← Фатава

Фатава · id 894

فتاوى واستشارات الإسلام اليوم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 202 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

حديث "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " المجيب سعد بن عبد العزيز الشويرخ عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٢٤/٠٤/١٤٢٦هـ السؤال ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء" رواه مسلم (٢٥٠) فما المراد من الحديث؟ وهل الزيادة في الغسل على المرفقين والكعبين جائزة؟. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: المراد بهذا الحديث -وغيره مما جاء في معناه- هو إسباغ الوضوء أي تعميم العضو بالماء، لا أن المراد بذلك هو الزيادة على ما جاءت به السنة، فلا يشرع له أن يزيد على المرفق في غسل اليد، حتى يغسل شيئاً من العضد، وكذا لا يشرع له أن يزيد في غسل القدم حتى يغسل شيئاً من الساق، وهذا هو مذهب جماهير أهل العلم؛ لأنه لم يرد عن النبي- ﷺ . والله أعلم.

стр. 562

حديث الثقلين: كتاب الله وعترة النبي ﷺ المجيب عمر بن عبد الله المقبل عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٩/٦/١٤٢٥هـ السؤال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ السلام عليكم ورحمه الله وبركاته. آبائي العلماء: -حفظكم الله وأبقاكم-. أنا محتار في حديث الثقلين، فلا أدرى أيهما أصح: هل هو كتاب الله وعترتى؟ أم كتاب الله وسنتي؟ أخرجوني من حيرتي، جزاكم الله عني وعن المسلمين خير الجزاء. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

стр. 563

المراد بالثقلين هما: كتاب الله -تعالى-، وأهل بيته صلى الله عليه وعلى آل بيته الطيبين وسلم، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم (٢٤٠٨) ، وغيره من حديث يزيد بن حيان، قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة، وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم ﵁، فلما جلسنا إليه قال له حصين: (لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيت رسول الله ﷺ ، وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﷺ ، قال: يا ابن أخي: والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعد الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ ، فما حدثتكم فاقبلوا، وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال: قام رسول الله ﷺ يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً- بين مكة والمدينة- فحمد الله، وأثنى عليه، ووعظ، وذكر، ثم قال: "أما بعد: ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي") الحديث ... قال النووي ﵀ في شرح مسلم (١٥/١٨٠) : قال العلماء: سميا ثقلين لعظمهما، وكبير شأنهما، وقيل لثقل العمل بهما. ولتعلم - أخي السائل- أن الوصية بكتاب الله -تعالى- متضمنة للوصية بالسنة، ولو لم ينص عليها؛ لأن المسلم لا يمكنه أن يطبق ما في القرآن من أوامر على الوجه الصحيح من غير السنة، فالصلاة - مثلاً- أمرنا بها، وكذا الزكاة، وكذا الحج وغيرها من العبادات، فمن استغنى عن السنة، فلن يستطيع أن يصلي على الوجه المطلوب، وهذا ظاهر، ويدل لهذا التلازم قوله -تعالى-: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب" [الحشر: من الآية ٧] ، وبهذه الآية كان السلف من الصحابة ﵃ ومن بعدهم يستدلون على تلازمهما، كما في الصحيحين البخاري (٤٨٨٦) ، ومسلم (٢١٢٥) من حديث ابن مسعود ﵁ قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله؟ فقال عبد الله: "وما لي لا ألعن من لعن رسول الله وهو في كتاب الله"، فقال المرأة: "لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته"، فقال: لئن قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله : "وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" [الحشر: ٧] الحديث.. والله أعلم.

стр. 564

معنى حديث التبايع، العِينة المجيب د. محمد بن سليمان المنيعي عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٦/٣/١٤٢٥هـ السؤال أرجو التكرم بشرح الحديث التالي: قال رسول الله ﷺ :"إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا إلى دينكم". -وجزاكم الله خيراً-. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الحديث المذكور رواه أبو داود (٣٤٦٢) ، وأحمد (٤٨١٠) من حديث ابن عمر ﵄ والعينة أن يشتري سلعة نقداً بدون ما باع به نسيئة، فهذه مسألة العينة، وهي محرمة؛ لأنها ذريعة إلى الربا، مثالها أن يبيع بيته بمائة وخمسين ألف ريال نسيئة، ثم يشتريه منه بمائة ألف ريال نقداً فكأنه أقرض مائة بمائة وخمسين، وقوله: "وأخذتم أذناب البقر"، كناية عن الاشتغال بالحرث عن الجهاد، حيث صاروا يمشون خلف أذناب البقر، بعد أن كانوا يركبون ظهور الخيل، وقوله ﷺ : "ورضيتم بالزرع"، أي: تكون همتكم وغايتكم ونهمكم، وقوله ﷺ : "وتركتم الجهاد"، أي: المتعين فعله في زمن يكون على الناس فيه فرض عين، وقوله: "سلط الله عليكم ذلاً"، أي: صغاراً ومسكنة، ولا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم"، أي: لا يزيله، ولا يكشفه عنكم حتى ترجعوا إلى الاشتغال بأمور دينكم، وليس معنى الحديث النهي عن الاشتغال بالزرع، فإن الحرث والاشتغال به من أطيب الكسب والعمل، بل ورد فيه نصوص ليس هذا موضع بسطها، حتى قال النبي ﷺ فيما رواه أحمد (١٢٥٦٩) من حديث أنس ﵁ "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل".

стр. 565

معنى (وحق العباد على الله ألا يعذبهم ... ) المجيب سعد بن عبد العزيز الشويرخ عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٢٠/٣/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم. في الحديث الذي ذكر فيه أن رسول الله ﷺ بين حقوق الله على الناس وحقوق الناس على الله. وقد ورد في الحديث أن للناس حق على الله إذا عبدوه وحده ولم يشركوا به شيئا فلن يعذبهم. شخص يقول: " وددت أن رسول الله ﷺ قال: سيكافئهم بدلا من قوله: لن يعذبهم فكيف أرد عليه؟ الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ورد في الصحيحين البخاري (٧٣٧٣) ومسلم (٣٠) في قصة إرداف النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁، والحديث مشهور ومعروف، وقد بيّن النبي ﷺ فيه حق الله ، على العباد ثم حق العباد على الله- وحق العباد على الله ألاّ يعذبهم إذا قاموا بحقه، وهذا النص محمول على أن الله لا يعذب العباد إذا قاموا بشهادة لا إله إلا الله وبمقتضياتها وحقوقها، وسلموا من الشرك بقسميه الأكبر والأصغر ومن البدع والأهواء ومن المعاصي والذنوب. فهؤلاء لهم الأمن التام والاهتداء التام ويدخلون الجنة، وأما من تلبس بشيء من الذنوب والمعاصي فهو تحت المشيئة إن شاء الله عذبه بقدر ذنوبه وإن شاء تجاوز عنه ثم مآله إلى الجنة، فهذا النص: "ألاّ يعذبهم"، محمول على من قال لا إله إلا الله ولم يمت مصراً على ذنب، أو قالها بصدق ويقين ثم مات على ذلك.

стр. 566

وأما قول المعترض: وددت أن الرسول -صلى الله عليهم وسلم- قال: "سيكافئهم" بدل من قوله: "ألاّ يعذبهم" فهذا الكلام خطأ عظيم من القائل ويخشى على هذا القائل، فهذا استدراك على حكم الشارع، وهو جهل من القائل، فقوله: لو أن الرسول ﷺ يعبر بـ"يكافئهم" هذا قول مردود فالنبي- ﷺ هو أعلم الناس، وهو أعلم بما يخبر به عن رب العالمين وهو مؤتمن على ذلك، والنبي- ﷺ لا ينطق عن الهوى وهو معصوم بالإجماع فيما يتعلق بتبليغ الشرع. وهذا الكلام جهل من القائل ولا ينبغي له أن يكون مستدركاً على الشارع متعقباً عليه بل يكون حاله مع الشرع حال التسليم والانقياد والقبول لما جاء به النبي- ﷺ وهذا من شروط شهادة ألاّ إله إلا الله، وجعل أمور الشرع مجالاً للانتقاد والكلام فيها لا شك أنه مسلك خطير، بالإضافة إلى ما فيه من تضييع الأوقات وصرف الكلام بما لا يعود بالنفع على العبد بل يعود عليه بالضرر المحض. والأمة في الأزمنة الأخيرة اعتادت أن تتكلم كثيرا ولا تفعل إلا القليل، والجدل لا خير فيه فكيف إذا كان الجدل في أمور محسومة من قبل الشارع. فينبغي للقائل أن يصرف وقته فيما يعود عليه بالنفع وأن يحرص على زيادة إيمانه ويكون موقفه من الشرع موفق المسلم المنقاد الراضي بما جاء، لا موقف المنتقد المستدرك. وعلى السائل أن يترك جدال هذا الشخص القائل، فجميل بن زيد قال للإمام مالك: الرجل يكون عالماً بالسنة يخبر بها، قال: نعم، قال يجادل بها، قال: لا. فهذا المسلك مشهور عند أهل العلم عدم المجادلة مع أهل الباطل في الأصل وإن كانت توجد استثناءات ليس هذا محلها، والله أعلم.

стр. 567

المقصود بموجبات الرحمة في "اللهم أسألك موجبات رحمتك " المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٢٢/١٢/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ورد في الدعاء المأثور: "اللهم أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك". فما هي موجبات رحمة الله وعزائم مغفرته ؟ وجزاكم الله كل خير. الجواب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد: الدعاء الوارد في السؤال جاء ضمن الحديث المعروف بحديث صلاة الحاجة؛ أخرجه الترمذي (٤٧٩) ، وابن ماجه (١٣٨٤) ، من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ فَلْيُحْسِنِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ لْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لْيُثْنِ عَلَى اللَّهِ وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ لْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ". قال الترمذي: (هذا حديثٌ غريبٌ، وفي إسناده مقالٌ، فائدُ بنُ عبد الرحمن يضعَّف في الحديث وفائِدٌ هو أبو الوَرْقَاءِ) . فالحديث ضعيف. وله شاهد من حديث أنس وأبي الدرداء، ﵄، وهما ضعيفان [ينظر: كلام الحافظ ابن حجر على هذه الأحاديث في الفتوحات الربانية (٤/٢٩٨) ] . ومعنى قوله: "موجباتِ رحمتك": أي الأفعال والخصال والأقوال التي تكون سببًا لنيل رحمة الله ودخول جنته. ويدخل في ذلك: الإيمان بالله ورسوله، ﵊، وتقوى الله وطاعته، وحسن الاتباع لرسوله ﷺ ، قال الله : (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ... ) [الأعراف: ١٥٧، ١٥٦] . ومقصود هذا الدعاء أن يوفق العبد للأخذ بالأسباب التي توجب رحمة الله. وعزائم مغفرته: جمع عزيمة، ومعنى هذا الدعاء أن يوفق العبد لأعمال صالحة تتعزم وتتأكد بها مغفرة الله . هذا والله أعلم.

стр. 568

حديث: (الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم ... ) المجيب سعد بن عبد العزيز الشويرخ عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ١٠/٠٥/١٤٢٥هـ السؤال حديث رسول الله ﷺ "الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يتحمل أذاهم" رواه الترمذي وابن ماجة، هل المقصود بـ (الناس) في الحديث المبتدعة؟ وما معنى الحديث؟. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الحديث هو حديث ابن عمر ﵄ "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم"، والحديث رواه الترمذي (٢٥٠٧) ، وابن ماجة (٤٠٣٢) من حديث ابن عمر ﵄، وهو من أحاديث بلوغ المرام، والألف واللام في الناس للاستغراق فالمراد بالناس الجنس، دون تخصيص الناس بنوع معين. ومعنى الحديث: أن المؤمن الذي يخالط الناس، ويدعوهم إلى الخير، ويدعوهم إلى الإسلام، ويصبر على ما يناله من أذى في سبيل دعوتهم، وإيصال الخير إليهم خير من المؤمن الذي ينعزل عن الناس؛ لأن الأول صاحب نفع متعد، والثاني صاحب نفع خاص، فالحديث عام في جميع الناس. والله أعلم.

стр. 569

ما جدوى العمل إذا كان "لا يدخل أحد الجنة بعمله "! المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٢٧/١٢/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أريد من فضيلتكم أن تشرحوا لي قول الرسول الكريم ﷺ : "لا يدخل أحد الجنة بعمله". أو كما صح عنه ﷺ , وقوله: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة ... "إلخ. حتى يكمل العشرة المبشرين بالجنة، فالرسول ﵊ استدل على دخول أبي بكر، ﵁، الجنة لما رآه منه من حسن الخلق ومن صالح الأعمال فشهد له في الجنة، وكذلك التسعة الباقين، ﵃ أجمعين، فكيف نوفق بين الحديث الأول والثاني؟ أفيدونا جزاكم الله كل خير. الجواب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:

стр. 570

الحديث المشار إليه في السؤال أخرجه البخاري (٥٦٧٣) ، ومسلم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة، ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، يَقُولُ: "لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ". قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لَا، وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ؛ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ". وهذا الحديث يدل على أن دخول الجنة لا يكون بمجرد العمل، بل لولا رحمة الله وفضله لما دخل الجنة أحد؛ لأن الأعمال مهما بلغت لا تُقاوِم نِعَمَ اللهِ التي أنعم بها على عباده؛ حيث أوجدهم من العدم، ورزقهم من الطيبات، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، وهداهم إلى الإيمان، ووفقهم للأعمال الصالحة، وفي الحديث: "لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ لَهُمْ خَيْرًا مِنْ أَعْمَالِهِمْ ... ". أخرجه أحمد (٢١٥٨٩) وأبو داود (٤٦٩٩) . وعلى هذا فدخول الجنة ليس عوضًا عن العمل ولا مقابلة به، فمن شهد له النبي، ﷺ ، بدخول الجنة ومنهم العشرة المبشرون بالجنة، فدخولهم الجنة برحمة الله وفضله، ولكن أعمالهم الصالحة سبب لدخولهم الجنة، قال الله تعالى: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: ٣٢] . وقال تعالى: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الأعراف: ٤٣] . وقال تعالى: (أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة: ١٩] . وقال تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الطور: ١٩] . فالباء الواردة في الآيات هي باء السببية، أي أن الله يدخل عباده المؤمنين الجنة بسبب أعمالهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀، بعد أن ذكر هذه النصوص ونظائرها: (فبين بهذه النصوص أن العمل سبب للثواب، والباء للسبب كما في مثل قوله تعالى: "فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات"، وقوله: "وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها"، ونحو ذلك مما يبين به الأسباب، ولا ريب أن العمل الصالح سبب لدخول الجنة والله قدر لعبده المؤمن وجوب الجنة بما ييسره له من العمل الصالح كما قدر دخول النار لمن يدخلها بعمله السيئ كما في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار". قالوا يا رسول الله: أفلا نتكل على الكتاب وندع العمل؟ قال: "لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له"، أما من كان من أهل السعادة فسييسره لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسره لعمل أهل الشقاوة، وقال إن الله خلق للجنة أهلا وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم وبعمل أهل الجنة يعملون وخلق للنار أهلا وخلقها لهم

стр. 571

وهم في أصلاب آبائهم وبعمل أهل النار يعملون". وإذا عرف أن الباء هنا للسبب فمعلوم أن السبب لا يستقل بالحكم فمجرد نزول المطر ليس موجبا للنبات بل لا بد من أن يخلق الله أمورا أخرى ويدفع عنه الآفات المانعة فيربيه بالتراب والشمس والريح ويدفع عنه ما يفسده فالنبات محتاج مع هذا السبب إلى فضل من الله أكبر منه، وأما قوله ﷺ : "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل". فإنه ذكره في سياق أمره لهم بالاقتصاد قال: "سددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا منكم لن يدخل الجنة بعمله". وقال: "إن هذا الدين متين وإنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدجلة والقصد القصد تبلغوا". فنفى بهذا الحديث ما قد تتوهمه النفوس من أن الجزاء من الله على سبيل المعاوضة والمقابلة كالمعاوضات التي تكون بين الناس في الدنيا فإن الأجير يعمل لمن استأجره فيعطيه أجره بقدر عمله على طريق المعاوضة إن زاد زاد أجرته وإن نقص نقص أجرته وله عليه أجرة يستحقها كما يستحق البائع الثمن، فنفى ﷺ أن يكون جزاء الله وثوابه على سبيل المعاوضة والمقابلة والمعادلة، والباء هنا كالباء الداخلة في المعاوضات كما يقال: استأجرت هذا بكذا وأخذت أجرتي بعملي...... وإذا تبين ذلك أفاد هذا الحديث ألا يعجب العبد بعمله بل يشهد نعم الله عليه وإحسانه إليه في العمل وأنه لا يستكثر العمل فإن عمله لو بلغ ما بلغ إن لم يرحمه الله ويعف عنه ويتفضل عليه لم يستحق به شيئا". [رسالة ابن تيمية في دخول الجنة (ص: ٤٧ - ٥٠) ] . وينظر: [رسالة ابن تيمية في دخول الجنة، مفتاح دار السعادة (١/٨، ١٠) ، ومدارج السالكين (١/٩٤، ٩٦) لابن القيم، فتح الباري لابن حجر (١١/٢٩٤ - ٢٩٧) ] . هذا والله أعلم.

стр. 572

فوائد من حديث الأعرابي الذي بال في المسجد المجيب د. يوسف بن أحمد القاسم عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ١٧/٠٣/١٤٢٦هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تحدثت مع أحد الشباب حول كون أحاديث المصطفى ﷺ صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، ومضمون كلامه أن هناك أحاديث قالها الرسول ﷺ أصبحت الآن غير صالحة للتطبيق؛ حيث إن الماديات قد تغيرت في ظل الحضارة الحديثة والتطور المادي، فيقول هو: إن حديث الأعرابي الذي بال في المسجد غير ممكن الحدوث اليوم؛ حيث إن المساجد أصبحت تختلف عمّا كان عليه الحال في عهد الرسول ﷺ فهو ينطلق من هذا الأساس ليقول: إن هذا الحديث -على سبيل المثال- أصبح وجوده في مناهج التعليم وفي الكتب الأخرى مجرد حشو على حد تعبيره، كما أنه يقول: إن هناك أحاديث كثيرة على هذا النحو مما تغير الحال عما كان عليه في عهد الرسول ﷺ ، إذن هي لا تحدث فهي لمجرد الحفظ فقط، أو لا داعي لتعليمها للجيل الجديد على حد زعمه. فما ردكم على ذلك؟. جزاكم الله خيراً. الجواب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الحمد لله وحده، وبعد: فهذا الذي جرى بينك وبينه جدال حول أحاديث النبي ﷺ ، إنما أُتي في الحقيقة من جهله بالسنة، وما أكثر جنسه ولونه في هذا العصر! وعلى سبيل المثال فحديث الأعرابي هذا، نظر إليه من حيث الشكل، وغفل عن المضمون، فالبناء وإن اختلف في شكله على مر العصور، ولكن المسجد يبقى هو المسجد في أحكامه، وما يجب له من حرمة، إلخ ... علماً أن كثيراً من المساجد اليوم لاسيما الواقعة في البلاد الفقيرة أو في القرى والهجر، هي على الحال التي عليها المساجد القديمة من بنائها بالطين وفرشها بالحصباء، كما هو الحال في بعض البلاد الإفريقية وغيرها، فلماذا اختزل هذا الأخ المساجد كلها في أنحاء العالم في الواقع الذي يعيشه هو، أو تعيشه أكثر الدول؟ وعوداً على ذي بدء، أقول: لقد استنبط علماؤنا الأجلاء فوائد كثيرة جداً من حديث الأعرابي هذا، وقبل أن أسرد بعضاً من هذه الفوائد، فإني أسوق الحديث بنصه كما جاء في صحيح مسلم (٢٨٥) : عن أنس ﵁ قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مَهْ، مَهْ، فقال رسول الله ﷺ : "لا تزرموه- يعني: اتركوه لا تقطعوا عليه بوله- دعوه"، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، وإنما هي لذكر الله ، والصلاة وقراءة القرآن". فأمر رجلاً من القوم، فجاء بدلو من ماء، فشنه عليه. وفي لفظ للبخاري (٢٢٠) : أن النبي ﷺ قال لأصحابه: "دعوه وهريقوا على بوله سَجْلاً -يعني: دلواً- من ماء، أو ذنوباً من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين". هذا هو الحديث، وإليك بعض الفوائد المستقاة من هذا الحديث، والتي تفيد المسلم وتهمه في كل عصر:

стр. 573

فأولاً: فيه حسن خلقه ﷺ ، ورأفته بالمتعلم ولطفه به، وهكذا ينبغي أن يكون المعلم والمربي والعالِم والمسؤول في كل عصر ومصر، ينبغي أن يتحلى بالأخلاق الفاضلة، وبالآداب الكريمة مع الناس، حتى ولو وقع منهم سلوك مشين، كما وقع من هذا الأعرابي. وثانياً: فيه وجوب الرفق بالجاهل، وعدم التعنيف عليه، وأنه يجب التفريق في المعاملة بين من يقع في المنكر وهو عالم به مصر عليه، وبين من يقع فيه وهو جاهل به، وأن الداعية والعالم ينبغي أن يكون ميسراً لا معسراً، في حدود الشرع. وثالثاً: فيه بيان تعظيم المساجد، ووجوب احترامها، وتنزيهها عن الأقذار، أيًّا كان بناؤها؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من هذا البول ولا القذر ... ". فلفظ (المساجد) هو من صيغ العموم؛ فتعم كل مسجد في القديم أو في الحاضر، فلا يجوز البول فيها، ولا تقذيرها بأي لون من ألوان القاذورات، سواء بالبصاق فيها - كما يفعله بعض الناس اليوم، حيث يبصق في ساحة المسجد الواقعة داخل السور- أو بإلقاء النفايات والمناديل داخل أروقة المسجد ... إلخ. والتعبير بالقذر في الحديث يشمل كل ما يتقذر منه الناس، ويخالف الذوق العام، وينافي حرمة المسجد. ورابعاً: فيه دلالة على نجاسة بول الآدمي، وهو محل إجماع عند أهل العلم، كما حكاه الصنعاني في سبل السلام (١/٢٥) ، وغيره. وخامساً: فيه تقرير قاعدة عظيمة في الدين، وهي (دفع أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما) ، فالنبي ﷺ حين ترك هذا الأعرابي حتى يتم بوله، كان ذلك لأجل ألا يترتب على منعه أن يقوم فيلوِّث ثيابه وبدنه، ويلوِّث أجزاء أخرى من المسجد فيؤدي إلى انتشار النجاسة، وتنجيس مكان واحد أخف من تنجيس أماكن متفرقة من المسجد، وهذه القاعدة الشرعية أشار إليها المازري، وكما في شرح الزرقاني (١/١٩٠) ، ويتخرج على هذه القاعدة ما لا يحصى من النوازل الفقهية في باب السياسة الشرعية، وفي باب المعاملات المالية المعاصرة، وفي باب الطب الحديث، وغيرها من الأبواب، ومن ذلك على سبيل المثال نازلة رفع أجهزة الإنعاش عند الموت الدماغي في بعض صوره الجائزة، فالحاصل أن هذه القاعدة قد استنبطت من عدة نصوص، ومنها هذا الحديث النبوي الشريف. وسادساً: فيه جواز التمسك بالعموم حتى يظهر دليل التخصيص، وهي مسألة أصولية مشهورة، ويترتب عليها فوائد كثيرة، ليس هذا الجواب محل بسطها. وسابعاً: فيه وجوب إزالة المفاسد عند زوال المانع؛ لأمره ﷺ صحابته بصب الماء عند فراغه من البول. وثامناً: فيه أن الماء أداة من أدوات التطهير، وأنه لا يشترط حفر الأرض إذا وقعت عليها النجاسة، خلافاً للحنفية. وتاسعاً: فيه أنه لا ينبغي قطع البول على من شرع فيه؛ لما قد يؤدي إليه من مفاسد صحية، وربما جاء الطب الحديث بما يؤيد هذا، فقد اكتشف الطب الحديث علوماً كثيرة، كان قد ذكرها القرآن الكريم، والرسول ﷺ أو أشار إليها قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة. ومنها، وهي الفائدة العاشرة:

стр. 574

أنه لا يجوز البول في الأماكن التي يرتادها الناس، إما للعبادة كالمساجد - كما في هذا الحديث-، وإما للجلوس والراحة كمواطن الظل، وإما لاتخاذها طريقاً ... ولذا قال ﷺ : "اتقوا اللعانين.. الذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظلهم" أخرجه مسلم في صحيحه (٢٦٩) . وفي سنن أبي داود (٢٦) وابن ماجه (٣٢٨) عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد - يعني موارد الماء- وقارعة الطريق، والظل". وفي هذا يقول الدكتور علي البار: بعض الدول الإسلامية تشكو من داء البلهارسيا، وتنفق الدولة سنوياً ما يقارب المليار في حرب هذا المرض، فلم تستطع القضاء عليه، وفشلت فشلاً ذريعاً، بينما حديث واحد من أحاديث رسول الله ﷺ يحل الإشكال، ويقضي على البلهارسيا من أصلها، ويحل مشكلة عويصة جداً، لما تسببه من سرطان المثانة، وتعمل مضاعفات في الكلى، كل هذا يمكن تجنبه باتباع هدي رسول الله ﷺ عندما منع التبول والتغوط في الموارد، وقارعة الطريق ... انتهى من (الإعجاز العلمي في السنة النبوية لمؤلفه صالح رضا ١/٤٨٢) . ولا شك أننا بهذه النصوص الشرعية، وبامتثالنا لهذه التوجيهات النبوية سنرتقي بأخلاقنا، ونسمو بمبادئنا وقيمنا، ونساهم في المحافظة على نظافة مجتمعنا من كل ما يكدر صفوه ظاهراً وباطناً، كما نساهم في المحافظة على البيئة من كل تلوث يؤدي إلى الأمراض والأسقام. والله -تعالى- أعلم.

стр. 575

المقصود بالكمأة وحكم التداوي بها المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ١٦/٠٤/١٤٢٦هـ السؤال أود أن أسألكم عن معنى هذا الحديث، وإن كان صحيحاً فكيف تتم الاستفادة منه؟ أي كيف أستطيع الحصول على مائها، يقول ﷺ : (إن صح الحديث) "الكمأة من المن, وماؤها شفاء للعين". وهل توجد أحاديث أخرى تبحث في شفاء العين؟. الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد: الحديث المشار إليه في السؤال أخرجه البخاري (٥٧٠٨) ، ومسلم (٢٠٤٩) من حديث سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ"، والكمأة نبات يكون في جوف الأرض، ينبت بعد نزول المطر وتنفلق عنه الأرض، ويشتهر باسم: الفقع، ومعنى قوله: "من المن" أي هو مما امتن الله به من غير جهد من الإنسان، حيث لا يد للإنسان في استنباته، فهو من هذه الحيثية شبيه بالمن الذي أنزله الله على بني إسرائيل، حيث كان الطل يسقط على الشجر فيجمع ويؤكل حلواً، ومعنى قوله: "ماؤها شفاء للعين" ظاهره أن ماءها يعصر ويكحل به العين بعد أن تشوى على النار. وللعلماء أقوال أخرى، قال الحافظ ابن القيم: "وقوله ﷺ في الكمأة: "وماؤها شفاء للعين" فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن ماءها يُخلط في الأدوية التي يُعالج بها العين، لا أنه يستعمل وحده، ذكره أبو عبيد. الثاني: أنه يُستعمل بحتا بعد شيِّهَا، واستقطار مائها لأن النار تُلطِّفه وتنضجه، وتُذِيبُ فضلاته ورطوبته المؤذية وتبقي المنافع. الثالث: أن المراد بمائها الماء الذي يحدث به من المطر، وهو أولُ قطر ينزل إلى الأرض، فتكون الإضافة إضافة اقتران، لا إضافة جزء، ذكره ابن الجوزي، وهو أبعد الوجوه وأضعفها وقيل: إن استعمل ماؤها لتبريد ما في العين، فماؤها مجرداً شفاء، وإن كان لغير ذلك فمركب مع غيره، وقال الغافقي: ماء الكمأة أصلح الأدوية للعين، إذا عُجِنَ به الإثمد واكُتحل به ويقوِّي أجفانها، ويزيدُ الروحَ الباصرة قوةً وحدِة، ويدفع عنها نزول النوازل " [زاد المعاد (٤/٣٦٥) ] . وقد أجريت أبحاث استخدم فيها ماء الكمأة في علاج (التراكوما) مع مركبات أخرى فكانت نتائجه جيدة [ينظر: موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ص (٨٢٦- ٨٣١) ، ليوسف الحجاج أحمد] ، ولكن لا ينبغي للمريض أن يُقدم على استخدام ماء الكمأة حتى يسأل أهل الخبرة والمعرفة ليتبين هل يناسبه أم لا، لأنه ربما يكون الحديث من العام المخصوص، أي أن ماء الكمأة يصلح لبعض أمراض العيون دون الأخرى، وقد ورد في السنة الحث على الاكتحال بالإثمد، فأخبر النبي ﷺ أنه يجلو البصر وينبت الشعر، فعن ابن عباس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اكتحلوا بالْإِثْمِدِ, فإنه يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ"، أخرجه الترمذي (١٧٥٧) ، وقال: حديث حسن غريب

стр. 576

وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ عِنْدَ النَّوْمِ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ" أخرجه ابن ماجه (٣٤٩٦) . والإثمد حجر معروف أسود يضرب إلى الحمرة يكون في بلاد الحجاز، وأجوده ما يؤتى به من أصفهان، وأجوده السريع التفتت الذي لفتاته بصيص، وداخله أملس ليس فيه شيء من الأوساخ، قال الحافظ ابن القيم: "الإثمد ينفع العين ويقويها، ويشد أعصابها، ويحفظ صحتها، وينقي أوساخها، وهو أجود أكحال العين لاسيما للمشايخ، والذين قد ضعفت أبصارهم إذا جعل معه شيء من المسك" [زاد المعاد (٤/٢٨٣) ، وينظر: الطب من الكتاب والسنة لموفق الدين عبد اللطيف البغدادي (ت ٦٢٩ هـ) ] وعلى من يريد استخدام الإثمد التأكد من سلامته من الغش، حيث يوجد في الأسواق أكحال مغشوشة، ففي دراسة لمستشفى الملك خالد لطب العيون بالرياض عن الكحل الموجود في أسواق الرياض (عام ١٩٨٦م) وجد الباحثون نوعين من الكحل، وكلا النوعين ملوث بالبكتريا العضوية والفطريات، كما وجدوا أن الكحل مغشوش بمواد أخرى غير الإثمد، مثل الرصاص. هذا والله أعلم.

стр. 577

معنى: " ولا يسترقون " المجيب د. يوسف بن أحمد القاسم عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ١١/٠٣/١٤٢٦هـ السؤال ما المقصود في حديث الرسول ﷺ : "ولا يسترقون" عندما ذكر صفات السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب؟ وهل يدخل تحت المعنى من يذهب للعلاج بالرقية الشرعية عند الشيوخ؟. الجواب الحمد لله وحده، وبعد: فإن المعنى المراد من قوله ﷺ : "ولا يسترقون" أخرجه البخاري (٥٧٠٥) ومسلم (٢٢٠) هو أنهم لا يطلبون الرقية من غيرهم، يعني: لا يطلبون من أحد أن يقرأ عليهم، وليس المعنى أنهم يرفضون الرقية، ولذا قال: "يسترقون"، ولم يقل: (يرقون) ، فاللفظ الأول دال على طلب الفعل، وهذا بخلاف اللفظ الثاني، ولهذا كان النبي- ﷺ يرقي، ورقاه جبريل ﵇ انظر صحيح مسلم (٢١٨٥) ، وعائشة ﵂ انظر صحيح البخاري (٥٠١٦) ومسلم (٢١٩٢) ، وهذا دليل على مشروعية الرقية. والحديث المشار إليه في السؤال دليل على عدم استحباب طلب الرقية - ومنه الذهاب إلى القراء- لما في طلبها من تفويت كمال التوكُّل على الله، ولما يؤدي إليه من التعلّق بغير الله تعالى، كما هو مشاهد في هذا العصر، وهذا لا يعني عدم الأخذ بالآيات. والله تعالى أعلم.

стр. 578

حديث من بلغه عني ثواب عمل فعمله حصل له أجره ... المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٠١/٠٤/١٤٢٦هـ السؤال ما رأي علمائنا في الروايات الواردة التي نصها من بلغه عني ثواب عمل فعمله حصل له أجره، وإن لم أكن قلته؟ فهل هذه القاعدة تامة عندنا، من أنه من بلغه ثواب على عمل ما فعله الإنسان برجاء ذلك الثواب فإنه يحصل عليه، وإن لم يقله النبي ﷺ . الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد: الحديث المشار إليه في السؤال أخرجه الحسن بن عرفة العبدي في جزئه ص: ٧٨ (٦٣) ، قال: حدثنا أبو يزيد خالد بن حيان الرقي، عن فرات بن سليمان، وعيسى بن كثير، -كليهما- عن أبي رجاء، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : " من بلغه عن الله شيء فيه فضل، فأخذه إيماناً به، ورجاء ثوابه، أعطاه الله ذلك، وإن لم يكن كذلك". ومن طريقه الخطيب في تاريخه (٨/٢٩٦) ، وابن الجوزي في الموضوعات (١/٢٥٨) . وفي إسناد الحديث أبو رجاء، وقد رمي بالكذب، قال يحيى بن معين: "كذاب"، وقال السخاوي في المقاصد الحسنة (ص ٤٠٥) : "خالد وفرات فيهما مقال، وأبو رجاء لا يعرف". قال ابن الجوزي: "هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ". وأخرجه أبو الشيخ في مكارم الأخلاق كما في المقاصد (ص ٤٠٥) ، من طريق بشر بن عبيد الله، حدثنا حماد، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعاً. وبشر متروك. وأخرج أبو يعلى الموصلي في مسنده (٣٤٤٣) ، ومن طريقه ابن عدي في الكامل (٢/٥٩) ، والطبراني في المعجم الأوسط (٥١٢٩) ، من طريق بزيع أبي الخليل عن ثابت عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : " من بلغه عن الله فضيلة فلم يصدق بها، لم ينلها". وبزيع ضعيف جداً. وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/٢٢) ، من طريق أبي معمر عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ بلفظ: "من بلغه عن الله فضل فأخذ بذلك الفضل الذي بلغه أعطاه الله ما بلغه، وإن كان الذي حدثه كاذباً". وأبو معمر عباد بن عبد الصمد، قال أبو حاتم: "ضعيف جداً"، وقال ابن حبان في المجروحين: "روى عن أنس نسخة أكثرها موضوعة". وهذا الحديث لا يستقيم من جهة المعنى لأمرين: ١- يخالف ما دلت عليه الأدلة من وجوب التثبت والاحتياط في قبول الأخبار. ٢- أن العمل بهذا الحديث يؤدي إلى العمل بأشياء لا تثبت، فيحصل الوقوع في البدع والمخالفات الشرعية، وقد قال النبي ﷺ : " مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ" أخرجه مسلم (١٧١٨) . هذا والله أعلم.

стр. 579

معنى: "لا حول ولا قوة إلا بالله " المجيب د. عبد العظيم بن إبراهيم المطعني رئيس قسم التفسير والحديث بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٠٦/٠٨/١٤٢٦هـ السؤال أرجو معرفة معنى قول: "لا حول ولا قوة إلا بالله" وإن وجد شرح للأذكار المختلفة أرجو التفضل بإفادتي به؛ حتى أتمكن من تدبر المعنى في أثناء الذكر، جزاكم الله خيراً. الجواب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فإن كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله" من أعظم الكلمات التي يتوجه بها العبد إلى ربه، ففيها من التفويض والتوكل والبراءة من كل شيء، والاستناد في كل شيء على من له القوة جميعاً ـ سبحانه ـ وقد جاء في فضلها أحاديث، منها ما رواه مسلم (٢٦٩٦) عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: علمني كلاماً أقوله. قال: "قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله رب العالمين، لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم". قال: فهؤلاء لربي، فما لي؟ قال: "قل: اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني". ورُوي عنه ﷺ : " أكثروا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها تَدْفَعُ تسعةً وتسعينَ باباً من الضُر أدناها الهم" رواه الطبراني في الأوسط (٣٥٤١) عن جابر ﵁. ورُوي عن ابن مسعود ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ -فقلتها، فقال: "تدري ما تفسيرها؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله" أخرجه البزار في مسنده (٢٠٠٤) ، والبيهقي في الشعب (٦٦٤) . وقال في شرح العقيدة الطحاوية: "وأفعال العباد خلق من الله، وكسب من العباد، ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم، وهو تفسير "لا حول ولا قوة إلا بالله". نقول لا حيلة لأحد ولا حركة لأحد ولا تحول لأحد من معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله. وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره. غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبداً، تقدَّس عن كل سوء وحين، وتنزه عن كل عيب وشين "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون". أما كتب الأذكار وشروحها فعديدة منها: (١) الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار - الإمام النووي. (٢) رياض الصالحين - النووي - شرح الشيخ ابن عثيمين. (٣) تحفة الذاكرين - الإمام الشوكاني. (٤) الوابل الصيب - الإمام ابن القيم. جعلنا الله وإياك من الذاكرين.. والله أعلم.

стр. 580

معنى: "اللهم اغسله بالماء والثلج والبرد " المجيب د. عبد العظيم بن إبراهيم المطعني رئيس قسم التفسير والحديث بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٢٤/١٠/١٤٢٦هـ السؤال ما معنى: "اللهم اغسله بالماء والثلج والبرد"؟ الجواب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد: فما ذكرت أخي الفاضل في سؤالك هو جزء من أحد أدعية النبي ﷺ في افتتاح الصلاة؛ فعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: بأبي وأمي يا رسول الله! أرأيت إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد". أخرجه البخاري في صحيحه, كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير (٧٤٤) , ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد، باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة (٥٩٨) . أما معنى هذا الدعاء المبارك فقد ذكره صاحب كتاب "المنهل العذب.." فقال: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب": المباعدة بين المشرق والمغرب هي غاية ما يبالغ فيه الناس، والغرض من هذا التشبيه امتناع الاقتراب من الذنوب كامتناع اقتراب المشرق من المغرب، المعنى: باعد بيني وبين فعل الخطايا بحيث لا أفعلها, وباعد بيني وبين عقوبتها إن فعلتها، "اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس": المراد الخطايا والذنوب التي فعلها فينقى منها, وهذا التشبيه لقوة التنقية، أي: اللهم طهرني من خطاياي طهارة كاملة, وأزلها عني كما يطهر الثوب الأبيض من الوسخ, ووقع التشبيه بالثوب الأبيض, لأن ظهور النقاء فيه أشد وأكمل لصفائه, بخلاف غيره من الألوان, وبعد التنقية قال: "اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد " فبان أن المراد بالمباعدة أي: أن لا أفعل الخطايا, ثم إن فعلتها فنقني منها, ثم أزل آثارها بزيادة التطهير بالماء والثلج والبرد, وكأنه جعل الخطايا بمنزلة جهنم؛ لكونها مسببة عنها, فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل, وبالغ فيه باستعمال المبردات, ترقياً عن الماء إلى أبرد منه. (المنهل العذب (٥/١٩٤، ١٩٥) .

стр. 581

صحة حديث: "لا ينظر الله لامرأة لا تشكر لزوجها " المجيب د. عبد الله بن محمد الحكمي عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقا التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ١٦/٠٨/١٤٢٦هـ السؤال ما معنى حديث الرسول ﵊: "لا ينظر الله لامرأة لا تشكر لزوجها". وهل هذا صحيح؟ الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، وبعد: فهذا الحديث أخرجه النسائي في سننه الكبرى (٩٠٨٦،٩٠٨٧) ، والبزار في مسنده -كما في "كشف الأستار" (١٤٦٠) -والحاكم (٢/١٩٠) وقال صحيح الإسناد، وأقره الذهبي، والبيهقي في سننه الكبرى (٧/٢٩٤) ، من طرق عن قتادة، عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وله تتمة، قوله ﷺ : "وهي لا تستغني عنه". والحديث صحيح بمجموع طرقه، وقد صححه جمع من أهل العلم. ومعنى الحديث واضح، وقد أورده أهل العلم في أبواب عشرة النساء، وهو يدل على أن الشكر من حقوق الرجل على زوجته، والأحاديث في حقوق الرجل على زوجته كثيرة، أُفردت فيها الكتب المستقلة، وكذلك حقوق المرأة على زوجها وردت بها الأحاديث الثابتة الكثيرة. وفق الله الزوجين إلى العشرة الطيبة الكريمة، التي يستقيم بها صلاح الأسرة وسلامتها من التفكك، وصلى الله وسلم على خير خلقه.

стр. 582

عندي إشكال في حديث "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً "! المجيب أ. د. سليمان بن فهد العيسى أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ١١/٠٤/١٤٢٧هـ السؤال حديث النبي ﷺ : "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون". ١- هل يعني أن الصحابة لو علموا ما علم النبي ﷺ لكانوا أشد خوفاً لله منه؟ ٢- لقد علم النبي ﷺ ما لم يعلموا، ومع ذلك تلذذ بالنساء على الفرش، ولم يخرج إلى الصعدات يجأر؟ نرجو التوضيح وإزالة الإشكال، وإحالتنا إلى مرجع مقروء يفيد في ذلك. الجواب الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن الحديث المذكور في السؤال قد رواه ابن ماجه (٤١٩٠) ، والترمذي (٢٣١٢) ، وقال: حسن غريب. وقد ذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير، وأوله في الصحيحين. والجواب على القول بصحة الحديث ما يأتي: أما السؤال الأول: فجوابه أن نقول: حاشا لله أن يكون الصحابة ﵃ لو علموا ما علم النبي ﷺ أن يكونوا أشد خوفا لله منه، وهو القائل: "والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له" أخرجه البخاري (٥٠٦٣) ، ومسلم (١٤٠١) . وهذا مما لا يختلف فيه اثنان. أما السؤال الثاني: فجوابه أن الحديث المذكور فيه إخباره ﷺ بأمور مخيفة قد لا يطيقها البشر لو علموها؛ لكن نقول بالفرق بين النبي ﷺ وبين غيره من الناس، في صبره، وتحمله، وأخلاقه، وكافة أحواله، فله خصائص كثيرة لا تحصى، ومن تلك الخصائص التي لها علاقة بالموضوع: تثبيت الله له قال تعالى: "وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ" [هود:١٢٠] . وقال تعالى "كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا" [الفرقان:٣٢] . وأيضاً قد عصمه الله قال تعالى: "وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ" [المائدة:٦٧] . وصح عنه ﷺ أنه كان يواصل في الصوم، فرغب الصحابة في ذلك فنهاهم، وقال: "إنى لست كهيئتكم"، وفي رواية "لست مثلكم، إني أبيت أطعم وأسقى". صحيح البخاري (٧٢٩٩،١٩٢٢) وصحيح مسلم (١١٠٣،١١٠٢) . وثبت عنه ﷺ أنه قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهر". صحيح البخاري (٣٣٥) ، وصحيح مسلم (٥٢١) . وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "تنام عيناي ولا ينام قلبي" صحيح البخاري (٣٥٦٩) . وخصائصه ﷺ أكثر من أن تحصر، وفيها مؤلفات. وعلى السائل وغيره أن يرجع إلى تلك المؤلفات. هذا وقد عقد العلامة البهوتي في كتابه (كشاف القناع) فصلاً في خصائصه ﷺ بما يقرب من أربع عشرة صفحة (٥/٢٣-٣٧) في أول كتاب النكاح، وكان آخر ما قال: "وخصائصه ﷺ لا تنحصر فيما ذُكر، وفيها كتب مشتملة على بعضها". انتهى.

стр. 583

هذا ومما يزيل الإشكال أيضاً أن الرسول ﷺ ، صاحب رسالة عازم على تبليغها وإظهارها، ولهذا روي عنه أنه قال: "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه" تاريخ الطبري (٢/٣١٥) ، وسيرة ابن هشام (١/٢٨٤-٢٨٥) ، والسلسلة الصحيحة (٩٢) ، والضعيفة (٩٠٩) . وإذا كان الأمر كذلك، فهل يليق بصاحب هذه الرسالة أن يخرج إلى الصعدات يجأر، ويترك ما حَمَّلَهُ ربه القائل "يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ" [المدثر:١] . هذا ومن اطلع على سيرة الرسول ﷺ وما يلقاه من الشدة عند تبليغ رسالة ربه، وعند نزول الوحي، عرف أنه ﷺ ليس كغيره من الناس كما تقدم إيضاحه. وجاء في صحيح مسلم (٢٨٦٧) في قصة مرور النبي ﷺ ببعض القبور قال: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه"، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: " ... تعوذوا بالله من عذاب القبر ... ". قلت فهذا الحديث يدل على ما ذكرته من وجود الفرق بين المصطفى ﷺ وبين غيره من الناس، فالله سبحانه قد أطلعه على عذاب القبر، وأسمعه، وكان بالإمكان أن يدعو ربه لأمته أن يسمعها ما يسمع، لكنه ﷺ امتنع عن ذلك لسبب ذكره ﷺ بقوله: "لولا أن لا تدافنوا" ومعلوم أن الرسول ﷺ قد دفن كثيراً من أصحابه، فما منعه اطلاعه على عذاب بعض أهل القبور من الدفن، بينما يراه ﷺ في أمته مانعاً، مما يدلك على أن الرسول ﷺ ليس كغيره من الناس، فالله سبحانه قد ثبت فؤاده وقوى إيمانه، فلا يقاس عليه غيره مطلقاً. هذا ما أردت إيضاحه حول هذا السؤال المهم، وهذا هو رأيي حول هذا الإشكال، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني، ومن الشيطان، والله بريئ منه ورسوله. والله أعلم وصلى الله علي نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 584

كيف أجتنب المجاهرة بالمعصية وانتهاكها في السر ؟! المجيب د. عبد الله بن عبد العزيز الزايدي عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ١٠/٠٤/١٤٢٧هـ السؤال ورد في قول ﷺ : "كل أمتي معافى إلا المجاهرين". وكذلك حديث العبد الذي يأتي يوم القيامة بحسنات كالجبال ثم يجعلها الله هباءً منثوراً، فكيف نتجنب المجاهرة والعصيان بالسر، سيما وأنتم تعلمون أن الإنسان ليس معصوماً من الخطأ والعصيان. حيث أني قد ابتليت بالمعاصي في السر، ثم أتوب منها، لكن بعد وقت أرجع إلى ذلك الذنب، فما هو الحل جزيتم خيراً؟ الجواب الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: أخي السائل وفقك الله لما يحب ويرضى، وجنبنا وإيّاك أسباب سخطه وغضبه، واجب المسلم عند توهم التعارض بين الآيات والأحاديث، أن يجمع بعضها إلى بعض، ويستقصي جميع النصوص في الموضوع الواحد، حتى يكون تصوره له صحيحا، فحديث النهي عن المجاهرة بالمعاصي أصح وأثبت، وقد رواه البخاري (٦٠٦٩) ومسلم (٢٩٩٠) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان: عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه. وأما حديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا، فيجعلها الله هباء منثوراً". قال ثوبان: يا رسول الله: صفهم لنا جلهم لنا؛ أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: "أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها". وهذا الحديث لم يروه إلاّ ابن ماجة (٤٢٤٥) وقد طعن العلماء في الأحاديث التي يتفرد بها، وقد يصححه بعض المتأخرين، وقد يستدل البعض بقول الله : "يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً" [النساء:١٠٨] ، وهو بمعناه، لكن الله تعالى لم يذكر حبوط العمل في الآية. وعلى فرض صحة الحديث فلا تعارض بينه وبين حديث النهي عن المجاهرة إذا أدركنا مراد رسول الله ﷺ فإن المجاهرة بالمعاصي إثمها عظيم وذنبها كبير، لدلالتها على الاستهانة بالذنب والمعصية، وتشجيع الآخرين عليها. ويحمل حديث ثوبان ﵁ على من يكون هذا حاله دائما، بمعنى أنه لا يبالي بالوقوع في المحرمات متى خلا بها، ولا يقيم وزنا لرقابة الله واطلاعه عليه، وأما ارتكاب المعاصي في الخلوات أحيانا، فلا يكاد يسلم منه أحد، إلاّ من عصمه الله. نسأل الله أن يعامل الجميع بفضله. ومعلوم أن من دعاء المؤمنين الاستغفار من الذنوب (ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا) وفي الأحاديث الأخرى" ... يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة". جامع الترمذي (٣٥٤٠) وفضائل التوبة دالة على أن العباد من شأنهم الخطأ والذنب. "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون". ولاشك أن المؤمن حيي لا يحب أن يجاهر بمعصيته، وهو حين يرتكب المعصية سرا -لغلبة الشيطان والنفس الأمارة بالسوء- يرجو مغفرة ربه ورحمته، فيعود سريعا للاستغفار والتوبة. أسأل الله أن يوفقنا جميعا للتوبة النصوح.

стр. 585

حديث "من عاشر قوماً أربعين يوماً ... " المجيب د. علي بن عبد العزيز العميريني عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٢٠/٠٣/١٤٢٧هـ السؤال يقول ﷺ : "من عاشر قوماً أربعين ليلة صار منهم" فإذا اضطررت للبقاء في دولة غربية أكثر من أربعين ليلة، فهل معنى هذا أني أصبحت منهم، وفقاًًًَ لحديث الرسول ﷺ ؟ الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: قال رسول الله ﷺ : "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله"، أخرجه أبو داود في الجهاد (٧٨٧) ، وفي لفظ عند الحاكم (٢٦٧٤) : "لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم، أو جامعهم فليس منا". وقد قسم العلماء المقيم في البلاد غير الإسلامية إلى ثلاثة أقسام: ١- أن يقيم عندهم رغبة واختياراً لصحبتهم، بأن يرضى ما هم عليه من الدين، أو يعاونهم على المسلمين، فهو منهم وقد كفر بالله ورسوله. ٢- أن يقيم عندهم لأجل مال أو ولد أو بلاد، ولا يعينهم على المسلمين، فهذا آثم في الإقامة معهم، وبصفة خاصة إذا كان لا يستطيع أن يظهر دينه مع قدرته على الهجرة. ٣- من لا حرج عليه في الإقامة بين أظهرهم، فإن كان مظهراً لدينه، لا يجد حرجاً من ذلك. فإنه لا تجب عليه الهجرة ولا يكون آثماً، أما إن أقام عندهم مستضعفاً، فقد استثناه الله تعالى: فقال: "إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا" فمن كانت هذه حاله "فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا" [النساء:٩٨-٩٩] . وما ذكره السائل على أنه من الحديث مشهور بين الناس، ولا أعرفه والمعنى واحد. وبالله التوفيق.

стр. 586

معنى حديث "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر " المجيب أ. د. ياسين بن ناصر الخطيب أستاذ بقسم القضاء في جامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٠٩/٠٥/١٤٢٧هـ السؤال ما معنى الحديث "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر" ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم؟ الجواب الحمد لله والصلاة السلام على رسول الله، وبعد: قال الشوكاني في نيل الأوطار (٥/٣١٨) : عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله؛ أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم" رواه أحمد، وأبو داود ولفظه: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم". الحديث أخرجه أيضاً الطبراني وابن القطان وصححه، قال الحافظ في بلوغ المرام: ورجاله ثقات. شرح الحديث: قال الرافعي: وبيع العينة هو أن يبيع شيئاً من غيره بثمن مؤجل، ويسلمه إلى المشتري، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن نقد أقل من ذلك القدر. انتهى. قوله: "واتبعوا أذناب البقر" المراد: الاشتغال بالحرث، وفي الرواية الأخرى: "وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع"، وقد حُمِلَ هذا على الاشتغال بالزرع في زمن يتعين فيه الجهاد. قوله: "وتركوا الجهاد". أي المتعين فعله. قوله: "ذلا" بضم الذال المعجمة وكسرها، أي صغارا ومسكنة، وسبب هذا الذل -والله أعلم- أنهم لما تركوا الجهاد في سبيل الله الذي فيه عز الإسلام وإظهاره على كل دين؛ عاملهم الله بنقيضه، وهو إنزال الذلة بهم، فصاروا يمشون خلف أذناب البقر بعد أن كانوا يركبون على ظهور الخيل التي هي أعز مكان. قوله: حتى ترجعوا إلى دينكم: فيه زجر بليغ لأنه نَزَّلَ الوقوع في هذه الأمور منزلة الخروج من الدين. والله أعلم.

стр. 587

تساؤلات حول حديث الواهبة نفسها المجيب عمر بن عبد الله المقبل عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ١٤/٠٥/١٤٢٧هـ السؤال قرأت رواية عن النبي ﷺ في إحدى المواقع، فأثارت في نفسي بعض التساؤلات؟ تقول الرواية: ذهب رجل إلى النبي ﷺ وجلس عنده، فجاءت امرأة إلى الرسول ﷺ ، ووقفت عنده، وقالت: يا رسول الله! جئت أهب نفسي لك، أريدك أن تتزوجني، فنظر إليها الرسول ﷺ ، وصعد النظر وصوبه كأنها ما أعجبته فسكت قليلاً، فجاء رجل من عنده، وقال: يا رسول الله! زوجنيها إذا لم يكن لك بها حاجة، فقال له الرسول ﵇: "ابحث عن مهر ... ". إلى آخر الرواية. السؤال الذي دار في ذهني هو عندما جاءت هذه المرأة إلى النبي ﷺ ورفضها؛ لأنها لم تعجبه وأعتقد لجمالها القليل، هل الرسول ﷺ يبحث عن الجمال قبل الدين؟ وهو القدوة، وقد قال: "اظفر بذات الدين تربت يداك". أليس الأولى بالرسول ﷺ أن ينظر إلى دينها أولا؟ الشبهة الثانية التي دارت في نفسي: وجود ذلك الصحابي مع رسول الله ﷺ كيف كشفت المرأة عن وجهها أمامه وهو غير معني بالأمر لأنها جاءت للرسول فقط؟ الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فهذا الحديث الذي ذكرتِهِ -يا ابنتي- يسميه العلماء حديث الواهبة نفسها، وهو ثابت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد ﵁ صحيح البخاري (٥٠٣٠) ، وصحيح مسلم (١٤٢٥) . ولا إشكال فيما ذكرت -بحمد الله-: أما الشبهة الأولى: فإنك قلت في سؤالك: أعتقد لجمالها القليل! وهذا مجرد ظن، فلا يصلح أن تبني عليه حكماً، أو شبهة، خاصة وأن الأمر متعلق بالنبي ﷺ . ثم لو فرضنا أن النبي ﷺ لم يرغبها لقلة جمالها، فليس في ذلك ما يدعو إلى الاستغراب أو سوء الظن، فإن الجمال من مطالب الفطرة التي أقرتها الشريعة، كما في حديث أبي هريرة -المتفق عليه-: "تنكح المرأة لأربع ... ". وذكر منها: "ولجمالها" صحيح البخاري (٥٠٩٠) ، وصحيح مسلم (١٤٦٦) . والرسول ﷺ بشر من الناس يعجبه الجمال. وأما كونه يبحث عن الجمال قبل الدين فليس الأمر كما ظننتِ -يا ابنتي- لسببين: الأول: لأن هذه المرأة معلومة الدين والعفة، ومعلومة النسب -أيضاً- لذا لم يسأل عنهما، فمجتمع المدينة صغير، لا يكاد يخفى فيه أمر أحد صلاحاً وفساداً، فلم يبق إلا المطلب الأخير وهو الجمال -على فرض أن هذا هو السبب في الرفض-. الثاني: أن المرأة قد تكون من أجمل النساء، ولكن لا يقع حبها في القلب، ولا توجد الراحة من قبل الرجل لها، وهذا أمرٌ معروف لا ينكره أحد، وقد قال ﷺ : "الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف". رواه مسلم (٢٦٣٨) موصولاً من حديث أبي هريرة ﵁، والبخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب الأرواح جنود مجندة، تعليقاً من حديث عائشة ﵂. وكم من امرأة اشتهرت بالجمال طلقت من أول أيام زواجها، لعدم وجود الائتلاف والمحبة بين الزوجين. وههنا مسألة، وهي: هل الأولى للإنسان أن يسأل عن الجمال أولاً أم عن الدين؟ الذي يظهر لي أنه يسأل عن الجمال أولاً، فإن كان كما يحب، سأل عن الدين حتى إذا كان الدين غير مرضي ردّها؛ ليُعْلَمَ أنه ردّها من أجل دينها، لا من أجل جمالها. وأما الشبهة الثانية: فهذا الحديث محمول على أنه كان قبل نزول آية الحجاب، وبذلك يزول الإشكال، والحمد لله رب العالمين.

стр. 588

الجمع بين حديث "من قُتل دون نفسه" وفتنة عثمان المجيب أ. د. سليمان بن فهد العيسى أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/شروح حديثية التاريخ ٠٩/٠٤/١٤٢٧هـ السؤال شاهدنا اليوم على إحدى القنوات الفضائية من يقول: إنه إذا أقتحم أحد ما منزلاً ما وشهر على صاحبه سلاحا وأراد قتله فلا يدافع عن نفسه ليموت شهيداً، بسبب أن المسلم لا يجوز أن يرفع في وجه أخيه السلاح بل يدعه يقتله ليلقى لله شهيداً وليدخل القاتل النار ويخلد فيها. واستدل بحادثة سيدنا عثمان بن عفان ﵁ فهل هذا يعقل؟! وأين نحن من حديث الرسول ﷺ : "من مات دون عرضه فهو شهيد ... " إلى آخر الحديث الشريف، فهل ندع الغوغاء يقتحمون علينا دورنا ويعتدون علينا ونحن نسلمهم رقابنا دون أن ندافع على أنفسنا؟ الجواب الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فللإنسان أن يدفع عن نفسه أو أهله أو ماله إذا اعتدي عليه، بل قال بعض أهل العلم: إنه يلزمه ذلك، والدليل قوله تعالى: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" [البقرة:١٩٥] ومن استسلم للصائل الذي يريد قتله فقد ألقى بنفسه إلى التهلكة ووقع فيما نهى الله عنه، ولما رواه مسلم في صحيحه (١٤٠) عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تعطه مالك". قال: أريت إن قاتلني؟ قال: "قاتله". قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد". قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "هو في النار". أما ما ذكره السائل من أن المسلم لا يجوز أن يرفع في وجه أخيه السلاح، فمعناه أن يبتدئ هو برفع السلاح على أخيه ومن غير سبب يقتضي ذلك. وأما ما ذكره من الاستدلال بحادثة عثمان ﵁ فنقول: ذكر بعض أهل العلم أنه يستثنى من وجوب دفع الصائل حال الفتنة، مستدلين بحديث خباب بعد الأرتِّ ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. قال: "فإذا أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل" أخرجه أحمد (٢٠١٥٤) ، وفي حديث أبي ذر ﵁: في ذكر الفتنة قال: "تلزم بيتك". قلت: فإن دخل عليَّ بيتي؟ قال: إن يبهرك شعاع السيف، فألق ثوبك على وجهك، يبوء بإثمك وإثمه". أخرجه أحمد (٢٠٣٦٢) ، وأبو داود (٤٢٦١) . واستدلوا أيضاً بأن عثمان ﵁ لم يدفع الذين خرجوا عليه عن نفسه، ونهى الصحابة أن يدفعوا عنه. هذا والذي أراه أن الفتنة إذا ترتبت على المدافع فإنه يترتب عليها شر أكبر أو كانت المدافعة لا تجدي لكثرة الغوغاء ففي هذه الحال لا يجب الدفع، وإلا وجب الدفع؛ لما تقدم من الأدلة، وتحمل النصوص الواردة في ذلك على هذه الحال، وكذلك ما ورد عن عثمان ﵁ لأن عثمان ﵁ رأى أن أهل المدينة لو دافعوا لا لتهمها هؤلاء الخارجون لأنهم عدد كبير لا طاقة لأهل المدينة بمدافعتهم. بينما يرى بعض أهل العلم أنه يلزم الدفع مطلقاً وأن الأحاديث الواردة في ذلك فيما إذا كان الإنسان لا يستطيع المدافعة حيث فلا فائدة في تلك المدافعة. والله أعلم.

стр. 589

صحة حديث: (العنوهن فإنهن ملعونات ..) ! المجيب د. محمد بن تركي التركي عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/ مسائل متفرقة التاريخ ٦/١٠/١٤٢٤هـ السؤال هل ورد حديث صحيح عن الرسول ﷺ بما معناه: (يأتي في آخر الزمان أن يركب الرجل المياثر وزوجته بقربه وفيهم خير) وفي آخر الحديث العنوهن فإنهن ملعونات (أي الزوجة) وما هي مناسبة الحديث؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً. الجواب السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: أقول وبالله التوفيق: الحديث الذي أشار إليه السائل، هو ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: "سيكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المياثر، حتى يأتوا أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسمنة البخت العجاف، العنوهن فإنهن معلونات.." الحديث. أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/٤٣٦) واللفظ له، وأحمد (٢/٢٢٣) ، وابن حبان (١٣/٦٤) رقم (٥٧٥٣) ، والطبراني في المعجم الكبير القسم الثاني من الجزء ١٣، رقم (١٥٦) ، وفي الأوسط (١٠/١٥٤) ، رقم (٩٣٢٧) ، وفي الصغير رقم (١١٢٥) . كلهم من طريق عبد الله بن عياش بن عباس القتباني، عن أبيه، عن عيسى بن هلال، وأبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، نحوه. وهذا الحديث إسناده ضعيف، فمداره على عبد الله بن عياش، وهو ضعيف، ضعفه عدد من الأئمة. ولكن لبعض ما ورد فيه شاهد صحح، وهو إخباره ﷺ بظهور نساء كاسيات عاريات، فقد أخرج مسلم في صحيحه (٢١٢٨) ، (١٢٥) ، وغيره من حديث أبي هريرة ﵁. ومعنى كاسيات عاريات: قال ابن الأثير: معنى الحديث أنهن كاسيات من نعم الله، عاريات من الشكر، وقيل: هو أن يكشفن بعض جسدهن، ويسدلن الخمر من ورائهن، فهن كاسيات كعاريات، وقيل: أراد أنهن يلبسن ثياباً رقاقاً يصفن ما تحتها من أجسامهن، فهن كاسيات في الظاهر، عاريات في المعنى. والخلاصة أن الحديث باللفظ الذي أشار إليه السائل لا يثبت، ولكن ورد لبعضه شاهد صحيح. والله أعلم.

стр. 590

تصحيح الحاكم وموافقة الذهبي المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ١٧/٥/١٤٢٤هـ السؤال كيف يمكن الحكم بموافقة الإمام الذهبي من عدمها لتصحيح الإمام الحاكم في مستدركه على الصحيحين، من خلال تعليقاته على الأحاديث؟ فإنه أحياناً يقول: صحيح. ويسكت, وأحياناً ينتقد, وأحياناً لا يعلق شيئاً بل يكتفي بالصمت!. ثم هو في البداية لم يذكر منهجه في التعليق على المستدرك, وهل يمكن أن تعتمد أحكامه في هذا التعليق؟. وجزاكم الله خيراً. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه. أما بعد.. أقول وبالله التوفيق: إن الإمام الذهبي قد قام باختصار (المستدرك) ، كما قام باختصار كتب أخرى كثيرة، والأصل في الاختصار ألاّ يكون فيه إضافة من مختصره، بل يقتصر على بعض ما في أصله، دون زيادة، لكن الإمام الذهبي لم يكن يخلي مختصراته من تعقبات وفوائد ينشرها في الكتاب، وهي خارجة عن أصل شرط الكتاب، بل هي فضلة يتبرع بها الذهبي على المستفيدين، فتأتي هذه الإضافات على غير قاعدة مطردة، بل تأتي كيفما اتفق وتيسَّر. أضف إلى ذلك الأصل: أن الذهبي لم يذكر عبارة صريحة بأنه إن نقل حكم الحاكم وسكت عليه يكون موافقاً له، أو أنه لا يكون مخالفاً له إلا إذا تعقب حكمه! ونسبة رأي إلى الذهبي لا بد أن يكون متيقناً أو غالباً على الظن، أما والظن الغالب بخلاف تلك النسبة، فلا تصح. وواضح من خلال كتاب الذهبي أنه إنما ينقل عقب كل حديث حكم الحاكم عليه، ثم إذا أراد أن يتعقبه قدم التعقب بقوله: (قلت) ، وعلى هذا فكل ما خلا عن كلمة (قلت) ، فليس هو إلا رأي الحاكم. أما الاستدلال بتعقيب الذهبي على أن سكوته يدل على الإقرار، فهو استدلال ضعيف؛ لأنه خلاف الأصل في عمل المختصر، الذي لا يعدو سكوته أن يكون نقلاً لما في الأصل. ويدل على أن الذهبي لم يلتزم التعقب في كل ما يخالف فيه الحاكم - سوى ما سبق- الأمور التالية: -قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" في ترجمة الحاكم، مجلد (٤٠١هـ- ٤٢٠هـ) - (١٣٢) ، وهو يتحدث عن (المستدرك) :"ففي المستدرك جملة وافرة على شرطهما، وجملة كبيرة على شرط أحدهما. لعل مجموع ذلك نحو النصف، وفيه نحو الربع مما صح سنده وفيه بعض الشيء، أو له علة. وما بقي، وهو نحو الربع، فهو مناكير وواهيات لا تصح، وفي بعض ذلك موضوعات، قد أعلمت بها لما اختصرت هذا المستدرك، ونبهت على ذلك".

стр. 591

فهذا النص يدل على أن الذهبي لم يعتن ببيان كل الواهيات، وإنما اعتنى بالتعليق على بعضها، وخاصة الموضوعات. ألا ترى أنه ذكر أن ربع الكتاب مناكير وواهيات، في حين أنه لم يتعقب إلا قدر ثمن الكتاب، حيث إن عدد أحاديث الحاكم يبلغ (٩٠٤٥) ، وعدد تعقبات الذهبي (١١٨٢) حديثاً، في حين أن ربع أحاديث كتاب الحاكم هو (٢٢٦١) ، وهذه الإحصائية مستفادة من مقدمة تحقيق مختصر استدراك الذهبي لابن الملقن (٨/٩) ، وبناءً على ذلك فإن الذهبي كان يعلم بوجود ضِعْفِ الأحاديث التي تعقبها في المستدرك من الواهيات، وقد سكت عنها؛ فهل يصح أن نعتبر سكوته بعد ذلك إقراراً؟ بل إن ربع المستدرك عند الذهبي -سوى الربع الأول-، أحاديث ظاهرها الصحة، ولها علل خفية تقدح في صحتها، وعلى هذا: فالذهبي كان يعلم أنه لم يتعقب إلا قدر ربع الأحاديث المنتقدة عنده هو، فكيف يعتقد أن سكوته إقرار وموافقة بعد ذلك؟!! ومما يشهد لذلك أيضاً: انتقاد الذهبي لغيرما حديث في المستدرك، في غير المختصر من كتبه الأخرى، مع سكوته عنه في المختصر، ومن ذلك: (١) فلما صحح الحاكم حديثا (١/٥٤٤-٥٤٥) ، وسكت عنه الذهبي في المختصر، ذكره في الميزان (١/١٣٦ رقم ٥٤٧) حاكماً عليه بالبطلان، ثم قال: "قال الحاكم: صحيح الإسناد. قلت: كلا. قال: فرواته كلهم مدنيون. قلت: كلا. قال: ثقات. قلت: أنا أتهم به أحمد". (٢) وصحح الحاكم حديثاً آخر (٢/٥٤٥) ، وسكت عنه الذهبي في المختصر، لكنه قال في الميزان (٣/١٧٩ رقم ٦٠٤٢) :"صححه الحاكم، وهو حديث منكر كما ترى". (٣) وصحح الحاكم حديثاً ثالثاً (٢/٤٩٣) ، وسكت عنه الذهبي في المختصر، وقال في العُلُو للعلي العظيم (١/٥٩٣ رقم ١٤٦) : "شريك وعطاء فيهما لين، لا يبلغ بهما رد حديثهما، وهذه بلية تحير السامع، كتبتها استطراداً للتعجب، وهو من قبيل اسمع واسكت". وبعد هذا كله، لئن أصرَّ من فرط منه رأي سابق في هذه المسألة، على أن سكوت الذهبي عن تعقب الحاكم إقرار منه وموافقة، أقول له: ما قيمة هذا الإقرار؟ وقد صرح الذهبي بأن مختصره للحاكم يعوزه عمل وتحرير، كما في السير (١٧/١٧٦) ، وبلغ هذا الإعواز إلى حد أنه لم يتعقب إلا نحو ربع ما يستحق التعقب عنده. إن الإصرار على ذلك الرأي إن هو إلا شين للذهبي لا زين، وتمسك بحبل رث غير متين!!! وهذا التقرير بأدلته -لا شك- أنه أولى من تقليد بعض أهل العلم، الذين اعتبروا مجرد سكوت الذهبي إقراراً، كالسيوطي في النكت البديعات (١٩٧) ، والمناوي في فيض القدير، والحسيني في البيان والتعريف، وغيرهم من العلماء المعاصرين. والله أعلم، والحمد لله وحده، - وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اتقى حده-.

стр. 592

الدعاء بطول العمر المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ٣٠/١٢/١٤٢٣هـ السؤال كيفية الجمع بين دعاء رسول الله ﷺ لخادمه أنس بطول العمر كما ثبت هذا عند أصحاب السنن وبين نهيه لزوجته أم حبيبة ﵂ كما ثبت في صحيح مسلم عندما قالت: اللهم متعني بزوجي رسول الله وبأبي أبي سفيان وأخي معاوية؟ الجواب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: أقول وبالله التوفيق: إن الدعاء من الأسباب التي تحقق المقصود بإذن الله تعالى، بل هو -إذا استتم شروط الاستجابة- أعظم الأسباب على الإطلاق؛ لأنه طلب من مسبب الأسباب ومحقق الغايات، وهو الله تعالى، وهو القائل:"ادعوني أستجب لكم" [غافر: ٦٠] . فكما أن الأرزاق وعافية الأبدان والسعادة أمور مقدرة، ولم يناف ذلك طلبها بالأسباب المشروعة، فكذلك طلبها بالدعاء لا ينافي الإيمان بكونها مقدرة في علم الله تعالى من الأزل، والأعمار من جملة الأمور المقدرة أيضاً، يشرع أن تُتّبع الأسباب المشروعة (ومنها الدعاء) لإطالتها ومد أجلها. وأما ما جاء في حديث أم حبيبة في صحيح مسلم رقم (٢٦٦٣) أنها دعت فقالت:"اللهم متعني بزوجي رسول الله ﷺ ، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية: فقال النبي ﷺ : قد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئاً قبل حله، أو يؤخر شيئاً عن حله. ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب النار أو عذاب القبر كان خيراً وأفضل" فلهذا الحديث توجيهان: الأول: إما أن النبي ﷺ علم بالوحي أن أعمار الذين دعت لهم أم حبيبة لن يزاد عليها بدعائها، فنهاها عن ذلك لذلك. الثاني: وإما أنه قصد أن يرشدها إلى ما هو خير لها وأفضل من أن تدعو بزيادة الأعمار والتمتع بها في الدنيا، وهو الدعاء بالنجاة من عذاب النار وعذاب القبر. وهذا المبحث من مباحث القدر الكبرى، وله علاقة بتفسير قول الله تعالى:"يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب" [الرعد:٣٩] ، وقد تكلم عنه المازري (تـ٥٣٦ هـ) في المعلم بفوائد مسلم بكلام جامع نقله عنه من جاء بعده (٣/١٨٤-١٨٦) فانظر: إكمال المعلم للقاضي عياض (٨/١٥٣-١٥٦) ، والمفهم للقرطبي (٦/٦٨١-٦٨٢) وشرح النووي (٨/٤٥٢-٤٥٤) ، والله أعلم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

стр. 593

التأسي بالنبي ﷺ - المجيب التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ٢٠/٣/١٤٢٣ السؤال هل اتباع السنة يعني تقليد النبي الكريم ﷺ في كل أفعاله حتى في الأكل والملبس؟ الجواب الأصل متابعة الأمة لنبيها ﷺ في أفعاله وأقواله وأحواله، فقد جعل الله لها قدوة، فقال: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر" [الأحزاب:٢١] . قال ابن كثير:" هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله" [تفسير ابن كثير ٣/٤٨٣] . ثم إن أفعاله ﷺ من سنته عند جميع العلماء، وقد أمر ﷺ بلزوم سنته. ولكن أفعاله -صلوات الله وسلامه عليه- عند أهل العلم أنواع من حيث دلالاتها على مشروعية ذلك الفعل للأمة، فهي على أقسام ثلاثة: القسم الأول: ما فعله ﷺ بمقتضى الجبلة، أي: الحاجة العادية التي طبع عليها البشر كقيامه وقعوده وأكله وشربه، وهذا الأصل فيه أن النبي ﷺ لم يقصد به التشريع والتعبد فهذا لا يطالب المكلف بالاقتداء به ﷺ فيه فيقوم الإنسان ويقعد ويشرب بحسب حاجته هو لهذه الأفعال، سواء وافق فيها فعل النبي ﷺ أم لم يوافقه. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه إن تأسى به متأسٍ فلا بأس، وإن تركه لا رغبة عنه ولا استكباراً فلا بأس، فقد جاء عن الشافعي أنه شرب قائماً اقتداءً بفعله ﷺ لكن ما ورد عنه ﷺ في هذه الأفعال مما هو زائد عن أصل الفعل ودل دليل على حكم له آخر فإنه يأخذ ذلك الحكم، فصفة الأكل والشرب من التسمية واستعمال اليمين والحمد عند الانتهاء وآداب المجالسة على الطعام كلها مشروعة بحسب الأدلة وجوباً أو استحباباً. والنوم مستقبل القبلة وعلى جانبه الأيمن وقول الذكر عند النوم كلها مشروعة وهي أمر زائد عن أصل فعل النوم. ويلحق بهذا ما فعله ﷺ بحكم الاتفاق ولم يقصده مثل: أن ينزل بمكان ويصلي فيه لكونه نزله لا قصداً منه الصلاة والنزول فيه فإن تخصيص ذلك المكان بالصلاة لا يكون تأسياً به ﷺ ؛ لأنه لم يقصد ذلك المكان بالعبادة. القسم الثاني: الأفعال التي دل الدليل على أنه ﷺ مختص بها كالجمع بين أكثر من أربع من النساء، والوصال في الصوم فإنه لا يشرع لأحدٍ أن يتأسى به ﷺ في ذلك. القسم الثالث: أفعاله ﷺ التي يبين بها التشريعات المجملة كبيانه بالفعل للصلاة التي جاءت مجملة في كتاب الله، وبيانه للحج والزكاة والصوم ونحو ذلك، فهذه الأفعال تأخذ حكم ما بينته، فإن بينت واجباً فهي واجبة، وإن بينت مندوباً فهي مندوبة. يراجع هذا الأمر الكتب التالية: [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١/٢٨٠، ١٠/٤٠٩، الفقيه والمتفقه ١/٣٤٩ وما بعدها ط: عادل العزازي، شرح الكوكب المنير ٢/١٧٨ وما بعدها، معالم أصول الفقه لمحمد بن حسين الجيزاني ١٣١] .

стр. 594

الخلع وطلب الطلاق المجيب د. محمد بن سليمان المنيعي عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ٢٣/٤/١٤٢٤هـ السؤال بسم الله الرحمن الرحيم. أرجو من فضيلتكم التوضيح، كيف يمكننا أن نجمع حديث امرأة ثابت بن قيس ﵄ الذي رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ وحديث ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ قال: أيما امرأة سألت زوجها طلاقاً من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة، رواه أبو داود والترمذي وحسنه، والبيهقي وفيه قال: وإن المختلعات هن المنافقات ... جزاكم الله خيراً. الجواب الجمع من لفظ الحديث، فإن حديث ثوبان ﵁ النهي فيه عن سؤال المرأة زوجها الطلاق من غير بأس، وأما حديث ابن عباس ﵄ في امرأة ثابت بن قيس ﵄ فإنها طلبت الطلاق من بأسٍ، ذلك بأنها قالت للرسول ﷺ : "ولكني لا أطيقه" رواه البخاري (٥٢٧٥) وورد في مسند الإمام أحمد (١٦٠٩٥) قولها: "إني لا أراه فلولا مخافة الله لبزقت في وجهه" وفي رواية للبخاري (٥٢٧٣) "ولكني أكره الكفر في الإسلام". فإذا خشيت المرأة ببقائها مع زوجها الوقوع في المحاذير الشرعية من عصيانه وعدم إجابته إلى الفراش فلا جناح عليها أن تطلب الفراق، قال تعالى: " ... إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ... " [البقرة: ٢٢٩] قال طاووس: ألا يقيما محدودة فيما افترض لكل واحد منهما على صاحبه في العشرة والصحبة.

стр. 595

هل الاحتلام من الشيطان ؟ المجيب عمر بن عبد الله المقبل عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ٢/١/١٤٢٤هـ السؤال هل ورد حديث صحيح يدل على أن الاحتلام من الشيطان؟ الجواب لا أعلم في ذلك حديثاً صحيحاً والذي وقفت عليه في هذا، حديث رواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/٢٢٥) والأوسط (٨/٩١) واللفظ له، وابن عدي في الكامل (٣/٩٢) من حديث ابن عباس ﵄ قال:"ما احتلم نبي قط إنما الاحتلام من الشيطان". وهذا الحديث ضعفه ابن دحية كما نقله ابن الملقن في غاية السول (٢٩٠) وهو كما قال؛ لأن في سنده عبد العزيز بن أبي ثابت، قال عنه البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث، وزاد أبو حاتم: جداً، وقال النسائي: متروك الحديث، كما في التهذيب لابن حجر (٦/٣٠٨) . ومع ضعفه الشديد: اختلف عليه في رفعه ووقفه. وقد ذكر بعض العلماء أن عدم الاحتلام من خصائص النبي ﷺ ، وفي هذا نظر حتى يثبت به الأثر، ولا يلزم أن يكون المني من تلاعب الشيطان، بل هو فيض زيادة المني يخرج في وقته، ينظر: شرح مسلم للنووي (٣/١٩٩) ، والله أعلم.

стр. 596

رفع اليدين عند قبر النبي المجيب عبد الرحمن بن عبد الله العجلان المدرس بالحرم المكي التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ١٥/٨/١٤٢٤هـ السؤال هل ثبت في السنة شيء عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند قبر النبي ﷺ عند السلام؟ وما حكم ذلك في الشرع؟ وما حكم الإطالة في السلام؟ وما حكم الجلوس مستقبلاً قبر النبي ﷺ ؟ وجزاكم الله خير الجزاء. الجواب الوارد عن ابن عمر ﵄ أنه إذا جاء للسلام على النبي ﷺ يقف إلى قبر النبي ﷺ فيقول: السلام عليك يا رسول الله، ثم يقول السلام عليك يا أبا بكر، ثم يقول: السلام عليك يا عمر يا أبت انظر ما رواه مالك في الموطأ (٤٠٦) ، وينصرف، ولم ينقل عن الصحابة ﵃ فيما أعلم أنهم كانوا يرفعون أيديهم أو يقفون طويلاً وإنما يسلمون وينصرفون، قال بعض السلف إذا أحبَّ أن يدعو فيتوجه إلى القبلة، ويدعو الله بما أحبَّ من خيري الدنيا والآخرة كعادته دائماً وأبداً، في دعائه يستقبل القبلة.

стр. 597

إنكار السنة بدعوى أن الله لم يتعهد بحفظها المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ١٩/٨/١٤٢٤هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ما حكم من كذب بأحاديث الرسول ﷺ محتجاً بأن الله تعالى لم يتعهد بحفظها كالقرآن، فلا تثريب عليّ، ويحتج أيضاً بأننا لو فتحنا هذا الباب لاحتج أصحاب الديانات الأخرى أيضاً على ما لديهم من المنقول، فهذه شبهة قامت في نفوس جماعة من المسلمين في بلدنا، فنرجو تزويدنا بالجواب؟ وجزاكم الله خير الجزاء. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واتقى حده. أما بعد: أقول وبالله التوفيق: إن السنة النبوية محفوظة بحفظ الله تعالى لدينه وكتابه القرآن الكريم، وعلى ذلك إجماع المسلمين. أما من شك أو شكك في ذلك، فإنا نقول له: إما أنك مسلم، أو لست بمسلم. فإن كنت مسلماً لك جواب، وإن كنت غير ذلك فلك جواب آخر. أما المسلم فإنا نقول له: يدل على حفظ الله تعالى للسنة أمور كثيرة منها ما يلي: أولاً: قال الله تعالى: "وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ" [آل عمران:٨٥] . وقال تعالى: "مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً" [الأحزاب:٤٠] . وقال تعالى: "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ" [التوبة:٣٣] . فدلت هذه الآيات أن دين الإسلام هو آخر الشرائع، وأنه لا يقبل الله تعالى من العالمين سواه، وأنه سيبقى إلى قيام الساعة. ولا شك أن بقاء هذا الدين يعني حفظ شرائعه وأحكامه، وعلى رأس ذلك أركان الإسلام. ومن المعلوم أن الصلاة. إنما جاء في القرآن الأمر بإقامتها أمراً مجملاً، دون بيان أعدادها وشروطها وأركانها وواجباتها وسننها، وأن ذلك كله إنما ورد في السنة مفصلاً مبيناً، فكيف نؤمن ببقاء دين الله تعالى، لو اعتقدنا ضياع السنة، التي لا بقاء لهذا الركن العظيم من أركان الإسلام بدونها؟! وقل مثل ذلك في الزكاة والصيام والحج وغيرها من الأحكام؛ حيث إن تفاصيل أحكام ذلك كله لم تأت في القرآن الكريم، إنما جاء في السنة، وعلى هذا فلو اعتقدنا ضياع السنة فقد كذبنا القرآن الذي أخبرنا ببقاء هذا الدين وحفظه؛ لأن في ضياعها ضياع الدين كله!! ثانياً: يقول الله تعالى: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [الحجر:٩] ، ولا شك أن الذكر في هذه الآية هو القرآن الكريم، وهذا وعد من الله بحفظ كتابه.

стр. 598

ومن المعلوم أن القرآن إنما أنزله ربنا لنفهم معانيه ولنتدبره، كما قال تعالى: "كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ" [صّ:٢٩] . وقال سبحانه "أفلا يتدبرون القرآن" [النساء: ٨٢] . والمقصود من التدبر هو العمل بأحكامه والاهتداء بنوره وعبادة الله تعالى على وفق مراده سبحانه، وقد بين لنا ربنا أن بيان القرآن وتفسيره موكول إلى النبي ﷺ ، وأن ذلك التفسير والبيان هو أعظم وظيفة للنبي ﷺ ، ولأجل ذلك أنزل عليه القرآن، ليبلغه حروفاً ومعاني وذلك كله في قوله تعالى: "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" [النحل: من الآية٤٤] . وفي قوله سبحانه: "وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" [النحل:٦٤] . ولذلك فإن تعهد الله تعالى بحفظ القرآن يتضمن التعهد بحفظ بيانه من السنة النبوية؛ لأن حفظ القرآن لن يتم بغير حفظ ألفاظه ومعانيه، ومعانيه لا تعرف إلا بالسنة، فدل ذلك على تحقيق حفظ السنة بحفظ القرآن. بل إن حفظ معاني القرآن التي جاءت بها السنة أهم من حفظ حروفه مع تضييع معانيه؛ لأن المقصود من حفظ القرآن العمل بمقتضاه، ولا يعمل بمقتضاه إذا لم تعرف معانيه، ولذلك فلا يتحقق حفظ القرآن بغير حفظ السنة. وهذا هو الذي جعل العلماء من قديم يذكرون أن قوله تعالى: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [الحجر: ٩] كما يتضمن الوعد بحفظ القرآن، فهو يتضمن الوعد بحفظ السنة النبوية أيضاً. ثالثاً: لقد جاء في آيات كثيرة جداً في القرآن الكريم الأمر بطاعة النبي ﷺ كقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ" [النساء: من الآية٥٩] . وكقوله تعالى: "من يطع الرسول فقد أطاع الله" [النساء: ٨٠] . ونفى تعالى الإيمان عمن لم يقبل حكم النبي ﷺ فقال تعالى: "فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً" [النساء:٦٥] .

стр. 599

وأمر بالرجوع إلى كتابه الكريم وإلى سنة رسوله ﷺ عند التنازع، فقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ" [النساء:٥٩] . وحذر تعالى من مخالفة أمر النبي ﷺ فقال : "فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [النور: من الآية٦٣] . وقال تعالى: "وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً" [الأحزاب: من الآية٣٦] . وقال سبحانه: "وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً" [الجن: من الآية٢٣] . وحثنا سبحانه أن نقتدي بالنبي - صلى الله في قوله تعالى: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً" [الأحزاب:٢١] . فهذه الأوامر الإلهية وغيرها مما هو في معناها كثير جداً في كتاب الله تعالى، كيف ستطبق لو لم تحفظ السنة؟! كيف سنطيع رسول الله ﷺ ؟ وكيف سننتهي عن مخالفة أمره؟ وكيف سنعرف هديه لنقتدي به فيه؟ لو أن السنة غير محفوظة!! إن اعتقاد ضياع السنة يعني أن تلك الآيات (جميعها وغيرها مما هو في معناها) لا فائدة منها ولا معنى لها؛ لأنها تكليف بما لا يستطاع!! والحاصل أن ربنا قال: "لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا" [البقرة: من الآية٢٨٦] . وبذلك نضيف وجهاً جديداً ودليلاً آخر على أن حفظ القرآن لا يتحقق بغير حفظ السنة؛ لأن تلك الآيات الآمرة بطاعة النبي ﷺ والمحذرة من معصيته والحاثة على الاحتكام إليه والاقتداء بسنته لن يمكن العمل بها إذا لم تحفظ السنة!!! ولهذا كله كان التشكيك في السنة تشكيكاً في القرآن الكريم، وهذا لا يقع من مسلم أبداً، إلا أن يكون جاهلاً، والجاهل لا يعذر بعد أن تقوم عليه الحجة بهذه الأدلة الآنفة الذكر. أما غير المسلم: وهو الذي إذا احتججنا عليه بمنقولاتنا (وهي القرآن والسنة) احتج علينا بنقولاته، كما جاء في السؤال؛ فإننا لا نبدأ خطابه بالأدلة السابقة؛ لأنه لا يؤمن بالقرآن أصلاً وإنما نبدأ بدعوته إلى الإسلام، وبإثبات نبوة محمد ﷺ من خلال دلائل نبوته ﵊ المتعددة: كإعجاز القرآن الكريم المتنوع الوجوه: في بلاغته، وتشريعاته، وإخباره بالمغيبات، وسبقه العلمي الكوني (المسمى بالإعجاز العلمي) ، وكإعجاز السنة النبوية كذلك، وبيان بشارات الأنبياء به ﷺ ، والتي مع تحريف اليهود والنصارى لكتبهم، ومع إخفائهم لكثير منها لم يزل فيها إلى اليوم ما يدل على ذلك ... إلى غير ما سبق من دلائل نبوته ﷺ . فإذا ما صدق وآمن بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ رسولاً ونبياً، بيَّنا له بالأدلة المتقدمة حفظ الله - تعالى - للسنة النبوية.

стр. 600

ولذلك فلسنا نخشى إن احتججنا بمنقولاتنا من احتجاج أصحاب الديانات الأخرى علينا بمنقولاتهم؛ لأن الأمر ليس بمجرد الدعاوى، وإنما الأمر بالحجة والبرهان؛ فشتان شتان بيننا وبين من يخالفنا في الدين!! وهذا هو مصدر قوتنا - نحن المسلمين - أننا أصحاب الحق المطلق على هذه الأرض، ولدينا الأدلة القاطعة على ذلك كله، ولولا ذلك لما بقت للإسلام والمسلمين باقية، مع كثرة أعدائنا، وتكالبهم علينا، وشراسة حربهم ضدنا. إن ديننا الحق؛ لأنه دين الله تعالى الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأدلة هذه الدعوى عندنا كثيرة، كافية لإيمان أهل الأرض كلهم. لكن من يبلغها لأهل الأرض؟! بل من يُبصِّر أبناء المسلمين بها قبل غيرهم؟ هذا ما يسعى إليه الناصحون لدينهم، الغيورون على أبناء ملتهم، الحريصون على هداية الناس كلهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة. هذا والله أسأل أن يهدينا جميعاً صراطه المستقيم. والله أعلم. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
следующие страницы →