← Фатава

Фатава · id 894

فتاوى واستشارات الإسلام اليوم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 202 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

مصطلحات حديثية المجيب د. تركي بن فهد الغميز عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل التاريخ ٢٧/٠٧/١٤٢٥هـ السؤال بسم الله الرحمان الرحيم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نرجو من فضيلتكم أن تشرحوا لنا معاني هذه الكلمات، التي تبين نوع أو إسناد الحديث: حديث غريب, مرسل, موقوف, مرفوع, منكر, حسن, لا بأس به, حسن غريب, صحيح الإسناد, منقطع, حسن صحيح, وضعيف، وهل يعمل بأمثال هذه الأحاديث؟ نرجو من فضيلتكم توضيح وشرح هذه الكلمات. وفقكم الله لما فيه الخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فهذا بيان المصطلحات الحديثية التي سأل عنها - السائل- وهي: ١- حديث غريب: الحديث الغريب هو الذي تفرد بروايته راوٍ واحد، وهذه الغرابة قد تكون مطلقة، وقد تكون نسبية، فالغريب المطلق هو ما كانت الغرابة في أصل سنده، يعني بأن لا يكون لهذا الحديث إلا مخرج واحد، فليس له طريق آخر. وأما الغريب النسبي فهو ما كانت الغرابة في أثناء سنده، يعني له طرق متعددة، وفي أثناء بعضها وقعت الغرابة، وهي التفرد. والحديث الغريب داخل تحت تقسيم الحديث باعتبار طرقه، وهذا التقسيم ليس من حيث الصحة وعدمها، فقد يكون الحديث غريباً، ويكون إسناده صحيحاً يجب العمل به، مثل حديث: "إنما الأعمال بالنيات" رواه البخاري (١) ، ومسلم (١٩٠٧) عن عمر ﵁، وقد يكون إسناد الحديث الغريب ضعيفاً لا يعمل به، وهذا كثير. ٢- مرسل: أصل الإرسال الانقطاع، فما كان من الحديث مرسلاً فهو منقطع، ولكن اشتهر إطلاق ذلك على ما رفعه التابعي إلى النبي ﷺ . والحديث المرسل في أصله ضعيف للانقطاع الذي فيه، ولكن المراسيل تتفاوت، فمنها مراسيل قوية كمراسيل سعيد بن المسيب، ومنها غير ذلك، وقد يحتف بالمرسل ما يجعله صالحاً للاحتجاج والاستدلال عند كثير من أهل العلم، ومنهم من يحتج به مطلقاً، ومنهم من لا يحتج به أبداً، ولهذه المسألة تفاصيل تنظر في مظانها. ٣- الحديث الموقوف: هو ما نسب إلى الصحابي من قوله أو فعله أو تقريره، وقد يكون الإسناد إليه صحيحاً، وقد يكون ضعيفاً، وقول الصحابي إن خالف نصاً صحيحاً فليس بحجة، وإن خالفه صحابي آخر فهي مسألة خلافية ينظر فيها، وأما إذا اتفق الصحابة ﵃ على شيء فهو حجة يجب العمل به. ٤- مرفوع: الحديث المرفوع هو ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، ثم قد يكون صحيحاً يجب العمل به، وقد يكون ضعيفاً لا يجب العمل به. ٥- منكر: الحديث المنكر يطلق على أنواع من الحديث؛ منها: الحديث الذي خالف فيه الراوي الضعيف من هو أوثق منه، كما يطلق على الحديث الذي ينفرد به راو فاحش الغلط، أو نحو ذلك وإن لم يكن فيه مخالفة، بل قد يطلق على حديث الصدوق أو نحوه إذا علم أنه غلط فيه، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: المنكر أبداً منكر، فالحديث المنكر لا يصح العمل به ولا الاحتجاج. ٦- حسن: الحديث الحسن اشتهر في كتب المصطلح تقسيمه قسمين: ١- الحسن لذاته: وهو ما توفرت فيه شروط الحديث الخمسة، إلا أن راويه أخف ضبطاً من راوي الحديث الصحيح. ٢- الحسن لغيره: وهو الحديث الذي فيه ضعف غير شديد، مثل الحديث المرسل إذا جاء ما يعضده، على تفصيل في الاعتضاد متى يكون، وبم يكون، ومبحث الحديث الحسن مبحث فيه غموض، وأشهر من ذكر هذا المصطلح واستعمله هو الإمام الترمذي، وقد اشترط في الحديث الحسن ثلاثة شروط نص عليها في خاتمة كتابه، وهي: أ- ألا يكون فيه راو متهم. ب- وألا يكون شاذاً. ج- وأن يروى نحوه من غير وجه. وأما العمل به فالمشهور في كتب المصطلح أن الحديث الحسن داخل في دائرة القبول يجب العمل به، ولكن هذا ليس على إطلاقه، خصوصاً في كلام الترمذي، فإن شروطه الثلاثة المذكورة لا يلزم منها القبول. ٧- حسن غريب: سبق معنى الحسن ومعنى الغريب، وهذا المصطلح إنما يكثر من ذكره الإمام الترمذي، وليس بين الحسن والغرابة تعارض على مصطلح الترمذي، فالحسن توفرت فيه شروطه الثلاثة السابقة، وغرابته أن إسناده فرد من الوجه الذي ذكره، ولا يعني ذلك أنه لا يروى من وجه آخر، ولذا فربما قال بعد ذلك: لا نعرفه من هذا الوجه إلا من حديث فلان، وما حكم عليه الترمذي بهذا الحكم ليس يلزم من شروطه السابقة أن يكون ثابتاً، بل الظاهر خلاف ذلك، ولو كان عنده ثابتاً لقال: حسن صحيح غريب، ولكن اختلاف نسخ الترمذي في هذا كثير، فيجب التحقق من صحة النسخة. ٨- لا بأس به: الظاهر أن هذا قريب من معنى الحسن على المشهور، وهو ما كان مقبولاً ولكنه دون الصحيح، وقد يكون لبعض الأئمة اصطلاح يخصه في هذه العبارة، هذا إذا كانت هذه العبارة في حكم على الحديث، أما إذا كانت في الحكم على راوٍ فهي تعني أنه متوسط من صدوق أو نحو ذلك، وبعض الأئمة -كابن معين - تعني عنده التوثيق، والله أعلم. ٩- صحيح الإسناد: الصحيح ما توفرت فيه شروط خمسة متفق عليها بين الأئمة، وهي: عدالة الرواة، وتمام ضبطهم، واتصال الإسناد، والسلامة من الشذوذ، والسلامة من العلة القادحة، ولكن يستعمل بعضهم قوله: صحيح الإسناد فيما توفرت فيه الشروط الثلاثة الأولى فقط، وهذه خطوة أولى لا يصح الاعتماد عليها حتى تستعمل الخطوة الثانية بالسلامة من الشذوذ والعلة القادحة، وإنما يلجأ إلى ذلك بعضهم لحال الاستعجال أو عدم الكتب أو عدم القدرة، أو غير ذلك، وقد حصل من أجل ذلك تشويش وإيهام فينبغي فهم ذلك، وما كان من الحديث صحيحاً فيجب العمل به، أما إذا كان هذا الحكم لتوفر الشروط الثلاثة الأولى فقط، فلا يجب العمل به حتى يتحقق من سلامته من الشذوذ والعلة القادحة ليكون صحيحاً. ١٠- منقطع: هو ما لم يتصل إسناده في أي مكان كان هذا الانقطاع، واشتهر في كتب المتصل التفريق بين أنواع المنقطع المشهورة، الإرسال، وقد سبق، والتعليق وهو ما حذف أول إسناده من جهة المصنف، والمعضل وهو ما سقط منه رجلان فأكثر على التوالي، فالمنقطع هو ما سوى ذلك، مع صحة إطلاق اسم المنقطع على جميع هذه الأقسام كما هو المستعمل عند أئمة الحديث الأولين، والحديث المنقطع ليس بصحيح فلا يجب العمل به. ١١- حسن صحيح: هذا المصطلح أكثر منه الترمذي، وقد وقع للأئمة كلام كثير في معناه، والصحيح فيه ما حققه الحافظ ابن رجب شارح جامع الترمذي، ومفاد ذلك أن الحسن الصحيح توفرت فيه شروط الحسن الثلاثة السابقة عند الترمذي مع شروط الحديث الصحيح المشهورة عند جميع الأئمة، ومعلوم أنه ليس في شروط الحسن زيادة، إلا أنه يروى من غير وجه، فيضاف هذا الشرط إلى شروط الصحيح ليكون الحديث حسناً صحيحاً، وبهذا يكون الحسن الصحيح أعلى مما قيل فيه: صحيح فقط؛ لزيادته شرطاً سادساً على شروط الصحيح، ولا شك أنه يجب العمل بالحديث الحسن الصحيح لثبوته. ١٢- ضعيف: الحديث الضعيف: هو ما فقد شرطاً من شروط قبول الحديث السابقة. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 492

مرويات الواقدي المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل التاريخ ١٦/٠٨/١٤٢٦هـ السؤال حصل عندي إشكال: وهو أني عندما أقرأ في سيرة النبي ﷺ أو في سير السلف أجد الكثير منقولاً عن الإمام الواقدي، وعندما نرى كلام الأئمة عنه نجد أنهم مجمعون على ضعفه، فكيف نوفق؟ وكيف يمكن أن يتساهل في السيرة والأحكام تؤخذ منها؟ الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد: الواقدي هو: محمد بن عمر بن واقد الواقدي الأسلمي مولاهم، أبو عبد الله المدني، القاضي، أحد الأعلام، ولد سنة (١٣٠ هـ) ، وتوفي سنة (٢٠٧ هـ) ، واتفق أئمة النقد على أنه متروك، قال الذهبي: "استقر الإجماع على وهن الواقدي"، وقد عرف عن الواقدي سعة حفظه للأخبار والسير والمغازي والحوادث وأيام الناس، ولهذا نجد أن الأئمة الذين كتبوا في التاريخ والمغازي والأخبار احتاجوا إلى ما عند الواقدي، فأوردوا شيئاً كثيراً من طريقه، ومن أمثال هؤلاء: الذهبي، وابن كثير، وابن حجر، قال ابن كثير: والواقدي ﵀ عنده زيادات حسنة وتأريخ محرر غالباً، فإنه من أئمة هذا الشأن الكبار، وهو صدوق في نفسه مكثار". وقال الذهبي: "وقد تقرر أن الواقدي ضعيف، يحتاج إليه في الغزوات والتأريخ ". وقال في موضع آخر: "الواقدي جمع فأوعى، وخلط الغث بالسمين والخرز بالدر الثمين فاطرحوه لذلك، ومع هذا فلا يستغنى عنه في المغازي وأيام الصحابة وأخبارهم. " [ينظر: سير أعلام النبلاء (٩/٤٥٤) ] . ويظهر من صنيع هؤلاء الأئمة أن الواقدي يؤخذ عنه ما عرف اختصاصه به وهو المغازي والسير والأخبار، ولكن يحتاط فيما إذا تضمنت المرويات عنه أشياء في العقائد أو الأحكام والشريعة، وكذلك عند الاختلاف يرجح مرويات من كان أوثق منه، والله أعلم.

стр. 493

معنى قول الترمذي: "حسن صحيح غريب " المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل التاريخ ٠١/١١/١٤٢٦هـ السؤال حديث أبي هريرة ﵁ أنه خرج مع النبي ﷺ فسمع رجلاً يتلو: "قل هو الله أحد"، فقال: "قد أوجبت". فقلت: ما أوجبت؟ فقال: "الجنة". رواه الترمذي وغيره من طريق الإمام مالك، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من رواية مالك. السؤال: ما معنى قول الترمذي: "حسن صحيح غريب"؟ الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد: الحديث المشار إليه في السؤال أخرجه الترمذي (٢٨٩٧) ،قال الترمذي: حدثنا أبو كريب: حدثنا إسحاق بن سليمان، عن مالك بن أنس، عن عبيد الله بن عبد الرحمن، عن أبي حنين مولى لآل زيد بن الخطاب، أو مولى زيد بن الخطاب، عن أبي هريرة ﵁ قال: أقبلت مع رسول الله ﷺ فسمع رجلا يقرأ: "قل هو الله أحد الله الصمد" فقال رسول الله ﷺ "وجبت"، قلت: ما وجبت؟ قال: "الجنة". قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك بن أنس، وأبو حنين هو عُبيد بن حنين. ومعنى قول الترمذي: حسن صحيح أي أن الحديث توفرت فيه شروط الصحة، وهي: عدالة الرواة، وتمام ضبطهم، واتصال السند والسلامة من الشذوذ والعلة القادحة، وهي الشروط الخمسة المعروفة. ووصف الترمذي له بالحسن مع الصحة من باب التأكيد على صحة الحديث، وترادف العبارة لاسيما وأن بعض الأئمة المتقدمين يصفون الحديث الحسن بالصحة. قال الحافظ ابن حجر ﵀: "واختار بعض من أدركنا أن اللفظين -يعني الحسن والصحيح- عند الترمذي مترادفان، ويكون إتيانه باللفظ الثاني بعد الأول على سبيل التأكيد، كما يقال: صحيح ثابت، أو جيد قوي، أو غير ذلك" [ينظر النكت على ابن الصلاح (١/٤٧٨) ] . وقال ابن دقيق العيد: "إن ههنا صفات للرواة تقتضي قبول الرواية، وتلك الصفات درجات بعضها فوق بعضٍ، كالتيقظ والحفظ والإتقان مثلاً، فوجود الدرجة الدنيا كالصدق مثلاً وعدم التهمة بالكذب لا ينافيه وجود ما هو أعلى منه كالحفظ والإتقان، فإذا وجدت الدرجة العليا لم يناف ذلك وجود الدنيا، كالحفظ مع الصدق، فيصح أن يقال في هذا: إنه حسن باعتبار وجود الصفة الدنيا، وهي الصدق مثلاً، صحيح باعتبار الصفة العليا، وهي الحفظ والإتقان" [ينظر: الاقتراح ص (١٧٦) ] . وأما وصف الترمذي له بالغرابة، فالمقصود أن هذا الحديث ليس له إلا طريقٌ واحد، فمداره على مالك بن أنس. ولهذا قال: لا نعرفه إلا من حديث مالك بن أنس. وللعلماء أقوال أخرى في توجيه جمع الترمذي بين الحسن والصحة في وصف الحديث منها: ١- أن ذلك بسبب التردد الحاصل من المجتهد في راوي الحديث، هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قصر عنها؟. قال الحافظ ابن حجر: "فإن جُمعا أي الصحيح والحسن في وصفٍ واحدٍ، كقول الترمذي وغيره" حديث حسن صحيح "فللتردد الحاصل من المجتهد في الناقل، وهل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قصر عنها، وهذا حيث يحصل منه التفرد بتلك الرواية. وعرف بهذا جواب من استشكل الجمع بين الوصفين، فقال: الحسن قاصر عن الصحيح، ففي الجمع بين الوصفين إثبات لذلك القصور ونفيه. ومحصل الجواب: أن تردد أئمة الحديث في حال ناقله اقتضى للمجتهد ألا يصفه بأحد الوصفين، فيقال فيه: حسن باعتبار وصفه عند قوم، صحيح باعتبار وصفه عند قوم، وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد؛ لأن حقه أن يقول: "حسن أو صحيح"، وهذا كما حذف حرف العطف من الذي بعده، وعلى هذا فما قيل فيه: حسن صحيح دون ما قيل فيه: صحيح، لأن الجزم أقوى من التردد، وهذا حيث التفرد" [ينظر: نزهة النظر ص: ٦٦] . وهذا التوجيه بعد أن ذكره الحافظ في كتابه النكت عن بعض المتأخرين، قال: "ويتعقب هذا بأنه لو أراد ذلك لأتى بالواو التي للجمع، فيقول: "حسن وصحيح" أو أتى بـ "أو" التي هي للتخيير أو التردد، فقال: "حسن أوصحيح". ثم إن الذي يتبادر إلى الفهم أن الترمذي إنما يحكم على الحديث بالنسبة إلى ما عنده لا بالنسبة إلى غيره، فهذا يقدح في هذا الجواب ويتوقف -أيضاً- على اعتبار الأحاديث التي جمع الترمذي فيها بين الوصفين، فإن كان في بعضها ما لا اختلاف فيه عند جميعهم في صحته، فيقدح في الجواب -أيضاً- لكن لو سلم هذا الجواب من التعقب لكان أقرب إلى المراد من غيره، وإني لأميل إليه وأرتضيه" [ينظر: النكت على ابن الصلاح (١/٤٧٧) ] . ٢- أنه حسن باعتبار إسناد، وصحيح باعتبار إسناد آخر، وهذا إذا كان للحديث أكثر من إسناد، قال ابن الصلاح: "إن ذلك راجع إلى الإسناد، فإذا روي الحديث الواحد بإسنادين أحدهما إسناد حسن، والآخر إسناد صحيح استقام أن يقال فيه إنه "حديث حسن صحيح". أي: أنه حسن بالنسبة إلى إسنادٍ، وصحيح بالنسبة إلى إسنادٍ آخر" [ينظر: علوم الحديث ص: ٣٩] . وقد تعقب هذا ابن رجب، فقال: "إن الترمذي إذا جمع بين الحسن والصحة فمراده أنه روى بإسنادين: أحدهما حسن، والآخر صحيح. وهذا فيه نظر، لأنه يقول كثيراً: "حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه". ٣- أن المقصود أن الحديث بين الصحة والحسن، قال ابن كثير: "والذي يظهر لي أنه يُشرِب الحكم بالصحة على الحديث كما يُشرِب الحسن بالصحة، فعلى هذا يكون ما يقول فيه: "حسن صحيح" أعلى رتبة عنده من الحسن ودون الصحيح، ويكون حكمه على الحديث بالصحة المحضة أقوى من حكمه عليه بالصحة مع الحسن، والله أعلم" [اختصار علوم الحديث ص: ٤٧] . وتعقب ابن رجب هذا القول فقال: "ومن المتأخرين من قال: إن "الحسن الصحيح" عند الترمذي دون "الصحيح" المفرد، فإذا قال: "صحيح" فقد جزم بصحته، وإذا قال: "حسن صحيح" فمراده أنه جمع طرفاً من الصحة وطرفاً من الحسن، وليس بصحيح محض، بل حسن مشوب بصحة، كما يقال في المز: إنه حلو حامض، باعتبار أن فيه حلاوة وحموضة وهذا بعيد جداً، فإن الترمذي يجمع بين الحسن والصحة في غالب الأحاديث الصحيحة المتفق على صحتها، والتي أسانيدها في أعلى درجة الصحة، كمالك عن نافع عن ابن عمر، والزهري عن سالم عن أبيه، ولا يكاد الترمذي يفرد الصحة إلا نادراً، وليس ما أفرد فيه الصحة بأقوى مما جمع فيه بين الصحة والحسن" [ينظر: شرح علل الترمذي (١/٣٩٢- ٣٩٣) ] . وتعقب الحافظ قول ابن كثير، فقال: "قلت لكن هذا يقتضي إثبات قسم ثالث ولا قائل به، ثم إنه يلزم عليه أن لا يكون في كتاب الترمذي حديث صحيح إلا النادر؛ لأنه قل ما يعبر إلا بقوله: حسن صحيح" [النكت على ابن الصلاح (١/٤٧٧) ] . فهذه خلاصة أجوبة أهل العلم عن الجمع بين الحسن والصحة، والترمذي لم ينص على قصده بهذا الاصطلاح، ولكن فسر الحسن بأن لا يكون في إسناده متهم بالكذب، ولا يكون شاذاً، ويروى من غير وجه نحوه. فكل حديث كان كذلك فهو عنده حديث حسن." [شرح علل الترمذي (١/٣٨٤) ] . ولهذا فيمكن أن يرجع في المراد بالحسن لما ذكره، قال ابن رجب: "فعلى هذا: الحديث الذي يرويه الثقة العدل، ومن كثر غلطه، ومن يغلب على حديثه الوهم، إذا لم يكن أحد منهم متهماً كله حسن بشرط أن لا يكون شاذاً مخالفاً للأحاديث الصحيحة، وبشرط أن يكون معناه قد روي من وجوه متعددة. فإن كان مع ذلك من رواية الثقات العدول الحفاظ فالحديث حينئذ حسن صحيح، وإن كان مع ذلك من رواية غيرهم من أهل الصدق الذين في حديثهم وهم وغلط -إما كثير أو غالب عليهم- فهو حسن، ولو لم يرو لفظه إلا من ذلك الوجه، لأن المعتبر أن يروى معناه من غير وجه، ولا نفس لفظه. وعلى هذا: فلا يشكل قوله: "حديث حسن غريب"، ولا قوله: "صحيح حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، لأن مراده أن هذا اللفظ لا يُعرف إلا من هذا الوجه، لكن لمعناه شواهد من غير هذا الوجه، وإن كانت شواهده بغير لفظه. وهذا كما في حديث "الأعمال بالنيات"، فإن شواهده كثيرة جداً في السنة، مما يدل على أن المقاصد والنيات هي المؤثرة في الأعمال، وأن الجزاء يقع على العمل بحسب ما نوي به، وإن لم يكن لفظ حديث عمر مروياً من غير حديثه من وجه يصح". ويحتمل أن يقال: إن الترمذي أراد بالحسن الذي فسره إذا أفرد هذه العبارة، قال الحافظ ابن رجب: "إن الترمذي إنما أرد بالحسن ما فسره به، إذا ذكر الحسن مجرداً عن الصحة، فأما الحسن المقترن بالصحيح فلا يحتاج إلى أن يروى نحوه من غير وجه، لأن صحته تغني عن اعتضاده بشواهد أخر. والله أعلم" [شرح علل الترمذي (١/٣٨٤- ٣٨٦) ] .

стр. 494

التعويل على منهج المتقدمين في تصحيح الأحاديث المجيب عمر بن عبد الله المقبل عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل في مصطلح الحديث والجرح والتعديل التاريخ ٠٤/٠٥/١٤٢٧هـ السؤال أنا أَطْلُبُ العلمَ عند أحدِ طلبةِ العلمِ في مدينتنا، إلا أنه كثيرا ما يرد أحاديث صححها الشيخ الألباني، ويضعف أي زيادة على الصحيحين إذا كان المُخْرِجُ واحدًا، حتى وإن كانت من الثقات، ويقول: أنا أتبع منهج المتقدمين، ويقول: إن المتأخرين متساهلين في التصحيح، وأن المتقدمين هم أهل الصنعة. أرجو توجيهي في هذه المسألة بتفصيل (منهج المتقدمين والمتأخرين) ؟ الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فبالنسبة لما ذكرته من حال شيخك الذي تطلب العلم عنده، ويرد كثيراً من تصحيحات الشيخ الألباني ﵀، ويضعف أي زيادة على الصحيحين إذا كان المخرج واحداً -وإن كان من الثقات- ويعزو ذلك إلى منهج المتقدمين، فأقول: كثر الحديث عن منهج المتقدمين والمتأخرين في الآونة الأخيرة، وظهرت دعوة قوية للرجوع إلى طريقة المتقدمين، وكأي دعوة تصحيحية في أي منهج علمي أو دعوي، ينقسم الناس في ذلك إلى ثلاثة أقسام: قسم غالٍ في الطرح وطريقة الدعوة، وقسم جافٍ ومعارض، وقسم متوسط بين ذلك. والصواب -فيما أرى- مع المتوسطين، الذين يدعون إلى التعويل على منهج المتقدمين، مع الاعتدال في الطرح، والأدب في النقاش، والاستفادة من جهود العلماء المتأخرين، والبناء عليها -مهما أمكن- بدلاً من هدمها. والذي يخشى من هذا الاندفاع الحاصل الآن -في مسألة المتقدمين والمتأخرين- هو أنه بدأت تظهر مقالات وآراء جريئة وجازمة، وذلك بإصدار أحكام كلية في مسائل هي من أدق مسائل هذا الفن ونسبتها إلى الأئمة المتقدمين، مع أن البحث العلمي الدقيق لا يساعد على قبولها، كمسائل التدليس، والجهالة، والاتصال والانقطاع، ونحو ذلك. وقد كتبت سابقاً -كما كتب بعض أهل العلم- مقالات وأجوبة حول هذه المسألة طرحت في هذا الموقع، وفي غيره من الملتقيات العلمية، كملتقى أهل الحديث، فأوصيك بالرجوع إليها للاستفادة منها، وبالله التوفيق.

стр. 495

الجواب عما أشكل في حديث "سجود الشمس " المجيب عمر بن عبد الله المقبل عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/ شروح حديثية التاريخ ٠٩/٠٥/١٤٢٧هـ السؤال في الصحيحين عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أتدري أين تذهب هذه الشمس إذا غربت؟ قلت: لا. قال: إنها تنتهي فتسجد تحت العرش، ثم تستأذن، فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً". أثار هذا الحديث في قلبي شبهة! إذ يفهم منه أن رسول الله ﷺ كان يتكلم من منطلق أن الأرض مسطحة وثابتة، والشمس هي التي تدور حولها، تخرج من المشرق، وتغرب من المغرب، أرجو توضيح ذلك؟ الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فأشكرك -أخي- على طرح مثل هذه الأسئلة، والبحث عن مخرج لما يقع في القلب من الشبه، فإن العبد إذا أهمل السؤال عن مثل هذه الأمور، ربما أدت به إلى نهايات خطيرة يدخل منها الشيطان على قلب العبد؛ فَيفسِدُ عليه دينه. أما بالنسبة لما سألت عنه، فجوابه فيما يلي: ١- اعلم -وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه- أنه إذا صح الخبر عن رسول الله ﷺ ، فلا يمكن أبدا أن يكون معارضاً لما هو كائن في الواقع، بل إما أن فهمنا للواقع غير صحيح، أو فهمنا للنص غير صحيح، لأن النبي ﷺ لا يخبر إلا بالحق، وأخبار الوحي -كتاباً وسنة- لا يمكن أن يدخلها الخطأ. فيبقى الأمر -في حقنا- هو: وجوب النظر فيما يزيل هذا الإشكال الذي وقع في نفوسنا. ٢- اعلم -وفقك الله- أن ظواهر الكتاب والسنة تكاد تصل إلى حد الصراحة -وأؤكد على كلمة ظواهر- في أن الحركة إنما تصدر من الشمس لا من الأرض، ومن ذلك هذا الحديث، ومنه -أيضاً- آيات كثيرة في كتاب الله تعالى، أذكرها الآن؛ ليتضح لك هذا المعنى بشكل جلي: أ- قوله تعالى: "فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً" [الأنعام:٧٨] . فنسب البزوغ لها. ب- قوله تعالى -في قصة أصحاب الكهف-: "وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَال" [الكهف:١٧] . فهذه أربعة أفعال نسبت إلى الشمس: الطلوع، والغروب، والتزاور والقرض. ج- وفي قصة ذي القرنين يقول تعالى: "حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ". إلى قوله "حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ". [الكهف:٨٦-٩٠] . فنسب الغروب والطلوع إليها. د- ومن أصرح الأدلة قوله تعالى: "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" إلى قوله سبحانه: "لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ" [يس:٣٨-٤٠] . فنسب الجري والإدراك للشمس. هـ- وفي قصة سليمان ﵊، قال الله تعالى عنها: "حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ" [ص:٣٢] . أي أن الشمس غربت، فنسب التواري إليها.

стр. 496

فأنت ترى -وفقك الله- أن نسبة هذه الأفعال كلها للشمس ظاهر في أنها تتحرك. إذا علم ذلك، فاعلم أن القرآن لم ينف أن الأرض تتحرك ولم يثبت ذلك -أيضاً-، وعليه فلا تعارض بين القرآن والواقع العلمي الذي يثبت حركة الأرض، ويكون ما ذكر -من نسبة الأفعال إلى الشمس- هو باعتبار نظر العين لها. ٣- فيما يخص سجود الشمس، وذهابها وسجودها تحت العرش. وكيفية تصوره مع أنها إنما تغرب عنا لتشرق على آخرين، فالجواب عنه سهل -بحمد الله- وذلك من وجهين: الأول: إنه لا مانع أن تكون الشمس في حالة سجود دائم لربها ، وهذا ليس بغريب إذا تصورت أن كل ما في السماوات والأرض يسجد لله، وأن سجود كل شيء بحسبه، كما قال تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ" [الحج:١٨] . ومن المعلوم أن سجود الآدميين ليس كسجود السماوات والأرض وبقية هذه المخلوقات العظيمة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية، والفعل المضارع يفيد التجدد والاستمرار. ولا عجب فالملائكة -وهم مخلوقون يتكلمون ويبصرون ويقومون بوظائف جليلة- يقول الله عنهم: "يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ" [الأنبياء:٢٠] . فإذا كان هذا في حق هذه المخلوقات التي كلفت ببعض الوظائف فما ظنك بالجمادات؟! هي من باب أولى في ديمومة سجودها لله تعالى، ومنها الشمس، فهي في حالة سجود واستئذان دائمين في شروقها وغروبها. فإن قلت: إن قوله في الحديث: "ثم تذهب تسجد" مشعر بأن هناك سجود غير السجود العام الذي دلّت عليه الآية؟! فالجواب: هذا الذي ذُكر في الإيراد محتمل، والمخرج منه أن يقال: إن مجرد غروب الشمس عن أعيننا في قطر من الأقطار هو في الوقت ذاته سجود لها، وإن كانت تظهر على آخرين، وهذا تصوره غير عسير -بحمد الله-، ونظيره ما يقال عن كسوف الشمس، فإنك تعلم -وفقك الله- أن الشمس قد تنكسف عن بلدٍ، بينما بلدان أخرى لا يحصل فيها كسوف، مع أن الأرض واحدة والشمس واحدة، فإذا كان هذا متصوراً في الأمور المحسوسة، فتصوره في الأمور الغيبية المعنوية من باب أولى. الثاني: أن الشمس إنما هي -في هذا الكون العظيم- جرم صغير، فأينما سجدت فهي ساجدة تحت عرش الرب . هذا مبلغ علمي في هذه المسألة، وأرجو أن نتخلص بهذا الجواب -مع ما سأذكره لك لاحقاً- من هذا الإشكال، فإن انشرح صدرك لهذا الجواب فالحمد لله، وهذا هو المطلوب، وإلا فعلينا -جميعاً- أن نؤمن ونصدق وإن لم تدرك عقولنا الحقيقة، ونقول: صدق الله ورسوله، مبتعدين بذلك عن مسالك بعض الناس الذين جعلوا عقولهم حاكمة على النصوص، من أمثال المعتزلة أو من تأثر بمسلكهم، يطعنون في هذا الحديث بحجة أنه خبر آحاد!! وما أعظم جناية هؤلاء على الشريعة! وإنني لأتعجب منهم هل أحاطت عقولهم بالغيب؟!

стр. 497

أليسوا يجهلون كنه وحقيقة الروح التي بين جنوبهم؟! فكيف يتصورون أنهم لابد أن يفهموا وجهة كل نص من النصوص التي تتحدث عن الأمور الغيبية سواء في الدنيا، أو في الآخرة؟! وكم من الأحاديث التي تتحدث عن أمور غيبية لو حكمنا فيها عقولنا القاصرة لعجزنا عن إدراكها، ولكن معاذ الله أن نجعل عقولنا حاكمة على خبر الله ورسوله، بل نقول في باب الأخبار: آمنا وصدقنا. وفي باب الأحكام: سمعنا وأطعنا. وسيأتي في الفقرة التالية مزيد إيضاح لهذه المسألة العظيمة. ٤- ثمة قاعدة تذكر في هذا الباب -أعني باب الإشكالات التي ترد في النصوص مع الواقع وغيره -وهي قاعدة تريح قلب المؤمن إذا أخذ بها، وهي: أنه إذا لم تزل عنك الشبهة -مع صحة النص الشرعي- فعليك بالتسليم والتصديق ولو لم تفهم، فإن هذه هي حقيقة العبودية، وقل -كما قال خيار هذه الأمة-: "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ" [البقرة:٢٨٥] . بل هذه طريقة الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم بقوله: "هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ" [آل عمران:٧-٨] . ولقد ضرب الصحابة أروع الأمثلة في الانقياد والتسليم، وإن كان الأمر في أول وهلة على غير ما تهواه نفوسهم، أولم يفهموا الغرض منه، وإليك مثالاً واحداً يجلي هذه المعاني، ففي الصحيحين أن ظهير بن رافع، وهو عم رافع بن خديج ﵄ لما بلغه أن النبي ﷺ نهى عن صورة معينة من صور المزارعة، قال: لقد نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا رافقاً -يعني فيه رفق بنا- قال ﵁: وطواعية الله ورسوله أنفع لنا. صحيح البخاري (٢٣٣٩) ، وصحيح مسلم (١٥٤٨) . ولما حدّث النبي ﷺ بحديث الدجال، قال الصحابة ﵃: وما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يوماً: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم". قلنا: يا رسول الله: فذلك اليوم الذي كسنةٍ أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا، اقدروا له قدره". صحيح مسلم (٢٩٣٧) .

стр. 498

فانظر إلى عمق علم الصحابة ﵃، كيف لم يقولوا: كيف يكون اليوم كسنة، أو كشهر، أو كجمعة؟ لأنهم يعلمون أن من جعل اليوم (٢٤ساعة) ، قادر على جعله أسبوعاً (١٦٨ساعة) ، وقادر على جعله شهراً (٧٢٠ ساعة) ، وهكذا، بل سألوا عما يخصهم، وهو أمر دينهم، سألوا عن صلاتهم! فرضي الله عنهم وأرضاهم، ما أعمق علمهم، وأقوى تصديقهم! نسأل الله تعالى أن يرزقنا السير على طريقتهم في العلم والعمل، وأن يجمعنا بهم في الجنة بحبنا إياهم، والله تعالى أعلم.

стр. 499

الجمع بين حديث: "لا نُوَرث" ووراثة سليمان لداود ! المجيب د. محمد بن سريّع السريّع عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ١١/٠٤/١٤٢٧هـ السؤال هل يمكن أن يترك نبيٌّ تركةً من المال؟ فإني قرأتُ في بعض التفاسير أن سليمان ورث من داود ﵉ ألف حصان؟ الجواب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وبعد: فالجواب على هذا السؤال في ثلاث مسائل: ١- نبينا محمد ﷺ لا يورث كما دل على ذلك الحديث الصحيح، في البخاري (٣٠٩٣) ، ومسلم (١٧٥٨) أنه قال: "لا نورث ما تركنا صدقة" وبهذا عمل أبو بكر والصحابة ﵃ فيما خلفه النبي ﷺ فإنهم عملوا فيه بأمره ﷺ ، حيث قال: "لا يقتسم ورثتي ديناراً ولا درهما، ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي، فهو صدقة" رواه البخاري (٢٧٧٦) ، ومسلم (١٧٦٠) . ٢- أما فيما يتعلق بباقي الأنبياء ﵈ فإن جمهور أهل العلم على أن حكمهم كحكم نبينا محمد ﷺ ، لقوله: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث" أخرجه أحمد (٩٥٩٣) وأصله في الصحيحين، وذهب بعض أهل العلم كابن عُليَّة إلى أن هذا الحكم خاص بمحمد ﷺ ، وأن غيره من الأنبياء يورثون، ومما استدل به قوله تعالى حكاية عن زكريا "يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ" [مريم:٦] وقوله: "وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ" [النمل:١٦] . والصحيح الذي عليه أكثر أهل العلم أن سائر الأنبياء لا يورثون؛ للحديث السابق، وأما الآيات السابقة فهي محمولة على أن المراد بها وراثة العلم، والحكمة، والملك، لا وراثة المال. ٣- وما ذكره السائل من أن سليمان ورث من داود ألف حصان، فإن هذا من أخبار بني إسرائيل التي لا يصح الاعتماد عليها. والله أعلم.

стр. 500

الفرار من مرض الالتهاب الرئوي المجيب هاني بن عبد الله الجبير قاضي بمحكمة مكة المكرمة التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٢٤/٢/١٤٢٤هـ السؤال انتشر عندنا في شرق آسيا مرض الالتهاب الرئوي، وهذا المرض قاتل، وينتشر انتشاراً سريعاً عن طريق التنفس، وحتى الآن توجد ٢٠٠٠ حالة إصابة، منهم ٨٠ توفوا بهذا المرض، فهل يجوز الفرار خوفاً من العدوى؟ وهل نشبهه بالطاعون؟ وفي الحديث كما تعلمون قال الرسول ﷺ :"إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه"؛ يعني الطاعون، فهل منع الفرار في الحديث لعدم نقل العدوى لمنطقة أخرى، أو هو لعدم الفرار من قدر الله؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب الحمد لله وحده، وبعد: فقد روى أسامة بن زيد ﵄ أن رسول الله ﷺ قال:"إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها" صحيح البخاري (٥٧٢٨) ، صحيح مسلم (٢٢١٨) . والمراد بالطاعون كل مرض عام أو وباء ينتشر في جهة من الأرض، فيشمل المرض المسؤول عنه والفرار منه منهي عنه، وفي بعض روايات الحديث:"فلا تخرجوا منها فراراً"، وأخرج أحمد (١٤٤٧٨) ، والألباني في الصحيحة (١٢٩٢) عن عائشة ﵂ بسند حسن مرفوعاً:"الفار من الطاعون كالفار من الزحف"، وروى البخاري (٥٧٣٤) عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال:"ليس عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد". وقد التمس العلماء عللاً لهذا النهي ذكر جملة منها الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٠/٢٠٠) ، منها: ضياع مصلحة المريض لفقد من يتعاهده حياً وميتاً، وإدخال الرعب في قلوب الناس خاصة من لم يفر، ونقل المرض إلى بقاع أخرى، وهذا الأخير له حظ كبير من النظر، وهو ما ذكره ابن القيم في زاد المعاد (٤/٤٣) ، وأما الخروج من أرض الطاعون لغير الفرار بل لعارض كتجارة وعمل معتادين فلا بأس به إذا كان سليماً من المرض وأمن أن ينقل العدوى بحمله للمرض. وليستغل كل مسلم إقامته في بلد الوباء بحمل النفس على الثقة بالله والتوكل عليه والصبر على قضائه والرضا به، وتذكر الأجر فيه، فإن النبي ﷺ قال:"الطاعون شهادة لكل مسلم" صحيح البخاري (٥٧٣٢) ، صحيح مسلم (١٩٦١) ، والله الموفق.

стр. 501

قبول التوبة بعد خروج الدجال المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٩/٤/١٤٢٤هـ السؤال أود أن أسأل فضيلتكم عن توجيهكم لهذا الحديث: قال الإمام مسلم ﵀: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب قالا حدثنا وكيع ح وحدثنيه زهير بن حرب حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق جميعاً عن فضيل بن غزوان ح وحدثنا أبو كريب محمد بن العلاء واللفظ له حدثنا ابن فضيل عن أبيه عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض". ورواه الترمذي ﵀ قال: حدثنا عبد بن حميد حدثنا يعلى بن عبيد عن فضيل بن غزوان عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:"ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل الآية، الدجال والدابة وطلوع الشمس من المغرب أو من مغربها" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وأبو حازم هو الأشجعي الكوفي واسمه سلمان مولى عزة الأشجعية. حيث نجد الحديث رواه أحمد بنفس إسناد مسلم، ولكن بلفظ آخر: حدثنا وكيع قال حدثنا فضيل بن غزوان الضبي عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا؛ طلوع الشمس من مغربها والدخان ودابة الأرض" وهذا الحديث الظاهر من خلال السند أنه صحيح الإسناد وهو موافق للأحاديث الصحيحة التي تدل على أن التوبة تقبل بعد خروج الدجال، حيث يخرج المسيح ﵇ بعد خروج الدجال ويقتل الدجال ولا يقبل من أهل الكتاب إلا الإيمان، فدل على أن التوبة تقبل بعد خروج الدجال، وهذا يتعارض مع رواية مسلم والترمذي أن التوبة لا تقبل بعد خروج الدجال. فما توجيهكم لهذا؟ حفظكم الله ورعاكم. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: أقول وبالله التوفيق: بعد النظر في ألفاظ الحديث، وما جاء عند الإمام أحمد في مسنده من استبدال لفظ (الدخان) بـ (الدجال) ترجح عندي أن لفظ (الدجال) أصح من جهة الرواية؛ لاتفاق مصادر متعددة على ذكره، دون لفظ (الدخان) ، وتوجيه هذا الاختلاف أنه ربما كان من قبل راوي المسند عن عبد الله بن الإمام أحمد، وهو القطيعي، فقد ذكرت له أخطاء في روايته للمسند لعل هذا أحدها، خاصة أن احتمال تصحيف (الدجال) إلى (الدخان) احتمال وارد، لتشابه الكلمتين في الخط.

стр. 502

أما الإشكال في المعنى، من جهة أن باب التوبة لا يُغلق بعد خروج الدجال، فحله يظهر من حديث صحيح آخر، وهو حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:"بادروا بالأعمال ستاً: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم" أخرجه مسلم رقم (٢٩٤٧) . والمقصود بأمر العامة: قيام الساعة، وأما خويصة أحدنا: فهو الموت، أما المراد بالمبادرة بالأعمال، أي: المسابقة بالأعمال الصالحة، والمسارعة باغتنام الوقت قبل هذه الأمور الستة التي هي دواه ومصائب عظام، تُلهي الإنسان عن العمل الصالح وتشغله، أو لا يوفق إليه من لم يسبق له قدم ثبات على الهدى والحق، فيفتن عن التوبة والعمل الصالح، لا لمانع، ولكن لضعف إيمانه الذي لا يصمد أمام هذه الدواهي، ومن هذه الأمور الستة ما لا تقبل بعدها التوبة، لو حاولها أحد من شاهدها، وهي: طلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وغرغرة الموت. وانظر: المفهم للقرطبي (٧/٣٠٨ رقم ٢٨٤٢) وشرح الطيبي على المشكاة (١١/٣٤٤٨-٣٤٤٩ رقم ٤٥٦٥) . وعليه فيكون معنى الحديث المسؤول عنه: أن تلك الأمور الثلاثة، إذا وقعت بهتت الناس وحيرتهم، فلم يقو على التوبة والثبات إلا من حسن عمله وصح توكله على الله تعالى، ولا يعارض ذلك أن من هذه الأمور الثلاثة ما ضم إلى ذلك أنه لا تقبل معه التوبة، كطلوع الشمس من مغربها، ولا يعارض ذلك أيضاً أن من هذه الأمور ما إذا زال وانتهى وجوده، لم تبق حيرته وفتنته بعد زواله، فيمكن الناس بعدها التوبة والعمل الصالح، إذا قدر لهم ألا يموتوا في زمن الفتنة والتحير، كما قد يحصل في فتنة الدجال. هذا ما ظهر لي، والله أعلم. والحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واتقى حده.

стр. 503

معنى (أعمار أمتي بين الستين ... ) المجيب هاني بن عبد الله الجبير قاضي بمحكمة مكة المكرمة التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٥/١/١٤٢٤هـ السؤال بخصوص حديث الرسول ﷺ :"أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين" ما المقصود بأمتي؟ وهل تشمل في عصرنا هذا المسلم والكافر؟ ولماذا الستين والسبعين؟ ولماذا يعمر الأوروبيون؟ جزاكم الله خيراً. الجواب الحمد لله وحده، وبعد: فهذا الحديث رواه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال:"أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك" وهو حديث صحيح أخرجه الترمذي (٣٥٥٠) ، وابن ماجة (٤٢٣٦) ، وابن حبان (٢/٩٦) ، والحاكم (٢/٤٢٧) ، وقد حسّن إسناده الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١١/٢٤٤) ، وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وللحديث شاهد من حديث أنس نحوه إلا أنه قال:"وأقلهم الذين يبلغون الثمانين" أخرجه أبو يعلى (٥/٢٨٣) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٧٥٧) ، والمراد بالأمة في الحديث أمة الدعوة فشمل المسلم والكافر. والمراد بالستين والسبعين إما أن العقد على طريقة من يلغي الكسر بين العقود فيقول: لمن كان عمره خمسة وستين عمره ستون، أو أن السبعين انتهاء الغاية. وأما لماذا فهذا قدر الله تعالى الذي كتبه على عباده لا يسأل عما يفعل وهم يُسألون، وقد التمس بعضهم حكمة لذلك أن تقل الأعمار فيسهل الحساب (فيض القدير للمناوي (٢/١١) . وأما الأوروبيون فإن متوسط أعمارهم لا يتجاوز إلى الثمانين فآخر تقرير لمتوسط الأعمار في البلدان المتقدمة أنه بين السبعين والست وسبعين حسب ما صدر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونسيف (وضع الأطفال في العالم صـ٨٨) ، وهذا مصداق للحديث على الاعتبار الأول الذي دلت عليه رواية أنس. ولو زاد متوسط الأعمار عن ذلك -كما تشير إليه بعض الدراسات نظراً للتحسن المطرد في مستوى الخدمات الصحية- فهذا لا يعارض الحديث أيضاً إذ هم من القلة التي تجوز السن المذكور وتبقى أمم أخرى لا تصل إليه من الحاضرة مع قرون كثيرة ماضية، وفق الله الجميع لهداه، وصلى الله على محمد وآله.

стр. 504

معنى كلمات الله التامات المجيب د. علي بن عبد الله الجمعة رئيس قسم السنة وعلومها بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٠٣/٠٤/١٤٢٧هـ السؤال ما هي كلمات الله التامة التي نتعوذ بها، والتي ذكرت في حديث الرسول ﷺ . الجواب نعم صح عن النبي ﷺ أمره بأن يستعاذ بكلمات الله التامات في الصباح والمساء، وعندما ينزل الإنسان منزلاً، بدلاً مما كان يفعله المشركون في الجاهلية من الاستعاذة بالجن، حيث كان أحدهم إذا نزل وادياً قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فأبدلها النبي ﷺ بالاستعاذة بالله واللجوء إليه، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه (٣٧٠٨) ، عن خولة بنت حكيم ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول:"من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات، من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك"، وقد اختلف العلماء في المراد بكلمات الله التامات على قولين القول الأول: أنها أسماء الله الحسنى وصفاته العلى بأن يستعيذ بأسمائه فيقول: أعوذ بالسميع العليم، أو بصفاته فيقول: أعوذ برحمة الله وقوة الله وكبرياء الله، والقول الثاني: أن المراد بكلمات الله هو القرآن الكريم، فإن القرآن كلامه، تكلم به سبحانه ونزل به جبريل على محمد ﷺ ، ووصفت الكلمات بالتامات لأنها سالمة من العيوب والنقائص التي تعتري أسماء وصفات البشر على القول الأول، وعلى القول الثاني فالقرآن سالم من النقص والعيوب التي تعتري كلام البشر، لذا أعجز العرب مع فصاحتهم وبلاغتهم أن يأتوا بمثل أقصر سورة فيه، وسأسوق لك ما ذكره الشيخ عبد الرحمن بن حسن في شرح كتابه فتح المجيد؛ حيث قال: شرع الله لأهل الإسلام أن يستعيذوا به بدلاً عما يفعله أهل الجاهلية من الاستعاذة بالجن، فشرع الله للمسلمين أن يستعيذوا بأسمائه وصفاته، قال القرطبي: قيل: معناه الكاملات التي لا يلحقها نقص ولا عيب، كما يلحق كلام البشر، وقيل: معناه: الشافية الكافية، وقيل: الكلمات هنا هي القرآن، فإن الله تعالى قال عنه بأنه "هدى وشفاء" [فصلت: ٤٤] ، وهذا الأمر على جهة الإرشاد إلى ما يدفع به الأذى، ولما كان ذلك استعاذة بصفات الله تعالى كان من باب المندوب إليه المرغب فيه، وعلى هذا فحق المستعيذ بالله أو بأسمائه وصفاته، أن يصدق الله في التجائه إليه، ويتوكل في ذلك عليه ويحضر ذلك في قلبه، فمتى فعل ذلك وصل إلى منتهى طلبه ومغفرة ذنبه.

стр. 505

قلت: وبما أن هذه العبارة وهي قوله ﷺ " أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" حصن حصين، وحمى مكين، من نزغات الشيطان، ومن شياطين الإنس والجان، فأرشدك يا أختي إلى بعض النصوص من كتاب الله، وسنة رسوله ﵊، فهي حصن المسلم كآية الكرسي، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، يقول المسلم هذا ثلاث مرات في الصباح والمساء، ويقول أيضاً بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، وأعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وأعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة، ويحسن الالتجاء إلى الله ويكثر من قراءة القرآن والأوراد الواردة عند النوم والاستيقاظ ودخول البيت والخروج منه وعند الأكل والشرب، والوضوء وغير ذلك. - وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم-.

стр. 506

حتى أهل مكة يحرمون من مكة المجيب اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز-﵀ التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ١٢/١١/١٤٢٣هـ السؤال ما معنى قوله: ﷺ "حتى أهل مكة يحرمون من مكة" بعد أن قال: ﷺ "من أراد الحج والعمرة" في الرواية الصحيحة لابن عباس ﵄؟ الجواب معناه أن كل من أراد الحج والعمرة وكان منزله دون المواقيت يحرم من منزله، حتى أن أهل مكة يحرمون لنسكهم من مكة، وهو عام في الحج والعمرة، ولكنه خصصه حديث أمره ﷺ عائشة ﵂ أن تعتمر من التنعيم، لكونه أدنى الحل من الحرم، فصار الحديث الذي سألت عن معناه محمولاً على من يحج أو يعتمر وهو دون المواقيت المسماة في الأحاديث، وخارج حدود الحرم، وعلى من يحرم بالحج مفرداً أو بالحج والعمرة قراناً أو يحج ممن تمتع بالعمرة إلى الحج لا على من يحرم بالعمرة فقط، استثنائها بحديث عائشة، عملاً بالأحاديث الواردة في النسك كلها دون نظر إلى قياس أو خصوصية لعائشة أو غيرها. وبالله التوفيق - وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. [اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١١/١٤٩-١٥٠) ]

стр. 507

حديث:"ولد صالح يدعو له " المجيب عبد الرحمن بن عبد الله العجلان المدرس بالحرم المكي التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٣/٢/١٤٢٤هـ السؤال السلام عليكم. أرجو إفادتي في حديث "وولد صالح يدعو له" هل منها العمرة عن الوالدين المتوفين؟ أي العمرة النفل؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب دعاؤك لوالديك، وعملك ما تدخله النيابة من القرب كالحج والعمرة والصدقة ينفع والديك بإذن الله، ويكون من تمام برك بهما، فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء بعد موتهما، قال ﵊:"نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وبر صديقهما" أبو داود (٥١٤٢) ، وابن ماجة (٣٦٦٤) ، وأحمد (١٦٠٥٩) . "وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم" [التوبة: ١٠٣] ، والمراد: أدعو لهم، وكان ﵊ يدعو لمن جاء بصدقته، والله أعلم.

стр. 508

معنى حديث "إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " المجيب د. محمد بن تركي التركي عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٧/١١/١٤٢٢ السؤال ما معنى حديث " ينصر الدين بالرجل الفاجر"، وما درجة صحته؟ الجواب الحديث في البخاري ومسلم فهو صحيح بلا شك، ولفظه: " إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " انظر البخاري (رقم ٣٠٦٢) ، ومسلم (رقم ١١١) ، ومعنى الحديث يببينه ما ورد في سببه، وهو أن رجلاً ممن قاتل مع المسلمين في إحدى المعارك لما أصيب قام وقتل نفسه، فقال النبي ﷺ ذلك، فمعناه أن الله قد يجعل من أفعال بعض الناس سبباً لنصرة هذا الدين وإن لم يكن قصد ذلك الشخص هذه النصرة، ولو لم يكن هذا الشخص مؤمناً، وقال بعض شراح الحديث: إن معنى الرجل الفاجر يشمل الكافر، وقال بعض شراح الحديث: إن معنى الرجل الفاجر يشمل الكافر والمسلم الذي عنده بعض المعاصي. وعلى هذا فالمسلم العاصي والفاسق قد يحدث الله على أيديهم ما يكون سبباً في نصرة هذا الدين، وفي هذا إشارة إلى أن العاصي والفاسق ينبغي أن لا يحتجوا بسبب عصيانهم بعدم العمل لهذا الدين، والله أعلم.

стр. 509

حديث:"خلق الله آدم على صورته ... " المجيب د. سالم بن محمد القرني عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ١٧/١١/١٤٢٣هـ السؤال ما هو الراجح في تفسير قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:"خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً" رواه البخاري؟ الجواب هذا من أحاديث المتشابه الخاص الذي يعلم من وجه دون وجه، فيعلم من جهة المعنى دون الكنه والكيف أو الحقيقة. ومعلوم أنه لا يراد به الظاهر الذي فيه التمثيل بصفات المخلوقين أو ما هو من خصائصهم، لأن الله "ليس كمثله شيء" [الشورى:١١] ، و"لم يكن له كفواً أحد" [الإخلاص:٤] وقد وسع كرسيه السماوات والأرض، والسماوات والأرض بالنسبة للكرسي -الذي هو موضع قدميه سبحانه- كحلقة ملقاة في فلاة فما ظنك برب العالمين. لا أحد يحيط به وصفاً ولا تخيلاً فمهما تخيل الإنسان من عظمة لله فالله أعظم من ذلك، فيحمل الحديث على أن المراد خلق آدم على صورته تعالى من حيث الجملة، ومجرد كونه على صورته لا يقتضي المماثلة، فقد ورد في الحديث:"إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أضوأ كوكب في السماء" مسلم (٢٨٣٤) ولا يلزم من ذلك أن تكون هذه الزمرة مماثلة للقمر لأن القمر أكبر من أهل الجنة بكثير، فإنهم يدخلون الجنة طولهم ستون ذراعاً فليسوا مثل القمر من كل وجه، فالمؤمن العاقل يدرك أن هناك قدراً مميزاً هذا عن هذا. وذكر العلماء قولاً آخر وهو: أن الله خلق آدم على صورة اختارها وأضافها إلى نفسه - تعالى- تكريماً وتشريفاً، والراجح الأول، والله أعلم.

стр. 510

معنى حديث: "خير المجالس ما استقبل به القبلة " المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٣/٣/١٤٢٣هـ السؤال ما معنى حديث: "خير المجالس ما استقبل القبلة"؟ آمل الجواب بالتفصيل. الجواب حديث: "خير المجالس ما استقبل به القبلة"، من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، ولذلك أورده السخاوي في كتابه المهم في بابه: (المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة) (رقم١٥٣) بلفظ: "أكرم المجالس ... ". وللحديث طرق متعددة وشواهد: وأشهر رواياته حديث ابن عباس ﵄، لكن الإسناد إليه شديد الضعف، وحكم عليه بالبطلان، كما تراه في أحاديث الشيوخ الثقات لأبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري وحاشية تحقيقه (رقم١٧٣) . وخير أسانيده ما أخرجه الطبراني في (الأوسط رقم٢٣٧٥) ، من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل شيء سيداً، وإن سيد المجالس قبالة القبلة". فقد وصفه السخاوي بقوله: "سنده حسن"، وهو كما قال، فشيخ الطبراني الذي قد يتمسك من يضعف الحديث به لتضعيفه، وهو إبراهيم بن محمد بن عرق الحمصي، الصواب فيه أنه مقبول الحديث، وباقي رجال الإسناد معروفون مقبولون. لكن يبقى التفرد الذي في إسناده، أخشى أن يؤتى الإسناد من قِبَلِهِ. وقد يشير إلى عدم صحة الحديث مرفوعاً من جميع وجوهه، ما نقله السخاوي عن ابن حبان أنه حكم على الحديث بالوضع، وقال: "وقد كانت أحواله ﷺ في مواعظ الناس أن يخطب وهو مستدبر القبلة"، لكن السخاوي تعقبه بقوله: كذا قال! وما استدل به لا ينهض للحكم بالوضع، إذ استدباره ﷺ القبله؛ ليكون مستقبلاً لمن يعلمه أو يعظه ممن بين يديه". وإن كنت لا أجرؤ على الحكم على الحديث بالقبول، إلا أني لا أحكم بعدم صحة معناه، وأن استقبال القبلة في المجالس، وخاصة مجالس العبادة، مثل: عند الذكر والدعاء وقراءة القرآن والتعليم ونحو ذلك، أمر دلت النصوص المتفرقة على استحسانه، وجاءت آثار السلف على اتباعه. فالقبلة هي اتجاه أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي الصلاة حتى أطراف الأصابع تستقبل بها القبلة في السجود، وإشارة الإصبع في التشهد. (صحيح البخاري رقم٨٢٨) وفي الحج: يحج البيت (وهي القبلة) ، ويطوف بها، ويهل حين يهل بالحج مستقبلاً لها (صحيح البخاري رقم١٥٥٣) ، ويستقبل القبلة على الصفا والمروة للذكر والدعاء، وكذلك في عرفة، وعند المشعر الحرام بمزدلفة (صحيح مسلم رقم١٢١٨) ، ويوجه الهدي عند النحر إلى القبلة (موطأ مالك رقم١١١٢) ، وبعد رمي الجمرة الصغرى والوسطى يتوجه البيت بالدعاء (صحيح البخاري رقم١٧٥١،١٧٥٢،١٧٥٣) وفي الاستسقاء تستقبل القبلة عند الدعاء (صحيح البخاري رقم١٠٠٥،١٠٢٨، وصحيح مسلم رقم٨٩٤) . وعند الابتهال بالدعاء، كما فعل النبي ﷺ يوم بدر (صحيح مسلم رقم١٧٦٣) .

стр. 511

وحتى يدفن المسلم، يوجه إلى القبلة كما فُعِل بالنبي ﷺ وصاحبيه ﵄، وكما هو حال جميع مقابر المسلمين قديماً وحديثاً، وهذا كله يدل على تكريم هذه الجهة حتى في غير الصلاة. ويدل على أن تكريم هذه الجهة مقصد شرعي: النهي الصريح الصحيح عن استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة (صحيح البخاري رقم ١٤٤، وصحيح مسلم رقم٢٦٤،٢٦٥) . ولذلك فقد جاء عن جمع من السلف استحباب الجلوس مستقبل القبلة. ففي المصنف لابن أبي شيبة (٨/٦٧٥) بإسناد صحيح: "أن عبد الله بن مسعود ﵁ جلس مستقبل القبلة"، وأورده ابن أبي شيبة مع آثار أخرى، تحت باب (من كان يستحب إذا جلس أن يجلس مستقبل القبلة) . وانظر أيضاً: (الأدب المفرد للبخاري (رقم١١٣٧) ، وأدب الإملاء والاستملاء للسمعاني رقم١١٩) . ويظهر من ذلك أن المقصود من هذا الحديث مطلب شرعي صحيح، وهو تكريم جهة القبلة، والحرص على الجلوس باستقبالها في حال المجالس الفاضلة. وقد عبر المناوي في (فيض القدير ٢/٥١٢) عن ذلك تعبيراً حسناً، فقال: "يشير إلى أن كل حركة وسكون من العبد على نظام العبودية، بحسب نيته، في يقظته ومنامه، وقعوده وقيامه، وشرابه وطعامه، تشرف حالته بذلك، فيتحرى القبلة في مجلسه، ويستشعر هيئتها، فلا يعبث، فيسن المحافظة على استقبالها"، والله أعلم.

стр. 512

معنى حديث: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم .." المجيب د. محمد بن سليمان المنيعي عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ١٧/١٠/١٤٢٣هـ السؤال السلام عليكم ورحمة وبركاته. أرجو منكم تفسير هذا الحديث الذي رواه مسلم: "والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم". وجزاكم الله خيراً. الجواب ليس هذا الحديث تسلية للمنهمكين في الذنوب كما يتوهمه بعض الناس، ولكنه لبيان عفو الله - تعالى - ليرغب المسيء في التوبة، والمعنى لو كنتم مجبولين على ما جبلت عليه الملائكة من عدم مقارفة الذنوب لجاء بقوم يذنبون فيستغفرون، وذلك أن من أسماء الله الغفار الحليم التواب العفو وهذا يقتضي غفران الذنوب والحلم عنها، وقبول التوبة من العاصي والعفو عنه، وهذا من حكمة الله تعالى، فإن الله خلق الإنسان وفيه شموخ وعلو وترفع وإعجاب بنفسه، فقدر له من الذنوب ما يوقظه به إذا انشغل عنه، إذ يوجب له الشعور بالذنب الاعتراف بالله وبعبوديته له، فينتكس رأسه بعد العجب ويميل إلى الندم والأسف ويسعى إلى حصول التوبة والاستغفار لتحصيل عفو الله، والله يحب العفو، وانظر إلى كلام نفيس لابن القيم في كتاب طريق الهجرتين في حكمة تقدير المعاصي على بني آدم.

стр. 513

معنى حديث "ليبلغن هذا الدين " المجيب د. علي بن عبد الله الجمعة رئيس قسم السنة وعلومها بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ١٩/١/١٤٢٤هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ما يقول فضيلتكم فيمن يشكك في حديث رسول الله ﷺ :"ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين" بحجة أن هناك أماكن في مجاهيل إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية لم يصل إليها الدين الإسلامي بعد على الرغم من مرور أكثر من ألف وأربعمائة عام على بعثة المصطفى ﷺ وأن هناك كثيراً من البيوت لم يدخلها الإسلام قد هدمت خلال تلك الأعوام؟ الجواب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فأقول وبالله التوفيق: أولاً: إن هذا الحديث صحيح وثابت وصححه الألباني في السلسلة تحت رقم الحديث (٣) مجلد (١) وأخرجه الإمام أحمد عن تميم الداري مجلد (٤) صـ (١٠٣) وعن مقداد بن الأسود مجلد (٦) صـ (٤) وإسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه ابن منده في الإيمان (١٠٨٥) والبيهقي في السنن (٩/١٨١) وأخرجه البخاري في التاريخ (٢/١٥٠) ، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٢/٢٣١) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٦١٥٥) والحاكم (٤/٤٣٠) وأخرجه الطبراني في الكبير (١٢٨٠) وأورده الهيثمي في المجمع (٦/١٤) ، وقال رواه أحمد والطبراني ورجال رجال الصحيح. ثانياً: أن تشكيك الأعداء بهذا الدين ومصادره ليس أمراً جديداً فإنهم ما فتئوا يشككون فيه منذ بدء نزول الوحي على رسول الله ﷺ ، ولم يكن التشكيك مقتصراً على سنة رسول الله ﷺ بل يشككون في القرآن المعجز الذي أعجز الفصحاء والبلغاء أن يأتوا بسورة من مثله مع تحدي الله لهم. ثالثاً: أن من المعلوم والمجزوم به أن رسول الله ﷺ "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" [النجم: ٣-٤] فإذا صح ثبوت الخبر إليه فهو حق لا مرية فيه والإيمان بما دل عليه الخبر واجب. رابعاً: هذا الحديث ليس بينه وبين الواقع الذي أشار إليه السائل تعارض ولا تنافٍ ولا مجال للغمز في سنة رسول الله ﷺ .

стр. 514

خامساً: جوابنا على استشكال المستشكل أن الحديث لا يدل على أن أهل الأرض يدخلون في الإسلام جميعاً وقد دل على ذلك القرآن الكريم حيث يقول الله :"ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" [يونس: ٩٩] ومعنى الحديث أن خبر هذا الدين وشيوعه ينتشر انتشاراً كثيراً وأن ذكره سيصل كل بيت وهذا متحقق بوسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية فإن خبر الإسلام يدخل في كل بيت حتى في مجاهل أفريقيا وأمريكا سواءً كان وصول الخبر من طريق أهل الإسلام للدعوة إليه أو من طريق أعدائه للتحذير منه، وهذا محسوس وملموس ولم يرد في الحديث أن كل فرد من أهل البيت يدخل في الدين، وإنما الذي دل عليه الحديث دخول الدين في البيت وهذا يعني دخول الخبر، ودخول الدين غير الدخول فيه وإنما تضمن الحديث البشارة بأن هذا الدين سينتشر انتشاراً كثيراً كما جاء في الحديث الصحيح قوله ﷺ :"إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وأن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها" مسلم (٢٨٨٩) وملك الأمة على هذه الرقعة الكبيرة من الأرض لا يلزم منه إسلام جميع أفراد من يعيش عليها بل يوجد منهم من لم يدخل في الإسلام، ولذلك شرعت الجزية على من بقي من اليهود والنصارى والمجوس بين أظهر المسلمين. وقال الألباني ﵀ حول هذا الحديث عبارة جميلة ونصها "ومما لا شك فيه أن تحقيق هذا الانتشار يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء في معنوياتهم ومادياتهم وسلاحهم حتى يستطيعوا أن يتغلبوا على قوى الكفر والطغيان وهذا ما يبشرنا به الحديث. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 515

ربا العباس بن عبد المطلب المجيب أ. د. سليمان بن فهد العيسى أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ١٤/٩/١٤٢٤هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ورد في خطبة الوداع قول الرسول ﵊: "وإن ربا الجاهلية موضوع ... وأول ما أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب" ماذا يقصد بربا العباس أو ما هو ربا العباس الذي ألغاه النبي ﷺ ؟ أسأل الله أن يحفظكم ويرعاكم. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فالجواب: أن النبي ﷺ قال في الحديث المذكور"وإن ربا الجاهلية موضوع كله وأول ربا أضع ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله" مسلم (١٢١٨) ، قال النووي في شرحه لهذا الحديث في هذه الجملة إبطال أفعال الجاهلية وبيوعها، وقوله في الربا إنه موضوع كله، معناه الزائد على رأس المال، كما قال تعالى "وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم" [البقرة: ٢٧٥] ، وهذا الذي ذكرته إيضاحاً، وإلا فالمقصود مفهوم من نفس لفظ الحديث، لأن الربا هو الزيادة، فإذا وضع الربا فمعناه وضع الزيادة، والمراد بالوضع الرد والإبطال، انتهى كلامه ﵀ قلت وربا العباس الذي ألغاه الرسول ﷺ هو من ربا الجاهلية الذي قال فيه الرسول ﷺ "وإن ربا الجاهلية موضوع كله" (سبق تخريجه) ، والربا إذا وضع يبقى رأس المال لمالكه، كما قال تعالى: "وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون" (سبق تخريجها) ، والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 516

الملك العضوض والملك الجبري المجيب د. عبد الله بن وكيل الشيخ عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ١٤/٤/١٤٢٤هـ السؤال فضيلة الشيخ: حفظه الله آمل من فضيلتكم شرح الحديث الآتي: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً، فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم يكون ملكاً جبرياً، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت. رواه أحمد ٢٧٣/٤: ثنا سليمان بن داود الطيالسي: ثنا داود بن إبراهيم الواسطي: ثنا حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير قال: كنا قعوداً في المسجد _ وكان بشير رجلاً يكف حديثه _ فجاء أبو ثعلبة الخشني، فقال: يا بشير بن سعد! أتحفظ حديث رسول الله ﷺ في الأمراء؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته. فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة: (فذكره مرفوعاً) . قال حبيب: فلما قام عمر بن عبد العزيز - وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته - فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه، فقلت له: إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين - يعني: عمر - بعد الملك العاض والجبرية. فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز، فسر به وأعجبه. (والحديث حسن على أقل الأحوال إن شاء الله تعالى) ، (ومن البعيد عندي حمل الحديث على عمر بن العزيز؛ لأن خلافته كانت قريبة العهد بالخلافة الراشدة، ولم يكن بعد ملكان: ملك عاض وملك جبرية والله أعلم. ملاحظة: أرجو بيان معنى كلمة ملكاً عاضاً وجبرياً. الجواب هذا الحديث حسن أخرجه أحمد (٣٠/٣٥٥ حديث ١٨٤٠٦) ، والبزار والطبراني في الأوسط (٦٥٧٧) وسند أحمد حسن فيه داود بن إبراهيم الواسطي روى عنه الطيالسي ووثقه وذكره ابن حبان في الثقات [يراجع تحقيق المسند طبعة الرسالة (٣٠/٣٥٥) ] . وهذا الحديث خبر منه ﷺ عن أمر أمته وأنها تمر بخمس أحوال: الحالة الأولى: حال النبوة وهو أكمل أحوالها حيث يوجد نبيها ﵇ ويتنزل الوحي إليه، ويرشد الأمة إلى الحق والخير. والحالة الثانية: خلاف على منهاج النبوة، وهي تلك الفترة الذهبية من عمر هذه الأمة، وقد جاء تحديدها في الحديث الذي رواه سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول ﷺ يقول: الخلافة ثلاثون عاماً ثم يكون بعد ذلك الملك، قال سفينة: أمسك؛ خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشر سنين، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة وخلافة علي ست سنين" رواه أحمد (حديث ٢١٩١٩) وأبو داود (٤٦٤٧) ، والترمذي (٢٢٢٦) وابن حبان (٦٩٤٣) وغيرهم، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وإنما سميت هذه الفترة بالخلافة كما في بعض الروايات، وبخلافة النبوة في روايات أخرى، لأن الخلفاء صدقوا هذا الاسم بأعمالهم، وتمسكوا بسنة نبيهم ﷺ ، والتزموا الشرع في أحكامهم، كما قاله حميد بن زنجوية فيما نقله عنه البغوي في شرح السنة.

стр. 517

الحالة الثالثة: الملك العضوض وهو الذي يصيب الرعية فيه عسف وظلم، كأنه معضوض فيه عضاً، ويقال عضوض بضم العين وأعضاد جمع عض وهو الخبيث الشرس. الحالة الرابعة الملك الجبري وهو الذي يكون فيه عتو وقهر. الحالة الخامسة: خلافة على منهاج النبوة وقد سبق بيان معنى كونها على منهاج النبوة. وهذا الحديث وما في معناه يبين فضل الخلافة على الملك لما في الملك من النقص من بعض الوجوه، ولذا لما خير الله نبيه ﵇ بين أن يكون ملكاً أو يكون عبداً رسولاً اختار ﷺ أن يكون عبداً رسولاً؛ كما جاء ذلك في حديث أبي هريرة ﵁ الذي أخرجه أحمد (٧١٦٠) ، وابن حبان في صحيحه (٦٣٦٥) [السلسة الصحيحة حديث رقم ١٠٠٢] ، وقد روى ابن سعد أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل سلمان ﵁ عن الفرق بين الخليفة والملك؟ فقال سلمان ﵁ إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهماً أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك، أما الخليفة فهو الذي يعدل في الرعية، ويقسم بينهم بالسوية ويشفق عليهم شفقة الرجل على أهل بيته، والوالد على ولده، ويقضي بينهم بكتاب الله " [الطبقات الكبرى ٣/٣٠٦] . على أنه مما ينبغي أن ينتبه له أن هذه الأحكام في الملك إنما هي في الجملة وإلا فقد يحصل من بعض الملوك من اتباع السنة ونشر الشريعة والجهاد في سبيل الله مثل ما يحصل في زمن الخلفاء، كما كان في عهد عمر بن عبد العزيز وبعض الملوك من بعده، ثم إنه يجوز إطلاق الخليفة على الملوك من بعد الخلفاء الراشدين ﵃، وإنما اختص الخلفاء الراشدون ﵃ بكمال الخلافة، فقد روى الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا " كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فُوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم [البخاري (٣٤٥٥) - الفتح ٦/٤٩٥، مسلم حديث رقم ١٨٤٢] ، وعلى كل ففي الحديث بشارة لهذه الأمة أنه سيكون في آخرها خلافة النبوة، فيعز الإسلام وتعلو رايته وينتشر دين الله في الأرض، فعلى المسلم أن يثق بهذا الوعد الكريم، وأن يحدث نفسه بالجد في أن يكون من أسباب تحقق هذا الوعد. وما ذكره السائل من استبعاد أن يكون عمر بن عبد العزيز من الخلفاء بعد فترة الملكين حق، خاصة وأن الخلافة الأخيرة التي على منهاج النبوة هي خاتمة هذه الأمة أو قرب خاتمتها، فلعل سروره ﵁ لما ستكون عليه خاتمة الأمة. للتوسع [مجموع الفتاوى ٣٥/١٨ وما بعدها، تحفة الأحوذي ٩/٧٠ وما بعدها، عون المعبود ١٣/٣٩٧) .

стр. 518

حديث الأعمى (لا أجد لك رخصة) وتخلف المعذور عن الجماعة المجيب أ. د. سليمان بن فهد العيسى أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٩/١٠/١٤٢٤هـ السؤال مما أشكل علي بالنسبة لحديث الأعمى الذي أمره الرسول ﷺ بالصلاة في المسجد بعد أن سأله "هل تسمع النداء" فأجاب بنعم، ما جاء فيه من قرائن كثيرة تدل على تعذُّر الصلاة في المسجد لهذا الأعمى، فقد جاء في الحديث أنه أعمى، ولا يجد من يقوده، وأن بينه وبين المسجد وادياً أو نحو هذا فيه سباع وعقبات، ومن المعلوم أن الشرع خفَّف على من أصابه مطر يبل الثياب ويحدث الوحل بأن يصلي في بيته، فكيف بهذا الأعمى الذي اجتمعت فيه الموانع كلها؟ وسؤالي هل من الممكن إزالة هذا الإشكال، فهل هذا الحديث صحيح أصلاً (لأن الكثيرين يستشهدون به) ؟ وهل هو منسوخ (لأني سمعت بعض العلماء يقول إن الأعمى عليه أن يستأجر من يقوده للمسجد) ؟ الرجاء إزالة هذا الإشكال مأجورين. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: إن حديث ابن أم مكتوم الأعمى قد ورد بعدة روايات، فقد رواه مسلم (٦٥٣) وغيره، وجاء فيه أنه ليس له قائد يلازمه، وأنه يسمع النداء، وفي بعض الروايات بينه وبين المسجد أشجار ونخيل، والرسول ﷺ لما قال له: أتسمع النداء قال: نعم، قال: "أجب فإني لا أجد لك رخصة"، قال النووي في المجموع شرح المهذب (٤/١٩٢) ، بعد ما ذكر أن حديث الأعمى من أدلة القائلين بأن الجماعة فرض عين، قال في الإجابة عنه: وأما حديث الأعمى فجوابه ما أجاب عنه الأئمة الحفاظ الفقهاء: أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة والحاكم أبو عبد الله والبيهقي، قالوا لا دلالة فيه لكونها فرض عين، لأن النبي ﷺ رخص لعتبان حين شكا بصره أن يصلي في بيته وحديثه في الصحيحين البخاري (٤٢٥) ، ومسلم (٣٣) قالوا وإنما معناه لا رخصة لك تلحقك بفضيلة من حضرها، انتهى.

стр. 519

أقول وحديث عتبان المذكور جاء فيه أنه جاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إني قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم ولم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي لهم، وودت أنك يا رسول الله تأتي تصلي في مصلى فأتخذه مصلى، فقال ﷺ : "أفعل إن شاء الله ... " الحديث، وقد فعل النبي ﷺ فصلى في مكان في بيته، قلت وأرى أن الجواب الذي ذكره النووي عن بعض الأئمة عن حديث ابن أم مكتوم الأعمى، والاستدلال بحديث عتبان غير مقنع، للفرق بين مضمون كل من الحديثين في نظري، فابن أم مكتوم جاء يطلب رخصة مستمرة ليصلي في بيته فلم يرخص له، وعتبان ذكر في طلبه أنه إذا كانت الأمطار سال الوادي وحال بينه وبين مسجد قومه.... الخ فصلى النبي ﷺ في مكان في بيته ليصلي فيه النوافل مطلقاً والفريضة عند الحاجة، وهذا هو الجواب عن الإشكال الوارد في السؤال؛ كيف لم يعذر هذا الأعمى ... في ترك الجماعة، وجاء العذر في حال المطر الذي يبل الثياب أو الوحل، وذلك لما تقدم من الفرق بين العذر المستمر لعذر الأعمى، والعذر الطارئ كالمطر والوحل، وكالجمع والقصر لعذر السفر وغير ذلك. والله أعلم.

стр. 520

معنى "حتى يحب لأخيه " المجيب محمد بن عبد المحسن المطلق مدرس العلوم الإسلامية بثانوية صقلية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ١٤/٥/١٤٢٤هـ السؤال لقد استمعت إلى جزء من محاضرة لأحد المشايخ في إحدى الإذاعات، وقد كان يتحدث عن حديث "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، ففسر معنى الأخ بأنه ليس أخا الإسلام وإنما الأخ في الإنسانية ككل، بالتالي لا يؤمن أحد حتى يحب للكافر مثلاً الهداية، وعليه كيف يمكن أن نوفق بين هذا المعنى، وبين ما الدعاء على الكفار؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد: فإن لفظ الأخوة في الحديث الذي ذكرتيه المراد به هو أخوة الدين؛ لأن الكافر ليس أخاً لنا في الدين، قال تعالى "إنما المؤمنون إخوة" [الحجرات: ١٠] ، وهذا أسلوب حصر، فحصر الأخوة في المؤمنين، وقال تعالى عن الكفار كما في سورة التوبة: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين" [التوبة: ١١] ، فيفهم من الآية أن المشركين إذا لم يتوبوا من شركهم ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فليسوا إخوة لنا في الدين، وليس في الدين ولاء يقوم على الإنسانية، وهذا المصطلح أحدثه الغربيون ليقربوا بين الدين الإسلامي والنصرانية واليهودية، وما ورد من إطلاق لفظ الأخوة على الكفار في سورة الشعراء والأعراف من قبل بعض الأنبياء كقوله - تعالى -: "وإلى عاد أخاهم هودا" [الأعراف: ٦٥] ، وقوله تعالى: "وإلى مدين أخاهم شعيبا" [الأعراف: ٨٥] ، فهذا من باب القرابة من جهة النسب، فهو أخوهم من النسب، لأنه من قبيلتهم، حيث كانت الأنبياء تبعث في أقوامهم، ومما يوضح أن هؤلاء الكفرة ليسوا إخوة لنا في الدين، بل هم شر الخليقة كما في قوله - تعالى -: "إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية" [البينة: ٦] ، ومن أصول الدين الولاء والبراء؛ الولاء للمؤمنين والبراءة من المشركين، بل إن إبراهيم ﵇ تبرأ من المشركين قبل البراءة من الشرك؛ كما ذكر الله ذلك في سورة الممتحنة، لكن لا يمنع هذا من الإحسان إلى الكفرة الذين لم يقاتلونا، ولم يظاهروا على إخراجنا، خاصة إذا كانوا أقارب، كما في سورة الممتحنة، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 521

معنى حديث "العبادة في الهرج كهجرة إلي " المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ١٧/٧/١٤٢٤هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فضيلة الشيخ: قال الرسول ﷺ -فيما معنى الحديث "العبادة في الهرج كهجرة إلي" (١) ما هو الهرج؟ (٢) وهل القيام بأي عبادة سواء كانت فرضاً، أم نافلة، أو ذكراً من الأذكار، أو غير ذلك يكون كالهجرة؟ (٣) وهل ورد في الوحيين ذكر لأجر الهجرة؟ (٤) لماذا كانت العبادة في الهرج بهذا الأجر؟ أو لماذا حرص المصطفى ﷺ على الحث عليها في الهرج؟ الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وبعد: هذا الحديث أخرجه مسلم (٢٩٤٨) ، والإمام أحمد (٢٠٢٩٨) ، والترمذي (٢٢٠) من حديث معقل بن يسار ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "العِبَادة في الهَرْجِ كهِجْرةٍ إليَّ"، وعند الإمام أحمد: " العمل في الهَرْجِ ... " الهَرْج: أصل الهرج في اللغة الاختلاط، ومنه هرج الرجل في حديثه خلط، وهَرَّجَ الناس: اختلطوا واختلفوا، والمراد به في الحديث: القتل والفتن. وقد شبَّه النبي ﷺ العبادة في الهرج- وهو زمن ظهور الفتن والقتل، واختلاط أمور الناس - بالهجرة إليه ﵊، ووجه الشبه: أن المهاجر قد فرَّ بدينه من دار الكفر وأهله إلى دار الإيمان وأهله، والمتعبد في الهرج قد اعتصم بعبادة ربه من الفتن، وتمسَّك بدينه، واتبع ما يحبه الله ويرضاه، وتجنب ما يسخطه، ونبذ ما يكون عليه الناس في زمن الفتن من اتباع الأهواء والآراء المنحرفة، التي تصد عن دين الله. وهناك معنى آخر: وهو ما يحصل في زمن الفتن، من انشغال الناس وغفلتهم عن العبادة؛ بحيث لا يتفرغ لها إلا القليل من الناس، فبذلك يعظم أجرها وثوابها، ثم ما يكون في لزوم العبادة من زيادة الإيمان، ورسوخ اليقين الذي يظهر أثره على المتعبد فتحصل له العصمة -بإذن الله- من الفتن، ولهذا قال النبي ﷺ : "بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم. يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً. يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا" أخرجه مسلم ح (١١٨) ، والعبادة - المنوه بفضلها في زمن الهرج - يدخل فيها جميع أنواع العبادة من الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، والعمرة، والذكر، وقراءة القرآن، وغير ذلك. وأما عن فضل الهجرة، فقد ورد في القرآن والسنة ما يدل على فضلها ومنزلتها، وامتداح أهلها قال الله : "وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً" [النساء:١٠٠] قال سبحانه: "وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" [التوبة:١٠٠] وقال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" [البقرة:٢١٨] . وورد في السنة أحاديث كثيرة تدل على فضل الهجرة وعظيم ثوابها، وتكفيرها للذنوب ومن ذلك: ما أخرجه مسلم (١٢١) من حديث عمرو بن العاص ﵁ عندما جاء يبايع رسول الله ﷺ وأراد أن يشترط، فقال له رسول الله ﷺ : " أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها ... "، وكذلك ما أخرجه مسلم (١١٦) من حديث الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁ عندما هاجر إلى النبي ﷺ ومعه رجل آخر من قومه فقتل هذا الرجل نفسه، فرآه الطفيل في المنام في هيئة حسنة، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ ، وما أخرجه النسائي (٧٨٠) من حديث أبي مسعود ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة فإن كانوا في القراءة سواء فيؤمهم أقدمهم هجرة ... "، وما جاء في الصحيحين البخاري (١٢٩٦) ، ومسلم (١٦٢٨) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: " اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم....."، وهذا يدل على فضل الهجرة، وحرص النبي ﷺ على أصحابه كي يفوزوا بفضلها، ولا يفوتهم ما ادخر الله لهم من أجلها من أجر عظيم وثواب جزيل. هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 522

الجرس في البيت المجيب د. حسين بن عبد الله العبيدي رئيس قسم الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ١/٢/١٤٢٥هـ السؤال ما حكم الجرس عند دخول البيت؟ وهل يدخل ضمن هذا الحديث (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه الجرس) ؟ جزاكم الله خيراً. الجواب ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه جرس" رواه أبو داود (٤٢٣١) ، وأحمد (٢٥٥٢١) من حديث عائشة ﵂، والمراد بالملائكة هنا ملائكة الرحمة ونحوهم، وجاء التعليل لذلك بأن الجرس من مزامير الشيطان، والملائكة بضده، لكن لما دعت الحاجة إلى وضع ما ينبه خصوصاً مع اتساع البيوت، لذا فإنه ينبغي للإنسان أن يتخذ منبهاً من غير الأجراس أو الموسيقى؛ لئلا يكون داخلاً ضمن النهي الوارد في هذا الحديث. وبالله التوفيق.

стр. 523

هل الكراهية للحديث بعد العشاء مطلقة ! المجيب عبد الحكيم محمد أرزقي بلمهدي كلية الشريعة/ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٢٩/٠٥/١٤٢٧هـ السؤال سمعنا أنه ينبغي النوم بعد صلاة العشاء , فهل هذا صحيح؟ الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فقد صح عن النبي ﷺ أنه كان يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها. ففي الصحيحين عن أبي برزة الأسلمي ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها صحيح البخاري (٥٤٧) ، وصحيح مسلم (٦٤٧) . وقد ذكر العلماء علة ذلك، منها ما قاله القاضي عياض، والنووي، وابن حجر وملخصه: أن سبب كراهة النوم قبلها أنه يعرضها لفوات وقتها باستغراق النوم، أو لفوات وقتها المختار والأفضل، ولئلا يتساهل الناس في ذلك، فيناموا عن صلاتها جماعة. وسبب كراهة الحديث بعدها أنه يؤدي إلى السهر، ويخاف منه غلبة النوم عن قيام الليل، أو الذكر فيه، أو عن صلاة الصبح في وقتها الجائز، أو في وقتها المختار أو الأفضل. ولأن السهر في الليل، سبب للكسل في النهار عما يتوجب من حقوق الدين، والطاعات، ومصالح الدنيا. ثم إن المكروه من الحديث بعد العشاء هو ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها، أما ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه؛ وذلك كمدارسة العلم، وحكايات الصالحين، ومحادثة الضيف، والعروس للتأنيس، ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة، ومحادثة المسافرين بحفظ متاعهم أو أنفسهم، والحديث في الإصلاح بين الناس، والشفاعة إليهم في خير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإرشاد إلى مصلحة ونحو ذلك. فكل هذا لا كراهة فيه. وقد جاءت أحاديث صحيحة ببعضه والباقي في معناه ... ثم كراهة الحديث بعد العشاء المراد بها بعد صلاة العشاء لا بعد دخول وقتها. واتفق العلماء على كراهة الحديث بعدها إلا ما كان في خير، كما ذكرناه. والله أعلم.

стр. 524

حديث"رأيت ربي في أحسن صورة " المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ١٨/٥/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم. أريد شرحاً لحديث الرسول ﷺ الذي ورد فيه قوله: "رأيت الله في أحسن صورة.."، ولعل هذه الجملة التي أحتاج شرحاً لها بالتفصيل. وجزاكم الله خيراً. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وبعد:

стр. 525

الجملة المذكورة في السؤال وردت في حديث معاذ ﵁، والحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/٢٤٣) ح (٢٢١٦٢) قال: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا جهضم - يعني اليمامي- حدثنا - يحي يعني بن أبي كثير- حدثنا زيد يعني بن أبي سلام- عن أبي سلام- وهو زيد بن سلام بن أبي سلام نسبه إلى جده- أنه حدثه عبد الرحمن بن عياش الحضرمي عن مالك بن يخامر أن معاذ بن جبل ﵁ قال- احتبس علينا رسول الله ﷺ ذات غداة عن صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى قرن الشمس، فخرج رسول الله ﷺ سريعاً فثوب بالصلاة وصلى وتجوز في صلاته، فلما سلم قال: "كما أنتم على مصافكم"، ثم أقبل إلينا فقال: "إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل، فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربي في أحسن صورة، فقال يا محمد: أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري فتجلى لي كل شيء وعرفت، فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات، قال: وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام إلى الجمعات وجلوس في المساجد بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء عند الكريهات، قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام، قال: سل، قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم، فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك" وقال رسول الله ﷺ : "إنها حق فادرسوها وتعلموها" أخرجه الترمذي ح (٣٢٣٥) ، وقال: حديث حسن صحيح، وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الإمام أحمد كما في التهذيب (٦/٢٠٥) : والرؤية المذكورة في الحديث رؤيا منام لا يقظة، وهذا ظاهر من قوله في الحديث: "فنعست في صلاتي حتى استثقلت ... " وفي المسند: "حتى استيقظت"، وقال الحافظ ابن كثير- بعد أن أورد الحديث-: (فهذا حديث المنام المشهور ومن جعله يقظة فقد غلط) ، وأما ما جاء في هذا الحديث من وصف النبي ﷺ لربه، فهو حق يجب الإيمان به من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، كما قال عن نفسه: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" [الشورى من الآية: ١١] ، قال الحافظ ابن رجب: "وأما وصف النبي ﷺ لربه بما وصفه به فكل ما وصف النبي ﷺ به ربه فهو حق وصدق يجب الإيمان والتصديق به كما وصف الله به نفسه مع نفي التمثيل عنه، ومن أشكل عليه فهم شيء من ذلك واشتبه عليه فليقل كما مدح الله تعالى به الراسخين في العلم وأخبر عنهم أنهم يقولون عند المتشابه: "آمنا به كل من عند ربنا" [آل عمران من الآية: ٧] ، وكما قال النبي ﷺ في القرآن: "وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه" خرجه الإمام أحمد (٦٧٠٢) ، ولا يتكلف ما لا علم له به فإنه يخشى عليه من ذلك الهلكة، وقد أفرد الحافظ ابن رجب ﵀ شرح الحديث في كتاب مستقل، وهو: "اختيار الأولى في شرح حديث الملأ الأعلى"، وهو كتاب نفيس توسع فيه ابن رجب في شرح الحديث، فيحسن الرجوع إليه. هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 526

هل يقتضي حديث: "سياحة أمتي الجهاد" تحريم السياحة للنزهة ؟! المجيب سامي بن عبد العزيز الماجد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٥/٨/١٤٢٤هـ السؤال السلام عليكم. يدَّعي بعض الناس أن السفر لغرض السياحة محرَّم، وهم يستندون في دعواهم على حديث: "سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله" نرجو التكرم بإيضاح الأمر بالتفصيل على ضوء الحديث أعلاه. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: السياحة المنهي عنها في بعض الأحاديث والآثار، والتي ذمها أهل العلم في القديم ليست بالسياحة التي تعارف الناس عليها اليوم، ولكنها سياحةُ العُبّاد والزهاد، وهي الذهاب في الأرض للتعبد والترهب واعتزال الناس، وقد كانت هذه السياحة مما يتعبد به رهبان النصارى. وقد عقد أبو داود ﵀ في سننه باباً سماه: بابٌ في النهي عن السياحة (سنن أبي داود/ كتاب الجهاد) وأورد فيه حديث أبي أمامة ﵁ أن رجلاً قال: يا رسول الله! ائذن لي في السياحة. فقال: "إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله". كما أخرجه الحاكم ٢/٨٣ وصححه، والبيهقي ٩/١٦١، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢١٧٢) . قال ابن تيمية (مجموع الفتاوى (١٠/٦٤٢) : (السياحة في البلاد لغير قصد شرعي، كما يفعله بعض النساك ـ أي ذهابهم في الأرض للتعبد والترهب واعتزال الناس ـ أمرٌ منهي عنه) ، قال الإمام أحمد: (ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا هي من فعل النبيين والصالحين) أهـ. وقال ابن كثير في تفسيره "عند تفسيره للآية ١١٢ من سورة التوبة": (وليس المراد من السياحة ما قد يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين) أهـ. ويقابل هذه السياحة المذمومة سياحةٌ شرعية مستحبة، ندب الله إليها بالثناء على أهلها في كتابه، كما في قوله تعالى: "التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ" [التوبة: من الآية١١٢] وفي وقوله: "مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً" [التحريم: من الآية٥] . وذهب جمهور المفسرين إلى أن المقصود بهذه السياحة هو الصيام، روي ذلك عن ابن عباس وعائشة ﵃ ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح والضحاك وابن عيينة وغيرهم. وعلى ما تقدم فإن كل سياحة رغب إليها القرآن فهي التقرب إلى الله بالصيام، وكل سياحة ذمّها أهل العلم السابقون فهي سياحةُ العُبّاد والزهاد، وهي الذهاب في الأرض للتعبد والترهب واعتزال الناس. وأما السياحة بمفهومها المعاصر وعرف الناس اليوم والتي تعني السفر للتنزّه والفرجة والاستمتاع وما إلى ذلك فمصطلح حادثٌ لا يصح أن تُنزّل عليه النصوص التي سيقت فيها السياحة مدحاً أو ذماً.

стр. 527

وظاهرٌ من صورة السياحة بمفهومها المعاصر أنها مندرجة في حكم السفر، فإن كانت السياحة بقصد مباح إلى مكان لا يحرم قصده فهي سياحة مباحة حتى وإن تخللها ارتكابٌ لمعصية، وهذا ما يسمى عند الفقهاء بالمعصية في السفر، وهو أن يكون أصل السفر مباحاً لكن ارتكب المسافر أثناءه معصيةً ما، أما العاصي بسفره فهو الذي أنشأ السفر لقصد محرم؛ كارتكاب فاحشة أو إبرام عقدٍ ربوي مثلاً، وهذا (العاصي بسفره) هو الذي يحرم عليه في قول كثير من أهل العلم أن يترخص بشيء من رخص السفر؛ لأن الرخص ـ عندهم ـ لا تُستباح بالمعصية. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 528

شرح: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٢٦/١٢/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم. هناك حديث: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة". أريد توضيح الحكم المستفاد من هذا الحديث، وهل هناك أي اختلاف بين العلماء بهذا الشأن؟ جزاكم الله خيرًا. الجواب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد: الحديث المشار إليه في السؤال أخرجه مسلم (٧١٠) ، والترمذي (٤٢١) ، والنسائي (٨٦٥) ، من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ ". والحديث يدل على النهي عن الاشتغال بالنافلة بعد الشروع في إقامة الصلاة، سواء كانت النافلة راتبة الفجر أو غيرها، وقد جاء في رواية: (قِيلَ: يَا رَسُول اللَّهِ، وَلَا رَكْعَتَيْ الْفَجْر؟ قَالَ: "وَلَا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ". أخرجها ابن عدي ٧/٢٤٦ والبيهقي ٢/٤٨٣ وحسّن إسنادها الحافظ في الفتح (٢/١٤٩) . وقد أنكر النبي ﷺ على من صلى ركعتي الفجر وقد أقيمت الصلاة، ففي الصحيحين: البخاري (٦٦٣) ، ومسلم (٧١١) ، من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ بُحَيْنَةَ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يُصَلِّي، وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَكَلَّمَهُ بِشَيْءٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَحَطْنَا نَقُولُ: مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: قَالَ لِي: "يُوشِكُ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ أَرْبَعًا". وقال أبو بكر الأثرم: سئل أحمد بن حنبل، وأنا أسمع، عن الرجل يدخل المسجد والإمام في صلاة الصبح ولم يركع الركعتين؟ فقال: يدخل في الصلاة؛ لأن النبي ﷺ قال: "إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ ". واحتج أيضًا بقوله: "أَصَلاتَانِ مَعًا". أخرجه الترمذي (٤٢٢) [التمهيد (٢٢/٧٤) ] . وقد أشار غير واحد من الأئمة إلى الحكمة من هذا النهي، قال النووي، ﵀: (الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع فيها عقب شروع الإمام، والمحافظة على مكملات الفريضة أولى من التشاغل بالنافلة) . وقال القاضي عياض، ﵀: (وفيه حكمة أخرى: وهو النهي عن الاختلاف على الأئمة) . شرح النووي على مسلم (٥/ ٢٣٠) . وأباح بعض العلماء صلاة ركعتي الفجر ولو بعد إقامة الصلاة، منهم من قيد ذلك بألا تفوته الركعة الأولى، ومنهم من قيده بألا تفوته الركعة الثانية، ومنهم من قيده بألا يكون ذلك في المسجد بل يكون خارج المسجد، قال مالك: إذا كان قد دخل المسجد فليدخل مع الإمام ولا يركعهما، وإن كان لم يدخل المسجد فإن لم يخف أن يفوته الإمام بركعة فليركع خارج المسجد، ولا يركعهما في شيء من أفنية المسجد. وقال الثوري: إن خشي فوت ركعة دخل معهم ولم يصلهما، وإلا صلاهما وإن كان قد دخل المسجد.

стр. 529

وقال الأوزاعي: إذا دخل المسجد يركعهما إلا أن يوقن أنه إن فعل فاتته الركعة الآخرة، فأما الركعة الأولى فيركع وإن فاتته. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن خشي أن تفوته الركعتان ولا يدرك الإمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه، وإن رجا أن يدرك ركعة صلى ركعتي الفجر خارج المسجد ثم يدخل مع الإمام. وقد استدلوا بدليلين: ١- أن ركعتي الفجر من السنن المؤكدة التي كان النبي ﷺ يواظب عليها. انظر صحيح البخاري (١١٦٣) ومسلم (٧٢٤) . ٢- ما روي عن ابن مسعود، ﵁، أنه جاء والإمام يصلي الفجر، فصلى ركعتين إلى سارية، ولم يكن صلى ركعتي الفجر. أخرجه عبد الرزاق (٤٠٢١) . وما روي عن ابن عمر، ﵄، أنه دخل المسجد والناس في الصلاة، فدخل بيت حفصة، ﵂، فصلى ركعتين، ثم خرج إلى المسجد فصلى. أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٧٥) . والأولى الأخذ بما دل عليه عموم الحديث أنه إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، والسنة هي الحجة عند التنازع. وإذا تقرر ما سبق من النهي عن الشروع في النافلة بعد سماع الإقامة، فهل يقطع النافلة من كان داخلاً فيها بعد إقامة الصلاة؟ من العلماء من قال بقطع النافلة عند سماع الإقامة لعموم قوله ﷺ : "إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ ". قال العراقي: (إن قوله: " فَلَا صَلَاةَ ". يحتمل أن يراد: فلا يشرع حينئذٍ في صلاة عند إقامة الصلاة. ويحتمل أن يراد: فلا يشتغل بصلاة، وإن كان قد شرع فيها قبل الإقامة، بل يقطعها المصلي لإدراك فضيلة التحريم، أو أنها تبطل بنفسها، وإن لم يقطعها المصلي. يحتمل كلا من الأمرين) . [ينظر: نيل الأوطار (٣/٩٧) ] . وخص بعض العلماء النهي في الحديث عن الشروع في النافلة بعد سماع الإقامة، أما من كان شارعًا فيها قبل الإقامة فلا يشمله النهي، وله أن يتمها بشرط أن لا تفوته الجماعة، وبعضهم لم يشترط ذلك، واستدلوا بعموم قوله تعالى: (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) [محمد: ٣٣] . ويمكن الإجابة عن الآية بأنها عامة والحديث خاص، فيخصص ما تضمنه الحديث من عموم الآية، ثم إن سياق الآية يدل على أن المقصود بالإبطال المعصيةُ من الشرك وغيره الذي يؤدي إلى إبطال العمل. والذي يظهر - والله أعلم - أن المصلي إذا كان في نافلة وسمع الإقامة فإن أمكنه أن يتمها خفيفة ويدرك أول الصلاة مع الإمام بحيث لا تفوته الركعة الأولى من الصلاة فله ذلك، وإذا قطعها أخذًا بعموم الحديث فلا حرج. والله أعلم. هذا والله الموفق، والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 530

هل في هذا ما يقدح في عدالة الصحابة ؟! المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٢٤/٠٢/١٤٢٦هـ السؤال السلام عليكم. أرجو التكرم بشرح الحديث الذي في البخاري عن عائشة ﵂ قالت: لددنا النبي ﷺ في مرضه، فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني، فقلنا: كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: "ألم أنهكم أن تلدوني؟ " قلنا: كراهية المريض للدواء، فقال: "لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا أنظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم". فإن الشيعة يستدلون به على لعن الصحابة-﵃. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله. وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الحديث المشار إليه في السؤال أخرجه البخاري (٤٤٥٨) ، ومسلم (٢٢١٣) من حديث عَائِشَةُ ﵂ قالت: لَدَدْنَا النبي ﷺ فِي مَرَضِهِ، فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ لَا تَلُدُّونِي، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: "أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي؟ " قُلْنَا: كَرَاهِيَةَ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: "لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا الْعَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُم"ْ. وأخرج عبد الرزاق في مصنفه (٩٧٥٤) وأحمد (٢٧٤٦٩) من حديث أسماء بنت عميس-﵂ قالت: أول ما اشتكى رسول الله ﷺ في بيت ميمونة-﵂-فاشتد مرضه حتى أغمي عليه، قال: فتشاور نساؤه في لده فلدوه، فلما أفاق قال: "هذا فعل نساء جئن من هؤلاء - وأشار إلى أرض الحبشة - وكانت أسماء بنت عميس-﵂ فيهن قالوا: كنا نتهم بك ذات الجنب يا رسول الله، قال: "إن ذلك لداء ما كان الله ليقذفني به لا يبقين في البيت أحد إلا التدَّ إلا عم رسول الله ﷺ يعني عباسا - فلقد التدت ميمونة-﵂ يومئذ وإنها لصائمة لعزيمة رسول الله ﷺ . [صحح إسناده الحافظ في الفتح (٨/١٤٨) ] . ومعنى الحديث ظاهر وهو أن بعض الصحابة-﵃ ممن كان موجوداً عنده في مرضه أراد أن يداوي النبي ﷺ -عن طريق اللد. واللد معناه: أن يُجعل في جانب فم المريض دواء بغير اختياره. وقد جاء في رواية أحمد في فضائل الصحابة (١٧٥٤) أنهم أذابوا قسطاً بزيت فلدوه به. وعند ابن سعد ٢/٢٣٥-٢٣٦ من طريق الواقدي - وهو ضعيف -: قال: فبما لددتموني؟ ، قالوا بالعود الهندي وشيء من ورسٍ، وقطرات زيت، وذلك لأن الصحابة-﵃ ظنوا أن به ذات الجنب، وهو ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن، فلدوه بما يرونه ملائماً لدائه ومرضه، ونهاهم النبي ﷺ عن ذلك؛ لأنه كان غير ملائم لمرضه، ولكنهم لم يستجيبوا، لحملهم نهي الرسول ﷺ لهم على كراهية المريض للدواء، فأقدموا على لده، فعند ذلك أراد النبي ﷺ أن يؤدبهم لتركهم امتثال نهيه ﷺ .
следующие страницы →