Полный текст (10 202 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
هل تجاب دعوة الساهي في دعائه ؟
المجيب د. رفعت فوزي عبد المطلب
رئيس قسم الشريعة بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ١٢/٠١/١٤٢٦هـ
السؤال
السلام عليكم.
سمعت من أحد الوعاظ أن من دعا بشيء وعقله في شيء آخر أي أنه ساهٍ في دعائه لا يجيب الله دعاءه، وقال الواعظ إن موسى ﵇ مرّ على رجل يدعو ربه فطلب من موسى-﵇ أن يدعو له حتى يجيبه الله، فقال له ربه: إن الرجل يدعو وعقله في غنمه وأن لو كان عقله معي لأجبته. هل هذا صحيح؟ وجزاك الله خيراً.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، مجيب السائلين، وحبيب التائبين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد النبي الهادي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
أولاً: أدعو الله لك ـ يا أختنا الكريمة ـ أن يحقق لك الخير حيث كان، وأن يهيئ لك من أمرك رشدا، وأن يهدينا وإياك إلى ما فيه رضاه.
ثانيًا: لم أجد هذه الرواية التي جاءت في سؤالك الكريم في أي من كتب الحديث المعروفة، إلا رواية ضعيفة ساقها الألباني ﵀ في السلسلة الضعيفة برقم (٣١٧) وجاء فيها "إن موسى بن عمران مر برجل وهو يضطرب، فقام يدعو له أن يعافيه، فقيل له: يا موسى إنه ليس الذي يصيبه خبط من إبليس، ولكنه جوَّع نفسه لي فهو الذي ترى، إني أنظر إليه كل يوم مرات أتعجب من طاعته لي، فمره فليدع لك فإن له عندي كل يوم دعوة".
ثالثًا: هناك آداب وشروط للدعاء، كما أن هناك موانع لإجابة الدعاء، وإليك ـ أختي الكريمة ـ بعض ما يتعلق بهذا:
قال سهيل بن عبد الله التّستري: شروط الدعاء سبعة: التضرع والخوف والرجاء والمداومة والخشوع والعموم وأكل الحلال.
وقال ابن عطاء: إن للدعاء أركاناً وأجنحةً وأسباباً وأوقاتاً..... فإن وافق أركانه قوي، وإن وافق أجنحته طار في السماء، , وإن وافق مواقيته فاز، وإن وافق أسبابه نجح..، وأركانه حضور القلب والرأفة والاستكانة والخشوع، وأجنحته الصدق، ومواقيته الأسحار، وأسبابه الصلاة على النبي محمد ﷺ .
وقد روى البخاري (٦٣٣٨) ، ومسلم (٢٦٧٨) واللفظ للبخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولنَّ: اللهم إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له"، وفي الموطأ (٤٩٤) ، وصحيح البخاري (٦٣٣٩) ، ومسلم (٢٦٧٩) : "اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت".
فلا بد من العزم في المسألة والاجتهاد في الطلب ويكون على رجاء من الإجابة ولا يَمل ولا يَسأم ولا يَقنط من رحمة الله التي وسعت كل شيء فإنه يدعو كريماً، وقد قال في هذا المعنى سفيان بن عينية: (لا يمنعنَّ أحداًً من الدعاء ما يعلمه من نفسه فإن الله تعالى قد أجاب شر الخلق إبليس حين دعاه قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين) .
والمؤمن موضعه من ربه أقرب فكان لا بد من حسن الظن بالله حين يدعوه ويطلب منه، ففي كل فعل وأداء وأمر ونهي يحسن الظن بالله؛ بأن يقبله ويتقبل منه، وقد أخرج مسلم (٢٨٧٧) في هذا المعنى أن رسول الله ﷺ -قال: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله".
وحسن الظن وطهارة القلب وصفاؤه لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض فلا يمكن أن يوجد حسن الظن وتنتفي طهارة القلب فالقلب الداعي لربه العابد له المؤتمر بما أمر يدعو ويطلب، وحُسن ظنه بربه أن يستجيب، يوضح ذلك ما روى شهر بن حوشب أن أم الدرداء ﵁ قالت له: يا شهر ألا تجد القشعريرة؟ قلت: نعم، قالت: فادع الله؛ فإن الدعاء مستجاب عند ذلك.
وطهارة القلب وحُسن الظن إن تمازجا أنتجا (الرضا) ، والرضا هو اطمئنان القلب لقضاء الله ، وحين يدعو من اطمأن قلبه ورضي كان دعاؤه مناجاة لربه، وصدق الله العظيم ?اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ? [الزمر:٢٣] .
ولابد في النهاية من حضور القلب والعقل في الدعاء فقد قال ﷺ : "اعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاهٍ" الترمذي (٣٤٧٩) .
стр. 457
حديث الصيحة إذا وافق نصف رمضان يوم جمعة
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ١١/٠٩/١٤٢٥هـ
السؤال
وردت بعض الأحاديث في كتاب (هرمجدون) التي تتحدث عن موافقة يوم الجمعة للنصف من رمضان، فإنه ستحدث صيحة في رمضان، ومعمعة في شوال، وأشياء كثيرة، فما مدى صحة هذه الأحاديث؟ وما الموقف الصحيح تجاهها؟.
الجواب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
أقول وبالله التوفيق:
لهذا الحديث ألفاظٌ متعدّدة، وروايات عِدّة، وكلّها لا يصحّ منها شيء.
١- فمنها حديث ابن مسعود ﵁: أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (رقم ٦٣٨) ، ومن طريقه الشاشي في مسنده (رقم ٨٣٧) ، وأبو الشيخ في الفتن (كما في اللآلئ المصنوعة للسيوطي ٢/٣٨٦) .
وفي إسنادهم محمد بن ثابت بن أسلم البناني، وهو مختلفٌ فيه بين الضعف والضعف الشديد، وفي الإسناد إليه أيضًا من لا يُعتمد.
٢- حديث فيروز الديلمي (وفي صحبته خلاف) : أخرجه الطبراني في الكبير (١٨/٣٣٢) ، وأبو عَمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (رقم ٥١٨) ، والجورقاني في الأباطيل والمناكير (رقم ٤٦٨، ٤٦٩) ، وابن الجوزي في الموضوعات (رقم ١٦٨٧) .
وبيّن الجورقاني وابن الجوزي شدّة ضعفه، بل حكم عليه ابن الجوزي بالوضع.
٣- حديث أبي هريرة ﵁، وله عنه طُرق:
أ- أخرجه نعيم بن حماد (رقم ٦٢٨) ، ومن طريقه الحاكم في المستدرك (٤/٥١٧-٥١٨) ، والجورقاني في الأباطيل (رقم ٤٧٠) .
وفيه مسلمة بن علي، وبه ضعّفه الحاكم، وأنكره الجورقاني، وكذّبه ابن الجوزي- (٣/٤٦١-٤٦٢) ، وتعقبه الذهبي في تلخيص المستدرك بقوله عن مسلمة: "بل هو ساقطٌ متروك".
ب- أخرجه العقيلي في الضعفاء - في ترجمعة عبد الواحد بن قيس- (٣/٨٠٧ رقم ١٠١٤) ، وابن الجوزي في الموضوعات (رقم ١٦٨٦) ؛ من طريق عنبسة بن أبي صغيرة، عن الأوزاعي عن عبد الواحد بن قيس عن أبي هريرة.
وعنبسة اتّهمه الذهبي، ودافع عنه ابن حجر (اللسان ٦/٢٤٢) ، وعبد الواحد لم يسمع من أبي هريرة، وهو مختلفٌ فيه بين تضعيف شديد وتوثيق.
ونكارة هذا الحديث لا تعدو أحدهما، وأظن المتّهم به عنبسة، كما مال إليه الذهبي.
ج- أخرجه الطبراني في الأوسط (رقم ٥١٦) من طريق نوح بن قيس عن البختري بن عبد الحميد عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة. وقال الطبراني عقبه: "لم يرو هذا الحديث عن شهر إلا البختري، تفرّد به نوح بن قيس".
والبختري- بالخاء المعجمة، أو المهملة- مجهول، وقد قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/٢١٠) : "لم أعرفه".
د- ورُوي موقوفًا على أبي هريرة: أخرجه نعيم بن حماد (رقم ٦٤٥) ، عن شيخ من الكوفيين عن ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة.
وعلّقه الجورقاني في الأباطيل والمناكير (رقم ٤٧١) ، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/٤٦١) ، من طريق إسماعيل بن عياش عن ليث بن أبي سليم به.
وفي الإسناد الأول إبهامُ شيخ نُعَيم بن حماد، وما في ليث من ضعف الحفظ.
وفي الإسناد الثاني: فوق التعليق، أن حديث إسماعيل بن عياش عن غير الشاميين ضعيف، وليثٌ ليس شاميًّا.
مع نكارة المتن في كليهما.
٤- حديث عبد الله بن عَمرو (وفيه جزء مرفوع وجزء موقوف عليه) : أخرجه نعيم بن حماد (رقم ٦٣١، ٦٣٢، ٩٨٦، ٩٨٧) ، ومن طريقه الحاكم في المستدرك ساكتًا عليه دون تصحيح (٤/٥٠٢) .
فتعقّبه الذهبي بقوله عن رجال أحد طريقيه: "سنده ساقط، ومحمد أظنّه المصلوب".
قلت: وفي إسناده أبو يوسف الكوفي ثم المقدسي (انظر: الفتن لنعيم بن حماد رقم ٥٩٩) ، لم أستطع تمييزه، ففيه جهالة عندي، مع نكارة حديثه.
وقد رُوي الحديث مرسلاً مقطوعًا على بعض التابعين، وهم:
١- سعيد بن المسيب مقطوعاً: أخرجه نعيم بن حماد (رقم ٦٢٩) ، ولا يصحّ عنه.
٢- شهر بن حوشب: أخرجه نعيم بن حماد (رقم ٦٣٠) ، وأبو عَمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (رقم ٥١٩) مرسلاً، وفي إسناده عنبسة بن عبد الرحمن بن عنبسة القرشي، وهو متروك متّهم بالوضع.
وأخرجه نعيم من حماد (رقم ٦٥٢) مقطوعاً، ولا يصح عنه أيضاً.
٣- مكحول الشامي مرسلاً: أخرجه نعيم بن حماد (رقم ٦٢٦) عن رشدين بن سعد، عن ابن لهيعة، عن عبد الوهاب بن بخت، عن مكحول. ورشدين بن سعد وابن لهيعة فيهما ضعف مشهور، مع ضعف الإرسال من مكحول أيضاً.
٤- وكثير بن مُرّة: أخرجه نعيم بن حماد (رقم ٦٣٧، ٦٤٧، ٦٥٠، ٦٥٣) .
٥- وكعب الأحبار: أخرجه نعيم بن حماد (رقم ٦٢٢، ٦٤٣) .
فيبدو أن مرجع هذا الخبر أنه من الإسرائيليّات، بدليل ذكر كعب الأحبار له. ثم أخذه عنه الكذّابون والمغفّلون وركّبوا له الأسانيد السابقة.
ولذلك فقد تتابع العلماء على الحكم على هذا الحديث بالوضع، وأنه مكذوبٌ على رسول الله ﷺ ، ومن هؤلاء العلماء:
١- العقيلي في الضعفاء، حيث قال عقب أحد طرقه السابقة:
"ليس لهذا الحديث أصل من حديث ثقة، ولا من وجه يثبت".
٢- والجورقاني في الأباطيل والمناكير.
٣- وابن الجوزي حيث أورده في الموضوعات.
٤- والذهبي (كما سبق عنه) ، وكما في الميزان (٢/٦٧٥) في ترجمة عبد الواحد بن قيس.
٥- وابن القيّم في المنار المنيف (رقم ٢١٢) .
٦- وعمر بن بدر الموصلي في المغني عن الحفظ والكتاب، كما في جُنّة المرتاب (رقم ٩٥) .
٧- وملا علي القاري في الأسرار المرفوعة (٤٥٠) .
٨- والعجلوني في كشف الخفاء (٢/٥٦٩) .
أمّا السيوطي فخالف في الحكم عليه بالوضع، ولم يُصرّح بقبوله، كما في اللآلئ المصنوعة (٢/٣٨٦-٣٨٩) ، والنكت البديعات (رقم ٢٧١) ، وتابعه على ذلك ابن عراق- كعادته- في تنزيه الشريعة المرفوعة (٢/٣٤٧-٣٤٨) .
والحديث واضح البطلان، ولذلك ضرب ابن القيم به وبأمثاله المثل على الأحاديث الظاهرة الكذب.
وما أحسن ما تعقِّب به الجورقاني بعض الطرق السابقة، حيث بيَّن عللها الإسناديّة، ثم أورد حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
"إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنّة، وغُلّقت أبواب النار، وصُفّدت الشياطين"، وهو حديث متفق على صحّته. ثم قال عقب هذا الحديث وحديثٍ آخر بمعناه: "وهذا الشهر شهر رمضان مخصوصٌ بالبركة والخير والرحمة، بَشّرَ النبيُّ ﷺ أُمته بهذه الفضائل التي ذكرها في هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصِّحاح. فلا يجوز الذّهاب عن الحديث الصحيح إلى حديثٍ واهٍ باطل، ليس لسنده قِوام ولا لحقيقته نظام". (الأباطيل للجورقاني ٢/٨٨) .
وصدق ﵀ وبَرَّ.
هذا والله أعلم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
стр. 458
السفر بالقرآن إلى بلاد الكفار
المجيب د. محمد بن عبد الرحمن العمير
عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات الإسلامية بجامعة الملك فيصل بالإحساء وعميد كلية التربية بالجامعة
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٠٧/٠١/١٤٢٦هـ
السؤال
ما صحة هذا الحديث: (عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) ، وقد قيل لي أن هذا النهى في حالة ما إذا خيف وقوعه بأيدي العدو، فكيف يصح هذا مع أن الحديث غير مقيد بشرط؟.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فهذا الحديث صحيح رواه الشيخان البخاري (٢٩٩٠) ، ومسلم (١٨٦٩) وغيرهما، والنهي مقيد بما إذا خيف على القرآن أن تنتهك حرمته من قبل العدو، تبين ذلك رواية مسلم، عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو، وعليه فإذا لم يخف على القرآن أن يمتهن، فلا شيء في السفر به، خاصة لمن لا يحفظ القرآن، فهو محتاج إلى تلاوته وعدم هجره. والله أعلم.
стр. 459
أسانيد (تاريخ الطبري)
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ١٩/١٠/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هل كل الأسانيد والأحاديث الواردة في كتاب الإمام الطبري (تاريخ الأمم والملوك) صحيحة؟ إن كان قليل منها غير صحيح أو أقل من مرتبة الصحيح فكيف أتأكد وأعرف ذلك؟ سبب سؤالي هو أني قرأت في المجلد الأول للطبري فوجدت أسانيد للصحابي الجليل عبد الله بن العباس، ﵄، ولكعب الأحبار قد أثارت الشك لدي، بالذات حينما قرأت في فصل خلق الأرض والشمس والقمر, والعين الحمئة. ونترك لسماحتكم الإجابة, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله. وبعد:
محمد بن جرير الطبري (٢٢٤ - ٣١٠ هـ) أحد الأئمة المشهورين في التفسير والفقه والتاريخ، واشتهر بكتابيه في التفسير والتاريخ، وكتابه في التاريخ من أوسع الكتب التاريخية وأكثرها شمولاً للأحداث والوقائع، ولم يلتزم الصحة فيما يذكره من الروايات والأخبار، ولكنه أوردها مسندة وترك الحكم للقارئ، على منهج وطريقة: العهدة على الرواة، ومن أسند فقد أحال. قال في مقدمته: فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين، مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا من الصحة ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أُتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنَّا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُدِّي إلينا. ينظر: تاريخ الطبري (١/٨) . وقد وقع في تاريخه كثير من الأخبار الواهية والإسرائيليات المنكرة، والأحاديث الموضوعة والضعيفة، ونجد في تاريخ الطبري الاعتماد على كتب الأخباريين المطعون في عدالتهم والمتكلم فيهم، من أمثلة: سيف بن عمر التميمي (ت ١٧٠ هـ) ، وأبي مخنف لوط بن يحيى (ت ١٥٧ هـ) ، وعلي بن محمد المدائني (٢٢٥ هـ) ، ومحمد بن عمر الواقدي (٢٠٧ هـ) ، وغيرهم، ويصعب التعامل مع تاريخ الطبري لغير المتخصصين الذين يستطيعون التمييز بين صحيح الأخبار وسقيمها، ولهذا أنصح السائل أن تكون مطالعته في كتاب البداية والنهاية للحافظ ابن كثير لعنايته بانتقاء الروايات والأخبار ونقد المرويات، حيث ذكر منهجه في مقدمته (١/ ٦) ، قال: أما بعد: فهذا كتابٌ أذكر فيه بعون الله وحسن توفيقه ما يسَّره الله تعالى بحوله وقوته من ذكر مبدأ المخلوقات من خلق العرش والكرسي والسموات والأرضين وما فيهن وما بينهن من الملائكة والجان والشياطين، وكيفية خلق آدم ﵇ وقصص النبيين، وما جرى مجرى ذلك إلى أيام بني إسرائيل، وأيام الجاهلية حتى تنتهي النبوة إلى أيام نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه، فنذكر سيرته كما ينبغي فتشفي الصدور والغليل وتزيح الداء عن العليل، ثم نذكر ما بعد ذلك إلى زماننا، ونذكر الفتن والملاحم وأشراط الساعة، ثم البعث والنشور وأهوال القيامة، ثم صفة ذلك وما في ذلك اليوم وما يقع فيه من الأمور الهائلة، ثم صفة النار ثم صفة الجنان وما فيها من الخيرات الحسان، وغير ذلك وما يتعلق به، وما ورد في ذلك من الكتاب والسنة والآثار والأخبار المنقولة المقبولة عند العلماء وورثة الأنبياء الآخذين من مشكاة النبوة المصطفوية المحمدية على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام، ولسنا نذكر من الإسرائيليات إلا ما أذن الشارع في نقله مما لا يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهو القسم الذي لا يصدق ولا يكذب مما فيه بسط لمختصر عندنا أو تسمية لمبهم ورد به شرعنا مما لا فائدة في تعيينه لنا، فنذكره على سبيل التحلي به لا على سبيل الاحتياج إليه والاعتماد عليه وإنما الاعتماد والاستناد على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ مهما صح نقله أو حسن، وما كان فيه ضعف نبينه، وبالله المستعان وعليه التكلان.
وأُرشد السائل أيضًا إلى العناية بكتب السنة مثل الكتب الستة ومسند أحمد ولاسيما الصحيحين، مع الرجوع إلى شرحيهما مثل فتح الباري للحافظ ابن حجر، وشرح النووي على مسلم، وأما من أراد دراسة أسانيد تاريخ الطبري فعليه الرجوع إلى كتب الرجال لمعرفة مراتبهم ومنزلتهم، وكتب الرجال كثيرة، منها المتقدمة والمتأخرة، ومنها المطولة والمختصرة مثل: التاريخ الكبير للبخاري، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، طبقات ابن سعد، كتاب الثقات لابن حبان، والمجروحين له، الكامل لابن عدي، الضعفاء الكبير للعقيلي، الميزان للذهبي، تهذيب الكمال للمزي، وتهذيب التهذيب لابن حجر، وغيرها من الكتب التي صنفت في الرجال، ويمكن الاستفادة في البحث عن الرجال من برامج الحاسب مثل: المكتبة الألفية، الموسوعة الذهبية، موسوعة الكتب التسعة، وعلى الدارس للأسانيد التأكد من مواضع الاتصال والانقطاع، وذلك بالرجوع إلى كتب المراسيل مثل: المراسيل لابن أبي حاتم، جامع التحصيل للعلائي، وغيرهما، وعليه أيضًا الرجوع إلى كتب العلل للنظر في المحفوظ من الروايات وغير المحفوظ، وعلى كل حال فدراسة الأسانيد فن له أصوله وقواعده، ويمكن الاستفادة من الكتب التي ألفت في هذا الفن، وهي متوفرة في المكتبات، ويوجد لأساتذة الجامعات مذكرات في هذه المادة حيث إن مادة دراسة الأسانيد تدرس في كليات أصول الدين، وفي برنامج الماجستير والدكتوراه في تخصصات السنة وعلومها. والله أعلم.
стр. 460
حديث "من حمل جنازة فليتوضأ "
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ١٧/٠٤/١٤٢٦هـ
السؤال
فضيلة الشيخ: ما صحة حديث "من حمل جنازة فليتوضأ، ومن غسلها فليغتسل؟ ".
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد:
الحديث المشار إليه في السؤال أخرجه الطيالسي (٢٣١٤) ، وابن أبي شيبة (١١١٥٣،١٢٠٠٠) ، وأحمد (٩٨٦٢) ، والبيهقي (١/٣٠٣) من طريق ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، قال: سمعت أبا هريرة عن النبي ﷺ قال: "من غسَّل ميتاً فليغتسل".
وفي هذا الإسناد: صالح مولى التوأمة، وهو صدوق اختلط
وقد اختلف في رفع هذا الحديث ووقفه، وأشار غير واحد من الأئمة -منهم الإمام أحمد والبخاري وأبو حاتم- إلى أن المحفوظ وقف الحديث على أبي هريرة ﵁.
وللحديث طرق أخرى يطول المقام ببسطها [ينظر: البدر المنير (٢/٥٢٤ - ٥٤٣) ] .
وقد ذكر غير واحد من الأئمة أنه لا يصح في هذا الباب شيء، منهم الإمام أحمد، وعلي بن المديني، والذهلي
وقال الترمذي: "سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: إن أحمد بن حنبل وعلي بن عبد الله قالا: لا يصح في هذا الباب شيء " [ينظر: علل الترمذي (١/١٤٢) ، سنن البيهقي (١/٣٠٢) ] .
وفي سنن البيهقي (١/٣٠٢) : "قال محمد بن يحيى: لا أعلم فيمن غسل ميتاً حديثاً ثابتاً، ولو ثبت لزمنا استعماله".
وقال البيهقي (١/٣٠٢) بعد أن ذكره موقوفاً: " هذا هو الصحيح موقوفاً على أبي هريرة كما أشار البخاري".
ويتلخص مما سبق أن الحديث موقوف على أبي هريرة ﵁ وعلى هذا فلا ينهض للاستدلال به على وجوب الغسل على من غَسَّل الميت، وقد ذهب بعض العلماء إلى استحباب الغسل لمن غسل ميتاً، وهذا قول الشافعي وإسحاق والأحناف، ورواية عن الإمام أحمد وعليها المذهب، وفي رواية أخرى لا يستحب، والله أعلم.
стр. 461
صحة حديث (اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان)
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٠٣/٠٧/١٤٢٦هـ
السؤال
ما صحة حديث: "كان النبي ﷺ إذا دخل رجب قال: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان".
الجواب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلاة على رسول الله، وبعد:
حديث: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ رَجَبٌ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَبلغنا رَمَضَانَ". وفي رواية: "وبَارِكْ لَنَا فِي رَمَضَانَ".
أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٢٣٤٦) ، والبزار في مسنده، -كما في كشف الأستار (٦١٦) -، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٥٨) ، والطبراني في الأوسط (٣٩٣٩) ، وفي الدعاء (٩١١) ، وأبو نعيم في الحلية (٦/٢٦٩) ، والبيهقي في الشعب (٣٥٣٤) ، وفي كتاب فضائل الأوقات (١٤) ، والخطيب البغدادي في الموضح (٢/٤٧٣) ، وابن عساكر في تاريخه (٤٠/٥٧) ، من طريق زائدة بن أبي الرقاد عن زياد النميري عن أنس.
وهذا إسنادٌ ضعيف: زائدة بن أبي الرقاد: قال البخاري والنسائي: منكر الحديث، وقال أبو داود: لا أعرف خبره، وقال أبو حاتم: يحدث عن زياد النميري عن أنس أحاديث مرفوعة منكرة، ولا ندري منه أو من زياد، وقال الذهبي: ضعيف، وقال الحافظ ابن حجر: منكر الحديث [ينظر: التاريخ الكبير (٣/٤٣٣) ، الجرح (٣/٦١٣) ، المجروحين (١/٣٠٨) ، الميزان (٢/٦٥) ، التهذيب (٣/٣٠٥) ، التقريب (١/٢٥٦) ] .
وزياد بن عبد الله النميري البصري: قال ابن معين: ليس بشيء، وضعفه أبو داود، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ، ثم ذكره في المجروحين، وقال: منكر الحديث يروي عن أنس أشياء لا تشبه حديث الثقات، لا يجوز الاحتجاج به، وقال الذهبي: ضعيف، وقال الحافظ: ضعيف [ينظر: تاريخ ابن معين (٢/١٧٩) ، الجرح (٣/٥٣٦) ، الكامل (٣/١٠٤٤) ، الميزان (٢/٦٥) ، التهذيب (٣/٣٧٨) ] .
وقد تفرد زائدة بن أبي الرقاد بهذا الحديث عن زياد النميري، قال الطبراني في الأوسط: "لا يروى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ إلا بهذا الإسناد، تفرد به زائدة بن أبي الرقاد".
وقال البيهقي: " تفرد به النميري وعنه زائدة بن أبي الرقاد، قال البخاري: زائدة بن أبي الرقاد عن زياد النميري منكر الحديث".
وقد أشار غير واحد من العلماء إلى ضعف إسناد هذا الحديث منهم: النووي في الأذكار (٥٤٧) ، وابن رجب في لطائف المعارف (ص١٤٣) ، والهيثمي في المجمع (٢/١٦٥) ، والذهبي في الميزان (٢/٦٥) ، وابن حجر في تبيين العجب (٣٨) .
ويحسن الإشارة بمناسبة تخريج هذا الحديث إلى أنه لم يثبت في فضل شهر رجب ولا في صيامه ولا قيام ليلة مخصوصة منه حديث صحيح، قال الحافظ ابن حجر في تبيين العجب بما ورد في شهر رجب (ص٢٣) : "لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة، وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ، رويناه عنه بإسناد صحيح، وكذلك رويناه عن غيره".
وقال الحافظ ابن رجب في لطائف المعارف (ص١٤٠) : " فأما الصلاة فلم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به، والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء، وممن ذكر ذلك من العلماء المتأخرين من الحفاظ: أبو إسماعيل الأنصاري، وأبو بكر بن السمعاني، وأبو الفضل بن ناصر، وأبو الفرج بن الجوزي، وغيرهم، وإنما لم يذكرها المتقدمون لأنها أحدثت بعدهم، وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها، وأما الصيام فلم يصح في فضل رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه.... وقد روي أنه كان في شهر رجب حوادث عظمية، ولم يصح شيء من ذلك، فروي أن النبي ﷺ ولد في أول ليلة منه، وأنه بعث في السابع والعشرين منه، وقيل: في الخامس والعشرين، ولا يصح شيء من ذلك، وروي بإسناد لا يصح عن القاسم بن محمد أن الإسراء بالنبي ﷺ كان في السابع والعشرين من رجب، وأنكر ذلك إبراهيم الحربي وغيره."
стр. 462
استغاثة زينب أخت الحسين يوم كربلاء
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٢٢/٠٧/١٤٢٦هـ
السؤال
في قصة كربلاء ذكر بعضهم أن زينب أخت الإمام الحسين ﵁ حفيدة رسول الله ﷺ نادت: "يا محمد يا محمد قد هلك أهلك اليوم" أو شيء من هذا القبيل. فما مدى صحة هذه الرواية؟
وإذا صحَّت، فما توضيح أهل السنة والجماعة لقولها؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:
الرواية المذكورة أخرجها الطبري في تاريخه (٥/٤٥٥) ، من رواية أبي مخنف، قال: حدثني أبو زهير العبسي، عن قرة بن قيس التميمي، قال: نظرت إلى تلك النسوة لما مررن بحسين وأهله وولده صِحْنَ ولطمن وجوههن، قال: فاعترضتهن على فرس، فما رأيت منظراً من نسوة قط كان أحسن من منظر رأيته منهم ذلك اليوم، قال: فما نسيت من الأشياء لا أنس قول زينب ابنة فاطمة حين مرت بأخيها الحسين صريعاً وهي تقول: يا محمداه يا محمداه صلى عليك ملائكة السماء، هذا الحسين بالعراء مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، يا محمداه وبناتك سبايا، وذريتك مقتلة، تسفي عليها الصبا، قال: فأبكت والله كل عدو وصديق.
وأبو مخنف هو: لوط بن يحيى، وهو شيعي ضعيف الحديث، أجمع نقاد الحديث على تضعيفه، بل على تركه وأنه لا يعتد بروايته، ولا ريب أن مقتل الحسين ﵁ يحزن له كل مسلم، وهو مصيبة عظيمة، أخرج البخاري (٥٩٩٤) بسنده عن ابْنِ أَبِي نُعْمٍ، قَالَ: كُنْتُ شَاهِدًا لابن عُمَرَ ﵄ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، قَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا يَسْأَلُنِي عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول: ُ "هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنْ الدُّنْيَا".
والحسين ﵁ من سادات المسلمين وعلماء الصحابة، وابن بنت رسول الله ﷺ التي هي أفضل بناته، وكان عابداً شجاعاً سخياً، وقد أسرف الرافضة في إظهار الجزع والحزن لمقتل الحسين، وأحدثوا كثيراً من البدع الشنيعة يوم عاشورا إحياءً لذكرى مقتل الحسين ﵁، قال الحافظ ابن كثير: "فكل مسلم ينبغي له أن يحزنه قتله ﵁، ولكن لا يحسن ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الذي لعل أكثره تصنعٌ ورياءٌ، وقد كان أبوه أفضل منه، فقتل وهم لا يتخذون مقتله مأتما كيوم مقتل الحسين، فإن أباه قتل يوم الجمعة وهو خارج إلى صلاة الفجر في السابع عشر من رمضان سنة أربعين، وكذلك عثمان كان أفضل من علي عند أهل السنة والجماعة، وقد قتل وهو محصورٌ في داره في أيام التشريق من شهر ذي الحجة سنة ست وثلاثين، وقد ذبح من الوريد إلى الوريد، ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتماً، وكذلك عمر بن الخطاب وهو أفضل من عثمان وعلي، قتل وهو قائم يصلي في المحراب صلاة الفجر ويقرأ القرآن ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتماً، وكذلك الصديق كان أفضل منه ولم يتخذ الناس يوم وفاته مأتما، ورسول الله ﷺ سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وقد قبضه الله إليه كما مات الأنبياء قبله، ولم يتخذ أحد يوم موتهم مأتما يفعلون فيه ما يفعله هؤلاء الجهلة من الرافضة ... وأحسن ما يقال عند ذكر هذه المصائب وأمثالها ما رواه علي بن الحسين عن جده رسول الله ﷺ أنه قال: "ما من مسلم يصاب بمصيبة فيتذكرها وإن تقادم عهدها فيحدث لها استرجاعا إلا أعطاه الله من الأجر مثل يوم أصيب بها" [البداية والنهاية (٨/٢٠٣) ] .
وقال في موضع آخر: "وقد أسرف الرافضة في دولة بني بويه في حدود الأربعمائة وما حولها فكانت الدبادب - أي الطبل - تضرب ببغداد ونحوها من البلاد في يوم عاشوراء، ويُذر الرماد والتبن في الطرقات والأسواق، وتعلق المسوح على الدكاكين، ويظهر الناس الحزن والبكاء، وكثيرٌ منهم لا يشرب الماء ليلتئذٍ موافقةً للحسين؛ لأنه قتل عطشان ثم تخرج النساء حاسراتٍ عن وجوههن ينحن ويلطمنَ وُجوههن وصدورهن حافيات في الأسواق إلى غير ذلك من البدع الشنيعة "، هذا والله أعلم.
стр. 463
حديث مسح ظهر آدم
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ١٤/٠٩/١٤٢٦هـ
السؤال
قرأت حديثاً أن الله -تعالى- مسح ظهر آدم ﵇.
وهناك أسانيد كثيرة لهذا الحديث، لكنني أعلم أن جميع هذه الروايات ضعيفة. فهل هناك أي حديث صحيح في هذه المسألة؟ أو على الأقل هل مجموع هذه الروايات تجعله حسناً لغيره؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:
فقد أخبر الله في كتابه أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، قال : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) [الأعراف:١٧٢] .
واختلف المفسرون في معنى الإشهاد المذكور في الآية على قولين:
١-أن الإشهاد في الآية هو أن الله فطرهم على التوحيد، وجبلهم على الإيمان وجعل لديهم الاستعداد لقبوله، قال : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الروم:٣٠] ، وفي الصحيحين [البخاري (١٣٨٥) ، ومسلم (٢٦٥٨) ] من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ".
وفي صحيح مسلم (٢٨٦٥) من حديث عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: "أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا ... " الحديث.
٢- تفسير الإشهاد بما ورد في بعض الأحاديث والآثار الدالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه، وأشهدهم أنه ربهم ومعبودهم، ففي الصحيحين [البخاري (٣٣٣٤) ، ومسلم (٢٨٠٥) ] من حديث أنس ﵁: "إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ كُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَقَدْ سَأَلْتُكَ مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي فَأَبَيْتَ إِلَّا الشِّرْكَ". ووردت أحاديث فيها تفصيل هذا الإشهاد الذي أُخذ على بني آدم حينما اسْتُخِرجوا من صلب آدم ﵇، وهذه الأحاديث لا تخلو من كلام، ومن تلك الأحاديث ما يأتي:
١- حديث ابن عباس ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ (يَعْنِي عَرَفَةَ) ، فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلًا قَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ". أخرجه أحمد (٢٣٢٧) ، عن حسين بن محمد، عن جرير بن حازم، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ .
ورجال هذا الإسناد ثقات، ولكن الحديث أُعل بالوقف، قال الحافظ ابن كثير: " وقد رواه عبد الوارث، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فوقفه.
وكذا رواه إسماعيل بن علية ووكيع، عن ربيعة بن كلثوم بن جبر، عن أبيه، به.
وكذا رواه عطاء بن السائب وحبيب بن أبي ثابت وعلي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وكذا رواه العوفي وعلي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، فهذا أكثر وأثبت والله أعلم" [تفسير ابن كثير (٢/٣٤٧) ] .
وقال النسائي بعد إخراجه للحديث في السنن الكبرى (٦/٣٤٧) : "وكلثوم هذا ليس بالقوي، وحديثه ليس بالمحفوظ"
٢- حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ) ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْهَا، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّة، ً فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّه، ِ فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ النَّارَ". أخرجه مالك في الموطأ (١٣٩٥) ، ومن طريقه أبو داود (٤٠٨١) ، والترمذي (٣٠٠١) ، وأحمد (٣١١) ، عن زيد بن أبي أنيسة، أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني، أن عمر بن الخطاب ﵁ ... ".
وهذا الإسناد ضعيف، مسلم بن يسار الجهني لم يسمع من عمر، ولم يوثقه غير ابن حبان والعجلي، ولم يرو عنه غير عبد الحميد بن عبد الرحمن فهو في عداد المجاهيل.
وذكر في بعض الطرق بين مسلم بن يسار رجل وهو: نعيم بن ربيعة، وهو مجهول الحال. وقال ابن عبد البر في التمهيد (٦/٣) : "هذا الحديث منقطع بهذا الإسناد؛ لأن مسلم بن يسار هذا لم يلق عمر بن الخطاب ﵁.
ثم قال: زيادة من زاد في هذا الحديث نعيم بن ربيعة ليست حجة؛ لأن الذي لم يذكره أحفظ، وإنما تقبل الزيادة من الحافظ المتقن.
وجملة القول في هذا الحديث أنه حديث ليس إسناده بالقائم؛ لأن مسلم بن يسار ونعيم بن ربيعة كليهما غير معروفين بحمل العلم، ولكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة ثابتة يطول ذكرها".
٣- حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم، قال: "أخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس، فقال لهم: (ألست بربكم قالوا بلى) ، قالت الملائكة: (شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) . أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦ /١١٠) من طريق أحمد بن أبي طيبة، عن سفيان بن سعيد، عن الأجلح، عن الضحاك، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو ﵄.
وأُعل هذا الحديث بالوقف، قال الحافظ ابن كثير: "أحمد بن أبي طيبة هذا هو: أبو محمد الجرجاني، قاضي قومس كان أحد الزهاد، أخرج له النسائي في سننه، وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، وقال ابن عدي: حدث بأحاديث كثيرة غرائب.
وقد روى هذا الحديث عبد الرحمن بن حمزة بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو.
وكذا رواه جرير، عن منصور، به، وهذا أصح، والله أعلم".
وقال أيضاً بعد أن ساق عدداً من الأحاديث والآثار الواردة في أخذ الذرية من صلب آدم ﵇، قال: "فهذه الأحاديث دالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه، وميز بين أهل الجنة وأهل النار، وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم، فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وفي حديث عبد الله بن عمرو وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان، كما تقدم، ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد، إنما هو فطرهم على التوحيد، كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي، ومن رواية الحسن البصري عن الأسود بن سريع، وقد فسر الحسن الآية بذلك، قالوا: ولهذا قال: (وإذ أخذ ربك من بني آدم) ، ولم يقل من آدم (من ظهورهم) ، ولم يقل من ظهره (ذريتهم) أي جعل نسلهم جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن، كقوله تعالى: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض) ، وقال: (ويجعلكم خلفاء الأرض) ، وقال: (كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين) ، ثم قال (وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) أي أوجدهم شاهدين بذلك قائلين له حالاً وقالاً والشهادة تارة تكون بالقول، كقوله: (قالوا شهدنا على أنفسنا) الآية، وتارة تكون حالا كقوله تعالى: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر) أي حالهم شاهد عليهم بذلك لا أنهم قائلون ذلك، وكذا قوله تعالى: (وإنه على ذلك لشهيد) كما أن السؤال تارة يكون بالقال، وتارة يكون بالحال، كقوله: (وآتاكم من كل ما سألتموه) . قالوا: ومما يدل على أن المراد بهذا هذا أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك، فلو كان قد وقع هذا -كما قال من قال- لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه، فإن قيل: إخبار الرسول ﷺ به كاف في وجوده، فالجواب: أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره، وهذا جعل حجة مستقلة عليهم فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد، ولهذا قال: (أن تقولوا) أي لئلا تقولوا يوم القيامة (إنا كنا عن هذا) أي التوحيد (غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا) " [ينظر: تفسر ابن كثير (٢/٣٤٥- ٣٤٧) ] .
стр. 464
درجة حديث: "من قرأ الفاتحة لن يرى الفقر أبداً "
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٢٥/١٠/١٤٢٦هـ
السؤال
روي أن عبد الله بن مسعود ﵁ أخبر بأنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من قرأ سورة الفاتحة في الليل لن يرى الفقر أبداً"، فما مدى صحة هذه الرواية؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فهذا حديث لا يصح في فضل سورة الفاتحة، مع أنه قد صحّ في فضل هذه السورة أحاديث عدة، بل صحّ عنه ﷺ أنها أفضل سورة في القرآن.
والمرويُّ عن ابن مسعود ﵁ بنحو هذا المعنى إنما ورد في سورة الواقعة، لا في سورة الفاتحة، وهو مع ذلك حديث لا يصح أيضاً، كما بين ذلك الإمام أحمد، حيث حكم على حديث ابن مسعود ﵁ في سورة الواقعة أنه حديث منكر. المنتخب من العلل للخلال (ص١١٦-١١٧) رقم (٤٩) . والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
стр. 465
درجةُ حديث: "واقرأ وأنت ساجد الفاتحة سبع مرات "
المجيب د. بندر بن نافع العبدلي
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٠٢/٠٦/١٤٢٧هـ
السؤال
قرأت في كتاب "الدّعاء المستجاب من الحديث والكتاب" لأحمد عبد الجوّاد: عن النبي- ﷺ أنّه قال: "اثنتي عشرة ركعة تصلّيهنّ من ليل أو نهار، وتتشهّد بين كلّ ركعتين. فإذا تشهّدت في آخر صلاتك، فأثن على الله ، وصلِّ على النبي ﷺ واقرأ وأنت ساجد (فاتحة الكتاب) سبع مرّات، وآية الكرسي سبع مرّات، وقل: "لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير" عشر مرّات. ثمّ قل: "اللهم إنّي أسألك بمعاقد العزّ من عرشك، ومنتهى الرّحمة من كتابك، واسمك الأعظم، وجدّك الأعلى، وكلماتك التّامة". ثمّ سل حاجتك، ثمّ أرفع رأسك، ثمّ سلّم يميناً وشمالاً" رواه الحاكم عن ابن مسعود ﵁.
ثمّ بعد توضيح هذه الصّلاة روى الكاتب عن ابن عبّاس ﵄ أنّ النبيّ ﷺ نهى عليًّا عن القراءة وهو راكع أو ساجد!
وأسئلتي هي:
١- كيف تجوز قراءة القرآن أثناء السّجود في الصّلاة، وهل هذا لا يتنافى مع الحديث المذكور أعلاه عن النّهي؟
٢- فهمت أنّه بعد التّشهّد يقع سجود، ثمّ دعاء، ثمّ سلام. فهل يجوز السّلام بعد السّجود من دون تشهّد آخر؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فهذا الحديث وهو حديث ابن مسعود ﵁ أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" من طريق الحاكم (١٠٢٩) ، ولم أقف عليه في "المستدرك" للحاكم. وأورده السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (٢/٦٨) ، وابن عراق في "تنزيه الشريعة" (٢/١١٢) .
وقال ابن الجوزي بعد إخراجه: هذا إسناد موضوع بلا شك، وإسناده مخبَّط كما ترى، وفي إسناده عمر بن هارون، قال يحيى: كذاب، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات المعضلات، ويدَّعي شيوخًا لم يرهم. وقد صح عن النبي ﷺ النهي عن القراءة في السجود ا. هـ.
فالحديث موضوع سنداً، منكر متناً؛ لمخالفته للأحاديث الصحيحة في نهيه ﷺ عن القراءة في الركوع والسجود.
وأما حديث ابن عباس فهو ثابت في "صحيح مسلم" (٤٧٩) أن النبي ﷺ قال: "ألا وإني نهيت أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظمِّوا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم". والله الموفق.
стр. 466
درجة حديث (أجد نَفَسَ ربكم قِبَل اليمن)
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٢٤/١٠/١٤٢٦هـ
السؤال
هناك حديث يروى عن النبي ﷺ يقول فيه: "أجد نَفَسَ ربكم مِنْ قِبلَ اليمن"، فماذا يعني هذا الحديث؟ هل يعني أن هناك صفة تنفس لله ؟ وهل يشعر من يذهب إلى اليمن بذلك؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:
فالحديث المشار إليه في السؤال أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٠٩٧٨) ، قال: حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ خَالِدٍ: حَدَّثَنَا حَرِيزٌ، عَنْ شَبِيبٍ أَبِي رَوْحٍ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ حَدِّثْنَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَا إِنَّ الْإِيمَانَ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةَ يَمَانِيَةٌ وَأَجِدُ نَفَسَ رَبِّكُمْ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ".
وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٠٨٣) من طريق علي بن عياش الحمصي، عن حريز بن عثمان به.
وأصل الحديث في الصحيحين بلفظ: "جاء أهل اليمن هم أرق أفئدة، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية ".
وقوله: "وأجد نفس ربكم من قبل اليمن" زيادة تفرد بها شبيب أبو روح، ولم يوثقه غير ابن حبان.
وعلى تقدير ثبوت هذه الزيادة، فمعناها أي تفريج الله وتنفيسه من قبل اليمن. والمراد أن الله نفس الكرب عن نبيه ﷺ بأهل اليمن، وهم الأنصار، قال ابن قتيبة: "وهذا من الكناية؛ لأن معنى هذا أنه قال: كُنتُ في شدة وكرب وغم من أهل مكة، ففرج الله عني بالأنصار، يعني أنه يجد الفرج من قبل الأنصار وهم من اليمن، فالريح من فرج الله تعالى وروحه، كما كان الأنصار من فرج الله تعالى" [ينظر: تأويل مختلف الحديث ص (١٤٣) ] .
قال القرطبي في تفسيره (٢٠/٢١٢) : " روي أنه ﷺ قال: "إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمن"، وفيه تأويلان: أحدهما: أنه الفرج لتتابع إسلامهم أفواجاً، والثاني: معناه أن الله تعالى نفس الكرب عن نبيه ﷺ بأهل اليمن وهم الأنصار".
وقال ابن الأثير في النهاية (٥/٢٠٣) : (عَنَى به الأنصار؛ لأنَّ اللَّه نَفَّس بهم الكَرْبَ عن المؤمنين وهُم يَمَانُون لأنَّهم من الأزْد) هذا والله أعلم.
стр. 467
هل الأكل من ضيافة المريض تنقص الأجر
المجيب د. بندر بن نافع العبدلي
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٠٣/٠٥/١٤٢٧هـ
السؤال
كنا في عيادة مريض، فقدم لنا أهل المريض طعاما للضيافة فأبى أحدنا من الأكل بحجة أنه يوجد حديث ملخصه أن من أكل عند مريض فذلك هو ثوابه من تلك العيادة لذلك المريض!
السؤال: هل ورد في هذا الخصوص حديث؟ وما درجة صحته؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
نعم ورد حديث أبي أمامة ﵁ مرفوعاً: "إذا عاد أحدكم مريضاً، فلا يأكل عنده شيئاً، فإنه حظُّه من عيادته" أخرجه الديلمي في "مسند الفردوس" (١/١٢٠٧) .
وإسناده ضعيف جداً، لأن في سنده عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، وهو متروك، وكذَّبه ابن معين، كما في التقريب" (ص٦٦٦) .
وعليه فالصحيح جواز الأكل عند المريض، وأن ذلك لا ينقص من ثواب عيادته. بل ربما يكون الأكل أحياناً مما يُدخل السرور عليه فيندب حينئذ. والله الموفق.
стр. 468
درجة حديث "علموهم الصلاة يعلموكم الدعاء "
المجيب د. خالد بن ناصر الغامدي
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ٠٥/٠٤/١٤٢٧هـ
السؤال
سألت فضيلتكم عن حكم مناجاة قصيرة لئن سألتني يا رب يوم القيامة عن ذنبي لنسألنك عن رحمتك ولئن سألتني يا رب عن تقصيري فلنسألنك عن عفوك ولئن قذفتني في النار لأخبرن أهل النار أني أحبك كفاني عزا أن تكون لي ربا وكفاني فخرا أن أكون لك عبدا فأجبتوني بأن حكم مثل هذه المناجاة أنها بدعه، وهي من طرق تعبد الصوفية، فسؤالي الآن هل يشمل ذلك إرفاق دعاء أو مناجاة بنية إطلاع الإخوان على دعاء أو مناجاة لم يطلعوا عليها لسبب أو لآخر، وهل يشمل هذا الحكم نية التعليم كما ورد في أهل عسير والتي هذه قصتهم التي ذكرها الرحالة ابن بطوطة:
لهم صدق نية، وحسن اعتقاد وهم إذا طافوا بالكعبة يتطارحون عليها لائذين بجوارها، متعلقين بأستارها، داعين بأدعية تعتصر لرقتها القلوب، وتدمع العيون الجامدة، فترى الناس حولهم باسطي أيديهم مؤمنين على أدعيتهم ولا يمكن لغيرهم الطواف معهم، ولا استلام الحجر لتزاحمهم على ذلك. وبمثل ذلك وصفهم ابن جبير في موسم حج عام (٥٧٩) هـ وذكر أن النبي ﷺ ذكرهم وأثنى عليهم خيراً، وقال: "علموهم الصلاة يعلموكم الدعاء "، وأضاف: ودعاءهم: "كثير التجشيع للنفوس". أفيدونا أفادكم الله , فالجميع حريص على طاعة الله أولا، ودمتم بحفظ الله.
الجواب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد:
فبادئ ذي بدء إنني لم أطلع على هذا السؤال سابقاً ولكن لا بأس من بعض الإيضاح عل الله أن ينفع به..
فأقول وبالله التوفيق وهو المعين على التحقيق:
أولا: فأحسن الدعاء هو ما أرشد إليه المصطفى ﷺ من جوامع الدعاء وأكمله وأحسنه، كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة، ومن أراد ذلك فهو يسير ومطبوع في كتب الأذكار التي عني بها علماء الحديث من أهل السنة والجماعة، ولله الحمد.
ثانياً: إن الدعاء المذكور في السؤال منه ما هو حسن ومنه ما دون ذلك، كأن يكون غير مشروع في أقل أحواله، ومن ذلك الجرأة في قول السائل "لأسألنك ... لأسألنك ... لأسألنك"، وفي ذلك اليوم العصيب لا يسأل الخلاق العظيم بل المسؤول هو المخلوق الضعيف، كما قال عز من قائل: "فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [الحجر:٩٢] . وقال تعالى: "يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا" [طه:١٠٨-١١١] .
ثالثا: بالنسبة لكلام ابن جبير الرحالة فهو على ظاهره من رقة وخشوع أهل اليمن وإخباتهم، وهذا من حسناتهم، كما أخبر النبي ﷺ صحيح البخاري (٤٣٨٨) ، وصحيح مسلم (٥٢) . ولا يلزمنا إن خالف أحد من الناس أو جاء بما يوهم أن نجتنب ذلك وأن نبين أنه مخالف لهدي النبي ﷺ .
رابعاً: ما ذكره السائل من دعاء أهل عسير لم يذكر لنا هل هو ثابت أم لا ومن أين جاء به ومن أي الكتب قرأه؟؟، وقد بحثت عنه في كتب السنة قاطبة فلم أجد له أثراً.. والواجب التثبت قبل أن ننسب كلاما للنبي الأعظم ﷺ .
خامسا: الحديث دراية يدل على أنه لا يثبت -والله أعلم- لأن الصحابة رضوان الله عليهم هم الذين يعلمون الناس الدين وقد ابتعثهم النبي ﷺ إلى اليمن لتعليم الناس أمور دينهم كما في حديث معاذ صحيح البخاري (١٤٥٨) ، وصحيح مسلم (١٩) . فكيف يعلم الجاهل المتعلم للصلاة والدين أمور الدين الأخرى التي هو أحوج لتعلمها لمن هو أعلم منه بالأصول والفروع؟؟
سادساً: نشكر للسائلة الحرص على تعلم أمور دينها وتوخي اتباع السنة في عباداتها ونسأل الله لنا ولها اتباع سنة المصطفى ﷺ والحمد لله رب العالمين.
стр. 469
حديث فتح القسطنطينية
المجيب عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ١٦/٠٤/١٤٢٧هـ
السؤال
ما صحة حديث: "إنكم ستفتحون القسطنطينية، فأفضل قائد هو قائد جيش الفتح، والجيش هو أفضل الجيوش".
علماً أن الحديث مذكور في الجامع الصغير، وفي مستدرك الحاكم، فهل هناك أي شك في صحة هذا الحديث؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
هذا الحديث مختلف فيه بين العلماء، وقد صححه الحاكم، وحسنه ابن عبد البر، وضعّفه جماعة آخرون، كالألباني وهو الأقرب، لجهالة أحد رواته، وهو عبد الله بن بشر الخثعمي.
وقد تحقق فتح القسطنطينية على يد السلطان العثماني محمد الفاتح ﵀ وقد جاء في صحيح مسلم ما يدل على أن القسطنطينية ستفتح مرة أخرى قبل قيام الساعة، فقد روى مسلم (٢٨٩٧) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر". قالوا: نعم يا رسول الله! ... الحديث، وفيه: "فيفرج لهم فيدخلوها فيغنموا".
стр. 470
صحة حديث "القرآن أعظم شفاعة "
المجيب عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ ١١/٠٣/١٤٢٧هـ
السؤال
أرجو بيان صحة الحديث الذي معناه: يوم القيامة لن يكون أعظم شفاعة عند الله من القرآن، لا نبي ولا ملَك".
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فاللفظ الذي سألت عنه -من كون القرآن هو أعظم شافع، وأنه أعظم من شفاعة كل نبي وملك- لم أجده، وفي صحة ذلك نظر، فإن النبي ﷺ أعطي أنواعاً من الشفاعة عظيمة، اختص منها بثلاث، وشاركه غيره من الأنبياء والصالحين والملائكة بثلاث.
وقد جاء في السنة في بيان شفاعة القرآن أحاديث، أشهرها حديثان:
الأول: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد". أخرجه أحمد (٦٦٢٦) ، والحاكم (١/٥٥٤) ، وغيرهما. وصححه الحاكم وحسنه المنذري، ولينه الذهبي، وقوله أصح.
الثاني: ما رواه مسلم في صحيحه (٨٠٤) من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرأوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرأوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة". قال معاوية -أحد رواة الحديث-: بلغني أن البطلة: السحرة. والله الموفق.
стр. 471
اختلاف الحكم على الحديث، بين المتقدمين والمتأخرين
المجيب عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/ مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ٦/٥/١٤٢٢
السؤال
أحياناً نجد بعض الأحاديث التي حكم عليها علماء الحديث قديماً بالضعف كابن حبان، وأبي حاتم، وابن خزيمة وغيرهم. وهذه الأحاديث حكم عليها علماء حديث معاصرون بالتصحيح أو العكس. فلمن يكون الترجيح؟
فهناك من يقول نأخذ قول العلماء الأوائل؛ لأنهم أقرب عهداً برواة الحديث، وبالسلف الصالح. وهناك من يقول إن الترجيح للمعاصرين؛ لأنهم أوتوا من سبل البحث والتحقيق ما لم يؤتَ أولئك. نرجو التوضيح.
الجواب
الحمد لله، وبعد:
فهذا السؤال يتصل بقضية كثر الكلام فيها أخيراً، ولعلي أجمل الجواب في ست نقاط.
الأولى: لا ريب أن الأصل هو التعويل والرجوع إلى الأئمة المتقدمين، وهذا ليس خاصاً بعلم الحديث بل في كل فن من علوم الشريعة.
الثانية: من حيث العموم فأئمة الحديث المتقدمون أعلم من المتأخرين، وأدقّ نظراً، وأقرب عهداً بعصور الرواية والتدوين؛ فقد شاهدوا جمعاً غفيراً من حملة الآثار ورواة الأسانيد، ووقفوا على كتبهم وأصولهم التي يروون منها، فتحصّل عندهم، وتهيأ لهم من ملكة النقد، والقدرة على التمحيص ما لم يتهيأ لغيرهم ممن أتى بعدهم، خاصة في أدق وأجل علوم الحديث، وهو علم (العلل) الذي برز فيه جمع من الأئمة الكبار كابن المديني، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم.
الثالثة: إذا تقرر أن الأئمة المتقدمين لهم من المزايا والخصائص ما ليس لغيرهم ممن أتى بعدهم، فإنه يجب التسليم لقولهم إذا اتفقوا ولم ينقل عنهم اختلاف، ولو خالفهم بعض المتأخرين، يقول الحافظ ابن حجر ﵀:
((فمتى وجدنا حديثاً قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى تباعه في ذلك، كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه)) (انظر: النكت ٢/٧١١)
وللعلائي، وابن كثير، والسخاوي ﵏ كلام يدور حول هذا المعنى، فينظر: اختصار علوم الحديث: ٧٩، وفتح المغيث ١/٢٣٧.
الرابعة: هذا الذي سبق فيما إذا اتفق المتقدمون على الحكم على الحديث بالصحة أو الضعف، فأما إذا اختلفوا، فإن كان الشخص قادراً على المقارنة والترجيح أخذ بما تطمئن إليه نفسه، وإن كان لا يقدر فيقلد من يرى أنه أعلم بهذا الشأن، كما بيّن ذلك غير واحد من الحفاظ المتأخرين كالعلائي ﵀. (ينظر: فتح المغيث ١/٢٣٦)
الخامسة: أن قول بعض الناس إن سبب ترجيح قول المعاصرين لكونهم أوتوا من سبل البحث والتحقيق ما لم يكن للأوائل، فالحقيقة أن هذا الكلام لا يصدر ممن له أدنى اطلاع ومعرفة بأقدار الأئمة، وما آتاهم الله من سعة الاطلاع العجيب، والفهم الدقيق، والنظر العميق في الأحاديث، وطرقها وعللها، ومعرفة أحوال رواتها على وجه الدقة. ويكفي أن يعلم السائل الكريم أن المتأخرين لم يظفروا بكثير من الطرق التي كانت معروفة عند الأئمة.
ثم أين يقع علم المتأخرين الذين علم كثير منهم في كتبه، مع علم الأئمة المتقدمين الذين أكثر علمهم محفوظ في صدورهم، يأتون به متى شاؤوا؟!
ولا ريب أن هذا كلّه لا يعني انتقاص أقدار العلماء المتأخرين - ومنهم المعاصرون - حاشا والله، بل لهم فضل وأثر كبير في نفع الأمة، وخدمة السنة، وإنما المقصود بيان منازل أولئك الأئمة ومعرفة أقدارهم على وجه الإيجاز الشديد.
السادسة:
أن السائل - بارك الله فيه - قرن في سؤاله بين ثلاثة من الأئمة وهم: أبو حاتم الرازي، وابن خزيمة، وابن حبان.
ومع الاتفاق على جلالة هؤلاء الأئمة إلاّ أن أهل العلم بالحديث يقدمون أبا حاتم على ابن خزيمة، كما يقدمون ابن خزيمة على تلميذه ابن حبان رحم الله الجميع.
فأبو حاتم له طريقة متميزة في النقد على مشرب الأئمة الكبار: أحمد، والبخاري، وأبي داود، والنسائي، وغيرهم.
وابن خزيمة مع موافقته في كثير من الأحيان لمشرب الأئمة، إلاّ أنه أحياناً - مع تلميذه ابن حبان - لهما طريقة في النقد لا يوافقهما عليها الأئمة الكبار، ومن سار على طريقتهم.
ومقصودي من هذا التنبيه أن تُعلم أقدار الأئمة، وأن الله تعالى فضّل بعضهم على بعض في العلم والفهم، ينبغي أن يلاحظ هذا ويعتبر عند النظر في كلامهم، والله أعلم.
стр. 472
بين أمهات المؤمنين ﵅
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ٢٤/٠٦/١٤٢٥هـ
السؤال
إلى فضيلة الشيخ: - حفظه الله - كيف نجمع بين هذين الحديثين؟ الحديثان بالمعنى: أن النبي ﷺ دخلت عليه إحدى أمهات المؤمنين ومعه غيرها منهن، فجعلت تسبها، فقال ﵊ للتي عنده: دونك فانتصري".
والآخر: أن إحدى زوجاته ﵊ جعلت تسب أخرى منهن وهي صامتة، ثم أخذت ترد عليها، فقال: "كان ملك يذب عنك فلما تكلمت ذهب وتركك".
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
الحديث الأول أخرجه باللفظ المذكور الإمام أحمد بإسناد حسن (٢٤٦٦٤) من حديث عائشة ﵂ قالت: "مَا عَلِمْتُ حَتَّى دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ بِغَيْرِ إِذْنٍ وَهِيَ غَضْبَى، ثُمَّ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَحْسِبُكَ إِذَا قَلَبَتْ لَكَ بُنَيَّةُ أَبِي
بَكْرٍ ذُرَيِّعَيْهَا ثُمَّ أَقْبَلَتْ إِلَيَّ فَأَعْرَضْتُ عَنْهَا حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "دُونَكِ فَانْتَصِرِي"، فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهَا حَتَّى رَأَيْتُهَا قَدْ يَبِسَ رِيقُهَا فِي فَمِهَا مَا تَرُدُّ عَلَيَّ شَيْئًا فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ -يَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ. وهذا الحديث أصله في الصحيحين البخاري (٢٥٨١) ، ومسلم (٢٤٤٢) بسياق مطول من حديث عائشة ﵂ قالت: " أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ -فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ مَعِي فِي مِرْطِي فَأَذِنَ لَهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ وَأَنَا سَاكِتَةٌ قَالَتْ: فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -أَيْ بُنَيَّةُ أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ فَقَالَتْ بَلَى قَالَ: فَأَحِبِّي هَذِهِ قَالَتْ فَقَامَتْ فَاطِمَةُ حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -فَرَجَعَتْ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ -فَأَخْبَرَتْهُنَّ بِالَّذِي قَالَتْ وَبِالَّذِي قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -فَقُلْنَ لَهَا مَا نُرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِنْ شَيْءٍ فَارْجِعِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -فَقُولِي لَهُ إِنَّ أَزْوَاجَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا، قَالَتْ عَائِشَةُ فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ -زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْهُنَّ فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطُّ خَيْرًا فِي الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ وَأَتْقَى لِلَّهِ وَأَصْدَقَ حَدِيثًا وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ وَأَعْظَمَ صَدَقَةً وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا عَدَا سَوْرَةً مِنْ حِدَّةٍ كَانَتْ فِيهَا تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ، قَالَتْ فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ -مَعَ عَائِشَةَ فِي مِرْطِهَا عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا وَهُوَ بِهَا، فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ قَالَتْ ثُمَّ وَقَعَتْ بِي فَاسْتَطَالَتْ عَلَيَّ وَأَنَا أَرْقُبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَرْقُبُ طَرْفَهُ هَلْ يَأْذَنُ لِي فِيهَا قَالَتْ: فَلَمْ تَبْرَحْ زَيْنَبُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ، قَالَتْ: فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا حَتَّى أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا، قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَبَسَّمَ إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ وحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ فِي الْمَعْنَى، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا أَنْ أَثْخَنْتُهَا غَلَبَةً " واللفظ لمسلم.
والحديث الثاني: حديث حسن، قد رواه جماعة من الصحابة، فقد أخرجه أحمد (٢٣٧٩٦) من حديث النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَبَّ رَجُلٌ رجلاً عِنْدَهُ قَالَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ الْمَسْبُوبُ يَقُولُ عَلَيْكَ السَّلَامُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَمَا إِنَّ مَلَكًا بَيْنَكُمَا يَذُبُّ عَنْكَ كُلَّمَا يَشْتُمُكَ هَذَا قَالَ لَهُ بَلْ أَنْتَ وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِذَا قَالَ لَهُ عَلَيْكَ السَّلَامُ قَالَ لَا بَلْ لَكَ أَنْتَ أَحَقُّ بِهِ" وأخرجه الإمام أحمد (٩٦٢٢) من حديث أبي هريرة ﵁ أَنَّ رَجُلًا شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ وَالنَّبِيُّ ﷺ جَالِسٌ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ -يَعْجَبُ وَيَتَبَسَّمُ فَلَمَّا أَكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ -وَقَامَ فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَشْتُمُنِي وَأَنْتَ جَالِسٌ فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ غَضِبْتَ وَقُمْتَ قَالَ إِنَّهُ كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنْكَ فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ وَقَعَ الشَّيْطَانُ فَلَمْ أَكُنْ لِأَقْعُدَ مَعَ الشَّيْطَانِ ثُمَّ قَالَ: " يَا أَبَا بَكْرٍ ثَلَاثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا لِلَّهِ إِلَّا أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا نَصْرَهُ...." الحديث، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٤١٩) من حديث ابن عباس ﵄ وأخرجه عبد الرزاق مرسلاً (٢٠٢٥٥) من حديث زيد بن أثيع. ومن خلال استعراض هذه الأحاديث يتبين أن السباب وقع بين رجلين، وفي بعض هذه الأحاديث أن المسبوب أبو بكر ﵁، وليس كما ورد في السؤال أن السباب كان بين زوجتين من أزواج الرسول ﷺ -والله أعلم. ولا تعارض بين الحديثين، فيجوز للإنسان أن ينتصر ممن ظلمه كما فعلت أم المؤمنين عائشة ﵂ مع أم المؤمنين زينب ﵂ حينما نالت منها، وتطاولت عليها بالكلام، ولكن العفو والصفح أفضل إذا لم يكن في الانتصار مصلحة أكبر، قال الله : "وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ "إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ" [الشورى: ٣٩-٤١] ، والانتصار مشروط بشرطين:
١- القدرة على ذلك، فإذا كان عاجزاً أو كان الانتصار يفضي إلى عدوان زائد أو مفسدة أكبر ترك، وهو أصل النهي عن الفتنة.
٢- ألا يعتدي. قال الله : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ"، وقال النبي ﷺ : "الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ" أخرجه مسلم (٢٥٨٧) من حديث أبي هريرة- ﵁ وعلى هذا فالمباح في الانتصار أن يرد مثل ما قال الجاني، أو يقاربه لأنه قصاص، فلو قال له: يا كلب - مثلاً - فالانتصار أن يرد عليه بقوله: بل هو الكلب. وهكذا فلا يتجاوز المنتصر في السباب وغيره. هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 473
إقرارات النبي ﷺ -
المجيب د. الشريف حمزة بن حسين الفعر
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ١٤/٩/١٤٢٤هـ
السؤال
ذكر القاضي أبو يعلى في العدة أن تقرير النبي ﷺ لحكم يستفاد منه تارة الجواز وتارة الوجوب، فهل هناك مثال للوجوب؟.
الجواب
التقرير هو: سكوت النبي ﷺ عن إنكار قول أو فعل قيل، أو فُعل بين يديه، أو في عصره وعلم به، وهذا التقرير كاشف عن حكم القول أو الفعل، فترك النكير على الفاعل، أو القائل بيان لحكم الفعل، ومثال الإقرار الذي يفيد الوجوب أن يشاهد النبي ﷺ من يفعل فعلاً على جهة الوجوب فيقره عليه بترك الإنكار عليه فيدل على وجوبه، كما أقر النبي ﷺ أصحابه في مرض موته على الصلاة قياماً خلفه وهو جالس، انظر ما رواه البخاري (٦٨٧) ، ومسلم (٤١٨) مع أنه قد تقدم قوله ﵊ في حكم متابعة الإمام والاقتداء بفعله: " وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً " مسلم (٤١٣) ، فدل إقراره لهم على القيام على نسخ القعود خلف الإمام القاعد، وإعادة الأمر إلى ما كان عليه، وهو الوجوب؛ لأن القيام في الصلاة فرض مع القدرة لقوله - تعالى-: " وقوموا لله قانتين" [البقرة: ٢٣٨] .
стр. 474
الفرق بين القرآن والحديث القدسي
المجيب د. محمد بن عبد الله الخضيري
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ٢٦/٧/١٤٢٤هـ
السؤال
ما الفرق بين الحديث القدسي والقرآن؟ حيث إنني أعتقد أن الحديث القدسي معنى من الله ولفظاً من النبي ﷺ ، إلا أنني فوجئت أن هناك من يقول إن هذا من أقوال الأشاعرة، وأن الصحيح أن الحديث القدسي لفظاً ومعنى من الله، فإذا كان كذلك هل معنى هذا أن كلام الله على درجات منه الفصيح ومنه الرديء، أستغفر الله - حيث إن القرآن - بلا شك - أفصح من الحديث القدسي أفيدونا، جزاكم الله خيراً.
الجواب
الحديث القدسي هو الذي يسنده النبي ﷺ إلى ربه والقدسي نسبة للقدس وهو التنزيه والتعظيم والتكريم، وبين الحديث القدسي والقرآن عدة فروق: منها.
١. أن القرآن الكريم كلام الله لفظاً ومعنى، أما الحديث القدسي فذهب بعض أهل العلم إلى أنه كلام الله لفظاً ومعنى لكنه يختلف عن القرآن في طريقة تبليغه وعن الواسطة فيه وهو جبريل ﵇، بحيث يكون بالإلهام أو الإلقاء في الروع أو حال المنام أو غيرها من طرق الوحي غير المجلى، وذهب آخرون إلى القول المشهور وهو أن الحديث القدسي معناه من الله ولفظه من الرسول ﷺ واختاره عامة المؤلفين في القرآن وعلومه، وكون الأشاعرة يقولون به لا يعني موافقته لطريقتهم في صفة الكلام.
ومن الفروق أيضاً:
٢. أن القرآن متواتر كله فهو قطعي الثبوت، أما الحديث القدسي فمنه الصحيح والضعيف والموضوع، ووصفه بقدسي راجع إلى منزلته فلا يعني بالضرورة ثبوت كل مروي فيه، إذ إن موضوع الصحة والضعف المدار فيه على السند وقواعد القبول والرد المعروفة عند المحدثين.
٣. أن الحديث القدسي تجوز روايته بالمعنى، أما القرآن فلا يجوز فيه ذلك.
٤. أن القرآن متعبد بتلاوته فكل حرف بحسنة والحسنة بعشر أمثالها كما في الحديث الذي رواه الترمذي (٢٩١٠) وغيره عن عبد الله بن مسعود ﵁.
٥. القرآن معجز بلفظه ومعناه، أما الحديث القدسي فليس كذلك.
٦. القرآن تحدى الله به العرب - بل العالمين - أن يأتوا بمثله، وأما الحديث القدسي فليس فيه تحد، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 475
جرح العدل الضابط
المجيب بكر بخاري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ١٠/٦/١٤٢٣هـ
السؤال
إذا كان أحد رواة الحديث عدلاً ضابطاً عند جمهور المحدثين ثم يقوم أحد علماء الجرح والتعديل كالإمام الذهبي ﵀ بتجريح هذا الراوي
جرحاً غير مفسَّر، فهل يقدم في هذه الحالة الجرح على التعديل أم العكس؟
الجواب
بسم الله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فإن علماء المصطلح عقدوا مباحث في تعارض الجرح والتعديل وكذا علماء الأصول، وتباينت مذاهبهم في ذلك، والذي يحسن بطالب العلم معرفته:
أنه ما من قاعدة إلا ولها مستثنيات، ولا يقدح هذا في كونها قاعدة؛ لأنها قواعد استقرائية، وإنما القواعد التي تنقض بالمستثنيات القواعد العقلية.
وأنه ما من عام إلا وقد خص، وحتى هذه القاعدة قد خصت بقوله -تعالى-:"إن الله بكل شيء عليم" [الأنفال:٧٥] .
والحاجة إلى هذه المقدمة المختصرة ماسة عند التعامل مع قواعد العلماء في الجرح والتعديل؛ لأنها استقراء واستنتاج لتصرفات أئمة هذا الشأن، ولذا يقع التباين بين التقعيد والتطبيق، فيلزم النظر في كل راوٍ نظراً مستقلاً مع استصحاب قواعد أهل العلم، وأما ما يخص ذات السؤال فيظهر منه أنه سؤال افتراضي وهو محتمل لأمرين:
الأمر الأول: كون الموثقين جمهور، أي أنه وجد لهم مخالف، وحينئذ فللناظر أن يرجح ما يراه أقرب إلى الصواب مراعياً القواعد والقرائن في ذلك الراوي.
الأمر الثاني: كون الموثقين جميع من وقف عليهم الباحث بحيث يغلب على ظنه اتفاقهم وخاصة إذا كان منهم أئمة هذا الشأن وحينئذٍ إذا كان جرح من بعدهم مجملاً فله اجتهاده، ولنا أن نتبع من سَلَفَ من الأئمة فإن رأي الجماعة مقدم على رأي الفرد خاصة إذا كانوا أعلم وأقرب لزمن الرواية، والله -تعالى- أعلم.
стр. 476
قبول روايات الصحابة
المجيب بكر بخاري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ١٣/٨/١٤٢٣هـ
السؤال
السلام عليكم.
عندي سؤال عن الصحابي أبي بكرة ﵁: ذكرتْ عدة مصادر قصة لأبي بكرة ﵁ مع صحابي آخر هو المغيرة بن شعبة ﵁ ملخصها: أن أبا بكرة ﵁ مع اثنين من إخوته اتهموا المغيرة بالزنى أيام عمر ﵁، ولما أنكر أخ لهم رابع رؤيته للإيلاج، أقيم حد القذف على الإخوة بما فيهم أبو بكرة ﵁ الذي رفض إعلان التوبة وأصر على اتهامه للمغيرة ﵁. هذه الراوية وردت في (وفيات الأعيان) لابن خلكان، (سير الأعلام) للذهبي وغيرها، هناك كتب أخرى أشارت للواقعة دون إسهاب. السؤال هو: لماذا قبلت رواية الحديث عن طريق أبي بكرة والمغيرة ﵄؟ أبو بكرة ﵁ حُدّ للقذف، والمغيرة ﵁ وضع نفسه موضع الشبهات، وعلى الرغم من ذلك نجد لهم أحاديث حتى في صحيح البخاري.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فقد أجاب ابن حجر في الفتح (٥/٢٥٦) عند ذكر البخاري للقصة في صحيحه في باب: شهادة القاذف والسارق والزاني من كتاب الشهادات، قال: وقد حكى الإسماعيلي في "المدخل" أن بعضهم استشكل إخراج البخاري هذه القصة واحتجاجه بها مع كونه احتج بحديث أبي بكرة ﵁ في عدة مواضع، وأجاب الإسماعيلي بالفرق بين الشهادة والرواية، وأن الشهادة يطلب فيها مزيد تثبت لا يطلب في الرواية كالعدد والحرية وغير ذلك، واستنبط المهلب من هذا أن إكذاب القاذف نفسه ليس شرطاً في قبول توبته؛ لأن أبا بكرة ﵁ لم يكذب نفسه ومع ذلك فقد قبل المسلمون روايته وعملوا بها.
ومعنى كلام المهلب أن قبول شهادة القاذف متوقفة على إكذاب نفسه، فلما لم يكذب أبو بكرة نفسه لم تقبل شهادته، والرواية متعلقة بالعدالة، والعدالة متعلقة بالتوبة، ولا ارتباط بين التوبة وإكذاب النفس، وقد قال -تعالى- بعد ذكر حكم القاذف:"إلا الذين تابوا من بعد ذلك" [النور:٥] ، فإن قيل: كيف يكون عدلاً ولا تقبل شهادته؟ فالجواب: أن بين الرواية والشهادة فرقاً، فالشهادة يطلب فيها العدد ولا تقبل شهادة الواحد وإن كان عدلاً، ولذا احتجنا إلى تتميم النصاب باليمين المكملة، ولا تقبل شهادة ذي الظنة والجنة ولا شهادة الفرع لأصله والعكس مع قبول روايتهم.
ومما يجدر التنبيه عليه أن الله -تعالى- يقدّر على بعض الصحابة ﵃ شيئاً من الذنوب، وله في ذلك حكم منها: بيان التشريع وتنزل الأحكام، ومعرفة كيفية تطبيقها، فلو لم تقع الفتنة بين الصحابة ﵃ ما عرفنا أحكام البغاة، فهي إنما عرفت من تصرفاتهم ﵃ في الفتنة، وكذا تطبيق أحكام القذف والقاذف التي بينها عمر ﵁ في هذه القصة، وأما من وقعت منهم تلك الأشياء فلهم من سابقة الصحبة والجهاد مع النبي ﷺ ونصرته، والحسنات المكفرة والإيمان والتوبة ما يمحو الله به السيئات، والله -تعالى- أعلم.
стр. 477
حال المستظل بن حصين الأزدي
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ٢٥/١٠/١٤٢٥هـ
السؤال
روى الحاكم في مستدركه أثرًا عن عمر بن الخطاب، ﵁ رجاله ثقات إلا المستظل بن الحصين أبو الميثا، فما حاله؟ خصوصًا أنه ليس من رجال كتب السنة، ولا من رجال (تعجيل المنفعة) أو (لسان الميزان) .
الجواب
هذا الراوي هو: المستظل بن حصين الأزدي البارقي، أبو ميثاء الكوفي، وهو تابعي قديم، حتى ذُكر في الصحابة خطأ، وعُدَّ من المخضرمين، كما تجده في الإنابة إلى معرفة المختلف فيهم من الصاحبة لملغطاي (رقم:٩٥٠٦) ، والإصابة لابن حجر (٦/٢٩٠) ، وتذكرة الطالب المعلم بمن يقال إنه مخضرم لبرهان الدين الحلبي (٢٦) .
سمع عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وحذيفة بن اليمان، وجرير بن عبد الله البجلي، ويقال: عن أبي ذرّ أيضًا.
وروى عنه شبيب بن غردقة البارقي [وهو تابعي ثقة من رجال الجماعة] ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٨/٦٢) ، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/٤٢٩) ، ولم يذكر فيه جرحًا أو تعديلاً.
لكن ترجم له ابن سعد في الطبقات (٨/٢٥٠) ، وقال عنه: "كان ثقة قليل الحديث".
وقال عنه العجلي (رقم:١٧٠٦) : "كوفي تابعي ثقة".
وذكره ابن حبان في الثقات (٥/٤٦٣-٤٦٢) .
وأخرج له الحاكم في المستدرك (٤/٤٢٨) ، وصحح إسناد حديثه.
وقد قال الذهبي في الموقظة (٧٨) عمن لم نجد فيه جرحًا أو تعديلاً: "إن صحح له كالدارقطني والحاكم، فأقل أحواله حُسن حديثه". فكيف بمن وجدنا فيه توثيقًا دون جرح؟!
وأخرج له أيضًا الضياء في المختارة مصححًا له بذلك (١/٣٩٨رقم٢٨١) .
فرجل من طبقة هذا التابعي الكبير المخضر، في جلالة هذه الطبقة وفضلها، ويوثقه أولئك الأئمة بالقول الصريح، وبالفعل المقتضي للتوثيق، ولم يجرحه أحد لا شك أنه ثقة.
وانظر لتكملة مصادر عناصر ترجمته وضبط كنيته الكتب التالية: الجعديات لأبي قاسم البغوي (رقم:٢٣٨٥-٢٣٨٦) ، ومسند البزار (٧/٣٤٠-٣٤١رقم٢٩٣٨) ، والكنى لمسلم (١١٠) ، والمعجم الكبير للطبراني (٢/٣٤٧-٣٤٨رقم٢٤٥٧، ٣/٤٤رقم٢٦٣١) ، والمعجم الوسيط (رقم٣٧١) ، والمؤتلف والمختلف للدارقطني (٤/٧-٢١) ، والإكمال لابن ماكولا (٧/٣٠٧) ، وتوضيح المشتبه لابن ناصر الدين (٨/٣٢٢-٣٢٣) ، وتاج العروس للزبيدي (ميث ٥/٣٦٦) .
стр. 478
توثيق ابن حجر
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ١٧/٨/١٤٢٣هـ
السؤال
السلام عليكم.
لله الحمد والمنة فقد أشرفت على موسوعة الحافظ ابن حجر العسقلاني في الأحاديث التي حكم عليها الحافظ في جميع مؤلفاته، وخرجت الموسوعة عن مؤسسة الحكمة في ستة مجلدات كبار، ورغم ما بها من أخطاء في الطباعة أو غير ذلك فيبقى جهداً به من الخير ما به، واليوم وقد شرعت -ولله الحمد- بموسوعة الرجال الذين تكلم عليهم الحافظ ابن حجر، وقد شارفت على الانتهاء من الجمع، وفكرة الموسوعة هي:
(١) جرد الكلام الموجود في جميع مؤلفات الحافظ المطبوعة حول الرجال.
(٢) لا يدخل في هذه الموسوعة كلام الحافظ في (التهذيب، التقريب، تعجيل المنفعة، اللسان، الإيثار بمعرفة رواة الآثار) .
واكتفيت بذكر إحالة على هذه المؤلفات، أما الكلام في غير هذه المؤلفات فقد ذكرته بنصه، وقد تحصل لنا فوائد كثيرة أذكر منها مثالاً لا حصراً:
١. الكلام على رواة لم يتكلم الحافظ حولهم في المؤلفات السالفة.
٢. إضافة معلومات جديدة حول الرواة.
٣. معلومات دقيقة تنفع في علم العلل ومقارنات دقيقة.
السؤال: في مواضع كثيرة يذكر الحافظ أن هذا الحديث رجاله ثقات، أو عبارة وثقوا، أو سنده صحيح.
هل أبحث في هذه الأسانيد، وأذكر الرجال الذين أشار لهم الحافظ؟ وسبب سؤالي: أني وجدت الحافظ يذكر هذه العبارة ويعني بها طرف السند لثلاثة أو أربعة رجال، أما شيوخ الراوي كالطبراني أو الطبري فلا يدخلون في شرطه، وأنا محتار هل أعد هؤلاء من شرط الكتاب أم لا؟
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واتقى حدّه، أما بعد:
فأقول وبالله التوفيق:
إذا قال الحافظ أو غيره من العلماء عن إسناد:"رجاله ثقات"، أو "سنده صحيح" فالأصل أنها تدل على أن رجال الإسناد كلهم ثقات عند القائل، إلا إذا استثنى أحداً صراحة، أو دل سياق كلامه على استثناء أحد منهم، وأما إذا قال:"وثقوا" فلا يلزم من ظاهر هذه العبارة أن يكونوا ثقاتاً عند قائلها، ولكن يلزم أن يكون القائل قد علم أنه لم يخل أحد منهم من توثيق، ولو من واحد، ولو كان مخالفاً لغيره بتضعيف.
لذلك أنصح السائل بما يلي:
(١) أن ينقل في ترجمة جميع رجال الإسناد عبارة الحافظ التي ذكرها، إلا من استثناه صراحة، أما من لم يستثنِهِ صراحة فإنه ينقل العبارة فيه، لكن إن رأى أن ينبِّه على دلالة الاستثناء التي لاحت له في حاشية الكتاب، أو أن ينبه في مقدمة كتابه على أهمية الرجوع إلى سياق كلام الحافظ لاحتمال خروج الراوي عن أن يكون مقصوداً في كلام الحافظ حتى لا يُفهم كلام الحافظ بغير مراده، فهذا حسن، وبذلك تبرأ عُهدة السائل، ولم يُفوت فائدة (ولو محتملة) !
(٢) وتخفيفاً على السائل ما لا طائل تحته، فإني أنصحه بألا يذكر تلك العبارات من عبارات التوثيق الضمني في الأئمة المشهورين الذين أغنت شهرتهم بالإمامة عن نقل أمثال تلك العبارات فيهم.
وفق الله السائل لكل خير، والله أعلم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
стр. 479
وصف الحسن البصري بالتدليس
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ٢٦/٠٢/١٤٢٦هـ
السؤال
هل صحيح أن أحداً من المتقدمين لم يصف الحسن البصري بالتدليس غير النسائي؟ وأن إعلال حديثه بالتدليس لا يعرف إلا عند المتأخرين؟ وأن هذا غير سديد؟.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
أقول وبالله التوفيق:
لقد وصف الحسن البصري بالتدليس غير واحد من أئمة النقد، كخلف بن سالم (ت٢٣١هـ) ، والنسائي، وابن حبان، والحاكم. غير أن تدليس الحسن البصري الذي أكثر منه وكان له أثر في قبول عنعنته هو من نوع رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه، وهو النوع الذي سماه الحافظ ابن حجر: (المرسل الخفي) ، وفرق بينه وبين (التدليس) . وهذا التفريق خطأ لم يسبق الحافظ ابن حجر إليه، والعلماء قبله بخلافه.
وهذا النوع من التدليس (وهو رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه) ، يقتضي أن لا تقبل عنعنة المكثر منه عمن روى عنه حتى نعلم أنه قد سمع من روى عنه، ولو في حديث واحد من أحاديثه عنه، لنضمن أن هذا الراوي قد سمع من هذا الشيخ، وأنه في روايته عنه ليس من قبيل ما عرفناه عنه من أنه يروي عمن عاصره ولم يلقه. فإذا ثبت السماع (ولو في حديث واحد) من ذلك الشيخ حملنا عنعنته عنه بعد ذلك على السماع.
هذا هو حكم هذا النوع من التدليس، وهو حكم لم ينص عليه أحد في كتب علوم الحديث؛ إلا أني استنبطته من تصرفات أئمة النقد، ومن غير ذلك. وقد بسطت الكلام عنه في كتابي (المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس) ، واستفاد هذا الحكم منه أهل زماننا، مع العزو أحياناً، ودون عزو أحياناً أخرى.
وإذا كان هذا هو نوع تدليس الحسن البصري، وذا هو حكمه، فإن القول بأن العلماء لم يكونوا يعلون الأحاديث المعنعنة للحسن بذلك قول مجانب للصواب كل المجانبة، فما زال العلماء يتوقفون في سماع الحسن ممن روى عنه، حتى يثبت عندهم سماعه، لتدليسه هذا النوع من التدليس. كما تراه موسعاً بيانه في كتابي المشار إليه. نعم إطلاق..القول برد عنعنة الحسن، حتى عمن عرفناه بلقائه وسماعه منه، لا أعرفه عن أحد من أئمة النقد المتقدمين، بل واضح أحكامهم وتطبيقاتهم بخلافه. والله أعلم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
стр. 480
التفريق بين السنة والعادة
المجيب د. عبد الله بن المحفوظ بن بيه
وزير العدل في موريتانيا سابقاً
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ٢٦/٨/١٤٢٤هـ
السؤال
بالنسبة لوضع الإثمد للعينين أو تطويل الشعر أو أكل الثريد وغيرها, هل هي عادات يحبها النبي ﷺ , أم عبادات نؤجر إذا اتَّبعناه فيها؟.
الجواب
هذه الأمور بعض العلماء اعتبرها من العادات، وبعض العلماء قال: إن الوصف هو المطلوب فيه الاقتداء، بمعنى أن الطريقة التي وضع بها الإثمد في عينه، أو الطريقة التي أكل بها هي التي تعتبر من الشرع، ولهذا قال صاحب مراقي السعود في نظم جمع الجوامع: وفعله المركوز في الجبلة *** كالأكل والشرب فليس ملة
من غير نفي الوصف، أي أن الأفعال المركوزة في الجبلة أي الأفعال الطبيعية ليست شرعاً، إلا أننا إذا لمحنا الوصف أي: الطريقة التي أتى بها بالفعل نقول: إن هذه الطريقة يستحب للإنسان أن يسلكها إذا كان يريد أن يضع إثمداً في عينه، فعليه مثلاً أن ينظر إلى الطريقة التي كان النبي ﷺ يضع الإثمد في عينه ويبدأ باليمنى ... إلخ، ولكن العلماء يختلفون في بعض الأفعال هل هي من العبادات أم من العادات، كحجه ﷺ راكباً انظر ما رواه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر بن عبد الله ﵄ وكضجعة الفجر، أي: أن النبي ﷺ كان يضجع بعد ركعتي السنة بينها وبين صلاة الفجر انظر ما رواه البخاري (٦٢٦) ، ومسلم (٧٣٦) من حديث عائشة ﵂ فهنا يختلف العلماء فبعضهم قال هذه من العبادة، وبعضهم قال إنها من العادة، فذهب الإمام أحمد إلى أنها مستحبة، وذهب الإمام مالك إلى غير ذلك، وقال: إنها من العادات، ولهذا قال في مراقي السعود بأن هذه الأشياء يختلف فيها:
والحج راكباً عليه يجري *** كضجعة بعد صلاة الفجر
فالأمر سهل إن شاء الله، ومن شاء أن يفعله فذلك خير، ومن تركه فلا شيء عليه إن شاء الله.
стр. 481
حول حفظ أبي هريرة ﵁ -
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ١٠/١١/١٤٢٥هـ
السؤال
قرأت أن ذاكرة أبي هريرة، ﵁، لم تكن جيدة، وأنه كان ينسى كثيرًا، فلا تكون الأحاديث التي يرويها صحيحة، وسأنقل لكم جزءًا من كامل النص وأرجو أن تخبروني عن صحة ذلك من عدمه، وأيضًا أريد معرفة منزلة الإمام الزركشي بين أهل السنة والجماعة، وأن عائشة، ﵂، نازعت في كثير من أحاديث أبي هريرة، ﵁، وقررت في كثير من الأحيان أنه لا يسمع جيدًا، وأنه عندما يُسأل يعطي أجوبة خاطئة (الزركشي صفحة ١١٦) ، وأيضًا ذكر العسقلاني نقلاً عن أبي هريرة، ﵁، في مناقب الخليفة عمر بن الخطاب، ﵁، قولَه: "نريد أن نقول أشياء كثيرة لكننا نخاف من هذا الرجل (عمر) . الإصابة للعسقلاني (مجلد ٧، صفحة ٤٤) .
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:
ما قرأته عن أبي هريرة، ﵁ غير صحيح، وهذا كلام بعض المغرضين الذين يريدون النيل من أبي هريرة، ﵁، والتشكيك فيه؛ حتى يتسنى لهم التشكيك في الأحاديث التي رواها عن النبي ﷺ ، وقد شهد له النبي ﷺ بالحرص على الحديث. انظر صحيح البخاري (٩٩) . وشهد له الصحابة، ﵃، بالحفظ والضبط لما يحدِّث به، قال الإمام الشافعي: (أبو هريرة أحفظ مَن روَى الحديث في عصره) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هو حافظ الأمة على الإطلاق، يؤدي الحديث كما سمعه ويدرسه بالليل درسًا، فكانت همته منصرفة إلى الحفظ وتبليغ ما حفظه كما سمعه) [مجموع الفتاوى (٤/ ٩٤) ] ، وقد سبق أن فصلت القول في هذه القضية والإجابة عن الشبهات التي أثيرت حول أبي هريرة، ﵁ في جواب نشر في الموقع فراجعه إن شئت. وأما كون عائشة، ﵂، قد استدركت على أبي هريرة، ﵁، فعائشة، ﵂، استدركت على أبي هريرة وغيره من الصحابة، ﵃، مثل: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن مسعود، ﵃، وهذا حسب اجتهادها، وقد يكون الصواب معها في بعض ما استدركته، وقد يكون الصواب والحق مع غيرها، وهذه قضايا اجتهادية بين الصحابة، ﵃، والتفصيل في كل قضية يطول.
أما الإمام الزركشي، فهو: محمد بن عبد الله بن بهادر بن عبد الله الزركشي، أبو عبد الله بدر الدين، مصري المولد والوفاة، ولد سنة (٧٤٥ هـ) ، وأخذ عن الشيخين: جمال الدين الأسنوي، وسراج الدين البلقيني، ورحل إلى حلب فأخذ عن الشيخ شهاب الدين الأذرعي، وسمع الحديث بدمشق وغيرها، وكان فقيهًا أصوليًّا أديبًا فاضلًا، ودرّس وأفتى، وكان أكثر اشتغاله بالفقه وأصوله وعلوم الحديث والقرآن والتفسير، وقد ترك فيها أكثر من ثلاثين مصنفًا، ومن أشهر مؤلفاته: البرهان في علوم القرآن، التذكرة في الأحاديث المشتهرة، النكت على ابن الصلاح، وغيرها. توفي بمصر سنة (٧٩٤ هـ) . وقد سبقه إلى التأليف في هذا الموضوع- وهو جمع ما استدركته عائشة على الصحابة- أبو منصور عبد المحسن محمد بن على الشيحي البغدادي (ت ٤٨٩هـ) ، والكتاب مطبوع بعنوان: جزء فيه استدراك أم المؤمنين عائشة على الصحابة، ﵃. ينظر: ترجمة الإمام الزركشي في: شذرات الذهب (٦/٣٣٥ - ٣٣٦) .
وأما ما نقل عن عمر، ﵁، فمن المعروف أن عمر ﵁ كان يشدد على الصحابة، ﵃، في التحديث من باب الاحتياط للسنة، والتثبت في النقل، خشية أن يؤدي التوسع في الرواية عن النبي ﷺ إلى الوقوع في الخطأ والوهم، وقصة عمر مع أبي موسى الأشعري، ﵄، مشهورة، فقد روى الإمام مسلم (٢١٥٤) عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: جَاءَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ﵃، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُم، هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ. فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُم، هَذَا أَبُو مُوسَى، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، هَذَا الْأَشْعَرِيُّ. ثُمَّ انْصَرَف، َ فَقَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ، رُدُّوا عَلَيَّ. فَجَاءَ، فَقَال: َ يَا أَبَا مُوسَى: مَا رَدَّكَ؟ كُنَّا فِي شُغْلٍ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ وَإِلَّا فَارْجِعْ". قَالَ لَتَأْتِيَنِّي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ وَإِلَّا فَعَلْتُ وَفَعَلْتُ. فَذَهَبَ أَبُو مُوسَى، ﵁، قَالَ عُمَرُ: إِنْ وَجَدَ بَيِّنَةً تَجِدُوهُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ عَشِيَّةً، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً فَلَمْ تَجِدُوهُ. فَلَمَّا أَنْ جَاءَ بِالْعَشِيِّ وَجَدُوهُ، قَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، مَا تَقُولُ؟ أَقَدْ وَجَدْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ. قَالَ: عَدْلٌ. قَالَ: يَا أَبَا الطُّفَيْلِ، مَا يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، فَلَا تَكُونَنَّ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنَّمَا سَمِعْتُ شَيْئًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ. هذا والله أعلم.
стр. 482
منزلة أئمة النقد
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ٢/٧/١٤٢٤هـ
السؤال
عندي سؤال يختص بكتب الرجال، كيف نعلم أن مؤلفي تلك الكتب لم يكذبوا فيما ذكروه عن الرواة فينسبون الكذب إلى الصادق؟ كيف نتيقن من عدالة الذين يقومون بالجرح والتعديل؟ في إمكان الشيعي أن يزعم أن علماءنا كذابون وأن الراوي المجروح في كتبهم صادق في واقع الأمر، كيف نرد عليهم؟.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
أقول وبالله التوفيق:
إن هذا المشكك الذي أشار إليه السائل ينحو منحى الشكاك الذين لا يرون شيئاً من الأدلة قائماً بشيء من الاستدلال، الذين إذا أطردوا في منهجهم هذا آل بهم الأمر إلى الشك في الموجودات والمحسات كلها، وقد وصل الأمر ببعضهم إلى ذلك فعلاً، قديماً وحديثاً.
فما الفرق بين هذا التشكيك وتشكيك من يقول: إن علي بن أبي طالب ﵁ لم يكن من جلة أصحاب النبي ﷺ ، وأن يزعم أنه قد اختلق له ما يدل على ذلك ... بإمكان كل أحد أن يفترض هذه الافتراضات التي لا ترجع إلى عقل ولا تعرف البراهين؛ وإلا: فهل يحتاج النهار إلى دليل.
لقد كان أئمة الجرح والتعديل يعيشون بين الناس، ويعاشرونهم، ولم يكونوا محجوبين في سراديب. فعرفهم الناس كما يعرفون الناس، بل كما يعرفون رؤوس الناس، فقد كانوا أئمة ينظر إليهم، ويقتدى بهم، ويحتكم إليهم، ويتناقل الناس أخبارهم، ويروون أقوالهم، ويستشهدون بآرائهم. ثم هم مع ذلك تصدوا للكلام في رواة السنة جرحاً وتعديلاً، وهو تصدٍ صعب، وتصدر له تبعاته وأخطاره، وأنظار الناس وألسنتهم لمن تصدى له متوجهة، خاصة من تكلم فيه وجرح، أو من يمت له بصلة قرابة أو تمذهب أو أي صلة تدعو للانتصار له. ثم يموت هؤلاء العلماء الذين جرحوا وعدلوا، وتبقى أقوالهم على تعاقب الأجيال وتقلب الأحوال، ومع ذلك كله فلم يستطع أحد ممن في عصرهم (أو بعدهم) أن يتهمهم في عدالتهم ودينهم، كما يريد هذا المشكك أن يتهمهم به، مع كل دواعي اشتهار ذلك عنهم لو كان فيهم شيء من ذلك، وحاشاهم منه!!
لقد استفاضت عدالة أولئك العلماء وتواترت أخبار ديانتهم وعظيم ورعهم في زمنهم وبعد زمنهم. والتواتر من أقوى الأدلة، كما تواتر الناس على وجود الصين، فنحن نصدق بها وإن لم نرها. وهذا أمر متفق عليه جميع العقلاء، ولم يخالف فيه إلا قوم من المرضى بداء الشك. ثم قد قامت أدلة أخرى كثيرة لا يمكن أن تحصى على تمام ورعهم وعلى صدقهم في تحري الحق، دون محاباة لأحد، أو اعتداء على أحد. حيث منهم من جرح أباه، ومنهم من جرح ابنه، وصديقه، وقريبه. وفي المقابل: أثنوا على من يستحق الثناء عليه ممن يخالفهم في المذهب، وأثنوا عليهم بما فيهم من الخير، مع تنبيههم على خطئهم أو بدعتهم. وأقوالهم في ذلك شهيرة كثيرة، ليست تحتاج إلى ضرب أمثلة. وإنما على المشكك أن يرجع إلى أقوالهم، إن كان قصده معرفة الحق بدليله.
ولكن لا بأس بأن أضرب مثالاً واحداً، فهذا الإمام ابن خزيمة يقول عن عباد بن يعقوب الرواجني، وهو من علماء الشيعة وغلاة الرافضة: "حدثني الصدوق في حديثه المتهم في دينه"!! هذا مثال واحد من ألوف الأمثلة عن صدق وورع أئمة الجرح والتعديل، وعلى كمال إنصافهم حتى لمن خالفهم. وأخيراً أقول: إن مآل كلام هذا المشكك التشكيك في دين الإسلام كله؛ لأن السنة - وهي بيان القرآن ووحي الله معه - إنما عرفناها من طريق هؤلاء العلماء، فالطعن فيهم طعن في القرآن والسنة!!
وعليه فإن كان هذا المشكك بلغ به الأمر إلى حد الشك في أصل الدين، فيتبدأ معه من أولى الخطوات:
فأولاً: نثبت له نبوة النبي ﷺ من خلال دلائل نبوته في القرآن والسنة وغيرهما.
إذا أقر بذلك تبين له أن هذا يلزمه بتصديق أن القرآن كلام الله تعالى، منزل من ربنا إلى رسولنا ﷺ .
فإذا أقر بذلك، بينَّا له أن ذلك يلزمه باعتقاد حفظ السنة، من جهتين: وهي أن القرآن قد وعد الله فيه بحفظه "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"، وحفظ القرآن لا يتم إلا بحفظ السنة، لأن السنة هي المفسرة للقرآن، حيث إن بيان القرآن إحدى أعظم وظائف النبي ﷺ ، كما قال تعالى: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم".
والجهة الثانية: أن القرآن أمر في آيات كثيرات بطاعة النبي ﷺ وبالتحذير من مخالفته، وحث على أن نتخذه قدوة وأسوة، وهذه الأوامر ستكون تكليفاً بمالا يستطاع فيما لو ضاعت السنة، ولا يصح شرعاً وعقلاً أن يكلف الله نفساً إلا وسعها؛ فدل ذلك على أن السنة محفوظة ولابد.
فإذا أقر بوجوب حفظ السنة، سألناه هل بلغتنا السنة إلا بجهود هؤلاء العلماء؟! وهل عرفنا صحيحها من سقيمها إلا من خلال علمهم وأحكامهم؟!
فلو كان أولئك العلماء على ما ادعى ذلك المشكك لزم ضياع السنة، وهذا ما فرغنا من كونه مستحيلاً آنفاً. فلم يبق أن أولئك العلماء على ضد ما ادعاه ذلك المشكك، وأنهم حفظوا السنة، وميزوا بين صحيحها وسقيمها، وفرقوا بين مقبول رواتها ومردودهم.
إذن خرجنا أن أولئك العلماء لا يجوز فيهم أن يكونوا كما ادعاه ذلك المشكك شرعاً وعقلاً.
والمجال يتسع فيه المقال، لكن الوقت أثمن من أن نمضيه في الرد على كلام من لا يرجع إلى دليل، ولا يعرف صحة برهان.
والله الهادي إلى سواء السبيل.
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه والله أعلم.
стр. 483
الأخذ بأحاديث الآحاد في العقائد
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ٣/١٢/١٤٢٤هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حديث الآحاد يؤخذ به في العقائد، ما حكم منكر نزول سيدنا عيسى ﵇؟ جزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
أقول وبالله التوفيق:
أما خبر الآحاد الذي يصححه أهل الحديث ويقبلونه فهو حجة في العقائد والأحكام، بإجماع الصحابة- ﵃ والتابعين وتابعيهم، إذ كانوا ﵃ يروون أحاديث الآحاد في العقائد، ويعتقدون بما تضمنته من العقائد والأخبار الغيبية، ولا يفرقون بينها وبين أحاديث الأحكام في شروط القبول وأسباب الرد، بل يوجبون في أحاديث العقائد ما يوجبونه في أحاديث الأحكام من التثبت والتحري.
وقد قال الإمام الشافعي في كتابه (الرسالة) : (ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه، بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته جاز لي. ولكن أقول: لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد، بما وصفت من أن ذلك موجود على كلهم) الرسالة للشافعي (٤٥٧-٤٥٨ رقم ١٢٤٨-١٢٤٩) .
وقال ابن عبد البر الأندلسي الفقيه المالكي الشهير (ت٤٦٣هـ) ، وهو يتكلم عن خبر الآحاد وموقف العلماء منه: (وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعاً وديناً في معتقده، على ذلك جميع أهل السنة) . (التمهيد لابن عبد البر١/٨) .
وقال ابن قيم الجوزية (ت٧٥١) وهو يرد على من لم يحتج بخبر الآحاد في العقائد من أهل البدع، (وأما المقام الثامن: وهو انعقاد الإجماع المعلوم المتيقن على قبول هذه الأحاديث، وإثبات صفات الرب -تعالى-بها. فهذا لا يشك فيه من له أقل خبرة بالمنقول. فإن الصحابة ﵃ هم الذين رووا هذه الأحاديث وتلقاها بعضهم عن بعض بالقبول، ولم ينكرها أحد منهم على من رواها، ثم تلقاها عنهم جميع التابعين، من أولهم إلى آخرهم ... " (مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم: (٥٧٧) . وبناءً على ذلك: فإن رد خبر الآحاد في العقائد منهج بدعي يخالف إجماع أهل السنة والجماعة.
بل إن رد خبر الآحاد في العقائد يؤول إلى رد السنة كلها، كما قال الإمام أبو حاتم ابن حبان (ت٣٥٤هـ) ، في مقدمة صحيحة: (فأما الأخبار فإنها كلها أخبار آحاد) ، إلى أن قال: (وأن من تنكب عن قبول أخبار الآحاد، فقد عمد إلى ترك السنن كلها؛ لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد) . (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان: (١/١٥٦) ، وأما إنكار نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، فلا شك أنه خطأ كبير، لا يكون إلا عن جهل بنصوص الكتاب والسنة الواردة في ذلك، أو عن منهج مبتدع في طريقة التعامل مع أدلة القرآن والسنة، لن يكون إنكار نزول عيسى ﵇ معه أول ضلالاته ومنكرات آرائه المبنية عليه، ولا آخرها.
ولقد جاء ما يدل على نزول عيسى ﵇ في القرآن الكريم، في ثلاث آيات منه، وهي:
قوله -تعالى-: "وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً" [النساء:١٥٩] ، ومعنى الآية: ليس أحد من اليهود والنصارى إلا وسيؤمن قطعاً وجزماً بعيسى ﵇، عبد لله -تعالى- ورسولاً منه -سبحانه-، وذلك سيكون قبل موت عيسى ﵇، ومعلوم أن هذا لم يقع حتى الآن، مما يعني أنه مما سوف يقع فيما نستقبله من الزمان.
وقوله -تعالى-: "وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ" [الزخرف: من الآية٦١] ، لقد كانت الآيات قبل هذه الآية تتحدث عن عيسى ﵇، فالضمير في هذه الآية يعود إليه ﵇. والمعنى: إن عيسى ﵇ شرط وعلامة من علامات الساعة التي تعلم بها، فسمي الشرط علماً لحصول العلم به. وقوله -تعالى-: "وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً" [آل عمران: ٤٦] . ووجه دلالة هذه الآية على نزول عيسى ﵇ أن الله -تعالى- عدد بعض خصائص عيسى ﵇ ودلائل نبوته، فكان منها كلامه في المهد وهو رضيع، وكلام الرضيع من الخوارق الدالة على النبوة ولا شك. فما هو وجه ذكر كلامه وهو كهل، والكهولة سن بداية ظهور الشيب، والأصحاء كلهم يتكلمون في هذا السن؟! إن ذكر الكلام في سن الكهولة في سياق ذكر خصائص عيسى ﵇، والخوارق التي تدل على نبوته فيه إشارة واضحة إلى أن هذا الكلام سيكون في حالة تكون معها إحدى خصائصه أيضاً الدالة على نبوته، وهذه الحالة لم تقع فيما مضى من حياته التي كان فيها بين الناس، وذلك مما لا يخالف فيه اليهود والنصارى والمسلمون. فلم يبق إلا أن هذه الخصيصة ستتحقق فيما نستقبل من الزمان، وهذا يعني أن عيسى ﵇ سيعود بين الناس، لتتحقق له هذه المعجزة، وهي كلامه كهلاً.
ومع هذه الآيات فهناك أحاديث صحيحة كثيرة في نزول عيسى ﵇، ومنها أحاديث أخرجها البخاري ومسلم في صحيحيهما، اللذين هما أصح الكتب بعد كتاب الله، وهي أحاديث تلقتها الأمة بالقبول، فهي مفيدة لليقين، حتى عند أهل البدع من أهل الكلام، الذين لا يحتجون بأخبار الآحاد في العقائد، بل لقد وصفت أحاديث نزول عيسى ﵇ بالتواتر، ووصفها بذلك جمع كبير من أهل العلم، ومنهم:
(١) ابن جرير الطبري (ت٣١٠هـ) في تفسير (٥/٤٥١) في تفسير الآية (٥٥) من سورة آل عمران.
(٢) وأبو الوليد ابن رشد المالكي (ت٥٢٠هـ) في البيان والتحصيل (١٨/٢٥٥) .
(٣) وعبد الحق بن عطية المالكي (ت٥٤١هـ) في تفسيره (٣٠٨) ، في تفسير الآية (٥٥) ، من سورة آل عمران.
(٤) وابن كثير (ت٧٧٤هـ) ، في تفسيره (٧/٢٣٦) ، في تفسير الآية (٦١) من سورة الزخرف.
(٥) والشوكاني (ت١٢٥٠هـ) ، له كتاب: (التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح) .
(٦) والكتاني (١٣٤٥هـ) ، فقد ذكره في كتاب: نظم المتناثر من الحديث المتواتر (رقم ٢٩١) .
(٧) ومحمد أنور شاه الكشميري (ت١٣٥٢هـ) ، له كتاب: التصريح بما تواتر في نزول المسيح.
ولذلك فقد ذهب بعض أهل العلم إلى تكفير من أنكر نزول عيسى ﵇، مع علمه بالنصوص الواردة في ذلك، كما ذهب إليه العلامة محمود شكري الألوسي البغدادي (ت١٣٤٢هـ) ، في تفسيره (روح المعاني) ، في تفسير الآية رقم (٤٤) من سورة الأحزاب (٢٢/٣٤) .
ولا شك أن التكفير له شروط، ولا يفقهها كل أحد. لكن هذا كله يدل على بعد إنكار نزول عيسى ﵇ عن الصواب، وأن على قائل ذلك الرجوع إلى الحق، وأن لا يتكلم إلا بعلم، وأن يسلم لنصوص الوحيين: الكتاب والسنة.
هدى الله الجميع إلى مرضاته، وبلغنا أعالي جناته. والله أعلم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
стр. 484
هل في البخاري أحاديث ضعيفة
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ٢٤/١٢/١٤٢٤هـ
السؤال
هل صحيح أن الشيخ الألباني وجد أحاديث لا ترقى إلى الصحة في صحيح البخاري؟.
الجواب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: أقول وبالله التوفيق:
نعم.. لقد ضعَّف الشيخ الألباني أحاديث قليلة جداً في صحيح البخاري، ولكن لا يلزم من تضعيف الشيخ لها أن تكون ضعيفة بالفعل، بل قد تكون صحيحة كما ذهب إلى ذلك البخاري من قبل، وقد تكون ضعيفة فعلاً. فتضعيف الشيخ الألباني - عليه رحمة الله- اجتهاد منه، قابل للقبول والرد.
لكن العلماء قد نصوا أن أحاديث الصحيحين (صحيح البخاري وصحيح مسلم) كلها مقبولة، إلا أحاديث يسيرة انتقدها بعض النقاد الكبار، الذين بلغوا رتبة الاجتهاد المطلق في علم الحديث. وأن ما سوى تلك الأحاديث اليسيرة، فهي متلقاة بالقبول عند الأمة جميعها.
وبناء على ذلك: فإن الحديث الذي يضعفه الشيخ الألباني في صحيح البخاري له حالتان: الأولى: أن يكون ذلك الحديث الذي ضعفه الألباني قد سبقه إلى تضعيفه إمام مجتهد متقدم، فهذا قد يكون حكم الشيخ الألباني فيه صواباً، وقد يكون خطأ، وأن الصواب مع البخاري.
الثانية: أن يكون الحديث الذي ضعفه الألباني لم يسبق إلى تضعيفه، فهذا ما لا يقبل من الشيخ ﵀؛ لأنه عارض اتفاق الأمة على قبول ذلك الحديث (كما سبق) . والله أعلم.
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
стр. 485
معنى الجرح والتعديل ومن يقوم به
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ١٥/١/١٤٢٥هـ
السؤال
ارجو أن توضحوا لي باختصار ما معنى: (الجرح والتعديل؟) ومن يقوم به؟ ومن أين جاء؟ مع الأدلة.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وبعد:
الجرح في اللغة: التأثير في الجسم بالسلاح ونحوه، يقال: جرحه جرحاً إذا أثر فيه، ويكون الجرح معنوياً فيقال: جرحه بلسانه أي: شتمه، وسبه، وقال بعض أئمة اللغة: (الجُرح- بالضم - يكون في الأبدان بالحديد ونحوه، والجَرح - بالفتح - يكون باللسان في المعاني والأعراض ونحوها.
وقد استعمل المحدثون الجرح في نقد الرواة والمقصود به: وصف الراوي بما يقتضي تليين روايته أو تضعيفها أو ردها، مثل قولهم: لين الحديث، سيىء الحفظ، مجهول، متروك، متهم بالكذب، كذاب، وضاع.
والتعديل في اللغة: التسوية، وتقويم الشيء وهو ضد الجور.. والتعديل عند المحدثين: وصف الراوي بما يقتضي قبول روايته، مثل قولهم: ثقة متقن، ثقة ثبت، ثقة، حجة، صدوق، لا بأس به، وذلك إذا تحقق فيه شرطان هما: عدالة الراوي وضبطه، كما أن جرح الراوي يكون بسبب اختلال هذين الشرطين أو أحدهما.... والمراد بالعدالة: ملكة تحمل المرء على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة، وأما المروءة فآداب تحمل الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات، ويرجع في معرفتها إلى العُرْف، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص والبلدان.
والمراد بالضبط: الضبط نوعان هما: ضبط الصدر وضبط الكتاب، فضبط الصدر: أن يكون الراوي يقظاً غير مُغَفَّل بل يحفظ ما سمعه ويُثْبِتُه، بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء، مع علمه بما يحيل المعاني إن روى بالمعنى.
وضبط الكتاب: صيانته لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه، والأدلة على اعتبار العدالة والضبط في الرواة: الأصل في اعتبار عدالة الراوي قوله -تعالى-: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين" [الحجرات: ٦] ، ووجه الدلالة أن الآية نص في وجوب التبين والتثبت من حقيقة خبر الفاسق.
والأصل في اعتبار الضبط الحديث المشهور: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلَّغها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه..... "الحديث أخرجه الترمذي (٢٥٨٠) وغيره من حديث ابن مسعود ﵁، وفي بعض رواياته: ".... سمع منا شيئاً فبلغه كما سمع" عند الترمذي (٢٦٥٧) ، ووجه الدلالة:
(١) أن قوله ﷺ : (فحفظها) نص على الحفظ، وهو يشمل الحفظ في الصدر وفي الكتاب.
(٢) وقوله: " فبلغه كما سمع " نص على اعتبار الضبط عند الأداء، وجرح الرواة بقدر الحاجة لا يعد من الغيبة المحرمة بإجماع المسلمين، بل هو واجب إذ يترتب عليه تميز ما يقبل من الأحاديث، وما يرد منها، ومن الأدلة على جواز الغيبة لغرض شرعي: ما أخرجه البخاري (٦٠٣٢) ، ومسلم (٢٥٩١) من حديث عائشة ﵂: أن رجلاً استأذن على النبي ﷺ فلما رآه قال: "بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة"فلما جلس تَطَلَّقَ النبي ﷺ في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت عائشة- ﵂: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال رسول الله ﷺ : "يا عائشة متى عهدتني فاحشاً؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره " وفي رواية عند مسلم: " اتقاء فحشه ".
ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ تكلم في ذلك الرجل على وجه الذم لما كان في ذلك مصلحة شرعية، وهي التنبيه إلى سوء خلقه ليحذره السامع كما يفيده قوله: " إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه " سبق تخريجه، ولذلك تطلق في وجهه وانبسط إليه مداراة له لا مداهنة، وتثبت عدالة الراوي بأحد أمرين:
الأمر الأول: الاستفاضة بأن يشتهر الراوي بالصدق والأمانة والاستقامة، ويعرف بالضبط والإتقان والعلم، مثل الأئمة الأعلام كمالك وأحمد والشافعي، ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر، والاشتهار بالصدق والبصيرة والفهم.
الأمر الثاني: تنصيص الأئمة على عدالة الراوي، ويكفي تعديل الإمام الواحد على القول الراجح قياساً على قبول خبر الراوي الثقة عند تفرده، ويعرف الأئمة عدالة الراوي بتتبع سيرته وحياته، وهذا يقوم به من عايش هذا الراوي، وقد يستدل على عدالة الراوي بتمعن أحاديثه، وأما ضبط الراوي فيعرف بعرض رواياته على أقرانه ممن يروي عن شيخه، فإذا وافق الثقات صار ضابطاً، وإذا خالفهم اختل ضبطه، وهو درجات، وقد يعرف ضبط الراوي باختباره مباشرة من قبل أحد الأئمة، والذي يقوم باختبار ضبط الراوي ومعرفته لعدالته هم أئمة الجرح والتعديل: كأحمد، وابن معين، وابن المديني، والبخاري وغيرهم، فالإمام أحمد أو غيره من الأئمة مثلاً عندما يقول: فلان في أحاديثه اضطراب يكون عرف ذلك بتتبع مروياته ودراسة أحاديثه. هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 486
قولهم: (إسناده صحيح) هل يلزم منه تصحيحهم للحديث ؟!
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ٠٤/١١/١٤٢٥هـ
السؤال
علمت من مقدمة ابن الصلاح أن قول المحدث: (إسناده صحيح) . لا يدل على صحة الحديث قطعًا عند المحدث وإلا لقال: (صحيح) . ورد عليه ابن حجر في النكت على ابن الصلاح بأن هذا ليس شأن كل المحدثين وأنه يجب الرجوع لما اطردت عليه عادة كل محدث على حدة. وأسأل الآن: هل إذا قال الألباني: إسناده صحيح رجاله ثقات. يعني أن الحديث صحيح عنده؟ بارك الله فيك.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:
نعم ذكر ابن الصلاح أن قول المحدث: (هذا حديث صحيح الإسناد أو حسن الإسناد) . دون قولهم: (هذا حديث صحيح (أو حديث حسن) . لأنه قد يقال: هذا حديث صحيح الإسناد. ولا يصح، لكونه شاذًّا أو معلولاً ... [مقدمة ابن الصلاح (ص: ٣٨) ] . وتعقبه الحافظ ابن حجر بأن هذا لا يطرد مع كل محدث بل يحتاج إلى استقراء طريقة كل محدث والنظر فيها، ولكن ذكر السيوطي عن الحافظ ابن حجر أنه قال: (والذي لا أشك فيه أن الإمام لا يعدل عن قوله صحيح إلى قوله صحيح الإسناد إلا لأمر ما) [تدريب الراوي (١/١٦١) ] .
وهذا الذي ذكره الحافظ جيد، فإن كثيرًا من الأئمة المتأخرين إذا قيدوا التصحيح أو التحسين بالإسناد، فإنهم يقصدون توفر ثلاثة شروط وهي: عدالة الراوي، ضبطه، اتصال السند.
قال السخاوي: (قد يصح السند أو يحسن لاستجماع شروطه من الاتصال، والعدالة، والضبط دون المتن لشذوذ أو علة....) [فتح المغيث (١/١٠٦) ] .
بل ذكر السخاوي أن من المحدثين والفقهاء من يحكم بصحة الحديث أو حسنه على وجه الإطلاق قبل النظر في سلامته من الشذوذ والعلة، وقد انتقد هذا المسلك فقال: (وأما من لم يتوقف من المحدثين والفقهاء في تسمية ما يجمع الشروط الثلاثة صحيحًا، ثم إن ظهر شذوذ أو علة رده- فشاذ، وهو استرواح حيث يحكم على الحديث بالصحة قبل الإمعان في الفحص عن تتبع طرقه التي يعلم بها الشذوذ والعلة نفيًا وإثباتًا فضلاً عن أحاديث الباب كله التي ربما احتيج إليها في ذلك) [فتح المغيث (١/١٧) ] .
ولو نظرنا في طريقة الحاكم في المستدرك فإنه كثيرًا ما يصحح الأسانيد، ولا يشترط سلامتها من العلة، وقد نص على هذا في المقدمة حيث قال: (وقد سألني جماعة من أعيان أهل العلم بهذه المدينة وغيرها، أن أجمع كتابًا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل ومسلم بن حجاج بمثلها، إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له....) . وقال: (وأنا أستعين بالله على إخراج أحاديث رواتها ثقات قد احتج بمثلها الشيخان ﵄ أو أحدهما، وهذا شرط الصحيح عند كافة فقهاء أهل الإسلام أن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة ... ) .
وكذلك الضياء المقدسي في (المختارة) فإنه يصحح أحاديث، ولا يشترط سلامتها من العلة، وقد نص على هذا في المقدمة حيث قال: (هذه أحاديث اخترتُها مما ليس في البخاري ومسلم، إلا أنني ربما ذكرتُ بعض ما أورده البخاريُّ معلَّقًا، وربما ذكرنا أحاديث بأسانيد جياد لها علَّةٌ.....) [الأحاديث المختارة (١/٦٩- ٧٠) ]
وقال ابن القيم: (وقد عُلِم أن صحة الإسناد شرط من شروط صحة الحديث وليست موجبة لصحة الحديث، فإن الحديث الصحيح إنما يصح بمجموع أمور منها: صحة سنده، وانتفاء علته، وعدم شذوذه ونكارته، وألاَّ يكون راويه قد خالف الثقات أو شذ عنهم) [الفروسية لابن القيم ص (٦٤) ] .
وأما ما يتعلق بخصوص الشيخ الألباني، فقد أشار في مقدمة تمام المنة إلى أن إطلاق الصحة على الإسناد يقصد بها استيفاء الشروط الخمسة، فعلى هذا لا فرق عنده بين إسناده صحيح أو حديث صحيح، قال ﵀: (قول بعض المحدثين في حديث ما: (رجاله رجال الصحيح) أو: (رجاله ثقات) أو نحو ذلك لا يساوي قوله: (إسناده صحيح) ؛ فإن هذا يثبت وجود جميع شروط الصحة التي منها السلامة من العلل....) . ومن المعلوم أن الشيخ- ﵀ يغلب على طريقته في التحسين أو التصحيح الإطلاق دون التقيد بالإسناد. هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 487
السنن المؤكدة
المجيب أحمد بن عبد الرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ٠٩/٠٨/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سؤالي هو: ما هي السنن المؤكدة؟ ولو تكرمتم أعطوني أمثلة عليها، وهل إذا لم يؤدها الشخص يكون عليه إثم؟ أرجو الإسهاب في ذلك مع ذكر أقوال الأئمة، وجزاكم الله خيراً على هذا الموقع الطيب.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن السنة كما يعرفها أهل العلم: ما يُثاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها، ولها أمثلةٌ عديدة، منها: السنن الرواتب، والوتر، والسواك، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق، وتخليل الأصابع، وإفطار الصائم على تمرٍ، وتكرار الحج والعمرة، والصدقة غير الزكاة، ومساعدة المحتاجين من الناس، ونحو ذلك. إلا أن هذه السنن ليست على درجةٍ واحدةٍ، بل بعضها أقوى من بعض مع اشتراكها في أفضلية الفعل، وعدم المعاقبة على الترك، ولذلك قسم أهل العلم السنن قسمين: سنن مؤكدة، وسنن غير مؤكدة. والذي يعنينا هنا السنن المؤكدة، وهي كما يعرفها أهل العلم: ما فعله الرسول ﷺ ; وواظب على فعله، كالسنن الرواتب، والوتر، وصلاة العيدين عند طائفةٍ من أهل العلم، وقراءة السورة بعد الفاتحة في الصلاة، وسجود التلاوة، وقيام الليل، والأضحية، وصلاة الكسوف، وصلاة الاستسقاء، وركعتا الطواف، وإبداء السلام، وعيادة المريض، والتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير. هذا هو المشهور عند أهل العلم في معنى السنة المؤكدة، وخلاصته أن فاعلها يستحق الثواب، وتاركها لا يستحق العقاب.
إلا أن الأحناف لهم تفسيرٌ آخر للسنة المؤكدة، فهم يعنون بها الواجب، يقول الكاساني في بدائع الصنائع (١/١٥٥) : «....لأن السنة المؤكدة, والواجب سواء, خصوصا ما كان من شعائر الإسلام» ، ولا شك أن السنة بهذا المعنى تختلف عن المعنى المتقدم ذكره، وذلك من حيث الأثر المترتب على تركها، فإن تارك السنة المؤكدة بالمعنى الأول لا يأثم، لكن تارك السنة بالمعنى المشهور عند الأحناف يأثم؛ لأنها مثل الواجب، والواجب يعاقب تاركه كما هو معلوم، ومن أمثلة السنة المؤكدة عند الأحناف: صلاة الجماعة، فإنهم يصرحون بأنها سنة مؤكدة، وليس معنى هذا أنهم يجيزون التخلف عنها، ولكنهم يعنون بالسنة المؤكدة الواجب كما صرحوا هم به، ولذلك فإنهم لا يجيزون التخلف عن صلاة الجماعة من غير عذر.
والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 488
الشك في أحاديث الصحيحين
المجيب د. فهد بن عبد الرحمن اليحيى
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ٢٥/٠٤/١٤٢٧هـ
السؤال
هل يجوز رفض حديث وارد في صحيح البخاري أو في صحيح مسلم على ضوء الحجج التالية:
١- الشك في رواية الحديث.
٢- القبول بأن الحديث صحيح، لكن بسبب عدم التمكن من فهمه، أو أنه يعارض حديثاً صحيحاً آخر فيتأتى رفضه؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن التعامل مع الصحيحين الذي ورد طرف منه في السؤال يجب التفريق فيه بين من له دراية بعلم الحديث وأهليته، وبين عامة الناس، بل ربما يقال حتى من طلبة العلم الذين ليس لديهم الأهلية في علم الحديث.
فأما المشتغلون بعلم الحديث فهؤلاء لهم أن يناقشوا قبول أي حديث حتى وإن كان في الصحيحين، ولكن ليس ببدعٍ من القول، وإنما على ضوء القواعد الحديثية المعروفة، ومن خلال كلام من تقدم من أهل العلم، وقد أشار الحافظ ابن حجر ﵀ إلى ذلك في (مقدمة فتح الباري) وذكر أمثلة من الأحاديث المنتقدة على الصحيح، والإجابة عنها.
ومن أوائل من انتقد بعض أحاديث الصحيحين الإمام الدارقطني ﵀ في (الإلزامات والتتبع) .
ومع هذا الذي ذكرت فإنني أنبه إلى أمور:
١- أن طالب العلم لا ينبغي له التعجل في هذا الباب والاستقلال بالحكم، فإن للصحيحين من المنزلة وتلقي الأمة لهما بالقبول ما ليس لغيرهما، ولذا فإنك تجد من علماء الحديث من لم يسلّم بهذه الانتقادات كلها سوى مواضع يسيرة منها كابن الصلاح، والنووي، وابن حجر وآخرين.
٢- أن الانتقاد الوارد على الصحيحين إنما هو في أحاديث معدودة نسبتها ضئيلة إلى جانب مجموع ما فيهما، ومع ذلك فكثير منها قد أجيب عنه كما تقدم.
٣-أن ما يمكن انتقاده على الصحيحين يكاد أن يكون قد فرغ منه، فقد مضى على تأليف الصحيحين أكثر من ألف عام، وما من حديث قد يتطرق إليه الانتقاد إلا ذُكر خلال هذه المدة، وستجد في المقابل من يجيب عن الانتقاد سواء كان ذلك من جهة السند أو المتن.
٤- -وهو أمر مهم- أن الغالب في الانتقادات الواردة كانتقادات الدارقطني ﵀ إنما هو من جهة السند الذي ساقه صاحب الصحيح، مع أن متن الحديث ثابت من طرق أخرى، وكثير منها يسلّم به المنتقِد كالدارقطني. فإذاً لا يلزم من توجيه الانتقاد إلى حديث ما في أحد الصحيحين عدم ثبوته من وجه آخر.
٥- أن النظر العقلي المحض وردّ الروايات الصحيحة بدعوى مخالفتها للعقل -فحسب- ليس من منهج أهل السنة، فإنهم -وإن كانوا قد يناقشون المتن منفرداً عن السند- بيد أنهم لا يطلقون العنان للعقل المجرد كي يردّ ما شاء من صحيح المنقول، وإنما تَرِدُ المناقشة عندهم في المتن -حين يقتضي الحال ذلك- على ضوء النصوص الأخرى والقواعد الحديثية والأصولية والفقهية.
ولئن كان هذا في شأن أهل العلم، فهو في حق العامة أولى، إذ ليس لهم أن يردوا الأحاديث بدعوى عدم موافقتها للعقل، وأي عقل هذا الذي يتحاكم إليه؟ فإن عقول الناس وفهومهم مختلفة متفاوتة!
هذا ما يتعلق بالمتخصصين في هذا العلم أما غيرهم -لا سيما عامة الناس- فلا ينبغي لهم الخوض في قضية القبول والرفض لما في الصحيحين، بل عليهم أن يأخذوا بالأصل، وهو: قبول ما في الصحيحين، لتلقي الأمة لهما بالقبول والتسليم بصحة ما فيهما في الجملة.
أما ما أشير إليه في السؤال فإنما ينظر فيه أهل الاختصاص المشار إليهم أولاً، مع أن التعبير الأصح بدلاً من (الشك في رواية الحديث) (نقد الرواية) ، وأما عدم التمكن من فهم الحديث فليس عذراً في رفضه، بل يرجع إلى أهل العلم في فهمه من خلال الكتب أو السؤال، كما أن مخالفة حديث لآخر لا يلزم منها الرفض لأحدهما وردّ ما فيه، بل تجرى عليهما قواعد أهل العلم في الأحاديث التي ظاهرها التعارض، والله -تعالى- أعلم.
стр. 489
هل مخالفة الصحابي للسنة تدل على نسخها ؟!
المجيب عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ٢٩/٠٩/١٤٢٦هـ
السؤال
إذا خالف فعل بعض الصحابة أو التابعين أو تابعي التابعين أمراً من سنة النبي ﷺ فهل يجوز أن نستند على هذا الفعل، ونقول: إن الذي ورد عن النبي ﷺ سُنة منسوخة؟.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فأود أن أقول -قبل الإجابة عن هذا السؤال- إن مخالفة الصحابي -فضلاً عمن دونه من فضلاء هذه الأمة من التابعين، وتابعي التابعين، للسنة- لا تكون إلا لعذر، ولا يمكن لإمام من أئمة الدين أن يتعمد مخالفة السنة، كما بين ذلك بجلاء شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه القيم "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، حيث بيّن أعذار العلماء الذين ثبتت عنهم مخالفة السنة.
أما ما يتصل بسؤال الأخ عن مخالفة الصحابي، أو التابعي، أو تابع التابعي للسنة، فهل تكون تلك السنة منسوخة؟
فيقال: ذيول هذا الجواب طويلة، وهي تتصل بمسائل حديثية، ومسائل أصولية:
أما الحديثية: فهي مخالفة الصحابي للسنة، فهل هذه المخالفة لما رواه هو أم غيره؟
فإن كانت المخالفة لما رواه هو، فينظر في نقد الأئمة للمرفوع والموقوف، فإنه -وبالتتبع- وُجد أنهم ينظرون إلى هذه الصورة بأحد ثلاثة طرق:
إما أن يضعفوا المرفوع بالموقوف، أو بالعكس، أو يصححوا كلا الوجهين، وتفصيل ذلك ليس هذا موضعه.
فينظر في ثبوت ذلك، ثم بعد ذلك ينظر إليه من الجهة الأخرى، وهي الجهة الأصولية:
فبعض صور سؤال الأخ لها صلة بما يعرف بمسألة الإجماع السكوتي، ومدى حجيته، وهل هي خاصة بالصحابة، أم عامة في جميع المجتهدين؟!
فإن كان المخالف من الصحابة أو من دونهم، قد خالفه غيره من أقرانه، فلا حجة فيه بلا ريب، فضلا عن أن يكون ناسخاً للسنة الثابتة.
وإن كان الصحابي قال قولاً يخالف سنة مروية، ثم ينتشر عنه، ولا يُعلم أن أحداً خالفه، أو أنكر عليه، فهل يعتبر هذا القول حجة لاحتمال كونه اطلع على ناسخ؟.
وفي هذه الصور خلاف -أيضاً- لكن الراجح- كما هو قول الجمهور- أنه لا يعتبر قوله دليلاً على أنه اطلع على ناسخ، لاحتمالات كثيرة.
قال الحافظ العلائي ﵀ في كتابه القيم (إجمال الإصابة في أقوال الصحابة) ، ص (٩١) : "والذي ذهب إليه جمهور العلماء أنه لا يعدل عن الخبر الظاهر، أو النص إلى مذهب الراوي -وإن قلنا إن مذهب الصحابي حجة- لأن مذهب الصحابي إنما يكون حجة إذا لم يعارضه قول النبي ﷺ وظن كونه اطلع على ناسخ، أو دليل يترجح على هذا الخبر -وإن كان منقدحاً- فهو مرجوح، لما سيأتي من الاحتمالات التي تعارضه، والظن المستفاد من الخبر أرجح منه ... " ثم ذكر الاحتمالات، ويمكنك مراجعتها هناك، وينظر: إرشاد الفحول للشوكاني (١١٣) .
стр. 490
أقوى الأسانيد عند الشافعي
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ٠٢/٠٥/١٤٢٥هـ
السؤال
ما هي أقوى أسانيد الإمام الشافعي التي استخدمها؟.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
تلقى الإمام محمد بن إدريس الشافعي المطلبي (١٥٠ هـ - ٢٠٤ هـ) مروياته الحديثية عن جماعة من أئمة الحديث، ومن أبرزهم الإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) إمام دار الهجرة، حيث سمع منه الموطأ، وقد قال الإمام البخاري: أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄. (علوم الحديث لابن الصلاح ص:١٦) ، والإمام الشافعي روى عن مالك من هذا الطريق أحاديث كثيرة، فقد روى مالك عن نافع في الموطأ ثمانين حديثاً، وهذه كلها رواها الشافعي؛ لأنه سمع الموطأ من مالك كما سبق، قال أبو منصور: أجل الأسانيد: الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄، واحتج بإجماع أصحاب الحديث على أنه لم يكن في الرواة عن مالك أجل من الشافعي ﵃ أجمعين-.
وينظر بعض مرويات الشافعي بهذا الإسناد في مسنده (رقم: ١٦٤، ٢١٣، ٦٨٢، ٦٨٣،٧٨٩، ٩٦٦،) ينظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص:١٦، تجريد التمهيد ص:١٧٠، النكت لابن حجر (١/٢٦٢) ، مسند الإمام الشافعي الذي جمعه أبو العباس بن يعقوب الأصم (ت ٣٤٦ هـ) ورتبه محمد عابد السندي. هذا والله الموفق، والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 491
مصطلحات حديثية
المجيب د. تركي بن فهد الغميز
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ٢٧/٠٧/١٤٢٥هـ
السؤال
بسم الله الرحمان الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نرجو من فضيلتكم أن تشرحوا لنا معاني هذه الكلمات، التي تبين نوع أو إسناد الحديث: حديث غريب, مرسل, موقوف, مرفوع, منكر, حسن, لا بأس به, حسن غريب, صحيح الإسناد, منقطع, حسن صحيح, وضعيف، وهل يعمل بأمثال هذه الأحاديث؟ نرجو من فضيلتكم توضيح وشرح هذه الكلمات. وفقكم الله لما فيه الخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فهذا بيان المصطلحات الحديثية التي سأل عنها - السائل- وهي:
١- حديث غريب: الحديث الغريب هو الذي تفرد بروايته راوٍ واحد، وهذه الغرابة قد تكون مطلقة، وقد تكون نسبية، فالغريب المطلق هو ما كانت الغرابة في أصل سنده، يعني بأن لا يكون لهذا الحديث إلا مخرج واحد، فليس له طريق آخر.
وأما الغريب النسبي فهو ما كانت الغرابة في أثناء سنده، يعني له طرق متعددة، وفي أثناء بعضها وقعت الغرابة، وهي التفرد.
والحديث الغريب داخل تحت تقسيم الحديث باعتبار طرقه، وهذا التقسيم ليس من حيث الصحة وعدمها، فقد يكون الحديث غريباً، ويكون إسناده صحيحاً يجب العمل به، مثل حديث: "إنما الأعمال بالنيات" رواه البخاري (١) ، ومسلم (١٩٠٧) عن عمر ﵁، وقد يكون إسناد الحديث الغريب ضعيفاً لا يعمل به، وهذا كثير.
٢- مرسل: أصل الإرسال الانقطاع، فما كان من الحديث مرسلاً فهو منقطع، ولكن اشتهر إطلاق ذلك على ما رفعه التابعي إلى النبي ﷺ .
والحديث المرسل في أصله ضعيف للانقطاع الذي فيه، ولكن المراسيل تتفاوت، فمنها مراسيل قوية كمراسيل سعيد بن المسيب، ومنها غير ذلك، وقد يحتف بالمرسل ما يجعله صالحاً للاحتجاج والاستدلال عند كثير من أهل العلم، ومنهم من يحتج به مطلقاً، ومنهم من لا يحتج به أبداً، ولهذه المسألة تفاصيل تنظر في مظانها.
٣- الحديث الموقوف: هو ما نسب إلى الصحابي من قوله أو فعله أو تقريره، وقد يكون الإسناد إليه صحيحاً، وقد يكون ضعيفاً، وقول الصحابي إن خالف نصاً صحيحاً فليس بحجة، وإن خالفه صحابي آخر فهي مسألة خلافية ينظر فيها، وأما إذا اتفق الصحابة ﵃ على شيء فهو حجة يجب العمل به.
٤- مرفوع: الحديث المرفوع هو ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، ثم قد يكون صحيحاً يجب العمل به، وقد يكون ضعيفاً لا يجب العمل به.
٥- منكر: الحديث المنكر يطلق على أنواع من الحديث؛ منها: الحديث الذي خالف فيه الراوي الضعيف من هو أوثق منه، كما يطلق على الحديث الذي ينفرد به راو فاحش الغلط، أو نحو ذلك وإن لم يكن فيه مخالفة، بل قد يطلق على حديث الصدوق أو نحوه إذا علم أنه غلط فيه، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: المنكر أبداً منكر، فالحديث المنكر لا يصح العمل به ولا الاحتجاج.
٦- حسن: الحديث الحسن اشتهر في كتب المصطلح تقسيمه قسمين:
١- الحسن لذاته: وهو ما توفرت فيه شروط الحديث الخمسة، إلا أن راويه أخف ضبطاً من راوي الحديث الصحيح.
٢- الحسن لغيره: وهو الحديث الذي فيه ضعف غير شديد، مثل الحديث المرسل إذا جاء ما يعضده، على تفصيل في الاعتضاد متى يكون، وبم يكون، ومبحث الحديث الحسن مبحث فيه غموض، وأشهر من ذكر هذا المصطلح واستعمله هو الإمام الترمذي، وقد اشترط في الحديث الحسن ثلاثة شروط نص عليها في خاتمة كتابه، وهي:
أ- ألا يكون فيه راو متهم.
ب- وألا يكون شاذاً.
ج- وأن يروى نحوه من غير وجه.
وأما العمل به فالمشهور في كتب المصطلح أن الحديث الحسن داخل في دائرة القبول يجب العمل به، ولكن هذا ليس على إطلاقه، خصوصاً في كلام الترمذي، فإن شروطه الثلاثة المذكورة لا يلزم منها القبول.
٧- حسن غريب: سبق معنى الحسن ومعنى الغريب، وهذا المصطلح إنما يكثر من ذكره الإمام الترمذي، وليس بين الحسن والغرابة تعارض على مصطلح الترمذي، فالحسن توفرت فيه شروطه الثلاثة السابقة، وغرابته أن إسناده فرد من الوجه الذي ذكره، ولا يعني ذلك أنه لا يروى من وجه آخر، ولذا فربما قال بعد ذلك: لا نعرفه من هذا الوجه إلا من حديث فلان، وما حكم عليه الترمذي بهذا الحكم ليس يلزم من شروطه السابقة أن يكون ثابتاً، بل الظاهر خلاف ذلك، ولو كان عنده ثابتاً لقال: حسن صحيح غريب، ولكن اختلاف نسخ الترمذي في هذا كثير، فيجب التحقق من صحة النسخة.
٨- لا بأس به: الظاهر أن هذا قريب من معنى الحسن على المشهور، وهو ما كان مقبولاً ولكنه دون الصحيح، وقد يكون لبعض الأئمة اصطلاح يخصه في هذه العبارة، هذا إذا كانت هذه العبارة في حكم على الحديث، أما إذا كانت في الحكم على راوٍ فهي تعني أنه متوسط من صدوق أو نحو ذلك، وبعض الأئمة -كابن معين - تعني عنده التوثيق، والله أعلم.
٩- صحيح الإسناد: الصحيح ما توفرت فيه شروط خمسة متفق عليها بين الأئمة، وهي: عدالة الرواة، وتمام ضبطهم، واتصال الإسناد، والسلامة من الشذوذ، والسلامة من العلة القادحة، ولكن يستعمل بعضهم قوله: صحيح الإسناد فيما توفرت فيه الشروط الثلاثة الأولى فقط، وهذه خطوة أولى لا يصح الاعتماد عليها حتى تستعمل الخطوة الثانية بالسلامة من الشذوذ والعلة القادحة، وإنما يلجأ إلى ذلك بعضهم لحال الاستعجال أو عدم الكتب أو عدم القدرة، أو غير ذلك، وقد حصل من أجل ذلك تشويش وإيهام فينبغي فهم ذلك، وما كان من الحديث صحيحاً فيجب العمل به، أما إذا كان هذا الحكم لتوفر الشروط الثلاثة الأولى فقط، فلا يجب العمل به حتى يتحقق من سلامته من الشذوذ والعلة القادحة ليكون صحيحاً.
١٠- منقطع: هو ما لم يتصل إسناده في أي مكان كان هذا الانقطاع، واشتهر في كتب المتصل التفريق بين أنواع المنقطع المشهورة، الإرسال، وقد سبق، والتعليق وهو ما حذف أول إسناده من جهة المصنف، والمعضل وهو ما سقط منه رجلان فأكثر على التوالي، فالمنقطع هو ما سوى ذلك، مع صحة إطلاق اسم المنقطع على جميع هذه الأقسام كما هو المستعمل عند أئمة الحديث الأولين، والحديث المنقطع ليس بصحيح فلا يجب العمل به.
١١- حسن صحيح: هذا المصطلح أكثر منه الترمذي، وقد وقع للأئمة كلام كثير في معناه، والصحيح فيه ما حققه الحافظ ابن رجب شارح جامع الترمذي، ومفاد ذلك أن الحسن الصحيح توفرت فيه شروط الحسن الثلاثة السابقة عند الترمذي مع شروط الحديث الصحيح المشهورة عند جميع الأئمة، ومعلوم أنه ليس في شروط الحسن زيادة، إلا أنه يروى من غير وجه، فيضاف هذا الشرط إلى شروط الصحيح ليكون الحديث حسناً صحيحاً، وبهذا يكون الحسن الصحيح أعلى مما قيل فيه: صحيح فقط؛ لزيادته شرطاً سادساً على شروط الصحيح، ولا شك أنه يجب العمل بالحديث الحسن الصحيح لثبوته.
١٢- ضعيف: الحديث الضعيف: هو ما فقد شرطاً من شروط قبول الحديث السابقة. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 492
مرويات الواقدي
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ١٦/٠٨/١٤٢٦هـ
السؤال
حصل عندي إشكال: وهو أني عندما أقرأ في سيرة النبي ﷺ أو في سير السلف أجد الكثير منقولاً عن الإمام الواقدي، وعندما نرى كلام الأئمة عنه نجد أنهم مجمعون على ضعفه، فكيف نوفق؟ وكيف يمكن أن يتساهل في السيرة والأحكام تؤخذ منها؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:
الواقدي هو: محمد بن عمر بن واقد الواقدي الأسلمي مولاهم، أبو عبد الله المدني، القاضي، أحد الأعلام، ولد سنة (١٣٠ هـ) ، وتوفي سنة (٢٠٧ هـ) ، واتفق أئمة النقد على أنه متروك، قال الذهبي: "استقر الإجماع على وهن الواقدي"، وقد عرف عن الواقدي سعة حفظه للأخبار والسير والمغازي والحوادث وأيام الناس، ولهذا نجد أن الأئمة الذين كتبوا في التاريخ والمغازي والأخبار احتاجوا إلى ما عند الواقدي، فأوردوا شيئاً كثيراً من طريقه، ومن أمثال هؤلاء: الذهبي، وابن كثير، وابن حجر، قال ابن كثير: والواقدي ﵀ عنده زيادات حسنة وتأريخ محرر غالباً، فإنه من أئمة هذا الشأن الكبار، وهو صدوق في نفسه مكثار".
وقال الذهبي: "وقد تقرر أن الواقدي ضعيف، يحتاج إليه في الغزوات والتأريخ ".
وقال في موضع آخر: "الواقدي جمع فأوعى، وخلط الغث بالسمين والخرز بالدر الثمين فاطرحوه لذلك، ومع هذا فلا يستغنى عنه في المغازي وأيام الصحابة وأخبارهم. " [ينظر: سير أعلام النبلاء (٩/٤٥٤) ] .
ويظهر من صنيع هؤلاء الأئمة أن الواقدي يؤخذ عنه ما عرف اختصاصه به وهو المغازي والسير والأخبار، ولكن يحتاط فيما إذا تضمنت المرويات عنه أشياء في العقائد أو الأحكام والشريعة، وكذلك عند الاختلاف يرجح مرويات من كان أوثق منه، والله أعلم.
стр. 493
معنى قول الترمذي: "حسن صحيح غريب "
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ٠١/١١/١٤٢٦هـ
السؤال
حديث أبي هريرة ﵁ أنه خرج مع النبي ﷺ فسمع رجلاً يتلو: "قل هو الله أحد"، فقال: "قد أوجبت". فقلت: ما أوجبت؟ فقال: "الجنة". رواه الترمذي وغيره من طريق الإمام مالك، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من رواية مالك.
السؤال: ما معنى قول الترمذي: "حسن صحيح غريب"؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:
الحديث المشار إليه في السؤال أخرجه الترمذي (٢٨٩٧) ،قال الترمذي: حدثنا أبو
كريب: حدثنا إسحاق بن سليمان، عن مالك بن أنس، عن عبيد الله بن عبد الرحمن، عن أبي حنين مولى لآل زيد بن الخطاب، أو مولى زيد بن الخطاب، عن أبي هريرة ﵁ قال: أقبلت مع رسول الله ﷺ فسمع رجلا يقرأ: "قل هو الله أحد الله الصمد" فقال رسول الله ﷺ "وجبت"، قلت: ما وجبت؟ قال: "الجنة".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك بن أنس، وأبو حنين هو عُبيد بن حنين.
ومعنى قول الترمذي: حسن صحيح أي أن الحديث توفرت فيه شروط الصحة، وهي: عدالة الرواة، وتمام ضبطهم، واتصال السند والسلامة من الشذوذ والعلة القادحة، وهي الشروط الخمسة المعروفة.
ووصف الترمذي له بالحسن مع الصحة من باب التأكيد على صحة الحديث، وترادف العبارة لاسيما وأن بعض الأئمة المتقدمين يصفون الحديث الحسن بالصحة.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "واختار بعض من أدركنا أن اللفظين -يعني الحسن والصحيح- عند الترمذي مترادفان، ويكون إتيانه باللفظ الثاني بعد الأول على سبيل التأكيد، كما يقال: صحيح ثابت، أو جيد قوي، أو غير ذلك" [ينظر النكت على ابن الصلاح (١/٤٧٨) ] .
وقال ابن دقيق العيد: "إن ههنا صفات للرواة تقتضي قبول الرواية، وتلك الصفات درجات بعضها فوق بعضٍ، كالتيقظ والحفظ والإتقان مثلاً، فوجود الدرجة الدنيا كالصدق مثلاً وعدم التهمة بالكذب لا ينافيه وجود ما هو أعلى منه كالحفظ والإتقان، فإذا وجدت الدرجة العليا لم يناف ذلك وجود الدنيا، كالحفظ مع الصدق، فيصح أن يقال في هذا: إنه حسن باعتبار وجود الصفة الدنيا، وهي الصدق مثلاً، صحيح باعتبار الصفة العليا، وهي الحفظ والإتقان" [ينظر: الاقتراح ص (١٧٦) ] .
وأما وصف الترمذي له بالغرابة، فالمقصود أن هذا الحديث ليس له إلا طريقٌ واحد، فمداره على مالك بن أنس. ولهذا قال: لا نعرفه إلا من حديث مالك بن أنس.
وللعلماء أقوال أخرى في توجيه جمع الترمذي بين الحسن والصحة في وصف الحديث منها:
١- أن ذلك بسبب التردد الحاصل من المجتهد في راوي الحديث، هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قصر عنها؟.
قال الحافظ ابن حجر: "فإن جُمعا أي الصحيح والحسن في وصفٍ واحدٍ، كقول الترمذي وغيره" حديث حسن صحيح "فللتردد الحاصل من المجتهد في الناقل، وهل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قصر عنها، وهذا حيث يحصل منه التفرد بتلك الرواية.
وعرف بهذا جواب من استشكل الجمع بين الوصفين، فقال: الحسن قاصر عن الصحيح، ففي الجمع بين الوصفين إثبات لذلك القصور ونفيه.
ومحصل الجواب: أن تردد أئمة الحديث في حال ناقله اقتضى للمجتهد ألا يصفه بأحد الوصفين، فيقال فيه: حسن باعتبار وصفه عند قوم، صحيح باعتبار وصفه عند قوم، وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد؛ لأن حقه أن يقول: "حسن أو صحيح"، وهذا كما حذف حرف العطف من الذي بعده، وعلى هذا فما قيل فيه: حسن صحيح دون ما قيل فيه: صحيح، لأن الجزم أقوى من التردد، وهذا حيث التفرد" [ينظر: نزهة النظر ص: ٦٦] .
وهذا التوجيه بعد أن ذكره الحافظ في كتابه النكت عن بعض المتأخرين، قال: "ويتعقب هذا بأنه لو أراد ذلك لأتى بالواو التي للجمع، فيقول: "حسن وصحيح" أو أتى بـ "أو" التي هي للتخيير أو التردد، فقال: "حسن أوصحيح".
ثم إن الذي يتبادر إلى الفهم أن الترمذي إنما يحكم على الحديث بالنسبة إلى ما عنده لا بالنسبة إلى غيره، فهذا يقدح في هذا الجواب ويتوقف -أيضاً- على اعتبار الأحاديث التي جمع الترمذي فيها بين الوصفين، فإن كان في بعضها ما لا اختلاف فيه عند جميعهم في صحته، فيقدح في الجواب -أيضاً- لكن لو سلم هذا الجواب من التعقب لكان أقرب إلى المراد من غيره، وإني لأميل إليه وأرتضيه" [ينظر: النكت على ابن الصلاح (١/٤٧٧) ] .
٢- أنه حسن باعتبار إسناد، وصحيح باعتبار إسناد آخر، وهذا إذا كان للحديث أكثر
من إسناد، قال ابن الصلاح: "إن ذلك راجع إلى الإسناد، فإذا روي الحديث الواحد بإسنادين أحدهما إسناد حسن، والآخر إسناد صحيح استقام أن يقال فيه إنه "حديث حسن صحيح". أي: أنه حسن بالنسبة إلى إسنادٍ، وصحيح بالنسبة إلى إسنادٍ آخر" [ينظر: علوم الحديث ص: ٣٩] .
وقد تعقب هذا ابن رجب، فقال: "إن الترمذي إذا جمع بين الحسن والصحة فمراده أنه روى بإسنادين: أحدهما حسن، والآخر صحيح.
وهذا فيه نظر، لأنه يقول كثيراً: "حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
٣- أن المقصود أن الحديث بين الصحة والحسن، قال ابن كثير: "والذي يظهر لي
أنه يُشرِب الحكم بالصحة على الحديث كما يُشرِب الحسن بالصحة، فعلى هذا يكون
ما يقول فيه: "حسن صحيح" أعلى رتبة عنده من الحسن ودون الصحيح، ويكون حكمه على الحديث بالصحة المحضة أقوى من حكمه عليه بالصحة مع الحسن، والله أعلم" [اختصار علوم الحديث ص: ٤٧] .
وتعقب ابن رجب هذا القول فقال: "ومن المتأخرين من قال: إن "الحسن الصحيح" عند الترمذي دون "الصحيح" المفرد، فإذا قال: "صحيح" فقد جزم بصحته، وإذا قال: "حسن صحيح" فمراده أنه جمع طرفاً من الصحة وطرفاً من الحسن، وليس بصحيح محض، بل حسن مشوب بصحة، كما يقال في المز: إنه حلو حامض، باعتبار أن فيه حلاوة وحموضة وهذا بعيد جداً، فإن الترمذي يجمع بين الحسن والصحة في غالب الأحاديث الصحيحة المتفق على صحتها، والتي أسانيدها في أعلى درجة الصحة، كمالك عن نافع عن ابن عمر، والزهري عن سالم عن أبيه، ولا يكاد الترمذي يفرد الصحة إلا نادراً، وليس ما أفرد فيه الصحة بأقوى مما جمع فيه بين الصحة والحسن" [ينظر: شرح علل الترمذي (١/٣٩٢- ٣٩٣) ] .
وتعقب الحافظ قول ابن كثير، فقال: "قلت لكن هذا يقتضي إثبات قسم ثالث ولا قائل به، ثم إنه يلزم عليه أن لا يكون في كتاب الترمذي حديث صحيح إلا النادر؛ لأنه قل ما يعبر إلا بقوله: حسن صحيح" [النكت على ابن الصلاح (١/٤٧٧) ] .
فهذه خلاصة أجوبة أهل العلم عن الجمع بين الحسن والصحة، والترمذي لم ينص على قصده بهذا الاصطلاح، ولكن فسر الحسن بأن لا يكون في إسناده متهم بالكذب، ولا يكون شاذاً، ويروى من غير وجه نحوه. فكل حديث كان كذلك فهو عنده حديث حسن." [شرح علل الترمذي (١/٣٨٤) ] .
ولهذا فيمكن أن يرجع في المراد بالحسن لما ذكره، قال ابن رجب: "فعلى هذا: الحديث الذي يرويه الثقة العدل، ومن كثر غلطه، ومن يغلب على حديثه الوهم، إذا لم يكن أحد منهم متهماً كله حسن بشرط أن لا يكون شاذاً مخالفاً للأحاديث الصحيحة، وبشرط أن يكون معناه قد روي من وجوه متعددة. فإن كان مع ذلك من رواية الثقات العدول الحفاظ فالحديث حينئذ حسن صحيح، وإن كان مع ذلك من رواية غيرهم من أهل الصدق الذين في حديثهم وهم وغلط -إما كثير أو غالب عليهم- فهو حسن، ولو لم يرو لفظه إلا من ذلك الوجه، لأن المعتبر أن يروى معناه من غير وجه، ولا نفس لفظه.
وعلى هذا: فلا يشكل قوله: "حديث حسن غريب"، ولا قوله: "صحيح حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، لأن مراده أن هذا اللفظ لا يُعرف إلا من هذا الوجه، لكن لمعناه شواهد من غير هذا الوجه، وإن كانت شواهده بغير لفظه.
وهذا كما في حديث "الأعمال بالنيات"، فإن شواهده كثيرة جداً في السنة، مما يدل على أن المقاصد والنيات هي المؤثرة في الأعمال، وأن الجزاء يقع على العمل بحسب ما نوي به، وإن لم يكن لفظ حديث عمر مروياً من غير حديثه من وجه يصح".
ويحتمل أن يقال: إن الترمذي أراد بالحسن الذي فسره إذا أفرد هذه العبارة، قال الحافظ ابن رجب: "إن الترمذي إنما أرد بالحسن ما فسره به، إذا ذكر الحسن مجرداً عن الصحة، فأما الحسن المقترن بالصحيح فلا يحتاج إلى أن يروى نحوه من غير وجه، لأن صحته تغني عن اعتضاده بشواهد أخر. والله أعلم" [شرح علل الترمذي (١/٣٨٤- ٣٨٦) ] .
стр. 494
التعويل على منهج المتقدمين في تصحيح الأحاديث
المجيب عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل
التاريخ ٠٤/٠٥/١٤٢٧هـ
السؤال
أنا أَطْلُبُ العلمَ عند أحدِ طلبةِ العلمِ في مدينتنا، إلا أنه كثيرا ما يرد أحاديث صححها الشيخ الألباني، ويضعف أي زيادة على الصحيحين إذا كان المُخْرِجُ واحدًا، حتى وإن كانت من الثقات، ويقول: أنا أتبع منهج المتقدمين، ويقول: إن المتأخرين متساهلين في التصحيح، وأن المتقدمين هم أهل الصنعة.
أرجو توجيهي في هذه المسألة بتفصيل (منهج المتقدمين والمتأخرين) ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فبالنسبة لما ذكرته من حال شيخك الذي تطلب العلم عنده، ويرد كثيراً من تصحيحات الشيخ الألباني ﵀، ويضعف أي زيادة على الصحيحين إذا كان المخرج واحداً -وإن كان من الثقات- ويعزو ذلك إلى منهج المتقدمين، فأقول:
كثر الحديث عن منهج المتقدمين والمتأخرين في الآونة الأخيرة، وظهرت دعوة قوية للرجوع إلى طريقة المتقدمين، وكأي دعوة تصحيحية في أي منهج علمي أو دعوي، ينقسم الناس في ذلك إلى ثلاثة أقسام:
قسم غالٍ في الطرح وطريقة الدعوة، وقسم جافٍ ومعارض، وقسم متوسط بين ذلك.
والصواب -فيما أرى- مع المتوسطين، الذين يدعون إلى التعويل على منهج المتقدمين، مع الاعتدال في الطرح، والأدب في النقاش، والاستفادة من جهود العلماء المتأخرين، والبناء عليها -مهما أمكن- بدلاً من هدمها.
والذي يخشى من هذا الاندفاع الحاصل الآن -في مسألة المتقدمين والمتأخرين- هو أنه بدأت تظهر مقالات وآراء جريئة وجازمة، وذلك بإصدار أحكام كلية في مسائل هي من أدق مسائل هذا الفن ونسبتها إلى الأئمة المتقدمين، مع أن البحث العلمي الدقيق لا يساعد على قبولها، كمسائل التدليس، والجهالة، والاتصال والانقطاع، ونحو ذلك.
وقد كتبت سابقاً -كما كتب بعض أهل العلم- مقالات وأجوبة حول هذه المسألة طرحت في هذا الموقع، وفي غيره من الملتقيات العلمية، كملتقى أهل الحديث، فأوصيك بالرجوع إليها للاستفادة منها، وبالله التوفيق.
стр. 495
الجواب عما أشكل في حديث "سجود الشمس "
المجيب عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/ شروح حديثية
التاريخ ٠٩/٠٥/١٤٢٧هـ
السؤال
في الصحيحين عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أتدري أين تذهب هذه الشمس إذا غربت؟ قلت: لا. قال: إنها تنتهي فتسجد تحت العرش، ثم تستأذن، فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً".
أثار هذا الحديث في قلبي شبهة! إذ يفهم منه أن رسول الله ﷺ كان يتكلم من منطلق أن الأرض مسطحة وثابتة، والشمس هي التي تدور حولها، تخرج من المشرق، وتغرب من المغرب، أرجو توضيح ذلك؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فأشكرك -أخي- على طرح مثل هذه الأسئلة، والبحث عن مخرج لما يقع في القلب من الشبه، فإن العبد إذا أهمل السؤال عن مثل هذه الأمور، ربما أدت به إلى نهايات خطيرة يدخل منها الشيطان على قلب العبد؛ فَيفسِدُ عليه دينه.
أما بالنسبة لما سألت عنه، فجوابه فيما يلي:
١- اعلم -وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه- أنه إذا صح الخبر عن رسول الله ﷺ ، فلا يمكن أبدا أن يكون معارضاً لما هو كائن في الواقع، بل إما أن فهمنا للواقع غير صحيح، أو فهمنا للنص غير صحيح، لأن النبي ﷺ لا يخبر إلا بالحق، وأخبار الوحي -كتاباً وسنة- لا يمكن أن يدخلها الخطأ.
فيبقى الأمر -في حقنا- هو: وجوب النظر فيما يزيل هذا الإشكال الذي وقع في نفوسنا.
٢- اعلم -وفقك الله- أن ظواهر الكتاب والسنة تكاد تصل إلى حد الصراحة -وأؤكد على كلمة ظواهر- في أن الحركة إنما تصدر من الشمس لا من الأرض، ومن ذلك هذا الحديث، ومنه -أيضاً- آيات كثيرة في كتاب الله تعالى، أذكرها الآن؛ ليتضح لك هذا المعنى بشكل جلي:
أ- قوله تعالى: "فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً" [الأنعام:٧٨] .
فنسب البزوغ لها.
ب- قوله تعالى -في قصة أصحاب الكهف-: "وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَال" [الكهف:١٧] .
فهذه أربعة أفعال نسبت إلى الشمس: الطلوع، والغروب، والتزاور والقرض.
ج- وفي قصة ذي القرنين يقول تعالى: "حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ". إلى قوله "حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ". [الكهف:٨٦-٩٠] .
فنسب الغروب والطلوع إليها.
د- ومن أصرح الأدلة قوله تعالى: "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" إلى قوله سبحانه: "لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ" [يس:٣٨-٤٠] .
فنسب الجري والإدراك للشمس.
هـ- وفي قصة سليمان ﵊، قال الله تعالى عنها: "حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ" [ص:٣٢] .
أي أن الشمس غربت، فنسب التواري إليها.
следующие страницы →