦-١١٢١) ، وأما من صححه كابن حبان (رقم ٥٣٤٧) ، والضياء (١٠/٣٣٠) فتأولوا الحديث وفسروه بأقوال: منها: أن المشبه بعابد الوثن هو المستحل له المعتقد أنه حلال مع علمه بتحريم الله تعالى له (وهو تفسير ابن حبان له) . ومنها: أن وجه الشبه، هو: حبوط عمله كحبوط عمل الكافر، أي أنه لا يُثاب على القربات (وهو تفسير طاووس بن كيسان أحد علماء التابعين، كما في (المجتبي) للنسائي رقم ٥٦٦٥) . ومنها: أن المدمن والكافر سواءٌ في مطلق التعذيب بالنار، ولا يلزم استواؤهما في كل شيء، فإن الكافر مخلّد في النار، وأما عُصاة المؤمنين فلا يخلدون، ثم هم مُعرضون لعفو الله ورحمته. ومنها: أن مدمن الخمر في اتباعه لهواه ومخالفته أمر الله -تعالى- كعابد الوثن، وقد قرن الله - تعالى- بين الخمر وعبادة الأوثان، فقال - تعالى-: " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون " [المائدة: ٩٠] . ومنها: أن تعلق قلب مدمن الخمر بالخمر يشبه تعلق قلب عابد الوثن بالوثن، كما قال - تعالى- عن اليهود: " وأُشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم" [البقرة: ٩٣] . وعلى هذه المعاني يُحمل قول عبد الله بن عمر ﵁: " من شرب الخمر فلم يِنْتشِ لم تقبل له صلاةٌُ ما دام في جوفه أو عروقه منها شيءٌُُ، وإن مات مات كافراً، وإن انتشى لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، وإن مات فيها مات كافراً " أخرجه النسائي (رقم ٥٦٦٨) ، وأما عزو السائل للحديث إلى كتاب (الكبائر) للذهبي، فهذه فرصة للتنبيه على أمر مهم بخصوص هذا الكتاب، فإن كتاب (الكبائر) طبع عدة طبعات، ومنه نسخة طبعت بتحقيق الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة ﵀، وبتحقيق عبد الرحمن فاخوري، وطُبع بتحقيق غيرهما وهي طبعات لا تُمثل كتاب الذهبي في (الكبائر) ففي نسبة تلك الطبعات للإمام الذهبي شكٌ كبير، وبيَّن ذلك واستدل له الأستاذ محي الدين مستو في الطبعة التي بتحقيقه لكتاب (الكبائر) للذهبي، وطبعته هذه هي التي تمثل كتاب الذهبي فعلاً. وقد نظرت في كتاب (الكبائر) للذهبي بتحقيق محيي الدين مستو، فلم أجد فيها الحديث المسؤول عنه! ، وليس هذا بأول حديث ضعيف أو باطلٍ يوجد في الطبعة المنسوبة خطاً للذهبي، ففيها - غيره- كثير!!. والله أعلم.

стр. 438

حديث الأعرابي في الطواف المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٢٢/٥/١٤٢٤هـ السؤال بينما النبي ﷺ في الطواف، إذ سمع أعرابياً يقول: يا كريم، فقال النبي ﷺ خلفه: يا كريم، فمضى الأعرابي إلى جهة الميزاب، وقال: يا كريم، فقال النبي ﷺ خلفه: يا كريم، فالتفت الأعرابي إلى النبي ﷺ ، وقال: يا صبيح الوجه، يا رشيق القد، أتهزأ بي لكوني أعرابياً؟ والله لولا صباحة وجهك، ورشاقة قدك لشكوتكم إلى حبيبي محمد ﷺ ، تبسم النبي ﷺ ، وقال: أما تعرف نبيك يا أخا العرب؟ قال الأعرابي: لا، قال النبي ﷺ : فما إيمانك به؟ قال: آمنت بنبوته ولم أره، وصدَّقت برسالته ولم ألقه، قال النبي ﷺ : يا أعرابي اعلم أني نبيك في الدنيا، وشفيعك في الآخرة فأقبل الأعرابي يقبل يد النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : مه يا أخا العرب لا تفعل بي كما تفعل الأعاجم بملوكها، فإن الله بعثني لا متكبراً ولا متجبراً، بل بعثني بالحق بشيراً ونذيراً، فهبط جبريل على النبي ﷺ ، وقال له: يا محمد السلام يقرئك السلام، ويخصك بالتحية والإكرام، ويقول لك: قل للأعرابي، لا يغرنه حلمنا ولا كرمنا، فغداً نحاسبه على القليل والكثير، والفتيل والقطمير، فقال الأعرابي: أو يحاسبني ربي يا رسول الله، قال: نعم يحاسبك إن شاء، فقال الأعرابي: وعزته وجلاله إن حاسبني لأحاسبنه، فقال النبي ﷺ : وعلى ماذا تحاسب ربك يا أخا العرب؟ قال الأعرابي: إن حاسبني ربي على ذنبي حاسبته على مغفرته، وإن حاسبني على معصيتي حاسبته على عفوه، وإن حاسبني على بخلي حاسبته على كرمه، فبكى النبي ﷺ حتى ابتلت لحيته، فهبط جبريل ﵇ على النبي ﷺ ، وقال: يا محمد، السلام يقرئك السلام، ويقول لك: يا محمد قلل من بكائك، فقد ألهيت حملة العرش عن تسبيحهم. قل لأخيك الأعرابي لا يحاسبنا ولا نحاسبه، فإنه رفيقك في الجنة. فما أصل هذا الحديث، وما مدى صحته الجواب إن الحديث المذكور يصلح مثالاً للأحاديث التي تظهر فيها علامات الوضع والكذب، وفيه من ركاكة اللفظ، وضعف التركيب، وسمج الأوصاف، ولا يَشُكُّ من له معرفة بالسنة النبوية وما لها من الجلالة والجزالة أنه لا يمكن أن يكون حديثاً صحيحاً ثابتاً عن النبي ﷺ ولم أجده بهذا اللفظ، وليت أن السائل يخبرنا بالمصدر الذي وجد فيه هذا الحديث ليتسنى لنا تحذير الناس منه. على أن أبا حامد الغزالي - على عادته ﵀ قد أورد حديثاً باطلاً في (إحياء علوم الدين ٤/١٣٠) قريباً من مضمونه من الحديث المسؤول عنه، وفيه أن أعرابياً قال لرسول الله ﷺ يا رسول الله من يلي حساب الخلق يوم القيامة؟ فقال ﷺ : الله ﵎، قال: هو بنفسه؟ قال: نعم، فتبسم الأعرابي، فقال ﷺ : ممَّ ضحكت يا أعرابي؟ قال: إن الكريم إذا قدر عفا، وإذا حاسب سامح.. إلى آخر الحديث. وقد قال العراقي عن هذا الحديث:"لم أجد له أصلاً"، وذكره السبكي ضمن الأحاديث التي لم يجد لها إسناداً (تخريج أحاديث الإحياء: رقم ٣٤٦٦، وطبقات الشافعية الكبرى: ٦/٣٦٤) ، ومع ذلك فالنصوص الدالة على سعة رحمة الله -تعالى- وعظيم عفوه ، وقبوله لتوبة التائبين، واستجابته لاستغفار المستغفرين كثيرة في الكتاب وصحيح السنة. قال - تعالى-:"وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى" [طه:٨٢] ، وقال - تعالى-:"وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون" [الشورى:٢٥] ، وقال -تعالى-:"ورحمتي وسعت كل شيء " [الأعراف: ١٥٦] . وفي الصحيحين البخاري (٧٥٥٤) ومسلم (٢٧٥١) من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:"إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي"، والله أعلم.

стр. 439

هل بنى الصحابة مسجداً على قبر أبي بصير ؟ المجيب د. سعد بن عبد الله الحميد أستاذ الدراسات العليا بجامعة الملك سعود التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ١٤/٠٦/١٤٢٦هـ السؤال اطلعت في بعض المواقع على حديث منسوب إلى مغازي موسى بن عقبة، أن أبا بصير-﵁ لما توفي دُفن بسيف البحر، وبني على قبره مسجد، فما درجة صحة هذا الحديث؟ وهل يصلح دليلاً على جواز بناء المساجد على القبور؟ أفيدونا أفادكم الله، وجزاكم الله خيراً. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فهذا الحديث المشار إليه رواه موسى بن عقبة، كما في "الاستيعاب" لابن عبد البر (٤/١٦١٣-١٦١٤) ، و"الاكتفاء" للكلاعي (٢/١٨٤) ، و"تاريخ الإسلام" للذهبي (٢/٤٠٠) ، و"فتح الباري" لابن حجر (٥/٣٥١) . ومن طريق موسى بن عقبة أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (٤/١٧٢- ١٧٥) فقال: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتَّاب العَبْدي، قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن موسى بن عقبة. (ح) ، وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني، قال: حدثنا جَدِّي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فُلَيح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب - وهذا لفظ حديث القطان -، قال: ولما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة انفلت رجل من أهل الإسلام من ثقيف - يقال له: أبو بصير بن أسيد بن جارية الثقفي - من المشركين ... ، فذكر قصة أبي جندل وأبي بصير ﵄ المشهورة، وكيف قتل أبو بصير أحد الرجلين اللذين أخذاه من النبي ﷺ ، ثم خرج حتى أتى سيف البحر، وكيف انفلت أبو جندل بن سهيل من قريش، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فما سمعوا بِعِيرٍ خرجت لقريشٍ إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده أن يرسل إلى أبي بصير وأصحابه ... ، وفي آخره قال: "وكتب رسول الله ﷺ إلى أبي جندل وأبي بصير يأمرهم أن يقدموا عليه، ويأمر من معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم، ولا يعترضوا لأحدٍ مرَّ بهم من قريشٍ وعيرانها، فقدم كتاب رسول الله ﷺ زعموا -على أبي جندل وأبي بصير، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله ﷺ في يده يقرؤه، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدًا". وأخرجه ابن عساكر في "تاريخ مدينة دمشق" (٢٥/٢٩٩-٣٠٠) من طريق البيهقي السابق، ومن طريق الخطيب البغدادي، عن أبي الحسين بن الفضل القطان شيخ البيهقي، به. والشاهد من هذه القصة: قوله: "وجعل عند قبره مسجدًا". وهذا ليس فيه دلالة على جواز بناء المساجد على القبور؛ لأمرين: الأول: أن هناك فرقًا بين قوله: «على قبره» ، وقوله: «عند قبره» ، فالمنهي عنه هو: «بناء المساجد على القبور» ، وليس «عند القبور» ؛ لما جاء في حديث عائشة ﵂: أن أم حبيبة وأم سلمة ﵂ ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي ﷺ ، فقال: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة". أخرجه البخاري (٤٢٧) ، ومسلم (٥٢٨) . ومن المعلوم أن قبر النبي ﷺ وصاحبيه ﵄ عند مسجده، ولو كان ذلك غير جائز لما قُبِروا هناك، فكان الأولى بهذا الْمُسْتَدِلِّ أن يستدِلَّ بهذا الذي هو أقوى وأصرح!! ولكن الذي يظهر لي أنه وقع على خطأ جاء في الموضع السابق من "الاستيعاب" لابن عبد البر، فإن اللفظ عنده هناك جاء هكذا: «فدفنه أبو جندل مكانه، وصلى عليه، وبنى على قبره مسجدًا» . وطريقة أهل السنة في مثل هذه المواضع أنهم يأخذون بالمحكم، ويردون إليه المتشابه، فقد نقل هذا النص عن موسى بن عقبة عدد من أهل العلم، وكلهم قالوا: «عند قبره» ، ومنهم الكلاعي، والذهبي، وابن حجر، وكذا رواه عنه البيهقي وابن عساكر بإسناديهما كما سبق، ولم أجد من ذكر أن موسى بن عقبة قال في روايته: «على قبره» ، سوى ما جاء في كتاب ابن عبد البر، وهذا يحتمل أن يكون خطأً من الطباعة، فلا بُدَّ من مراجعة نسخ الكتاب الخطِّيَّة، فإن وجد فيها كذلك فلَعَلَّه تصحيف من النُّسَّاخ، وربما كان من ابن عبد البر نفسه؛ فإنه ليس معصومًا من الزلل، وقد ذكر هو في "كتاب الاستذكار" (١/٥٢١) : حديث سهو النَّبيّ ﷺ في الصلاة، ثم قال: «وفي هذا الحديث بيانُ أن أحدًا لا يسلم من الوهم والنسيان؛ لأنه إذا اعتَرَى ذلك الأنبياء، فغيرُهم بذلك أحرى» . ونبَّه في "كتاب التمهيد" (١/٣٦٦) على خطأ وقع فيه ابن شهاب الزهري بقوله: «لا أعلم أحدًا من أهل العلم والحديث المصنِّفين فيه عوَّل على حديث ابن شهاب في قصة ذي اليدين؛ لاضطرابه فيه، وأنه لم يُتِمَّ له إسنادًا ولا متنًا، وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن، فالغلط لا يسلم منه أحدٌ، والكمال ليس لمخلوق، وكلُّ أحد يؤخذ من قوله ويُترَك، إلا النَّبيّ ﷺ » . الأمر الثاني: أن موسى بن عقبة رواه عن الزهري مرسلاً، والمرسل ضعيف كما هو مقرر عند أهل الحديث، فلا تقوم بهذه الرواية حجة. ويزداد ضعف هذه الرواية بكونها من مراسيل ابن شهاب الزهري، فإنها رديئة عند طائفة من أهل العلم بالحديث. قال ابن أبي حاتم في "المراسيل" (ص٣) : "حدثنا أحمد بن سنان؛ قال: كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئًا، ويقول: هو بمنزلة الريح". وقال أيضًا: «قرئ على عباس الدوري، عن يحيى بن معين قال: مراسيل الزهري ليس بشيء» . وروى ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥٥/٣٦٨) عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد قال: سمعت يحيى بن سعيد [يعني: القطان] يقول: «مرسل الزهري شرٌّ من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكلما قدر أن يُسَمِّيَ سَمَّى، وإنما يترك من لا يحسن أو يستجيز أن يُسَمِّيَه» . وروى أيضًا هو والخطيب البغدادي في "الكفاية" (ص٣٨٦) من طريق أحمد بن أبي شريح الرازي، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي الذَّابَّ عن أهل السنة، والمنكر على أهل البدعة - رضوان الله عليه ورحمته - يقول: «إرسال الزهري عندنا ليس بشيء، وذلك أنَّا نجده يروي عن سليمان بن أرقم» . وفي لفظ؛ قال: سمعت الشافعي يقول: «يقولون: نُحابي، ولو حابَيْنا لحابينا الزهري! وإرسال الزهري ليس بشيء، وذاك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم» . وسليمان بن أرقم هذا متروك الحديث، كما قال أبو داود وأبو حاتم والترمذي وأبو أحمد الحاكم والدارقطني وغيرهم، وقال البخاري: تركوه. انظر "تهذيب التهذيب" (٤/١٤٨) . وروى ابن عساكر أيضًا (٥٥/٣٦٩) عن علي بن المديني ويعقوب بن شيبة أنهما قالا: «مرسلات الزهري رديئة» . ولما أورد الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٥/٣٣٩) بعض هذه الأقوال؛ قال: «قلت: مراسيل الزهري كالمعضل؛ لأنه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوغ أن نظن به أنه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه، ولما عجز عن وصله، ولو أنه يقول: عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، ومن عَدَّ مرسل الزهري كمرسل سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ونحوهما، فإنه لم يَدْرِ ما يقول، نعم مرسله كمرسل قتادة ونحوه» . هذا، وقد روى البخاري في "صحيحه" (٢٧٣١ و٢٧٣٢) أصل قصة أبي بصير وأبي جندل ومن معهم ﵃، ولم يذكر هذه اللفظة أصلاً، لا بلفظ «عند قبره» ، ولا غيره، ورواه متصلاً، فقال: حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق. أخبرنا معمر، قال: أخبرني الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان - يُصَدِّقُ كُلُّ واحد منهما حديثَ صاحبه - قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية ... ، فذكر حديث صلح الحديبية بطوله، وفيه قصة أبي جندل وأبي بصير ﵄ المشهورة، وكيف قتل أبو بصير أحد الرجلين اللذين أخذاه من النبي ﷺ ، ثم خرج حتى أتى سيف البحر، وكيف انفلت أبو جندل بن سهيل من قريش، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فما سمعوا بِعِيرٍ خرجت لقريشٍ إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده بالله والرحم أن يرسل إلى أبي بصير وأصحابه: فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ إليهم، فأنزل الله تعالى: (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم) حتى بلغ: (الحمية حمية الجاهلية) [الفتح: ٢٦] ، وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت. هكذا رويت هذه القصة بالإسناد المتصل، ولم تذكر فيها وفاة أبي بصير ﵁ ولا أنه بني على قبره مسجد. ثم إن البخاري روى الحديث (٢٧٣٣) عقب هذه الرواية تعليقًا، فقال: وقال عقيل عن الزهري. قال عروة: فأخبرتني عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يمتحنهن، وبلغنا أنه لما أنزل الله -تعالى- أن يردوا إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر من أزواجهم، وحكم على المسلمين أن لا يمسكوا بعصم الكوافر: أن عمر طلق امرأتين. وما نعلم أحدًا من المهاجرات ارتدَّت بعد إيمانها، وبلغنا أن أبا بصير بن أسيد الثقفي قدم على النبي ﷺ مؤمنًا مهاجرًا في المدَّة، فكتب الأخنس بن شريق إلى النبي ﷺ يسأله أبا بصير، فذكر الحديث. اهـ، وانظر (٤١٨٢) . وأوضح الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٥/٣٥١) مراد البخاري بصنيعه هذا فقال: «قوله: "قال عقيل، عن الزهري" تقدم موصولاً بتمامه في أول الشروط. وأراد المصنف بإيراده: بيان ما وقع في رواية معمر من الإدراج. قوله: "وبلغنا" هو مقول الزهري، وصله ابن مردويه في تفسيره من طريق عقيل. وقوله: "وبلغنا أن أبا بصير ... " إلخ، هو من قول الزهري أيضًا، والمراد به: أن قصة أبي بصير في رواية عقيل من مرسل الزهري، وفي رواية معمر موصولة إلى المسور، لكن قد تابع معمرًا على وصلها ابن إسحاق كما تقدَّم، وتابع عقيلاً الأوزاعي على إرسالها، فلعل الزهري كان يرسلها تارة، ويوصلها أخرى، والله أعلم» . وانظر "فتح الباري" (٧/٤٥٥) أيضًا. وخلاصة ما تقدَّم: أنه لم يثبت في شيء من طرق هذا الحديث الصحيحة ذكر وفاة أبي بصير - واسمه: عُتْبَة بن أَسيد بن جارية ﵁ بسيف البحر، وأنه بُني عند قبره مسجد، وورد في طريق مرسلة ضعيفة أرسلها الزهري - وانفرد بها عن الزهري موسى بن عقبة -: «فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدًا» ، وهذه اللفظة لو ثبتت لم يكن فيها حُجَّة، فالمنهي عنه هو: «بناء المساجد على القبور» ، وليس «عند القبور» ، فكيف وهي لم تثبت؟!! والله أعلم.

стр. 440

حديث "من أخذ الأجر حاسبه الله بالعمل " المجيب عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ١/٣/١٤٢٥هـ السؤال كتب لي أحد الإخوة حديثاً بدأ فيه بقوله: قال رسول الله ﷺ : "من أخذ الأجر حاسبه الله بالعمل"، فهل هذا حديث أو جزء من حديث؟ وما درجة صحته إن كان حديثاً؟ أم هو من كلام الناس الدارج على ألسنتهم؟ -وجزاكم الله خيراً-. الجواب لم أجد شيئاً بهذا اللفظ، ولكن الأحاديث الواردة في وجوب أداء حقوق الناس والنهي عن إضاعتها وبيان عظيم العقوبة لمن ضيعها ولم يؤدها كما أمر الله كثيرة جداً، منها ما رواه مسلم في صحيحه في كتاب البر والصلة (ح٢٥٨٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء "، ومنها ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب المظالم ح (٢٤٤٩) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من كانت عنده مظلمة لأخيه، من عرضه أو من شيء، فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه.."، وفي صحيح البخاري أيضاً في كتاب فرض الخمس ح (٣١١٨) عن أبي الأسود عن ابن أبي عياش عن خولة الأنصارية ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة ". وفي صحيح مسلم، في كتاب البر والصلة ح (٢٥٨١) عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :" أتدرون من المفلس؟ قالوا: " المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع " فقال: "إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته، قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار ". وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة، وكل هذه الأحاديث التي ذكرت صحيحة ثابتة وفيها غنية عن ما لم يصح، وجميعها دلت على التشديد في حقوق الناس وأموالهم، ووجوب التخلص من هذه الحقوق وإعطائها أصحابها قبل أن لا يكون دينار ولا درهم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 441

معنى: (كان الله ولا مكان) المجيب د. رشيد بن حسن الألمعي عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٠٥/٠٤/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم. كنت قد تكلمت مع بعض المخالفين لعقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة الاستواء، فقال لي كلاماً ونسبه لعلي -رضي الله تعالى عنه-، وهو أن الله كان؛ ولا مكان؛ وهو على ما كان عليه كان، فهل نسبة هذا الكلام لعلي ﵁ صحيحة، وما معنى هذا الكلام. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه. أما بعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فهذا الكلام لا تصح نسبته إلى علي ﵁ ولا غيره من الصحابة -رضوان الله عليهم- وإنما تكلم بهذا بعض المتأخرين من المتكلمين، فقالوا: (كان الله ولا مكان ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان) ، ومرادهم بذلك نفي حقيقة الاستواء على العرش ونفي علو الله بذاته، ونفي نزوله إلى السماء الدنيا على ما يليق بجلاله، وهذا من تقولهم على الله بلا علم ومن السجع المتكلف الذي أرادوا به معارضة النصوص ونفي دلالتها على إثبات بعض صفات الله، والثابت هو قوله ﷺ من حديث عمران بن حصين مرفوعاً بلفظ "كان الله ولم يكن شيء قبله"، وفي لفظ "ولم يكن شيء معه، وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض" رواه البخاري (٣١٩٢) ، فحرف الملاحدة الاتحادية المدّعون للتحقيق والعرفان لفظ الحديث فأوردوه بلفظ: "كان الله ولم يكن شيء معه وهو الآن على ما عليه كان"، وهذه الزيادة كذب مفترى على رسول الله ﷺ وقد اتفق أهل العلم بالحديث على أن هذه الزيادة موضوعة مختلقة، ولمزيد البيان حول هذه المقولة انظر فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢/٢٧٢-٢٧٨) . والله الموفق.

стр. 442

حديث: "أنتم أعلم بأمر دنياكم " المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ١٩/٥/١٤٢٥هـ السؤال فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بالنسبة لرواية: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) التي عند مسلم ﵀ هناك رجل يزعم: ١- أنها موضوعة بناء على إسنادها. ٢- أن معناها باطل؛ لأنها على زعمه: أ - مقيدة بالله فيكون معناها أنتم أعلم بأمر دنياكم من الله. ب - مطلقة فيكون معناها -على زعمه- أنتم أعلم بأمر دنياكم من الله ورسوله ﷺ والملائكة، والجن ... الخ، ويرفض رفضاً شديداً أن يكون المقصود بها الرسول ﷺ فما رأي فضيلتكم في تفكير ذلك الرجل؟ الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. قصة تأبير النخل أخرجها الإمام مسلم من حديث غير واحد من الصحابة ﵃: ١- أخرجها ح (٢٣٦١) من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ عَلَى رُؤوسِ النَّخْلِ، فَقَالَ: "مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ " فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا " قَالَ: فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -بِذَلِكَ فَقَالَ: "إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا. فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ؛ وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ ". ٢- ومن حديث رافع بن خديج ﵁ ح (٢٣٦٢) قال: قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ -الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ، يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ، فَقَالَ: "مَا تَصْنَعُونَ؟ " قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ، قَالَ: لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا"، فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ، قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ " قَالَ عِكْرِمَةُ أَوْ نَحْوَ هَذَا. ٣- من حديث أنس- ﵁ ح (٢٣٦٣) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ: "لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ" قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ، فَقَالَ: "مَا لِنَخْلِكُمْ؟ " قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: " أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ ". - هذه القصة ظاهرة الدلالة أنه ﷺ قد خاطب أصحابه- ﵃ حينما وجدهم يؤبرون النخل، فظن أن هذا لا يفيد شيئاً، والصحابة ﵃ فهموا أنه ﷺ نهاهم عن ذلك فتركوا التأبير، والرسول ﷺ -لم ينههم عن التلقيح، لكن هم غلطوا في ظنهم أنه نهاهم. وظنه ﵊ في أمور المعايش وخبرات الحياة كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا ولا نقص في ذلك، قال القرطبي: "وقوله ﷺ ": ما أظن ذلك يغني شيئاً " يعني به الإبار، إنما قال النبي ﷺ -هذا؛ لأنه لم يكن عنده علم باستمرار هذه العادة، فإنه لم يكن ممن عانى الزراعة، ولا الفلاحة، ولا باشر شيئاً من ذلك، فخفيت عليه تلك الحالة. " المفهم (٦/١٦٨) . وقال النووي: "قال العلماء: ولم يكن هذا القول خبراً وإنما كان ظناً؛ كما بينه في هذه الروايات، قالوا: ورأيه ﷺ في أمور المعايش وظنه كغيره فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك، وسببه تعلق هممهم بالآخرة ومعارفها، والله أعلم " شرح النووي لصحيح مسلم (١٥/١١٦) . - هذه القصة وقعت مرة واحدة، وقد تعددت ألفاظها، مما يشعر بدخول الرواية بالمعنى في بعض سياقاتها، والإمام مسلم قدم حديث طلحة ﵁ في الترتيب، ولعل ما جاء في سياقه مقدم على غيره ثم ثنى برواية عكرمة بن عمار عن رافع بن خديج وفيه: "وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ". قال النووي ﵀: " لفظة الرأي إنما أتى بها عكرمة على المعنى لقوله في آخر الحديث قال عكرمة: أو نحو هذا، فلم يخبر بلفظ النبي ﷺ -محققاً "، وينظر إكمال المعلم (٧/٣٣٤) . ثم ذكر الإمام مسلم السياق الثالث، وهو من طريق حماد بن سلمة، وكان حماد يخطئ، وهذا السياق هو الذي فيه: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، وبعض الناس اتخذ من قوله: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" ذريعة للتنصل من أحكام الإسلام المتعلقة بالدنيا مثل المعاملات ونحوها، ومن المعلوم أن تشريعات الإسلام وأحكامه جاءت لتحكم حياة الناس في جميع شؤونهم من عبادات ومعاملات وأحكام أسرية، وغير ذلك، قال الله -تعالى-: "فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً"، وقال تعالى: "إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً"، وقال : "قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ". هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 443

صحة حديث أحب النساء إلى النبي ﷺ - المجيب عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٢٨/١١/١٤٢٤هـ السؤال أرجو بيان صحة الحديث التالي: روي أن النبي ﷺ مر على زوجاته في ليلة، وقدم لهن خواتم، وقال: "أحبك أكثر، وفي اليوم التالي اجتمع بهن كلهن، وقال: أتدرين من أحب أكثر؟ فسألت أمهات المؤمنين ﵅: من؟ فقال: التي أحبها أكثر هي من أعطيتها خاتماً. الجواب هذا الأثر، ليس موجوداً في كتب السنة المشهورة - كما تبين لي بعد بحث وتقصٍ- والثابت في هذا الباب، ما رواه البخاري في الفضائل (٣٦٦٢) ، وفي المغازي (٤٣٥٨) عن خالد الحذاء عن أبي عثمان أن رسول الله ﷺ بعث عمرو بن العاص ﵁ على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة" قلت: من الرجال؟ قال: "أبوها". وهذا الحديث صحيح صريح الدلالة على أن أحب نساء النبي ﷺ إليه عائشة ﵂، يؤيده أحاديث أخرى كثيرة، منها ما رواه البخاري في صحيحه في الفضائل (٣٧٧٤) عن أبي أسامة عن هشام عن أبيه أن رسول الله ﷺ لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول: "أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟ " حرصاً على بيت عائشة ﵂ قالت عائشة ﵂: فلما كان يومي سكن. وفي البخاري أيضاً في الفضائل (٣٧٧٥) ، عن هشام عن أبيه قال: كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة ﵂، قالت عائشة ﵂: "فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة ﵂ فقلن: يا أم سلمة: والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة ﵂ وإنا نريد الخير كما تريده عائشة ﵂ فمري رسول الله ﷺ أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث ما كان، أو حيثما دَارَ، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة ﵂ للنبي ﷺ قالت: فأعرض عنِّي، فلما عاد إليَّ ذكرت له ذلك، فأعرض عنِّي، فلما كان في الثالثة ذكرت له، فقال: "يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها". والله سبحانه أعلم. اهـ.

стр. 444

ضعف أحاديث التباكي المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٦/٣/١٤٢٥هـ السؤال ذكر أحد الفضلاء في كتابٍ له عن البكاء والتباكي أن أحاديث الحث على التباكي كلها ضعيفة وأن االتباكي من النفاق، فما وجهة نظركم في هذا الكلام؟ الجواب الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد نعت الله عباده المؤمنين المتدبرين لكلامه المتفكرين في معانيه بوجل القلب ورقته وخشوعه وجريان الدمع عند سماعه وتلاوته فقال -تعالى-: " اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ" [الزمر:٢٣] ، وقال -تعالى-: "إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً" [الإسراء:١٠٧-١٠٩] ، قال عبد الأعلى التيمي: (من أوتي من العلم ما لا يبكيه فليس بخليق أن يكون أوتي علماً ينفعه؛ لأن الله -تعالى- نعت العلماء فقال: "إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ.... "وتلا الآيتين. وقال -تعالى-: "وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ... " [المائدة:٨٣] ، وفي الصحيحين البخاري (٤٥٨٢) ، ومسلم (٨٠٠) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: "فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا" [النساء:٤١] رَفَعْتُ رَأْسِي أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ "، قال ابن بطال: " وإنما بكى ﷺ عند هذا لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة، وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بتصديقه والإيمان به، وسؤاله الشفاعة لهم ليريحهم من طول الموقف، وأهواله، وهذا أمر يحق له طول البكاء والحزن "، واقتدى الصحابة ﵃ ومن بعدهم من سلف هذه الأمة ﵃ بالرسول ﷺ في ذلك فكانوا عند قراءة القرآن أو سماعه يغلبهم الوجل أو البكاء بأدب وخشية. - ففي صحيح مسلم (٤١٨) من حديث عائشة ﵂ أن النبي- ﷺ قال في مرضه الذي تُوفي فيه: " مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ " قَالَتْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعْ النَّاسَ....، وفي رواية قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ ". - وفي صحيح البخاري (٣٩٠٥) من حديث عائشة ﵂ حين ذكرت خروج أبي بكر ﵁ إلى أرض الحبشة، ثم رجوعه، ودخوله في جوار ابن الدَّغنة، قالت: ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَنقَذِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ، وَأَبْنَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ.... - ولما قدم أهل اليمن في زمان أبي بكر ﵁ فسمعوا القرآن جعلوا يبكون فقال أبو بكر ﵁: " هكذا كنا ثم قست القلوب " - وعن عبد الله بن شداد أنه قال: " سمعت نشيج عمر ﵁، وأنا في آخر الصف، وهو يقرأ سورة يوسف: "إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ" [يوسف:٨٦] - وعن سالم بن عبد الله أن ابن عمر ﵄ قرأ: "وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ" [البقرة:٢٨٤] الآية فدمعت عيناه. - وعن عبد الله بن رباح عن صفوان بن محرز أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى حتى أرى قصص زوره سيندق " وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ" [الشعراء:٢٢٧] . - وعن إبراهيم التيمي قال: " لقد أدركت ستين من أصحاب عبد الله في مسجدنا هذا أصغرهم الحارث بن سويد، وسمعته يقرأ: "إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا...... " حتى بلغ "فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ" [الزلزلة:٧] قال: فبكى ثم قال: إن هذا الإحصاء شديد.." - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: " ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكياً محزوناً حليماً حكيماً...." - وعن أبي رجاء قال: " كان هذا المكان من ابن عباس - رضي اله عنهما - مجرى الدموع مثل الشراك البالي من الدموع ". (أخرج هذه الآثار ابن أبي شيبة في مصنفه (٧/٢٢٤) . ومن خلال ما سبق يتضح ما كان عليه السلف من تدبر للقرآن وحسن فهمه واستحضارهم لمعانيه وخشوعهم عند سماعه وتلاوته فيغلبهم الوجل أوالبكاء من غير تكلف ولا تصنع بخلاف أهل البدع الذين يتصارخون عند سماع القرآن، ويتكلفون ما ليس فيهم ويتصنعون الصعق والغشيان عليهم. وقد بدأ ظهور هذا في زمن الصحابة، قال قتادة في قوله تعالى: " تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ.." [الزمر:٢٣] قال: " هذا نعت أولياء الله -تعالى-، نعتهم الله فقال: تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله تعالى، ولم ينعتهم الله تعالى بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وإنما هو من الشيطان) . وعن عبد الله بن عروة بن الزبير ﵁، قال: " قلت لجدتي أسماء ﵂ كيف كان يصنع أصحاب رسول الله ﷺ إذا قرأوا القرآن؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله : تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم، قلت: فإن ناساً ههنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم غَشْية؟ ، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان ". وأما الأحاديث الواردة في الأمر بالتباكي فهي ضعيفة من جهة أسانيدها، ومنها: ما أخرجه ابن ماجه (١٣٢٧) من حديث سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ بِحُزْنٍ فَإِذَا قَرَأْتُمُوهُ فَابْكُوا فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا وَتَغَنَّوْا بِهِ فَمَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِهِ فَلَيْسَ مِنَّا " ففي إسناده إسماعيل بن رافع وهو متروك. وما أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (ص:٢٢) من حديث عبد الملك بن عمير أن رسول الله ﷺ قال: " إني قارئ عليكم سورة فمن بكى فله الجنة، فقرأها فلم يبك أحد، ثم أعاد الثانية، ثم الثالثة، فقال: ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا "، وهذا الحديث مرسل وفيه عبد الرحمن بن إسحاق وهو ضعيف.. وأخرج البيهقي حديثاً في الشعب (٥/١٩) في الأمر بالتباكي من حديث جرير بن عبد الله البجلي وقال: هذا إسناد ضعيف بمرة وهذه الأحاديث على فرض ثبوتها محمولة على أن التباكي مندوب إليه، ومعناه أن يتدبر القارئ آيات القرآن ويستحضر معانيها مع الحرص على الخشوع، وليس المقصود ما يفعله بعض القراء من تصنع البكاء وتكلفه، فالبكاء الصادق ما يجلبه التدبر لآيات القرآن وهذا الذي كان عليه السلف ﵃. هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. ضعف أحاديث التباكي المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٦/٣/١٤٢٥هـ السؤال ذكر أحد الفضلاء في كتابٍ له عن البكاء والتباكي أن أحاديث الحث على التباكي كلها ضعيفة وأن االتباكي من النفاق، فما وجهة نظركم في هذا الكلام؟ الجواب الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد نعت الله عباده المؤمنين المتدبرين لكلامه المتفكرين في معانيه بوجل القلب ورقته وخشوعه وجريان الدمع عند سماعه وتلاوته فقال -تعالى-: " اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ" [الزمر:٢٣] ، وقال -تعالى-: "إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً" [الإسراء:١٠٧-١٠٩] ، قال عبد الأعلى التيمي: (من أوتي من العلم ما لا يبكيه فليس بخليق أن يكون أوتي علماً ينفعه؛ لأن الله -تعالى- نعت العلماء فقال: "إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ.... "وتلا الآيتين. وقال -تعالى-: "وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ... " [المائدة:٨٣] ، وفي الصحيحين البخاري (٤٥٨٢) ، ومسلم (٨٠٠) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: "فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا" [النساء:٤١] رَفَعْتُ رَأْسِي أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ "، قال ابن بطال: " وإنما بكى ﷺ عند هذا لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة، وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بتصديقه والإيمان به، وسؤاله الشفاعة لهم ليريحهم من طول الموقف، وأهواله، وهذا أمر يحق له طول البكاء والحزن "، واقتدى الصحابة ﵃ ومن بعدهم من سلف هذه الأمة ﵃ بالرسول ﷺ في ذلك فكانوا عند قراءة القرآن أو سماعه يغلبهم الوجل أو البكاء بأدب وخشية. - ففي صحيح مسلم (٤١٨) من حديث عائشة ﵂ أن النبي- ﷺ قال في مرضه الذي تُوفي فيه: " مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ " قَالَتْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعْ النَّاسَ....، وفي رواية قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ ". - وفي صحيح البخاري (٣٩٠٥) من حديث عائشة ﵂ حين ذكرت خروج أبي بكر ﵁ إلى أرض الحبشة، ثم رجوعه، ودخوله في جوار ابن الدَّغنة، قالت: ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَنقَذِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ، وَأَبْنَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ.... - ولما قدم أهل اليمن في زمان أبي بكر ﵁ فسمعوا القرآن جعلوا يبكون فقال أبو بكر ﵁: " هكذا كنا ثم قست القلوب " - وعن عبد الله بن شداد أنه قال: " سمعت نشيج عمر ﵁، وأنا في آخر الصف، وهو يقرأ سورة يوسف: "إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ" [يوسف:٨٦] - وعن سالم بن عبد الله أن ابن عمر ﵄ قرأ: "وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ" [البقرة:٢٨٤] الآية فدمعت عيناه. - وعن عبد الله بن رباح عن صفوان بن محرز أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى حتى أرى قصص زوره سيندق " وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ" [الشعراء:٢٢٧] . - وعن إبراهيم التيمي قال: " لقد أدركت ستين من أصحاب عبد الله في مسجدنا هذا أصغرهم الحارث بن سويد، وسمعته يقرأ: "إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا...... " حتى بلغ "فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ" [الزلزلة:٧] قال: فبكى ثم قال: إن هذا الإحصاء شديد.." - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: " ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكياً محزوناً حليماً حكيماً...." - وعن أبي رجاء قال: " كان هذا المكان من ابن عباس - رضي اله عنهما - مجرى الدموع مثل الشراك البالي من الدموع ". (أخرج هذه الآثار ابن أبي شيبة في مصنفه (٧/٢٢٤) . ومن خلال ما سبق يتضح ما كان عليه السلف من تدبر للقرآن وحسن فهمه واستحضارهم لمعانيه وخشوعهم عند سماعه وتلاوته فيغلبهم الوجل أوالبكاء من غير تكلف ولا تصنع بخلاف أهل البدع الذين يتصارخون عند سماع القرآن، ويتكلفون ما ليس فيهم ويتصنعون الصعق والغشيان عليهم. وقد بدأ ظهور هذا في زمن الصحابة، قال قتادة في قوله تعالى: " تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ.." [الزمر:٢٣] قال: " هذا نعت أولياء الله -تعالى-، نعتهم الله فقال: تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله تعالى، ولم ينعتهم الله تعالى بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وإنما هو من الشيطان) . وعن عبد الله بن عروة بن الزبير ﵁، قال: " قلت لجدتي أسماء ﵂ كيف كان يصنع أصحاب رسول الله ﷺ إذا قرأوا القرآن؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله : تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم، قلت: فإن ناساً ههنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم غَشْية؟ ، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان ". وأما الأحاديث الواردة في الأمر بالتباكي فهي ضعيفة من جهة أسانيدها، ومنها: ما أخرجه ابن ماجه (١٣٢٧) من حديث سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ بِحُزْنٍ فَإِذَا قَرَأْتُمُوهُ فَابْكُوا فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا وَتَغَنَّوْا بِهِ فَمَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِهِ فَلَيْسَ مِنَّا " ففي إسناده إسماعيل بن رافع وهو متروك. وما أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (ص:٢٢) من حديث عبد الملك بن عمير أن رسول الله ﷺ قال: " إني قارئ عليكم سورة فمن بكى فله الجنة، فقرأها فلم يبك أحد، ثم أعاد الثانية، ثم الثالثة، فقال: ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا "، وهذا الحديث مرسل وفيه عبد الرحمن بن إسحاق وهو ضعيف.. وأخرج البيهقي حديثاً في الشعب (٥/١٩) في الأمر بالتباكي من حديث جرير بن عبد الله البجلي وقال: هذا إسناد ضعيف بمرة وهذه الأحاديث على فرض ثبوتها محمولة على أن التباكي مندوب إليه، ومعناه أن يتدبر القارئ آيات القرآن ويستحضر معانيها مع الحرص على الخشوع، وليس المقصود ما يفعله بعض القراء من تصنع البكاء وتكلفه، فالبكاء الصادق ما يجلبه التدبر لآيات القرآن وهذا الذي كان عليه السلف ﵃. هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 445

أول الشاربين من حوضه ﷺ المجيب د. عثمان بن جمعة عثمان ضميرية عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٢٧/٣/١٤٢٥هـ السؤال لقد سمعت كلاما من بعض الناس، وأود أن أعرف ما مدى صحته، قالوا: إن أول من يشرب من حوض النبي ﷺ ، هم أهل اليمن؟ ما مدى صحة هذا الكلام? إذا كان صحيحا لماذا أهل اليمن بالضبط؟ الجواب الحمد لله، وبعد: فقد روى الإمام مسلم - رحمه الله تعالى - في صحيحه (٢٣٠١) ، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته، عن ثوبان ﵁ أن نبيَّ الله ﷺ قال: "إني لَبِعُقْر حوضي أذود الناسَ لأهل اليمن، أضرب بعصاي حتى يرفضَّ عليهم". قال الإمام النووي ﵀ في شرحه لهذا الحديث: (ومعناه: أطرد الناس عنه من غير أهل اليمن ليرفضَّ على أهل اليمن. وهذه كرامة لأهل اليمن في تقديمهم في الشرب منه، مجازاةً لهم بحسن صنيعهم وتقدّمهم في الإسلام، والأنصار من أهل اليمن، فيدفع غيرهم حتى يشربوا، كما دَفَعوا في الدنيا عن النبي ﷺ أعداءَه، والمكروهات. ومعنى (يرفضّ عليهم) : أي يسيل عليهم، وبهذا يظهر صحة الكلام المذكور لأن الحديث صحيح، وفي كلام النووي ﵀ بيان لكون أهل اليمن أول من يشرب من الحوض وسبب ذلك. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.

стр. 446

اشتراط الخلافة في ولد فهر بن مالك المجيب عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٢٦/٣/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. أما بعد: لقد قرأت كتاب جمهرة أنساب العرب لابن حزم، واستشهد فيه بحديث لرسول الله ﷺ أنه لا تجوز الخلافة إلا في ولد فهر بن مالك أي قريش، فهل هذا الحديث صحيح؟ وإن كان صحيحا فما هي آثاره في العصر الحديث لتفريق الصادق من الدعي، لاسيما وأن علم الأنساب قد أهمل، أرجو منكم الإفادة أفادكم الله فأنا باحث في العلوم السياسية أحاول الموازنة بين الجديد من الأفكار بالرجوع إلى الأصل أي القرآن والسنة. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. لم أجد في كتب الحديث المشهورة حديثا فيه النص على أن الخلافة لا تجوز إلا في ولد فهر بن مالك، والثابت في هذا الباب، ما رواه البخاري (٣٥٠١) ومسلم (١٨٢٠) عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي اثنان" وعند مسلم (١٨٢٠) : "ما بقي من الناس اثنان"، وروى البخاري (٣٤٩٦) ومسلم (١٨١٨) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم ". وروى البخاري (٧٢٢٣) ومسلم (١٨٢١) عن جابر بن سمرة ﵁ قال: سمعت رسول اله ﷺ يقول: "يكون اثنا عشر أميراً كلهم من قريش". وروى البخاري في صحيحه (٣٥٠٠) عن معاوية ﵁ قال: "إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحدٌ إلا كبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين" وفي رواية "الصلاة ". وهذه الأحاديث كلها صحيحة ثابتة عند أهل العلم، قال القاضي عياض: المراد بالأئمة في هذه الأحاديث الخلفاء. وقال ابن حجر ﵀ في الفتح ١٢٦/١٣ في المراد بقوله:" لا يزال هذا الأمر -أي الخلافة-، وقال ﵀ عن رواية مسلم (١٨٢٠) لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان ": ليس المراد حقيقة العدد، وإنما المراد به انتفاء أن يكون الأمر في غير قريش ويحتمل أن يحمل المطلق على المقيد في الحديث الأول ويكون التقدير: لا يزال هذا الأمر أي لا يسمى بالخليفة إلا من كان من قريش، ويحتمل أن يكون بقاء الأمر في قريش في بعض الأقطار دون بعض ". وقال الكرماني في شرحه على البخاري:" لم يخل زمان عن وجود خليفة من قريش إذ في المغرب خليفة منهم على ما قيل....". وقد ذكر ابن حجر ﵀ عن بعض الشراح قولاً ثالثاً وهو: أنه ليس المراد أن الفضل لا يكون إلا للقرشي، إنما المراد أنه كونه قرشياً من أسباب الفضل، وأما طريق إثبات النسب لقريش فقد ذكر الفقهاء وعلماء النسب أنه يكون بأحد ثلاثة أمور: ١ - الاستفاضة والشهرة بذلك لا سيما إذا كان ذلك مستفيضاً عند علماء الأنساب. ٢ - أن ينص عليه إمام معتبر من أئمة النسب. ٣ - أن يشهد بذلك اثنان من الاثبات الثقات. والطريقان الأولان هما المعتمدان عند أهل العلم. والله اعلم.

стр. 447

توبة صاحب البدعة المجيب محمد بن ناصر السلمي القاضي في وزارة العدل التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٨/٢/١٤٢٥هـ السؤال أرجو بيان صحة هذا الحديث: "إن الله لا يقبل توبة صاحب بدعة حتى يتوب" (رواه الطبراني وغيره) ، كما أرجو بيان صحة القول التالي للإمام الشافعي: "من كان يظن أنه يستطيع أن يبتدع في الدين بأفضل مما جاء به النبي ﷺ فهو مشرع، وكأنه ينافس الله ، فلو كان ذلك جائزاً في الإسلام لتقدم المفكرون وليس علماء الشرع بدين جديد ولضل الناس". الجواب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حديث: "إن الله لا يقبل توبة صاحب بدعة حتى يتوب"، أقول: أخرج نحوه أبو الشيخ في تاريخ أصبهان (٢٥٩) ، والطبراني في الأوسط (٤٢٠٢) ، والهروي في ذم الكلام (٩٦٠) ، والبيهقي في شعب الإيمان (١٢/٥١٣) ، والمقدسي في المنار (٢٠٥٤) ، كلهم عن طريق هارون بن موسى الفروي عن أبي ضمرة أنس بن عياض عن حميد الطويل عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن حجز وفي لفظ حجب التوبة عن كل صاحب بدعة"، وهذا الحديث تفرد به هارون بن موسى الفروي، وإن كان ثقة كما وصفه بذلك الدارقطني وغيره، إلا أنه لا يقبل منه ما يتفرد به لا سيما مثل هذا، وقد عد الذهبي ﵀ في الميزان (٤/٢٨٧) هذا الحديث من منكراته وقال: هذا منكر. والسبب في ذلك - والعلم عند الله- أن هارون بن موسى تفرد بهذا الخبر، والتفرد من علامات المنكر لا سيما إذا كان المتفرد بالحديث من أهل الطبقات النازلة، وهو من دون عصر التابعين بعد أن استقرت الرواية وعرفت مخارجها، قال الإمام الذهبي في الموقظة (٧٧-٧٨) ، بعد أن ذكر أسامي جملة من الحفاظ، قال: فهؤلاء الحفاظ الثقات، إذا انفرد الرجل منهم من التابعين فحديثه صحيح، وإن كان من الأتباع قيل: صحيح غريب، وإن كان من أصحاب الأتباع قيل: غريب فرد، ويندر تفردهم، فتجد الإمام منهم عنده مئتا ألف حديث، لا يكاد ينفرد بحديثين أو ثلاثة، ومن كان بعدهم، فأين ما ينفرد به؟ ما علمته يوجد، ثم قال: وقد يسمي جماعة من الحفاظ الحديث الذي ينفرد به مثل هشيم وحفص بن غياث منكراً، ثم قال: فإن كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمة، أطلقوا النكارة على ما انفرد به، مثل عثمان ابن أبي شيبة وأبي سلمة التبوذكي، وقالوا: هذا منكر، قلت: وهارون بن موسى الفروي من هذه الطبقة، وقد تفرد بهذا الخبر وليس هو ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه. قال ابن رجب في شرح العلل (٢/٥٨٢) ، وأما أكثر الحفاظ المتقدمين، فإنهم يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد، وإن لم يرو الثقات خلافه إنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضاً.."، وقد ذكر المعلمي ﵀ هارون بن موسى هذا في حديث ذكره الشوكاني في الفوائد ثم قال: تفرد به هارون بن موسى وهارون شيخ لا يقبل منه ما يتفرد به لا سيما مثل هذا ص (٥٠٣) ، قلت: وتابع هارون محمد بن عبد الرحمن القشيري، أخرجه ابن أبي عاصم في السنة رقم (٣٧) ،وابن عدي في الكامل (٧/٥٠٥) ، من طريق بقية بن الوليد عن محمد بن عبد الرحمن القشيري به، ومحمد بن عبد الرحمن القشيري: قد قال فيه أبو الفتح الأزدي، كذاب متروك الحديث، وقال الدارقطني: متروك، وقال ابن عدي: منكر الحديث، وقال الذهبي: فيه جهالة وهو متهم ليس بثقة. ذكر ابن عدي حديثه هذا قال: وهذه الأحاديث لمحمد بن عبد الرحمن القشيري بأسانيد كلها مناكير بهذا الإسناد/ وفيها ما متنه منكر ومحمد هذا مجهول وهو من مجهولي شيوخ بقية، وانظر كلام ابن الجوزي حول هذا الحديث في العلل المتناهية (١/١٤٥) ، وأخرج نحوه ابن وضاح في البدع والنهي عنها رقم (١٥٦) من طريق بقية عن محمد بن عبد الرحمن القشيري عن هشام عن الحسن مرسلاً، وفي إسناده القشيري وقد تقدم أنه متروك الحديث.

стр. 448

حديث: "ثلاث جدهن جد .." المجيب عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٠٦/٠٧/١٤٢٥هـ السؤال بسم الله الرحمن الرحيم. مشايخنا الكرام والإخوة في موقع (الإسلام اليوم) -جزاكم الله خيراً-. ما صحة الحديث الوارد عن النبي ﷺ القائل: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد". وجزاكم الله خيراً. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: حديث: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد؛ النكاح والطلاق والعتق". رواه أبو داود (٢١٩٤) ، والترمذي (١١٨٤) ، وابن ماجة (٢٠٣٩) ، وسعيد بن منصور (١٦٠٣) ، وابن الجارود في (المنتقى (٧١٢) ، والطحاوي (٤/٩٨) ، والدارقطني (٣/٢٥٦و٢٥٧) ، و (٤/١٨-١٩) ، والحاكم (٢/١٩٨) ، والبيهقي (٧/٣٤٠-٣٤١) ، والبغوي (٩/٢١٩) كلهم من طريق عبد الرحمن بن حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن يوسف بن ماهك عن أبي هريرة ﵁ به. قال الترمذي (٤/١٧١) هذا حديث حسن غريب ... اهـ، وأقره المنذري في مختصر السنن (٣/١١٩) . وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وعبد الرحمن بن حبيب من ثقات المدنيين ولم يخرجاه. اهـ. وتعقبه الذهبي فقال: فيه لين ٠اهـ. وعبد الرحمن بن حبيب بن أردك المدني، قال النسائي: منكر الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات، وجهله القطان في كتابه " بيان الوهم والإيهام" (٣/٥٠٩-٥١٠) . وتعقبه الذهبي فقال في النقد (ص ٩٨) : قال النسائي: منكر الحديث. اهـ. وكذا قال في التنقيح (٢/٢٠٧) . ولما نقل الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير" (٣/٣٣٦) تصحيح الحاكم قال: وهو من رواية عبد الرحمن بن حبيب بن أردك، وهو مختلف فيه. قال النسائي: منكر الحديث. ووثقه غيره فهو على هذا حسن. اهـ. ولما نقل الألباني ﵀ في "الإرواء" (٦/٢٢٥) قول الحافظ ابن حجر: "ووثقه غيره". قال: ليس بحسن؛ لأن الغير المشار إليه إنما هو ابن حبان لا غير، وتوثيق ابن حبان مما لا يوثق به إذا تفرد به، كما بينه الحافظ في مقدمة اللسان، وهذا إذا لم يخالف، فكيف وقد خالف هنا النسائي في قوله فيه: منكر الحديث، ولذلك رأينا الحافظ لم يعتمد على توثيقه في كتابه الخاص بالرجال (التقريب) ، فالسند ضعيف وليس بحسن عندي والله أعلم. اهـ. ورواه ابن عدي في الكامل (٦/٥) قال: حدثنا زيد: ثنا مسعود: ثنا عمر بن أيوب: ثنا غالب عن الحسن عن أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاث ليس فيهن لعب من تكلم بشيء منهم لاعباً فقد وجب عليه الطلاق والعتاق والنكاح". وهذا الحديث إسناده ضعيف؛ لأن فيه غالب بن عبيد الله العقيلي الجزري وهو ضعيف، بل قال أبو حاتم والنسائي: متروك. اهـ. ولهذا قال الحافظ ابن حجر في "الدراية" (٢/٩١) : وفي إسناده غالب بن عبد الله وهو متروك. اهـ. والخلاصة أن الحديث الوارد في السؤال ضعيف. والله أعلم.

стр. 449

تفسير ابن عباس لقوله تعالى: (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ) المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٢٢/١١/١٤٢٥هـ السؤال ما صحة نسبة هذه الآثار إلى ابن عباس، ﵄: ١- في قول الله تعالى: (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ) [الذاريات:٤٧] . قال: أي بقوة عظيمة. (رواه الطبري وذكره سفيان الثوري وقتادة) . ٢- في قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [النور:٣٥] . أولها ابن عباس بالهادي الذي يخلق الهداية. (رواه الطبري) . ٣- في قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ) [القلم:٤٢] . أولها ابن عباس، ﵄، باشتداد الأمور في يوم القيامة؟ الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد: هذه الآثار الثلاثة مما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ﵄، ومن المعلوم أن علي بن أبي طلحة له نسخة مشتملة على تفسير ابن عباس، ﵄، وقد أثنى عليها العلماء؛ لأنها من أجود الطرق وأصحها عن ابن عباس، ﵄، قال الإمام أحمد: بمصر صحيفة في التفسير، رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدًا، ما كان كثيرًا. وقال الحافظ ابن حجر: وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث، رواها عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ﵄، وهي عند البخاري عن أبي صالح، وقد اعتمد عليها في صحيحه كثيرًا فيما يعلقه عن ابن عباس. وقال الحافظ السيوطي: وقد ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة، وفيه روايات وطرق مختلفة، فمن جيدها طريق علي بن أبي طلحة عنه. وتنظر هذه الآثار في صحيفة علي بن أبي طلحة التي جمعها بعض الباحثين (ص: ٣٧٥، ٤٦٦، ٤٩٦) ، وليس ما جاء عن ابن عباس من باب التأويل، بل فهم منها ابن عباس، ﵄، أنها ليست نصًّا في الصفات، إذ لا يعرف عن الصحابة، ﵃، تأويل شيء من نصوص الصفات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة، ﵃، اختلاف في تأويلها، وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، ﵃، وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة، ﵃، أنه تأوَّل شيئًا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف.... وتمام هذا أنى لم أجدهم تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ) . فروى عن ابن عباس، ﵄، وطائفة أن المراد به الشدة، أن الله يكشف عن الشدة في الآخرة، وعن أبى سعيد وطائفة أنهم عدوها في الصفات؛ للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين، ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات فإنه قال: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ) . نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله ولم يقل عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل، إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف. ينظر: مجموع الفتاوى (٦/٣٩٤) . وقال أيضًا: ثم قول من قال من السلف: هادي أهل السموات والأرض. لا يمنع أن يكون في نفسه نورًا، فإن من عادة السلف في تفسيرهم أن يذكروا بعض صفات المُفسَّر من الأسماء أو بعض أنواعه، ولا ينافى ذلك ثبوت بقية الصفات للمسمَّى بل قد يكونان متلازمين ولا دخول لبقية الأنواع فيه..... فقول من قال: (نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) : هادى أهل السماوات والأرض. كلام صحيح، فإن من معاني كونه نور السماوات والأرض أن يكون هاديًا لهم، أما أنهم نفوا ما سوى ذلك فهذا غير معلوم، وأما أنهم أرادوا ذلك فقد ثبت عن ابن مسعود أنه قال: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور السماوات من نور وجهه. وقد تقدم عن النبي ﷺ من ذكر نور وجهه، وفى رواية (النور) ما فيه كفاية. ينظر: مجموع الفتاوى (٦/٣٩٠) . والحاصل أن بعض الآيات والأحاديث يفهم من سياقها والقرائن المحتفة بها أنها ليست نصًّا في الصفات، فتفسر بما يفهم من المقصود بها مثل قوله تعالى: (فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) [البقرة:١١٥] . ومثل قوله تعالى: (أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ) [الزمر:٥٦] . وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) [يس:٧١] . قال الحافظ ابن رجب- معلقًا على قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا) : وليس المراد هنا الصفة الذاتية- بغير إشكال- وإلا استوى خلق الأنعام وخلق آدم ﵇. فتح الباري لابن رجب (١/٧) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها: القطع بالطريقة الثابتة كالآيات والأحاديث الدالة على أن الله فوق عرشه، ويعلم طريقة الصواب في هذا وأمثاله، بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك؛ دلالة لا تحتمل النقيض، وفى بعضها قد يغلب على الظن ذلك مع احتمال النقيض، وتردد المؤمن في ذلك هو بحسب ما يؤتاه من العلم والإيمان، (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [النور:٤٠] . ينظر: مجموع الفتاوى (٥/١١٧) . هذا والله أعلم.

стр. 450

الأحاديث الضعيفة في كتاب (قصص الأنبياء) المجيب عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٢٩/٣/١٤٢٥هـ السؤال هل يوجد أحاديث ضعيفة في كتاب ابن كثير (قصص الأنبياء؟) . الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: هذا الكتاب كغيره من كتب التاريخ التي لم يشترط مؤلفوها أن لا يذكروا إلا صحيحاً، وكتب التاريخ عامة يكون فيها الصحيح ويكون فيها الضعيف بل والموضوع، ومن المؤلفات التي يكثر فيها الموضوعات والأخبار الإسرائيلية - قصص الأنبياء للثعلبي، وتنبيه الغافلين للسمرقندي، وقرة العيون له أيضا، وبدائع الزهور في وقائع الدهور لابن إياس -، وكتاب إحياء علوم الدين للغزالي -، ومن التفاسير المشهورة: تفسير الزمخشري، وتفسير النسفي -، وتفسير البيضاوي، وغيرها كثير، وعلى القارئ أن يحذر أخذ الحديث من غير أهله، وأن يسأل أهل الحديث عما يشكل عليه منها، وليعلم أن جملة المؤلفين في التاريخ والتفسير والرقائق - حتى الفقه والحديث أحيانا - لم يشترطوا أن لا يذكروا إلا حديثا صحيحاً إلا ما ندر منهم كصاحبي الصحيح البخاري ومسلم وابن خزيمة وابن حبان وقلائل من المصنفين، وقد أجاز بعض أهل العلم ذكر الحديث الضعيف من غير بيان ضعفه لكن شرطوا لذلك شروطاً: الأول: أن يكون الحديث في القصص أو المواعظ أو فضائل الأعمال أو نحو ذلك مما لا يتعلق بالعقائد ولا بالحلال والحرام. ثانياً: أن يكون مندرجاً تحت أصل عام في الشريعة. ثالثاً: أن لا يكون موضوعاً ولا ضعيفاً ضعفاً شديداً. قال عبد الرحمن بن مهدي - فيما أخرجه البيهقي في المدخل: " إذا روينا عن النبي ﷺ في الحلال والحرام والأحكام الشرعية شددنا في الأسانيد، وانتقدنا الرجال، وإذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب سهلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال". وقال أحمد - في رواية الميموني عنه: (الأحاديث الرقائق يحتمل أن يتساهل فيها حتى يجيء شيء فيه حكم) . وقال في رواية الدوري عنه: (ابن إسحاق رجل تكتب عنه هذه الأحاديث، يعني المغازي ونحوها، وإذا جاء الحلال والحرام أردنا قوماً هكذا - وقبض أصابع يديه الأربع) . ومسألة رواية الحديث الضعيف في غير باب الأحكام، مسألة نزاع وخلاف بين أهل العلم قديماً وحديثاً. يرجع فيها إلى ما كتبه أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى ١٨/٦٥-٦٨. ولشيخنا الدكتور/ عبد الكريم الخضير -حفظه الله- مؤلف نفيس في هذا الموضوع فليرجع إليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 451

درجة حديث: "سبعة يلعنهم الله تعالى ... " المجيب د. محمد بن سليمان المنيعي عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ١٨/٠٨/١٤٢٥هـ السؤال ما صحة حديث: "سَبْعَةٌ يَلْعَنُهُم اللهُ تعالى ولا يَنظُرُ إليهم يومَ القِيامَةِ، ويقولُ: ادخُلوا النَّارَ مع الدَّاخِلِين: الفَاعِلُ والمفعولُ به -يعني اللواط- وناكِحُ البهيمةِ، وناكحُ الأمِّ وبنتِها، وناكحُ يدِهِ، إلاَّ أنْ يتُوبُوا". ثم إن كان صحيحًا، لماذا لم يستدل به العلماء على حرمة فعل العادة السرية؟ وما درجة انتساب هذا القول لابن عباس، ﵄: "أن اللوطيَّ إذا مات من غير توبة فإنه يُمسَخُ في قبرِه خِنزيرًا". وهل نحن، أهل السنة والجماعة، نؤمن بالمسخ؟! الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: الحديث ضعيف، ضعفه ابن حجر العسقلاني وغيره، وأما ما ذكرت من الأثر عن ابن عباس، ﵄ فقد أخرجه مرفوعًا أبو الفتح الأزدي في كتاب الضعفاء، كما في لسان الميزان ١/٤٤٦، وكشف الخفاء ٢/٥٣٢، وهو لا يثبت؛ ومعناه لا يصح، فما وجه الزجر في المسخ بعد الدفن، وليس له نظائر في الشرع، وأما سؤالك عن الإيمان بالمسخ، فالمسخ أوقعه الله في أمة من اليهود، كما في قوله سبحانه: (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ) ] البقرة: من الآية٦٥ [. وسيقع في قوم من هذه الأمة يستحلون الحِرَ، والحرير، والخمر، والمعازف، يمسخون قردة وخنازير، رواه البخاري (٥٥٩٠) من حديث أبي مالك الأشعري. والله أعلم.

стр. 452

هل ورد شيء في تفضيل الشباب على الشيوخ ؟ المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ١٨/٠٨/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هل ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "بعثني الله وصدقني الشباب وكذبني الشيوخ". أو نحو هذا المعنى, وهل ثبت في فضل الشباب شيء؟ أرجو منكم التكرم بالإجابة عن هذا السؤال، ونتمنى أن يكون المجيب هو الشيخ القناص أو الشيخ حاتم العوني لتخصصهما في هذا الفن. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. هذا الحديث لم أقف عليه بعد البحث الواسع في كتب السنة وغيرها من المصادر، ولكن من المعلوم أن الشباب أسرع استجابة وأقبل للحق من الشيوخ، فكثير من السابقين الأولين ممن استجاب لدعوة الإسلام كانوا من الشباب، قال الحافظ ابن كثير- ﵀ عند قوله تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) [الكهف:١٣] . قال: فذكر تعالى أنهم فتية، وهم الشباب، وهم أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في دين الباطل، ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله ﷺ شبابًا، وأما المشايخ من قريش فعامتهم بقوا على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل، وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شبابًا. [تفسير ابن كثير (٣/٧٥) ] . وقال أبو حمزة الشاري الخارجي في خطبته المشهورة: يا أهل الحجاز، قد بلغني أنكم تعيرونني بأصحابي وتزعمون أنهم شباب، ويحكم! وهل كان أصحاب رسول الله ﷺ إلا شبابًا؟ ... أخرجه الفاكهي (١٩٠٩) . وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ مِنْ النَّفَلِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: فَتَقَدَّمَ الْفِتْيَانُ وَلَزِمَ الْمَشْيَخَةُ الرَّايَاتِ فَلَمْ يَبْرَحُوهَا، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَالَ الْمَشْيَخَةُ: كُنَّا رِدْءًا لَكُمْ، لَوْ انْهَزَمْتُمْ لَفِئْتُمْ إِلَيْنَا فَلَا تَذْهَبُوا بِالْمَغْنَمِ وَنَبْقَى. فَأَبَى الْفِتْيَانُ، وَقَالُوا: جَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) إِلَى قَوْلِهِ: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ) [الأنفال:١-٥] . أخرجه أبو داود (٢٧٣٧) والنسائي في السنن الكبرى (١١١٩٧) . وكان العلماء في تعليمهم وتدريسهم يعتنون بالشباب، ويحرصون عليهم؛ لكونهم أقدر من غيرهم على حمل العلم وتبليغه، حيث يتوفر فيهم القوة والنشاط، وحدة الذهن، وصفاء النفس، وصدق الرغبة، وقوة الحافظة، فعن أبي سعيد الخدري، ﵁، أنه كان إذا رأى الشباب قال: مرحبًا بوصية رسول الله ﷺ ؛ أوصانا رسول الله ﷺ أن نوسع لكم في المجلس، وأن نُفهمكم الحديثَ، فإنكم خلوفنا، وأهل الحديث بعدنا. وكان يقبل على الشاب يقول له: يا ابن أخي، إذا شككت في شيء فسلني حتى تستيقن، فإنك إن تنصرف على اليقين أحب إلي من أن تنصرف على الشك. أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٧٤١) . وعن ابن عباس، ﵄، قال: ما بعث الله نبيًّا إلا وهو شاب، ولا أوتي عالم علمًا إلا وهو شاب. أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٤٢١) . وكان الحسن يقول: قَدِّموا إلينا أحداثكم، فإنهم أفرغ قلوبًا، وأحفظ لما سمعوا، فمن أراد الله أن يتمه له أتمه. وقال مالك بن دينار: إنما الخير في الشباب. وعن سعيد بن رحمة الأصبحي قال: كنت أسبق إلى مجلس عبد الله بن المبارك بليل، معي أقراني، لا يسبقني أحد، ويجيء هو مع الأشياخ، فقيل له: قد غلبنا عليك هؤلاء الصبيان. فقال: هؤلاء أرجى عندي منكم، أنتم كم تعيشون؟ وهؤلاء عسى الله أن يَبْلُغ بهم. قال سعيد: فما بقي أحد غيري. وعن يحيى بن حميد الطويل قال: أتينا يومًا حماد بن سلمة وبين يديه صبيان يحدثهم، فجلسنا إليه حتى فرغ فقلنا له: يا أبا سلمة، نحن مشايخ أهلك، قد جئناك، تركتنا وأقبلت على هؤلاء الصبيان! قال: رأيت فيما يرى النائم كأني على شط نهر، ومعي دُلَيَّة أسقي فَسِيلاً فَتأوَّلْتُهُ هؤلاء الصبيان. ولما كلف أبو بكر، ﵁، زيد بن ثابت، ﵁، بجمع القرآن، قال له: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ وَلَا نَتَّهِمُكَ، كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ ... أخرجه البخاري (٤٦٧٩) . قال الحافظ ابن حجر: ذكر له أربع صفات مقتضية خصوصيته بذلك: كونه شابًّا فيكون أنشط لما يطلب منه، وكونه عاقلاً فيكون أوعى له، وكونه لا يتهم فتركن النفس إليه، وكونه كان يكتب الوحي فيكون أكثر ممارسة له، وهذه الصفات التي اجتمعت له قد توجد في غيره لكن مفرقة. [فتح الباري (٩/١٣) ] . والشاب إذا وفق للاستقامة والثبات على الدين، وسلوك مسلك الاعتدال والوسط، والبعد عن الغلو والإفراط؛ فهو على خير عظيم، فقد أخبر النبي ﷺ ، أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظله إلا ظله شابًّا نَشَأ في طَاعَةِ اللهِ. أخرجه البخاري (٦٦٠) ، ومسلم (١٠٣١) . وفي الحديث الآخر: "إِنَّ اللَّهَ لَيَعْجَبُ مِنْ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ". أخرجه أحمد (١٧٣٧١) . والشباب بما أعطاهم الله من القوة والنشاط والحماس بحاجة إلى الاستفادة من حكمة الشيوخ، وتجاربهم في الحياة، وحسن نظرهم في العواقب ومآلات الأمور، ولهذا لما أعطى النبي ﷺ المؤلفة قلوبهم يوم حنين من أموال هوازن، وسمع أن ناسًا من الأنصار قالوا: يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فلما جمعهم قال: " مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ ". فَقَالَ لَهُ فُقَهَاءُ الْأَنْصَارِ: أَمَّا ذَوُو رَأْيِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ، قَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُمْ، أَفَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالْأَمْوَالِ وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ". فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ رَضِينَا. قَالَ: "فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أَثَرَةً شَدِيدَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ". قَالُوا: سَنَصْبِرُ. أخرجه البخاري (٣١٤٧) ، ومسلم (١٠٥٩) . ولما ذكر النبي ﷺ الخوارج وصفهم بحداثة الأسنان، وسفاهة الأحلام، ففي حديث علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". أخرجه البخاري (٣٦١١) ، ومسلم (١٠٦٦) . ويؤخذ من هذا أن حداثة السن مظنة للوقوع في الخطأ والزلل والغلو في الدين إذا لم تقترن بالعقل والعلم والفقه في الدين، والبعد عن التسرع، والأخذ عن العلماء الربانيين الراسخين في العلم، والتأسي بهم، والوقوف عند كلامهم. والله أعلم.

стр. 453

شبهة في تجويز البدعة المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٢٦/١٠/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم ... وبعد: قرأت في فتح الباري تعليقًا لابن حجر- ﵀ على حديث: (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نعيم بن عبد الله المجمر، عن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع الزرقي، عن النبي ﷺ ؛ فلما رفع رأسه من الركعة قال: "سمع الله لمن حمده". قال رجل وراءه: (ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه) . فلما انصرف قال: "من المتكلم؟ ". قال: أنا. قال: "رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول". قول استدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور) . وسؤالي هو: ألا يخالف قول ابن حجر هذا- أومن نقل عنه هذا القول- حديث رسول الله ﷺ : "كل محدثة بدعة"؟ وعلى قوله فهل يجوز لي أن أحدث دعاءً جديدًا في الصلاة؟ وجزاكم الله خيرًا. الجواب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد: أقول، وبالله التوفيق والسداد: حديث رفاعة بن رافع، ﵁، في صحيح البخاري (٧٩٩) . وأمّا قول الحافظ ابن حجر في الفتح (٢/٣٣٥) : (واستدلّ به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالفٍ للمأثور) . فليس فيه مخالفةٌ لقوله ﷺ : "كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ". لأنّ الحافظ لم يُجوّز المداومة على هذا الذكر دون توقيف من النبيّ ﷺ ، وإنما نقل جواز الذكر بغير المأثور في الصلاة دون تعرُّضٍ لكون هذا الذكر داومَ عليه المصلّي أو لم يداوم عليه. والذي يُرجِّحُ أن الحافظ إنما نقل الجواز بناءً على أنه كان ذكرًا عارضًا من غير مداومة عليه ولا كان بقصد المداومة عليه، أنه رجّح أن قصّة هذا الحديث قد وقعت للصحابي الذي رواه، وهو رفاعة بن رافع، ﵁، وأنه قال هذا الذكر بعد أن عطس في صلاته، كما جاء مصرّحًا به عند أبي داود (٧٧٣) ، والترمذي (٤٠٤) ، والنسائي (٩٣١) ، وجمع الحافظ بين حديث البخاري وحديث هؤلاء بقوله: (والجواب أنه لا تعارض بينهما، بل يُحمل على أن عطاسه قد وقع عند رفع رأس رسول الله ﷺ . وبناءً على ذلك: فالحافظ إنما نقل جواز ذكرٍ غيرِ مأثور على وَجْه العُرُوض والندرة، لا على وجه التكرار أو المداومة. وهذا ليس من الابتداع في شيء، وهو يتخرّج على قول من يُجيز الذكر بغير المأثور، في صلاة الفرض، إذا كان من دعاء الآخرة، وهو قول عامّة أهل العلم: [انظر: بداية المجتهد لابن رشد (١/٩٢) ، والمغني لابن قدامة (٢/٢٣٧- ٢٣٩) ، والشرح الكبير للحفيد مع الإنصاف في حاشيته (٣/٥٥٣- ٥٦٠، ٦٢٦- ٦٣٣) . بل ظاهر الحديث يدل على أكثر من ذلك، كما قال ابن عبد البر في التمهيد (١٦/١٩٩) : (وفي حديث هذا الباب لمالكٍ أيضًا دليل على أن الذكر كله والتحميد والتمجيد ليس بكلام تفسد به الصلاة، وأنه كله محمود في الصلاة المكتوبة والنافلة، مستحبٌّ مرغوب فيه) . ولذلك فليس في كلام الحافظ ابن حجر مؤاخذة عندي، لا من جهة أنه نقله عن غيره فقط، وإنما من جهة أنه لا يدل على أن ابتداعَ ذكر في الصلاة جائز؛ لأن الذكر بغير المأثور، إذا لم يكن على جهة المداومة والاعتياد عليه، ولا على وجه الحثّ عليه، وأمر الناس به حتى يتوهَم الناس أنه مأثور أو أنه مستحبٌّ على التخصيص- لا وَجْهَ للقول ببدعيّته. والله أعلم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

стр. 454

حديث: "يضحك الله إلى رجلين ... " المجيب د. أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٤/٦/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم. هناك حديث يذكر أن الله يضحك إلى ثلاثة أشخاص، فعلام يدل من يضحك الله إليه؟ ومن هم هؤلاء النفر؟ سمعت أن منهم من يترك زوجته في الليل ليتهجد، وهل ينطبق ذلك أيضاً على المرأة؟. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. روى ابن ماجة (٢٠٠) وأحمد (١١٣٥٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ليضحك إلى ثلاثة للصف في الصلاة، وللرجل يصلي في جوف الليل، وللرجل يقاتل أراه قال: خلف الكتيبة" وهذا الحديث لا يصح؛ لأن في سنده: (مجالد بن سعيد) ضعيف، والصحيح: "يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يُقاتل هذا في سبيل الله فيُقتل ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد" رواه البخاري (٢٨٢٦) ومسلم (١٨٩٠) من حديث أبي هريرة ﵁، وضحك الله للشخص دليل الرضا عنه، وإذا ﵁ أكرمه وأدخله الجنة. والله أعلم.

стр. 455

مرويات حديث "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ... " المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٢٤/١١/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ما صحة هذا الحديث: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ... ". قيل من هم وأين هم؟ قال: "هم في بيت المقدس". أو كما قال، لا أحفظ الحديث، ولكن هل هم فعلاً الذين في بيت المقدس؟ وجزاكم الله خيرًا. الجواب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد: هذا الحديث بالسياق الذي ذكره السائل في مسند الإمام أحمد (٢٢٣٢٠) وجادةً؛ قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: (وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي بِخَطِّ يَدِهِ: حَدَّثَنِي مَهْدِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ، عَنِ السَّيْبَانِيِّ- وَاسْمُهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرٍو- عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ". وفي إسناده عمرو بن عبد الله السيباني الحضرمي، لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي. وللحديث شاهد من حديث مُرَّة بن كعب البهزي، ﵁، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لَا تَزَالُ طائِفةٌ مِن أُمَّتي عَلَى الحَقِّ ظاهِرِين على مَن نَاوَأَهُمْ، وَهُمْ كالإِنَاءِ بينَ الأَكَلَةِ حتَّى يَأْتِي أَمْرُ اللهِ وهُمْ كَذَلِكَ". قلنا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: "بأَكْنَافِ بيتِ المَقْدِسِ". أخرجه الطبراني ٢٠/٣١٧ (٧٥٤) . ومن حديث أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لَا تَزَالُ عِصابَةٌ مِن أُمَّتي يُقاتِلونَ علَى أبوابِ دِمَشْقَ ومَا حَوْلَهُ، وعلَى أبوابِ بيتِ المَقْدِسِ ومَا حَوْلَهُ، لَا يَضُرُّهُم خِذْلانُ مَن خذَلهم، ظَاهِرِين علَى الحَقِّ إلى أنْ تَقُومَ السَّاعَةُ". أخرجه أبو يعلى (٦٤١٧) ، والطبراني في الأوسط (٤٧) ، وابن عدي في الكامل ٧/٨٤. وأصل الحديث في الصحيحين دون قوله: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ". من حديث الْمُغِيرَةِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ". البخاري (٣٦٤٠) ، ومسلم (١٩٢١) . وأخرجاه من حديث معاوية، ﵁، قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ". قَالَ عُمَيْر بن هاني -الراوي عن معاوية-: فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ: قَالَ مُعَاذٌ: وَهُمْ بِالشَّأْمِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هَذَا مَالِكٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّأْمِ. البخاري (٣٦٤١) ومسلم (١٠٣٧) . وأخرجه مسلم (١٩٢٠) من حديث ثوبان، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". وأخرجه مسلم (١٩٢٢) من حديث جابر بن سمرة، ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ". وأخرجه مسلم (١٩٢٣) من حديث جابر بن عبد الله، ﵄، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". وأخرج أبو داود (٢٤٨٤) ، والإمام أحمد (١٩٨٥١) ، من حديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ ﵎ وَيَنْزِلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇". وأخرج الإمام أحمد (٨٢٧٤) ، من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَزَالُ لِهَذَا الْأَمْرِ- أَوْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ- عِصَابَةٌ عَلَى الْحَقّ، ِ وَلَا يَضُرُّهُمْ خِلَافُ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ". وهذا الحديث من الأحاديث المستفيضة المشهورة، بل يمكن أن يكون متواترًا فقد رواه ما يقرب من عشرين صحابيًّا، ﵃، وفيه بشارة لهذه الأمة المحمدية ببقاء واستمرار وجود طائفة من هذه الأمة على الحق إلى أن يأتي أمر الله، لا يضرهم خلاف المخالف، ولا خذلان الخاذل. والمتأمل في هذه الأحاديث يجد أن بعضها حدد هذه الطائفة ببيت المقدس، وبعضها بالشام، وبعضها أطلق ولم يحدد، ولا خلاف بينها بإذن الله، حيث يمكن توجيه تحديد الطائفة بالشام وبيت المقدس على ما يكون قبل قيام الساعة، حيث تدل النصوص الكثيرة على أن معظم الأحاديث المتعلقة بالمهدي وعيسى ونحوهما من أحداث الساعة إنما تكون بالشام، فيكون قوله: "ببيت المقدس". أي حال إتيان الأمر. قال الحافظ ابن حجر فيما نقله عن الطبري: (المراد بالذين يكونون ببيت المقدس الذين يحصرهم الدجال إذا خرج، فينزل عيسى إليهم فيقتل الدجال، ويظهر الدين في زمن عيسى، ثم بعد موت عيسى تهب الريح المذكورة، فهذا هو المعتمد في الجمع، والعلم عند الله تعالى....) ينظر: فتح الباري (١٣/٢٩٤) . وأما الأحاديث التي دلت على وجود الطائفة المنصورة ولم يرد فيها التحديد فتحمل على إطلاقها، والله أعلم، ويؤخذ منها وجود هذه الطائفة ولا يلزم أن تكون محددة بمكان، قال الإمام النووي. (وأما هذه الطائفة فقال البخاري: هم أهل العلم. وقال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. وقال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث ... ) . وقال أيضًا: (ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون ومنهم فقهاء ومنهم محدثون ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر ومنهم أهل أنواع أخرى من الخي، ر ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض ... ) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٣/٦٧) .

стр. 456

هل تجاب دعوة الساهي في دعائه ؟ المجيب د. رفعت فوزي عبد المطلب رئيس قسم الشريعة بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ١٢/٠١/١٤٢٦هـ السؤال السلام عليكم. سمعت من أحد الوعاظ أن من دعا بشيء وعقله في شيء آخر أي أنه ساهٍ في دعائه لا يجيب الله دعاءه، وقال الواعظ إن موسى ﵇ مرّ على رجل يدعو ربه فطلب من موسى-﵇ أن يدعو له حتى يجيبه الله، فقال له ربه: إن الرجل يدعو وعقله في غنمه وأن لو كان عقله معي لأجبته. هل هذا صحيح؟ وجزاك الله خيراً. الجواب الحمد لله رب العالمين، مجيب السائلين، وحبيب التائبين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد النبي الهادي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أولاً: أدعو الله لك ـ يا أختنا الكريمة ـ أن يحقق لك الخير حيث كان، وأن يهيئ لك من أمرك رشدا، وأن يهدينا وإياك إلى ما فيه رضاه. ثانيًا: لم أجد هذه الرواية التي جاءت في سؤالك الكريم في أي من كتب الحديث المعروفة، إلا رواية ضعيفة ساقها الألباني ﵀ في السلسلة الضعيفة برقم (٣١٧) وجاء فيها "إن موسى بن عمران مر برجل وهو يضطرب، فقام يدعو له أن يعافيه، فقيل له: يا موسى إنه ليس الذي يصيبه خبط من إبليس، ولكنه جوَّع نفسه لي فهو الذي ترى، إني أنظر إليه كل يوم مرات أتعجب من طاعته لي، فمره فليدع لك فإن له عندي كل يوم دعوة". ثالثًا: هناك آداب وشروط للدعاء، كما أن هناك موانع لإجابة الدعاء، وإليك ـ أختي الكريمة ـ بعض ما يتعلق بهذا: قال سهيل بن عبد الله التّستري: شروط الدعاء سبعة: التضرع والخوف والرجاء والمداومة والخشوع والعموم وأكل الحلال. وقال ابن عطاء: إن للدعاء أركاناً وأجنحةً وأسباباً وأوقاتاً..... فإن وافق أركانه قوي، وإن وافق أجنحته طار في السماء، , وإن وافق مواقيته فاز، وإن وافق أسبابه نجح..، وأركانه حضور القلب والرأفة والاستكانة والخشوع، وأجنحته الصدق، ومواقيته الأسحار، وأسبابه الصلاة على النبي محمد ﷺ . وقد روى البخاري (٦٣٣٨) ، ومسلم (٢٦٧٨) واللفظ للبخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولنَّ: اللهم إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له"، وفي الموطأ (٤٩٤) ، وصحيح البخاري (٦٣٣٩) ، ومسلم (٢٦٧٩) : "اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت". فلا بد من العزم في المسألة والاجتهاد في الطلب ويكون على رجاء من الإجابة ولا يَمل ولا يَسأم ولا يَقنط من رحمة الله التي وسعت كل شيء فإنه يدعو كريماً، وقد قال في هذا المعنى سفيان بن عينية: (لا يمنعنَّ أحداًً من الدعاء ما يعلمه من نفسه فإن الله تعالى قد أجاب شر الخلق إبليس حين دعاه قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين) . والمؤمن موضعه من ربه أقرب فكان لا بد من حسن الظن بالله حين يدعوه ويطلب منه، ففي كل فعل وأداء وأمر ونهي يحسن الظن بالله؛ بأن يقبله ويتقبل منه، وقد أخرج مسلم (٢٨٧٧) في هذا المعنى أن رسول الله ﷺ -قال: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله". وحسن الظن وطهارة القلب وصفاؤه لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض فلا يمكن أن يوجد حسن الظن وتنتفي طهارة القلب فالقلب الداعي لربه العابد له المؤتمر بما أمر يدعو ويطلب، وحُسن ظنه بربه أن يستجيب، يوضح ذلك ما روى شهر بن حوشب أن أم الدرداء ﵁ قالت له: يا شهر ألا تجد القشعريرة؟ قلت: نعم، قالت: فادع الله؛ فإن الدعاء مستجاب عند ذلك. وطهارة القلب وحُسن الظن إن تمازجا أنتجا (الرضا) ، والرضا هو اطمئنان القلب لقضاء الله ، وحين يدعو من اطمأن قلبه ورضي كان دعاؤه مناجاة لربه، وصدق الله العظيم ?اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ? [الزمر:٢٣] . ولابد في النهاية من حضور القلب والعقل في الدعاء فقد قال ﷺ : "اعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاهٍ" الترمذي (٣٤٧٩) .

стр. 457

حديث الصيحة إذا وافق نصف رمضان يوم جمعة المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ١١/٠٩/١٤٢٥هـ السؤال وردت بعض الأحاديث في كتاب (هرمجدون) التي تتحدث عن موافقة يوم الجمعة للنصف من رمضان، فإنه ستحدث صيحة في رمضان، ومعمعة في شوال، وأشياء كثيرة، فما مدى صحة هذه الأحاديث؟ وما الموقف الصحيح تجاهها؟. الجواب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: أقول وبالله التوفيق: لهذا الحديث ألفاظٌ متعدّدة، وروايات عِدّة، وكلّها لا يصحّ منها شيء. ١- فمنها حديث ابن مسعود ﵁: أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (رقم ٦٣٨) ، ومن طريقه الشاشي في مسنده (رقم ٨٣٧) ، وأبو الشيخ في الفتن (كما في اللآلئ المصنوعة للسيوطي ٢/٣٨٦) . وفي إسنادهم محمد بن ثابت بن أسلم البناني، وهو مختلفٌ فيه بين الضعف والضعف الشديد، وفي الإسناد إليه أيضًا من لا يُعتمد. ٢- حديث فيروز الديلمي (وفي صحبته خلاف) : أخرجه الطبراني في الكبير (١٨/٣٣٢) ، وأبو عَمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (رقم ٥١٨) ، والجورقاني في الأباطيل والمناكير (رقم ٤٦٨، ٤٦٩) ، وابن الجوزي في الموضوعات (رقم ١٦٨٧) . وبيّن الجورقاني وابن الجوزي شدّة ضعفه، بل حكم عليه ابن الجوزي بالوضع. ٣- حديث أبي هريرة ﵁، وله عنه طُرق: أ- أخرجه نعيم بن حماد (رقم ٦٢٨) ، ومن طريقه الحاكم في المستدرك (٤/٥١٧-٥١٨) ، والجورقاني في الأباطيل (رقم ٤٧٠) . وفيه مسلمة بن علي، وبه ضعّفه الحاكم، وأنكره الجورقاني، وكذّبه ابن الجوزي- (٣/٤٦١-٤٦٢) ، وتعقبه الذهبي في تلخيص المستدرك بقوله عن مسلمة: "بل هو ساقطٌ متروك". ب- أخرجه العقيلي في الضعفاء - في ترجمعة عبد الواحد بن قيس- (٣/٨٠٧ رقم ١٠١٤) ، وابن الجوزي في الموضوعات (رقم ١٦٨٦) ؛ من طريق عنبسة بن أبي صغيرة، عن الأوزاعي عن عبد الواحد بن قيس عن أبي هريرة. وعنبسة اتّهمه الذهبي، ودافع عنه ابن حجر (اللسان ٦/٢٤٢) ، وعبد الواحد لم يسمع من أبي هريرة، وهو مختلفٌ فيه بين تضعيف شديد وتوثيق. ونكارة هذا الحديث لا تعدو أحدهما، وأظن المتّهم به عنبسة، كما مال إليه الذهبي. ج- أخرجه الطبراني في الأوسط (رقم ٥١٦) من طريق نوح بن قيس عن البختري بن عبد الحميد عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة. وقال الطبراني عقبه: "لم يرو هذا الحديث عن شهر إلا البختري، تفرّد به نوح بن قيس". والبختري- بالخاء المعجمة، أو المهملة- مجهول، وقد قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/٢١٠) : "لم أعرفه". د- ورُوي موقوفًا على أبي هريرة: أخرجه نعيم بن حماد (رقم ٦٤٥) ، عن شيخ من الكوفيين عن ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة. وعلّقه الجورقاني في الأباطيل والمناكير (رقم ٤٧١) ، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/٤٦١) ، من طريق إسماعيل بن عياش عن ليث بن أبي سليم به. وفي الإسناد الأول إبهامُ شيخ نُعَيم بن حماد، وما في ليث من ضعف الحفظ. وفي الإسناد الثاني: فوق التعليق، أن حديث إسماعيل بن عياش عن غير الشاميين ضعيف، وليثٌ ليس شاميًّا. مع نكارة المتن في كليهما. ٤- حديث عبد الله بن عَمرو (وفيه جزء مرفوع وجزء موقوف عليه) : أخرجه نعيم بن حماد (رقم ٦٣١، ٦٣٢، ٩٨٦، ٩٨٧) ، ومن طريقه الحاكم في المستدرك ساكتًا عليه دون تصحيح (٤/٥٠٢) . فتعقّبه الذهبي بقوله عن رجال أحد طريقيه: "سنده ساقط، ومحمد أظنّه المصلوب". قلت: وفي إسناده أبو يوسف الكوفي ثم المقدسي (انظر: الفتن لنعيم بن حماد رقم ٥٩٩) ، لم أستطع تمييزه، ففيه جهالة عندي، مع نكارة حديثه. وقد رُوي الحديث مرسلاً مقطوعًا على بعض التابعين، وهم: ١- سعيد بن المسيب مقطوعاً: أخرجه نعيم بن حماد (رقم ٦٢٩) ، ولا يصحّ عنه. ٢- شهر بن حوشب: أخرجه نعيم بن حماد (رقم ٦٣٠) ، وأبو عَمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (رقم ٥١٩) مرسلاً، وفي إسناده عنبسة بن عبد الرحمن بن عنبسة القرشي، وهو متروك متّهم بالوضع. وأخرجه نعيم من حماد (رقم ٦٥٢) مقطوعاً، ولا يصح عنه أيضاً. ٣- مكحول الشامي مرسلاً: أخرجه نعيم بن حماد (رقم ٦٢٦) عن رشدين بن سعد، عن ابن لهيعة، عن عبد الوهاب بن بخت، عن مكحول. ورشدين بن سعد وابن لهيعة فيهما ضعف مشهور، مع ضعف الإرسال من مكحول أيضاً. ٤- وكثير بن مُرّة: أخرجه نعيم بن حماد (رقم ٦٣٧، ٦٤٧، ٦٥٠، ٦٥٣) . ٥- وكعب الأحبار: أخرجه نعيم بن حماد (رقم ٦٢٢، ٦٤٣) . فيبدو أن مرجع هذا الخبر أنه من الإسرائيليّات، بدليل ذكر كعب الأحبار له. ثم أخذه عنه الكذّابون والمغفّلون وركّبوا له الأسانيد السابقة. ولذلك فقد تتابع العلماء على الحكم على هذا الحديث بالوضع، وأنه مكذوبٌ على رسول الله ﷺ ، ومن هؤلاء العلماء: ١- العقيلي في الضعفاء، حيث قال عقب أحد طرقه السابقة: "ليس لهذا الحديث أصل من حديث ثقة، ولا من وجه يثبت". ٢- والجورقاني في الأباطيل والمناكير. ٣- وابن الجوزي حيث أورده في الموضوعات. ٤- والذهبي (كما سبق عنه) ، وكما في الميزان (٢/٦٧٥) في ترجمة عبد الواحد بن قيس. ٥- وابن القيّم في المنار المنيف (رقم ٢١٢) . ٦- وعمر بن بدر الموصلي في المغني عن الحفظ والكتاب، كما في جُنّة المرتاب (رقم ٩٥) . ٧- وملا علي القاري في الأسرار المرفوعة (٤٥٠) . ٨- والعجلوني في كشف الخفاء (٢/٥٦٩) . أمّا السيوطي فخالف في الحكم عليه بالوضع، ولم يُصرّح بقبوله، كما في اللآلئ المصنوعة (٢/٣٨٦-٣٨٩) ، والنكت البديعات (رقم ٢٧١) ، وتابعه على ذلك ابن عراق- كعادته- في تنزيه الشريعة المرفوعة (٢/٣٤٧-٣٤٨) . والحديث واضح البطلان، ولذلك ضرب ابن القيم به وبأمثاله المثل على الأحاديث الظاهرة الكذب. وما أحسن ما تعقِّب به الجورقاني بعض الطرق السابقة، حيث بيَّن عللها الإسناديّة، ثم أورد حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنّة، وغُلّقت أبواب النار، وصُفّدت الشياطين"، وهو حديث متفق على صحّته. ثم قال عقب هذا الحديث وحديثٍ آخر بمعناه: "وهذا الشهر شهر رمضان مخصوصٌ بالبركة والخير والرحمة، بَشّرَ النبيُّ ﷺ أُمته بهذه الفضائل التي ذكرها في هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصِّحاح. فلا يجوز الذّهاب عن الحديث الصحيح إلى حديثٍ واهٍ باطل، ليس لسنده قِوام ولا لحقيقته نظام". (الأباطيل للجورقاني ٢/٨٨) . وصدق ﵀ وبَرَّ. هذا والله أعلم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

стр. 458

السفر بالقرآن إلى بلاد الكفار المجيب د. محمد بن عبد الرحمن العمير عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات الإسلامية بجامعة الملك فيصل بالإحساء وعميد كلية التربية بالجامعة التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ٠٧/٠١/١٤٢٦هـ السؤال ما صحة هذا الحديث: (عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) ، وقد قيل لي أن هذا النهى في حالة ما إذا خيف وقوعه بأيدي العدو، فكيف يصح هذا مع أن الحديث غير مقيد بشرط؟. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فهذا الحديث صحيح رواه الشيخان البخاري (٢٩٩٠) ، ومسلم (١٨٦٩) وغيرهما، والنهي مقيد بما إذا خيف على القرآن أن تنتهك حرمته من قبل العدو، تبين ذلك رواية مسلم، عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو، وعليه فإذا لم يخف على القرآن أن يمتهن، فلا شيء في السفر به، خاصة لمن لا يحفظ القرآن، فهو محتاج إلى تلاوته وعدم هجره. والله أعلم.

стр. 459

أسانيد (تاريخ الطبري) المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ١٩/١٠/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هل كل الأسانيد والأحاديث الواردة في كتاب الإمام الطبري (تاريخ الأمم والملوك) صحيحة؟ إن كان قليل منها غير صحيح أو أقل من مرتبة الصحيح فكيف أتأكد وأعرف ذلك؟ سبب سؤالي هو أني قرأت في المجلد الأول للطبري فوجدت أسانيد للصحابي الجليل عبد الله بن العباس، ﵄، ولكعب الأحبار قد أثارت الشك لدي، بالذات حينما قرأت في فصل خلق الأرض والشمس والقمر, والعين الحمئة. ونترك لسماحتكم الإجابة, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الجواب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله. وبعد: محمد بن جرير الطبري (٢٢٤ - ٣١٠ هـ) أحد الأئمة المشهورين في التفسير والفقه والتاريخ، واشتهر بكتابيه في التفسير والتاريخ، وكتابه في التاريخ من أوسع الكتب التاريخية وأكثرها شمولاً للأحداث والوقائع، ولم يلتزم الصحة فيما يذكره من الروايات والأخبار، ولكنه أوردها مسندة وترك الحكم للقارئ، على منهج وطريقة: العهدة على الرواة، ومن أسند فقد أحال. قال في مقدمته: فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين، مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا من الصحة ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أُتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنَّا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُدِّي إلينا. ينظر: تاريخ الطبري (١/٨) . وقد وقع في تاريخه كثير من الأخبار الواهية والإسرائيليات المنكرة، والأحاديث الموضوعة والضعيفة، ونجد في تاريخ الطبري الاعتماد على كتب الأخباريين المطعون في عدالتهم والمتكلم فيهم، من أمثلة: سيف بن عمر التميمي (ت ١٧٠ هـ) ، وأبي مخنف لوط بن يحيى (ت ١٥٧ هـ) ، وعلي بن محمد المدائني (٢٢٥ هـ) ، ومحمد بن عمر الواقدي (٢٠٧ هـ) ، وغيرهم، ويصعب التعامل مع تاريخ الطبري لغير المتخصصين الذين يستطيعون التمييز بين صحيح الأخبار وسقيمها، ولهذا أنصح السائل أن تكون مطالعته في كتاب البداية والنهاية للحافظ ابن كثير لعنايته بانتقاء الروايات والأخبار ونقد المرويات، حيث ذكر منهجه في مقدمته (١/ ٦) ، قال: أما بعد: فهذا كتابٌ أذكر فيه بعون الله وحسن توفيقه ما يسَّره الله تعالى بحوله وقوته من ذكر مبدأ المخلوقات من خلق العرش والكرسي والسموات والأرضين وما فيهن وما بينهن من الملائكة والجان والشياطين، وكيفية خلق آدم ﵇ وقصص النبيين، وما جرى مجرى ذلك إلى أيام بني إسرائيل، وأيام الجاهلية حتى تنتهي النبوة إلى أيام نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه، فنذكر سيرته كما ينبغي فتشفي الصدور والغليل وتزيح الداء عن العليل، ثم نذكر ما بعد ذلك إلى زماننا، ونذكر الفتن والملاحم وأشراط الساعة، ثم البعث والنشور وأهوال القيامة، ثم صفة ذلك وما في ذلك اليوم وما يقع فيه من الأمور الهائلة، ثم صفة النار ثم صفة الجنان وما فيها من الخيرات الحسان، وغير ذلك وما يتعلق به، وما ورد في ذلك من الكتاب والسنة والآثار والأخبار المنقولة المقبولة عند العلماء وورثة الأنبياء الآخذين من مشكاة النبوة المصطفوية المحمدية على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام، ولسنا نذكر من الإسرائيليات إلا ما أذن الشارع في نقله مما لا يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهو القسم الذي لا يصدق ولا يكذب مما فيه بسط لمختصر عندنا أو تسمية لمبهم ورد به شرعنا مما لا فائدة في تعيينه لنا، فنذكره على سبيل التحلي به لا على سبيل الاحتياج إليه والاعتماد عليه وإنما الاعتماد والاستناد على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ مهما صح نقله أو حسن، وما كان فيه ضعف نبينه، وبالله المستعان وعليه التكلان. وأُرشد السائل أيضًا إلى العناية بكتب السنة مثل الكتب الستة ومسند أحمد ولاسيما الصحيحين، مع الرجوع إلى شرحيهما مثل فتح الباري للحافظ ابن حجر، وشرح النووي على مسلم، وأما من أراد دراسة أسانيد تاريخ الطبري فعليه الرجوع إلى كتب الرجال لمعرفة مراتبهم ومنزلتهم، وكتب الرجال كثيرة، منها المتقدمة والمتأخرة، ومنها المطولة والمختصرة مثل: التاريخ الكبير للبخاري، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، طبقات ابن سعد، كتاب الثقات لابن حبان، والمجروحين له، الكامل لابن عدي، الضعفاء الكبير للعقيلي، الميزان للذهبي، تهذيب الكمال للمزي، وتهذيب التهذيب لابن حجر، وغيرها من الكتب التي صنفت في الرجال، ويمكن الاستفادة في البحث عن الرجال من برامج الحاسب مثل: المكتبة الألفية، الموسوعة الذهبية، موسوعة الكتب التسعة، وعلى الدارس للأسانيد التأكد من مواضع الاتصال والانقطاع، وذلك بالرجوع إلى كتب المراسيل مثل: المراسيل لابن أبي حاتم، جامع التحصيل للعلائي، وغيرهما، وعليه أيضًا الرجوع إلى كتب العلل للنظر في المحفوظ من الروايات وغير المحفوظ، وعلى كل حال فدراسة الأسانيد فن له أصوله وقواعده، ويمكن الاستفادة من الكتب التي ألفت في هذا الفن، وهي متوفرة في المكتبات، ويوجد لأساتذة الجامعات مذكرات في هذه المادة حيث إن مادة دراسة الأسانيد تدرس في كليات أصول الدين، وفي برنامج الماجستير والدكتوراه في تخصصات السنة وعلومها. والله أعلم.

стр. 460

حديث "من حمل جنازة فليتوضأ " المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها التاريخ ١٧/٠٤/١٤٢٦هـ السؤال فضيلة الشيخ: ما صحة حديث "من حمل جنازة فليتوضأ، ومن غسلها فليغتسل؟ ". الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد: الحديث المشار إليه في السؤال أخرجه الطيالسي (٢٣١٤) ، وابن أبي شيبة (١١١٥٣،١٢٠٠٠) ، وأحمد (٩٨٦٢) ، والبيهقي (١/٣٠٣) من طريق ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، قال: سمعت أبا هريرة عن النبي ﷺ قال: "من غسَّل ميتاً فليغتسل". وفي هذا الإسناد: صالح مولى التوأمة، وهو صدوق اختلط وقد اختلف في رفع هذا الحديث ووقفه، وأشار غير واحد من الأئمة -منهم الإمام أحمد والبخاري وأبو حاتم- إلى أن المحفوظ وقف الحديث على أبي هريرة ﵁. وللحديث طرق أخرى يطول المقام ببسطها [ينظر: البدر المنير (٢/٥٢٤ - ٥٤٣) ] . وقد ذكر غير واحد من الأئمة أنه لا يصح في هذا الباب شيء، منهم الإمام أحمد، وعلي بن المديني، والذهلي وقال الترمذي: "سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: إن أحمد بن حنبل وعلي بن عبد الله قالا: لا يصح في هذا الباب شيء " [ينظر: علل الترمذي (١/١٤٢) ، سنن البيهقي (١/٣٠٢) ] . وفي سنن البيهقي (١/٣٠٢) : "قال محمد بن يحيى: لا أعلم فيمن غسل ميتاً حديثاً ثابتاً، ولو ثبت لزمنا استعماله". وقال البيهقي (١/٣٠٢) بعد أن ذكره موقوفاً: " هذا هو الصحيح موقوفاً على أبي هريرة كما أشار البخاري". ويتلخص مما سبق أن الحديث موقوف على أبي هريرة ﵁ وعلى هذا فلا ينهض للاستدلال به على وجوب الغسل على من غَسَّل الميت، وقد ذهب بعض العلماء إلى استحباب الغسل لمن غسل ميتاً، وهذا قول الشافعي وإسحاق والأحناف، ورواية عن الإمام أحمد وعليها المذهب، وفي رواية أخرى لا يستحب، والله أعلم.
следующие страницы →