← Фатава

Фатава · id 894

فتاوى واستشارات الإسلام اليوم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 202 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

رفع اليدين عند قبر النبي المجيب عبد الرحمن بن عبد الله العجلان المدرس بالحرم المكي التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ١٥/٨/١٤٢٤هـ السؤال هل ثبت في السنة شيء عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند قبر النبي ﷺ عند السلام؟ وما حكم ذلك في الشرع؟ وما حكم الإطالة في السلام؟ وما حكم الجلوس مستقبلاً قبر النبي ﷺ ؟ وجزاكم الله خير الجزاء. الجواب الوارد عن ابن عمر ﵄ أنه إذا جاء للسلام على النبي ﷺ يقف إلى قبر النبي ﷺ فيقول: السلام عليك يا رسول الله، ثم يقول السلام عليك يا أبا بكر، ثم يقول: السلام عليك يا عمر يا أبت انظر ما رواه مالك في الموطأ (٤٠٦) ، وينصرف، ولم ينقل عن الصحابة ﵃ فيما أعلم أنهم كانوا يرفعون أيديهم أو يقفون طويلاً وإنما يسلمون وينصرفون، قال بعض السلف إذا أحبَّ أن يدعو فيتوجه إلى القبلة، ويدعو الله بما أحبَّ من خيري الدنيا والآخرة كعادته دائماً وأبداً، في دعائه يستقبل القبلة.

стр. 597

إنكار السنة بدعوى أن الله لم يتعهد بحفظها المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ١٩/٨/١٤٢٤هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ما حكم من كذب بأحاديث الرسول ﷺ محتجاً بأن الله تعالى لم يتعهد بحفظها كالقرآن، فلا تثريب عليّ، ويحتج أيضاً بأننا لو فتحنا هذا الباب لاحتج أصحاب الديانات الأخرى أيضاً على ما لديهم من المنقول، فهذه شبهة قامت في نفوس جماعة من المسلمين في بلدنا، فنرجو تزويدنا بالجواب؟ وجزاكم الله خير الجزاء. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واتقى حده. أما بعد: أقول وبالله التوفيق: إن السنة النبوية محفوظة بحفظ الله تعالى لدينه وكتابه القرآن الكريم، وعلى ذلك إجماع المسلمين. أما من شك أو شكك في ذلك، فإنا نقول له: إما أنك مسلم، أو لست بمسلم. فإن كنت مسلماً لك جواب، وإن كنت غير ذلك فلك جواب آخر. أما المسلم فإنا نقول له: يدل على حفظ الله تعالى للسنة أمور كثيرة منها ما يلي: أولاً: قال الله تعالى: "وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ" [آل عمران:٨٥] . وقال تعالى: "مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً" [الأحزاب:٤٠] . وقال تعالى: "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ" [التوبة:٣٣] . فدلت هذه الآيات أن دين الإسلام هو آخر الشرائع، وأنه لا يقبل الله تعالى من العالمين سواه، وأنه سيبقى إلى قيام الساعة. ولا شك أن بقاء هذا الدين يعني حفظ شرائعه وأحكامه، وعلى رأس ذلك أركان الإسلام. ومن المعلوم أن الصلاة. إنما جاء في القرآن الأمر بإقامتها أمراً مجملاً، دون بيان أعدادها وشروطها وأركانها وواجباتها وسننها، وأن ذلك كله إنما ورد في السنة مفصلاً مبيناً، فكيف نؤمن ببقاء دين الله تعالى، لو اعتقدنا ضياع السنة، التي لا بقاء لهذا الركن العظيم من أركان الإسلام بدونها؟! وقل مثل ذلك في الزكاة والصيام والحج وغيرها من الأحكام؛ حيث إن تفاصيل أحكام ذلك كله لم تأت في القرآن الكريم، إنما جاء في السنة، وعلى هذا فلو اعتقدنا ضياع السنة فقد كذبنا القرآن الذي أخبرنا ببقاء هذا الدين وحفظه؛ لأن في ضياعها ضياع الدين كله!! ثانياً: يقول الله تعالى: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [الحجر:٩] ، ولا شك أن الذكر في هذه الآية هو القرآن الكريم، وهذا وعد من الله بحفظ كتابه.

стр. 598

ومن المعلوم أن القرآن إنما أنزله ربنا لنفهم معانيه ولنتدبره، كما قال تعالى: "كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ" [صّ:٢٩] . وقال سبحانه "أفلا يتدبرون القرآن" [النساء: ٨٢] . والمقصود من التدبر هو العمل بأحكامه والاهتداء بنوره وعبادة الله تعالى على وفق مراده سبحانه، وقد بين لنا ربنا أن بيان القرآن وتفسيره موكول إلى النبي ﷺ ، وأن ذلك التفسير والبيان هو أعظم وظيفة للنبي ﷺ ، ولأجل ذلك أنزل عليه القرآن، ليبلغه حروفاً ومعاني وذلك كله في قوله تعالى: "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" [النحل: من الآية٤٤] . وفي قوله سبحانه: "وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" [النحل:٦٤] . ولذلك فإن تعهد الله تعالى بحفظ القرآن يتضمن التعهد بحفظ بيانه من السنة النبوية؛ لأن حفظ القرآن لن يتم بغير حفظ ألفاظه ومعانيه، ومعانيه لا تعرف إلا بالسنة، فدل ذلك على تحقيق حفظ السنة بحفظ القرآن. بل إن حفظ معاني القرآن التي جاءت بها السنة أهم من حفظ حروفه مع تضييع معانيه؛ لأن المقصود من حفظ القرآن العمل بمقتضاه، ولا يعمل بمقتضاه إذا لم تعرف معانيه، ولذلك فلا يتحقق حفظ القرآن بغير حفظ السنة. وهذا هو الذي جعل العلماء من قديم يذكرون أن قوله تعالى: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [الحجر: ٩] كما يتضمن الوعد بحفظ القرآن، فهو يتضمن الوعد بحفظ السنة النبوية أيضاً. ثالثاً: لقد جاء في آيات كثيرة جداً في القرآن الكريم الأمر بطاعة النبي ﷺ كقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ" [النساء: من الآية٥٩] . وكقوله تعالى: "من يطع الرسول فقد أطاع الله" [النساء: ٨٠] . ونفى تعالى الإيمان عمن لم يقبل حكم النبي ﷺ فقال تعالى: "فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً" [النساء:٦٥] .

стр. 599

وأمر بالرجوع إلى كتابه الكريم وإلى سنة رسوله ﷺ عند التنازع، فقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ" [النساء:٥٩] . وحذر تعالى من مخالفة أمر النبي ﷺ فقال : "فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [النور: من الآية٦٣] . وقال تعالى: "وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً" [الأحزاب: من الآية٣٦] . وقال سبحانه: "وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً" [الجن: من الآية٢٣] . وحثنا سبحانه أن نقتدي بالنبي - صلى الله في قوله تعالى: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً" [الأحزاب:٢١] . فهذه الأوامر الإلهية وغيرها مما هو في معناها كثير جداً في كتاب الله تعالى، كيف ستطبق لو لم تحفظ السنة؟! كيف سنطيع رسول الله ﷺ ؟ وكيف سننتهي عن مخالفة أمره؟ وكيف سنعرف هديه لنقتدي به فيه؟ لو أن السنة غير محفوظة!! إن اعتقاد ضياع السنة يعني أن تلك الآيات (جميعها وغيرها مما هو في معناها) لا فائدة منها ولا معنى لها؛ لأنها تكليف بما لا يستطاع!! والحاصل أن ربنا قال: "لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا" [البقرة: من الآية٢٨٦] . وبذلك نضيف وجهاً جديداً ودليلاً آخر على أن حفظ القرآن لا يتحقق بغير حفظ السنة؛ لأن تلك الآيات الآمرة بطاعة النبي ﷺ والمحذرة من معصيته والحاثة على الاحتكام إليه والاقتداء بسنته لن يمكن العمل بها إذا لم تحفظ السنة!!! ولهذا كله كان التشكيك في السنة تشكيكاً في القرآن الكريم، وهذا لا يقع من مسلم أبداً، إلا أن يكون جاهلاً، والجاهل لا يعذر بعد أن تقوم عليه الحجة بهذه الأدلة الآنفة الذكر. أما غير المسلم: وهو الذي إذا احتججنا عليه بمنقولاتنا (وهي القرآن والسنة) احتج علينا بنقولاته، كما جاء في السؤال؛ فإننا لا نبدأ خطابه بالأدلة السابقة؛ لأنه لا يؤمن بالقرآن أصلاً وإنما نبدأ بدعوته إلى الإسلام، وبإثبات نبوة محمد ﷺ من خلال دلائل نبوته ﵊ المتعددة: كإعجاز القرآن الكريم المتنوع الوجوه: في بلاغته، وتشريعاته، وإخباره بالمغيبات، وسبقه العلمي الكوني (المسمى بالإعجاز العلمي) ، وكإعجاز السنة النبوية كذلك، وبيان بشارات الأنبياء به ﷺ ، والتي مع تحريف اليهود والنصارى لكتبهم، ومع إخفائهم لكثير منها لم يزل فيها إلى اليوم ما يدل على ذلك ... إلى غير ما سبق من دلائل نبوته ﷺ . فإذا ما صدق وآمن بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ رسولاً ونبياً، بيَّنا له بالأدلة المتقدمة حفظ الله - تعالى - للسنة النبوية.

стр. 600

ولذلك فلسنا نخشى إن احتججنا بمنقولاتنا من احتجاج أصحاب الديانات الأخرى علينا بمنقولاتهم؛ لأن الأمر ليس بمجرد الدعاوى، وإنما الأمر بالحجة والبرهان؛ فشتان شتان بيننا وبين من يخالفنا في الدين!! وهذا هو مصدر قوتنا - نحن المسلمين - أننا أصحاب الحق المطلق على هذه الأرض، ولدينا الأدلة القاطعة على ذلك كله، ولولا ذلك لما بقت للإسلام والمسلمين باقية، مع كثرة أعدائنا، وتكالبهم علينا، وشراسة حربهم ضدنا. إن ديننا الحق؛ لأنه دين الله تعالى الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأدلة هذه الدعوى عندنا كثيرة، كافية لإيمان أهل الأرض كلهم. لكن من يبلغها لأهل الأرض؟! بل من يُبصِّر أبناء المسلمين بها قبل غيرهم؟ هذا ما يسعى إليه الناصحون لدينهم، الغيورون على أبناء ملتهم، الحريصون على هداية الناس كلهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة. هذا والله أسأل أن يهدينا جميعاً صراطه المستقيم. والله أعلم. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

стр. 601

أحاديث الإفطار المجيب عمر بن عبد الله المقبل عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ١/١/١٤٢٥هـ السؤال ما هي الأحاديث الواردة عند الإفطار؟ الجواب أحاديث الدعاء عند الإفطار: ورد في هذا الباب جملة من الأحاديث، كلها لا تخلو من مقال، منها: (١) حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ الذي أخرجه ابن ماجة (١٧٥٣) من طريق إسحاق بن عبيد الله المدني، قال: سمعت عبد الله بن أبي مليكة يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ :"إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد". قال ابن أبي مليكة: سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي. وقد أخرجه الحاكم (١/٤٢٢) وغيره. (٢) حديث ابن عمر ﵄: أخرجه أبو داود (٢/٧٦٥) باب: القول عند الإفطار (٢٣٥٧) من طريق مروان -يعني ابن سالم المقفع- قال: رأيت ابن عمر ﵄ يقبض على لحيته، فيقطع ما زاد على الكف، وقال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر قال:"ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله". (٣) عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أفطر قال:" بسم الله، اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت" رواه الطبراني في الأوسط (٧٥٤٩) ، وفي الباب أحاديث أخرى، لكنها ضعيفة جداً. وفي الباب أيضاً آثار عن بعض السلف في الدعاء عند الصوم ومنها: أثر الربيع بن خثيم، وهو ثقة عابد مخضرم، فقد كان يقول:"الحمد لله الذي أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت". أخرجه ابن فضيل في كتاب (الدعاء) وعند ابن أبي شيبة في المصنف (٩٧٤٤) عن حصين بن عبد الرحمن السلمي قال: كان الربيع بن خثيم يقول: فذكره. وهذا يدل على شهرة هذا الأمر عند السلف -رحمهم الله تعالى-، والعمل عليه جار عند الأمة منذ الأعصار الأولى، وفي القرآن الكريم إشارة إلى هذه المسألة، يقول الحافظ ابن كثير ﵀ حين قال عند تفسير قوله -تعالى-:"وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان" [البقرة:١٨٦] (١/٢٠٨) : وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة بل وعند كل فطر، كما رواه الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده ... " ثم ذكر جملة من الأحاديث السابقة.

стр. 602

حديث (إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) المجيب عبد الله بن فهد السلوم مدرس بثانوية الملك سعود التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ١/٨/١٤٢٤هـ السؤال سمعت حديثاً عن الرسول ﷺ معناه: يوم القيامة يأتي أناس بأعمال مثل جبل تهامة، يجعلها الله هباء منثوراً، أريد نص الحديث كاملاً وشرحاً له. الجواب إلى أخي الكريم: عبد الله حفظه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فهذا نص الحديث الذي تريده. عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباء منثوراً أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها" رواه ابن ماجة. وصححه الألباني ﵀ في صحيح الجامع (٥-٣) . ومعنى الحديث أنه يأتي أناس يوم القيامة من بني قومنا يتكلمون بلغتنا نعرفهم ويعرفوننا، ولكن الله يجعل أعمالهم هباء منثوراً تضيع عليهم ويخسرونها فلا تنفعهم أعمالهم فيكونون من أهل النار، لماذا؟ لأنهم قوم فجار ماكرون فهم أمام الناس من المصلين المحافظين، أما إذا غابوا عن الناس فجروا ومكروا فلم يرعوا الله وقارا، ولم يستحوا من ربهم في الوقوع في المحرمات وانتهاك الأعراض من السب والغيبة والنميمة، والظلم، والتعدي، على حقوق الآخرين، كما قال تعالى: "يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً" [النساء:١٠٨] ، وكما في حديث المفلس الذي يأتي بصلاة وصدقة وصيام ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، فيؤخذ لهذا من حسناته، وهذا من حسناته فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه فطرح في النار" رواه مسلم، نعوذ بالله من الخسران.

стр. 603

رد حديث المصطفى ﷺ المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ٢١/٣/١٤٢٥هـ السؤال السؤال: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵊: "لا أعرفن أحداً منكم أتاه عني حديث وهو متكئ في أريكته فيقول: اتلوا علي به قرآنا، وما جاءكم عني من خير قلته أو لَم أقله, فأنا أقوله, وما آتاكم عني من شر, فأنا لا أقول الشر" مسند الإمام أحمد (٨٧٨٧) , والترمذي. وقوله ﵊: "إذا سمعتم الحديث عني, تعرفه قلوبكم, وتلين له أشعاركم وأبشاركم, وترون أنه منكم قريب , فأنا أولاكم به , وإذا سمعتم الحديث عني, تنكره قلوبكم, وتنفر عنه أشعاركم وأبشاركم, وترون أنه منكم بعيد, فأنا أبعدكم منه" ابن حبان, مسند الإمام أحمد. وقوله ﵊: "مَن كذب علي متعمداً, فليتبوأ بيتاً في النار ومَن ردَّ حديثاً عني, فليتبوأ بيتاً في النار, ومَن ردَّ حديثاً بلغه عني فأنا مخاصمه يوم القيامة, وإذا بلغكم عني حديث, ولَم تعرفوه, فقولوا الله أعلم" الطبراني في المعجم الكبير (٦١٦٣) . وقوله ﵊: "مَن بلغه عني حديث, فكذب به, فقد كذب ثلاثة: الله, ورسوله , والذي حدث به" الطبراني في الأوسط (٧٥٩٦) . وقوله ﵊: "عسى أن يكذبني رجل وهو متكئ على أريكته, يبلغه الحديث عني, فيقول: ما قال رسول الله ﷺ دع هذا وهات ما في القرآن" أبو يعلى في المسند (١٨١٣) . وقوله ﵊:"من بلغه عن الله فضيلة فلم يصدق بها لَم ينلها" الطبراني في الأوسط (٥١٢٩) . فضيلة الشيخ: هل نستطيع أن نحكم بهذه الأدلة على أن المصطلحات النبوية أو الأحاديث النبوية كلها صحيحة؟ وأن مَن كذب على النبي ﵊ يعود إثمه على الراوي: "مَن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار", وهل نستطيع أن نقول إن جميع ما في كتب السنن الثمانية صحيحة؟ لأن أصحابها اشترطوا على أنفسهم صحة الأحاديث التي في كتبهم، وربما نثقل عليكم؛ نريد رداً علمياً على هذه الشبهة, وهذا مما عهدناه منكم؟. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وبعد:

стр. 604

السنة المطهرة حجة باتفاق العلماء سواء منها ما كان على سبيل البيان للقرآن أو على سبيل الاستقلال، وقد دلت الأدلة المستفيضة من القرآن والسنة على وجوب اتباع النبي ﷺ ، والتحذير من مخالفة أمره ونهيه ﵊، قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا" [النساء: ٥٩] ، قال ميمون بن مهران: (الرد إلى الله هو الرجوع إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرجوع إليه في حياته وإلى سنته بعد مماته) ، وقال تعالى: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" [آل عمران من الآية: ٣١] ، وقال تعالى: "من يطع الرسول فقد أطاع الله" [النساء من الآية ٨٠] ، فقد جعل طاعة رسوله ﷺ من طاعته سبحانه، وحذر من مخالفته فقال: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" [النور من الآية ٦٣] ، فلولا أن أمره حجة ولازم لما توعد على مخالفته بالنار، وقال : "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر" [الأحزاب من الآية ٢١] ، وقال سبحانه: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما" [النساء: ٦٥] وقال : "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" [الحشر من الآية: ٧] ، وقد فهم الصحابة - رضوان الله عليهم- من هذه الآيات وجوب الرجوع إلى السنة والاحتجاج بها، روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، فقالت أم يعقوب: ما هذا؟ قال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وفي كتاب الله، قالت: والله لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته، فقال: والله لئن قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله تعالى: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" [الحشر من الآية: ٧] ، أخرجه البخاري ح (٤٨٨٦) ، وحينما بعث النبي ﷺ معاذاً ﵁ إلى اليمن قال له: "بم تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ ، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو فضرب رسول الله ﷺ في صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله." أخرجه أبو داود ح (٣٥٩٢) .

стр. 605

وأما الأحاديث الدالة على وجوب اتباع السنة فكثيرة منها ما رواه أبو داود في سننه عن المقدام بن معد يكرب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إنني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فعليه أن يعقبهم بمثل قراه" أخرجه أبو داود ح (٤٦٠٤) ،قال الخطابي: (وقوله: يوشك رجل شبعان.." يحذر بهذا القول من مخالفة السنن التي سنها مما ليس له من القرآن ذكر على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض فإنهم تمثلوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي قد ضمنت بيان الكتاب فتحيروا وضلوا، وأراد بقوله متكئ على أريكته أن من أصحاب الترفه والبدعة الذين لزموا البيوت ولم يطلبوا العلم من مظانه) معالم السنن (٤/٢٩٨) ، وفي حديث العرباض بن سارية ﵁ مرفوعاً: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين عضوا عليها بالنواجذ" رواه أبو داود ح (٤٦٠٧) ، والترمذي (٢٦٧٦) وقال حديث حسن صحيح، وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ خطب في حجة الوداع فقال: "قد يئس الشيطان أن يعبد بأرضكم ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً: "كتاب الله وسنة نبيه" أخرجه مالك في الموطأ (٢/٨٩٩) ، والحاكم ح (٣١٨) واللفظ له.

стр. 606

ولمكانة السنة من الدين ومنزلتها من القرآن الكريم عُني الصحابة ﵃ بحديث النبي ﷺ ، فحفظوا كلامه ﷺ ، ووعوا ما شاهدوا من أفعاله وأحواله، وأحاطوا علماً بالظروف والملابسات التي قيلت فيها هذه الأحاديث، وقد بلغ من حرصهم على سماع الوحي والسنن من رسول الله ﷺ أنهم كانوا يتناوبون في هذا السماع، روى البخاري في صحيحه عن عمر ﵁ قال: "كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك" أخرجه البخاري ح (٨٩) ، وكان إذا قدم على النبي ﷺ وفد وعلمهم من القرآن والسنة أوصاهم بأن يحفظوا ويبلغوا، ففي صحيح البخاري أنه ﷺ قال لوفد بني عبد القيس: "احفظوه وأخبروه من وراءكم" أخرجه البخاري ح (٨٧) ،وفي حديث مالك بن حويرث قال: "ارجعوا إلى أهلكم فعلموهم" أخرجه البخاري ح (٦٨٥) ، ومسلم (٦٧٤) ، وتثبت الصحابة واحتاطوا في قبول الأخبار عن النبي ﷺ مسترشدين بكتاب الله الذي أمر بالتثبت في قبول الأخبار قال : "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا"، وفي قراءة: "فتثبتوا" [الحجرات من الآية: ٦] ، ومستضيئين بسنة النبي ﷺ التي حذرت من الكذب على رسول الله ﷺ فكان أبو بكر ﵁ أول من احتاط في قبول الأخبار عن رسول الله ﷺ ، روى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر ﵁ تلتمس أن تورث، فقال أبو بكر: ما أجد لك في كتاب الله شيئاً، وما علمت أن رسول الله ﷺ ذكر لك شيئاً، ثم سأل الناس؟ فقام المغيرة فقال: سمعت رسول الله ﷺ يعطيها السدس فقال له أبو بكر: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر ﵁ أخرجه أبو داود ح (٢٨٩٤) ، والترمذي ح (٢١٠٠) ، وابن ماجة ح (٢٧٢٤) ، وتثبت عمر بن الخطاب- ﵁ أيضاً في قبول الأخبار، من ذلك ما رواه الإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري، قال: "كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت فقال: ما منعك؟ قلت استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله ﷺ : "إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع"، فقال والله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحد سمعه من النبي ﷺ ؟ فقال أبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم، فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك" فقال عمر لأبي موسى: أما إني لم أتهمك، لكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ " أخرجه البخاري ح (٦٢٤٥) ، ومسلم ح (٢١٥٣) ، ومالك في الموطأ (٢/٩٦٤) ،وقوله: "أما إني لم أتهمك ... " ليس في الصحيحين وهو عند مالك في الموطأ، وفي رواية لمسلم أن أبي بن

стр. 607

كعب قال: يا ابن الخطاب لا تكونن عذاباً على أصحاب رسول الله، قال عمر: سبحان الله إنما سمعت شيئاً فأحببت أن أتثبت"، وروى مسلم عن المسور بن مخرمة قال: استشار عمر بن الخطاب ﵁ الناس في ملاص المرأة فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرة: عبد أو أمة، قال: فقال عمر ائتني بمن يشهد معك، قال: فشهد له محمد بن مسلمة، أخرجه مسلم ح (١٦٨٩) ، والملاص: هو جنين المرأة، والغرة: العبد والأمة، وما ورد عن الصحابة ﵃ من التثبت في قبول الأخبار كثير لا يتسع المقام لبسطه وقد سار على منهج الصحابة ﵃ التابعون، ومن بعدهم فاعتنوا بالأسانيد وفتشوا عن حملة الأخبار ونقلة الآثار، فنقدوا الرجال وميزوا الثقات من غيرهم، قال ابن سيرين: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم) ، وفي رواية عنه أنه قال: (إن هذا الحديث دين فلينظر الرجل عمن يأخذ دينه) قال عبد الله بن المبارك: (الإسناد عندي من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، فإذا قيل له من حدثك؟ بقي) وقال سفيان الثوري: (الإسناد سلاح المؤمن، إذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟) ، وقال الأوزاعي: (ما ذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد) ، وقد درس الأئمة هذه الأسانيد ونظروا في أحوال الرواة من خلال قواعد وأصول علوم الحديث، فميزوا المقبول من الأحاديث من المردود والمحفوظ من الشاذ والمعلل.

стр. 608

وبهذه الجهود المباركة حفظت السنة، وتميز الصحيح من الضعيف، ولعله اتضح بهذا أنه ليس كل ما نسب إلى النبي ﷺ يقبل ويؤخذ به، بل لا بد من معرفة ثبوته عن النبي ﷺ ، وذلك لوجود الوضع في السنة، ولأن السنة نقلت عن طريق رجال الأسانيد، وحملة الأخبار فيهم الثقات وغير الثقات، والثقات يتطرق إلى حديثهم الوهم والخطأ، وهذا أمر ظاهر والذين صنفوا في السنة من الأئمة منهم من اشترط الصحة فيما يورده من الأحاديث كالبخاري ومسلم، ومن بعدهما كابن خزيمة وابن حبان، ولكن كتابيهما لا يبلغا مبلغ كتابي الشيخين، ومنهم من لم يشترط الصحة، لكن غالب ما يذكر الصحيح، وما قاربه وما فيه بعض ضعف، وهذا مثل بقية الكتب الستة وهي السنن الأربع: سنن أبي داود والنسائي، والترمذي، وابن ماجة، وهذه الكتب مع الصحيحين تسمى الكتب الستة، ومثلها موطأ مالك ومسند الإمام أحمد، فهذه المصنفات ونظائرها من كتب السنة أورد الأئمة فيها أمثل ما وقفوا عليه من المتون والأسانيد وما يصلح للاحتجاج والاستشهاد لأنهم ألفوها للعمل بما جاء فيها، ولتكون مرجعاً للأمة، قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة في وصف سننه،: (فإنكم سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن، أهي أصح ما عرفت في الباب؟ ووقفت على جميع ما ذكرتم، فاعلموا أنه كذلك كله.....وهو كتاب لا ترد عليكم سنة عن النبي ﷺ بإسناد صالح إلا وهي فيه ... ولا أعلم شيئاً بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموه من هذا الكتاب ... وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، ومنه ما لا يصح سنده وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح وبعضها أصح من بعض) ، وقال الإمام أحمد عن المسند: (إن هذا الكتاب قد جمعته وأتقنته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفاً، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا إليه، فإن كان فيه وإلا فليس بحجة) ، وهذا القول من الإمام أحمد المقصود به - والله أعلم- أصول الأحاديث، فإنه ما من حديث غالباً إلا وله أصل في المسند، وقال أيضاً: "قصدت في المسند الحديث المشهور.... ولو أردت أن أقصد ما صح عندي، لم أرو من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء، ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث لست أخالف ما ضعف إذا لم يكن في الباب ما يدفعه) خصائص المسند لأبي موسى المديني ضمن مسند الإمام أحمد (١/٢٧) ، والحاصل: أن هذه المصنفات هي كتب الأصول التي ينبغي العناية بها والرجوع إليها، وهناك مصنفات في السنة لم يقصد مؤلفوها ما قصده هؤلاء الأئمة بل هي مشتملة، على الغرائب والمناكير ... وهذه يتعامل معها المتمكن في علم الحديث، يقول الحافظ ابن رجب ﵀ بعد كلام نقله عن الخطيب يحذر فيه من تتبع الأحاديث الغرائب-: (وهذا الذي ذكره الخطيب حق، ونجد كثيراً ممن ينتسب إلى الحديث لا يعتني بالأصول الصحاح كالكتب الستة ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة وبمثل مسند البزار، ومعاجم الطبراني، أو أفراد الدارقطني، وهي مجمع الغرائب والمناكير "شرح علل الترمذي (١/٤٠٩) ، والأحاديث التي ذكرها السائل - وفقه الله - في سؤاله منها ما يصح، ومنها ما لا يصح، وهي تدل على حجية السنة ووجوب اتباع النبي ﷺ ، ومتضمنة لوجوب التثبت في قبول الأحاديث لأن النبي- ﷺ حذر من الكذب عليه ولا يكون التحذير إلا من أمر يخشى وقوعه، وقد حصل هذا وبذل الأئمة جهوداً كبيرة لكذب عن السنة وتميز المقبول من المردود. هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 609

الأخذ بالحديث الحسن في العقائد المجيب عبد الرحمن بن ناصر البراك عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ١٣/٧/١٤٢٤هـ السؤال الحديث الآحاد يؤخذ بالعقائد، فما حكم الحديث الحسن بذلك؟ هل يؤخذ أيضاً أم لا؟ (أي يؤخذ فيه بالعقيدة) ، أفتونا جزاكم الله خيراً. الجواب الحمد لله، الحديث الحسن هو من الآحاد، وأحاديث الآحاد هي خلاف المتواتر، وعند أهل السنة أن كل ما صحَّ عن النبي ﷺ وجب الأخذ به في العقائد وفي الأعمال، أي في جميع مسائل الدين العلمية والعملية، وإن كانت الأحاديث متفاوتة في درجة القبول، لكن كل ما توافرت فيه شروط القبول وجب العمل به، والقول بأن الآحاد لا يستدل بها في مسائل الاعتقاد هو من الأقوال المبتدعة، وهو خلاف ما عليه الصحابة والتابعون ومن سار على نهجهم من أهل السنة والجماعة، فتفريق السائل بين الحسن والآحاد هو خطأ، بل هو كما ذكر أن الحديث الحسن هو من نوع الآحاد، فأحاديث الآحاد منها الصحيح والحسن والضعيف فليُنتبه لذلك، والله أعلم.

стр. 610

الحكمة من استحباب النوم على الشق الأيمن المجيب د. يوسف بن عبد الله الأحمد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ١٢/٠٤/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم. من السنة عند النوم، النوم على الجهة اليمنى. فما الحكمة منها؟ جزاكم الله خيراً. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ثبت عن النبي ﷺ من قوله وفعله استحباب النوم على الشق الأيمن؛ ومن ذلك حديث البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت؛ فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة واجعلهن آخر ما تتكلم به" قال فرددتها على النبي ﷺ فلما بلغت اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت قلت: ورسولك، قال: لا، ونبيك الذي أرسلت " أخرجه البخاري (٢٤٧) ، ومسلم (٢٧١٠) . أما الحكمة فلاشك بأن لهذا حكمة، ولكن إذا لم يرد النص بها فلا نستطيع الجزم بشيء إلا أنا نقول سمعنا وأطعنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 611

لعن المخنثين المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ٢٣/١٠/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم. سؤال قد حيرني كثيرًا، وهو عن أبي هريرة، ﵁، قال: لعن رسول الله ﷺ مخنثى الرجال الذين يتشبهون بالنساء، والمترجلات من النساء المتشبهات بالرجال، والمتبتلين من الرجال الذين يقولون: لا نتزوج. والمتبتلات من النساء اللاتي يقلن ذلك. السؤال: لماذا لعن رسول الله ﷺ هؤلاء الأصناف، مع أن القتل والزنا أشد من ذلك؟ الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، كما قال سبحانه: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) [النساء:٣١] . وكقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) [الشورى:٣٧] . وقوله تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) [النجم: من الآية٣٢] . وقوله ﷺ : "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ". أخرجه مسلم (٢٣٣) من حديث أبي هريرة، ﵁، فقد دلت هذه النصوص على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر، وقد تنوع وصف الكبائر في نصوص الكتاب والسنة، فتارة يلعن مرتكبها وتارة يتوعد مرتكبها بالنار أو الغضب، أو منع دخول الجنة أو شم رائحتها، أو يكون على مرتكبها حد في الدنيا أو عقوبة في الآخرة. فإذا ورد اللعن في حق مرتكب بعض الكبائر وبعضها لم يوصف مرتكبها باللعن وهي أشد، فلا نقول: لماذا لم يلعن مرتكبها؟ لأن تلك الذنوب قد جاء في حق مرتكبها ما هو مثل اللعن أو أشد.

стр. 612

والزنا والقتل قد رتبت عليهما أشد العقوبات في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا قتل الزاني المحصن وجلد الزاني غير المحصن وتغريبه، وفي الآخرة وعد بدخول النار، والقاتل عوقب في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة توعد بالنار واللعن والغضب، قال تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) [الفرقان:٦٨] . وقال سبحانه: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء:٩٣] . والحديث المذكور في السؤال أخرجه أحمد (٧٨٩١) ، من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مُخَنَّثِي الرِّجَالِ الَّذِينَ يَتَشَبَّهُونَ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنْ النِّسَاءِ الْمُتَشَبِّهِينَ بِالرِّجَالِ، وَالْمُتَبَتِّلِينَ مِنْ الرِّجَالِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا نَتَزَوَّجُ. وَالْمُتَبَتِّلَاتِ مِنْ النِّسَاءِ اللَّائِي يَقُلْنَ ذَلِكَ، وَرَاكِبَ الْفَلَاةِ وَحْدَهُ". فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى اسْتَبَانَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِهِمْ، وَقَالَ: "الْبَائِتَ وَحْدَهُ". وما جاء في هذا الحديث من لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال صحيح، فقد جاء من طرق عديدة من حديث أبي هريرة، ﵁، وله شاهد من حديث ابن عباس ﵄. أخرجه البخاري (٥٨٨٥) وغيره. والحكمة من لعن المتشبهين والمخنثين لما في فعلهم من تغيير خلق الله، فالرجل يظهر نفسه بصورة المرأة، والمرأة تظهر نفسها بصورة الرجل، وقد جاء في لعن الواصلات تعليل اللعن بقوله في الحديث: "المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللهِ". أخرجه البخاري (٤٨٨٦) ومسلم (٢١٢٥) ، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. وأما لعن المتبتلين وما ذكر بعده في الحديث فهذا ضعيف، فقد رواه أحمد من طريق: طيب بن محمد، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة، ﵁، وطيب بن محمد مجهول، وأورده البخاري في التاريخ الكبير ٤/٣٦٢، وقال: لا يصح. وقد جاءت الأحاديث بالنهي عن التبتل وعن الوحدة في السفر وأن يبيت الرجل وحده. والله أعلم. هذا، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 613

حكم من ينكر السنة المجيب سالم بن ناصر الراكان عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ١٣/٠٩/١٤٢٦هـ السؤال لدي ثلاثة استفسارات. أولاً: ما الحكمة في إباحة تعدد الزوجات؟ ثانياً: لو أراد شخص ما الدخول في الإسلام، ما هي أقصر الطرق وأيسرها؟ ثالثاً: قال لي شخص مسلم: أنا لا أؤمن بكل ما جاء من أحاديث في قولكم هذا؟ الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فإن الواجب على كل مسلم ومسلمة الرضا بحكم الله، والتسليم بقدره، والعلم الجازم بأن الله عليم حكيم، عليم بخلقه حكيم في شرعه، لا يشرع لعباده إلا ما فيه صلاح أولاهم وأخراهم، وقد استفاد العلماء من قوله لمريم لما سألت من الحمل: "قال كذلك قال ربك" فيكفي أن الله قال، وفي هذا إرشاد إلى وجوب التسليم بحكم الله وقضائه. ثم بيّن لها الحكمة من هذا الحمل بقوله "ولنجعله آية للناس"، ثم ختم الآية بالقضاء أيضاً، فقال: "وكان أمراً مقضياً" [مريم:٢١] ، فبدأ الآية بوجوب التسليم لحكم الله، ثم بين لها الحكمة، ثم ختمها بوجوب الرضا بقضاء الله جل وعلا. وبعد هذا نقول للأخ السائل: إن أهل السنة والجماعة مجمعون على أنه لا يحق للرجل أن يجمع في عصمته أكثر من أربع نسوة، وأما من غير جمع فيمكن الزيادة على أربع، وقد حفظ لنا التاريخ من تزوج أكثر من مائة امرأة، كما في كتب التراجم، وأما عن الحكمة من تقييد الحد الأعلى للزوجات بأربع فلم أقف بخصوصه على كلام أحد من أهل العلم. ثم إن السؤال عن الحكمة من العدد أيًّا كان -غير مجدٍ، فصلاة الظهر مثلاً لماذا كانت أربع ركعات ولم تكن خمساً أو ثلاثاً، ومثلها باقي الصلوات؟ وكذلك الطواف لماذا كان سبعة أشواط، وغيرها من ذوات العدد. ومن ذلك النكاح فلو قدر أن الله شرعه خمساً أو ستاً أو أقل أو أكثر فإن السؤال سيبقى قائماً ولا مصير حينئذٍ إلا إلى التسليم بعلم الله وحكمته وعدله، وأنه ما شرع هذا العدد إلا لما علمه في خلقه من الخصائص النفسية والاجتماعية والجنسية وغيرها التي لا تحتمل الزيادة على هذا العدد. وأما سؤالك عن أقصر الطرق لمن أراد الدخول في الإسلام فهو النطق بكلمة التوحيد، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والعمل بما تقتضيه هذه الكلمة، فهذا هو أقصر الطرق وأوحدها للدخول في الإسلام.

стр. 614

وأما سؤالك عمّن لا يقبل من الأحاديث الصحيحة إلا بما يوافق العقل أو ما في ظاهر خير الإسلام من المسلمين فصاحب هذه المقالة على خطر عظيم، وما ضل من يسمون بالعقلانيين إلا بتقديم ما تستحسنه عقولهم ويوافق أهواءهم على أحكام الشرع، ابتداء بمعتزلة العصور الأولى وانتهاء بعقلانيي العصر، وهؤلاء إنما أُتوا من قبل أنفسهم والشيطان، وإلا فإن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح أبداً، ومن توهم ذلك فإن الغشاوة والغبش في عقله هو، وقد صنف الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀ كتاباً حافلاً بين فيه -بجلاء- موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، سماه (تعارض العقل والنقل) ، ثم إن السنة وحي من الله "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى"، والعقل وصاحبه مخلوقان لله، فكيف تعارض أحكام الله بأحد مخلوقاته؟. ورحم الله الإمام الشافعي إذ يقول: (إن للعقل حداً ينتهي إليه، كما أن للبصر حداً ينتهي إليه) . ولنذكر مثالاً على هذا قصة الحديبية التي أجاب فيها رسول الله ﷺ خطة قريش مع أن هذه الخطة في ظاهرها شر على المسلمين وهضم لحقوقهم، وقد كره بعض الصحابة بنود هذه الخطة، لكنهم أذعنوا وسلموا لحكم الله ورسوله، وكانت العاقبة أن جعله الله فتحاً للإسلام والمسلمين، والوقائع في هذا كثيرة. وليعلم قائل هذه المقولة أن قدم الإسلام لا تثبت إلا على الاستسلام والتسليم، وأن القصد الأسمى من التشريع -كما يقول الشاطبي ﵀: (إخراج المكلف عن داعية الهوى؛ حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد الله اضطراراً كما قال النبي ﷺ "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به") . ومن خذلان هؤلاء أنهم ربما عارضوا بعض الأحاديث الصحيحة بعقولهم -كحديث الذباب- لكن إذا أثبت الطب والعلم الحديث مصداق هذا المعنى أذعنوا وسلموا لتجارب البشر، وهذا من قلة التوفيق والحرمان وطاعة الهوى والشيطان، عصمنا الله وإياكم من الضلال بعد الهدى، وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 615

لماذا النساء أكثر أهل النار ؟ المجيب أ. د. سليمان بن فهد العيسى أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ١/٣/١٤٢٥هـ السؤال ورد في الحديث الصحيح أن أكثر أهل النار من النساء، ثم ذكر سببين لذلك: كونهن ناقصات في العقل والدين. ثم سألت امرأة عن النقصان في العقل فأخبرها النبي ﷺ أن نقصان عقلها شهادتها على النصف من شهادة الرجل، ونقصان دينها تركها للصلاة عند الحيض. لكننا نرى من واقع الحياة كثيراً من النساء أعقل من الرجال، ومسألة الحيض هي شيء كما ورد في خطاب النبي ﷺ لعائشة ﵂ "كتبه الله على بنات آدم". فكيف تحاسب النساء على شيء مكتوب عليهن؟ أنا حديثة التزام بديني ومثل هذه المسائل سببت لي قلقاً لعدة أشهر، ولم يستطع أهل الدين عندنا أن يجيبوني. أرجو التكرم بتقديم إجابة شافية. وجزاكم الله خيراً. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: أولاً: ما ذكرته الأخت السائلة من أنه ورد في الحديث الصحيح أن عامة أهل النار من النساء صحيح، بل هو حديث متفق على صحته، غير أن الحديث جاء بلفظ "أُرِيتكن أكثر أهل النار". ثانياً: ما ذكرته من أن الرسول ﷺ ذكر سببين لذلك كونهن ناقصات عقل ودين غير صحيح، بل إنه ﷺ ذكر سببين هما: "كثرة اللعن، وكفران العشير، - أي الزوج- وبناءاً على هذا فالسببان اللذان جعلتهن أكثر أهل النار هما: اللعن، وكفران الزوج. وجاء ذكر نقص العقل والدين زيادة على الجواب يُسميها العلماء بالاستتباع، لا أنهما السبب في كونهن أكثر أهل النار. وتتميماً للفائدة أنقل نص الحديث فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى، أو في فطر إلى المصلى فمر على النساء، فقال ﷺ : "يا معشر النساء: تصدقن؛ فإني أُرِيتكن أكثر أهل النار، فقلن وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لِلُبِّ الرجل الحازم من إحداكن، قلن وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل، ولم تصم؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان دينها" صحيح البخاري (٣٠٤) ، وقد رواه مسلم أيضاً عن ابن عمر ﵄ بلفظ قريب من لفظ البخاري حديث (٧٩) فالحديث متفق عليه.

стр. 616

هذا، وقول السائلة -في وصف النبي ﷺ النساء بنقصان العقل والدين- لكننا نرى من واقع الحياة أن كثيراً من النساء أعقل من الرجال، ومسألة الحيض ... إلى آخر سؤالها جوابه ما قاله المازري وغيره، فقد قال النووي في شرحه لصحيح مسلم (ج٢ص٦٧) ، وما بعدها ما نصه: (قال الإمام أبو عبد الله المازري ﵀: قوله ﷺ : "أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل" تنبيه منه ﷺ على ما وراءه وهو ما نبه الله تعالى عليه في كتابه بقول تعالى: "أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى" [البقرة:٢٨٢] ، أي أنهن قليلات الضبط، قال وقد اختلف الناس في العقل ما هو؟ فقيل هو العلم، وقيل بعض العلوم الضرورية، وقيل قوة يميز بها بين حقائق المعلومات، هذا كلامه، قلت: والاختلاف في حقيقة العقل وأقسامه كثير معروف، لا حاجة هنا إلى الإطالة فيه، واختلفوا في محله، فقال أصحابنا المتكلمون هو في القلب، وقال بعض العلماء وهو في الرأس والله أعلم. وأما وصفه ﷺ النساء بنقصان الدين لتركهن الصلاة والصوم في زمن الحيض، فقد يستشكل معناه وليس بمشكل، بل هو ظاهر، فإن الدين والإسلام مشتركة في معنى واحد، كما قدمنا في مواضع، وقد قدمنا أيضاً في مواضع أن الطاعات تسمى إيماناً وديناً، وإذا ثبت هذا علمنا أن من كثرة عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نقصت عبادته نقص دينه، ثم نقص الدين قد يكون على وجه يأثم به؛ كمن ترك الصلاة أو الصوم أو غيرهما من العبادات الواجبة عليه بلا عذر، وقد يكون على وجه لا إثم فيه؛ كمن ترك الجمعة أو الغزو أو غير ذلك مما لا يجب عليه لعذر، وقد يكون على وجه هو مكلف به؛ كترك الحائض الصلاة والصوم. فإن قيل فإن كانت معذورة، فهل تثاب على الصلاة في زمن الحيض؟ وإن كانت لا تقضيها كما يثاب المريض والمسافر، ويكتب له في مرضه وسفره مثل نوافل الصلوات التي كان يفعلها في صحته وحضره. فالجواب: أن ظاهر هذا الحديث أنها لا تثاب، والفرق أن المريض والمسافر كان يفعلها بنية الدوام عليها مع أهليته لها، والحائض ليست كذلك، بل نيتها ترك الصلاة في زمن الحيض، بل يحرم عليها نية الصلاة في زمن الحيض، فنظيرها مسافر أو مريض كان يصلي النافلة في وقت، ويترك في وقت غير ناوٍ الدوام عليها، فهذا لا يكتب له في سفره ومرضه في الزمن الذي لم يكن يتنفل فيه) انتهى كلام النووي. هذا وقول السائلة: ومسألة الحيض هي شيء كما ورد في خطاب النبي ﷺ لعائشة ﵂ كتبه الله على بنات آدم فكيف تحاسب النساء على شيء مكتوب عليهن؟ انظر ما رواه البخاري (٢٩٤) ، ومسلم (١٢١١) .

стр. 617

جوابه: أن نقول: ومن الذي قال بأنها تحاسب على ذلك؟ ليس في الحديث ما يدل على ذلك، وما جاء في الحديث من أن النساء أكثر أهل النار تقدم ذكر سببه وهو اللعن، وكفران العشير لا الحيض، وما جاء في الحديث من وصف المرأة بنقص الدين بين ذلك الرسول ﷺ بأنها تجلس الأيام لا تصلي، وهذا نقص دين فمن كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نقصت عبادته نقص دينه. فالكامل مثلا ناقص عن الأكمل، ومن ذلك الحائض لا تأثم بترك الصلاة زمن الحيض لكنها ناقصة عمن يصليها على الدوام، ومن طال عمره وحسن عمله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وأما وصف النبي ﷺ للنساء بنقص العقل فليس معناه نقص أصل العقل، وإنما المراد به قلة ضبط المرأة وضعف ذاكرتها غالباً، ولهذا جعل الله شهادة المرأتين تقوم مقام شهادة الرجل، وبين سبحانه العلة في ذلك بقوله: "أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى" [البقرة:٢٨٢] ، وهذا تشريع من الحكيم العليم الخالق الذي أوجد الخليقة من العدم قال تعالى: "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" [الملك: ١٤] ، وقال تعالى: "هو أعلم بكم إذا أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى" [النجم: ٣٢] ، والله لم يجعل المرأة مساوية للرجل في كل شيء، قال -تعالى-: "وليس الذكر كالأنثى" [مريم: ٣٦] ، وقال -تعالى-: "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم" [النساء: ٣٤] ، وقال تعالى: "وللرجال عليهن درجة" [البقرة: ٢٢٨] ، قال ابن كثير في تفسيره (ج١ ص٢٧١) ، أي في الفضيلة والخَلق، والخُلق والمنزلة، وطاعة الأمر، والقيام بالمصالح، والفضل في الدنيا والآخرة" انتهى، هذا، وقد جعل الله المرأة على النصف من الرجل في عدة أحكام: أحدها الشهادة كما تقدم، والثاني في الميراث، والثالث في الدية، والرابع في العقيقة، والخامس في العتق. والله سبحانه يخلق ما يشاء ويختار، قال -تعالى-: "وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة" [القصص: ٦٨] ، ولقد فضل الله بعض الرسل على بعض؛ قال -تعالى-: "تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض" [البقرة: ٢٥٣] ، وفضل بعض الأماكن على بعض، وبعض الزمان على بعض ... إلخ. هذا وعلى المرء المسلم التسليم لما جاء عن الله ورسوله ﷺ من غير تردد ولا شك، قال -تعالى-: "وما كان لمؤمنة ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم" [الأحزاب: ٣٦] ، وقال -تعالى- في شأن طاعة الله ورسوله ﷺ : "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً" [النساء: ٦٥] ، هذا، وأكتفي بهذا القدر من الإجابة. سائلاً الله تعالى أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يثبتنا على دين الإسلام، وأن يتوفانا عليه، وأن يرزقنا التسليم لما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ ، وأن يعيذنا من همزات الشياطين إنه على كل شيء قدير، وأن يرزق الأخت السائلة الثبات على الدين وطمأنينة القلب وحسن الختام وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

стр. 618

خَلْق المرأة من ضلع أعوج المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ١٧/٠١/١٤٢٦هـ السؤال هل صحيح أن الزوجة مخلوقة من ضلع أعوج؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً مع ذكر المراجع من القرآن والسنة وكتب التفاسير وشروح الأحاديث. الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد: الحديث المشار إليه في السؤال أخرجه البخاري (٥١٨٤،٣٣٣١) ، ومسلم (١٤٦٨) من حديث أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاه، ُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ"، ومعنى الحديث الحث على الرفق بالمرأة والإحسان إليها، وطيب معاشرتها وحسن مراعاتها ومداراتها، وقد بوب عليه البخاري بقوله: باب المدارة مع النساء، وقوله: "خلقت من ضلع" فيه إشارة إلى أنها خلقت من ضلع آدم، وقد دل القرآن أن المرأة خلقت من الرجل، قال تعالى: "هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا" [الأعراف:١٨٩] ، قال الطبري: (ويعني بقوله: وجعل منها زوجها، وجعل من النفس الواحدة، وهو آدم زوجها حواء ... ) ، ثم ذكر عن قتادة: (وجعل منها زوجها، حواء جعلت من أضلاعه، ليسكن إليها) ، وقال الحافظ ابن كثير: (ينبه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم ﵇، وأنه خلق منه زوجته حواء ثم انتشر الناس منهما ... ) ، وقال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا" [النساء:١] ، قال ابن كثير: (وخلق منها زوجها وهي حواء ﵍ خلقت من ضلعه الأيسر من خلفه وهو نائم، فاستيقظ فرآها فأعجبته، فأنس إليها وأنست إليه ... ) ، وقال ابن جرير: (وخلق منها زوجها، وهي حواء ... ) .

стр. 619

وذهب بعض العلماء إلى أن قوله في الحديث: (من ضلع) قصد به المثل أي من مثل ضلع، وقصد من هذا التشبيه الحث على الرفق بها والإحسان إليها، وإمساكها بالمعروف ويشهد له ما جاء في رواية مسلم: "لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها؛ استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها: طلاقها"، ومن المعلوم أن الخالق جل ثناؤه قد زود كلاً من الرجل والمرأة بخصائص تتناسب والمهمة التي يقوم بها كل منهما، فالمرأة هي الحاضنة والمربية والحاملة والمرضعة، وهذه المهمة بحاجة إلى عواطف جياشة ومشاعر مرهفة حتى تستطيع أن تؤدي مهمتها على الوجه الأكمل، وغلبة هذه العاطفة مع ما يتكرر معها من المحيض والولادة يولد لديها بعض الضعف من الانفعال النفسي والشعور بالضيق فيضعف تحملها فتحتاج إلى مراعاة، فأرشد النبي ﷺ في هذا الحديث إلى طبيعة المرأة، وأنها تحتاج إلى مراعاة ومداراة وترك التقصي عليها فلا تعامل بالشدة والمحاسبة الدقيقة على تصرفاتها، ولو أن الزوج استحضر هذه الوصية عند تعامله مع امرأته لطابت حياتهما وعاشا حياة طيبة وعيشة هنيئة بعيدة عن المشاكل والمكدرات، والإسلام كما لا يخفى في تشريعاته وأحكامه قد أعطى المرأة مكانة عالية ومنزلة رفيعة وحفظ كرامتها وأنوثتها وعفتها وقد عرض القرآن الكريم لكثيرٍ من شئون المرأة في أكثر من عشر سور منها سورتان عرفت إحداهما بسورة النساء الكبرى، وعرفت الأخرى بسورة النساء الصغرى، وهما سورتا: النساء والطلاق، وعرض لها في سور: البقرة والمائدة والنور والأحزاب والمجادلة والممتحنة والتحريم، وحظيت المرأة في الإسلام بمكانة لم تحظ بها في شرع سماوي سابق ولا في اجتماع إنساني، ومع هذه المكانة للمرأة في تشريعات الإسلام يأتي من يزعم أن الإسلام هضم حق المرأة، وجعلها متعة بيد الرجل، والقرآن يقول: "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ" [البقرة:٢٢٨] ، والحقيقة أن القضية لا ترجع إلى حق وعدل ولكن إلى أهواء وشهوات وتقليد لما يوجد في البلاد الغربية والتي أخرجت المرأة عن وظيفتها الإنسانية وأقحمتها في ميادين ليست لها وقضت على أنوثتها وعفتها وكرامتها، والشاهد خير واقع، إن الإسلام منح المرأة كل خير وصانها من كل شر، ولا منقذ لها ولا حافظ لكرامتها سوى التعاليم التي جاءت في نصوص الوحيين الكتاب والسنة، والإسلام بين أن المرأة خلقت من الرجل، وأن خلق المرأة نعمة ينبغي أن يحمد الله عليها، قال تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" [الروم:٢١] ، وقال تعالى: "وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً" [النحل:٧٢] ، والمرأة في الإسلام كالرجل فهي شقيقته وشريكته، ومن الرجل والمرأة تعددت القبائل والشعوب "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ ... " [الحجرات:١٣] ، والمرأة هي الأم، وقد وضعها الإسلام موضع التكريم والإجلال، وجاءت الوصايا بالإحسان إليها: "وَوَصَّيْنَا الْإنْسَانَ

стр. 620

بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ" [لقمان:١٤] ، وقال تعالى: "وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً" [الأحقاف:١٥] ، والمرأة كالرجل فرض الله عليها القيام بالواجبات الشرعية، وهي كالرجل إذا استجابت لأمر الله: "مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [النحل:٩٧] ، "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ" [آل عمران:١٩٥] ، "إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً" [الأحزاب:٣٥] ، والمرأة مسئولة مسؤولية خاصة عن واجباتها الشرعية، ومسئولة مسؤولية عامة فيما يختص بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف، والإرشاد إلى الفضائل والتحذير من الرذائل، قال تعالى: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" [التوبة:٧١] ، وللمرأة في الإسلام حرية التصرف في مالها، ولها حق أن تستأذن في أمر زواجها، ولها أن ترفض وليس لوليها أن يكرهها فيمن لا ترغب فيه، ولها نصيبها من الميراث، واعتنى الإسلام بتعليم المرأة وتثقيفها. والحاصل أن المتأمل في هذه الشريعة العظيمة يرى أنها أحاطت المرأة بتشريعات وأحكام تكمل بها كرامتها وسعادتها، وتتحقق لها الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، ويجب أن ننظر إلى جميع ما ورد في شأن المرأة، ولا ننظر إلى جزئية مقطوعة عن باقي التشريعات، فالنظرة الجزئية خاطئة، والله أعلم.

стр. 621

رواية الحديث بالمعنى المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ٠١/١٠/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله. ما حكم ذكر الحديث بالمعنى مع تطابق أغلب ألفاظه دون القول: فيما معناه. أو نحوها؟ لا سيما أن بعض العامة إذا قلت عندهم: فيما معناه. تقالُّوا النصيحة، بل ربما صححوا الحديث بالظن. الجواب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد: رواية الحديث بالمعنى أكثر العلماء على جوازها لمن كان عالمًا بلغات العرب، بصيرًا بالمعاني، عالمًا بما يحيل المعنى وما لا يحيله، قال الإمام أحمد: ما زال الحفاظ يحدثون بالمعنى. وروي عن الحسن أنه استدل لذلك بأن الله يقص قصص القرون السالفة بغير لغاتها، وروي عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، قال: لقيت عدة من أصحاب النبي ﷺ فاختلفوا في اللفظ، واجتمعوا في المعنى. وقال أبو سعيد الخدري، ﵁: كنا نجلس إلى النبي ﷺ ، عسى أن نكون عشرة نفر، نسمع الحديث، فما منا اثنان يؤديانه، غير أن المعنى واحد. وروي عن ابن مسعود وأبي الدرداء، ﵄: أنهم كانوا يحدثون عن النبي ﷺ ثم يقولون: أو نحو هذا، أو شبهه. وكان أنس، ﵁، يقول: أو كما قال. وعن ابن عون قال: كان إبراهيم النخعي والحسن والشعبي يأتون بالحديث على المعاني. ينظر: الكفاية (ص: ٢٠٤ - ٢١٠) ، المحدث الفاصل (ص: ٥٣٣- ٥٣٧) ، جامع بيان العلم وفضله (١/٧٨-٨١) ، شرح العلل (١/١٤٥- ١٤٩) . وهذا كله قبل وجود المصنفات والدواوين، أما بعد وجودها فيتعين على من ينقل عنها أن يحافظ على الألفاظ، وذلك لزوال الحاجة التي من أجلها سوِّغت الرواية بالمعنى، حيث كانت السنة تنقل مشافهة، قال ابن دقيق العيد: لا تغير الألفاظ بعد الانتهاء إلى الكتب المصنفة سواء روينا فيها أو نقلنا منها. ينظر: فتح المغيث (٣/١٤٧) . وقال ابن الصلاح: ثم إن هذا الخلاف لا نراه جاريًا، ولا أجراه الناس فيما نعلم فيما تضمنته بطون الكتب، فليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتاب مصنف ويثبت بدله لفظًا آخر بمعناه، فإن الرواية بالمعنى رَخَّص فيها من رَخَّص لما كان عليهم من ضبط الألفاظ والجمود عليها من الحرَج والنصَب، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب. ينظر: علوم الحديث (ص: ٢١٤) . ولكن إذا كان المتحدث يتكلم مشافهة في كلمة أو موعظة أو خطبة أو نحو ذلك، ثم استشهد بحديث فلا يلزم أن يسوقه بلفظه، فلو أورده بمعناه، وهو عالم بما يحيل المعنى وما لا يحيله، فلا بأس، ولا يلزم أن يقول: أو كما قال. وإن قالها فهذا أكمل وأفضل، لأن الذين نقلوا الحديث بالمعنى لم يلتزموا بذلك، ولكن إذا كتبت هذه الكلمة أو الخطبة، فيجب أن تراجع الأصول بحيث تورد الأحاديث بألفاظها. والله أعلم.

стр. 622

حديث: "إنما الشؤم في ثلاثة ... " المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ٤/٦/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لقد وقفت الأيام الماضية على حديث ورد في السلسة الصحيحة للشيخ الألباني ﵀ المجلد الثاني تحت رقم ٧٨٨ حديث عن الطيرة والتشاؤم، وهذا متن الحديث (لا عدوى ولا طيرة, وإنما الشؤم في ثلاثة: المرأة والفرس والدار"، وحسب علمي -البسيط جداً- أنه لا طيرة في الإسلام، والسؤال هنا ما الفرق بين الطيرة والتشاؤم؟ وما هو تفسير هذا الحديث؟ وكيف يكون التشاؤم من هذه الثلاثة؟ نريد توضيحاً مفصلاً بارك الله فيكم لهذا الحديث. جزاكم الله كل خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد: الطيرة مأخوذة من زجر الطير، وكان العرب يزجرون الطير والوحش ويثيرونها، فما تيامن منها، أي أخذت ذات اليمين تبركوا به ومضوا في سفرهم وحاجاتهم، وما تياسر منها، أي أخذت ذات الشمال تشاءموا بها ورجعوا عن سفرهم وحاجتهم، فكانت تصدهم في كثير من الأوقات عن مصالحهم، ثم استعملوا التطير في كل شيء فتطيروا من الأعور والأبتر وغيرهما. وأما الفأل، فمعناه التفاؤل مثل أن يكون رجل مريضاً، فيتفاءل بما يسمع من كلام مثل أن يسمع آخر يقول: يا سالم، أو يكون طالب ضالة فيسمع آخر يقول: يا واجد، فيقع في ظنه أنه يبرأ من مرضه ويجد ضالته، وقد خص الشرع الطيرة بما يسوء، والفأل بما يسر، وفسر النبي ﷺ الفأل بالكلمة الصالحة والحسنة والطيبة. وقد دلت الأحاديث على نفي الطيرة وتحريمها وبطلانها، وأنها من الشرك لما فيها من تعلق القلب بغير الله ومنافاة التوكل، واعتقاد أنها مؤثرة في جلب النفع ودفع الضر، ففي الصحيحين [البخاري ح (٥٧٥٤) ، ومسلم ح (٢٢٢٣) ] من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا طيرة وخيرها الفأل " قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: " الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم ". وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " الطيرة شرك، الطيرة شرك ثلاثاً " أخرجه أبو داود ح (٣٤١١) ، وأما حديث: " لا عدوى ولا طيرة, وإنما الشؤم في ثلاثة: المرأة والفرس والدار"- فقد أخرجه البخاري ح (٥٧٧٢) ، ومسلم ح (٢٢٢٥) من حديث ابن عمر ﵄، وفي رواية للبخاري ح (٥٧٥٣) : " والشؤم في ثلاث: في المرأة والدار والدابة "، وفي رواية أخرى [البخاري ح (٢٨٥٨) ، ومسلم ح (٢٢٢٥) ] : " إنما الشؤم في ثلاثة: في الفرس والمرأة والدار "، وفي رواية لمسلم: " إن كان الشؤم في شيء ففي الفرس والمسكن والمرأة "، وفي رواية أخرى لمسلم: " إن يكن من الشؤم شيء حق ففي الفرس والمرأة والدار ". - وأخرجه البخاري ح (٢٨٥٩) ومسلم ح (٢٢٢٦) من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إن كان في شيء ففي المرأة والفرس والمسكن "

стр. 623

- وأخرجه مسلم ح (٢٢٢٧) من حديث جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " إن كان في شيء ففي الربع والخادم والفرس ". وقد اختلف العلماء في توجيه هذا الحديث، وأجابوا عنه بأجوبة منها: ١- حمل الحديث على ظاهره، وأنه قد يحصل الشؤم في هذه الثلاث، ومعنى ذلك أنه ربما لحق الإنسان ضرر وفوات منفعة، ونزع بركة بتقدير الله في سكناه لبعض البيوت، أو في زواجه من بعض النساء، أو امتلاكه لبعض المراكب، فعند ذلك يجد الإنسان في نفسه كراهة لهذه الأشياء عند حصول الضرر، فإذا تضرر الإنسان من شيء، فيشرع له تركه ومفارقته مع اعتقاد أن النفع والضر بيد الله ، وأن هذه الأشياء ليس لها بنفسها تأثير ,إنما شؤمها ويمنها ما يقدره الله تعالى فيها من خير وشر. وفي حديث أنس ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله إنا كنا في دار كثير فيها عددنا، وكثير فيها أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى فقل فيها عددنا، وقلت فيها أموالنا فقال رسول الله ﷺ : " ذروها ذميمة " أخرجه أبو داود ح (٣٤٢٣) ، وقال ابن قتيبة: " وإنما أمرهم بالتحول منها؛ لأنهم كانوا مقيمين فيها على استثقال لظلها واستيحاش بما نالهم فيها، فأمرهم بالتحول، وقد جعل الله في غرائز الناس وتركيبهم استثقال ما نالهم السوء فيه، وإن كان لا سبب له في ذلك، وحب من جرى على يده الخير لهم وإن لم يردهم به، وبغض من جرى على يده الشر لهم وإن لم يردهم به " (تأويل مختلف الحديث ص: ٩٩) قال الخطابي: " اليُمن والشؤم سمتان لما يصيب الإنسان من الخير والشر والنفع والضر، ولا يكون شيء من ذلك إلا بمشيئة الله وقضائه، وإنما هذه الأشياء محال وظروف جعلت مواقع لأقضيته، ليس لها بأنفسها وطباعها فعل ولا تأثير في شيء، إلا أنها لما كانت أعم الأشياء التي يقتنيها الناس، وكان الإنسان في غالب أحواله لا يستغني عن دار يسكنها وزوجة يعاشرها وفرس يرتبطه، وكان لا يخلو من عارض مكروه في زمانه ودهره أُضيف اليُمن والشؤم إليها إضافة مكان ومحل وهما صادران عن مشيئة الله سبحانه " (أعلام الحديث ٢/١٣٧٩) ٢- ومن العلماء من وجه الحديث بأن المقصود بالشؤم ما يكون في هذه الأشياء من صفات مذمومة، فقالوا: إن المراد " بشؤم الدار " ضيقها وسوء جيرانها وأذاهم، وقيل: بعدها عن المساجد وعدم سماع الأذان منها وشؤم المرأة: عدم ولادتها وسلاطة لسانها وتعرضها للريب، وشؤم الفرس: أن لا يغزى عليها، وقيل: حرانها وغلاء ثمنها، وشؤم الخادم سوء خلقه، وقلة تعهده لما فوض إليه.

стр. 624

٣- ومن العلماء من وجه الحديث بأن المراد بالشؤم هنا عدم التوافق، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد ح (١٤٤٥) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سعادة ابن آدم ثلاثة، ومن شقوة ابن آدم ثلاثة، من سعادة ابن آدم المرأة الصالحة والمسكن الصالح والمركب الصالح، ومن شقوة ابن آدم المرأة السوء والمسكن السوء والمركب السوء "وقد أشار البخاري إلى هذا التأويل بأن قرن بالاستدلال بهذا الحديث قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ) (التغابن: من الآية١٤) . والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 625

هل هناك أحاديث صحيحة لم تصلنا ?! المجيب وليد بن إبراهيم العجاجي عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ٢٢/١٢/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم. هل كان في عصر الأئمة الأربعة أحاديث صحيحة لم تكتب ولم تصل إلينا استندوا إليها في فتواهم؟ أم أن جميع فتواهم استندوا فيها إلى أحاديث نعرفها الآن؟ وما مدى تأثير غزو التتار للبلاد الإسلامية على القضاء على كتب أحاديث لم تصل إلينا في هذا العصر؟ الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم) ، وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فاعلم- أخي الكريم: أولًا: ينبغي أن تعلم- وفقك الله- أن آثار النبي ﷺ ، لم تكن في عصر أصحابه، ﵃، وكبار تابعيهم مدونة في الجوامع ولا مرتبة، كما ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري، لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك- كما ثبت في صحيح مسلم (٣٠٠٤) - خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: سعة حفظهم، وسيلان أذهانهم؛ ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار، وتبويب الأخبار؛ لما انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض، ومنكري الأقدار.

стр. 626

فأول من جمع ذلك: الربيع بن صبيح، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهما، وكانوا يصنفون كل باب على حدة، إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة فدونوا الأحكام، فصنف الإمام مالك (الموطأ) ، وتوخَّى فيه القوي من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة، ﵃، وفتاوى التابعين، ومن بعدهم، وصنف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج بمكة، وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم، إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي ﷺ خاصة، وذلك على رأس المائتين، فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسندًا، وصنف مسدد بن مسرهد البصري مسندًا، وصنف أسد بن موسى الأموي مسندًا، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم، فقل إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه على المسانيد كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنف على الأبواب وعلى المسانيد معًا كأبي بكر بن أبي شيبة، قال السيوطي: وهؤلاء المذكورون في أول من جمع، كلهم من أبناء المائة الثانية، وأما ابتداء تدوين الحديث فإنه وقع على رأس المائة في خلافة عمر بن عبد العزيز. وأفاد الحافظ في الفتح أيضًا: أن أول من دوّن الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز- يرحمه الله- هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المدني، أحد الأئمة الأعلام، وعالم أهل الحجاز والشام، ثم شاع التدوين في الطبقة التي تلي طبقة الزهري، ولم يزل التأليف في الحديث متتابعًا إلى أن ظهر الإمام البخاري، وبرع في علم الحديث، وصار له فيه المنزلة التي ليس فوقها منزلة، فأراد أن يجرد الصحيح ويجعله في كتاب على حدة، ليخلص طالب الحديث من عناء البحث والسؤال، فألف كتابه المشهور وأورد فيه ما تبينت له صحته، وكانت الكتب قبله ممزوجًا فيها الصحيح بغيره، بحيث لا يتبين للناظر فيها درجة الحديث من الصحة إلا بعد البحث عن أحوال رواته، وغير ذلك مما هو معروف عند أهل الحديث، فإن لم يكن له وقوف على ذلك اضطر إلى أن يسأل أئمة الحديث عنه، فإن لم يتيسر له ذلك بقي ذلك الحديث مجهول الحال عنده، واقتفى أثر الإمام البخاري في ذلك الإمام مسلم بن الحجاج، وكان من الآخذين عنه والمستفيدين منه، فألف كتابه المشهور الصحيح، ولُقِّب هذان الكتابان بالصحيحين، فعظم انتفاع الناس بهما، ورجعوا عند الاضطراب إليهما، وألفت بعدهما كتب لا تحصى، فمن أراد البحث عنها فليرجع إلى مظان ذكرها. ثانيًا: اعلم- وفقك الله- أن الصحيحين كل ما فيهما مجمع على الأخذ به وتلقته الأمة بالقبول، وليس معنى ذلك أن غيرهما لا يوجد فيه أحاديث صحيحة، لذا ألف الحاكم المستدرك على الصحيحين، وقد تعقبه الذهبي، لكن الحديث إن كان في غيرهما فينبغي التحري والدقة والبحث في إسناده، والتحقق من رجاله، بخلاف الحديث الذي هو في الصحيحين.

стр. 627

ثالثًا: لقد حرص أهل العلم على نقل السنة، ونقد ما لم يصح منها، وقد بذلوا في سبيل ذلك الغالي والنفيس من أوقاتهم وأموالهم، يقول ابن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة- يعني فتنة الخوارج- قالوا: سموا لنا رجالكم. فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم. ويقول عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. بل قد تعدى الأمر إلى التأليف في الأحاديث الموضوعة المكذوبة، لبيان عوجها. رابعًا: أن علينا أن نعتقد أن السنة النبوية قد نقلت إلينا نقلًا كاملًا، ولا يوجد حديث يرفع إلى النبي ﷺ ، مفقود، أو أن هناك حديثًا لم يتعرض العلماء له بالتصحيح أو التضعيف، أو أن هناك أحاديث صحيحة اختلطت بغيرها، فخفيت على الأمة، أو غير ذلك من الشبه والأباطيل، ذلك أن حفظ السنة هو حفظ لدين الأمة، والأمة معصومة من أن تضل شيئًا من أمر دينها، سواء بضياعه منها، أو عدم إبانته للناس، وإن الشك في ذلك لهو أمر خطير ينبغي الحذر منه، وإن فتنة التتار من الكوارث التي حلت بالمسلمين، يقول ابن الأثير في الكامل: (حادثة التتار من الحوادث العظمى، والمصائب الكبرى التي عقمت الدهور عن مثلها إذ عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم منذ خلقه الله لم يبل بمثلها. لكان صادقًا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها، ومن أعظم ما يذكرون فعل بختنصر ببني إسرائيل ببيت المقدس، فما بيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من مدن الإسلام، وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى ما قتلوا من الأنام، فهذه الحادثة التي استطار شررها، وعم ضررها، وسارت في الدنيا سير السحاب استدبرته الريح، فإن قومًا خرجوا من أطراف الصين فقصدوا كبار المدن والقرى، فتملكوا ملكها، وأبادوا أهلها، كل ذلك في أقل من سنة، أمر لم يسمع بمثله) . لكن مع ما حصل من التتار من شر وويلات، فلا يمكن أن يتخذ مثل ذلك ذريعة إلى الدس على السنة، أو التشكيك في صحتها؛ للأدلة الصريحة على حفظ الدين، ولعصمة الأمة من أن تضل شيئًا من أمر دينها، فعلماء الأمة الذين سكنوا العراق لهم طلاب وتلامذة، من العراق وغيرها، نقلوا عنهم العلم في صدورهم وكتبهم، وتوارثته الأمة قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل إلى يومنا هذا، ولله الحمد والمنّة. وختامًا، أنصحك، أخي الكريم، بالاستزادة حول ما أثير حول السنة من شبه، والجواب عنها في كتاب (زوابع في طريق السنة) للشيخ صلاح الدين مقبول أحمد. والله أعلم.

стр. 628

رواية نعيم بن حماد للفتن المجيب د. محمد بن عبد الرحمن أبو سيف الجهني عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ١٨/٠٨/١٤٢٥هـ السؤال أكثر ما يروي الفتن (نعيم بن حماد) ، فهل كل ما رواه صحيح؟ خاصة وأنه شيخ البخاري، عليهما رحمة الله. الجواب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لا يقال إن أكثر من يروي أحاديث الفتن نعيم بن حماد، فإن رواة أحاديث الفتن والمصنفين فيها خلق كثير، ولكن نعيمًا- ﵀ أفرد مصنفًا في الفتن، ولنعيم أخطاء تتبعها ابن عدي، وقال: بقية حديثه مستقيم، ولكنه جاء في الفتن بما لم يتابع عليه وبما هو منكر، ولم يخرج البخاري له إلا مقرونًا. والله أعلم.

стр. 629

التقرب بأوراد لم ترد عن النبي ﷺ المجيب د. لطف الله بن عبد العظيم خوجه عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ٢٢/١٢/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ما دليل من يقيدون ذكر الله في قوالب محددة وبألفاظ معينة، ويعيبون على بعض الناس أنهم يذكرون الله بما لم يذكره به رسول الله ﵊؟ فما المانع من أن أذكر الله وأتقرب إليه بأذكار وأوراد لم ترد عن النبي ﷺ ، مادامت هذه الأوراد وتلك الأذكار غير خارجة عن الدين؟ قال الله تعالى، في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) [الأحزاب: ٤١] . فالأمر فيه سعة، فلماذا يضيقون واسعًا؟ ومن ذلك أنهم يمنعون ذكر الله باسمه المفرد، وقد قال الله تعالى: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) [الإنسان: ٢٥] . فما يمنع أن أجري على لساني اسم: الله الله الله..؟. جزاكم الله كل خير. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ينحل الإشكال إذا نظرنا إلى النبي ﷺ نظر المريض.. والراغب في استكمال الصحة: إلى الطبيب. فهذا يتبعان إرشاداته حذو القذة بالقذة، ويعتقدان أن من الخطأ مخالفته في أدنى شيء، وعلى هذا اتفاق البشر، باعتبار أنه أدرى بأمور الصحة، بحكم التخصص.. ولو عنّ لأحد أن يجتهد، فيتعاطى دواء لم يصفه الطبيب، أو يزيد أو ينقص فيه، لكان محل اللوم والتسفيه..!!. فهذا الحكم مع طبيب الأبدان، والنبي ﷺ طبيب القلوب.. وطبيب الأبدان يخطئ، وفي كثير من الأحيان، أما طبيب القلوب ﵊ فلا يخطئ أبدًا في علاجه: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: ٣، ٤] . فهذا دليل عقلي على: خطأ اختراع نوع من العبادة (كالذكر مثلاً) في هيئة مستحدثة، إذا لم ينص الشرع عليه. والبدعة هي: كل أمر محدث في الدين؛ أي ليس عليه نص شرعي، ولم يفعله النبي ﷺ ، ولا أصحابه من بعده، ومعلوم أن أحرص الناس على الدين واستكماله، بعد النبي ﷺ ، هم الصحابة، فإذا تركوا لونًا من العبادات (كالذكر بالاسم المجرد، أو المولد) فإنهم ما تركوه إلا لأنه ليس من الدين، فإذا أتى من يزعم جوازها، فهذا اتهام ضمني لهؤلاء المصطفين أنهم مفرطون..!! وحاشاهم، فهم الكمل، وما من خير إلا وهم إليه سابقون، شهد الله لهم بالخير والرضى: (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ) [المائدة: ١١٩] . وما ذاك إلا لكمال دينهم، فما لم يفعلوه فليس من الدين قطعًا، فمن قلدهم فهو مفلح، ومن عارضهم، فما يدرى ما حاله. فانظر: هل ذكروا الله تعالى بالاسم المجرد: الله، الله، الله..؟! وقد روي في الصحيح أن النبي ﷺ قال: "مَن أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ". أخرجه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) .

стр. 630

فمن جادل، واعترض على وصف العبادة الحادثة، التي لم تكن في عهد النبوة، مع توفر الدواعي لوقوعها بالبدعة. فعليه أن يفسر لنا هذا الأثر، وعلى أي شيء ينطبق؟ ومتى يكون العمل بدعة، ومتى لا يكون؟ في حقيقة الأمر أن المحدِثين في الأمة أنواع العبادات، التي لم تكن في العهد الأول: ليس ثمة عمل مردود عندهم، فكل ما استحسنته عقولهم، فهو من الدين!! وهذا غير مقبول، لا شرعًا، ولا عقلاً. وإلا فقل لي بربك عن هؤلاء الذين يستحبون الذكر بالاسم المفرد المجرد (المتصوفة) : ما العمل الذي يعدونه بدعة، مع ما يرتكبونه من بدع لا تُعَدُّ ولا تحصى؟! جاء عن رسول الله ﷺ قوله: "إِنَّ اللهَ حَجَب التَّوبةَ عَن صاحبِ كُلِّ بِدْعَةٍ". أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٢٠٢) . ومن هذا قال الحسن البصري: (أبى الله لصاحب بدعة بتوبة) . والمعنى أن صاحب البدعة أقل توفيقًا واهتداء (وليس ممنوعًا منه) ، لاستمساكه بها، لظنه أنها من الدين، ليس كصاحب المعصية، الذي يشعر بالإثم والحرج، فهو أقرب للتوبة، ومن هنا قال سفيان الثوري: (البدعة أحب إلى الشيطان من المعصية، فإن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها) . وإذا احتج أحد بأن البدعة منها: الحسن، والسيئ. مستدلًا بقول عمر بن الخطاب ﵁ في صلاة التراويح: (نعم البدعة هذه) . أخرجه البخاري (٢٠١٠) . فلنا أن نحاجه بقول النبي الأعظم ﷺ ، ومن وجب اقتفاء أثره، وتقديم قوله: "كُلُّ بِدْعةٍ ضَلَالَةٌ". أخرجه مسلم (٨٦٧) . فهذا عام بألفاظه، فـ"كل" للعموم، و"بدعة" نكرة، والنكرة تعم، فلا يستثنى منها شيء إذن. فلو فرضنا أن عمر، ﵁، قصد ما أرادوه، فقول النبي ﷺ مقدم عليه بلا شك، فكيف والحقيقة أن عمر، ﵁، لم يقصد ما أرادوه؟ فإن عمر، ﵁، من أشد المحاربين للبدعة، وهذا مشهور، ولو اقتفى هؤلاء المحتجون به هنا: أقواله، وأفعاله، وآثاره. لأفسد عليهم كثيرا مما استحسنوه من العبادات المحدثة، مثل التبرك بالآثار! - أليس هو الذي أمر بقطع شجرة الرضوان؟ - أليس هو الذي نهى عن تتبع آثار النبي ﷺ ، والصلاة فيها؟ فعمر بن الخطاب، ﵁، عدو البدع.. فلم يقصد بقوله ما أرادوه، بل قصد أنها بدعة نسبة إلى أنها لم تفعل منذ وفاة النبي ﷺ ، والتراويح ليست بدعة بالاتفاق، فإن النبي ﷺ فعلها في حياته- انظر صحيح البخاري (٩٢٤) ومسلم (٧٦١) - ولا يظن بعمر، ﵁، أن تخفى عليه هذه المسألة. وبخصوص الذكر بالاسم المفرد أو المجرد: أسوق أثرًا يوضح خطورة الاستحداث في طريقة الذكر، كما يعلن عن موقف صريح للصحابة، ﵃، رافضًا لأي نوع من أنواع الإحداث، حتى لو دقّ وصغر، وهي فتوى من ﵃، وعن دينهم، وأمر باتباعهم:

стр. 631

روى الإمام الدارمي في سننه (٢٠٤) أن أبا موسى الأشعري، ﵁، قال لابن مسعود، ﵁: (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ آنِفًا أَمْرًا أَنْكَرْتُهُ وَلَمْ أَرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَّا خَيْرًا. قَالَ: فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ. قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَوْمًا حِلَقًا جُلُوسًا يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ، فِي كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ وَفِي أَيْدِيهِمْ حَصًى، فَيَقُولُ: كَبِّرُوا مِائَةً. فَيُكَبِّرُونَ مِائَةً، فَيَقُولُ: هَلِّلُوا مِائَةً. فَيُهَلِّلُونَ مِائَة، ً وَيَقُولُ: سَبِّحُوا مِائَةً. فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً. قَالَ: فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ لَهُمْ شَيْئًا انْتِظَارَ رَأْيِكَ وَانْتِظَارَ أَمْرِكَ. قَالَ: أَفَلَا أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ. ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الْحِلَقِ فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ. قَالَ: فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ، فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيْءٌ، وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ! هَؤُلَاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ أَوْ مُفْتَتِحُو بَابِ ضَلَالَةٍ. قَالُوا: وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا أَرَدْنَا إِلَّا الْخَيْرَ. قَالَ: وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا أَنَّ قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَايْمُ اللَّهِ مَا أَدْرِي لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ. ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهُمْ. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ: رَأَيْنَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الْحِلَقِ يُطَاعِنُونَا يَوْمَ النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ) . فانظر: كيف صار هؤلاء من هذا النوع من الذكر المحدث، البسيط في صورته، الخطير في معناه، إلى شقاق أعظم، حيث صاروا من قوم ذمهم النبي ﷺ غاية الذم، وأمر بقتلهم وقتالهم- انظر صحيح البخاري (٣٦١١) ومسلم (١٠٦٦) . وانظر: كيف لم يُفِدْ هؤلاء قصدُهم الطاعةَ، ولا إرادتهم الخير، إذ كانوا على عمل لم يشرع. فهذا يدلك على عاقبة البدعة، مهما صغرت.

стр. 632

إن الدين قد كمل: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) [المائدة: ٣] . ولم يكلف الله تعالى عباده بإحداث شيء، وزيادة عبادة. فما شُرع يعجز الإنسان عن الإتيان به كاملاً واستكماله، لو مكث عمره كله يعمل.. وإذا كان كذلك: فكل عمل محدث، يقع مكان عمل مسنون، ومن هنا كان ما قاله الإمام الأوزاعي غاية في الفقه: (ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ولا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة) . وتأمل حال الصحابة، ﵃، والتابعين ومن تبعهم: هل تجد فيهم هذه المحدثات؟ كلا، لا تجدها إلا فيمن بعدهم، ممن تأخر عن مقامهم، وخالف سبيلهم، ونحن إنما أمرنا باتباعهم، لا باتباع من بعدهم، ممن خالفهم، ولم يهتد بسنتهم. إن مما يظهر خطورة البدعة أن صاحبها يحرم من الورود على حوض النبي ﷺ ، ففي الحديث: "إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، فَوَاللَّهِ لَيُقْتَطَعَنَّ دُونِي رِجَالٌ فَلَأَقُولَنَّ: أَيْ رَبِّ، مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي! فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ". أخرجه مسلم (٢٢٩٤) . وقد كان ﵊ حريصًا على أمته أن يجنبهم الابتداع في الدين، يقول: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ". أخرجه أبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦) وابن ماجه (٤٢) . قد جرى الصحابة على ذلك وثبتوا على الأمر كما أنزل، ولذا مر عصرهم وهو أزهى العصور وأعزها، يقول أبي بن كعب: (عليكم بالسبيل والسنة فإنه ليس من عبد على سبيلٍ وسنةٍ ذكَر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله فتمسه النار أبدًا ... وإن اقتصادًا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة) . أخرجه أحمد في الزهد ص ١٩٧، وأبو نعيم ١/٢٥٣، واللالكائي (١٠) . بعد هذا التأصيل لحكم البدعة في الإسلام، نجيب مباشرة على السؤال الوارد فنقول: - هل الذكر بالاسم المجرد: الله، الله، الله. ورد فعله عن رسول الله ﷺ ؟ اللهم، لا. ولو كان خيرًا لما فرط فيه. - فهل ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم، والتابعين، وتابع التابعين؟ اللهم، لا. ولو كان خيرًا ما فرطوا فيه. إذًا، لم يرد عن أهل القرون المفضلة، الذين دعا النبي ﷺ ، لهم بالخيرية، فعمّن ورد إذًا؟ عن جماعة من المتصوفة.. وهل هؤلاء قدوة الأمة؟! هل نترك رسول الله ﷺ ، وصحابته، ﵃،، لنقتدي بجماعة لا يدرى ما حالهم عند الله تعالى؟! فلا مستند شرعيًّا لهذا النوع من الذكر، لا من كتاب ولا سنة، ولا من فعل الصحابة. - ثم ما معنى أن يردد المرء: الله، الله، الله؟

стр. 633

هل هذه جملة مفيدة، أم ناقصة غير مفيدة؟ وقد علم أن الجمل الشرعية كلها جمل مفيدة، ومنها الدعوات والأذكار، فمن الأذكار: سبحان الله، الحمد لله، الله أكبر، لا إله إلا الله. وكلها جمل مفيدة؛ أي لها معنى. أما ذكر الاسم المجرد المفرد فلا معنى له، لأنه ليس جملة تامة مفيدة: مبتدأ وخبرًا، أو فعلًا وفاعلًا ومفعولًا. وقوله تعالى: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) [الإنسان: ٢٥] .هو مثل قوله تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) [الأعلى: ١] . وقوله: (فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) [الأنعام: ١١٨] . كلها تحصل بجمل مفيدة مثل قوله: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي العظيم، بسم الله، بسم الله الرحمن الرحيم. وليس معنى الآية ذكر الاسم المفرد مجردًا من الإضافة. وعادة الذين يذكرون هذا الذكر، ينتقلون منه إلى قول: هو، هو، هو. فما معنى هذا أيضا؟! إنها لأذكار غريبة، بعيدة كل البعد عن روح الإسلام، وأوامره، وما هي إلا مبتدعات ما أنزل الله بها من سلطان. وفي هذا القدر كفاية لإيضاح المقصود، وقد حصل مطلوب السائل من الإجابة على سؤاله بكل التخصيص.

стр. 634

تبادل التحايا مع غير المسلم المجيب فيصل بن أنور بن فؤاد مولوي قاضي متقاعد التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/مسائل متفرقة التاريخ ١٢/٠٧/١٤٢٦هـ السؤال هل يمكن لغير المسلم أن يحيي بـ "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، وهل يمكن للمسلم أن يحيي أو يرد بنفس التحية على غير المسلم؟ الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: ١- نعم، يمكن لغير المسلم أن يحيّي بعبارة (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) ، ولكنه لا ينال الأجر الذي يناله المسلم؛ باعتبار هذه التحية سنة من سنن رسول الله ﷺ -وغير المسلم لا يعتقد ذلك. ٢- نعم يجوز للمسلم أن يحيي غير المسلم بلفظ السلام، روي هذا القول عن ابن عباس وابن مسعود وأبي أمامة وابن محيريز وعمر بن عبد العزيز وسفيان بن عيينة والشعبي والأوزاعي والطبري، واختار هذا القول السيد رشيد رضا في تفسير المنار، والشيخ الشنقيطي في أضواء البيان. * ونحن نؤيد هذا القول بناءً على الآيات الكريمة التي تأمر بالسلام بشكل مطلق ومنها: - قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها" [النور: ٢٦] . - قوله تعالى: "وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، وقالوا: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين" [القصص: ٢٥] . - قوله تعالى: " ... وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً" [الفرقان: ٦٣] . - قوله تعالى: "وقيله يا ربّ إنّ هؤلاء قوم لا يؤمنون، فاصفح عنهم وقل: سلام فسوف يعلمون" [الزخرف: ٨٨] . - قوله تعالى: "قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً" [مريم: ٤٧] . * وكذلك الأحاديث الصحيحة التي تأمر بالسلام بشكل مطلق أيضاً أي تجاه جميع الناس: - " ... وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" متّفق عليه، البخاري (١٢) ، ومسلم (٣٩) . - لما خلق الله آدم، قال "اذهب على أولئك النفر، وهم نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله) متفق عليه، البخاري (٣٣٢٦) ، (٦٢٢٧) ، ومسلم (٢٨٤١) . - (أفشوا السلام..) رواه الترمذي (١٨٥٤) ، وقال حديث حسن صحيح، وابن حبان في صحيحه (٤٨٩) . * أما الحديث الصحيح الذي اعتمد عليه جمهور العلماء حتى قالوا بكراهية التحية لغير المسلم بالسلام أو حرمتها، فهو قوله ﷺ :"لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام.." رواه مسلم (٢١٦٧) . فهو يتعلق بحالة حرب كانت قائمة. يؤيّد ذلك روايات أخرى للحديث وهي صحيحة أيضاً: (إنا غادون على يهود، فلا تبدأوهم بالسلام) رواه أحمد [٢٦٦٩٥] ، والطبراني [المعجم الكبير ٢٢/٢٩١] بسند رجاله رجال الصحيح، وكان هذا يوم غزو بني قريظة. وفي رواية ثانية لأحمد: (إني راكب غداً إلى يهود، فلا تبدأوهم بالسلام..) [المسند ١٦٨٤٤، ١٧٥٨٤] وهو صحيح كما جاء في الفتح الرباني. ونقل العسقلاني في فتح الباري رواية البخاري في الأدب المفرد والنسائي أن النبي -صلى لله عليه وسلم- قال: "إني راكب غداً إلى اليهود فلا تبدأوهم بالسلام" [فتح الباري ١١/٣٩] .

стр. 635

هذا الرأي (وهو جواز إلقاء التحية على غير المسلم بلفظ السلام) ، والذي قال به جمهور كبير من العلماء داخل المذاهب وخارجها يتأكد بالنسبة إليك لوجودك خارج ديار الإسلام في حالة سلم، وضمن ما يعتبر ميثاقاً مع البشر الذين تعيش معهم، وسواء كنت من أهل تلك البلاد أو مقيماً فيها، وذلك لأنّ مهمتك في هذه الحالة الدعوة، والابتداء بالتحية من أخلاق الدعاة. ٣- أما إذا حياك غير المسلم بلفظ السلام، فإنّ الرد عليه يصبح واجباً؛ لقوله تعالى: "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها" [النساء: ٨٦] فندب إلى الفضل وأوجب العدل، والعدل في التحية تقتضي أن يرد عليه نظير سلامه، كما قال ابن القيم (أحكام أهل الذمة) . راجع في هذا الموضوع كتب التفسير للآيات المشار إليها، وخاصة تفسير القرطبي -والمنار لرشيد رضا- وأضواء البيان للشنقيطي، وراجع كتب شرح الأحاديث وخاصة: فتح الباري بشرح صحيح البخاري وشرح النووي على صحيح مسلم، والفتح الرباني على مسند الإمام أحمد، وأحكام أهل الذمة لابن القيم. جزاكم الله كل خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
следующие страницы →