Полный текст (10 202 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
أن السلف الصالح وفي مقدمتهم الصحابة ﵃ أجمعوا على إثبات رؤية الله في الدار الآخرة، اتباعاً لما دلّ عليه الكتاب والسنة، ولم يروا في إثبات ذلك محذوراً، ولا رأوا أن إثبات الرؤية يقتضي التجسيم ونحوه من المحاذير.
أن الزعم بأن رؤية الله تستلزم التجسيم ونحوه من المحاذير فيه استدراك على كتاب الله وعلى سنة رسوله ﷺ ، اللذين أثبتا رؤية الله دون إخبار بأن إثباتها يقتضي التجسيم ... كما أن فيه سوء أدب مع الله ورسوله- ﷺ .
أن الزعم بأن رؤية الله تستلزم التجسيم ... فيه خرق لإجماع السلف الذين أثبتوا الرؤية على الوجه اللائق، دون أن يروا في ذلك الإثبات ما يؤدي إلى التجسيم المزعوم.
أن الزعم بأن رؤية الله تستلزم التجسيم ... هو مما ألقاه الشيطان من الشبه إلى نفاة الرؤية من المعتزلة والخوارج والإمامية ومن سار على نهجهم، وقد استندوا إلى تلك الشبه لرد دلالة الكتاب والسنة على إثبات رؤية الله تعالى وسائر صفاته ... ، فالتعلق بذلك من اتباع غير سبيل المؤمنين، وفيه سلوك لطرق أهل الغواية المبتدعين. نسأل الله السلامة من ذلك. والله أعلم.
стр. 737
عبارة (اللهم لا تضر أبنائي) !
المجيب د. محمد بن عبد الرحمن أبو سيف الجهني
عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية
العقائد والمذاهب الفكرية/توحيد الأسماء والصفات
التاريخ ١٠/١٠/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هل لله أسماء وردت في القرآن الكريم والسنة غير التسع والتسعين التي نعرفها؟ وهل إذا دعونا: (اللهم لا تضر أبنائي) . هل في ذلك سوء أدب مع الله؟ وأنا أعلم أن الله هو النافع الضار، ولا أنسب الضرر إليه، معاذ الله، وجزاكم الله خيرًا.
الجواب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الأسماء التسع والتسعون المشهورة المتداولة وقع استخراجها من القرآن باجتهادات لعدد من أهل العلم، ولذلك وقع اختلاف فيها، وبعض هذه الاجتهادات لا يُوافق على بعض ما عددته اسمًا لعدم وروده في النصوص مورد الاسم، كالناصر اشتقوه من وصف الله بأنه ينصر المؤمنين، وهذا غير صحيح فإنه لم يرد إطلاقه اسمًا على الله، وكالنور لم يرد في القرآن إطلاقه اسمًا، بل وصفًا مضافًا (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [النور:٣٥] .
معنى هذا الدعاء: (اللهم لا تضر أبنائي) . الذي يقصده الناس معنى صحيح لا سوء فيه، إذ معناه: (اللهم لا تقدِّر على أبنائي ما يضرهم) . ولكن اللفظ غير موفَّق؛ لأن الضر لا ينسب إلى الله مفردًا، بل مقترنًا بنسبة النفع إليه، فهو النافع الضار- سبحانه- واقتران الوضعين جارٍ مجرى الاسم الواحد. والله أعلم.
стр. 738
صفة النفس لله تعالى
المجيب د. علي بن حسن الألمعي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد
العقائد والمذاهب الفكرية/توحيد الأسماء والصفات
التاريخ ٠٩/٠٧/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم.
أريد أن أسأل عن صفة النفس لله تعالى، كيف هي؟.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فصفة النفس ثابتة لله ، بالقرآن والسنة وإجماع سلف الأمة، قال تعالى: (وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) [الأنعام: من الآية ٥٤] . وقال تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) [آل عمران: من الآية٢٨] . وقال تعالى: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) [طه:٤١] . وقال ﷺ : "يقولُ اللهُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ". رواه البخاري في كتاب التوحيد (٧٤٠٥) ، ومسلم في كتاب الذكر (٢٦٧٥) . وقد وردت نصوص أخرى عديدة في هذا.
وقد أجمع السلف على إثبات هذه الصفة، ولم ينكرها إلا أصحاب البدع وأهل الأهواء، كما أنكروا غيرها، وإثباتها لله على ما يليق به من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل، قال الإمام ابن خزيمة ﵀ في أول كتابه (التوحيد) : فأول ما نبدأ به من ذكر صفات خالقنا جل وعلا- في كتابنا هذا ذكر نفسه، جل ربنا عن أن تكون نفسه كنفس خلقه، وعز أن يكون عدمًا لا نفس له. (ص١١) .
ولهذا، فلا يجوز البحث عن كيفيتها، فالكيف مجهول، والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أن له ذاتًا حقيقية فله صفات حقيقية مثل: النفس والوجه واليد، وغيرها مما ورد. والله أعلم.
стр. 739
نزول الرب جل وعز واختلاف آخر الليل
المجيب صالح بن درباش الزهراني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/توحيد الأسماء والصفات
التاريخ ١٢/٠١/١٤٢٦هـ
السؤال
هل نزول ربنا في السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل يحدث في ليل كل بلد؟ فإذا كان الوقت في بلدي ليلا وفي بلد أخرى نهاراً، فهل ربنا ﵎ بالنسبة لي في السماء الأولى وبالنسبة للبلد الثانية في السماء السابعة؟ وإذا كانت الدنيا بالنسبة للعرش صغيرة جداً كما ورد في الأحاديث فهل يدل ذلك أن استواء العرش بالنسبة للأرض يكون بصورة عمومية يفهم منها أن البلاد كلها في حيز واحد من السماء الدنيا أو السماء السابعة؟.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبي الله وبعد:
فقد صح الحديث في إثبات نزول الحق ﵎ إلى سماء الدنيا كل ليلة. صحيح البخاري (١١٤٥) ، ومسلم (٧٥٨) ، ورواه عن النبي ﷺ أكثر من عشرين صحابياً بل قد بلغ مجموع طرق الحديث حدَّ التواتر المفيد للعلم وقد نص العلماء على ذلك. والرسول ﷺ قد أخبرنا بذلك وهو لا يخبر إلا بحق فيجب التسليم ولو لم تدرك عقولنا ذلك.
وبثبوت الحديث ثبوتاً لا مطعن فيه تثبت صفة النزول لله كما يليق بجلاله سبحانه، لأن الله ليس كمثله شئ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، كما دل عليه قوله تعالى: "ليس كمثله شئ وهو السميع البصير" [الشورى:١١] . فنزوله لا يشبه نزول المخلوقات بأي وجه من الوجوه. ولا يجوز تكييف نزوله بكيفية معينة.
إن نزول الله تعالى لا يتنافى ولا يتعارض مع استوائه على عرشه وعلوه على خلقه فهو في حال نزوله مستوٍ على عرشه ولا يخلو منه العرش. وما أتت الشبهة في السؤال إلا من تصور خلوّ العرش منه وهذا هو التكييف المذموم. ونزوله حق واستواؤه حق ولا تعارض بينهما فهو العلي في دنوه والقريب في علوه ليس كمثله شئ.
стр. 740
إن هذه اللوازم التي يذكرها بعض الناس على نزوله هي لوازم نزول المخلوق أما الخالق فشأنه أعظم وأجل من ذلك. وما يلزم على نزول المخلوق لا يلزم على نزول الخالق سبحانه للقطع بنفي المماثلة بين الخالق والمخلوق.
وكون البلاد تختلف في حصول ثلث الليل الآخر ولا تتفق بحيث يحصل الثلث في بلد فإذا انتهى حصل في غيره بحيث أن الأرض جميعاً لا تخلو من ثلث ليل، فهذا صحيح مشاهد، وكون هذا يلزم عليه استمرار النزول الإلهي فلا مانع يمنع من ذلك إذا علمنا أن نزوله سبحانه لا يلزم منه خلو العرش منه، لأن نزوله ليس كنزول المخلوق الذي يلزم منه حركة وانتقال وخلو مكان وما أتت هذه الشبهة إلا من قياس النزول الإلهي على النزول البشري، أما إذا علمنا انتفاء المماثلة بين النزولين فلا يلزم حينئذ على أحد النزولين ما يلزم على الآخر، فلكل نزوله اللائق به، فنزول المخلوق يلزم منه خلو المكان والانتقال من مكان إلى مكان، ونزول الخالق لا يلزم منه ذلك، فهو مع نزوله مستو على عرشه، والجميع حق على حقيقته، نؤمن به، ولا نكيفه، ولا نشبهه، ولا نعطله.
وإذا كان نزول الحق سبحانه لا يلزم منه خلو العرش فلا مانع من القول باستمرار النزول نظراً لأن الأرض لا تخلو من ثلث ليل، ويبقى بعد ذلك الفضل المترتب على النزول الإلهي خاصاً بمن أدركهم ثلث ليلهم دون من سواهم فيكون نزول الحق بحسب ثلث كل ليل نزولاً لائقاً بجلال الله وعظمته.
стр. 741
رؤية المنافقين لله يوم القيامة
المجيب د. محمد بن علي السماحي
أستاذ العقيدة بكلية أصول الدين بجامعة القاهرة
العقائد والمذاهب الفكرية/توحيد الأسماء والصفات
التاريخ ٠٣/٠١/١٤٢٦هـ
السؤال
رؤية الله لأهل المحشر، هل يراه المؤمنون والمنافقون دون الكفار، أم يراه المؤمنون والكفار ثم يحتجب عن الكفار، أم لا يراه إلا المؤمنون؟.
الجواب
بارك الله فيك ـ أخي الكريم ـ فرؤية الله تعالى ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة وهي العقيدة الصحيحة، ومن الأدلة على ذلك قوله تَعَالَى: "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ" [القيامة:٢٢، ٢٣] وهي من أظهر الأدلة، وأما من أبى إلا تحريفها بما يُسميه تأويلاً: فتأويل نصوص المعاد والجنة والنَّار والحساب أسهل من تأويلها عَلَى أرباب التأويل. ولا يشاء مبطل أن يتأول النصوص ويحرِّفها عن مواضعها إلا وجد إِلَى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص.
وإضافة النظر إِلَى الوجه الذي هو محله في هذه الآية، وتعديته بأداة (إلى) الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل عَلَى خلاف حقيقته وموضوعه، صريحٌ في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إِلَى الرب ﷻ ، فإن النظر له عدة استعمالات، بحسب صلاته وتعديه بنفسه. فإن عدي بنفسه فمعناه: التوقف والانتظار، كقوله: "انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ" [الحديد:١٣] وإن عدي بـ (في) فمعناه: التفكر والاعتبار، كقوله: "أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" [الأعراف:١٨٥] وإن عدي بـ (إلى) فمعناه: المعاينة بالأَبصار، كقوله تعالى: "انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَر" [الأنعام:٩٩] فكيف إذا أضيف إِلَى الوجه الذي هو محل البصر؟!
стр. 742
وروى ابن مردويه بسنده إِلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ" [القيامة:٢٢] قَالَ: من البهاء والحُسن "إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ" قال: في وجه الله . عن الحسن قَالَ: نظرت إِلَى ربها فنُضِّرت بنوره.
وقال أبو صالح عن ابن عباس ﵄ "إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ" قَالَ: تنظر إِلَى وجه ربها .
وقال عكرمة: "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ" قَالَ: من النعيم. "إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ"، قَالَ: تنظر إِلَى ربها نظراً َ.
ثُمَّ حكى عن ابن عباس ﵄ مثله.
وهذا قول كل مفسر من أهل السنة والحديث] اهـ.
ويثبت الإمام أبو جعفر الطّّحاويّ ﵀ أن من اعتقاد أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ: أن الرؤية حق لله ﵎ في الجنة، فأهل الجنة المؤمنون -جعلنا الله وإياكم منهم- يرون ربهم جل وعلا عياناً بالأبصار، كما جَاءَ في الحديث الصحيح انظر صحيح مسلم (١٨١) ، وسنن ابن ماجه (١٨٧) ، وهذا هو النعيم الأعلى والأعظم في الجنة، وهو أعظم نعيم يتنعم فيه أهل الجنة بل هو ألذ من جميع أنواع النعيم التي لم ترها عين، ولم تسمع بها أذن، ولم تخطر عَلَى قلب بشر، ثُمَّ يقول: (بغير إحاطة ولا كيفية) ، أي: أنه لا يستلزم من هذا النظر الإحاطة.
والذين نفوا الرؤية كالمعتزلة وغيرهم قالوا: إن مما يدل عَلَى نفي الرؤية قول الله ﵎: "لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ" [الأنعام: ١٠٣] فما دام أن الأبصار لا تدركه؛ فهو لا يُرى وما علموا أن هناك فرقاً بين الرؤية والإدراك، فإن الإِنسَان قد يرى الشيء لكن لا يحيط به ولا يدرك حقيقته، والذي نفى الله ﵎ وقوعه هو الإحاطة به وإدراكه وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً" [طه: ١١٠] فإذا كَانَ العلم لا يحيط به -ومجاله أرحب وأوسع من الرؤية- فكيف تحيط به الرؤية؟!
стр. 743
قوله: (ولا كيفية) أي: لا نعلم الكيفية التي يرى بها المؤمنون ربهم جل وعلا، وكما قَالَ: (وتفسيره عَلَى ما أراد الله تَعَالَى وعلمه) يعني: تفسير الكيفية لا يعلمها إلا الله ، فنحن نؤمن بالرؤية وأما كيفية وقوع هذه الرؤية فإن الذي يعلمها هو الله ونحن لا نعلمها، وعماد استدلاله كَانَ بهذه الآية وبالأحاديث الصحيحة الدالة عَلَى الرؤية فقَالَ: (كما نطق به كتاب ربنا: "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ" [القيامة:٢٢، ٢٣] .
وهي من أوضح وأبين وأجلى الأدلة عَلَى رؤية الله ﵎، ولهذا فإن الإمام البُخَارِيّ ﵀ في صحيحه جعل هذه الآية هي عنوان الباب، ثُمَّ أورد بعد ذلك أحاديث كثيرة في إثبات رؤية الله ﵎ عن عدد من الصحابة الكرام- ﵃: عن جرير بن عبد الله البجلي (٧٤٣٦) ، وأَبِي هُرَيْرَةَ (٧٤٣٨) ، وأبي سعيد الخدري (٧٤٤٠) ﵃، وأورد أحاديث كثيرة في الحشر ويَوْمَ القِيَامَةِ، تثبت رؤية الله ﵎، وأما رؤية المنافقين والكفار ربهم يوم القيامة فقد اختلف فيها الناس على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الكفار لا يرون ربهم بحال لا المظهر للكفر ولا المسر له وهو قول أكثر العلماء المتأخرين، وعليه يدل عموم كلام المتقدمين هكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، واستدلوا بأدلة منها قوله تعالى: "كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون"َ [المطففين:١٥] ، وقوله تعالى: "وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً" [الإسراء:٧٢] ، وقوله تعالى: "وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى" [طه:١٢٤] ، وأن الرؤية من أعظم كرامات أهل الجنة وبشارة لهم فلو شاركهم الكفار في ذلك بطلت البشارة.
стр. 744
والمذهب الثاني: أنه يراه من أظهر التوحيد من مؤمني هذه الأمة ومنافقيها وغبرات من أهل الكتاب وذلك في عرصة القيامة ثم يحتجب عن المنافقين وهو قول أبي بكر بن خزيمة من أئمة السنة واحتجوا بحديث أبي هريرة-﵁ في الصحيحين واللفظ لمسلم: " أَنَّ نَاسًا قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ فَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ ﵎ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتَّبِعُونَهُ وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ " البخاري (٨٠٦) ، ومسلم (١٨٢) .
стр. 745
وفي رواية في الصحيحين من حديث أبي سعيد- ﵁: " فَيَقُولُ هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ بِهَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالسُّجُودِ وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً وَرِيَاءً إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ " البخاري (٧٤٤٠) ، ومسلم (١٨٣) .
المذهب الثالث: أن الكفار يرونه رؤية تعريف وتعذيب ثم يحتجب عنهم ليعظم عذابهم ويشتد عقابهم وهو قول أبي الحسن بن سالم وأبي سهل بن عبد الله التستري.
والراجح هو القول الأول وهو المأثور عن السلف المتقدمين، قال ابن تيمية في الفتاوى: روى ابن بطة بإسناده عن أشهب قال: قال رجل لمالك: يا أبا عبد الله هل يرى المؤمنون ربهم يوم القيامة؟ فقال مالك: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الله الكفار بالحجاب، قال الله تعالى: "كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ". وعن المزني قال: سمعت ابن أبي هرم يقول: قال الشافعي في كتاب الله "كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ" دلالة على أن أولياءه يرونه على صفته، وعن حنبل بن إسحاق قال: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد يقول: قوله تعالى "كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ" فلا يكون حجاباً إلا لرؤية فأخبر الله أن من شاء ومن أراد فإنه يراه والكفار لا يرونه، ومثل هذا الكلام كثير عن غير واحد من السلف.
стр. 746
قال القاضي أبو يعلى وغيره: كانت الأمة في رؤية الله بالأبصار على قولين: منهم المحيل للرؤية وهم المعتزلة، والفريق الآخر أهل الحق والسلف من هذه الأمة متفقون على أن المؤمنين يرون الله في المعاد وأن الكافرين لا يرونه فثبت بهذا إجماع الأمة - ممن يقول بجواز الرؤية وممن ينكرها - على منع رؤية الكفار لله وكل قول حادث بعد الإجماع فهو باطل مردود.
стр. 747
الفرق بين الإرادة الكونية والشرعية
المجيب عبد العزيز بن عبد الله الراجحي
عضوهيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/توحيد الأسماء والصفات
التاريخ ٠٤/٠٩/١٤٢٥هـ
السؤال
أريد توضيح الإرادة الكونية والإرادة الشرعية لله -تعالى-.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الإرادة صفة من صفات الله ، وهي نوعان:
(١) إرادة كونية خلقية قدرية.
(٢) إرادة دينية شرعية أمرية.
وهذا تقسيم عند أهل السنة والجماعة وهو الحق الذي دلت عليه النصوص، الإرادة الكونية الخلقية عامة للمؤمن والكافر، ولا يتخلف مرادها، وكل ما في هذا الكون، وكل ما يكون ويوجد، فإن الله أراده كوناً وقدراً من خير وشر، وصحة وعافية، وعز وإذلال، وكفر وإيمان، وفقر وغنى، ومعصية وطاعة، وسعادة وشقاوة، فكل ما يكون في هذا الكون لا يكون إلا بقدرة الله، كما أن كل شيء خلقه الله، قال تعالى: "اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ" ... [الزمر: من الآية٦٢] ، " ... قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ... " [الرعد: من الآية١٦] ، "وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً" [الفرقان: من الآية٢] ، والإرادة الكونية تعم المؤمن والكافر، أما الإرادة الدينية الشرعية فهي خاصة بالمؤمن، وهي ترادف المحبة والرضا.
فالإرادة الشرعية فيما أراده الله ورضيه من أحكام، وتشريع ما شرعه في الكتاب وعلى لسان نبيه ﷺ ، فأمر به ونهى عنه، كقوله: "وأقم الصلاة"، هذا أمر ديني شرعي أمر الله بإقامة الصلاة ديناً وشرعاً، ولكن قد يحصل المراد من الإرادة الشرعية وقد لا يحصل، فمن الناس من أطاع الله واستجاب، وأقام الصلاة، ومن الناس من لم يؤمن ولم يستجب، أما الإرادة الكونية، فإنه لا يتخلف مرادها.
تجتمع الإرادتان في حق المؤمن كأبي بكر ﵁، فإن الله أراد منه الإيمان قدراً وشرعاً.
стр. 748
وتتخلف في حق الكافر، فإن الله أراد الإسلام لأبي لهب ديناً وشرعاً، ولم يرده كوناً وقدراً.
من أمثلة الإرادة الكونية: قوله - تعالى- "فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ... " [الأنعام: من الآية١٢٥] ، وقال - تعالى -: "....إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ" [المائدة: من الآية١] ، وقال - تعالى- " ... إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" [هود: من الآية٣٤] ، والإرادة الكونية مرادفة للمشيئة قال - تعالى - "لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ*وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" [التكوير:٢٨-٢٩] .
أما الإرادة..... الشرعية فمن أمثلتها قوله - تعالى - " ... يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ... " [البقرة: من الآية١٨٥] ، " ... إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً" [الأحزاب: من الآية٣٣] ، " ... تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ... " [لأنفال: من الآية٦٧] .
وأما أهل البدع فإنهم لم يقسموا الإرادة إلى قسمين فضلوا وأضلوا فالجبرية لم يثبتوا إلا الإرادة الكونية، والمعتزلة أثبتوا الإرادة الدينية الشرعية، ولم يثبتوا الإرادة الكونية فضلوا، وهدى الله أهل السنة والجماعة؛ فأثبتوا الإرادتين عملاً بالنصوص، فكان مذهب أهل السنة والجماعة هو الحق ووسط بين مذهبين باطلين الجبرية الذين لا يثبتون إلا الإرادة الكونية، والمعتزلة الذين لا يثبتون إلا الإرادة الدينية الشرعية. والله أعلم.
стр. 749
معنى حديث ذراع الجبار
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/توحيد الأسماء والصفات
التاريخ ٢٦/٠٥/١٤٢٦هـ
السؤال
سؤالي: وجدت في كتاب السنة لابن أبي عاصم حديث أبي هريرة: "غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعاً بذراع الجبار"، وقد صححه الشيخ الألباني، وذكر أنه في السلسلة الصحيحة رقم (١١٠٥) .
وقد بحثت حول هذا الحديث، فوجدت في الكفاية للخطيب: أخبرنا أبو أحمد بن محمد بن غالب البرقاني، وأبو الحسن بشرى بن عبد الله الرومي، قالا: أخبرنا محمد بن جعفر ... عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ضرس الكافر مثل أحد، وفخذه مثل البيضاء، ومقعده من النار كما بين قديد ومكة، وكثافة جلده اثنان وأربعون ذراعاً بذراع الجبار".
قال الخطيب: كان في أصل سماع البرقاني: (بذراع الجبار وعليه تصحيح، وهذا يدل على أنه كان في الأصل الذي نقل منه هكذا.
ونرى أن الكاتب سبق إلى وهمه أن الجبار في هذا الموضع هو الله -تعالى- وكتب: " " ولم يعلم أن المراد أحد الجبارين الذين عظم خلقهم، وأوتوا بسطة في الجسم، كما قال تعالى: "إن فيها قوماً جبارين".
وقال ابن حبان: الجبار ملك ظاهر يقال له الجبار.
وقال الحاكم: قال الشيخ أبو بكر ﵁: معنى قوله: بذراع الجبار" أي جبار من جبابرة الآدميين ممن كان في القرون الأولى ممن كان أعظم خلقاً وأطول أعضاءً وذراعاً من الناس.
стр. 750
وقال البيهقي في الأسماء والصفات: قال بعض أهل النظر في قوله: "بذراع الجبار": إن الجبار هاهنا لم يُعْنَ به القديم، وإنما عُني به رجل جبار كان يوصف بطول الذراع وعظم الجسم، ألا ترى إلى قوله: (كل جبار عنيد) ، وقال: (وما أنت عليهم بجبار) . وقوله: (بذراع الجبار) أي: بذراع ذلك الجبار الموصوف بطول الذراع، وعظم الجسد، ويحتمل أن يكون ذلك ذراعاً طويلاً يذرع به، يعرف بذراع الجبار، على معنى التعظيم والتهويل، لا أنَّ له ذراعاً كذراع الأيدي المخلوقة.
وقال المنذري: الجبار ملك باليمن له ذراع معروف المقدار، كذا قال ابن حبان وغيره. وقيل ملك بالعجم.
ولكن الذي يقع في نفسي أن هذه اللفظة منكرة، ولكن لا يتم القطع بذلك إلا بنظر أهل البصيرة في العلل، فأردنا أن نأخذ رأيكم في هذا الحديث، أثابكم الله ونفع بكم.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فحديث وصف كثافة وغلظ جلد الكافر في نار جهنم، وأنه اثنان وأربعون ذراعاً بذراع الجبار حديث صحيح، صحّحه جمعٌ من أهل العلم. كابن حبان (رقم ٧٤٨٦) ، والحاكم (٤/٥٩٥) .
وفي عامّة مصادر السنة لم يرد عقب لفظة الجبار عبارات التفخيم والتعظيم والتنزيه التي لا تليق بغير الله ، مثل " "، أو "جَلَّ اسمُه"، ونحوها إلا فيما نقله السائل عن (الكفاية) للخطيب، وفي كتاب (إبطال التأويلات) للفراء.
ولذلك فقد اختلف أهل العلم في فَهْم هذا الحديث، فحمله بعضهم على أنه من أحاديث الصفات، ونفى الآخرون ذلك وتأوّلوه تأويلاً يجعله ليس من أحاديث صفات الباري .
فإيراد ابن أبي عاصم له ضمن أبواب أحاديث الصفات في كتاب السنة (رقم ٦٢٣، ٦٢٤) يدلّ على أنه عنده من أحاديث الصفات.
وكذلك أورده أبو يعلى الفراء في كتابه (إبطال التأويلات) ضمن أحاديث الصفات، وتكلَّم عنه (١/٢٠٣-٢٠٥) .
стр. 751
وتأوَّله آخرون بما يجعله ليس من أحاديث الصفات، وعلى هذا عامّةُ من وقفت على كلام له في هذا الحديث، وأخصّ بالذكر منهم هنا من عُرفوا باتِّباع منهج السلف في باب الأسماء والصفات الإلهية، كابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (٢٥٢) ، والأزهري في تهذيب اللغة (١١/٦١) ، والذهبي حيث قال – فيما نقله عنه المناوي في فيض القدير (٤/٢٥٥) -: "ليس ذا من أحاديث الصفات في شيء".
والذي جعله من أحاديث الصفات أثبت به صفة الذراع لله ، لكن دون تشبيه ولا تجسيم، كما أثبت السلف صفة الوجه واليدين. ولم يروا أن في الحديث ما يدعو إلى تحديد الذراع، كما لم يُفض الاستواء على العرش إلى التحديد، وهذا ما صرّح به أبو يعلى الفراء في إبطال التأويلات (١/٢٠٤-٢٠٥) .
ومَنْ فهم معنى هذا الحديث على ما ذكره الفرّاء، لا يكون في إثباته في هذه الصفة محذوراً؛ لأنه لم يؤدِّ به الإثبات إلى التشبه، وهذا هو ما فرّ منه المؤولون، الذين تأولوا الحديث لكي لا يكون من أحاديث الصفات أصلاً.
أما من لم يفهم من الحديث ذلك، فيلزمه إمّا تفويض المعنى (وليس هو من مناهج السلف) ، أو أن يتأوّل الحديث.
وقد تأوّله ابن قتيبة بقوله: " ونحن نقول: إن لهذا الحديث مخرجاً حسناً، إن كان النبي – ﷺ أراده، وهو أن يكون الجبار –ههنا- الملِك، قال الله –﵎ " وما أنت عليهم بجبار" [ق:٤٥] أي بملك مُسلَّط، والجبابرة: الملوك، وهذا كما يقول الناس: هو كذا وكذا ذراعاً بذراع الملك، يريدون: بالذراع الأكبر، وأحسبه ملكاً من ملوك العجم، كان تامّ الذراع، فنُسب إليه".
ووافقه على ذلك الأزهري في (تهذيب اللغة) ، كما سبق.
стр. 752
وقد افتتح الأزهري مادّة (جبر) بقوله: قال الله : "إن فيها قوماً جبارين" [المائدة:٢٢] . قال أبو الحسن اللحياني: أراد الطول والقُوَّة والعِظَم، والله أعلم بذلك. قلت: كأنه ذهب به إلى الجبّار من النخيل، وهو الطويل الذي فات يد المتناول، يقال: رجلٌ جبار إذا كان طويلاً عظيماً قويَّاً، تشبيهاً بالجبار من النخيل".
وقد يستغرب هذا التأويل من لم يكن عارفاً بلغة العرب، ولعدم استخدام الجبار لدينا بالمعنى الذي ذكره الأزهري، لكن من عرف أن الجبار في لغة العرب يدل على ذلك المعنى، ولم يُسلِّط عُرْفَه اللغوي على العرف اللغوي الذي كان في زمن النبي ﷺ لم يستغرب ذلك المعنى، خاصة مع قول ابن فارس في كتابه مقاييس اللغة (١/٥٠١) : " الجيم والباء والراء: أصلٌ واحد، وهو جنسٌ من العظمة والعُلُوّ والاستقامة، فالجبّار: الذي طال وفات اليد، يُقال: فرس جبّار، ونخلةٌ جبّارة..".
وقال القَطامي (في ديوانه ٣٥١) :
ومن يَنْزِعْ أرومتَه لأُخرى فذاك لثابتِ الأصل اعْتِقَارُ
كما الزيتونُ لا يَمَّازُ نَخْلاً ولا الجَبّارُ تُبْدَلُهُ صُحَارُ
يقول: من ترك أصله وانتسب لغير أصله، فهذا لمن كان صحيح النسب مذلّة. كما أن شجر الزيتون لا يُمكن أن يفارق شجرة الزيتون إلى النخل، والنَّخل الطوال (وهي الجبّار) ، لا تستبدلها صُحَار بغيرها، وصُحَار بلدٌ بعُمَان مشهورة بكثرة النخيل.
وعلى هذا يكون قول النبي ﷺ : "بذراع الجبار" يعْني: بذراع الطويل الفائت الطول.
وهذا أقوى ما يظهر لي من معناه، وهو ظاهرٌ لا إشكال فيه. والله أعلم
والحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
стр. 753
هل لتقسيم التوحيد ثلاثة أقسام دليل ؟
المجيب د. أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/توحيد الربوبية
التاريخ ١٣/٠٤/١٤٢٦هـ
السؤال
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تحدى أحد الذين أعلنوا الحرب صراحة على الدعوة السلفية في بلدي -في صفحات إحدى الجرائد- علماء ودعاة السلفيين على الإتيان بنص واحد فقط من القرآن، أو السنة، أو كلام السلف يثبت تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، معتبراً هذا التقسيم من باب تثليث النصارى، وقال: أعطيكم مهلة ست سنوات، وإن جئتم بدليل واحد، فأنا على استعداد لإعلان توبتي على صفحات الجرائد والاعتذار، فمن يجيبه؟
الجواب
أولاً: العبرة بالحقائق وليس بالصور، والمعاني التي جاءت في هذا التقسيم صحيحة، وكلها يشهد لها القرآن والسنة.
فتوحيد الألوهية: يعني أن توحد الله في العبادة، فإن معنى: "إله" أي معبود، فهذا سماه ابن تيمية توحيد العبادة، فهل هذا المعنى صحيح؟ فإن كان صحيحاً فماذا نسميه؟
وتوحيد الربوبية: مشتق من: "الرب" أي الخالق، فهل اعتقاد أن الله- هو المتفرد بالخلق صحيح؟
وتوحيد الأسماء والصفات: أي نوحد الله في أسمائه وصفاته، ونعتقد أنها لا تشابه صفات المخلوق وأسمائه، فهل هذا المعنى فيه أشكال؟!
ثانياً: سبب التقسيم أن بعض المسلمين خالف في بعض هذه الأنواع وأقر ببعضها، فكان الحوار يقتضي بيان جوانب الاتفاق وجوانب الخلاف، وذلك لا يتم إلا بهذا التقسيم.
стр. 754
فكل الأمة مقرة بتوحيد الربوبية، بل المشركون أنفسهم مقرون بتوحيد الربوبية، قال تعالى: "ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله" [لقمان: ٢٥] . فهذا الجانب من جوانب التوحيد لا تنكره قريش، فدل على أن النبي- ﷺ جاء يدعوهم لشيء أنكروه وهو توحيد العبادة معنى "إله" فقال قولوا: لا إله إلا الله، أي لا معبود، ولم يرد: لا خالق؛ لأنهم لا ينكرونه.
فإذا جاء أحد من المسلمين وفسر"لا إله إلا الله" بمعنى لا خالق إلا الله، فنقول: هذا خطأ يبين له من خلال التقسيم هذا ... إلخ
فكان هذا التقسيم مساعداً لبيان جوانب الصواب وجوانب الخطأ في العقائد.
وبهذا يتبين أن التقسيم لا يترتب عليه تثليث ولا تربيع وإنما لزيادة الإيضاح، وأما معاني تلك الأقسام فهي واضحة في تفسير الآيات في كتب التفاسير، فبالرجوع إليها يتضح التقسيم.
والله الموفق.
стр. 755
هل في هذا الحديث تشبيه الخالق بالمخلوق
المجيب راشد بن فهد آل حفيظ
القاضي بالمحكمة العامة بالمخواة
العقائد والمذاهب الفكرية/توحيد الأسماء والصفات
التاريخ ٢٩/٠٤/١٤٢٦هـ
السؤال
السلام عليكم.
قرأت كتاباً يروي فيه مؤلفه عن الإمام مالك، أنه قال: (من يصف أن لله يداً، ويشير إلى يده هو (برفعها لكي تُرى) فيجب أن تقطع يده، وكذلك من شبه بوجهه) . فلماذا أشار النبي ﷺ إلى عينيه وأذنه، عندما تلا قوله تعالى: "إنه هو السميع البصير"؟ وكذلك ما يحيرني هو: كيف قارن النبي ﷺ كلام الله بجر السلاسل على الصخر، أليس في المثالين أعلاه تشبيه؟.
جزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
إن من الإيمان بالله -تعالى- الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، هذا هو منهج أهل السنة والجماعة في صفات الله -تعالى-، فهم يؤمنون بها إيماناً خالياً من هذه الأمور الأربعة، فالتحريف: تغيير اللفظ والمعنى، فتحريف المعنى هو تغييره بصرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل، وهو نوع من التعطيل.
أما التعطيل: فهو إنكار ما أثبته الله -تعالى- لنفسه من الأسماء والصفات كلياً أو جزئياً، بتحريف أو بجحود، فهذا كله تعطيلٌ.
أما التكييف: فهو ذكر كيفية الصفة من صفات الله -تعالى- وهو محرم، وبدعة منكرة، وقول على الله بغير علم؛ لأن الله - سبحانه - وصف نفسه في كتابه بصفات، ولم يخبرنا بكيفيتها.
أما التمثيل: فهو تمثيل الله -سبحانه- بخلقه، في ذاته، أو في صفاته، والتمثيل ذكر مماثل للشيء.
وأهل السنة يتبرؤون منه ومن التحريف، والتعطيل، والتكييف، قال تعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" [الشورى: ١١] ، فقوله: "ليس كمثله شيء" ردٌّ على الممثلة، وقوله: "وهو السميع البصير" ردٌ على المعطلة.
стр. 756
وقال تعالى: "هل تعلم له سميا" [مريم: ٦٥] ، أي مماثلاً، وقال تعالى: "ولم يكن له كفوا أحد" [الإخلاص: ٤] ، وقال تعالى: "فلا تجعلوا لله أنداداً" [البقرة: ٢٢] ، أي نظراء مماثلين، وقال تعالى: "فلا تضربوا لله الأمثال" [النحل: ٧٤] ، فإن قيل: إن هناك أحاديث قد تشتبه علينا، ونريد الجواب الشافي عنها:
أولاً: قوله ﷺ : "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته" أخرجه البخاري (٧٤٣٤) ، ومسلم (٦٣٣) ، فالجواب عن ذلك من وجهين:
الأول: أنه لا يمكن أن يقع تعارض بين كلام الله –تعالى- وكلام رسوله – ﷺ الذي صح عنه أبداً؛ لأن الكل حق من عند الله- تعالى- لكن قد يقع التعارض في فهم البعض، لقلة العلم، أو لقصور الفهم، أو للتقصير في البحث والتعلم والتدبر، أو لسوء القصد والنية، وبناء على ذلك فيجب عليك عند الاشتباه أن ترد المشتبه إلى المحكم؛ حتى يبقى النص كله محكماً، وهذه طريق الراسخين في العلم، قال تعالى: "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ... " [آل عمران: ٧] ، وبهذا تسلم أمام الله.
الثاني: أن الحديث ليس فيه تشبيه للمرئي بالمرئي، وإنما فيه تشبيه للرؤية بالرؤية، أي ترون ربكم كرؤيتكم القمر ليلة البدر، ولهذا أعقبه بقوله: "لا تضامون في رؤيته" أو: "لا تضارون في رؤيته" أخرجه البخاري (٧٤٤٠) .
ثانياً: قوله ﷺ : " خلق الله آدم على صورته" أخرجه البخاري (٦٢٢٧) ، ومسلم (٢٨٤١) ، والجواب عنه من ثلاثة وجوه:
الأول: - بما سبق-: أنه لا يمكن أن يتعارض هذا الحديث مع قوله تعالى: "ليس كمثله شيء"، فإن استطعت الجمع فافعل، وإلا فقل: إن الله خلق آدم على صورته، وأنه سبحانه ليس كمثله شيء، فأثبت الصورة بدون مماثلة.
стр. 757
الثاني: أنه لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلاً له من كل وجه، فقد قال ﷺ : " أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر" أخرجه البخاري (٣٢٤٦) ، ومسلم (٢٨٣٤) ، فهؤلاء البشر ليسوا على صورة القمر من كل وجه، بل على صورتهم، لكن في الوضاءة والحسن والجمال، وما أشبه ذلك على صورة القمر، لا من كل وجه.
الثالث: أن الإضافة في قوله: "على صورته" من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، فيعني خلقه على الصورة التي اختارها، واعتنى بها خلقاً، وتصويراً، فإضافة الله الصورة إليه من باب التشريف والتكريم.
ولا يعني ذلك نفي الصورة، فإنها ثابتة لله –تعالى- بأدلة كثيرة، وسيأتي بيان معناها، أي معنى الصورة التي تكون لله –تعالى- وتليق بجلاله وعظمته.
وهذا الوجه – أعني الوجه الثالث- صحيح، وله نظير، لكن الوجه الثاني أسلم منه؛ لأن لظاهر اللفظ مساغاً في اللغة، وإمكاناً في العقل، فالواجب حمل الكلام عليه، مع اعتقادنا الجازم أن الصورة لا يلزم منها مماثلة الصورة الأخرى، وحينئذ يكون الأسلم أن نحمله على ظاهره. فإن قيل: ما هي الصورة التي لله –تعالى- ويكون آدم عليها؟
فالجواب: أن الله –تعالى- له وجه يليق بجلاله وعظمته، وله عينان تليقان بجلاله وعظمته، وله يدان تليقان بجلاله وعظمته، لكن لا يلزم من أن تكون هذه الصفات مماثلة لصفات الآدمي، كما أن الزمرة الأولى من أهل الجنة تكون على صورة القمر، لكن بدون مماثلة، وهذا بالنسبة بين المخلوق والمخلوق، فكيف بالأمر إذا كان بين الخالق – سبحانه- وبين المخلوق الذي هو ليس بشيء بالنسبة إلى الخالق- سبحانه- "ليس كمثله شيء".
стр. 758
ثالثاً: قوله ﷺ : "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعاناً لقوله: "كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك ... " أخرجه البخاري (٧٤٨١) ، وفي لفظ: "كالسلسلة على صفوان ينفذهم ذلك" أخرجه البخاري (٤٧٠١) ، وفي لفظ "إذا تكلم الله تعالى بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا.. " أخرجه أبو داود (٤٧٣٨) .
ومعنى قوله: "كأنه" أي صوت القول في وقعه على قلوبهم، حين سماعه. وقوله: "صفوان" هو الحجر الأملس الصلب، والسلسلة عليه يكون لها صوت عظيم. والجواب عن ذلك بثلاثة وجوه:
الأول: - كما سبق- أنه لا يمكن أن يقع تعارض بين كلام الله وكلام رسوله – ﷺ ؛ لأن الكل حق من عند الله –تعالى- فإن استطعت الجمع فافعل، وإلا فرد المتشابه إلى المحكم؛ حتى يبقى النص كله محكماً، "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".
الثاني: أن الحديث ليس فيه تشبيه لصوت الله –تعالى- بصوت السلسلة على صفوان، وإنما فيه تشبيه سماع الملائكة لصوت الله –تعالى- بسماع من يسمع سلسلة على صفوان. أو يقال: إن المراد تشبيه ما يحصل للملائكة من الفزع عندما يسمعون كلام الله –تعالى- بفزع من يسمع سلسلة على صفوان. إذاً ليس في الحديث تشبيه الصوت بالصوت، وإنما فيه تشبيه السماع بالسماع، والفزع بالفزع، والوقع بالوقع، ولذلك أعقبه بقوله: "ينفذهم ذلك" أي أن الصوت يبلغ منهم كل مبلغ. فإن أبى أحدٌ وأصر زاعماً أن في الحديث تشبيهاً للصوت بالصوت، قلنا: إن هذا لا يفهم من الحديث، لكن حتى وإن سلمنا بذلك، فلا يلزم منه أن يكون مماثلاً له من كل وجه، كما سبق وأن بيناه في حديث الزمرة الأولى من أهل الجنة؛ لأن الله – سبحانه- "ليس كمثله شيء" أبداً، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وهذا هو الوجه الثالث.
стр. 759
رابعاً: أن الرسول – ﷺ قرأ قوله تعالى: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ... " إلى قوله تعالى: "إن الله كان سميعاً بصيراً"، فوضع إبهامه على أذنه اليمنى، والتي تليها على عينه، وأبو هريرة –﵁ لما حدث به فعل ذلك. أخرجه أبو داود بسند صحيح (٤٧٢٨) .
والجواب عن ذلك بوجهين:
الأول: - بما سبق-: أنه إذا اشتبه عليك مثل ذلك، ولم تستطع الجمع، فردّ المتشابه إلى المحكم، "ليس كمثله شيء"، واجزم أنه لا تعارض بين كلام الله، وكلام رسوله – ﷺ ، وأنه إنما حصل لك الاشتباه لسبب من الأسباب المذكورة فيما سبق.
الثاني: أن الرسول – ﷺ فعل ذلك ليؤكد ثبوت هاتين الصفتين لله –سبحانه- على الوجه اللائق به، فهو إذاً تحقيق لهما، وإثبات لهما بالقول والفعل، وليس في الحديث ما يدل على التمثيل أبداً، لا من قريب ولا من بعيد، "ليس كمثله شيء".
خامساً: أنه قد ورد في حديث ابن عمر- ﵄ كيف يحكى رسول الله – ﷺ قال: "يأخذ الله – سماواته وأرضيه بيديه، فيقول: "أنا الله، ويقبض ﷺ أصابعه ويبسطها- أنا الملك" أخرجه مسلم (٢٧٨٨) .
ويجاب عنه بالوجهين السابقين، وأن المراد بفعل الرسول – ﷺ لذلك، هو تحقيق صفة اليدين لله تعالى، وإثباتها حقيقة على الوجه اللائق به، وأنه سبحانه يقبض بهما سماواته وأراضيه حقيقة، يوم القيامة، كما قال تعالى: "وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه" [الزمر: ٦٧] ، فإن قيل: هل يجوز لأحد أن يفعل كما فعل الرسول – ﷺ في الحديثين السابقين؟
стр. 760
فالجواب: أن هذا يختلف بحسب ما يترتب عليه، فإذا خشينا أن يتوهم أحد التمثيل فينبغي أن نكف عن ذلك كما لو كان أمامك عامة لا يفهمون الشيء على ما ينبغي، وعلى كل فلا حاجة إلى أن نفعل ذلك ما دمنا نعلم أن المقصود هو التحقيق، مما يعني أن ما فعله الرسول ﷺ إنما هو مقصود لغيره، وحينئذ فلا حاجة إلى ذلك، ولكل مقام مقال.
المراجع:
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية.
(٢) العقيدة الواسطية، لشيخ الإسلام ابن تيمية.
(٣) شرح العقيدة الواسطية، للشيح محمد بن عثيمين.
(٤) القول المفيد، للشيخ محمد بن عثيمين.
(٥) فتح المجيد، للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ.
стр. 761
الصفات المشتركة بين الخالق والمخلوق
المجيب د. سعيد بن ناصر الغامدي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك عبد العزيز
العقائد والمذاهب الفكرية/توحيد الأسماء والصفات
التاريخ ٠٩/٠٩/١٤٢٦هـ
السؤال
يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في كتابه (عقيدة أهل السنة والجماعة) ما يلي: لا شريك لله في ربوبيته ولا في ألوهيته ولا في أسمائه وصفاته، قال تعالى: "رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا" انتهى كلامه. لا شريك له في صفاته، فكيف ذلك وكثير من الناس يتصفون بالكرم وهو من صفات الله، وآخرون يتصفون بالحلم وهو من صفات الله أيضاً؟. نرجو التوضيح.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فما نقلتَه من كلام الشيخ ابن عثيمين ﵀ محل إجماع من علماء الإسلام، فصفات الله -تعالى- لا تشابه صفات المخلوقين: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" [الشورى:١١] .
أما ما ذكرته من وجود أوصاف في بعض المخلوقين، مثل (الكرم والعلم والحلم) فإن الاشتراك في بعض المعاني لا يقتضي التشابه المطلق، ومثال ذلك أن نقول: يد الباب ويد القط ويد الفيل ويد الإنسان، فهي رغم اشتراكها اللفظي لا تقتضي التشابه مطلقاً، ونقول أيضاً: حمامة سريعة وطائرة سريعة، والفرق بين حقيقة الصفتين شاسع جداً، فإذا كان ذلك في حق المخلوقين فهو من باب أولى في حق الخالق سبحانه وله المثل الأعلى، والقاعدة في ذلك أن الاشتراك في الأسماء لا يقتضي التشابه في المسميات.
стр. 762
إثبات الأيدي لله في قوله "مما عملت أيدينا "
المجيب عبد الرحمن بن ناصر البراك
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/توحيد الأسماء والصفات
التاريخ ٠٥/٠٤/١٤٢٧هـ
السؤال
قال تعالى: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا" حسب إجابة فضيلة الشيخ -حفظه الله- أنه لا يجب علينا تأويل هذه الآية فما معناها الظاهر، وإذا قلنا: إن معناها الظاهر هو الأيدي فسيبدوا لنا تصور وتخيل، فهل يعتبر هذا تجسيمًا أو تشبيهًا؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقول الله تعالى: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا" [سورة يس:٧١] . يدل على إثبات اليدين لله تعالى، وسبب ذكر اليدين بصيغة الجمع أنهما أضيفتا إلى صيغة الجمع، كما قال تعالى: "فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ" [الشورى:٣٠] . ومن قواعد اللسان العربي أن المثنى إذا أضيف إلى ضمير التثنية أو ضمير الجمع، جُمع كقوله تعالى: "فقد صغت قلوبكما" [التحريم:٤] . وقوله: "فاقطعوا أيديهما" [المائدة:٣٨] . ونظير هذه الآية قوله تعالى: "تجري بأعيننا" [القمر:١٤] . وهذه الآية أعني " مما عملت أيدينا". لا تدل على أن الله خلق الأنعام بيديه كما خلق آدم، لأنه أسند الفعل إلى الأيدي كقوله: "بما قدمت أيديكم" [آل عمران:١٨٢] . ومثل هذا الأسلوب لا يدل على خصوص فعل اليدين بخلاف قوله تعالى: "مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ" [ص:٧٥] . فإنها تدل على أن الله خلق آدم بيديه؛ لأنه أسند الفعل إلى الفاعل وعداه إلى اليدين بالباء، وأهل السنة والجماعة يثبتون اليدين لله على ما يليق به ولا يكيفون ولا يمثلون.
فلا تتخيل أيها السائل من صفات الله أنها تماثل صفات المخلوقين فهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. والله أعلم.
стр. 763
استخدام الجنّ في العلاج
المجيب د. عبد الله بن عمر الدميجي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/ الإيمان بالملائكة والجن
التاريخ ٣/٨/١٤٢٢
السؤال
ما حقيقة مسّ الجن للإنس وهل يجوز استخدامهم في العلاج؟
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد:
جواباً على سؤال السائل: ما حقيقة مس الجن للأنس وهل يجوز استخدامهم في العلاج؟
فنقول:
أما مس الجن للإنس فحقيقة ثابتة دل عليها الكتاب والسنة والواقع. ولم يخالف في ذلك إلا بعض من يسمون بالعقلانيين قديماً وحديثاً بناء على تقديسهم العقل. علماً أن العقل السليم لا يمنع من ثبوت ذلك، بل تعدى بعضهم إلى إنكار حقيقة الجن أصلاً وهذه مكابرة.
قال الله تعالى: "الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ...".
وقد ثبت ذلك في أحاديث كثيرة صحيحة.
كما يشهد له الواقع، وأقوال العلماء في ذلك قديماً وحديثاً مشهودة، أما مسألة حكم الاستعانة بالجن واستخدامهم في العلاج أو غير ذلك فالصحيح أنه لا يجوز حتى وإن كانوا مسلمين وفي أمر مباح أو مشروع؛ لأن النبي ﷺ لم يستعن بهم لا في الجهاد، ولا في الإخبار عن أحوال العدو، ولا عن شيء من ذلك مع حاجته الماسة ﷺ إلى ذلك، مع أنه مرسل إليهم ﵊، وقد بلغهم رسالة ربه.
وهذا الاستخدام من أفعال أهل الجاهلية. فكانوا إذا نزلوا وادياً أو مكاناً خالياً قالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ... يريدون كبير الجن. فحرّم الإسلام ذلك، قال -تعالى- "وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً".
وقد أبدلهم النبي ﷺ خيراً منه فقال ﵊ " من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك " رواه مسلم (٢٧٠٨) .
стр. 764
وهذا الاستخدام هو من الاستمتاع الذي ذمّ الله الكافرين عليه، قال -تعالى- "ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم" فالجن لا يخدم الإنس إلا إذا قدم له شيئا، ً وهذا هو استمتاع بعضهم ببعض. كما أن استخدام الجن في بعض الأمور المباحة أو الطاعات ذريعة للشرك، وقاعدة "سد الذرائع" تمنع من ذلك لما فيه من مخاطر جسيمة على عقيدة المسلم.
فعلى المسلم الغيور على دينه البعد عن كل الأمور التي تقدح في عقيدته وتجره إلى الذنب الذي لا يغفره الله تعالى. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.
стр. 765
كيف نثبت وجود الملائكة ؟
المجيب عبد الرحمن بن ناصر البراك
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالملائكة والجن
التاريخ ٢٧/٦/١٤٢٢
السؤال
هل لكم أن تثبتوا لي أنه يوجد في هذه الدنيا ملائكة؟
أريد جواباً مقنعاً. وجزاكم الله خيراً.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسوله، نقول لمن قال ذلك: أتؤمن بالله ورسوله وكتابه؟ فإن قال: نعم أؤمن بالله ورسوله وكتابه. نقول: إن هذا يفرض عليك أن تؤمن بكل ما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله، فإن الملائكة من علم الغيب، ولا طريق للعلم بهم إلا خبر الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم-، فلا طريق للعلم بالملائكة إلا بالوحي المنزل على رسل الله وأعظم ذلك ما أنزله الله من الكتاب والحكمة على محمد ﷺ وقد ذكر الله الملائكة في كتابه في مواضع كثيرة جداً، كما في قصة آدم وإبليس، وذكر أن الإيمان بهم من أركان وأصول الإيمان والبر، وأن الكفر بهم ضلال بعيد كما قال -تعالى-: ((ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله فقد ضل ضلالاً بعيداً)) كما بيّن في كتابه وعلى لسان رسوله ﵊ أموراً كثيرة عن الملائكة من صفاتهم الخَلقية والخُلقية، والأعمال التي وكلوا بها، فالإيمان بالملائكة من أصول الإيمان فمن ينكر وجودهم، أو يشك في وجودهم فإنه كافر بالله ورسوله وكتبه، ولو ادَّعى أنه مسلم، وأؤكد أنه لا طريق لإثبات وجودهم وأحوالهم إلا السمع، أي: النقل، وهو كتاب الله، وما صحَّ من سنة رسول الله ﷺ .
وإن كان القائل لا يؤمن بالله، أو لا يؤمن بالرسول، أو لا يؤمن بالقرآن فللكلام معه مقام آخر، لا يتكلم معه في إثبات الملائكة بل يتكلم معه في أصل الأصول، وهو الإيمان بالله ورسوله وكتابه , والله أعلم.
стр. 766
الجن والشياطين سلالة من ؟؟
المجيب د. عبد الله السبتي
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
القرآن الكريم وعلومه/تفسير آيات أشكلت
التاريخ ٢٢/٧/١٤٢٢
السؤال
يقول الله تعالى (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ... الآية
الإنس من بني آدم والجن من نسل من؟ والشياطين من نسل من؟ وماذا قال أهل العلم بقوله تعالى (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)
ظاهر قول الملائكة بأن الأرض كان يقطنها مخلوق مفسد فمن هم؟
الجواب
الذي يظهر والله أعلم أن إبليس هو أبو الجن وذلك هو ظاهر القرآن ولا معارض له مقبول فإن الله سبحانه قد أخبر في كتابه عن إبليس أنه اعترض على السجود بقوله: (خلقتني من نار وخلقته من طين) فهو يتحدث عن خلقه هو لا عن غيره من أب أو جد فأول الجن خلقا هو إبليس وهو أبوهم (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو) كما أن أول الإنس خلقا هو آدم وهو أبوهم وإبليس قد خلق قبل آدم (ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون*والجان خلقناه من قبل من نار السموم)
قال الحسن البصري ﵀:"ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس "قال ابن كثير:" وهذا إسناد صحيح عن الحسن " (١/٧٤) في تفسير قوله (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) .
قال ابن القيم_رحمه الله_:
واسأل أبا الجن اللعين أتعرف الخلاق أم أصبحت ذا نكران
وقال ابن حجر في الفتح (٦/٣٦٩) :" إبليس أبو الجن كلهم "
стр. 767
وكل قول غير هذا غير فإنه معارض لظاهر القرآن كما أن مستنده النقل عن بني إسرائيل فمرة ينسب إلى حي من الملائكة وأخرى إلى الجن ولكن اصطفى فكان بين الملائكة ... إلى غير ذلك من الأقوال، والمسألة سمعية لا مجال للرأي فيها، ومثلها لا يستند فيه على الإسرائيليات، وتجدر الإشارة إلى أنها قد وردت مجموعة من الروايات عن المتقدمين في إبليس وكيفية نسبته إلى الجن، وتحديد مهمته، وذكر عبادته، وكيفية انتقاله، إلى السماء وتسميته، وغير ذلك، ومصدر ذلك والله أعلم الإسرائيليات، قال ابن كثير في تفسيره (٣/٨٧) :" وقد روي في هذا آثاراً كثيرة عن السلف وغالبها من الإسرائيليات، التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير، منها ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته الحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة، لأنها، لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان وقد وضع في هذا أشياء كثيرة ".
وحينئذ فلا داعي للعدول عن ظاهر القرآن.
وبهذا القول يزول الإشكال عن كيفية وجود إبليس بين الملائكة وهو ليس منهم، فالله قد خلقه وجعله بينهم، كما أنه خلق آدم وجعله في الجنة ثم أنزل الجميع إلى الأرض جزاءا وابتلاء، هذا بالنسبة لأبي الجن.
وأما بالنسبة لأبي الشياطين فلا بد من مقدمة لبيان ذلك، فإن لفظ (شيطان) يطلق على إبليس ويطلق على جنس من الجن وهم المرة من ذرية إبليس، ويطلق على المتمرد من الإنس على أوامر ربه.
فأما إطلاقه على إبليس ففي مثل قوله تعالى (فأزلهما الشيطان عنها) وقوله تعالى (فوسوس لهما الشيطان) وقوله تعالى (لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة) وهذا غالب إطلاقه، فالشيطان علم في الغالب على إبليس.
وأما إطلاقه على جنس من الجن ففي مثل قوله تعالى (وما تنزلت به الشياطين) وقوله تعالى (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين) (والشياطين كل بناء وغواص) (وجعلناها رجوما للشياطين) وهو ههنا وصف لهم.
стр. 768
وأما إطلاقه على متمردي الإنس ففي مثل قوله تعالى (وكذلك جعلنا لكل نبي عدو شياطين الجن والإنس يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) وهو هنا وصف لهم أيضا.
وحينئذ فلا يمكن أن يقال: أبو الشياطين هو فلان إذ منهم جن ومنهم بشر، إلا أن يكون الحكم أغلبي، فيقال إبليس أبو الشياطين لأن غالب الشياطين منهم ولأنه مصدر شيطنتهم والله أعلم.
س/ هل يدل قول الملائكة (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) ؟
ج/ ليس في الآية دليل صريح على ذلك؛ إذ ربما عرفت الملائكة أن هذا الخليفة سيفسد في الأرض ويسفك الدماء بوحي من الله إليها كما نقل معناه ابن كثير عن الحسن البصري في تفسير الآية.
وقد ورد في كتب التواريخ وبعض التفاسير: أنهم علموا ذلك بسبب أعمال من تقدم آدم من الجن الذين سكنوا الأرض، وسبق بيان شئ من ذلك السؤال، السابق والله أعلم.
стр. 769
هل الملائكة أجسام نورانية
المجيب د. أحمد بن عبد اللطيف العبد اللطيف
الأستاذ بقسم العقيدة بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالملائكة والجن
التاريخ ٢٥/٨/١٤٢٤هـ
السؤال
هل الملائكة من أجسام نورانية أم لا؟.
الجواب
نعم الملائكة خلقوا من نور، وابن آدم خلق من طين، والجن خلقت من مارج من نار، والله أعلم.
стр. 770
تلبس الجن بالإنس
المجيب د. عبد الله بن عمر الدميجي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالملائكة والجن
التاريخ ٩/١/١٤٢٥هـ
السؤال
السؤال: ما الفائدة التي يستفيدها الجنَّي عندما يتلبَّس بالإنسان؟ مع العلم أن الإنسان سوف يرفع عنه القلم في حالة الجنون.
أعتقد - والله أعلم - أن إبليس لبَّس على المتعلمين بأن جعلهم يعتقدون بأن للجن قدرة يستطيعون بها الدخول في الأجساد البشرية.
ونحن نعلم علم اليقين بأن إبليس وجنده دعاة إلى النار، فلا يصح له أن يذهب العقول بتلك الطريقة، وقد يقول قائل بأنها من وسائل حربه، إذاً لما كان في الكفره مجانين. والأحاديث المستشهد بها لا تدل إلا على الإغواء لا الجنون بسبب الجن، كحديث "أن الشيطان يجري من بني آدم مجرى الدم " فالرجاء العودة على مناسبة الحديث، شاكراً لكم سعة صدوركم.
الجواب
الحمد لله، والصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:
فمسألة إنكار تلبُّس الجن بالإنس لا يقول بها إلا مكابر؛ لأنها مسألة تشهد لها الأدلة الشرعية الصحيحة، ويدل عليها الواقع والمشاهدة، وسبق أن أجبنا على سؤال في هذا الموقع عن هذا الموضوع، فيحسن الرجوع إليه.
ومن الأدلة الشرعية الدالة على ثبوت التلبس قول الله - تعالى-: "الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ... " [البقرة: ٢٧٥] .
стр. 771
ومن الأحاديث ما رواه الإمام أحمد في مسنده (٢٤٠٠٩) من حديث أم أبان بنت الوازع، عن أبيها أن جدها الزارع انطلق معه بابن له مجنون –أو ابن اخت له- قال جدي: فلما قدمنا على رسول الله – ﷺ – قلت إن معي ابناً لي، أو ابن أخت لي مجنون، أتيتك به تدعو الله له قال: ائتني به قال: فانطلقت به إليه وهو في الركاب، فأطلقت عنه، وألقيت عنه ثياب السفر، وألبسته ثوبين حسنين وأخذت بيده حتى انتهيت به إلى النبي – ﷺ فقال: ادنه مني، اجعل ظهره مما يليني، قال: فأخذ بمجامع ثوبه من أعلاه وأسفله فجعل يضرب ظهره حتى رأيت بياض إبطيه، ويقول: "اخرج عدو الله، اخرج عدو الله " فأقبل ينظر نظر الصحيح ليس بنظره الأول، ثم أقعده رسوله الله – ﷺ – بين يديه فدعا له بماء فمسح وجهه ودعا له، فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوة رسول الله – ﷺ يفضل عليه، ومثله الحادثة التي رواها الإمام أحمد في مسنده (١٧٥٤٩) ، من حديث يعلى بن مرة، وإخراج النبي – ﷺ الجنَّي من الصبي.
يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٤/٢٧٦) دخول الجن في بدن الإنسان ثابت باتفاق أهل السنة والجماعة. ويقول: ليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجن في بدن المصروع وغيره، ومن أنكر ذلك وادَّعى أن الشرع يكذب ذلك فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك، وقال في (١٩/١٢) أن ممن أنكر دخول الجن بدن المصروع طائفة من المعتزلة، كالجبائي وأبي بكر الرازي.
أما ما ذكره السائل من أن إبليس وجنده دعاة إلى النار، فلا يصح أن تذهب العقول بتلك الطريقة.
فنقول: إن دوافع التلبُّس ليست محصورة في العداوة فقط. فقد يكون دافع التلبس الحب والعشق والهوى، فبعض الجن يعشق بعض الإنس فيتلبس بهم.
стр. 772
وقد يكون بدافع الانتقام إذا آذاهم الإنس وهو يشعر أو لا يشعر، ولم يعتصم بذكر الله، وقد يكون الجنيَّ أحياناً مكرهاً على الإيذاء والتلبُّس؛ حيث يجبره على التلبُّس أحد كبرائهم من الشياطين، وهذا يكون عادة عن طريق السحر.
وقد يكون بدافع الإيذاء، أما ترى أنه يفرح حين يفرق بين المرء وزوجه، وحين يقطع الرحم؟
إذاً فعداوة الشيطان للإنسان ليست محصورة في إغوائه وصرفه عن الصراط المستقيم، مع أنها أغلى أمانيه ولكنه الإيذاء بشتى أنواع الأذى النفسي والجسدي، وخاصة إذا لم يتمكن من صرفه عن الحق.
وصرفه عن الحق إما بإيقاعه في الشرك والخروج من الملة، أو بإيقاعه في البدع أو الذنوب، فإن لم يستطع فبصده عن طاعة الله وإفساد العبادة عليه، فإن لم يستطع فبإشغاله بالمفضول عن الفاضل. إلى غير ذلك من الصور. أعاذنا الله من شياطين الجن والإنس بمنَّه وكرمه.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 773
تكليف الجن بالعبادات
المجيب عبد الرحمن بن ناصر البراك
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالملائكة والجن
التاريخ ٣/٨/١٤٢٣هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
هل على الجن تكاليف شرعية كما على الإنس؟ أي: هل الجن مكلفون بالصلاة وصيام رمضان؟ لأنه كما نعرف هناك جن مسلم وآخر كافر، أفيدوني أفادكم الله، وجزاكم الله خيراً.
الجواب
стр. 774
نعم، الجن مكلفون كالإنس، ومخلوقون للعبادة، فهم مأمورون ومنهيون، كما قال -تعالى-:"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" [الذاريات: ٥٦] وهم موعودون ومتوعدون، فمؤمنهم موعود بالثواب وكافرهم وعاصيهم متوعد بالعقاب، فقد قضى الله -تعالى- أن يملأ جهنم من الإنس والجن، كما قال :"وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين" [هود: ١١٩] ، والصحيح أن مؤمنهم يدخل الجنة كما في سورة الرحمن، والخطاب فيها للثقلين (الإنس والجن) :"فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ" [الرحمن: ١٣] في واحد وثلاثين آية، ومن ذلك قوله -تعالى-:" فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ*فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ*يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ*فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ" [الرحمن: ٣٩ -٤٢] إلى قوله:"ولمن خاف مقام ربه جنتان*فبأي آلاء ربكما تكذبان" [الرحمن: ٤٦ - ٧٨] إلى آخر السورة، ولكن لا ندري عن كيفية أدائهم للتكاليف الواجبة عليهم؛ لأن لهم طبيعة وخلقة تختلف عن طبيعة الإنس وخلقتهم، لكنهم مكلفون بشريعة محمد ﷺ ، ولهذا قرأ النبي ﷺ القرآن وجاءه نفر من الجن واستمعوا القرآن وذهبوا إلى أقوامهم منذرين كما ذكر الله ذلك في سورتي الأحقاف والجن، "وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ" [الأحقاف: ٢٩ - ٣٥] إلى آخر الآيات، والله أعلم.
стр. 775
رؤية الجن والكلام معهم
المجيب د. عبد الله بن عمر الدميجي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالملائكة والجن
التاريخ ٦/١/١٤٢٣
السؤال
هل يستطيع الإنسان رؤية الجن أو الملائكة، مع العلم أني قابلت من يقول إنه يرى الجن، وكان معنا شخص قد لبسه جني وكان يتكلم معه. ما قولكم في هذا؟ للعلم هذا الشخص ثقة -إن شاء الله-.
الجواب
الجن لا يُرون على صورهم الحقيقية التي خلقهم الله -تعالى- عليها، قال الله -تعالى-: (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم) [الأعراف:٢٧] وقد قال -تعالى-: (إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) [الكهف:٥٠] .
ولكن الله قد جعل لهم القدرة على أن يظهروا في صور أشخاص وحيوانات وحشرات وغير ذلك، وقد تمثل الشيطان لقريش في صورة شيخ نجدي.
أما سماع أصواتهم وكلامهم على لسان الإنسي المتلبسين به فهذا ثابت وواقع. والله تعالى أعلم.
أعاذنا الله من شياطين الجن والإنس. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →