Полный текст (10 202 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.
стр. 8156
تنازلوا عن حقهم ثم طالبوا به !
المجيب د. فهد بن عبد الرحمن اليحيى
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ٠١/٠٤/١٤٢٧هـ
السؤال
لقد أعطت جدتي لأمي جميع مالها وهي على قيد الحياة، وكانت أمي تنوي أن تعطي إخوتها أسهمهم من هذا المال بعد وفاة أمها، لكن أمي توفيت قبل جدتي، وورثتُ المال من أمي مع إخوتي، وفي ذلك الوقت عرضنا على إخوة أمي أن نعطيهم من المال، لكنهم رفضوه، والآن بعد ثمان سنوات من وفاة أمي يطلبون المال! ما حكم طلبهم هذا في شريعة الإسلام؟ وهل تتحمل أمي مسؤولية خطأ جدتي؟ وهل ينبغي أن نعطي إخوة أمي سهمهم من المال الآن؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد ثبت في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير ﵄ في قصته أن النبي ﷺ قال: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" وفي بعض الروايات لما أراد والد النعمان أن يشهد رسول الله ﷺ على أعطيته للنعمان دون سائر ولده قال: ﷺ "لا تشهدني على جور" صحيح البخاري (٢٦٥٠،٢٥٨٧) ، وصحيح مسلم (١٦٢٣) . فسماه جوراً وظلماً، وقد ألحق كثير من العلماء الأم بالأب في وجوب العدل ومنع التفضيل بينهم، لأن العلة واحدة. فالجدة قد ارتكبت خطأً حين خصت أمك بهذا المال دون غيرها من أولادها.
وإذا كان الذي أعطته من المال هو جميع ما تملك فهذا أشد في الخطأ.
وكان على أمك ألا تقبل اختصاصها بذلك، أو تعطي بقية إخوتها من المال.
وقد أحسنتم حين عرضتم على إخوتها حقهم، ولكن إذا ثبت شرعًا أنهم قد تنازلوا كلهم عن هذا المال فقد سقط حقهم، وليس لهم الرجوع مرة أخرى فيما تنازلوا عنه.
ولكن لابد من التأكد من حقيقة تنازلهم، وكذلك من تنازل منهم ممن لم يتنازل فيقبض حقه.
وهذا كله فيما يلزم شرعاً وقضاءً، وأما من حيث الإحسان فلا شك أن تطييب خواطرهم بما يتيسر أولى؛ وهو من صلة الرحم التي لا يخفى فضلها وثوابها.
وفق الله الجميع وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 8157
تزوير الفواتير، وكيفية التكفير ؟!
المجيب أ. د. عبد الله بن محمد الطيار
أستاذ جامعي في جامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ٠٢/٠٥/١٤٢٧هـ
السؤال
كنت مديرا لإحدى الشركات، وتقدَّمتُ بعرض بيع سلعة بقيمة ٨ آلاف لشركة أخرى. طلب مني المسؤول فيها تغيير العرض لعشرين ألف ليأخذ هو ١٠ آلاف، وشركتي تستلم عشرة آلاف. سألت مالك الشركة التي أعمل بها فوافق. وبعد نهاية البيع أعطاني هذا الشخص (٢٠٠٠) دون أن أطلب منه ذلك!
هل أبلغ المالك، وعند موافقته أحتفظ بهذا المبلغ أم ماذا؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فاعلم أخي الكريم أنك أوقعت نفسك في عدة محاذير شرعية، حيث قمت بالتعاون مع مسؤول الشركة الأخرى في زيادة قيمة السلعة التي يشتريها لصالح شركته على الرغم من كون سعر السلعة أقل من ذلك بكثير، وهذا من التعاون على الإثم والعدوان الذي نهى الله عنه بقوله: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ" [المائدة:٢] ، وهو من الغش الذي نهى النبي ﷺ عنه بقوله: "من غش فليس منا" رواه مسلم (١٠٢) ، والترمذي (١٣١٥) .
وأيضاً هذا العمل من أكل أموال الناس بالباطل الذي نهى الله عنه بقوله: "وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ" [البقرة:١٨٨] . حيث أن السلعة قيمتها الأصلية (٨آلاف ريال) ، والذي اشتراها لشركته أخذها بـ (٢٠ألفاً) فهذا المبلغ الذي أخذه وهو (١٠آلاف) ، والمبلغ الآخر الـ (ألفان) اللتان دفعهما إلى شركتكم زيادة عن قيمة السلعة، كلاهما من أكل أموال الناس بالباطل.
وأيضاً المال الذي أخذته وهو (ألفا ريال) من الرشوة المحرمة، التي توعد الله صاحبها باللعن وهو الطرد من رحمته، لما ورد في الحديث: لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي رواه الترمذي (١٣٣٧) ، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.
فعليك أخي الكريم بالتوبة، والاستغفار، والندم على ما وقع منك.
ثانياً: عليك برد هذا المبلغ الذي أخذته وهو (ألفا ريال) إلى هذا الشخص الذي أعطاك إياه من أجل تيسير بيع السلعة بالمبلغ الذي طلبه حتى تبرأ ذمتك، وإن لم تستطع رده فعليك بالتصدق به للمحتاجين، أو إخراجه في الأمور الممتهنة كدورات مياه المساجد وغيرها، وليس لك فيه أجر الصدقة لأنه مال فيه شبهة.
ثالثاً: عليك بإبلاغ المالك عن تفاصيل الموضوع كاملاً، وأوصيك بالحرص على الرزق الحلال، فإنه بركة عليك وعلى أهل بيتك.
وفقك الله لطيب مطعمك، وجنبك الحرام، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 8158
الضرر القاصر والضرر المتعدي
المجيب وليد بن علي الحسين
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ٠٢/٠٥/١٤٢٧هـ
السؤال
ما هو الضرر القاصر وما هو الضرر المتعدي؟
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من بعث رحمة للعالمين، وبعد:
فإن المراد بالضرر القاصر: الذي يقتصر على الإنسان وحده فقط دون أن يتعداه إلى غيره، كالمريض بمرض غير معد، إذا رفض العلاج، فإن ضرر ذلك مقتصر عليه فقط، وكأن يصوم المريض الذي يفضي ذلك إلى تضرره هو فقط بالصوم.
وأما الضرر المتعدي: فهو الضرر الذي يتعدى الشخص إلى شخص آخر يتضرر به، كالمريض بمرض وبائي، فإنه إذا رفض العلاج فضرره متعد لا يقتصر عليه فقط؛ لأنه سينقل المرض إلى غيره من الأصحاء، وكأن يترك صاحب الحائط المائل على الطريق العام والآيل للسقوط بناءه فضرره هذا متعد إلى جميع من يمر بهذا الطريق.
والأفعال التي نُهي عنها في الشرع منها ما ضرره مقتصر على صاحبه فقط، كالنظر إلى المشاهد المحرمة، وكشرب الدخان، ومنها ما ضرره متعد إلى الغير، كتبرج المرأة وإبداء زينتها فإن هذا قد يفضي بمن يراها إلى الفتنة والوقوع في المحرم، وكالغيبة، والنميمة التي تفضي إلى زرع العداوة والكراهية بين المسلمين، وكتناول المخدرات.
والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 8159
العمل إذا تعارض الحديث مع فعل الصحابة
المجيب د. تركي بن فهد الغميز
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ١٦/٠١/١٤٢٧هـ
السؤال
في بعض الأحيان نجد آراء أو أفعالاً لبعض فقهاء الصحابة، وتكون مخالفة للحديث الصحيح، فكيف نوفِّق بين هذين المصدرين إذا تعارضا؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن من المتقرر الذي لا شك فيه عند أحد من المسلمين أن الحجة التامة ثابتة بما في كتاب الله تعالى، وبما في سنة رسول الله ﷺ الثابتة عنه، وأن كل قول خالف الكتاب والسنة فهو مردود، مهما كان قائله، والنصوص الدالة على هذا كثيرة، قال الله تعالى: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم" [الأحزاب:٣٦] ، وقال تعالى: "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول" [المائدة:٩٢] ، وقال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول.." الآية [الأنفال:٢٤] ، وغير ذلك من الآيات، وكلام السلف في هذا أيضاً كثير جدًّا، في عرض أقوالهم على الكتاب والسنة وطرح ما خالف الكتاب والسنة منها، وهذا من أقوال الصحابة ومن بعدهم.
إذا علم هذا -وهو شيء معلوم- فإن أقوال الصحابة المخالفة للسنة النبوية لا حجة فيها، وإنما الحجة بما في السنة الصحيحة.
ولكن هناك مواضع متعددة قد يظن فيها التعارض أو التناقض وليس كذلك، كما هناك مواضع يظن فيها ثبوت السنة وليست ثابتة، والمسائل في هذا لا تنحصر، وإنما يعلمها العلماء والفقهاء وأهل الحديث الذين يرجع إليهم في هذا الباب. والله الموفق للصواب.
стр. 8160
هل حب الوالدين واجب أم يكفي البر ؟
المجيب د. محمد بن سليمان المنيعي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ٢٦/٠٣/١٤٢٧هـ
السؤال
أود الاستفسار عن حب الوالدين، هل حبهما واجب؟ مع العلم أني أطيعهما.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فحق الوالدين عظيم، ولذلك قرن الله حقهما بحقه -سبحانه- تشريفاً لهما، وإعلاء لقدرهما، فمن كفر بنعمة والديه فهو للكفر بنعمة الله أقرب، وطاعة الوالدين فرض قضى به رب العزة على الأولاد؛ لقوله تعالى: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً" [الإسراء:٢٣] .
وعقوق الوالدين كبيرة من كبائر الذنوب، بل هي من أكبر الكبائر؛ لحديث أبي بكرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "الإشراك بالله وعقوق الوالدين ... ". الحديث رواه البخاري (٢٦٥٤) ، ومسلم (٨٧) .
ومحبة الوالدين تستلزم كمال برهما والقيام بكامل حقوقهما، وعكسه بغضهما، فإنه يستلزم عقوقهما والتقصير في حقوقهما وكما تدين تدان، والمؤمن مطالب شرعاً بأن يتقي الله في فعل المأمورات واجتناب المنهيات. والله المستعان.
стр. 8161
خروج المعتدة للعلاج ولزيارة مريض
المجيب د. سليمان بن وائل التويجري
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ٠٢/٠٦/١٤٢٧هـ
السؤال
أثناء عدة أمي لوفاة والدي ﵀، ذهبنا بها لعيادة نسائية قرب بيت والدتها، وبعد الكشف أصرت على زيارتها ورؤية أخيها المريض، وبقيت هناك يوم أو يومين لا أذكر، ثم رجعنا إلى منزلنا، ثم بعد فترة مرضت أختي مرضاً شديد أخافنا جميعا، وذهبت بها أمي للعلاج، ومن ثم أقامت عند جدتي فترة طويلة حتى شفيت أختي ورجعنا إلى بيتنا. فما حكم الشرع في ذلك أفادكم الله؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالمرأة إذا توفي عنها زوجها، فإن الواجب عليها أن تبقى في البيت الذي مات زوجها وهي فيه، وعليها أن تبتعد عن الزينة من لباس أو طيب، فلا يجوز لها أن تستعمل الطيب، ولا أن تتجمل بالثياب، ولا أن تتعرض للرجال الأجانب. ولا يجوز لها الخروج من منزلها إلا لأمر ضروري.
وما ذكره السائل من حاجتها للذهاب للطبيبة، فهذا من الأشياء التي تعتبر ضرورة في هذا الوقت، وذهابها إلى الطبيبة أرجو -إن شاء الله- ألا شيء عليها فيه. وكونها مرت بأخيها، وبقيت عنده، وهي في طريقها ونحو ذلك أرجو -إن شاء الله- أن يدخل ذلك تبعاً وإن كان لا يصح أن يكون استقلالاً.
وكذلك ما حصل لها مرة أخرى عندما خرجت لزيارة الطبيب، وعرجت بعد ذلك إلى زيارة أختها المريضة مرضاً شديداً. فأرجو إن شاء الله ألا شيء عليها، وبالله التوفيق.
стр. 8162
مضاعفة القِسط عند تأخير السداد
المجيب سامي بن عبد العزيز الماجد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ٠٧/٠٢/١٤٢٧هـ
السؤال
لي صديق تاجر، يبيع بالتقسيط بفائدة ثابتة (٢%) شهريًّا، فهل هذا الأمر حلال أم حرام؟ علماً أنه في حالة عدم السداد في المواعيد المحددة -ولو لمدة قسط واحد- يقوم برفع الفائدة من (٢%) إلى (٥%) ؟ فهل هذا الأمر يعتبر ربا أم لا؟
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فيجوز للمالك أن يبيع ما يملكه من السلع حالة أو بالأجل بالتقسيط بسعر معلوم، وليس هذا من الربا في شيء؛ وأما مضاعفة الفائدة جرَّاء التأخير في السداد فهذا هو ربا الجاهلية، (إما أن تؤدي وإما أن تربي) أي إما أن تؤدي الدين الذي عليك وهو القسط من الثمن، وإما أن تؤخر فتربي أي فتزيد في قدره، فهذا توليد للأرباح من النقد نفسه، وليس من البيع والمتاجرة والعمل.
وحتى يضمن التاجر حقه ويأمن مماطلة العميل فله أن يطلب رهناً من العميل يستوفي من بيعه ما له مِنْ دين على العميل عند عدم السداد، أو يطلب كفيلاً غارماً يستوفي منه الدين إذا عجز العميل أو ماطل. والله أعلم.
стр. 8163
لماذا لم تتحد الدول الإسلامية ؟
المجيب د. عبد الله بن المحفوظ بن بيه
وزير العدل في موريتانيا سابقاً
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ٢٣/٠١/١٤٢٧هـ
السؤال
في هذه الأيام تعاني الأمة الإسلامية انعدام الأمن، حيث نستدعي الدول الكافرة لحل مشاكلنا، ورفع الظلم عنا. فإذا كانت الدول الأوروبية لها جيوشها الخاصة، ومع ذلك دخلت في حلف الأطلسي العسكري، فلماذا لا تلجأ الأمة الإسلامية لإنشاء جيش واحد قوي لتحمي شعوبها من أي عدوان خارجي، وفي الوقت نفسه توقف الخطر الذي يأتيها من قِبَل الآخرين، وعندها لا يكون هناك حاجة لاستدعاء أمريكا أو أي قوة عظمى. فهل هذه الفكرة صائبة؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسو الله، وبعد:
فالموضوع الذي تكلمتَ عنه موضوع حيوي، ونرى أنك سألت هذا السؤال وطرحت هذه الأفكار انطلاقاً من إيمان عميق بأهمية التضامن بين مكونات الأمة الإسلامية، ولكن نود أن نقول لك: إن التضامن بين مكونات الأمة الإسلامية والدول الإسلامية مصاب بخلل، وهو خلل يشاهد بالعين المجردة، وأسبابه عديدة ومتنوعة، منها:
أولاً: ابتعاد المسلمين عن تعاليم دينهم، وبخاصة التعاليم المتعلقة بالنظام الاجتماعي الذي يدعو له الدين الإسلامي، كما في الآية: (ولا تنازعو فتفشلوا وتذهب ريحكم) [الأنفال: ٤٦] ، وفي الحديث إخبار عن المسلمين أنهم " كالبنيان يشد بعضه بعضاً". صحيح البخاري (٤٨١) ، وصحيح مسلم (٢٥٨٥) .
هذا التضامن أصله يقوم بشكل رئاسة واحدة وسيادة واحدة للأمة الإسلامية، وهو ما كان معروفاً بالخلافة قبل أن تنقسم الأمة بسبب إرثها أو نسبها أو موقعها الجغرافي، فالأصل أن الأمة تكون تحت لواء واحد ورئاسة واحدة، هذا هو الأصل الذي يدعو إليه الدين الإسلامي، لكن الواقع أن الأمة قد انفرط عقد وحدتها منذ أمد بعيد، فتكاثر عليها الأعداء وزالت هيبتها.
ثانياً: التأخر في الصناعات، وفي مختلف وجوه التقدم المادي.
السبب الثالث: الحملة الشرسة المتواصلة لأعداء الأمة، وبخاصة الحلفاء الغربيين، تلك الحملة التي جاءت تحت أسماء مختلفة، فتارة تحت اسم استرداد القدس من العالم الإسلامي بما يعرف بالحروب الصليبية، وتارة تحت اسم الحروب الاستعمارية، وتارة تحت شعار تمرين الأمة وفرض الديمقراطية عليها.
ويجب أن نعي ذلك، ومع ذلك يجب أن نقول لك -أخي السائل-: إنه في لحظة من لحظات يقظة الضمير، وإثر نشوب حريق الأقصى في عام ١٩٦٩م تشكلت منظمة المؤتمر الإسلامي، وهي مظهر من مظاهر هذا التضامن الذي تدعو إليه أنت، وندعو نحن إليه جميعاً، لكن القوى العالمية كانت لها بالمرصاد، فأضعفت من فعاليتها ومن اندفاعها نحو تكوين وحدة إسلامية قوية، فضعفت هذه المنظمة وتغلبت المصالح الإقليمية عليها، لكن تبقى هذه المنظمة أمل نوع من الوحدة ونوع من التكتل الذي تدعو إليه.
واقتراحك وجيه، وهو أن تكون الأمة لها قوة تحميها، وليست بحاجة إلى الجيوش الأجنبية، ولا إلى تدخل بشكل أو بآخر.
стр. 8164
لكن آسف أن أقول لك: إن هذا التكتل القوي بعيد المنال في هذه الظروف التي نعيشها، ولكن لا نيأس من روح الله (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) [يوسف: ٨٧] ، (ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) [الحجر: ٥٦] . كما قال .
فالأمل قائم على أبناء الأمة أن يعمل كل منهم على مستواه الذي يعيشه، ويحاول أن يحقق هذا التضامن ولو بكلمة طيبة، ولو بمشروع اقتصادي ينفع الأمة، ولو بفكرة يمكن أن تساعد وتخلص الأمة من الاحتلال، وهذا ما أريد أن أقوله.
стр. 8165
استلف نقداً ليرد مكانه زيتاً !
المجيب د. نايف بن أحمد الحمد
القاضي بمحكمة رماح
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ٢٨/٠٥/١٤٢٧هـ
السؤال
هل يجوز للمسلم الاستدانة من آخر مالاً -٢٠٠ريال مثلاً- على أن يكون السداد ١٠٠ ليتر زيت مثلاً في موسمه؟ مع العلم بأن سعره متفاوت بشدة. وقد يصل الضعف، وبالتالي يصبح السداد بقيمه ٤٠٠ريال وهو على سبيل المثال.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فمن صور البيع "السَّلَم" وهو عقد على موصوف في الذمة، مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد. وهو نوع من أنواع البيوع. ويشترط لصحته ما يشترط لصحة البيع، إلا أنه يجوز في المعدوم، ودليل ذلك قوله تعالى: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ" [البقرة:٢٨٢] . قال ابن عباس ﵄: "أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله قد أحله وأذن فيه". وتلا هذه الآية: رواه ابن جرير (٣/١١٦) والحاكم (٢/٣١٤) وصححه.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث فقال: "من أسلف في شيء، ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" رواه البخاري (٢١٢٥) ومسلم (١٦٠٤) .
وذكر الفقهاء شروطاً سبعة لصحة السَّلَم:
الأول: أن يكون مما يمكن ضبط صفاته كيلاً أو وزناً أو ذرعاً.
الثاني: ذكر الجنس والنوع، وكل وصف يختلف به الثمن ظاهراً وحداثته وقدمه.
الثالث: ذكر قدره بكيل أو وزن أو ذرع.
الرابع: أن يُذكر أجلٌ معلومٌ له وقع في الثمن.
الخامس: أن يوجد المسلم فيه غالباً في محل ومكان الوفاء.
السادس: أن يقبض الثمن تامًّا قبل التفرق.
السابع: أن يسلم في الذمة؛ فلا يصح في عين محددة؛ لأنها ربما تلفت قبل أوان تسليمها.
فمتى ما توافرت تلك الشروط، صح السلم.
لذا ففي سؤال الأخ الكريم ليصح السلم لابد أن يقبض المائتي ريال قبل التفرق. فإن تفرقا قبل القبض، لم يصح السلم. ولابد أن يكون الزيت المذكور محدداً نوعه وجنسه وقدره؛ كزيت زيتون، أو زيت ذرة وهكذا. وأن يحدد وقت تسليم الزيت وأن يكون مما يوجد فيه غالباً.
أما ما ذكره الأخ من تفاوت السعر فهذا لا يضر. وأشير إلى أنه إن تعذر تسليم المسلم فيه كالزيت هنا لعدم وجوده خيّر صاحب المال بين الصبر، وبين فسخ العقد في الكل، أو البعض المتعذر. ويرجع برأس ماله فقط. ولا يرجع بقيمة الزيت وقت حلول السلم للتفاوت في قيمته زيادة وهو الغالب؛ حتى لا يقع في الربا المحرم. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
стр. 8166
هل ورد خبر المعراج في القرآن ؟!
المجيب عبد الحكيم بن عبد الله القاسم
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ٢١/٠٢/١٤٢٧هـ
السؤال
ورد ذكر الإسراء في القرآن الكريم, أما المعراج فهل ورد ذكره؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فلم يذكر لفظ المعراج برسول الله ﷺ في القرآن الكريم، وإنما ذكر معناه في سورة النجم، حيث قال تعالى: "ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى" [النجم:١٣-١٨] .
وضمير هاء الغائب في قوله: "ولقد رآه نزلة أخرى" عائد إلى جبريل ﵇ على الصحيح، ورؤية محمد ﷺ لجبريل المقصودة هنا ما كان على خلقته التي خلقه الله عليها وله ستمائة جناح، فالمرة الأولى هي التي كانت أول البعثة في قوله تعالى: "ولقد رآه بالأفق المبين" [التكوير:٢٣] ، والمرة الثانية في المعراج وقد أشارت لها سورة النجم والله أعلم.
قال البقاعي ﵀: "ولعله حذف ذكر المعراج من القرآن هنا لقصور فهومهم عن إدراك أدلته لو أنكروه، بخلاف الإسراء فإنه أقام دليله عليهم بما شاهدوه من الأمارات التي وصفها لهم وهم قاطعون بأنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يرها قبل ذلك، فلما بان صدقه بما ذكر من الأمارات أخبر بعد ذلك من أراد الله بالمعراج" نظم الدرر- (٥/١٧)
وقال ابن عاشور: "فللنبي ﷺ كرامتان:
أولاهما: الإسراء، وهو المذكور في أول سورة الإسراء.
والأخرى: المعراج، وهو المذكور في حديث «الصحيحين» مطولاً وأحاديث غيرِه. وقد قيل: إنه هو المشار إليه في سورة النجم." التحرير والتنوير- (٨/١٧٨) .
ويعني ابن عاشور بالمشار إليه في سورة النجم: الآيات المذكورة في رؤية جبريل عند سدرة المنتهى، وقد سبق نصها، وهو الذي يظهر لي. والله أعلم.
стр. 8167
زنى بها ويريد أن يتزوجها ستراً لها
المجيب د. عبد الله بن المحفوظ بن بيه
وزير العدل في موريتانيا سابقاً
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ٢٦/٠٣/١٤٢٧هـ
السؤال
لي أخ أصغر غير متزوج زنى بفتاة غير متزوجة، وأراد أن يتزوجها لمدة شهر ثم يطلقها، ويعطيها حقنة تمنع الحمل لمدة سنة حتى لا يفتضح أمره، ويترتب على ذلك ما لا تحمد عقباه، وعرفت أن حكم الزواج بالمزني بها مختلف فيه، كما أن حكم الزواج بنية الطلاق مختلف فيه، فهل نرجح حسب المصلحة والمفسدة في هذا الأمر، لأن الأهل جميعا متفقون على أن من المصلحة -حتى يستر عليها، وحتى لا تقع مشكلة فيما بعد- أن يتزوجها مدة معينة خارج بيت الأسرة، ثم يطلقها. فبماذا ترشدوني؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالمسألة فيها خلاف، لكن الأصل هو أنه يجوز تزوج المرأة الزانية على خلاف العلماء في اعتبار التوبة.
الخلاف الآخر هو في مسألة الاستبراء: هل يجوز أن يتزوجها قبل استبراء رحمها بحيضة أو بعده، في هذا خلاف، فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه يجوز أن يتزوجها قبل الاستبراء، وذهب الإمام أحمد ومالك إلى أنه لابد من الاستبراء، على خلاف هل الاستبراء يكون بحيضة أو بثلاث حيضات؛ لحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره". أخرجه أبو داود (٢١٥٨) ، والترمذي (١١٣١) . لكن في هذه الحالة فإن الزرع زرعه هو، فما دام أنّ الماء ماؤه فإنه يجوز أن يتزوج بها، ولو أخرها حتى تحيض حيضة لكان ذلك مناسباً؛ لأن عمر ﵁ أراد أن يزوج امرأة من رجل زنا بها بعد أن أوقع عليهما الحد، وهذا الأثر صحيح. انظر مصنف ابن أبي شيبة (٣/٥٢) ، وسنن البيهقي (٧/١٥٥) ، والمحلى (١٠/٢٨) ، وموسوعة فقه عمر بن الخطاب (ص٦٤٩-٦٥٠) . فلهذا أرى أنه لا مانع من أن يتزوج هذه المرأة ستراً، لها وأن يطلب منها أن تتوب إلى الله ﵎ وأما نية الطلاق فإذا لم يتلفظ بها في العقد ولم يتواطأ عليها فإنها عليه لا تضر على قول جمهور العلماء، فيمكن أن يتزوجها بنية الطلاق على ألاّ يكون ذلك في صلب العقد بأن يقول: تزوجتك لفترة كذا، فهذا من زواج المتعة المحرم.
لكن عليه قبل أن يتزوجها أن يطلب منها أن تتوب فإذا ظهرت له توبتها فله أن يتزوجها كما يحب ألا يتلفظ بتوقيت النكاح عند العقد، وبعد ذلك ليطلقها متى شاء أن يطلقها، فلا عبرة بما يمكن أن يفعله فيما بعد، فهذا أمر مرده إلى المستقبل.
ونصح هذه المرأة متعين على أهلها، وعليه هو أن ينصحها بأن تتقي الله سبحانه، ولو أبقى النكاح مع هذا كان أولى أن يتزوجها زواجاً مستمراً؛ لعل الله أن يصلح أمرهما ويوفقهما لاتباع الخير، وأن يرأب ما أفسدا في الماضي بتوبة نصوح إلى الله ﵎، و"التائب من الذنب كمن لا ذنب له" كما جاء في الحديث. أخرجه ابن ماجه (٤٢٥٠) بسند حسن.
стр. 8168
تختّم الرجال بغير الذهب والفضة !
المجيب عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ٢٩/٠١/١٤٢٧هـ
السؤال
ما حكم لبس الخاتم من غير الذهب والفضة، كأن يكون من الحديد أو النحاس؟ وإذا كان حراماً على الرجال فهل هو حرام على النساء أيضاً؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالتختم بالحديد والنحاس، قد وردت فيه بعض الأحاديث التي تنهى عنه، وقد قوّاها بعض العلماء، لذا حرّم بعض العلماء لبسها، وبعضهم كره ذلك ولم يحرّمه.
والراجح عندي أن هذه الأحاديث ضعيفة لا يثبت منها شيء -كما قال ابن عبد البر، وغيره من العلماء المحققين- والأصل في الأشياء الإباحة حتى يأتي ما يخالف هذا الأصل. وقد ثبت ما يدل على الجواز في الصحيحين -من حديث سهل بن سعد ﵄ في قصة المرأة التي وهبت نفسها، حيث قال النبي ﷺ للرجل: "التمس ولو خاتماً من حديد" صحيح البخاري (٥١٢١) ، وصحيح مسلم (١٤٢٥) . والقول بالجواز هو اختيار شيخنا محمد بن عثمين ﵀ والله أعلم.
وأما سؤالك: هل هو حرام على الرجال والنساء؟
فالجواب: إنه لا فرق في هذه المسألة بين الرجال والنساء، وقد ذكرت لك أن الأقرب عندي هو الجواز لا التحريم، ولو استغنى عنه الرجل بالفضة، والمرأة بالذهب أو الفضة؛ لكان خروجاً من الخلاف. والله أعلم.
стр. 8169
سماع الأغاني غير الخليعة !
المجيب د. محمد بن عبد الله الخضيري
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ٠٧/٠٥/١٤٢٧هـ
السؤال
هل يجوز السماع للأغاني إذا خلت من صور النساء ومن الكلام الماجن، وكان السامع لا يخشى عليه فتنة الزنا، لكن مع وجود الكلمات العاطفية (اللا ماجنة) . وما هو الرد العلمي على تحريم الآلات الموسيقية؟.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فأوصيك أولاً بتعلم أمور دينك، لتكون على بينة وبصيرة، فلا يسع المسلم هذه الأيام أن يجهل الحلال والحرام، وما افترض الله عليه معرفته، من مسائل التوحيد، وقد قال ﵎: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) [محمد:١٩] . لا سيما وقد سهل التعلم في هذه الأيام، لتوفر آلات التعلم الحديثة، التي لم تكن معهودة من قبل.
وثانياً: لا تشغل نفسك بالمناظرات، والمجادلات في مثل هذه الشبه التي يلقيها عليك الكفار وغيرهم. وإن التبس عليك أمر فعليك بوصية الله ﵎ في قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [النحل:٤٣] ، وقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [الأنبياء:٧] .
أما بالنسبة لسؤلك: فالنصوص جاءت صريحة بحرمة الغناء المشتمل على آلات اللهو والطرب، ومن الأدلة على تحريم الغناء قوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين) [لقمان: ٦] ، قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: قال ابن مسعود في قوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله) قال: هو والله الغناء.
ومن أدلة السنة ما ورد من حديث عامر أو أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخمر، والحر، والحرير، والمعازف" أخرجه البخاري في كتاب الأشربة، باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه، تعليقاً بصيغة الجزم، ووصله الحافظ ابن حجر ﵀ في كتابه "تغليق التعليق" فهو صحيح. ولفظ (المعازف) عام يشمل جميع آلات اللهو، فتحرم؛ إلا ما ورد الدليل باستثنائه كالدف، فيجوز للنساء الضرب به في الأعياد، والأعراس،. وهذا مستثنى من عموم آلات اللهو لدلالة السنة عليه.
وقال الإمام القرطبي: (أما المزامير والأوتار والكوبة (الطبل) فلا يختلف في تحريم استماعها، ولم أسمع عن أحد ممن يعتبر قوله من السلف وأئمة الخلف من يبيح ذلك. وكيف لا يحرم وهو شعار أهل الخمور، والفسق، ومهيج الشهوات والفساد والمجون! وما كان كذلك لم يشك في تحريمه، ولا تفسيق فاعله وتأثيمه) . انتهى.
وأما ما خلا عن الأصوات الموسيقية، والكلام المؤجج للغرائز، والأصوات الفاتنة فهذا مثل الشعر، فله حكمه، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح.
стр. 8170
وفي الختام أوصيك بالبعد عن الجدال قدر الإمكان إلا في حدود ضيقة بقدر الحاجة، ولا تجعل قلبك وعاءً للشبهات. قال ابن القيم ﵀ في كتابه مفتاح دار السعادة: (١ /١٤٠) : (فمتى باشر القلب حقيقة العلم لم تؤثر تلك الشبهة فيه بل يقوى علمه ويقينه بردها ومعرفة بطلانها، ومتى لم يباشر حقيقة العلم بالحق قلبه قدحت فيه الشك بأول وهلة فإن تداركها، وإلا تتابعت على قلبه أمثالها حتى يصير شاكا مرتابا، والقلب يتوارده جيشان من الباطل: جيش شهوات الغي، وجيش شبهات الباطل. فأيما قلب صغا إليها وركن إليها تشربها وامتلأ بها فينضح لسانه وجوارحه بموجبها، فإن أشرب شبهات الباطل تفجرت على لسانه الشكوك والشبهات والإيرادات، فيظن الجاهل أن ذلك لسعة علمه، وإنما ذلك من عدم علمه ويقينه. وقال لي شيخ الإسلام ﵁ وقد جعلت أورد عليه إيرادات: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها، فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقرا للشبهات) .
هذا ونسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق والثبات.
стр. 8171
مشاهدة البرامج المشتملة على بعض المخالفات
المجيب د. فهد بن عبد الرحمن اليحيى
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ١٢/٠٤/١٤٢٧هـ
السؤال
أشعر بالحيرة بخصوص نوع الموسيقى التي يمكن أن نستمع إليها، ونوع البرامج التلفزيونية التي يمكن أن نشاهدها؛ أفيدونا جزاكم الله خيرا.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد اشتمل سؤالك على مسئلتين:
المسألة الأولى: ما يتعلق بالموسيقى.
فاعلم أن الموسيقى يحرم الاستماع إليها لأنها هي المعازف التي نهى النبي ﷺ عنها، كما في صحيح البخاري، كتاب الأشربة، باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه، (٥٥٩٠) عن أبي عامر أو -أبي مالك- الأشعري، عن النبي ﷺ قال: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر، والحرير، والخمر والمعازف".
فقوله: "يستحلّون" دليل على أنها محرمة، و"الحِر" هو الفرج.
بل استدل أهل العلم بآيات من القرآن على تحريم الموسيقى والغناء.
منها قوله -تعالى-: "وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ" [الإسراء:٦٤] . قال مجاهد: صوته هو المزامير.
ومنها قوله -سبحانه-: "أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وتضحكون ولا تبكون وَأَنتُمْ سَامِدُونَ" [النجم:٥٩-٦١] .
فجعل من صفات الكفار المذمومة السمود، والسمود في اللغة هو: اللهو والغناء.
وقد جاءت أحاديث أخرى في الزجر عن استماع المزامير، والمعازف (وهي الموسيقى) وكذلك الغناء، وهي أحاديث يحتج ببعضها، وبعضها مما يمكن الاعتضاد به.
فمنها حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة، صوت عند نعمة، ورنة عند مصيبة" أخرجه البزار (٨٠٥) ، وقال المنذري (٤/١٧٧) : رواته ثقات.
وعند الترمذي (١٠٠٥) وحسنه، من حديث جابر ﵁ نحوه، وفيه: "صوت عند نعمة لهو وطرب ومزامير الشيطان".
وجاء عن الصحابة والتابعين وطوائف من أهل العلم بعدهم ما يدل على اتفاقهم على ذم المعازف وأهلها، وأنها تصدّ عن ذكر الله.
واستفت قلبك يا أخي فيما يتعلق بهذا الأمر لتجد أن القلب يتغير باستماعه للموسيقى والغناء، وإياك أن تستخف باليسير فتتمادى إلى ما فوقه.
المسألة الثانية: ما يتعلق بالبرامج التلفزيونية:
أودّ أن تعلم ويعلم غيرك قواعد لا بد من التنبيه عليها:
القاعدة الأولى: أن الحكم على الشيء يكون بما غلب عليه إذا كان أصله مباحاً.
فقد يكون الجلوس في مكانٍ ما مباحاً في الأصل؛ غير أنه قد يحرم إذا غلب على هذا المكان حصول الفتنة فيه، أو حدوث المنكرات منه.
يدل على ذلك أدلة منها قوله -تعالى-: "وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ" [النساء:١٤٠] ، فإذا كان القعود في أصله مباحاً فقد حرم حين يغلب على الحديث ما هو منكر.
القاعدة الثانية: أن المسلم مأمور باجتناب ما يخشى على دينه منه.
ويدل على هذا أدلة كثيرة جداً، منها ما هو مستند على قاعدة سد الذرائع وغيرها.
стр. 8172
وقد جاء عن النبي – ﷺ أنه قال: "من سمع بالدجال فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات، أو لما يبعث به من الشبهات " أخرجه أبو داود (٤٣١٩) بسند صحيح عن عمران ﵁.
فعلى المسلم أن يجتنب مواضع الفتنة ووسائلها ما استطاع.
القاعدة الثالثة: أن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ومثلها قاعدة مالا يتم اجتناب المنهي عنه إلا به فهو واجب، وهذه قاعدة قد نص عليها الفقهاء والأصوليون، ومن أخذ بها سلم من كثير مما قد يقع فيه الناس من المعاصي والأخطاء، دون أن يدركوا سبب وصولهم إليها.
فمثلاً من كان سهره في الليل يثقله عن صلاة الفجر، فإنه يحرم عليه السهر الذي سيوصله إلى هذا الحد؛ لأن مالا يتم الواجب -وهو أداء الصلاة- إلا به -وهو ترك السهر- فهو واجب.
القاعدة الرابعة: وهي تابعة للسابقة، أن كل ما يلهي، أو يصدّ أو يضعف عن عمل واجب سواء كان لله، كالصلاة، أو لأحدٍ من عباده، كحق الوالدين، والزوجة، والأولاد، فإنه محرم في حاله تلك.
قال سبحانه: "إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ" [المائدة:٩١] .
وقال جل ذكره: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ" [المنافقون:٩] ، ولغير ذلك من الأدلة.
إذا تقررت القواعد السابقة فإن الحكم يتضح إن شاء الله فيما يتعلق بالتلفزيون وغيره من وسائل الإعلام، بل وبكل وسيلة هي في الأصل مباحة.
فما عليك إلا أن تطبق القواعد السابقة على تلك الوسيلة ليتبين لك الحكم.
فمثلاً ما يسمى التلفاز أو الرائي، هو في الأصل آلة ووسيلة تعرض ما تُمدّ به من مادة، فيكون حكمه بحسب هذه المادة، فإن كانت مباحة فاستعماله مباح، وإن كانت محرمة فاستعماله محرم.
فإن كانت المادة مختلطة؛ فيها محرم وفيها مباح فالحكم العام في استعماله يستند إلى القاعدة الأولى، وهي أن الحكم للأغلب، فإذا غلب على برامجه الإباحة كان استعماله مباحاً وإذا غلب على برامجه التحريم كان محرماً.
وهذا الحكم حكم إجمالي لا يعني أننا إذا قلنا بالإباحة أن يباح النظر إلى المحرم منه وهي النسبة القليلة كصور النساء والأغاني ونحوها.
بل المقصود أن يكون الاستعمال مباحاً مع اجتناب المحرم.
وأما لو غلب المحرم فالاستعمال محرم، ولا ينظر إلى وجود المباح القليل فيه.
وبهذا الميزان العام يمكن أن يجاب عن السؤال فيما يتعلق بالتلفزيون، لأن التلفزيون الآن ليست المادة فيه واحدة حتى يعطى حكماً واحداً، بل هو متعدد المواد، يزداد كل يوم تعدادها.
فمنه الفيديو الذي يتوقف الحكم فيه على حكم الأشرطة التي تعرض فيه.
ومنه التلفزيون المحلي، ومنه الفضائيات، وكلها تندرج تحت القواعد السابقة عند الحكم عليها.
بل تلك القواعد يستفاد منها في الحكم على غيرها من الوسائل كما تقدم، ومن ذلك الإنترنت.
وخلاصة القول:
стр. 8173
١ – أن التلفزيون ومن باب أولى الفضائيات لا يجوز اقتناؤها إذا كانت مفاسدها أكثر من مصالحها، وما يعرض مما لا يحل أكثر من المباح، وهذا للأسف غالب حال كثير من الفضائيات بل والقنوات المحلية في بعض البلدان.
٢ – أن من خشي على نفسه الفتنة إما بصور أو بمسلسلات هابطة أو أغانٍ أو شبهات قد تُعرض بأي شكل؛ كحوار أو مناظرة أو غيرهما، سواء كانت شبهاتٍ للكفار أو للعلمانيين أو للمبتدعة أو غيرهم.
من خشي على نفسه ذلك حرمت عليه المشاهدة والمتابعة، ووجب عليه قطع ذلك، وإزالته بالكلية.
وهذا ينطبق حتى على ما كان غالبه الإباحة، لأن هذه الخشية توجب سد الباب بسبب آخر.
وبهذا يحفظ المسلم دينه، وإلا فقد يهلك بسبب تساهله، ثم تماديه مع علمه بأثر ذلك على نفسه.
وبهذا يعلم أيضاً أن ما قد يظنه البعض من تمكنه من التحكم بما يشاهد في الفضائيات هو من خداع النفس أحياناً، فإن من النادر أن يملك نفسه عن تقليب القنوات، حيث قد يقع فيما لا يستطيع صرف بصره عنه ثم التعلق به، ومعاودة الرجوع إليه.
ومن الصعب أيضاً حتى لو كان لديه قناة واحدة تعرض ما لا يجوز أحياناً أن يصرف بصره كل مرة، ويحفظ قلبه من خطوات الشيطان التي يقول الله تعالى فيها: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ... " [النور:٢١] .
وكم من شخص ظن أنه يملك نفسه فضعف وانساق وتمادى، فإما غرق ولم يخرج، وإما عاش في مجاهدة شاقة كي يرفع نفسه من الوحل، وإما لم يخرج إلا بشق الأنفس.
وهذا كما يقال في التلفزيون والفضائيات يقال في الإنترنت.
فأنت يا أخي الكريم مقياسك بيدك، وميزانك في قلبك وعقلك، ولكن إياك إياك أن تخادع نفسك، وخذ بقاعدة "الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس"، كما في صحيح مسلم (٢٥٥٣) .
فمهما كان الأمر في أصله مباحاً ومهما كان غيرك لا يبالي به، أو حتى أن يكون سالماً من آفاته، فأنت وحدك أعلم بنفسك بعد الله تعالى، فبمجرد شعورك بضعفك، أو أنك لا تستطيع أن تملك نفسك تجاه أمر معين، أو غير ذلك من علامات الخطر، فعليك بالانصراف والإعراض والسلامة من كل ذلك، فإن السلامة لا يعدلها شيء، وغاية الأمر فيما تركته أنك تترك مباحاً، فماذا عسى أن ينقص منك؟!
وإذا كان العلماء قد اتفقوا على أن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فكيف ما كانت مصلحته من قبيل المباح؟
٣ – أن البرامج التي تجوز لك مشاهدتها تتوقف على التلفزيون أو الفضائيات التي تبثه، فإن كان مما غالبه أنه يعرض المحرم، فلا يجوز فتحه أو الاشتراك فيه أصلاً، اللهم إلا في حالة خاصة عند الحاجة إليه بشرط أن يمكن التحكم فيه تحكماً صحيحاً، ليس بمجرد دعوى، وهذا في نظري حالة خاصة جداً، وإنما ذكرتها ليكون الحكم شموليًّا، وإلا فكثير من الناس، وإن ادعى إمكانية التحكم فيه، فهو في حقيقة الأمر يعجز عن ذلك، وقد أشرت إلى هذا قريباً.
وأما إن كان ذلك التلفزيون أو القناة مما يغلب على برامجه التوافق مع الشرع وعدم مخالفتها إياه فهنا نقول: إن البرامج التي تجوز مشاهدتها هي التي لا تشتمل على محرم، والمحرم لا يخفى إن شاء الله على كثير من المسلمين، وسأضرب لذلك بعض الأمثلة فمنها:
стр. 8174
* مسلسلات الحب والغرام وأمثال ذلك: مما يغري بالرذيلة أو يخفف شأنها في القلب.
* البرامج المشتملة على صور النساء بالنسبة لمشاهدة الرجل لها. لأن الرجل مأمور بغض البصر عنهن، قال تعالى:"قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِم وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ" [النور:٣٠] . وكذلك صور الرجال الفاتنة للمرأة لا يجوز لها النظر إليها، قال سبحانه:"وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ" [النور:٣١] .
وهذا يشمل المسلسلات والدعايات ونحوها.
* بل حتى الأخبار، ينبغي أن يصرف بصره عن النساء فيها، أو يجعل عليها حاجزاً كما قد يوجد في بعض الأجهزة، ولا تنس حديث النبي – ﷺ : "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" متفق عليه، البخاري (٥٠٩٦) ومسلم (٢٧٤٠) .
* الأغاني والموسيقى بجميع أصنافها وأشكالها.
* ما قد يثير الفتنة على أي صورة أو شكل كان؛ سواء فتنة الشهوة أو فتنة الشبهة.
* ومن ذلك ما أشرنا إليه من بعض الحوارات التي قد تجد من نفسك عدم الحصانة لما ينشر فيها من شبهات، فهنا لا تجوز متابعتها.
قال ابن مفلح في الآداب الشرعية (١/١٩٩) : (فصل في النظر إلى ما يخشى منه الوقوع في الضلال والشبهة:
ويحرم النظر فيما يخشى منه الضلال والوقوع في الشك والشبهة, ونص الإمام أحمد ﵀ على المنع من النظر في كتب أهل الكلام والبدع المضلة وقراءتها وروايتها) . ا. هـ.
* المسابقات المشتملة على القمار، وهنا تمنع المشاركة، أما المشاهدة إذا لم يكن فيها محذور مما سبق فهي من قبيل المباح.
والضابط لذلك كله أن تزن كل برنامج بميزان الشرع لديك بتجرد دون هوى وسيتضح لك: "والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس".
تنبيهات:
التنبيه الأول: إن هذا الحكم في حق الشخص في نفسه فقط، وأما عند النظر فيمن تحت يده ممن قد يستخدم هذا الجهاز سواء تلفزيوناً أو فيديو أو فضائيات أو إنترنت أو غيرها فالأمر يختلف، بحيث إننا لو فرضنا الإباحة للشخص في حق نفسه لتوفر الشروط في حقه بما تقدم تفصيله، فهذا لا يعني أنه غير مسؤول عن أهل بيته ممن يتمكن من استخدام الجهاز المقصود، فإذا كان لا يستطيع أن يمنعهم من استخدام ما يحرم (على فرض الإباحة حين يكون الغالب فيه المباح) فإنه يمنع من اقتنائه أو تمكين غيره منه.
التنبيه الثاني: أن القول بالمنع فيما يتعلق بالفضائيات وأمثالها لا يلزم منه أن المصلحين من رجال العلم أو الدعوة أو غيرهم يحرم عليهم الخروج في هذه الوسائل الإعلامية وما شاكلها، كما قد ظن البعض، وخروج أمثال هؤلاء ليس حجة للإباحة المطلقة للاقتناء والمشاهدة حتى للقنوات التي يخرج فيها المصلحون فضلاً عن غيرها، واعتقاد هذا التلازم منهج فيه خلل، وذلك لما يلي:
١ – أن الخروج في التلفزيون أو الفضائيات ليس معناه الإقرار بكل ما فيها، بل الخروج فيها استغلال لكل فرصة يمكن أن تتاح للدعوة إلى الله، وبيان الحق، وتعليم الناس، ودفع الشر أو التخفيف منه.
وقد كان النبي – ﷺ كما -هو معلوم من سيرته- يغشى أندية الكفار ومجالسهم فيتلو القرآن ويدعو إلى الله.
стр. 8175
فهل معنى دخوله أنديتهم وأسواقهم ومجالسهم لإيصال صوت الحق إلى من يرتاد تلك المواضع هو إقرار لكل ما فيها؟!
حاشاه بأبي هو وأمي أن يكون كذلك.
بل كان يدعو إلى الله بما يستطيع ويبين الحق بكل وسيلة، وحين يقف في سوق ذي المجاز أو غيرها ليقول لهم: "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" كما في مسند أحمد (١٦٠٢٣) .
فهل فهم الناس من ذلك تعارضاً بين دعوته ودخوله هذا السوق؟!
والسوق لا جرم يوجد فيه ربا الجاهلية وغناؤها بل وأوثانها.
وهل اعترض عليه أحد منهم بأنك لو كان ما تدعو إليه حقاً ما دخلت سوقاً أو نادياً أو مجلساً يخالف منهجك؟!
فعلم من هذا أن الخروج في مثل هذه الوسائل لا يلزم منه الإقرار.
وقصة دخول رسول الله – ﷺ السوق أخرجها الإمام أحمد عن رجل من بني مالك –﵁ قال: رأيت رسول الله – ﷺ بسوق ذي المجاز يتخللها يقول: "يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، قال: وأبو جهل يحثي عليه التراب ويقول: لا يغوينكم هذا عن دينكم، فإنما يريد لتتركوا آلهتكم وتتركوا اللات والعزى، وما يلتفت إليه رسول الله – ﷺ . مسند أحمد (١٦٦٠٣) ، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
وأخرج الإمام أحمد أيضا عن ربيعة بن عباد وكان جاهليا فأسلم –﵁ قال: رأيت رسول الله – ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: "يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابيء كاذب. يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا: هذا عمه أبو لهب. مسند أحمد (١٦٠٢٢) ، ووثق الهيثمي بعض أسانيد هذا الحديث أيضا.
وفي نص هذا الحديث بروايتيه فائدة أخرى؛ هي عدم اكتراث النبي – ﷺ لما يعارض دعوته في هذا السوق ومن يعارضها؛ بل هو ماض يبلغ ما يستطيع تبليغه، وإن جاء بعده أمثال هؤلاء الصادين عن ذكر الله.
٢ – أن هناك فرقاً بين أن يشارك المسلم في عمل يشتمل على المحرم ويكون عضواً فيه فهذا قد يقال فيه: إنه يستلزم الإقرار.
وبين أن يكون مستضافاً في هذا البرنامج أو ذاك بحيث لا يعتبر عضواً في هذا العمل.
فمن حمّل الثاني الإقرار فقد حمله مالا يلزم، يوضحه ما بعده.
٣ – أن المسلم قد يكون موظفاً في عمل، وهو يعتقد أن هذا العمل يشتمل على شئ من المحرمات، ولكنه في عمله لا صلة له بذلك المحرم لكونه في جهة أخرى، كمثل بعض الدوائر التي قد تأخذ ضرائب في جزء من قطاعاتها، أو حتى بعض جهات التعليم التي قد لا تكون موافقةً للشرع في جميع توجهاتها..، ففي جميع تلك الوظائف لا يمكن القول بأن الموظف فيها مقر لكل ما فيها فنحرم عليه العمل فيها مطلقاً.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقبله القرطبي في تفسيره، أن يوسف ﵇ عمل في حكومة العزيز في مصر خازناً (كمثل وزير المالية في هذا العصر) ، مع أن الحكومة لم تكن على المنهج الحق، وعمل ﵇ بما يستطيع عمله من الحق.
ومثله عمر بن عبد العزيز ﵀، فمع تمكنه في الخلافة، إلا أنه عمل ما أمكنه من عمل الخير، وإن كان يعلم أن نظام الخلافة العام لا يمكن تعديله بسهولة.
стр. 8176
التنبيه الثالث: أن جميع ما ذكرنا من التفصيل في التلفزيون وما يشبهه من كل ما يشتمل على الصور، إنما يجري على القول بأن التصوير فيها ليس من قبيل المحرم، سواء قلنا إنه لا يشمله معنى التصوير المحرم، كما يقوله بعض المعاصرين، أو قلنا إنه داخل في التصوير وإنما جاز للحاجة والمصلحة العامة، كما يقوله علماء كثيرون؛ بل منهم من كان يشدد في التصوير بأنواعه، ومع ذلك يرى أنه إذا اشتمل على مصلحة جاز، كمثل شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى، فإنه كان يرى المصلحة في تصوير المحاضرات ونحوها لتعميم فائدتها، وكذلك العلامة الألباني ﵀ أيضاً، فإنه مع تشدده في شأن التصوير، إلا أنه كان يرى إخراج الأفلام في تعليم الصلاة ونحوها.
وقد ظهر لي بعد التأمل في شأن التصوير الفوتوغرافي والمتحرك أيضاً (الفيديو) أننا وإن قلنا: إنها كانت داخلة في عموم التصوير؛ لكنها أخف من التصوير الوارد تحريمه في النصوص لانتفاء المضاهاة، وهي العلة التي دل عليها حديث أبي هريرة وحديث عائشة ﵄.
وانتفاء المضاهاة هنا لكون هذا التصوير لا يمكن أن يدعي من قام به أنه أتى بما يشبه الحقيقة، بل الناس مجمعون على أن هذه الصورة هي عين الحقيقة التي خلقها الله تعالى، فهي كالصورة في المرآة لا تختلف، وإنما الفرق في التحكّم فيها وتثبيتها.
وليس هذا موضع تفصيل ما يتعلق بتحقيق هذا المأخذ.
وأما العلة الثانية وهي خشية الشرك فهي أيضاً ليست في قوة تحققها كالتصوير في الماضي؛ وذلك لكون هذا الأمر أصبح مجرد وسيلة اتصال واطلاع، ليست الصورة فيه مقصودة لذاتها، كما أصبح عاما شائعا لا يختص بكبير أو صغير.
ولذا فإذا قويت هذه العلة حرم التصوير واقتناؤه؛ كمثل الصور المعلقة للعظماء، والصور المجسمة لغير لعب الصغيرات ونحو ذلك.
وعلى هذا فما دامت العلتان أصبحتا في شأن هذا التصوير أخف، فينبغي أن يكون الحكم كذلك، ولذا جاز للحاجة والمصلحة، بخلاف التصوير في السابق، فإن العلتين فيه أقوى مع ضعف المصلحة المعارضة على فرض دعوى وجودها في أمرٍ ما.
وهذا المقام لا يتسع لبسط هذه المسألة بأكثر مما سبق.
التنبيه الرابع: علم مما تقدم أن مسألة التصوير المعاصر مسألة اجتهادية لا ينبغي التشنيع فيها على المخالف، فمن رأى التحريم مطلقاً فلا شك أنه يرى التحريم في جميع وسائل الإعلام المشتملة على الصور.
وهذا قول له وجاهته، وللقائلين به اعتبارهم واحترامهم، ولكن تبقى المسألة اجتهادية لا يعنف طرف فيها طرفاً, ولا يحمله على رأيه حملاً، ولا يقصره عليه قصراً.
وكذلك مسألة المشاركة في التلفزيون والقنوات الفضائية، حتى عند من يرى جواز التصوير للحاجة، إذا رأى فيها المنع فعليه أن يدرك أنها مسألة اجتهادية، لا تصل إلى حد تسفيه المخالف وتعنيفه وطرد اللوازم على قوله.
ومن العجب أن يصل الإنكار فيها إلى المنع من السعي لتأسيس قناة فضائية إسلامية تعمل وفق منهج إسلامي ومن خلال هيئة شرعية!
فماذا يريدون إذاً أن يعمل أهل الخير والإصلاح؟! أم أنهم يعزلون أنفسهم عن واقعهم بوسائله وإمكانياته؟!
مع أن من ينكر ذلك قد يستخدم وسائل ليست بأنقى ولا أصفى من القنوات كالإنترنت وأضرابه.
стр. 8177
فمن كان إنكاره من أجل التصوير فالخطب أيسر؛ ولكن عليه أن يعلم أن التصوير المعاصر مسألة اجتهادية, والعلماء الكبار لا يخالفون في ذلك إذا وجدت المصلحة، كما أشرت آنفاً إلى رأي الإمام ابن باز والعلامة الألباني، وأضيف أيضًا شيخنا ابن عثيمين ﵀ وشيخنا ابن جبرين حفظه الله وغيرهما كثير.
وأما من كان يرى رأي هؤلاء المشايخ في التصوير أي بجوازه للمصلحة، ثم هو مع ذلك يشدد النكير على وجود قنوات إسلامية فهذا لم أجد له وجهاً.
ومن ظن أن مثل ذلك يعد إقراراً لبقية القنوات، وأن فيه إغراءً للشباب بمتابعتها، كما قد ظن أيضاً من شدد النكير على من يشاركون في القنوات غير الإسلامية، أن ذلك حمل البعض على اقتناء القنوات ومشاهدتها من أجلهم، ثم فسدوا بسبب تماديهم في البرامج والقنوات.
من ظن ذلك فقد حمّل الأمر ما لا يحتمل، وألزم من غير لزوم، فطالب العلم حين يخرج في برنامج في فضائية لإيصال الحق وتعليم الناس نظراً لكثرة من يتابعها ويشاهدها فهل هو بفعله أراد من كل أحد أن يقتني الدش من أجله؟
كلا..، وذنب من اقتنى وتمادى إنما هو على نفسه، أما طالب العلم والداعية فقصده من كان يشاهد في الأصل، وجمهورهم كثير على المستوى المحلي والعالمي.
وإذا كان لك موقع في الإنترنت تبث منه الخير، أي خير كان في العلم أو الدعوة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو غيرها, فهل تتحمل ذنب شخص أدخل الإنترنت من أجل موقعك ثم وقع في المواقع الهابطة فأفسدته؟! إن مثل هذا كمثل ذاك لا فرق.
فينبغي تناول المسائل باعتدال كي لا ينقلب الأمر إلى منهج مختل قد يأتي على كثير من المصالح والقواعد فتخرّ. أو يقف صاحبه عند بعض الأمور لا يستطيع طرد منهجه فيها، فهذا يدل على الخلل فيه، إذ لو كان صائباً لا طّرد ولم يتخلف في بعض المسائل والحالات.
وقد كنت أنتظر بدلاً من الرفض التام للمشاركة في القنوات أن لو كُتب في ضوابط المشاركة فيها، والتنبيه على بعض الأخطاء ممن قد يشارك من أهل العلم والدعوة وأمثالهم من أهل الإصلاح, لا أن تتخذ هذه الأخطاء دليلاً على تحريم المشاركة مطلقاً, فهذا أيضاً من الخطأ في المنهج، حين تكون الأخطاء في العمل المباح أو المشروع من أدلة المنع منه.
بل المنهج الصحيح في تناول المسائل والقضايا أن تناقش على فرض الصورة الخالية من الأخطاء ليعرف الحكم في أصلها.
وفي الختام أشير إلى أن ما حملني على الإطالة في جواب هذا السؤال هو من أجل التلازم الذي قد يقع فيه البعض بين اقتناء الفضائيات وبين مشاركة أهل الإصلاح فيها، فيحمله التلازم إما على الإباحة في الكل أو على المنع في الكل.
ومن أجل أن يعلم الجميع أننا في الوقت الذي نرى فيه المشاركة إذا غلبت المصلحة، نحذر أيضاً من تلك القنوات على وفق التفصيل الماضي بقواعده.
هذا ما أدى إليه الاجتهاد الذي يكتنفه القصور، فما كان من صواب فمن الله، وما كان غير ذلك، فأسأل الله تعالى الدلالة على الحق والتوفيق إليه ومغفرة الزلل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 8178
لماذا تحرم علاقة التعارف بين الخطيبين ؟
المجيب البندري بنت عبد العزيز العمر
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ٠٤/٠٢/١٤٢٧هـ
السؤال
تناقشت أنا وبعض أصدقائي في موضوع يشغل بالنا جميعاً. فالإسلام يحرم الاختلاط، ويحرم الاختلاء بالبنت حتى بعد الخطبة، ولا يمكن معرفة سلوك البنت إلا إذا تم معرفتها قبل الخطبة؛ لأن أغلبهن يكون كالحمل الوديع بعد إعلان الخطبة. فكيف يمكنني أن أجلس مع البنت قبل الخطبة وهو حرام؟
وتطرق الموضوع إلى أن الإسلام لابد أن يتماشى مع قضايا العصر، أو بمعنى آخر علينا أن نفهم الإسلام ونتعامل معه بمفهوم قضايانا الحديثة. فما الرد على هذا الكلام (الاختلاء بالبنت قبل الخطبة، وتطوير مفاهيم الإسلام) ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فيمكنك -أخي الفاضل- أن تبين حِكْمة الإسلام في منع الاختلاط، وعدم تعارضه مع ما ذكرت من المصلحة المترتبة على معرفة سلوك الفتاة قبل الاقتران بها من خلال النقاط التالية:
١- مهما جلس الخاطب مع الفتاة فلن يمكنه أن يعرف سلوكياتها كاملة، لأنها ستتجمل ما استطاعت، كما هو الحال مع الخاطب نفسه حين يريد أهل الفتاة معرفة خُلُقَة ودينه، فالجلوس وحده وسيلة عقيمة لا تؤدي الغرض منها، وأفضل منها بكثير السؤال عن الفتاة في مدرستها وبين صديقاتها، وإن كانت سافرت مع قوم أو خرجت معهم في رحلة سُئل عنها، كما يمكن معرفة قدر دينها ومستوى خُلُقها من خلال معرفة صديقاتها فالخليل بالخليل يقتدي، والمرء على دين خليله كما في الحديث عن المصطفى ﷺ . انظر سنن أبي داود (٤٨٣٣) ، وجامع الترمذي (٢٣٧٨) .
وإذا كان الخاطب يريد أن يعرف مستوى ثقافتها وفكرها فيمكن من خلال مكالمة هاتفية تحت إشراف ولي المرأة ونظره وعلمه، مع مراعاة الأدب والحشمة وعدم ترخيم الصوت؛ عملاً بقول الله تعالى: "فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض" [الأحزاب:٣٢] ، والشرع لا يمنع من ذلك.
٢- الاختلاط في مثل هذه الصورة إن ظن البعض أن فيه مصلحة إلا أنه يتعارض مع مفسدة أشد، وهي احتمال الوقوع في الحرام، ولذا قال المصطفى ﷺ : "لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم" انظر صحيح البخاري (١٨٦٢) ، وصحيح مسلم (١٣٤١) . وفي حديث آخر" إلا كان الشيطان ثالثهما" انظر جامع الترمذي (٢١٦٥) ، وسنن ابن ماجة (٢٣٦٣) .، وقاعدة الشرع: أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، لاسيما وأن علاقة الرجل هنا بالمرأة خطبة وثيقة الصلة بالنكاح، فيخشى من وقوع ما لا تُحمد عقباه.
٣- الإسلام صان المرأة وحفظها من كل ما يخدش حياءها أو يُقلِّل من هيبتها، ولذا منع من اختلاط الخاطب بالمخطوبة لاحتمال ألا تتم الخطبة، فهل تصبح المرأة سلعة لمن شاء أن يتفحصها، ثم إن شاء أمضى العقد أو تراجع، فليست مصلحة الرجل بأعز من مصلحة المرأة ولا أولى، وهذا مقتضى العدل والحكمة، سيما أن الخاطب يمكنه معرفة ما يريد بالحرص على اختيار المرأة الصالحة المعروفة بذلك، والتي تربت وترعرعت في مجتمع صالح.
وبهذا يكفل لكل من الطرفين حقه وتُحفظ مصلحته، وفقك الله وأعانك على سبل الخير.
стр. 8179
إذا كانت دعوة الأنبياء واحدة فلماذا الاختلاف ؟
المجيب د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي
عضو البحث العلمي بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ٠٥/٠٢/١٤٢٧هـ
السؤال
لماذا يختلف الإسلام عن اليهودية وعن النصرانية، والله يقول: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشتركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب"؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فيعتقد المسلمون أن دين الله واحد، وأن ما جاء به أنبياء الله من لدن آدم إلى محمد، -صلوات الله وسلامه عليهم- واحد، وهو الإسلام بمعناه العام، الذي هو توحيد الله بالعبادة، والخلوص له من الشرك. قال تعالى: "شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ" [لشورى: من الآية١٣] فكانت دعوتهم واحدة: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ" [الأنبياء:٢٥] . وإنما وقع التنوع في الشرائع، كما قال ﷺ : "الأنبياء إخوة لعَلات أمهاتهم شتى، ودينهم واحد" متفق عليه. [صحيح البخاري (٣٤٤٣) ، وصحيح مسلم (٢٣٦٥) ] فما جاء به محمد ﷺ من العقائد الصحيحة، والشرائع العادلة، والأخلاق القويمة، هو الإسلام بالمعنى الخاص، الذي نسخ الله به جميع الأديان، فلا يقبل ديناً سواه، كما قال تعالى: "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ" [آل عمران:٨٥] ، وكما قال ﷺ : "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهودي، ولا نصراني، ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار" رواه مسلم (١٥٣) .
ويعتقد المسلمون أيضاً أن ما سوى الإسلام من الأديان إما فاسدٌ من أصله؛ كالديانات الوثنية، أو صحيح الأصل، ولكن طرأ عليه التحريف والتبديل؛ كاليهودية والنصرانية، وما صح منهما فهو منسوخ بالإسلام.
وقضية تحريف العهدين القديم والحديث واختلاف نسخهما باتت محل تسليم من الباحثين اللاهوتيين، وليست مجرد دعوى يطلقها المسلمون، بناءً على الأدلة القطعية في الكتاب والسنة، ومن ثم فإن العقيدة الإسلامية تمثل حقيقة دينية كاملة، لا يتطرق إليها الخطأ في حد ذاتها؛ لكونها مصونة محفوظة. وليس معنى ذلك أن ليس مع أهل الكتاب صواب مطلقاً، بل ثَمَّ صواب مشوب بخطأ وتحريف يكون منظومة باطلة، لا يصح الاعتماد عليها.
стр. 8180
وليس في نصوص القرآن ما ينافي هذه المسلمة؛ فقوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" [الحج:١٧] ليس فيها أدنى تزكية للملل الأخرى، أو إيحاء بأنهم على حق، كما توهمه بعضهم، بل غاية ما فيها الإخبار بأن الله -تعالى- سيجمع هذه الطوائف يوم القيامة، ويفصل بينهم بحكمه العدل المبني على شهادته لأعمالهم.
وكل هذه الطوائف الضالة بإزاء الذين آمنوا، ولذا قال بعدها: "هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ" [الحج: من الآية١٩] فذكر الذين كفروا ومصيرهم، ثم ذكر الذين آمنوا ومصيرهم. والله أعلم.
стр. 8181
أكل أموال الكفار
المجيب هاني بن عبد الله الجبير
قاضي بمحكمة مكة المكرمة
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ٢٥/٠٣/١٤٢٧هـ
السؤال
أودّ أن أعرف: هل يجوز أخذ أموال الكفّار، بما أنّه ليس بيننا وبينهم ميثاق؟ وحتّى لو كان هناك ميثاق، فإنّ هؤلاء قد نقضوه مرارا إذ إنّهم يهاجمون الإسلام والمسلمين بوسائط شتّى (مثل ما فعلوه في الدانمرك وغيرها) .
وما الكفّارة التي تلزم مسلمًا قَتَل كافرًا؟ وهل كان النبيّ ﷺ يفرّق بين الرجال البالغين وغيرهم من الأعداء المقاتلين أم لا؟ وهل كان يَعتبر كلّ رجل بالغ مقاتلاً دون تفريق بين مدنّيين وعسكريّين؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فكل كافر بينه وبين المسلمين عهد أو ذمة أو أمان، سواء كان صريحاً أو غير صريح فإنه معصوم الدم والمال، ولا يجوز الاعتداء عليه، ومن اعتدى عليه فقد باء بإثم عظيم، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ أنَّ النبي ﷺ قال: "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة". صحيح البخاري (٣١٦٦) .
أمّا نقض العهد فهو مختص بمن نقضه، فلو تعاهد جماعة مع المسلمين ثم نقضت طائفة من الكفار العهد فهذا النقض مختص بهم ما داموا لم يتحيزوا للمعاهدين، ومن أقام في بلد كفار وقد دخلها بتأشيرة أو أمنه الناس لكونه مواطناً فيهم فإنه لا يجوز له نقض عهده معهم.
ولو أراد نقض العهد وقتالهم فإن عليه أوّلاً أن يبلغهم بانتهاء المعاهدة، وعزمه على قتالهم. أما الكفارة التي تلزم مَنْ قَتَلَ كافراً معاهداً أو ذميًّا أو مستأمناً فهي عتق عبد مؤمن، فإن لم يوجد فيصوم شهرين متتابعين؛ لقوله تعالى: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُم وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا" [النساء:٩٢] .
ويلزمه أيضاً إعطاء أهل المقتول الدية، (وهي غرامة مقابل تفويت نفس المقتول) .
أما الكافر المقاتل الذي ليس معاهداً ولا ذميًّا ولا مستأمنًا فإنّ قتله لا كفارة فيه؛ لأنه ليس محرّم القتل؛ لوجود الحرب بينه وبين المسلمين، والمحارب يباح قتله.
أما من لا يباشر القتال من المدنيين كالفلاحين والتّجار والأطفال والنساء ونحوهم فقتلهم محرم في وقت الحرب ووقت السلم. لكن لا كفارة فيه، بل التوبة والاستغفار.
وفيما سبق يتضح أن الإسلام يفرق بين المقاتل وبين من لا شأن له بالقتال، فقد نهى النبي ﷺ عن قتل النساء والصبيان. صحيح البخاري (٣٠١٥) ، وصحيح مسلم (١٧٤٤) .
وقال عمر بن الخطاب ﵁: "اتقوا الله في الفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب" سنن البيهقي (٩/٩١) ، وقال الإمام أحمد ﵀: (من أطبق بابه على نفسه ولم يقاتل لم يُقْتل) . والله الموفق.
стр. 8182
جهاد الدفع وجهاد الطلب
المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ٠٤/٠٤/١٤٢٧هـ
السؤال
نحن في العراق أهل السنة والجماعة والملتزمين بمنهج سلف الأمة نعاني من المضايقات ما نعاني ونشكو أمرنا إلى الله ولكن يا شيخ لقلة أهل العلم عندنا فنجد الكثير من شبابنا مندفعين بنص أو بحديث دون النظر إلى نصوص أخرى وفهم سلف الأمة فتجده قد يقوم بالتفجير أو القتل.
شيخنا أنا أحاول أن أطلب العلم من خلال متابعة الأكاديمية الإسلامية المفتوحة وسماع محاضرات شرح لبعض أمهات الكتب للشيخ محمد صالح بن عثيمين رحمة الله عليه فوجدت أنه في قضية الجهاد يقسم الجهاد إلى نوعين جهاد طلب وجهاد دفاع ويوجب الشيخ على من احتلت بلاده الجهاد على أن يكون لنصرة دين الإسلام في ذلك البلد أو للحفاظ على الإسلام في ذلك البلد لكن لا نقاتل من أجل أن هذه الأرض المحتلة هي بلدنا يعني لا نقاتل من أجل وطنيتنا.
أرجو أن توضح لنا منهجا نسير عليه الآن في العراق فهل نجاهد؟ وهل يجوز قتل من نجده فيه ضرراً على المسلمين من المسؤولين، لأن الشباب هنا متخبطون فلتكن رسالة كالتي بعثها ابن تيمية -رحمه الله تعالى- لأهل واسط وسميت بالعقيدة الواسطية، والآن أصبحت منهجا يدرسها كل من طلب العلم وأصبحت مستندا يستند إليها، وقد أكون أطلت عليك ولكن اعلم يا شيخ ما هو حالنا وإنا حيارى. وجزاكم الله خير الجزاء وأثابكم وجمعنا وإياكم مع سيد المرسلين في جنات النعيم.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فأسأل الله أن يثبتني وإياكم على الحق المبين والصراط المستقيم وأن يجنبنا جميعاً طريق المغضوب عليهم المعاندين وطريق الضالين الجاهلين. آمين.
стр. 8183
واعلموا أن قتال الكفار والمعتدين على بلاد المسلمين وحرماتهم –أمر واجب ومتعين على القادرين من أهل ذلك البلد المحتل خاصة، ونظراً لقيمة الوطن في الإسلام أمر الله بقتال كل معتدٍ يريد إخراجنا منه وإفساد ديننا وأخلاقنا وامتصاص خيراتنا، وسماه فتنة وجعلها أكبر من القتل فقال: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ" [البقرة:١٩٠-١٩١] . وفي الوقت ذاته حرّم قتال من لم يقاتلنا ونهانا عن ما يعرف اليوم بالحرب الأهلية فقال: "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُم مِن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ" [البقرة:٨٤] . وهذا القتال يجب أن يكون لإعلاء كلمة الله وفي سبيل نصرة المظلومين المضطهدين وكسراً لشوكة الكافرين المعاندين، وإذا كان من قتل دون نفسه أو ماله أو عرضه أو دينه فهو شهيد، فإن هذه الأمور كلها توجد داخل الوطن فالمحاماة عنها محاماة عن الوطن والدفاع عن الوطن هو دفاع عنها، وحكم الجهاد بنوعيه: جهاد الطلب وجهاد الدفع باقٍ لم ينسخ، وإنما هو حسب حال الأمة من القوة والضعف، فإذا كانت الأمة قوية في عددها وعدتها فهي مطالبة بالأخذ بنصوص القتل والقتال وغزو المشركين والقعود لهم في كل مرصد؛ ليؤمنوا بالله أو يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وإن كانت الأمة ضعيفة مستضعفة كحال المسلمين اليوم فالواجب الأخذ بآيات الصبر والمصابرة وعدم محارشة الكفار وإثارة حميتهم، قال –تعالى-: "وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ" [الأنعام:١٠٨] .
وفي هذا العصر الذي لا يكاد يوجد فيه للمسلم ركن يركن إليه، فعليه اللجوء إلى الله وأداء شعائر دينه، والصبر على الأذى فيه، لا سيما إذا كان فرداً وخصمه جماعة، أو دولة، أو قوبل رأيه بفتوى شرعية مستندة إلى الكتاب والسنة وجب عليه قبولها.
وتقدير جهاد الدفع وتحديده وإعلانه يخضع للاجتهاد الجماعي من أهل العلم الشرعي –في كل بلد بحسبه- إلا إذا اعتدي على المرء في نفسه أو ماله أو عرضه فيجوز له أن يدفع ذلك عنه ما استطاع، والأفضل أن يستشير قبل ذلك من هو أعلم منه وأكثر خبرة وتجربة.
وليس هناك علامات ينتفي بها جهاد الدفع بل هو باق إلى يوم القيامة ما دامت الأمة ضعيفة مستضعفة، واختيار أي نوع من نوعي الجهاد يخضع لتقرير أهل العلم والفكر والشوكة في كل بلد من بلاد المسلمين، وكل أهل بلد أدرى بشؤونهم من غيرهم.
ومن أوجه الشبه بين المسلمين اليوم والمسلمين في العهد المكي: الضعف وقلة العدد والعُدد، وتكالب الأعداء على المسلمين من اليهود وأذنابهم، والمشركين وإخوانهم، والمنافقين وأتباعهم.
стр. 8184
ومن أوجه الاختلاف بين الحاضر والماضي –في العهد المكي خاصة-: وجود الرسول – ﷺ بين ظهراني المسلمين في مكة، ينزل عليه الوحي ويصحح لهم أخطاءهم ويسدد آراءهم، وكانوا لا يتجاوزون عشر آيات من القرآن يتلونها حتى يعملوا بها، أما نحن اليوم فقد يحفظ الواحد منا القرآن كاملاً أو يختمه أكثر من مرة، ولكنه لا يكاد يعرف شيئاً من حلاله وحرامه، وكانوا عرباً خلصاً على صفات حميدة من الصدق والشجاعة والكرم والشهامة والرجولة، أما نحن فعلى خلاف ذلك –إلا ما شاء الله-.
وإذا دخل العدو بلداً من بلاد المسلمين وجب على أهل ذلك البلد –المواطن منهم والمقيم- عينا الدفاع عن ذلك البلد، بكل وسيلة مشروعة ممكنة، فإن لم يستطع أهل هذا البلد المغزو وجب على أقرب البلاد إليهم إعانتهم والدفاع معهم ونصرتهم، وجوباً عينياً أيضاً، ولو كان أهل ذلك البلد أو من جاورهم ليس عندهم عدة ولا عتاد يساويان أو يقاربان عدد وعدة العدو لأن قتالهم هذا قتال دفع لا طلب، وجهاد الدفع لا يشترط فيه ما يشترط في جهاد الطلب، بل الواجب عليهم في مثل هذه الحال أن يقاتلوا العدو بأي حال؛ لقوله –تعالى-: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ" [الحج:٣٩] .
ولعموم حديث رسول الله – ﷺ : "جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم" رواه أبو داود (٢٥٠٤) والنسائي (٣٠٩٦) من حديث أنس –﵁.
فجهاد الدفع لا يشترط فيه اجتماع عدد معلوم، ولا يلزم أن يكون للمسلمين المغزوين إمام يستأذن كما لا يستأذن الأب ولا الأم، ونحو ذلك، وإن كان المسلمون المعتدى عليهم خليطاً من المؤمنين والكفار، لا يشترط لهم حينئذ أن تكون لهم راية واحدة يقاتلون تحتها، وإن أمكن ذلك فحسن، وإن لم يمكن تعاون المسلمون مع الكفار الذين يسكنون معهم على العدو الذي غزاهم في عقر دارهم، ولكن يجب على المسلمين –فرادى كانوا أو جماعة- حينئذ أن يعلنوا أن جهادهم إنما هو لإعلاء كلمة الله وفي سبيله لا غير، (والراية العِمِّيَّة) التي يحرم القتال تحتها ولو مات فيها مات ميتة جاهلية، هي التي دل عليها حديث أبي هريرة –﵁ في صحيح مسلم (١٨٤٨) : "من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقتل، فقتلة جاهلية".
وجاء في حديث سعيد بن زيد –﵁ عند الترمذي (١٤٢) ، وأبي داود (٤٧٧٢) ، والنسائي (٤٠٩٤) ، وابن ماجه (٢٥٨٠) : "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد" والعدو المعتدي -مسلماً كان أو كافراً- إنما يريد هذه الأمور الأربعة مجتمعة أو بعضها، ومن لازم ذلك القتال للدفاع عن بلاد المسلمين إذا غزيت من قبل العدو الكافر؛ لأن هذه الأمور داخلة في بلاد المسلم أو وطنه.
стр. 8185
أما القول بوجوب اشتراط وجود الإمام أو إذنه في الجهاد في سبيل الله فلا أعرف أحداً من أهل العلم المقتدى بهم اشترطه، بل الواجب خلافه، وهو أن الإمام لا يكون إماماً إلا أن يقوم بالجهاد في سبيل الله، لا أنه لا يكون جهاد إلا بإمام، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣٤/١٧٦) . والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه، فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها وعجز من الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق،.... فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت، إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها" انتهى. وعمل أبي بصير ﵁ في قصة الحديبية ومن معه من المهاجرين الذين قاموا بقطع الطريق على قافلة قريش أظهر دليل على عدم اشتراط وجود الإمام أو إذنه للجهاد في سبيل الله، بل قول رسول الله ﷺ في أبي بصير لما بلغه فعله في قريش: "ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد" انظر صحيح البخاري (٢٧٣١-٢٧٣٢) ، يؤكد عدم اشتراط وجود الإمام أو إذنه في الجهاد في سبيل الله، بل نجد أئمة الدعوة في نجد منعوا وأنكروا مثل هذا الاشتراط، فيقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت١٢٥٨) : (بأي كتاب أم بأية حجة أن الجهاد لا يجب إلا مع إمام متبع؟ هذا من الفرية في الدين والعدول عن سبيل المؤمنين، والأدلة على إبطال هذا القول أشهر من أن تذكر ... ) ، انظر الدرر السنية (٥/٩٧-٩٩) . والله أعلم.
стр. 8186
هجر الزوجة لزوجها أكثر من ثلاثة أيام !
المجيب د. محمد بن عبد الله المحيميد
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ١١/٢/١٤٢٧هـ
السؤال
هل يجوز للمسلم أن يهجر أخاه المسلم -لسبب- مدة ثلاثة أيام؟ وهل يجوز للزوجة أن تهجر زوجها مدة ثلاثة أيام؛ بسبب سوء تصرفه معها؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالهجر نوع من العقوبات المشروعة لأجل الزجر والتأديب، وقد أرشد القرآن الكريم الأزواج إليه لمعالجة نشوز الزوجات، كما في قوله تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع...." الآية [النساء:٣٤] . ومارسه النبي ﷺ مع الثلاثة الذين خلفوا كما ثبت في الصحيح، انظر صحيح البخاري (٤٤١٨) ، وصحيح مسلم (٢٧٦٩) . غير أنه حرَّمه إذا كان لحظ النفس أكثر من ثلاثة أيام كما في قوله ﷺ : "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام". صحيح البخاري (٦٠٦٥) ، وصحيح مسلم (٢٥٥٩) ، مما يدل على جوازه فيما دون ذلك. والهجر درجات، فقد يكون بالكلام بأن لا يحادث المهجور، وقد يكون بالمكان بأن لا يجالسه، وقد يكون بغير ذلك.
لكن يجب على المسلم أو المسلمة مراعاة المصلحة الشرعية في تطبيق هذه العقوبة (أعني عقوبة الهجر) ؛ إذ المقصود بها زجر المهجور، وتأديبه، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفته كان مشروعاً، وإن كان لا يرتدع بذلك بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر، بل يكون التألف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التألف، ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قوماً ويهجر آخرين بحسب ما يراه من المصلحة.
وفي رأيي أن هجر المرأة لزوجها لا يجوز؛ لما قد يترتب عليه من محاذير شرعية، كعدم الاستجابة لمطالبه التي يحرم على المرأة عصيانه فيها، وتسببه في تفاقم المشاكل بين الزوجين؛ لأن الهجر لايؤتي ثماره غالباً إلا إذا صدر من شخص له سلطة وولاية على المهجور، مثل الحاكم مع أحد أفراد رعيته، أو الوالد مع ولده، أو الزوج مع زوجته، ومعلوم أن موقف الزوجة بالنسبة إلى زوجها ضعيف، ولذا فأنجع علاج -في رأيي- لسوء تصرف الزوج أن تتمثل الزوجة قوله تعالى: "وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" [فصلت٣٤] ، وأن تتحلى بالصبر وتحتسب في ذلك، وأن تكثر من الدعاء لها ولزوجها بأن يصلح الله أحوالهما. أسأل الله أن يصلح أحوال الجميع. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 8187
هل رسوم الجمارك مكوس ؟!
المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ١٠/٠٤/١٤٢٧هـ
السؤال
هل الجمارك التي تأخذها الدولة هي المكوس التي يذكرها الفقهاء في كتبهم؟ وما حكم فتح محل للتخليص الجمركي؟ وهل ما يؤخذ منه حلال؟
الجواب
الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالمكس هو ما يأخذه الظلمة وأعوانهم من عموم الناس من النقود وغيرها -بغير حق، ومعنى ذلك أنه لابد أن يتحقق في المكس أمران:
١- أن يؤخذ من صاحبه بغير رضاه.
٢- أن يأخذه الآخذ لمصلحته الخاصة، لا لمصلحة المسلمين العامة، ومتى اختل أحد هذين الشرطين لم يكن مكساً.
والمكس المحرم كان معروفاً منتشرًا عند العرب، ويعرف أحياناً بالإتاوة، ويؤخذ قسراً عند البيع والشراء.
فيه يقول الشاعر:
وفي كل أسواق العراق إتاوة *** وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم
والمكس هو الذي عناه الرسول ﷺ في قوله عن الغامدية ﵂، لما رجمت بعد زناها: "لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له" أخرجه مسلم (١٦٩٥) . أي إن المكس المحرم مثل الزنا أو أشد.
أما الجمارك اليوم فهي ضرائب مالية توضع على بضائع تدخل لبلاد المسلمين تقررها الدولة لصالح تشجيع البضائع والمنتجات المحلية لصالح المواطن والمستهلك، وما يجمع من هذه الضرائب يدخل خزينة الدولة لصالح الأمة عامة.
وعلى هذا فالجمارك ليست هي المكوس السابق ذكرها، لتخلف الشرطين المشار إليهما سابقاً.
وإنما شرعت الجمارك في الدولة الحديثة -وفي الإسلام خاصة- وفق المصلحة المرسلة في الشريعة، كما هو مقرر عند أهل العلم.
وبناء على هذا فلا حرج عليك في فتح محل للتخليص الجمركي، وما يصل إليك من هذا المحل حلال -إن شاء الله-.
أسأل الله للجميع التوفيق والسداد. آمين.
стр. 8188
هل آثم بطلب الطلاق ؟!
المجيب البندري بنت عبد العزيز العمر
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ١٤/٠٢/١٤٢٧هـ
السؤال
ما حكم الزوجة التي تطلب الطلاق من زوجها، وتقول: إنها معمول لها عمل سحري؟ علماً أن لديها أولاداً من هذا الزوج.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالطلاق أبغض الحلال إلى الله تعالى، وإذا كان التفكير في الطلاق بسبب سوء العشرة فلا حرج في ذلك؛ لأن النهي إنما ورد في الطلاق من غير ما بأس، (أي بلا سبب ولا عذر يسوِّغ ذلك) ، وانعدام الألفة والمحبة من البأس الذي يسوِّغ طلب الطلاق، وكذا استمرار المشاكل الأسرية، بحيث لا يجد الزوجان سبيلاً للخلاص من ذلك، لكن في مثل وضعك لا أنصحك بطلب الطلاق، فليست المسألة مسألة حلال أو حرام، فأنت عندك أبناء وكانت حياتك السابقة جميلة وسعيدة، لكن عكَّر صفوها ما ذكرت من قضية السحر والعين أو التأزم النفسي، لذا عليك بالإكثار من الدعاء، والإلحاح على الله -تعالى- بإصلاح الحال.
كما ينبغي أن تحرصي على الرقية الشرعية، سيما المعوذات، فترقي نفسك وزوجك مباشرة أو في ماء أو ما أشبه ذلك كأوراق السدر وتغتسلين بها.
وقد يطول الوقت ولا تجدين الثمرة، فاحرصي على عدم الاستعجال؛ لأن غالب الأمور في مثل وضعك يحتاج إلى وقت وثقة عظيمة بقدرة الله تعالى على إصلاح الحال والانتفاع بالرقية، وإذا كانت العشرة سيئة جداً فبإمكانك الابتعاد عن الزوج لفترة دون طلب الطلاق، ولا يفوتك شرب ماء زمزم بنية صلاح حالك؛ فقد ورد: "ماء زمزم لما شُرب له" أخرجه أحمد (١٤٣٢٠) ، وابن ماجه (٣٠٦٢) ، أعانك الله، ووفقك لسبل الخير والنجاة وصلاح الحال.
стр. 8189
مشاركة الكفار للمسلمين في صلاتهم !
المجيب أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ١٨/٠٢/١٤٢٧هـ
السؤال
نحن في الولايات المتحدة، وقد زار رئيس مدينتنا -وهو يهودي- المسجد؛ لكي يلقي كلمة للمسلمين بعد صلاة الجمعة، وعند زيارته حضر صلاة الجمعة في الصف الأول، وصلّى مع المسلمين، وقد تم ذلك بموافقة إمام المسجد، فهل يجوز لغير المسلم أن يصلي مع المسلمين في مثل هذه الظروف؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فيجوز لغير المسلم -كاليهودي والنصراني- دخول مساجد المسلمين، فلقد كان الحبشة -وهم نصارى- قد ضربت لهم خيمة في مسجد رسول الله ﷺ . وإذا جاز لهم دخول المسجد فلا يجوز منعهم من الصلاة مع المسلمين -إن رغبوا- ولكن لا أجر في صلاتهم تلك، وإنما هي مجرد حركات لا غير؛ لقوله تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" [النساء:٤٨] وهم مشركون وإن كانوا أهل كتاب؛ لأنهم يقولون: عزيرٌ ابن الله. والمسيح ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. وتألف الكافر للدخول في الدين، أو دفع أذاه عن المسلمين مطلوب شرعاً. والله أعلم.
стр. 8190
أيهما أفضل: دم الشهداء أم مداد العلماء ؟!
المجيب د. رشيد بن حسن الألمعي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ٢٧/٠٣/١٤٢٧هـ
السؤال
أيهما أفضل: مداد العلماء أم دم الشهداء؟ وهل هناك دليل من القرآن أو السنة يؤكد ذلك؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فالمعروف في هذه المسألة هو الموازنة بين مداد العلماء ودم الشهداء، ومما ورد في ذلك من الآثار قولهم: (يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء) .
قال المناوي: وأسانيده ضعيفة، لكن يقوي بعضها بعضاً. انظر كشف الخفاء (٢/٤٠٠) برقم (٣٢٨١) .
وقد ذكر ابن القيم ﵀ الخلاف في هذه المسألة، فقال: (وقد اختلف في تفضيل مداد العلماء على دم الشهداء وعكسه، وذُكر لكل قول وجوه من التراجيح والأدلة، ونفس هذا النزاع دليل على تفضيل العلم ومرتبته، فإن الحاكم في هذه المسألة هو العلم، فيه، وإليه، وعنده يقع التحاكم والتخاصم، والمفضل منهما من حكم له بالفضل) ، ثم قال: (فإن قيل فما حكمه في هذه المسألة التي ذكرتموها. قيل: هذه المسألة كثر فيها الجدال واتسع المجال، وأدلى كل منهما بحجته، واستعلى بمرتبته، والذي يفصل النزاع ويعيد المسألة إلى مواقع الإجماع الكلام في أنواع مراتب الكمال، وذكر الأفضل منهما، والنظر في أي هذين الأمرين أولى به وأقرب إليه) .
ثم ذكر أن مراتب الكمال أربع: (النبوة والصديقية والشهادة والولاية، فأعلاها مرتبة النبوة والرسالة، ويليها الصديقية؛ فالصديقون هم أئمة أتباع الرسل، ودرجتهم أعلى الدرجات بعد النبوة، فإن جرى قلم العالم بالصديقية وسال مداده بها كان أفضل من دم الشهيد الذي لم يلحقه في رتبة الصديقية، وإن سال دم الشهيد بالصديقية وقطر عليها كان أفضل من مداد العالم الذي قصر عنها، فأفضلهما صديقهما فإن استويا في الصديقية استويا في المرتبة، والله أعلم.
والصديقية هي كمال الإيمان بما جاء به الرسول علماً وتصديقاً وقياماً، فهي راجعة إلى نفس العلم، فكل من كان أعلم بما جاء به الرسول وأكمل تصديقاً له كان أتم صديقية، فالصديقية شجرة أصولها العلم وفروعها التصديق وثمرتها العمل فهذه كلمات جامعة في مسألة العالم والشهيد وأيهما أفضل. وهذا كلام رصين من إمام محقق فليتأمل. انظر مفتاح دار السعادة (١/٨٠) . والله الموفق.
стр. 8191
السنة في التعزية
المجيب أ. د. عبد الله بن محمد الطيار
أستاذ جامعي في جامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ١٩/٠٢/١٤٢٧هـ
السؤال
أرجو من مشايخنا الكرام شرح كيفية تقديم العزاء لأهل المتوفى على نهج ما كان يفعله نبينا محمد ﷺ .
الجواب
فالتعزية سنة، وقد ورد عن النبي ﷺ الترغيب فيها، فقد رُوي عنه أنه قال: "ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله سبحانه من حلل الكرامة يوم القيامة". رواه ابن ماجه (١٦٠١) .
وتكون التعزية بكلمات طيبة تعين على الصبر، والرضا بالقدر، ومن ذلك: "أحسن الله أجرك"، "اصبر واحتسب"، "عظَّم الله أجرك"، وقول: "إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل إلى أجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب" رواه البخاري (١٢٨٤) ، ومسلم (٩٢٣) .
وفقنا الله وإياك لاتباع السنة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 8192
التخلص من الربا بإعطائه للأم !
المجيب د. عبد الله بن عبد الله بن عبيد الزايد
مدير الجامعة الإسلامية بالمدينة سابقاً
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ١٤/٠٢/١٤٢٧هـ
السؤال
ادخرت بالبنك قيمة مالية، وبما أنه بنك ربوي فإن هذه القيمة ارتفعت، وأريد التخلص منها, فهل يجوز لي أن أعطيها لأمي؟ علما بأنها أرملة ولا دخل لها إلا ما نجود به عليها.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإذ كنتم تجودون على أمكم من قدرتكم المالية بما لا يؤثرُ على ما تحتاجونه لأمور حياتكم المشروعة فاستمروا على ذلك، دون أن تعطوها من الفوائد الربوية.
أما إذا كان ما تدفعونه للوالدة لسدِّ حاجاتها وضروراتها يؤثر عليكم، بحيث لا تسطيعون سد حاجاتكم؛ لأنكم تمنحون الوالدة جزءًا أقربُ ما يكون إلى عدم قدرتكم على سد الحاجات والضرورات فلا بأس أن تدفعوا لها الناتج الربوي، على أن يقتصر ما تدفعونه من ذلك على الضروريات أو الحاجات الملّحة للوالدة، والباقي من الفوائد الربوية الزائدة على حاجة الوالدة يدفع للمحتاجين من الفقراء الآخرين، والأولى دفع الباقي للمحتاج من الفقراء، وأحقهم الفقراء الأقارب غير الورثة. والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 8193
هل لي أن أزوِّج نفسي ؟!
المجيب د. نايف بن أحمد الحمد
القاضي بمحكمة رماح
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ١١/٠٥/١٤٢٧هـ
السؤال
أبلغ من العمر أربعين سنة، أرملة وعندي ثلاثة أبناء أكبرهم عنده ست عشرة سنة. توفي زوجي قبل سبع سنوات. بعد هذه المرحلة خوفا من الوقوع في الفاحشة! أردت الزواج فتقدم رجل لخطبتي، فكان الرفض من الوالدين بدعوى أنني أم.
هل بإمكاني أن أزوج نفسي بدون حضور والدي! وبحضور الشهود فقط؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد ذهب جمهور العلماء إلى أن الولي من شروط صحة النكاح، فإذا زوجت المرأة نفسها مع وجود ولي لها فنكاحها باطل، ويلزمها تجديد العقد، مستدلين بأدلة منها قوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" رواه أحمد (٨٦٩٧) ، وأبو داود (٢٠٨٥) ، والترمذي (١١٠١) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، ورواه الحاكم (٢/١٨٥) من طرق كثيرة، وقال: "وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي ﷺ عائشة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، ﵅ جميعا -وقال قبل ذلك-: وفي الباب عن علي وابن عباس ومعاذ بن جبل.."ثم سرد تمام ثلاثين صحابياً، انظر: التلخيص الحبير (٣/١٥٦) .
لذا فالواجب عليك أختي الكريمة أن لا تزوجي نفسك فتقعي فيما لا تحمد عقباه، والواجب على والدك إذا تقدم لك من ترضين خلقه ودينه، أن يزوجك، فإن امتنع ورفض انتقلت الولاية إلى من يليه من الأولياء كجدك، فإن لم يوجد، زَوَّجَكِ أحد إخوتك، ثم من يليه، فإن امتنع الجميع انتقلت الولاية إلى القاضي، فعليك بالتقدم إلى المحكمة الشرعية في بلدك، ورفع ذلك لتجري المحكمة ما يقتضيه الوجه الشرعي من إتمام النكاح.
فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل -ثلاث مرات- فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" رواه أحمد (٤٢٥٠) وأبو داود (٢٠٨٣) وابن ماجه (١٨٧٩) وصححه أبو عوانة، وابن خزيمة، وابن حبان (٤٠٧٤) ، والحاكم (٢/١٨٢) ، قال ابن كثير: وصححه ابن معين، وغيره من الحافظ. سبل السلام (٣/١١٨) ، وانظر فتح الباري (٩/١٩١) .
فإن كنت في بلد ليس فيه قاض شرعي تولى ذلك من رضيه المسلمون للقيام بذلك، كإمام الجامع، أو رئيس المركز الإسلامي، وليس لك أن تزوجي نفسك، ولتعلمي أختي الكريمة أنه لو تم النكاح على الصفة التي ذكرتيها فسيترتب على ذلك من المشاكل ما لا يعلمه إلا الله تعالى والله تعالى، أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 8194
هل عقد النكاح بهذه الطريقة تام ؟!
المجيب د. سليمان بن وائل التويجري
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ١٧/٠٤/١٤٢٧هـ
السؤال
أنا مأذون شرعي، وأقوم بإجراء عقود الأنكحة على الصفة التالية: قراءة خُطبة الحاجة، مع آيات التقوى، ثم صيغة الإيجاب والقبول، ثم الدعاء النبوي: "اللهم بارك لهما، وبارك عليهما، واجمع بينهما بالخير"، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء، فهل فعلي هذا صحيح؟ وهل يجوز تشبيك أيدي والد العروس والعريس عند الإيجاب والقبول؟ وما هو الوارد في السنة؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
نعم فعلك هذا صحيح وهو متفق مع السنة الواردة في هذا وهي خطبة الحاجة وإبرام العقد بعدما تتلو الآيات، وعندما تنتهي تصلي على النبي ﵊ وتدعو لهما بالتوفيق.
أما ما ذكرته من تشبيك الأيدي بين والد العروس والعريس فهذا لا أصل له في الشرع، ولا حاجة إليه، وليس له علاقة بالعقد من حيث التأثير، فلا يترتب على تشبيك الأيدي زيادة توفيق ولا عدمه. ولا يترتب عليه حكم شرعي، إلا إذا اعتقد أنه أمر مطلوب، فهذا الاعتقاد يعتبر نوعا من البدعة.
стр. 8195
ما تباح فيه الغيبة
المجيب سليمان بن إبراهيم الأصقه
رئيس المحكمة العامة بمحافظة بلقرن
التصنيف الفهرسة/الجديد
التاريخ ٠٣/٠٣/١٤٢٧هـ
السؤال
نحن نتناقش في أمور تتعلق بزعماء البلد من قادة وسياسيين ووزراء، وكل منا يدلي برأيه وما يقرأه في الصحف عن هذه الفئة، ومعظم من نتكلم عنهم معروفون بالفساد على أوسع نطاق، فهل يُعدُّ كلامنا عن هذه الفئة من الغيبة المحرمة؟ علماً أننا نتكلم عن أفعالهم الفاسدة.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد ذكر العلماء أموراً تباح فيها الغيبة هي من الأغراض الصحيحة التي لا يمكن الوصول إليها إلا بها، فمن ذلك ما ذكره البخاري في "صحيحه"، باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والرِّيب، ومن ذلك ما ذكره ابن أبي الدنيا في كتابيه: كتاب (الصمت وأدب اللسان) ، وكتاب (الغيبة والنميمة) ، باب الغيبة التي يحل لصاحبها الكلام بها، وذكروا في ذلك أحاديث وآثارا. وقد جمع بعض العلماء الأمور التي تجوز فيها الغيبة في ستة أمور منظومة في هذين البيتين:
الذم ليس بغيبة في ستة *** متظلِّم ومعرِّف ومحذِّر
ولمظهر فسقاً ومستفت ومن *** طلب الإعانة في إزالة منكر
وذكر الكبراء المعروفين بالفساد من قواد ووزراء إن كان داخلاً في أحد هذه الأمور الستة أو في أكثر من واحد منها فلا بأس به، وليس من الغيبة المحرمة، ويكون ذلك بأن يُتظلم منهم إلى من له ولاية أو قدرة على إنصاف المظلوم من ظالمه، أو يُستعان بمن له قدرة على إزالة ما يرتكبون من فساد ومنكرات، أو يذكرون على سبيل التحذير والنصيحة بعدم الاغترار بما وقعوا فيه من فساد، أو يذكرون بما جاهروا به من الفسق والبدعة دون ما لم يجاهروا به. ففي صحيح البخاري (٦٠٣٢) وصحيح مسلم (٢٥٩١) عن عائشة ﵂ قالت: استأذن رجل على رسول الله ﷺ فقال: "ائذنوا له، بئس أخو العشيرة، أو ابن العشيرة". فلما دخل ألان له الكلام. قلت: يا رسول الله: قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام؟! قال: "أي عائشة إن شر الناس من تركه الناس -أو ودعه الناس- اتقاء شره".
وفي صحيح البخاري (٦٠٦٧) عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : "ما أظن فلانا ًوفلاناً يعرفان من ديننا شيئاً".
وعن زيد بن أسلم قال: إنما الغيبة لمن لم يعلن بالمعاصي.
وقال إبراهيم النخعي: ثلاث كانوا لا يعدونهن من الغيبة: الإمام الجائر، والمبتدع، والفاسق المجاهر بفسقه.
وعن الصلت بن طريف قال: قلت للحسن: الرجل الفاجر المعلن بفجوره، ذكري له بما فيه غيبة؟ قال: لا ولا كرامة.
وعن الحسن أيضاً أنه قال: ثلاثة ليس لهم غيبة: صاحب هوى، والفاسق المعلن بالفسق، والإمام الجائر.
وقد جاء في هذا المعنى حديث ضعيف أخرجه البيهقي في السنن (١٠/٢١٠) والشعب (٩٦٦٤) فيه: "من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له".
قال أبو العباس بن تيمية ﵀: "وهذان النوعان يجوز فيهما الغيبة بلا نزاع بين العلماء" ا. هـ من مجموع الفتاوى (٢٨/٢١٩) .
والمراد بالنوعين المشار إليهما: أن يكون الرجل مظهراً للفجور، والثاني: ما كان على سبيل النصيحة والتحذير.
следующие страницы →