Полный текст (10 202 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
هل يقتضي حديث: "سياحة أمتي الجهاد" تحريم السياحة للنزهة ؟!
المجيب سامي بن عبد العزيز الماجد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية
التاريخ ٥/٨/١٤٢٤هـ
السؤال
السلام عليكم.
يدَّعي بعض الناس أن السفر لغرض السياحة محرَّم، وهم يستندون في دعواهم على حديث: "سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله" نرجو التكرم بإيضاح الأمر بالتفصيل على ضوء الحديث أعلاه.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
السياحة المنهي عنها في بعض الأحاديث والآثار، والتي ذمها أهل العلم في القديم ليست بالسياحة التي تعارف الناس عليها اليوم، ولكنها سياحةُ العُبّاد والزهاد، وهي الذهاب في الأرض للتعبد والترهب واعتزال الناس، وقد كانت هذه السياحة مما يتعبد به رهبان النصارى.
وقد عقد أبو داود ﵀ في سننه باباً سماه: بابٌ في النهي عن السياحة (سنن أبي داود/ كتاب الجهاد) وأورد فيه حديث أبي أمامة ﵁ أن رجلاً قال: يا رسول الله! ائذن لي في السياحة. فقال: "إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله". كما أخرجه الحاكم ٢/٨٣ وصححه، والبيهقي ٩/١٦١، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢١٧٢) .
قال ابن تيمية (مجموع الفتاوى (١٠/٦٤٢) : (السياحة في البلاد لغير قصد شرعي، كما يفعله بعض النساك ـ أي ذهابهم في الأرض للتعبد والترهب واعتزال الناس ـ أمرٌ منهي عنه) ، قال الإمام أحمد: (ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا هي من فعل النبيين والصالحين) أهـ.
وقال ابن كثير في تفسيره "عند تفسيره للآية ١١٢ من سورة التوبة": (وليس المراد من السياحة ما قد يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين) أهـ.
ويقابل هذه السياحة المذمومة سياحةٌ شرعية مستحبة، ندب الله إليها بالثناء على أهلها في كتابه، كما في قوله تعالى: "التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ" [التوبة: من الآية١١٢] وفي وقوله: "مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً" [التحريم: من الآية٥] .
وذهب جمهور المفسرين إلى أن المقصود بهذه السياحة هو الصيام، روي ذلك عن ابن عباس وعائشة ﵃ ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح والضحاك وابن عيينة وغيرهم.
وعلى ما تقدم فإن كل سياحة رغب إليها القرآن فهي التقرب إلى الله بالصيام، وكل سياحة ذمّها أهل العلم السابقون فهي سياحةُ العُبّاد والزهاد، وهي الذهاب في الأرض للتعبد والترهب واعتزال الناس.
وأما السياحة بمفهومها المعاصر وعرف الناس اليوم والتي تعني السفر للتنزّه والفرجة والاستمتاع وما إلى ذلك فمصطلح حادثٌ لا يصح أن تُنزّل عليه النصوص التي سيقت فيها السياحة مدحاً أو ذماً.
стр. 527
وظاهرٌ من صورة السياحة بمفهومها المعاصر أنها مندرجة في حكم السفر، فإن كانت السياحة بقصد مباح إلى مكان لا يحرم قصده فهي سياحة مباحة حتى وإن تخللها ارتكابٌ لمعصية، وهذا ما يسمى عند الفقهاء بالمعصية في السفر، وهو أن يكون أصل السفر مباحاً لكن ارتكب المسافر أثناءه معصيةً ما، أما العاصي بسفره فهو الذي أنشأ السفر لقصد محرم؛ كارتكاب فاحشة أو إبرام عقدٍ ربوي مثلاً، وهذا (العاصي بسفره) هو الذي يحرم عليه في قول كثير من أهل العلم أن يترخص بشيء من رخص السفر؛ لأن الرخص ـ عندهم ـ لا تُستباح بالمعصية.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 528
شرح: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة "
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية
التاريخ ٢٦/١٢/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم.
هناك حديث: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة". أريد توضيح الحكم المستفاد من هذا الحديث، وهل هناك أي اختلاف بين العلماء بهذا الشأن؟ جزاكم الله خيرًا.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:
الحديث المشار إليه في السؤال أخرجه مسلم (٧١٠) ، والترمذي (٤٢١) ، والنسائي (٨٦٥) ، من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ ".
والحديث يدل على النهي عن الاشتغال بالنافلة بعد الشروع في إقامة الصلاة، سواء كانت النافلة راتبة الفجر أو غيرها، وقد جاء في رواية: (قِيلَ: يَا رَسُول اللَّهِ، وَلَا رَكْعَتَيْ الْفَجْر؟ قَالَ: "وَلَا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ". أخرجها ابن عدي ٧/٢٤٦ والبيهقي ٢/٤٨٣ وحسّن إسنادها الحافظ في الفتح (٢/١٤٩) .
وقد أنكر النبي ﷺ على من صلى ركعتي الفجر وقد أقيمت الصلاة، ففي الصحيحين: البخاري (٦٦٣) ، ومسلم (٧١١) ، من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ بُحَيْنَةَ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يُصَلِّي، وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَكَلَّمَهُ بِشَيْءٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَحَطْنَا نَقُولُ: مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: قَالَ لِي: "يُوشِكُ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ أَرْبَعًا".
وقال أبو بكر الأثرم: سئل أحمد بن حنبل، وأنا أسمع، عن الرجل يدخل المسجد والإمام في صلاة الصبح ولم يركع الركعتين؟ فقال: يدخل في الصلاة؛ لأن النبي ﷺ قال: "إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ ". واحتج أيضًا بقوله: "أَصَلاتَانِ مَعًا". أخرجه الترمذي (٤٢٢) [التمهيد (٢٢/٧٤) ] .
وقد أشار غير واحد من الأئمة إلى الحكمة من هذا النهي، قال النووي، ﵀: (الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع فيها عقب شروع الإمام، والمحافظة على مكملات الفريضة أولى من التشاغل بالنافلة) .
وقال القاضي عياض، ﵀: (وفيه حكمة أخرى: وهو النهي عن الاختلاف على الأئمة) . شرح النووي على مسلم (٥/ ٢٣٠) .
وأباح بعض العلماء صلاة ركعتي الفجر ولو بعد إقامة الصلاة، منهم من قيد ذلك بألا تفوته الركعة الأولى، ومنهم من قيده بألا تفوته الركعة الثانية، ومنهم من قيده بألا يكون ذلك في المسجد بل يكون خارج المسجد، قال مالك: إذا كان قد دخل المسجد فليدخل مع الإمام ولا يركعهما، وإن كان لم يدخل المسجد فإن لم يخف أن يفوته الإمام بركعة فليركع خارج المسجد، ولا يركعهما في شيء من أفنية المسجد.
وقال الثوري: إن خشي فوت ركعة دخل معهم ولم يصلهما، وإلا صلاهما وإن كان قد دخل المسجد.
стр. 529
وقال الأوزاعي: إذا دخل المسجد يركعهما إلا أن يوقن أنه إن فعل فاتته الركعة الآخرة، فأما الركعة الأولى فيركع وإن فاتته.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن خشي أن تفوته الركعتان ولا يدرك الإمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه، وإن رجا أن يدرك ركعة صلى ركعتي الفجر خارج المسجد ثم يدخل مع الإمام.
وقد استدلوا بدليلين:
١- أن ركعتي الفجر من السنن المؤكدة التي كان النبي ﷺ يواظب عليها. انظر صحيح البخاري (١١٦٣) ومسلم (٧٢٤) .
٢- ما روي عن ابن مسعود، ﵁، أنه جاء والإمام يصلي الفجر، فصلى ركعتين إلى سارية، ولم يكن صلى ركعتي الفجر. أخرجه عبد الرزاق (٤٠٢١) . وما روي عن ابن عمر، ﵄، أنه دخل المسجد والناس في الصلاة، فدخل بيت حفصة، ﵂، فصلى ركعتين، ثم خرج إلى المسجد فصلى. أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٧٥) .
والأولى الأخذ بما دل عليه عموم الحديث أنه إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، والسنة هي الحجة عند التنازع.
وإذا تقرر ما سبق من النهي عن الشروع في النافلة بعد سماع الإقامة، فهل يقطع النافلة من كان داخلاً فيها بعد إقامة الصلاة؟ من العلماء من قال بقطع النافلة عند سماع الإقامة لعموم قوله ﷺ : "إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ ".
قال العراقي: (إن قوله: " فَلَا صَلَاةَ ". يحتمل أن يراد: فلا يشرع حينئذٍ في صلاة عند إقامة الصلاة. ويحتمل أن يراد: فلا يشتغل بصلاة، وإن كان قد شرع فيها قبل الإقامة، بل يقطعها المصلي لإدراك فضيلة التحريم، أو أنها تبطل بنفسها، وإن لم يقطعها المصلي. يحتمل كلا من الأمرين) . [ينظر: نيل الأوطار (٣/٩٧) ] .
وخص بعض العلماء النهي في الحديث عن الشروع في النافلة بعد سماع الإقامة، أما من كان شارعًا فيها قبل الإقامة فلا يشمله النهي، وله أن يتمها بشرط أن لا تفوته الجماعة، وبعضهم لم يشترط ذلك، واستدلوا بعموم قوله تعالى: (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) [محمد: ٣٣] . ويمكن الإجابة عن الآية بأنها عامة والحديث خاص، فيخصص ما تضمنه الحديث من عموم الآية، ثم إن سياق الآية يدل على أن المقصود بالإبطال المعصيةُ من الشرك وغيره الذي يؤدي إلى إبطال العمل.
والذي يظهر - والله أعلم - أن المصلي إذا كان في نافلة وسمع الإقامة فإن أمكنه أن يتمها خفيفة ويدرك أول الصلاة مع الإمام بحيث لا تفوته الركعة الأولى من الصلاة فله ذلك، وإذا قطعها أخذًا بعموم الحديث فلا حرج. والله أعلم. هذا والله الموفق، والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 530
هل في هذا ما يقدح في عدالة الصحابة ؟!
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية
التاريخ ٢٤/٠٢/١٤٢٦هـ
السؤال
السلام عليكم.
أرجو التكرم بشرح الحديث الذي في البخاري عن عائشة ﵂ قالت: لددنا النبي ﷺ في مرضه، فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني، فقلنا: كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: "ألم أنهكم أن تلدوني؟ " قلنا: كراهية المريض للدواء، فقال: "لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا أنظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم". فإن الشيعة يستدلون به على لعن الصحابة-﵃.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله. وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحديث المشار إليه في السؤال أخرجه البخاري (٤٤٥٨) ، ومسلم (٢٢١٣) من حديث عَائِشَةُ ﵂ قالت: لَدَدْنَا النبي ﷺ فِي مَرَضِهِ، فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ لَا تَلُدُّونِي، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: "أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي؟ " قُلْنَا: كَرَاهِيَةَ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: "لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا الْعَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُم"ْ.
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه (٩٧٥٤) وأحمد (٢٧٤٦٩) من حديث أسماء بنت عميس-﵂ قالت: أول ما اشتكى رسول الله ﷺ في بيت ميمونة-﵂-فاشتد مرضه حتى أغمي عليه، قال: فتشاور نساؤه في لده فلدوه، فلما أفاق قال: "هذا فعل نساء جئن من هؤلاء - وأشار إلى أرض الحبشة - وكانت أسماء بنت عميس-﵂ فيهن قالوا: كنا نتهم بك ذات الجنب يا رسول الله، قال: "إن ذلك لداء ما كان الله ليقذفني به لا يبقين في البيت أحد إلا التدَّ إلا عم رسول الله ﷺ يعني عباسا - فلقد التدت ميمونة-﵂ يومئذ وإنها لصائمة لعزيمة رسول الله ﷺ . [صحح إسناده الحافظ في الفتح (٨/١٤٨) ] .
ومعنى الحديث ظاهر وهو أن بعض الصحابة-﵃ ممن كان موجوداً عنده في مرضه أراد أن يداوي النبي ﷺ -عن طريق اللد.
واللد معناه: أن يُجعل في جانب فم المريض دواء بغير اختياره.
وقد جاء في رواية أحمد في فضائل الصحابة (١٧٥٤) أنهم أذابوا قسطاً بزيت فلدوه به.
وعند ابن سعد ٢/٢٣٥-٢٣٦ من طريق الواقدي - وهو ضعيف -: قال: فبما لددتموني؟ ، قالوا بالعود الهندي وشيء من ورسٍ، وقطرات زيت، وذلك لأن الصحابة-﵃ ظنوا أن به ذات الجنب، وهو ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن، فلدوه بما يرونه ملائماً لدائه ومرضه، ونهاهم النبي ﷺ عن ذلك؛ لأنه كان غير ملائم لمرضه، ولكنهم لم يستجيبوا، لحملهم نهي الرسول ﷺ لهم على كراهية المريض للدواء، فأقدموا على لده، فعند ذلك أراد النبي ﷺ أن يؤدبهم لتركهم امتثال نهيه ﷺ .
стр. 531
وأما العباس ﵁ فلم يشهد الموقف بدليل قوله ﷺ في الحديث: "فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ"، فلذلك استثناه النبي ﷺ .
وليس في الحديث غض من قدر الصحابة ﵃ فما فعلوه هو من تمام شفقتهم على النبي ﷺ ، وكمال محبتهم له، حيث رغبوا أن يبذلوا ما يستطيعون من أسباب لكي يستعيد النبي ﷺ عافيته، ولكن اجتهادهم حملهم على تأويل نهي النبي ﷺ عن ذلك، وأنه قال ذلك من باب كراهية المريض للدواء، وأن المريض ولو كره الدواء يلزم به ويحمل عليه، ولما أمرهم النبي ﷺ أن يلد جميع من في البيت، بادروا إلى ذلك فلم يبق أحد في البيت إلا لد.
والصحابة ﵃ هم سادة الأمة فضلاً وعلماً ومنزلة، وكيف يستجيز أحدٌ سبهم والنيل منهم وهم خير القرون وأفضل الأمة بعد نبيها ﵊، وقد قال النبي ﷺ : "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ" أخرجه البخاري (٣٦٧٣) ومسلم (٢٥٤١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
ومن المعلوم أن الصحابة-﵁ كلهم عدول، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد بإجماعهم من الأمة، والطعن في عدالتهم وتنقصهم من سمات أهل الزندقة والضلال، قال أبو زرعة الرازي: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى ذلك كله إلينا الصحابة-﵃، وهؤلاء الزنادقة يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، فالجرح بهم أولى) .
стр. 532
وقال الخطيب: (عدالة الصحابة-﵃ ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن، فمن ذلك قوله تعالى: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ". وقوله: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً". وقوله: "لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً". وقوله تعالى: "وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ"، وقوله تعالى: "وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ". وقوله: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ". وقوله تعالى: "لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" في آيات يكثر إيرادها ويطول تعدادها ... ، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله -تعالى- له إلى تعديل أحدٍ من الخلق له، على أنه لو لم يرد من الله ورسوله- ﷺ فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد، ونصرة الإسلام، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين، القطع على عدالتهم والاعتقاد لنزاهتهم وأنهم أفضل من جميع الخالفين بعدهم، والمعدلين الذين يجيؤن من بعدهم، هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء) [الكفاية في علم الرواية ص: ٤٦-٤٨، والإصابة في تميز الصحابة (١/ ١١) ] .
وقال ابن الصلاح: (للصحابة بأسرهم خصيصة وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه؛ لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة) . هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 533
الحكمة في عدم الاسترقاء
المجيب عبد الرحمن بن ناصر البراك
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية
التاريخ ١٦/١/١٤٢٤هـ
السؤال
لماذا خص النبي ﷺ في السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب "ولا يسترقون" دون سائر أنواع الاستطباب؟
الجواب
الحمد لله، الاسترقاء هو طلب الرقية من الغير، وسؤال الغير فيه ميل إلى المخلوق واحتياج إليه وقد دلت النصوص على أن من كمال التوحيد عدم سؤال الناس، وقد بايع النبي ﷺ جماعة من أصحابه - رضوان الله عليهم - على أمور منها: ألا يسألوا الناس شيئاً حتى كان أحدهم يسقط سوطه فينزل من على دابته فيأخذه ولا يسأل أحداً أن يناوله إياه كما جاء في صحيح مسلم (١٠٤٣) ، وفي ذلك تحقيق استغناء العبد عن المخلوقين، فالاسترقاء تركه أولى، وأما إذا رقى الإنسان نفسه أو رقاه أخوه متبرعاً دون طلب فإنه لا كراهة في ذلك. إنما المكروه أن يطلب الإنسان الرقية من الغير، كما يدل عليه لفظ الاسترقاء، فإن السين والتاء في الفعل تدل على الطلب كالاسترقاء والاستعانة وما أشبه ذلك، فهؤلاء السبعون ألفاً من كمال توحيدهم وكمال استقامتهم تحقيق مقام التوكل على الله وذلك باجتناب كل ما ينافيه أو ينقصه ومن ذلك أنهم يتركون الأسباب المتضمنة لما ينقص كمال التوكل عليه ولهذا قال في وصفهم "لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون" أخرجه البخاري
(٥٧٠٥) ، ومسلم (٢٢٠) ، والله أعلم.
стр. 534
معنى "من خاف أدلج ... "
المجيب د. محمد بن تركي التركي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية
التاريخ ١٧/٩/١٤٢٤هـ
السؤال
ما معنى قوله ﷺ : (من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل) ؟
الجواب
معنى الحديث أن من خاف من عدو ونحوه أدلج، ومعنى أدلج أي سار أول الليل، فإذا سار أول الليل بلغ منزله ومأمنه.
قال المنذري: ومعنى الحديث أن من خاف ألزمه الخوف إلى السلوك إلى الآخرة، والمبادرة بالأعمال الصالحة خوفاً من القواطع والعوائق، وقال الرامهرمزي في أمثال الحديث: ومعناه من خاف النار جد في العمل، ومن جد في العمل وصل إلى الجنة، فجعل خائف النار بمنزلة المسافر الذي يخاف فوت المنزل فيرحل مدلجاً. انتهى.
وللحافظ ابن رجب الحنبلي كتاب جيد في شرح هذا الحديث، أنصح السائل بقراءته واسمه: المحجة في سير الدلجة، والله أعلم.
стр. 535
معنى حديث: "الأئمة من قريش "
المجيب د. عبد الله بن عمر الدميجي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية
التاريخ ٨/٢/١٤٢٥هـ
السؤال
ما هو تفسير قول الرسول ﷺ : "الأئمة من قريش" وشكراً لكم.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه، وبعد:
فهذا الحديث المتفق على صحته من الأحاديث المتواترة فرواه أحمد (١٢٤٨٩ - ١٩٢٧٨) والحاكم في المستدرك (٦٩٦٢) وغيرهما، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه جمع طرقه عن نحو أربعين صحابيًّا ﵃، فتح الباري (٧/٣٢) ، وقد انعقد الإجماع على اشتراط القرشية في الخليفة الذي يختاره أهل الحل والعقد إماماً للمسلمين، حكى هذا الإجماع النووي والقاضي عياض، والماوردي، وغيرهم، ولم يخالف في ذلك إلا ما حكي عن بعض الخوارج، وبعض المتكلمين، وقلة من المعاصرين.
أما تفسيره فهو من ظاهره، وهو أنه يشترط في الخليفة العام للمسلمين أن يكون قرشياً، قال النووي: (هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر على أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة- ﵃ والتابعين، فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة) أ. هـ، شرح مسلم (١٢/٢٠٠) ، وقد اشترط ذلك الأئمة الأربعة، وقال به الإمام أبو حنيفة في رواية زرقان عنه (أصول الدين ص٢٧٥) ، وقال الإمام مالك: ولا يكون الإمام إلا قرشياً وغيره لا حكم له إلا أن يدعو إلى الإمام القرشي) ، أحكام القرآن لابن العربي (٤/١٧٢١) ، ونص على ذلك الشافعي في الأم (١/١٤٣) ، وقال الإمام أحمد في رواية الاصطخري: الخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان ليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها، ولا يخرج عليهم، ولا يُقر لغيرهم بها إلى قيام الساعة) طبقات الحنابلة (١/٢٦) .
لكن هذا الشرط لا يشترط في ولاية الأقاليم، ولا يشترط إلا عند الاختيار من أهل الحل والعقد، أما الإمام المتغلب الذي غلب على الحكم بالقوة فلا يشترط فيه القرشية؛ بدليل قول النبي ﷺ : "اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة" رواه البخاري (٦٩٣) من حديث أنس ﵁، فالحديث أوجب الطاعة لكل إمام، وإن كان عبداً حبشيًّا. والله أعلم.
стр. 536
إن يك في أمتي محدثون فإنه عمر
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية
التاريخ ١/٩/١٤٢٤هـ
السؤال
ما معنى حديث (إن يكن منكم محدثون ... فإنه عمر) ؟ وهل من الممكن أن يعلم أحد من الناس الغيب المستقبل (غير نبي) ؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد:
هذا الحديث أخرجه البخاري ح (٣٦٨٩) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون،
فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر " وأخرجه مسلم ح (٢٣٩٨) من حديث عائشة ﵂. المحدثون - بفتح الدال -: جمع محدث، وهو الملهم، بهذا فسره ابن وهب كما في صحيح مسلم، وفي مسند الحميدي - عقب حديث عائشة ﵂: المحدث الملهم بالصواب الذي يلقى على فيه. والمعنى: أنهم يلقى في قلوبهم الصواب والحق فيجري على ألسنتهم، ويخبرون بالشيء فيقع كما أخبروا.... وفسره بعض العلماء بأن معناه أنهم مصيبون فيما يظنون من نوع الفراسة والتوسم ... وخص عمر ﵁ بهذا لكثرة ما وقع له في زمن النبي ﷺ من الموافقات التي نزل القرآن مطابقاً لها، ووقع له بعد النبي ﷺ أشياء عديدة حدث بها فأصاب كما في قصة: الجبل يا سارية. .وقد بين النبي ﷺ في هذا الحديث وجود المحدثين في الأمم السابقة، وعلق وجودهم في هذه الأمة بـ " إن " الشرطية، مع أنها أفضل الأمم وأكرمها عند الله، - هذا والله أعلم - لاحتياج الأمم قبلنا إليهم في إصابة الحق حيث لا يكون حينئذ فيهم نبي، واستغناء هذه الأمة بالقرآن والسنة، لهذا لا يؤخذ بقول أحد محدث ولا ملهم حتى يعرض على الكتاب والسنة. وأما السؤال عن الغيب المستقبل، وهل يعلمه غير نبي؟ فيجاب بأن الغيب الحقيقي، وهو ما لا يمكن أن تدركه الحواس والعقول، فهذا على مرتبتين:
١- المرتبة الأولى: ما استأثر الله بعلمه، فهذا لا يطلع عليه أحد لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، كعلم الساعة وسائر الأمور الخمسة التي هي مفاتح الغيب، قال سبحانه: " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو......." [الأنعام: ٥٩]
стр. 537
٢- ما لم يرد فيه نص صريح أن الله سبحانه قد كتمه عن الخلق جميعا، فله سبحانه أن يطلع من يشاء من رسله على ما شاء منه، قال سبحانه: " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا " سورة [الجن: ٢٦- ٢٧] ، وقال سبحانه: " وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء..... " [آل عمران: ١٧٩] ، فالرسل عليهم الصلاة والسلام لا يعلمون شيئا من الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه.... قالت عائشة ﵂: " من زعم أن رسول الله ﷺ يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول " قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله " [النمل: ٦٥] أخرجه مسلم (١٧٧) .ولهذا نعرف ضلال من يدعي شيئا من علم الغيب الذي استأثر به الله، أو لم يمكن الخلق من أسباب معرفته مثل ما يدعيه المنجمون والكهنة وغيرهم من علم الغيب.
стр. 538
معنى "يقادون إلى الجنة في السلاسل "
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية
التاريخ ٢/٩/١٤٢٤هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قال الرسول ﷺ : "عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل" رواه البخاري وأحمد وأبو داود، ما معنى الحديث، مع ذكر أمثلة للتوضيح؟ والسلام.
الجواب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد:
الحديث أخرجه البخاري ح (٣٠١٠) بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: " عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل " وأخرجه ح (٤٥٥٧) بلفظ: " كنتم خير أمة أخرجت للناس "، قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام". ومعنى الحديث أن الأسارى الذين يؤتى بهم إلى بلاد الإسلام وهم مقيدون بالسلاسل يمن الله عليهم بالإسلام فيدخلون الجنة ... ويكون دخولهم في الإسلام عن طواعية واختيار بعد ما يعلمون أنه الحق، فما حصل لهم من الأسر والتقييد سببا لما تحقق لهم من الخير. وذكر بعض العلماء: أن ذكر السلاسل ليس مقصوداً وإنما المراد أنهم يقادون إلى ديار الإسلام مكرهين فيدخلون في الإسلام، وقد حصل في غزوات النبي ﷺ والفتوحات الإسلامية أن المسلمين يأتون بالسبايا من المشركين من غير أن يكونوا مسلسلين أو مقيدين، فإذا عرفوا الإسلام وسمعوا القرآن أسلموا ... ويمكن أن يقال إن النبي ﷺ ذكر في هذا الحديث طائفة من الأسارى يؤتى بهم على الصفة المذكورة، وهذا دليل على شدة نفورهم وكراهيتهم للمسلمين ومع هذا فيدخلون في الإسلام حينما يعلمون أنه الحق ويخالط الإيمان بشاشة قلوبهم. ويؤخذ من الحديث أن الله إذا أراد بالعبد خيراً هيأ له الأسباب التي توصله إليه وتدله عليه وإن كان كارهاً لهذه الأسباب، فربما أراد شخص - على سبيل المثال - أن ينتقل من بلد إلى بلد وهو كاره فيجد في البلد الذي انتقل إليه رفقة طيبة من أهل الخير والصلاح فينتفع بصحبتهم وتتغير حاله إلى الأفضل والأحسن، وربما تزوج شخص امرأة ولم يحبها ولكنه أمسكها ولم يطلقها فحصل له منها ذرية طيبة صالحة، ولهذا قال الله :" فإن كرهتهموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً " سورة النساء آية ١٩
стр. 539
مفهوم الولد في حديث "إذا مات ابن آدم انقطع عمله ...."
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية
التاريخ ١٧/٠٨/١٤٢٦هـ
السؤال
قال رسول الله ﷺ "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث. منها ولد صالح يدعو له".
السؤال المطروح: هل الولد المقصود في الحديث الشريف هو الولد من الصلب أم الولد بشكل عام؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:
فمعنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته، وينقطع تجدد الثواب له إلا بهذه الأشياء الثلاثة؛ لكونه كان سببها، فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف، وعلى هذا فالولد الصالح في الحديث هو ولد الإنسان من صلبه، ولكن إذا صدر الدعاء من المسلم لأخيه المسلم أو لمن له فضل عليه في تربية أو تعليم أو إحسان، فإن الدعاء ينتفع به الميت، ولهذا أثنى الله على المؤمنين الذين يأتون بعد إخوانهم ويدعون لهم: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [الحشر: ١٠] ، وفي دعاء التشهد: "السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُه، ُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ" البخاري (٥٨٧٦) .
وأخرج مسلم (٢٧٣٢) من حديث أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ".
وشُرع دعاء المسلم للأموات من المسلمين إذا مر بالمقبرة، ففي حديث بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ، فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَلَاحِقُونَ أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ " أخرجه مسلم (٩٧٥) .
وكذلك الدعاء للميت عند الصلاة عليه، ففي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ" أخرجه أبو داود (٢٧٨٤) .
стр. 540
وفي حديث عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قال: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَنَقِّهِ مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ أَوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، قَالَ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ". أخرجه مسلم (٩٦٣) .
وهذا كله يدل على انتفاع المسلم بدعاء أخيه المسلم، وأن ثواب الدعاء والصدقة يصل إلى الأموات، والله أعلم.
стр. 541
شرح حديث "اللهم لك الحمد أنت نور السماوات ... "
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية
التاريخ ٠٦/٠٦/١٤٢٦هـ
السؤال
كان النبي ﷺ يدعو في الليل: "اللهم لك الحمد أنت رب السموات والأرض، لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، لك الحمد أنت نور السموات ... أنت إلهي لا إله غيرك" أرجو شرح الحديث.
الجواب
السلام عليكم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:
الحديث المشار إليه في السؤال أخرجه البخاري (١١٢٠) ، ومسلم (٧٦٩) من حديث ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: " اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ. اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْت، ُ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ لَا إِلَهَ غَيْرُكَ".
شرح الحديث:
قول ابن عباس ﵄: "إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ": أي إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل، وظاهر السياق أنه كان يقوله أول ما يقوم إلى الصلاة.
قوله ﷺ : "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ": معنى الحمد: الثناء على الله ﵎ لما اتصف به من صفات الكمال والجلال والجمال، ولنعمه وآلائه على عباده، فهو المستحق للحمد دون سواه و "ال" في الحمد للاستغراق، أي جميع أصناف الحمد له .
قوله ﷺ : "قَيِّمُ السَّمَوَاتِ": من صفاته سبحانه القيام والقيِّم والقيُّوم، ومعنى ذلك أن الله هو القائم بنفسه الدائم الذي لا يزول، وهو قيمٌ لأهل السموات والأرض، القائم بتدبيرهم وأرزاقهم وتصريف أحوالهم، المطلع على أعمالهم، وسوف يجازيهم ويحاسبهم، قال تعالى: (أفمن هو قائمٌ على كل نفسٍ بما كسبت) [آل عمران:٣٩] .
стр. 542
قوله ﷺ : "أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ": من صفات الله ﵎ النور، ومنه اشتق اسم النور الذي هو أحد الأسماء الحسنى، وقد أضاف الله النور إلى نفسه إضافة الصفة إلى موصوفها في قوله تعالى: (وأشرقت الأرض بنور ربها) [الزمر:٦٩] ، ومن معاني قوله: "أنت نور السموات والأرض" أنه هادي أهل السموات والأرض، وأنه منور السموات والأرض وخالق نورهما.
قوله ﷺ : "أَنْتَ الْحَقُّ": من أسمائه ﵎: الحق، فهو الحق المبين في ذاته وصفاته لا شك ولا ريب في وجوده، فهو واجب الوجود الذي لا تنبغي الألوهية والربوبية إلا له لا شريك له، وما سواه من الآلهة والمعبودات باطل زائل.
قوله ﷺ : "وَوَعْدُكَ الْحَقُّ": أي وعدك ثابت لا يتخلف، وعرفه ونكر ما بعده لأن وعده مختص بالإنجاز دون وعد غيره والتنكير في البواقي (لقاء - قول) للتعظيم، واللقاء وما ذكر بعده داخل تحت الوعد، لكن الوعد مصدر وما ذكر بعده هو الموعود به، ويحتمل أن يكون من الخاص بعد العام، كما أن ذكر القول بعد الوعد من العام بعد الخاص.
قوله ﷺ : "وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ": فيه الإقرار بالبعث بعد الموت، وهو عبارة عن مآل الخلق في الدار الآخرة بالنسبة إلى الجزاء على الأعمال.
قوله ﷺ : "وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ": فيه إشارة إلى أنهما موجودتان.
قوله ﷺ : "وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ": خصه بالذكر تعظيماً له.
قوله ﷺ : "وَالسَّاعَةُ حَقٌّ": أي يوم القيامة وأصل الساعة القطعة من الزمان، وإطلاق اسم الحق على ما ذكر من الأمور معناه أنه لا بد من كونها، وأنها مما يجب أن يصدق به، وتكرار لفظ حق للمبالغة في التأكيد.
قوله ﷺ : "اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ": أي انقدت وخضعت، "وَبِكَ آمَنْتُ": أي صدقت، "وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْت"ُ: أي فوضت الأمر إليك، "وَإِلَيْكَ أَنَبْت":ُ أي رجعت إليك في تدبير أمري، "وَبِكَ خَاصَمْتُ": أي بما أعطيتني من البرهان وبما لقنتني من الحجة، "وَإِلَيْكَ حَاكَمْت"ُ: أي كل من جحد الحق حاكمته إليك، وجعلتك الحكم بيننا لا من كانت الجاهلية تتحاكم إليه من كاهن ونحوه.
قوله ﷺ : "فَاغْفِرْ لِي": قال ذلك مع كونه مغفوراً له إما على سبيل التواضع والهضم لنفسه وإجلالاً وتعظيماً لربه، أو على سبيل التعليم لأمته لتقتدي به، والأولى أنه لمجموع ذلك.
قوله ﷺ : "مَا قَدَّمْتُ": أي قبل هذا الوقت، "وَمَا أَخَّرْتُ": عنه، "وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْت":ُ أي أخفيت وأظهرت، أو ما حدثت به نفسي وما تحرك به لساني.
قوله ﷺ : "أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ": أي أن الله يقدِّم من شاء من عباده بتوفيقه، ويؤخر من شاء بخذلانه، وينزل الأشياء منازلها، يقدم من شاء من مخلوقاته ويؤخر.
стр. 543
وهذا حديث عظيم من جوامع كلمه ﵊، تضمن حمد الله والثناء عليه بأسمائه وصفاته الحسنى الدالة على عظمته وجلاله وكماله وإحاطته بخلقه، وفي هذا الدعاء إظهار العبودية لله، والتأله وتفويض الأمور إليه، والإقرار بذكر الإيمان بالأمور الغيبية التي هي أصول الإيمان وأركانه مثل الإيمان بالله والنبيين واليوم الآخر والجنة والنار، وتقديم الثناء على الله قبل طلب المغفرة.
فحري بالمسلم أن يتضرع إلى الله بهذا الدعاء الكريم اقتداء بالنبي ﷺ . هذا والله أعلم.
стр. 544
هل في حديث "ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء" استهانة بهن ؟!
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية
التاريخ ٢١/١٠/١٤٢٤هـ
السؤال
أرجو من حضرتكم إيضاح وتفسير المعنى في حديث النبي ﷺ :"ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء" وأرجو أن يكون ذلك بإسهاب؛ لما قد يبدو من ظاهر الحديث من أنه استهانة بحق النساء وتقليل من شأنهن ... وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وبعد:
الحديث المذكور في السؤال أخرجه البخاري ح (٥٠٩٦) من حديث أُسَامَةَ بْن زَيْدٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:"مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ
مِنْ النِّسَاءِ" وأخرجه مسلم ح (٢٧٤٢) من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ
النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:"إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ" ومعنى الحديث التحذير من الفتنة بالنساء، وذلك أن الله ركب في طبيعة الرجل الميل إلى المرأة ومحبتها، كما قال سبحانه:"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ......" [آل عمران: الآية١٤]
стр. 545
فإذا كان هذا فيما أباحه الله من الزواج فهو مطلوب، وقد امتن الله به على عباده، قال سبحانه:" وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ... " [النحل: الآية٧٢] ، وقال سبحانه:"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً...." [الروم: الآية٢١] ، ورغب النبي ﷺ في الزواج وحث عليه، لما يحصل فيه من غض البصر وتحصين الفرج وبقاء النسل، ففي الصحيحين البخاري (٥٠٦٥) ومسلم (١٤٠٠) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :"يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ"، وفي مسلم (١٤٠٣) من حديث جابر ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:"إِذَا أَحَدُكُمْ أَعْجَبَتْهُ الْمَرْأَةُ فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ فَلْيَعْمِدْ إِلَى امْرَأَتِهِ فَلْيُوَاقِعْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ"، وأما إذا كان الميل والمحبة وقضاء الشهوة عن الطرق المحرمة فالمرأة تكون فتنة للرجل حيث أوقعته فيما حرم الله، ولهذا قال سبحانه:"وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ... " [النساء: الآية٢٤] ، وقال سبحانه:"الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُم وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ...." [المائدة:٥] ، وقد تكون الزوجة فتنة لزوجها إذا صرفته عن طاعة الله، أو أمرته بمعصية الله ، مثل أن تحمله على قطيعة أرحامه، أو تحمله على التساهل في ترك أوامر الله مثل الصلاة أو الزكاة أو الجهاد ونحو ذلك، ولهذا قال :"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ... " [التغابن: الآية١٤] .
стр. 546
وحث النبي ﷺ على اختيار الزوجة الصالحة التي تعين زوجها على الاستقامة والخير وتحفظه في نفسها وماله، ففي الصحيحين البخاري (٥٠٩٠) ومسلم (١٤٦٦) من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:" تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ"، وفي صحيح مسلم (١٤٦٧) من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:"الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ"، ونهى الله المرأة عن التبرج وإظهار الزينة لغير محارمها؛ حتى لا تكون فتنة للرجل، وأمرها بالعفاف والحشمة وغض البصر.
قال تعالى:"وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" [النور:٣١] ، وقال تعالى:"وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ...." [الأحزاب: الآية٣٣] والمرأة حينما تخالف ما شرع الله ، وتنحرف عن الصراط المستقيم تكون فتنة للرجال، وقد وقع ما حذر الرسول ﷺ منه من فتنة الرجال بالنساء، وهي من أعظم الفتن التي تفاقم خطرها، وعظم خطبها، ولعل من المناسب أن أذكر بعض مظاهر الفتنة بالمرأة في زماننا الحاضر:
١) سفور النساء وتبرجهن في كثير من المجتمعات الإسلامية، مما ترتب عليه إطلاق النظر إليهن وإثارة الغرائز وثوران الشهوة والوقوع فيما حرم الله والافتتان بهن. وكما قيل:
نظرةٌ، فابتسامةٌ، فسلامُ فكلامٌ، فموعدٌ فلقاءُ
٢) تفننت وسائل الإعلام بأنواعها من تلفاز وفضائيات وفيديو ومجلات وكتب في عرض صور النساء الخليعة وشبه العارية مما لم يوجد في عصر مضى، وأصبحت الفتنة بهن عظيمة، حيث تعلق كثير من الرجال بصورهن وافتتنوا بهن.
٣) كثر الاختلاط بين الجنسين في كثير من مجالات الأعمال، مما أدى إلى حصول الفتنة بالنساء التي حذَّر منها النبي ﷺ .
стр. 547
والحاصل أن الحديث لا يفهم من ظاهره الاستهانة بحق المرأة، وحاشا كلام النبي ﷺ أن يشتمل على مثل هذا، كيف والإسلام رفع شأن المرأة وأعلى مكانها، فهي الأم والبنت والأخت والزوجة، والنساء شقائق الرجال كما أخبر النبي ﷺ فيما أخرجه أبو داود والترمذي، ولكن الحديث حذَّر الرجال أن يحملهم ما يجدونه من المحبة والميل إلى المرأة في الوقوع فيما حرم الله، وهو متضمن تحذير المرأة من إظهار زينتها للرجال الأجانب فتكون سبباً في فتنتهم.
وقد سمى الله سبحانه الأولاد والأموال فتنة، لأن هذه الأشياء محبوبة للنفس، فإذا أدت إلى الوقوع فيما حرم الله أو ترك ما أوجب الله تكون فتنة، قال :"إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ... " [التغابن: الآية١٥] ، وقال سبحانه:"قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" [التوبة:٢٤] ، هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 548
حديث الأخفياء الأتقياء
المجيب سليمان بن عبد الله القصير
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية
التاريخ ٤/١/١٤٢٥هـ
السؤال
أريد شرحاً وافياً لهذا الحديث وما درجته:
"إن الله يحب الأخفياء الأحفياء الأتقياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل فتنة عمياء مظلمة".
الجواب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الحديث المسؤول عنه وهو حديث: "إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا ... إلخ.." قد أخرجه ابن ماجة في سننه برقم: (٣٩٨٩) ولفظه: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه خرج يوماً إلى مسجد رسول الله ﷺ فوجد معاذ بن جبل ﵁ قاعداً عند قبر النبي ﷺ يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال: يبكيني شيءٌ سمعته من رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن يسير الرياء شركٌ، وإن من عادى لله ولياً، فقد بارز الله بالمحاربة، إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يدعوا ولم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل غبراء مظلمة".
وهذا الحديث إسناده ضعيف؛ لأن فيه: عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف، ومعنى قوله: "الأخفياء" جمع خفي، وهو المعتزل عن الناس الذي يخفى عليهم مكانه، ولا يعرف من بينهم.
وقوله: "لم يفتقدوا" أي: ما يلتفت أحد إلى معرفة حالهم ومكانهم، ولا ينظر أحد إلى أنهم أحياء أو أموات.
وقوله: "لم يدعوا" أي: إلى المجالس والأمور المهمة لقلة شأنهم وعدم اكتراث الناس بهم وبرأيهم.
وقوله: "غبراء" أي: مشكلة وبليِّة شديدة.
وقد جاء في معنى هذا الحديث الضعيف حديث آخر صحيح وهو ما روى مسلم في صحيحه برقم: (٢٩٦٥) ، عن عامر بن سعد ﵁ قال: كان سعد بن أبي وقاص- ﵁ في إبله، فجاءه ابنه عمر، فلما رآه سعد ﵁، قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فنزل، فقال له: أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم؟ فضرب سعد في صدره، فقال: اسكت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي".
ومعنى قوله: "الخفي" قال النووي: "أي: الخامل المنقطع إلى العبادة والاشتغال بأمور نفسه" وفي هذا الحديث حجة لمن يقول: اعتزال الناس أفضل من الاختلاط بهم، وفي المسألة خلاف سبق بيانه، ومن قال بتفضيل الاختلاط قد يتأول هذا الحديث على الاعتزال وقت الفتنة ونحوها.
وقوله ﷺ في الحديث: "الغني" قال النووي: (المراد بالغنى غنى النفس، هذا هو الغنى المحبوب) ، لقوله ﷺ : "ولكن الغنى غنى النفس" رواه البخاري (٦٤٤٦) ومسلم (١٠٥١) من حديث أبي هريرة ﵁، وذهب القاضي عياض إلى أن المراد الغنى بالمال، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 549
معنى "فليستنثر ثلاثاً فإن الشيطان يبيت على خيشومه "
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية
التاريخ ٢٨/١٠/١٤٢٦هـ
السؤال
ما معنى الحديث التالي: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاثاً فإن الشيطان يبيت على خيشومه"؟ ولماذا ينام الشيطان على خيشومه؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:
فالحديث المشار إليه في السؤال أخرجه البخاري (٣٢٩٥) ، ومسلم (٢٣٨) من حديث أبي هريرة ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أُرَاهُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ". الخيشوم: بفتح الخاء المعجمة وبسكون الياء التحتانية وضم المعجمة وسكون الواو هو الأنف.
وقوله: فإن الشيطان يبيت على خيشومه: يحتمل أحد أمرين:
١- أن يكون هذا على ظاهره، وأن الشيطان يبيت في هذا المكان، ويختار الشيطان هذا المكان لأن الخيشوم محل الأذى والقذارة، قال ابن القيم ﵀: "وفي مبيت الشيطان على الخيشوم سر يعرفه من عرف أحكام الأرواح، واقتران الشياطين بالمحال التي تلابسها، فإن الشيطان خبيث يناسبه الخبائث، فإذا نام العبد لم ير في ظاهر جسده أوسخ من خيشومه فيستوطنه في المبيت" [ينظر حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (١/٨٥) ] .
٢- ويحتمل أن يكون المعنى أن ما يكون في الأنف من الأذى والقذارة يوافق الشيطان، لأن الشياطين خبيثة، وتكون في الأماكن الخبيثة، فيشرع للنائم إذا استيقظ أن ينظف أنفه بالاستنثار، وهو جذب الماء إلى الأنف ثم إخراجه، قال القاضي عياض: "يحتمل أن يكون ذلك على حقيقته، وأن يكون على الاستعارة، فإن ما ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم قذارة توافق الشيطان" ينظر: شرح النووي على مسلم (٣/١٢٧) .
وظاهر الحديث أن هذا يتناول كل نائم، ويحتمل أن يكون مخصوصاً بمن لم يحصن نفسه بشيء من الذكر عند النوم، مثل قراءة آية الكرسي.
قال الحافظ ابن حجر: "ظاهر الحديث أن هذا يقع لكل نائم، ويحتمل أن يكون مخصوصاً بمن لم يحترس من الشيطان بشيء من الذكر لحديث أبي هريرة، فإن فيه: "فكانت له حرزاً من الشيطان" وكذلك آية الكرسي، وقد تقدم فيه: "ولا يقربك شيطان"، ويحتمل أن يكون المراد بنفي القرب هنا أنه لا يقرب من المكان الذي يوسوس فيه وهو القلب، فيكون مبيته على الأنف ليتوصل منه إلى القلب إذا استيقظ، فمن استنثر منعه من التوصل إلى ما يقصد من الوسوسة فحينئذ فالحديث متناول لكل مستيقظ" فتح الباري (٦/٣٤٣) ، والله أعلم.
стр. 550
أفضل دينار ينفقه الرجل
المجيب عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية
التاريخ ٣٠/١/١٤٢٥هـ
السؤال
جاء في الحديث: "أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله"، قال أبو قلابة: وبدأ بالعيال، ثم قال أبو قلابة: وأي رجل أعظم أجراً من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم، أو ينفعهم الله به ويغنيهم، صحيح مسلم (٩٩٤) .
وفي حديث آخر: "أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على فرس في سبيل الله، ودينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله".
السؤال: هل الحديث يفيد التساوي في الأجر للثلاثة الأصناف، أم يفيد الأفضلية؟ أي: الأول الإنفاق على العيال، والثاني على الفرس، والثالث الإنفاق في سبيل الله. أفيدونا -جزاكم الله كل خير-.
الجواب
جاء جواب هذا الإشكال في حديث آخر رواه مسلم أيضاً في صحيحه (٩٩٥) من طريق مجاهد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك".
فهذا الحديث صريح الدلالة في أن الإنفاق على الأهل هو أفضل هذه الأنواع، وأعظمها أجراً، بل إن الإنفاق على الأهل واجب، قال الطبري: (الإنفاق على الأهل واجب، والذي يعطيه يؤجر على ذلك بحسب قصده، ولا منافاة بين كونها واجبة، وبين تسميتها صدقة، بل هي أفضل من صدقة التطوع) ، وقال المهلب: "النفقة على الأهل واجبة بالإجماع". وقال البخاري ﵀ (باب وجوب النفقة على الأهل والعيال) ، وذكر تحته حديث رقم (٥٣٥٥) عن أبي هريرة ﵁: إن النبي ﷺ قال: "أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول ... " الحديث، والأحاديث الواردة في فضل الإنفاق على الأهل والعيال كثيرة، منها ما رواه البخاري (٢٧٤٢) ومسلم (١٦٢٨) من طريق عامر بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة، حتى اللقمة ترفعها إلى فيّ امرأتك ... " الحديث. ومنها ما رواه البخاري (٥٣٥١) من طريق عبد الله بن زيد عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا أنفق المسلم نفقة على أهله - وهو يحتسبها - كانت له صدقة".
أما الديناران الآخران المذكوران في الحديث الوراد في السؤال "دينار ينفقه على فرس في سبيل الله، ودينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله ... " الحديث رواه مسلم (٩٩٤) من حديث توبان ﵁ فالتفضيل بينهما راجع إلى مقدار منفعتهما في الجهاد في سبيل الله، فأيهما كان أعظم نفعاً فهو أعظم أجراً. والله أعلم.
стр. 551
حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة
المجيب د. رشيد بن حسن الألمعي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية
التاريخ ٢٧/١١/١٤٢٤هـ
السؤال
أرجو التكرم بشرح الأحاديث التي تتكلم عن تفرق المسلمين إلى ٧٣ فرقة جميعها في النار ما عدا واحدة، فمن هي تلك الفرقة؟ وهل ينطبق الحديث فقط على تلك الفرق الخارجة من ملة الإسلام مثل: الأحمدية والبهائية والعلوية؟ (هذا ما نصت عليه إحدى المجلات) ، وما معنى كلمة: (فرقة) المذكورة في الحديث. وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإنه يصعب الشرح مفصلاً لأحاديث افتراق الأمة في مثل هذا الجواب، غير أني سأبين لك ما يتسع المقام لبيانه، وأحيلك على ما تجده في ثنايا هذا الجواب من المراجع، فأقول ومن الله أستمد العون والتوفيق:
أخبر النبي ﷺ عن وقوع الافتراق والأهواء في هذه الأمة وحذر منه، ومن ذلك ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "تفترق اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة"، رواه أبو داود (٤٥٩٦) وابن ماجة (٣٩٩١) والترمذي (٢٦٤٠) وقال: حديث حسن صحيح.
وقد اختلف أهل العلم قديماً وحديثاً في الفرق الثنتين والسبعين الهالكة من هي، ومن يدخل فيها من الفرق التي ظهرت، ومن يخرج، وهل يمكن تعيينها نوعاً وعدداً وإحصاؤها على سبيل الحصر والتحديد.
أما الفرقة الناجية فليست موضع خلاف بين أهل العلم - ولله الحمد -، فقد جاء تعيينها بالوصف حيث وصفها الرسول ﷺ بأنها من كان على ما عليه الرسول ﷺ وأصحابه ﵃.
وقد اجتهد بعض أهل العلم في تعيين أصول الفرق الهالكة وتقسيم عددها على أصول الفرق الكبرى في زمانهم، قال ابن تيمية ﵀: ولهذا قال عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وغيرهما، أصول البدع أربعة: الشيعة، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، قالوا: والجهمية ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة، انظر مجموع الفتاوى (١٧/٤٤٧) .
كما حاول بعضهم تسمية الثنتين وسبعين فرقة وتحديدها كما فعل ذلك البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق، والشهرستاني في كتابه الملل والنحل، والسكسكي في كتابه البرهان، والملطي في كتابه التنبيه والرد، وابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس وغيرهم.
ويمكن القول بأن الفرقة يصدق عليها وصف المفارقة لأهل السنة والجماعة في حالتين:
إحداهما: فيما إذا خالفت أهل السنة والجماعة في أصل كلي أو قاعدة كلية من قواعد الشرع.
ثانيتهما: فيما إذا خالفت في فروع كثيرة وجزئيات كثيرة مخرجة عن سمة أهل السنة وهديهم كبدع الشعائر والعبادات، إذا كثرت، وانظر في ذلك الاعتصام للشاطبي ج (٢/٢٠٠-٢٠١) ، وانظر مقدمات في الأهواء والافتراق والبدع للدكتور ناصر العقل ص٣٤-٣٥.
стр. 552
على أنه ينبغي أن يعلم أن الفرق الثنتين والسبعين الهالكة كلهم من أهل الوعيد المستحقين دخول النار بنص الحديث، لكن لا يلزم من ذلك أن يكونوا كلهم كفاراً، كما أنهم ليسوا كلهم خارجين عن الملة، قال ابن تيمية ﵀: (ومن قال إن الثنتين وسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفراً ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين- بل وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة، فليس فيهم من كفر كل واحد من الثنتين وسبعين فرقة، وإنما يكفر بعضَهم بعضاً ببعض المقالات) ، انظر مجموع الفتاوى (٧/٢١٧-٢١٨) .
وقال أيضاً: وأما من يقول ببعض التجهم كالمعتزلة ونحوهم الذين يدينون بدين الإسلام باطناً وظاهراً فهؤلاء من أمة محمد ﷺ بلا ريب، وكذلك من هو خير منهم كالكلابية والكرامية، وكذلك الشيعة المفضلين لعلي ﵁ ومن كان منهم يقول بالنص والعصمة مع اعتقاده بنبوة محمد ﷺ -باطناً وظاهراً، وظنه أن ما هو عليه هو دين الإسلام فهؤلاء أهل ضلال وجهل، ليسوا خارجين عن أمة محمد ﷺ بل هم من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، انظر مجموع الفتاوى (١٧/٤٤٨) ، فليتنبه الفطن اللبيب إلى ضرورة معرفة الضوابط التي يحكم بها على المعين ببدعة أو فسق. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 553
حديث: "ستكون أمراء ... " وحكام اليوم
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية
التاريخ ٤/١٢/١٤٢٤هـ
السؤال
ما معنى حديث النبي ﷺ : "ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا"، وهل ينبطق على حكامنا اليوم؟.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وبعد:
стр. 554
الحديث المذكور أخرجه مسلم (١٨٥٤) من حديث أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -َ قَالَ: "سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: لَا مَا صَلَّوْا". وقوله في الحديث: "سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُون"َ أي: يعمل الأمراء أعمالاً منها ما تعرفون كونه معروفاً، ومنها ما تعرفون كونه منكراً..... أي: أن أفعالهم منها ما يكون حسناً موافقاً للشريعة، ومنها ما يكون قبيحاً مخالفاً للشريعة..وقوله: "فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ"، والرواية الأخرى في مسلم أيضاً: "فمن كره فقد برئ". ومعناه: فمن كره ذلك المنكر فقد برئ من إثمه وعقوبته، وهذا في حق من لا يستطيع إنكاره بيده ولا لسانه، فيكره بقلبه.. وقوله: "وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِم"َ. أي: من أنكر باللسان تلك الأفعال القبيحة إذا استطاع ذلك فقد سلم من الهلاك.. ويحتمل أن يكون الإنكار أيضاً بالقلب، ويكون المعنى: اعتقد الإنكار بقلبه، وقد جاء في رواية في صحيح مسلم: "أي: من كره بقلبه وأنكر بقلبه"، قال القرطبي: أي اعتقد الإنكار بقلبه، وجزم عليه بحيث لو تمكن من إظهار الإنكار لأنكره. ومَن كان كذلك فقد سلم من مُؤاخذة الله -تعالى- على الإقرار على المنكر. وهذه المرتبة هي رتبةُ مَن لم يقدر على تغيير المنكر لا باللسان، ولا باليد، وهي التي قال فيها ﷺ : "وذلك أضعف الإيمان" أخرجه مسلم (٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وفي الحديث الآخر: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" رواه مسلم (٥٠) من حديث أبي مسعود ﵁، وقوله: "وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ....." أي: من رضي المنكر، وتابع عليه فعليه الإثم والعقوبة والمؤاخذة. قال النووي: وفيه دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَة الْمُنْكَر لَا يَأْثَم بِمُجَرَّدِ السُّكُوت. بَلْ إِنَّمَا يَأْثَم بِالرِّضَا بِهِ، أَوْ بِأَلَّا يَكْرَههُ بِقَلْبِهِ أَوْ بِالْمُتَابَعَةِ عَلَيْهِ. وقوله في الحديث: "أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: لَا مَا صَلَّوْا.." أي: ما أقاموا الصلاة في الناس، وفي حديث عوف بن مالك ﵁ كما سيأتي: "لا ما أقاموا فيكم الصلاة" رواه مسلم (١٨٥٥) قال النووي: "لا يجوز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم أو الفسق، ما لم يغيروا شَيئاً من قواعد الإسلام." وقال شيخ الإسلام: "هذا يبين أن الأئمة هم الأمراء ولاة الأمور، وأنه يُكره ويُنكر ما يأتونه من معصية الله، ولا تنزع اليد من طاعتهم، بل يطاعون في طاعة الله، وأن منهم خياراً وشراراً".
وقد دلت أحاديث أخرى على ما دل عليه حديث أم سلمة ﵂ من ترك الخروج على أئمة الجور
стр. 555
ما لم يوجد منهم كفر بواح، والسمع والطاعة ما لم يأمروا بمعصية. - ففي صحيح مسلم (١٨٥٥) من حديث عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ:" لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ، فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ " وفي الصحيحين البخاري
стр. 556
(٧١٩٩) ، ومسلم (١٨٤٢) من حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -َ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ" زاد في رواية عندهما بعد قوله: "وألا ننازع الأمر أهله" قال: " إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان "وفي الصحيحين البخاري (٣٤٥٥) ، ومسلم (١٨٤٢) من حديث أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ تَكْثُرُ قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُم، ْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ" وفي الصحيحين البخاري (٧٠٥٣) ، ومسلم (١٨٤٩) من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ:" مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا، فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا فَمَاتَ عَلَيْهِ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" وفي صحيح مسلم (١٨٤٦) من حديث سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ ﵁ -أنه سأل رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -َ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاء، ُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فقَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -َ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ ". وفي الصحيحين البخاري (٧٠٨٤) ، ومسلم (١٨٤٧)) من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا بِشَر، ٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ، فَنَحْنُ فِيهِ فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: "نَعَمْ" قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: "نَعَم"ْ قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: "نَعَمْ" قُلْت: ُ كَيْفَ؟ قَالَ: "يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ" قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُك، َ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ" وقد أخذ بما دلت عليه هذه الأحاديث جمهور أهل السنة والجماعة، فذهبوا إلى تحريم
стр. 557
الخروج على أئمة الظلم والجور ما لم يحصل منهم كفر بواح..قال الإمام أحمد: " والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر ومن ولي الخلافة، فاجتمع الناس عليه، ورضوا به"وقال الإمام الطحاوي: "ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة" وقال ابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية: " وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا فلأنه يترتب على الخروج عن طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور" وقال ابن بطال: "وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء.. ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح" وقال شيخ الإسلام: " استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة؛ للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم" وقال: "وإن ما أمر به الرسول ﷺ من الصبر على جور الأئمة، وترك قتالهم والخروج عليهم هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وإن من خالف ذلك متعمداً أو مخطئاً لم يحصل بفعله صلاح بل فساد "وقال أيضاً: " إن الملك الظالم لا بد أن يدفع الله به من الشر أكثر من ظلمه، وقد قيل: ستون سنة بإمام ظالم خير من ليلة واحدة بلا إمام. وإذا قدر كثرة ظلمه فذاك ضررٌ في الدين، كالمصائب تكون كفارة لذنوبهم، ويثابون عليها، ويرجعون فيها إلى الله، ويستغفرونه، ويتوبون إليه، وكذلك ما يسلط عليهم من العدو.. ولهذا أمر النبي ﷺ بقتال من يقاتل على الدين الفاسد من أهل البدع كالخوارج، وأمر بالصبر على جور الأئمة، ونهى عن قتالهم والخروج عليهم"، وكلام الأئمة في هذا الموضوع كثير يطول المقام بذكره، ولعل فيما ذكرته كفاية، وينبغي الإشارة إلى أن حرمة الخروج على أئمة الجور لا تعني عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإظهار الشرع وإعلاء كلمة الحق بحسب الاستطاعة، وقد سبق في حديث عبادة ﵁ قال: " بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ "وفي حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ " أخرجه الترمذي (٤٠٠١) ولكن الأمر والنهي يحتاج إلى الرفق والصبر والعلم والحكمة..... قال بعض السلف: لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهاً فيما يأمر به، فقيهاً فيما ينهى عنه، رفيقاً فيما يأمر به، رفيقاً فيما ينهى عنه، حليماً فيما يأمر به، حليماً فيما ينهى عنه"، وأما إذا ظهر من
стр. 558
الحاكم كفر بواح قام عليه البرهان وجب الخروج مع القدرة، ويدل على هذا ما تقدم في حديث عبادة بن الصامت ﵁: "إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان "، ولأنه لا ولاية للكافر على المسلم، والمخاطب في ذلك الأمة ممثلة بأهل الحل والعقد ... قال القاضي عياض: " أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه كفرٌ وتغيير للشرع أو بدعة مكفرة خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه، ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك وجب عليهم القيام بخلع الكافر " وينبغي هنا الإشارة إلى الفرق بين الحكم على القول أو الفعل بالكفر وتكفير المعين، فقد يحكم على القول أو الفعل بأنه كفر ويتوقف في تكفير المعين، قال ابن تيمية في تكفير الخوارج والروافض ونحوهم ممن يقول بالكفر، ويفعل أفعالاً من جنس أفعال الكفار: " الصحيح أن هذه الأقوال التي يقولونها، التي يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول ﷺ كفر، وكذلك أفعالهم التي هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي كفر أيضاً..... ولكن تكفير الواحد المعين منهم بتخليده في النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه، فإنا نطلق القول بنصوص الوعد والوعيد والتكفير والتفسيق، ولا نحكم للمعين بدخوله في ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضي الذي لا معارض له". هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 559
هل الولد وماله لأبيه مطلقاً ؟!
المجيب د. نايف بن أحمد الحمد
القاضي بمحكمة رماح
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية
التاريخ ٠٤/٠٥/١٤٢٥هـ
السؤال
أنا رجل قد كتبت كتابي على فتاة، هذه الفتاة أبوها في غاية الطمع، وشعاره في الحياة (الابن وماله لأبيه) ، وقد أخذ زوجتي قبل أن يوافق على خطبتي لها إلى أحد المصارف، وجعلها تأخذ ديناً ربوياً له هو.
وسؤالي هو: أليس من حق الزوج أن يعرف بكل تصرفات زوجته التي تريد أن تقدم عليها؟
ثانياً: أوليس حراماً أن يأخذ هذا الأب ابنته إلى البنك رغماً عنها وهي رافضة كل الرفض أخذ النقود من البنك، خصوصاًً وأن البنك ربوي؟
ثالثاً: هل الحديث: "الابن وماله لأبيه" يجيز له أن يأخذ منها ما يشاء؟ وإن كانت الإجابة بنعم، فأنا لا أوافقكم، خصوصاً بأن المال الذي ستأخذه زوجتي هو مال ليس لها؛ لأنها لم تستحقه بعد، وإنما هو عبارة عن مال مستقبلي لم تجنه، والله وحده يعلم هل ستعيش هي أو أي شخص آخر حتى تستحقه أم لا.
رابعاً: هل رغبة الأب في الذهاب إلى الحج تجيز له ما يقدم على فعله؟
أفيدوني جزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله وحده، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أما بخصوص حكم تملك الأب من مال ولده، فقد اختلف العلماء في ذلك، قال ابن قدامة - رحمه الله تعالى-: (وللأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء، ويتملكه مع حاجة الأب إلى ما يأخذه، ومع عدمها صغيراً كان الولد أو كبيراً، بشرطين أحدهما ألا يجحف بالابن ولا يضربه، ولا يأخذ شيئاً تعلقت به حاجته.
الثاني: ألا يأخذ من مال ولده فيعطيه الآخر؛ نص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، وذلك لأنه ممنوع من تخصيص بعض ولده بالعطية من مال نفسه، فلأن يمنع من تخصيصه بما أخذ من مال ولده الآخر أولى، وقد روي أن مسروقاً زوج ابنته بصداق عشرة آلاف، فأخذها وأنفقها في سبيل الله، وقال للزوج جهز امرأتك، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: (ليس له أن يأخذ من مال ولده إلا بقدر حاجته؛ لأن النبي ﷺ قال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا") رواه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
وروي عن الحسن أن النبي ﷺ قال: "كل أحد أحق بكسبه من والده وولده والناس أجمعين" رواه سعيد في سننه، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/٣١٩) وهذا نص.
وروي أن النبي -صلى الله عليه سولم- قال: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه" رواه الدارقطني في سننه (٢٥٢٢) ، وأحمد (٢٠١٧٢) ؛ ولأن ملك الابن تام على مال نفسه فلم يجز انتزاعه منه لأنه تعلقت به حاجته، ولنا ما روت عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم" أخرجه النسائي (٤٤٥٠) ، وأبو داود (٣٥٢٨) ، وابن ماجة (٢٢٩٠) الترمذي (١٣٥٨) ، وقال: حديث حسن.
стр. 560
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي اجتاح مالي، فقال ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" رواه الطبراني في معجمه مطولاً، ورواه غيره وزاد: "إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم" انظر ما رواه أبو داود (٣٥٣٠) ، وابن ماجة (٢٢٩٢) ، وغيرهما.
وروى محمد بن المنكدر، والمطلب بن حنطب، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إن لي مالاً وعيالاً، ولأبي مال وعيال، وأبي يريد أن يأخذ مالي، فقال النبي ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" انظر ما رواه ابن ماجة (٢٢٩١) من حديث جابر ﵁؛ ولأن الله -تعالى- جعل الولد موهوباً لأبيه فقال: "ووهبنا له إسحاق ويعقوب" [الأنعام: ٨٤] ، وقال تعالى: "ووهبنا له يحيى" [الأنبياء: ٩٠] ، وقال زكريا: "هب لي من لدنك ولياً" [مريم: ٥] ، وقال إبراهيم: "الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق" [إبراهيم: ٣٩] ، وما كان موهوباً له كان له أخذ ماله كعبده، وقال سفيان بن عيينة في قوله: "ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم" [النور: ٦١] ، ثم ذكر بيوت سائر القرابات إلا الأولاد لم يذكرهم؛ لأنهم دخلوا في قوله: "بيوتكم" [النور: من الآية: ٦١] ، فلما كانت بيوت أولادهم كبيوتهم لم يذكر بيوت أولادهم؛ ولأن الرجل يلي مال ولده تولية فكان له التصرف فيه كمال نفسه، وأما أحاديثهم فأحاديثنا تخصها وتفسرها؛ فإن النبي ﷺ جعل مال الابن مالاً لأبيه؛ بقوله: "أنت ومالك لأبيك" (سبق تخريجه) ، فلا تنافي بينهما، وقوله: "أحق به من والده وولده" مرسل ثم يدل على ترجيح حقه على حقه لا على نفي الحق بالكلية، والولد أحق من الوالد بما تعلقت به حاجته. ا. هـ المغني (٥/٣٩٥) .
ويحرم على الأب وغيره أن يقترض باسمه أو باسم غيره قرضاً ربوياً من بنك أو فرد أو غيرهما؛ قال تعالى: "الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" [البقرة:٢٧٥] .
ولحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا يا رسول الله: وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات" رواه البخاري (٢٧٦٧) ، ومسلم (٨٩) . والله -تعالى- أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 561
حديث "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء "
المجيب سعد بن عبد العزيز الشويرخ
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية
التاريخ ٢٤/٠٤/١٤٢٦هـ
السؤال
ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء" رواه مسلم (٢٥٠) فما المراد من الحديث؟ وهل الزيادة في الغسل على المرفقين والكعبين جائزة؟.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
المراد بهذا الحديث -وغيره مما جاء في معناه- هو إسباغ الوضوء أي تعميم العضو بالماء، لا أن المراد بذلك هو الزيادة على ما جاءت به السنة، فلا يشرع له أن يزيد على المرفق في غسل اليد، حتى يغسل شيئاً من العضد، وكذا لا يشرع له أن يزيد في غسل القدم حتى يغسل شيئاً من الساق، وهذا هو مذهب جماهير أهل العلم؛ لأنه لم يرد عن النبي- ﷺ . والله أعلم.
стр. 562
حديث الثقلين: كتاب الله وعترة النبي ﷺ
المجيب عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية
التاريخ ٩/٦/١٤٢٥هـ
السؤال
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته.
آبائي العلماء: -حفظكم الله وأبقاكم-.
أنا محتار في حديث الثقلين، فلا أدرى أيهما أصح: هل هو كتاب الله وعترتى؟ أم كتاب الله وسنتي؟ أخرجوني من حيرتي، جزاكم الله عني وعن المسلمين خير الجزاء.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
стр. 563
المراد بالثقلين هما: كتاب الله -تعالى-، وأهل بيته صلى الله عليه وعلى آل بيته الطيبين وسلم، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم (٢٤٠٨) ، وغيره من حديث يزيد بن حيان، قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة، وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم ﵁، فلما جلسنا إليه قال له حصين: (لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيت رسول الله ﷺ ، وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﷺ ، قال: يا ابن أخي: والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعد الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ ، فما حدثتكم فاقبلوا، وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال: قام رسول الله ﷺ يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً- بين مكة والمدينة- فحمد الله، وأثنى عليه، ووعظ، وذكر، ثم قال: "أما بعد: ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي") الحديث ... قال النووي ﵀ في شرح مسلم (١٥/١٨٠) : قال العلماء: سميا ثقلين لعظمهما، وكبير شأنهما، وقيل لثقل العمل بهما. ولتعلم - أخي السائل- أن الوصية بكتاب الله -تعالى- متضمنة للوصية بالسنة، ولو لم ينص عليها؛ لأن المسلم لا يمكنه أن يطبق ما في القرآن من أوامر على الوجه الصحيح من غير السنة، فالصلاة - مثلاً- أمرنا بها، وكذا الزكاة، وكذا الحج وغيرها من العبادات، فمن استغنى عن السنة، فلن يستطيع أن يصلي على الوجه المطلوب، وهذا ظاهر، ويدل لهذا التلازم قوله -تعالى-: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب" [الحشر: من الآية ٧] ، وبهذه الآية كان السلف من الصحابة ﵃ ومن بعدهم يستدلون على تلازمهما، كما في الصحيحين البخاري (٤٨٨٦) ، ومسلم (٢١٢٥) من حديث ابن مسعود ﵁ قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله؟ فقال عبد الله: "وما لي لا ألعن من لعن رسول الله وهو في كتاب الله"، فقال المرأة: "لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته"، فقال: لئن قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله : "وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" [الحشر: ٧] الحديث.. والله أعلم.
стр. 564
معنى حديث التبايع، العِينة
المجيب د. محمد بن سليمان المنيعي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية
التاريخ ٦/٣/١٤٢٥هـ
السؤال
أرجو التكرم بشرح الحديث التالي:
قال رسول الله ﷺ :"إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا إلى دينكم". -وجزاكم الله خيراً-.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحديث المذكور رواه أبو داود (٣٤٦٢) ، وأحمد (٤٨١٠) من حديث ابن عمر ﵄ والعينة أن يشتري سلعة نقداً بدون ما باع به نسيئة، فهذه مسألة العينة، وهي محرمة؛ لأنها ذريعة إلى الربا، مثالها أن يبيع بيته بمائة وخمسين ألف ريال نسيئة، ثم يشتريه منه بمائة ألف ريال نقداً فكأنه أقرض مائة بمائة وخمسين، وقوله: "وأخذتم أذناب البقر"، كناية عن الاشتغال بالحرث عن الجهاد، حيث صاروا يمشون خلف أذناب البقر، بعد أن كانوا يركبون ظهور الخيل، وقوله ﷺ : "ورضيتم بالزرع"، أي: تكون همتكم وغايتكم ونهمكم، وقوله ﷺ : "وتركتم الجهاد"، أي: المتعين فعله في زمن يكون على الناس فيه فرض عين، وقوله: "سلط الله عليكم ذلاً"، أي: صغاراً ومسكنة، ولا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم"، أي: لا يزيله، ولا يكشفه عنكم حتى ترجعوا إلى الاشتغال بأمور دينكم، وليس معنى الحديث النهي عن الاشتغال بالزرع، فإن الحرث والاشتغال به من أطيب الكسب والعمل، بل ورد فيه نصوص ليس هذا موضع بسطها، حتى قال النبي ﷺ فيما رواه أحمد (١٢٥٦٩) من حديث أنس ﵁ "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل".
стр. 565
معنى (وحق العباد على الله ألا يعذبهم ... )
المجيب سعد بن عبد العزيز الشويرخ
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية
التاريخ ٢٠/٣/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم.
في الحديث الذي ذكر فيه أن رسول الله ﷺ بين حقوق الله على الناس وحقوق الناس على الله. وقد ورد في الحديث أن للناس حق على الله إذا عبدوه وحده ولم يشركوا به شيئا فلن يعذبهم. شخص يقول: " وددت أن رسول الله ﷺ قال: سيكافئهم بدلا من قوله: لن يعذبهم فكيف أرد عليه؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ورد في الصحيحين البخاري (٧٣٧٣) ومسلم (٣٠) في قصة إرداف النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁، والحديث مشهور ومعروف، وقد بيّن النبي ﷺ فيه حق الله ، على العباد ثم حق العباد على الله- وحق العباد على الله ألاّ يعذبهم إذا قاموا بحقه، وهذا النص محمول على أن الله لا يعذب العباد إذا قاموا بشهادة لا إله إلا الله وبمقتضياتها وحقوقها، وسلموا من الشرك بقسميه الأكبر والأصغر ومن البدع والأهواء ومن المعاصي والذنوب. فهؤلاء لهم الأمن التام والاهتداء التام ويدخلون الجنة، وأما من تلبس بشيء من الذنوب والمعاصي فهو تحت المشيئة إن شاء الله عذبه بقدر ذنوبه وإن شاء تجاوز عنه ثم مآله إلى الجنة، فهذا النص: "ألاّ يعذبهم"، محمول على من قال لا إله إلا الله ولم يمت مصراً على ذنب، أو قالها بصدق ويقين ثم مات على ذلك.
следующие страницы →