← Фатава

Фатава · id 894

فتاوى واستشارات الإسلام اليوم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 202 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.

стр. 8226

خطر تداول الصور الخليعة عبر الجوالات ! المجيب د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي عضو البحث العلمي بجامعة القصيم التصنيف الفهرسة/الجديد التاريخ ١١/٠٤/١٤٢٧هـ السؤال كثر في الآونة الأخيرة انتشار الكاميرا، بما فيها من بلوتوثات تحمل في طياتها صوراً لنساء، ورجال عراة، ومقاطع فيديو لأفلام جنس خليعة، وفواحش من زنا ولواط. فما حكم تداول مثل هذه الصور، ونشرها، والنظر إليها، والاحتفاظ بها في الجوالات؟ الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده: أما بعد: فإنه لا يحل النظر إلى صور النساء غير المحارم، فضلاً عن أن تكون صوراً للعورات المغلظة؛ من نساء أو رجال. وأشد شناعةً من ذلك، النظر إلى فعل الفواحش من زناً ولواط، ونحوهما، عن طريق الفضائيات، والإنترنت، والبلوتوث، والاحتفاظ بها. ويتفاقم الجرم حين يسعى بعض السفهاء إلى بثها، ونشرها بين المسلمين، وتداولها عبر وسائط الجوال، فلهم كفل من إشاعة تلك الفواحش، قال الله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" [النور:١٩] . فمن فعل ذلك طاله إثم من نظر إليها، أو ترتب على نظره اقتراف محرم؛ لأنه قد سنَّ سنة سيئة، عليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. ولا ريب أن هذه القاذورات إنما تسربت إلى فناء المسلمين من الأمم الكافرة الفاجرة، ليُردوهم، وليفسدوا عليهم دينهم، وينشروا بينهم الرذيلة، والأمراض الفتاكة؛ فإن إدمان النظر إلى هذه الصور العارية، والمقاطع الفاجرة، يؤدي إلى رقة الدين، وذهاب الحياء، والتطلع إلى مقارفة الفجور. ونتيجة لذلك كثرت المعاكسات الهاتفية، والعلاقات المحرمة، وحوادث الزنا، واختطاف الفتيات، والأحداث، جهاراً نهاراً. وهذا ما يتمناه أعداؤنا؛ قال تعالى: "وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا" [النساء:٢٧] . فالواجب على الأولياء أن يتقوا الله فيمن استرعاهم الله عليه، من أولاد وزوجات، وملاحظة ما يتداولونه من صور أو رسائل أو غير ذلك. قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" [النور:٦] . أصلح الله أحوال المسلمين، وحفظهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

стр. 8227

مراجعات الزوار

стр. 8228

تعقيب وجواب حول فتوى (دعوة الكافر إلى دينه في ديار الإسلام) د. خالد بن ناصر الغامدي ٣٠/٥/١٤٢٧ ٢٦/٠٦/٢٠٠٦ نشر الموقع فتوى بعنوان: (لماذا لا نأذن لهم بالدعوة كما أذنوا لنا بها في بلادهم؟!) ، للشيخ الدكتور/ خالد بن ناصر الغامدي (عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) ، - وقد ورد تعقيب على الفتوى المذكورة من أحد الإخوة زوار الموقع وبعد عرضه على الشيخ أجاب بما يلي: التعقيب: ملاحظته على السؤال "لماذا لا نأذن لهم بالدعوة كما أذنوا لنا بها في بلادهم؟! " يظهر لي أن جواب الشيخ على سؤال دعوة الكفار إلى دينهم غير مقنع لغير المسلمين وذلك لما يلي: ١. أنهم لا يؤمنون أن الإسلام خاتمة الأديان بل يعتقدون بطلانه ولو اعتقدوا أنه حق لاتبعوه والسائل لم يسأل إلا ليجد جوابًا لأهل الملل الأخرى. ٢.لو قيل إن النظام في الغرب سيمنع إقامة المراكز الإسلامية فإن ذلك سيكون مقنعًا على جواب الشيخ لأنه تنظيم في الدولة لا دخل لأحد فيه. ٣.ما هي علاقة الاحتلال والاعتداء بدعوة غير المحاربين وغير المحتلين ومن يجاهر بالرفض القاطع للاحتلال دعوة كل هؤلاء لدينهم. ٤.آمل أن يطرح السؤال على الشيخ سلمان العودة علني أجد عنده جوابًا شافيًا مقنعًا وبالله التوفيق. الرد: أبدأ بالرد من حيث انتهى الدكتور خالد وهو تمنيه أن يكون الرد من الشيخ الدكتور سلمان العودة، وهنا مربط التعقيب، فهو يرى أن لا أحد يجيد الجواب غير سلمان ولقد صدق لعمرو الحق، ولكن هل يستطيع سلمان أن يرد على كل أحد ويجيب على كل سؤال؟؟ أعتقد والله أعلم لو أن الجواب للشيخ العودة، وكتبه بغير اسمه لأنكر! وتمنى أن يكون باسمه؟؟ ثانياً: يبدو لي أن الدكتور أصابه بعض الاستلاب الفكري والحضاري من حيث يشعر أو لا يشعر فقوله: إنهم لا يؤمنون بأن الإسلام خاتم الأديان، بل يعتقدون بطلانه! ولو اعتقدوا أنه حق لاتبعوه والسائل لم يسأل إلا ليجد جوابًا لأهل الملل الأخرى. وهل نحن مطالبون أن نجيبهم بجواب غير الذي ذكرته، وهل لما بعث سيد الخلق ﷺ كانت العرب واليهود والنصارى، تؤمن بأنه رسول الله وخاتم الرسل؟؟ وهل قال لهم إلا ما حكاه ربنا عنه؟؟ لما قال: والله يا معشر قريش لقد جئتكم بالذبح. فنحن لا نقول للمسالمين منهم هذا ولكننا نعلن موقف ديننا بكل صراحة ووضوح، هل تريد منا يا دكتور أن نقدم تنازلات إثر تنازلات ليرضى الغربي، هل تريد منا أن نتساقط على أقدامهم ونقول لهم نرجوكم آمنوا فديننا سمح وطيب، ولا مانع لديه من جل ما تريدون؟؟ إذا فلا بد أن نقرر كما قلنا في الجواب: (أن دين الإسلام قد ختم الله به الأديان، ورسولنا قد ختم الله به الرسل) ، فكل شخص في هذا العالم مطالب باتباع دين الإسلام لا غيره، ومن هنا حرّم الله تعالى أن يدعو غير المسلم في بلاد المسلمين لإخراجهم عن دينهم الحق. وكذلك يجاب بأن هذه حرية شخصية للمجتمع المسلم الذي يفرض أنظمته وفق دينه فلماذا الغضب والاستنكار؟! وقد مارس المسلمون حقهم الشخصي، والطبيعي في تطبيق أنظمتهم.

стр. 8229

ثم ألا ترى أن الغرب يمارس جميع أهوائه وفق ما يريد، وفوق ما يريد كتشريع الأنظمة العالمية التي تبيح كثيراً من المحرمات، وكاحتلال البلدان وفرض أنظمتهم عليها، وكإقصاء الأديان عن التأثير في مجريات الحياة العامة والخاصة.) فلو افترضنا أن المعقب كان على عهد النبي ﷺ هل كان سيعجبه قول الله الذي بلغه نبينا لأهل الشرك من العرب، واليهود، والنصارى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ؟؟ وهل سيعجبه قوله ﷺ : (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمه يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار) ؟؟ ثالثا: قول الدكتور المعقب: لو قيل إن النظام في الغرب سيمنع إقامة المراكز الإسلامية، فإن ذلك سيكون مقنعًا على جواب الشيخ، لأنه تنظيم في الدولة لا دخل لأحد فيه. هذه الجملة تدل على ما ذكرته أعلاه من الموقف الانهزامي للدكتور صاحب التعقيب وأمثاله أصلح الله شأننا وشأنه، فليس بالضرورة أن يمنع الغرب إقامة المراكز الاسلامية بل لو منع شعيرة من شعائر الاسلام لكان حجة عليهم، لأنهم يدعون الديمقراطية وحق الحرية الشخصية وحق حرية العبادة؟؟ ولم ندعها نحن المسلمين بل ادعينا أننا ملزمون بشرع الله ومطالبون بما سنه رسول الله ﷺ . والغرب هو الذي منع أهم شعائر الإسلام ممثلة في منع الطالبات من الحجاب في كثير من الدول التي تصيح صباح مساء بالحرية، والغرب هو الذي دافع عمن اعتدى على أهم مقدساتنا وهو عرض نبينا صلى الله وسلم، وهو الذي يسومنا خسفا صباح مساء بدعم المعتدين من اليهود، والنصارى، والبوذيين على ديننا، ومقدساتنا، وأوطاننا في فلسطين، والعراق، وأفغانسان وغيرها. والغرب يا سيدي هو الذي يسن القوانين هذه الأيام لتجريم كل من دفع ولو سنتيما واحدا للفلسطينيين تحت أية حجة أو دعوى. ثم هل يحق لمسلم أن يبني مسجداً في الفاتيكان؟ أو أن يقيم حفلا دعويا لدعوة النصارى بالفاتيكان؟ وأترك الجواب للدكتور!! رابعاً: قول الدكتور صاحب التعقيب ما هي علاقة الاحتلال والاعتداء بدعوة غير المحاربين وغير المحتلين، ومن يجاهر بالرفض القاطع للاحتلال دعوة كل هؤلاء لدينهم يدل على أنه استعجل ولم يفهم المراد، وهذا ما هو إلا ضرب مَثَلٍ: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) . وبعد فإنني أشكر الدكتور وأنصحه بأن يعمل فكره في الأفكار لا في الأشخاص مهما علا وعظم شأنهم، فالحق ضالة المؤمن. وصلى الله على سيدنا محمد.

стр. 8230

تعقيب على فتوى (اشتراط الغرامة المالية لأجل التأخير) د. سامي بن إبراهيم السويلم ٢/٥/١٤٢٧ ٢٩/٠٥/٢٠٠٦ نشرت فتوى بعنوان: (اشتراط الغرامة المالية لأجل التأخير) ، للشيخ الدكتور/ سامي بن إبراهيم السويلم "باحث في الاقتصاد الإسلامي"، وقد ورد إلى الموقع تعقيب على الفتوى المذكورة من أحد الإخوة الزوار، وبعد عرضه على الشيخ أجاب بما يلي: التعقيب: آمل من فضيلة الدكتور بيان كيف كانت المسألة من قبيل ربا الجاهلية، ووجه السؤال أن الغرامة ليست في جانب دافع المال، وإنما في جانب بائع البضاعة -إن كان فهمي صحيحاً- وهذه الغرامة فيما يظهر لي من قبيل الشرط الجزائي. ولو أن التحريم بني على ما فيها من الضرر البالغ فلا إشكال. مجرد تساؤل أرجو أن يتسع له صدر فضيلة الدكتور. وشكراً للجميع. الرد: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: أشكر الأخ الكريم على ملاحظته، وأرجو ألا يبخل القارئ بما يراه لأن هذا من النصيحة في الدين التي أمر بها النبي ﷺ . وأود أن أنبه الأخ إلى أن السؤال نص على أن الغرامة هي ألف ريال لكل يوم تأخير، دون أن يذكر تحديداً للحد الأقصى من الغرامة، ودون أن يربط الغرامة بالضرر الواقع على المشتري. وهذا يعني أنه بمجرد مضي الوقت يستحق المشتري مبلغ ألف ريال على البائع دون أي مقابل. ولا ريب أن هذا الشرط بهذه الصيغة من الظلم البين على البائع، ومن أكل المال بالباطل بالنسبة للمشتري، لأنه يحصل على هذا المبلغ دون أي مقابل لمجرد مضي الزمن، وهذا هو الظلم الحاصل في ربا الجاهلية، حيث يحصل الدائن على مبالغ مالية لا لشئ إلا لمجرد تأخر المدين في السداد. والشرط الجزائي الذي أجازه مجمع الفقه وهيئة كبار العلماء له شروط تحول بينه وبين أن يكون من باب الربا. فليس في الشرط الجزائي غرامة مفتوحة مرتبطة بمجرد التأخير، بل إما أن تكون مرتبطة بالضرر الذي تحمله الطرف الآخر، وإما أن تكون محددة بما لا يتجاوز مبلغاً محدداً (٥% مثلاً من قيمة العقد) ، وفي هذه الحالة يعتبر الشرط الجزائي نظير العربون، كما أشار لذلك عدد من البحوث التي تناولت الموضوع (انظر مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة ١٢، مجلد ٢) . وفي جميع الأحوال لا يمكن أن تصل غرامة التأخير إلى ما يساوي ثمن المبيع كله (أي ١٠٠% من قيمة العقد) لأن هذا يناقض أصل العقد القائم على المعاوضة، ويجعل الشرط سبباً للكسب وليس المبيع الذي هو سبب العقد ابتداء. وأما ما أشار له الأخ بأن الغرامة هي من جانب البضاعة وليس من جانب النقد، فإن هذا لا ينفي عنها الربا، كما أن الفائدة يمكن أن تكون خدمة، أو سلعة، إذا اشترطت في الدين ولا يلزم أن تكون نقوداً. فالزيادة في الدين مقابل التأخير ربا مطلقاً، سواء كان الدين نقوداً أو سلعاً، وسواء كانت الزيادة نقوداً أو سلعاً، ولهذا منع المجمع الشرط الجزائي في السَّلَمْ لأنه زيادة في الدين، مع أن الدين سلعة وليس نقوداً. والشرط الجزائي المتضمن للتعويض المالي، يشترط فيه ما يلي:

стр. 8231

١. ألا يكون التعويض على المدين في عقد مداينة، فلا يجوز اشتراط التعويض على البائع في عقد السَّلَمْ، ولا على المشتري في البيع الآجل. وكذلك لا يكون على المشتري في عقود الاستصناع والتوريد ونحوها. ومن الفقهاء المعاصرين من يمنع التعويض عن التأخير مطلقاً في كل العقود لأن فيه شبهة ربا النسيئة (راجع بحوث المجمع ومناقشاته) . ٢. أن يرتبط التعويض بالضرر الذي يلحق بالمشتري في عقود المقاولات والاستصناع والتوريد. وقد نص قرار المجمع على أن الضرر هنا يشمل الضرر المالي الفعلي، ولا يشمل الضرر الأدبي، أو المعنوي، ولا فوات الكسب المحتمل. ٣. أن يكون هذا الضرر ناتجاً عن تفريط البائع وإهماله في الالتزام بالعقد، وليس لأمر خارج عن إرادته. كما لا يصح اشتراط التعويض إذا كان الضرر ناتجاً عن سبب آخر لا علاقة له بالبائع، ولا إذا انتفى الضرر. ٤. وقد نص عدد من الفقهاء على أنه لا يجوز أن يتجاوز مقدار التعويض عن الضرر المالي قيمة الصفقة الإجمالية (كما في بحوث المجمع ومناقشاته) , لئلا يجتمع للمشتري الثمن والمثمن، فيفضي إلى الربح بدون مقابل. كما أنه من المقرر عند الفقهاء أن ضمان المتلفات يكون بالمثل أو بالقيمة، فإذا تأخر البائع في تسليم المبيع فإنه على أسوأ الأحوال يكون كما لو أتلف المبيع، فليس عليه حينئذ سوى المثل أو القيمة. فلا يجوز اشتراط تعويض مالي يزيد عن قيمة الصفقة (كما أفاده فضيلة الشيخ علي الندوي) . وفي الصورة محل السؤال فإن الغرامة وإن كانت على البائع لكنها غير محددة بالضرر، بل بمدة التأخير فحسب. وهذا لا يمكن أن يكون مقبولاً لأنه يؤدي إلى أن يربح المشتري من مجرد التأخير، وهذه هي حقيقة الربا. كما أنه يؤدي إلى أن يربح المشتري أكثر من قيمة الصفقة، فيكون كسباً دون مقابل وأكلاً للمال بالباطل. كما أنها تؤدي إلى ظلم البائع بتحميله مبالغ طائلة تتجاوز ما يستحقه المشتري. فسبب المنع هنا أمران: الظلم والربا، وهما متلازمان. والله تعالى أعلم.

стр. 8232

استدراك وتعقيب على فتوى مشروعية الأذان الأول للجمعة د. يوسف بن أحمد القاسم ٦/٣/١٤٢٧ ٠٤/٠٤/٢٠٠٦ نشرت فتوى بعنوان: (مشروعية الأذان الأول يوم الجمعة) ، للشيخ الدكتور/ يوسف بن أحمد القاسم "عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء"، وقد ورد إلى الموقع تعقيب على الفتوى المذكورة من أحد الإخوة الزوار، وبعد عرضه على الشيخ أجاب بما يلي: التعقيب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الشيخ الفاضل: يوسف القاسم. تعليقاً على فتوى مشروعية الأذان الأول يوم الجمعة فقد ذكرتم عمل المسجد الحرام، والمسجد النبوي بهذه السنة الراشدة، والذي أراه أن في المسجدين الشريفين ليس السنة، إذ ليس بين الأذانين وقت حتى يستعد فيه من لم يستعد للجمعة، فهل هذا يعد من البدعة إذ ليس هو يقيناً من السنة، إذ السنة إما أذان واحد حين يجلس الإمام كما كان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ أو أذانين بينهما ما يستعد فيه الغافل كما في عهد عثمان ﵁ أما ما يحدث الآن فماذا يسمى؟ ولماذا لم تنته هذه العادة التي لم توافق ما كان عليه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ ولا وافقت ما كان عليه عثمان ﵃ جميعاً، وأما أثر الزهري عن السائب فقد توفي الزهري سنة (١٢٥) ، فبقاء هذا العمل إلى هذه السنة لا يستدل به على العمل في وقتنا هذا، ولم تتوفر الوسائل في عهد الزهري كما توفرت الآن وجزاك الله خيراً. الرد: فما ذكره السائل من عدم وجود وقتٍ كافٍ بين الأذان الأول والثاني في الحرمين الشريفين، فلا يتحقق المقصود من مشروعية الأذان الأول، هو كلام صحيح، وقد أشرت إلى ذلك في الجواب على السؤال عن مشروعية الأذان الأول، حيث قلت: ( ... مع قرب الأذان الأول للثاني بما لا يحقق الحاجة المعتبرة) ، والواجب حينئذ أن يتقدم الأذان الأول على الثاني بوقت يحقق المقصود من مشروعية الأذان. وأما أثر الزهري المشار إليه، فلا يفهم منه كما فهم السائل حيث ذكر أن وفاة الزهري ﵀ في سنة (١٢٥هـ) فيبقى العمل بالأذان الأول إلى تلك السنة (!!) بل يفهم منه إجماع الأمة في ذلك العصر على هذا الأذان إجماعاً سكوتياً، كما صرح بهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى [ (٢٤/١٩٣-١٩٤) ] ، حيث قال: ( ... ويتوجه أن يقال: هذا الأذان لما سنه عثمان ﵁ واتفق المسلمون عليه، صار أذاناً شرعياً ... ) اهـ. وبهذا الإجماع السكوتي احتجت اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية، كما في فتاوى اللجنة المنشورة (٨/١٩٨-١٩٩) .

стр. 8233

وأيضاً فإن العلة التي لأجلها شرع هذا الأذان هي كثرة الناس، كما أشار إلى هذا السائب بن يزيد حيث قال: ( ... فلما كان في خلافة عثمان ﵁ وكثروا، أمر عثمان ... ) الأثر، وإذا كثر الناس تباعدت المنازل، وكثرت الأشغال الصارفة عن العبادة، فكان من المصلحة تذكير الناس بالجمعة ليستعدوا لها، وهذه العلة متحققة في هذا العصر بشكل أكبر، حيث كثر الناس، وضعف الوازع الديني لدى كثيرين، وأما الوسائل فلا أدري ما يعني بها السائل - تحديداً- وبكل حال فإن الأصل بقاء هذه الشعيرة، لحاجة الناس إلى التذكير بهذه الصلاة للاستعداد لها، ويمكن أن يقال: بأن بعض المراكز الإسلامية الموجودة في بلاد الكفر والتي لا يصرح لها برفع الأذان عبر المكبرات بأنه لا يسن لهم هذا الأذان، لعدم تحقق المصلحة المقصودة من هذا الأذان، ولكنه يبقى مشروعاً في سائر الأمصار، كما قاله الإمام بدر الدين العيني (ت٨٥٥هـ) تعليقاً على قول السائب (فثبت الأمر على ذلك) ، حيث قال: أي ثبت أمر الأذان على أذانين وإقامة، كما أن اليوم العمل عليه في جميع الأمصار اتباعاً للخلف والسلف) اهـ عمدة القاري (٦/٢١٤) ، ومع هذا فإنه يبقى أن الأمر واسع في هذه المسألة؛ لأنه لم يقل أحد بوجوب هذا الأذان، فهو سنة يثاب على فعلها، ولا يعاقب على تركها، ولذا فإنه لا ينبغي تفرق بعض المسلمين واختلافهم لمجرد الخلاف في بعض المسائل الاجتهادية من حيث تنزيلها على الواقع، كما هو الحال في بعض المراكز الإسلامية في بلاد الكفر. والله تعالى هو الموفق والهادي.

стр. 8234

استدراك وتعقيب على فتوى دية المرأة أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان ١/٣/١٤٢٧ ٣٠/٠٣/٢٠٠٦ نشرت فتوى بالموقع بعنوان (هل دية المرأة على النصف من دية الرجل) ، للشيخ الدكتور/ سعود الفنيسان، وقد ورد إلى الموقع استدراك من أحد الإخوة الزوار على الفتوى المذكورة وبعد عرضه على الشيخ أجاب بما يلي: الاعتراض: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فقد ذكر فضيلة الدكتور سعود الفنيسان - حفظه الله وأحسن إليه- في ترجيحه أن دية المرأة نصف دية الرجل في قتل الخطأ، وذكر في أول دليل له قال: (إجماع الصحابة على هذا الأمر - أي التنصيف- حيث لم ينقل عن أحد منهم قال بخلافه، ثم اتفاق الأئمة الأربعة على هذا بمثابة الإجماع أيضاً، والإجماع عند العلماء أقوى من النص، فهو يَنسخ ولا يُنسخ؛ لأنه لا يكون إجماعاً إلا وهو مستند على نص شرعي، سواء علمنا هذا النص أو جهلناه) ، وسؤالي: هل ورد أن هذه القضية عرضت أمام الصحابة ﵃ وحكم بها أمامهم بتصنيف دية المرأة وسكتوا عنها؟ وهل الإجماع السكوتي حجة ليعارض بها ظاهر النصوص العامة؟ وهل شهرة الحديث بين الفقهاء دليل على صحته؟ أنا لست ممن يعترض عليك فضيلة الدكتور - حفظك الله- ولا ينبغي لي، ولكني وجدت في مقدمة الفتوى قوة دليل للقول بتسوية الرجل والمرأة في هذه القضية قبل ترجيحكم. فلا أدري حفظكم الله، أرشدوني إن كنت مخطئاً وسامحوني دفع الله بكم أمة الإسلام، والسلام عليكم ورحمة الله. الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وصحابته أجمعين، وبعد: فقد تلقيت من بعض الإخوة من طلاب العلم اعتراضاً على الفتوى التي أفتيت بها في موقع (الإسلام اليوم) عن دية المرأة في القتل الخطأ، ورد دعوى أنها كالرجل تماماً وليست بنصف ديته، وأنا أشكرهم على اهتمامهم ومتابعتهم وحسن خطابهم، وأحب أن أبيّن لعامة زائري (نافذة الفتاوى) وهؤلاء الإخوة خاصة ما يلي: أولاً: بسطت رأي الجمهور ومخالفيهم في دية المرأة في القتل الخطأ، وناقشت أدلة الطرفين معاً، وظهر لي أن ظواهر الأدلة مع القائلين بعدم تنصيف الدية، ورجحت أخيراً مذهب الجمهور القائلين بالتنصيف بأدلة استنباطية عملية وواقعية، ويبدو أن عرض أدلة المخالفين للجمهور رجحت في أذهان الإخوة الكرام واستغربوا أن أرجح خلافها بعد وضوحها، وإنما فعلت ذلك مبسطاً للمسألة وإنصافاً واحتراماً للرأي المخالف والقائل به، والمشير له اليوم فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي - وفقه الله-. وهذا من تمام العدل الذي أمرنا الله به "وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تتذكرون"، وبقوله: "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل"، والأخذ بظواهر الأدلة - ما لم تكن نصًّا في المسألة- من الفقه الظاهري أقل ما يقال فيه: إنه اجتهاد مقابل اجتهاد مثله، ولا مانع للمجتهد الناظر في الأدلة أن يرجح أحد الرأيين، وما ذكرته من أدلة للقائلين بتماثل الدية بين الرجل والمرأة إنما هو على طريقة العلماء في إعمال الذهن في نقد الأقوال لا غير.

стр. 8235

ثانياً: قال أحد الإخوة - وفقه الله- متسائلاً: هل عُرضت قضية تنصيف دية المرأة على الصحابة ﵃ وحكم بها إمامهم وسكتوا عنها؟ وهل الإجماع السكوتي حجة تعارض به ظواهر النصوص؟ وهل شهرة الحديث بين الفقهاء دليل على صحته؟ وأنا أجيبه بالنفي عن سؤاليه الأول والثاني، فلا إجماع قولي ولا حجة في الإجماع السكوتي، ولكني أقلب عليه سؤاله، فأقول: هل نقل عن أحد من صحابة رسول الله ﷺ الذين توفي عنهم وعددهم يزيد عن مائة ألف- هل نقل عن واحد منهم أنه قال بمساواة دية المرأة في القتل الخطأ لدية الرجل؟! بل هل نقل عن أحد الخلفاء الراشدين المهديين - خاصة شيء من هذا- إن وجد في هذه المسألة نقل عن صحابي تعين المصير إليه والوقوف عنده، وأنا أول من يقول به ويشهره بين الناس. ثالثاً: نعم إن شهرة الحديث عند العلماء إذا تلقي بالقبول دون نكير تغني عن إسناده سواء كان الإسناد ضعيفاً أو لم يعرف له إسناد أصلاً. وقد سئل الإمام أحمد عن حديث تلقين الميت بعد دفنه فاستحسنه واحتج عليه بالعمل - كما ذكره- ابن القيم في كتاب (الروح) ، وقال الإمام مالك: صحة الحديث بالمدينة تغني عن إسناده، وسئل القاسم بن محمد عن عدة الأَمة، فقال الناس يقولون حيضتان، وليس هذا في كتاب الله ولا سنة رسول الله، ولكن عمل به المسلمون) ، وقال ابن عبد البر في التمهيد: (روي عن جابر بن عبد الله ﵄ بإسناد لا يصح أن رسول الله ﷺ قال: "الدينار أربعة وعشرون قيراطاً"، وهذا الحديث وإن لم يصح إسناده ففي قول جماعة العلماء به وإجماع الناس على معناه ما يغني عن الإسناد فيه) ا. هـ. وقال الحافظ ابن حجر في النكت على ابن الصلاح: ومن جملة صفات قبول الحديث التي لم يتعرض لها شيخنا الحافظ العراقي أن يتفق العلماء على العمل بمدلول الحديث، فإنه يقبل، بل يجب العمل به) ، وقال السخاوي بشرح ألفية الحديث: (وكذا إذا تلقت الأَمة الحديث الضعيف بالقبول يعمل به على الصحيح حتى إنه ينزل منزلة المتواتر في أنه ينسخ المقطوع به، ولهذا قال الشافعي ﵀ في حديث: "لا وصية لوارث" إنه لا يثبته أهل الحديث ولكن العامة تلقته بالقبول وعملوا به حتى جعلوه ناسخاً لآية الوصية) ا. هـ، وقد نقل عن الإمام أحمد الأخذ بالحديث الضعيف كحديث "الناس أكفاء إلا الحائك والحجام والكساح"، فقيل له أتأخذ به وأنت تضعفه؟ قال: إنما نضعف إسناده ولكن العمل عليه، وفي رواية عنه أنه قال: إنما نضعفه على طريقة أهل الحديث، ونأخذ به على طريقة العلماء، أو قال الفقهاء. رابعاً: القول بتنصيف دية المرأة مستند إلى الإجماع العملي منذ عهد الصحابة ﵃ إلى يومنا هذا، وهو أقوى من الإجماع القولي والسكوتي معاً-، وهذا الإجماع من التواتر العملي الذي هو أقوى من التواتر اللفظي كما هو معلوم عند أهل الحديث.

стр. 8236

خامساً: إن القول بمساواة دية المرأة للرجل في القتل الخطأ - لمن الأمر العجب كيف يخالف سلف الأمة من العلماء والفقهاء والقضاة والحكام في حكم استقر منذ خمسة عشر قرناً ولم يعرف لهم مخالف يعتد بخلافه، ثم يجيء بعض الناس في هذا العصر ليخرج على إجماعهم العملي بدعوى أنه لا يتفق مع القول بتكريم المرأة واحترامها! وكأن علماء المسلمين من السلف والخلف أهانوا المرأة ولم ينصفوها حين لم يساووا ديتها بدية الرجل! وهذه الدعوى لم تعرف إلا في العصر الحاضر، أطلقه الأعداء والمستغربين المهزومين من أبناء المسلمين، ثم كيف يجمع العلماء - إجماعاً عملياً منذ عهد الصحابة ﵃ والتابعين، ومروراً بعصر الأئمة الأربعة، وانتهاء بالأئمة المجتهدين كابن تيمية والعز بن عبد السلام وأبي بكر بن العربي والنووي، والحافظ ابن حجر وابن عابدين وعبد العزيز بن باز، وغيرهم كثير، كيف لم ينقل عن واحد من هؤلاء أو في مجمع أو هيئة شرعية القول بمساواة دية المرأة لدية الرجل في القتل الخطأ، ثم يأتي من يُخطِّئ كل هؤلاء ويصوب رأيه بلسان الحال أو المقال. وأكرر شكري للإخوة الذين أبدوا ملاحظاتهم وتساؤلاتهم، وفق الله الجميع إلى العلم النافع والعمل الصالح، آمين.

стр. 8237

مراجعة فتوى البسملة في الفاتحة سعد بن عبد العزيز الشويرخ ٢٧/٢/١٤٢٧ ٢٧/٠٣/٢٠٠٦ نشرت فتوى عن (حكم البسملة) وأنها ليست من الفاتحة، لفضيلة الشيخ/ سعد بن عبد العزيز الشويرخ، وقد ورد إلى الموقع إشكال متعلق بالفتوى المذكورة من أحد الزوار، وبعد عرضه على الشيخ أجاب بما يلي: أولاً: الإشكال: الشيخ الفاضل: سعد الشويرخ - حفظه الله- قرأت لك فتوى أن البسملة ليست من الفاتحة، فأرجو إلقاء الضوء على قوله ﷺ عن الفاتحة: "السبع المثاني"، وإذا لم تدخل البسملة ضمن آياتها لا تصبح سبعاً. فكيف التوفيق بين هذا الحديث وغيره؟ جزاك الله خيراً. ثانياً: الجواب: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله، وبعد: البسملة ليست آية من أول الفاتحة ولا غيرها، بل هي آية مستقلة يفتتح بها كل سورة من القرآن ما عدا براءة، قال شيخ الإسلام: البسملة آية من كتاب الله في أول كل سورة سوى براءة، وليست من السور على المنصوص عن أحمد، وهو أوسط الأقوال وأعدلها، وبه تجتمع الأدلة. وقد دلت لذلك أدلة كثيرة، منها: ١- ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: قال الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ماسأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي، ولو كانت آية لعدها وبدأ بها. ٢- عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً: سورة من القرآن ثلاثون آية تشفع لصاحبها حتى يغفر له، تبارك الذي بيده الملك" أخرجه أحمد والأربعة ولا يختلف العادون أنها ثلاثون آية بدون البسملة. أما حديث "السبع المثاني" فقد أخرجه البخاري وأحمد عن أبي سعيد بن المعلى وفيه" الحمد لله رب العالمين" هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" ورواه الترمذي والنسائي عن أبي بن كعب، وقال الترمذي: حسن غريب. فقد استدل به بعض أهل العلم على أن البسملة ليست من الفاتحة، لأنه لو كانت منها لبدأ بها. والفاتحة أجمعت الأمة على أنها سبع آيات، واختلفوا في السابعة، فمن نفى أن تكون البسملة آية منها، قال" صراط الذين أنعمت عليهم" سادسه، وغير المغضوب عليهم" إلى آخر السورة هي السابعة، ويترجح هذا لأن به يحصل حقيقة التنصيف في حديث أبي هريرة المتقدم، فيكون لله ثلاث آيات ونصف، وللعبد مثلها، وموضع التنصيف، إياك نعبد وإياك نستعين" فلو عدت البسملة آية ولم يعد" غير المغضوب عليهم" صار لله تعالى أربع آيات، وللعبد آيتان ونصف وهذا خلاف تصريح الحديث بالتنصيف، والله تعالى أعلم.

стр. 8238

استدراك وتعقيب على فتوى (علاقة الحب قبل الزواج) سامي بن عبد العزيز الماجد ١٤/٢/١٤٢٧ ١٤/٠٣/٢٠٠٦ نشرت فتوى بعنوان: ((الحب بهدف الزواج!)) للشيخ / سامي بن عبد العزيز الماجد، وقد ورد إلى الموقع استدراك من أحد الزوار على الفتوى المذكورة، وبعد عرض لاستدراك على الشيخ أجاب عنه بما يلي: الاستدراك: شيخي الفاضل: يستدل من جوابكم للسائلة في عدم جواز ممارسة الحب قبل الزواج أن علاقة الحب جائزة بين الرجل والمرأة، أرجو إيضاح جواز هذه العلاقة بالأصل أم لا؟. وجزاكم الله خيراً. الإجابة: كون الرجل يجد في نفسه ميلاً نحو امرأة ما، وحباً لها بحيث لا يتجاوز الأمر هذا الشعور الداخلي، ولم تترجمه الجوارح إلى أفعال وأقوال كلحظات العين ولفظات اللسان وسعي الرِّجْل، وبطش اليد، فلا مؤاخذة عليه في ذلك؛ لقوله ﷺ : "إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم تعمل أو تكلم". أما إذا استحال هذا الشعور (الحب) إلى علاقات آثمة ومراسلات غرامية ولقاءات مثيرة ومهاتفات مهيجة، فهوا حرام بلا شك، ولم أقل إن الحب جائز بين الرجل والمرأة الأجنبية بإطلاق، ولكن قلت: إن الله العليم الحكيم لا يغضب من ممارسة الحب بين الحبيبين، لكنه اشترط لذلك شرطاً، وهو أن تكون الممارسة في نطاق بيت الزوجية، بعد أن تأخذ المرأة من الرجل ميثاقاً غليظاً - عقد النكاح-، وأظن أن الفتوى واضحة لو أعدت فيها النظر مرة أخرى. وفقك الله لكل خير، والسلام عليك.

стр. 8239

استدراك وجواب على فتوى ضرب المتهم أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان ٥/٢/١٤٢٧ ٠٥/٠٣/٢٠٠٦ في زاوية الفتاوى، تم نشر فتوى بعنوان (ضرب المتهم عند التحقيق) للشيخ/ أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان، وقد وردت إلى الموقع إشكالات على الفتوى المذكورة، من الأخ/ مؤيد، وبعد عرضها على الشيخ أجاب عنها بما يلي: الإشكالات: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سؤالي هو عن الفتوى: (ضرب المتهم عند التحقيق) أرجو من فضيلة الشيخ توضيح بعض الإشكاليات التي أعاني منها في الرد: ١- كيف يكون القياس في السماح بالضرب بين الحادثة في موقعة بدر حيث أن الأسرى من الكفار، وبين ضرب المسلمين؟ ٢- ما هو الفاصل في تحديد كون الشخص فاسد ويجوز ضربه؟ ٣- ألم يتوصل العلم الآن (كما قال ﵊ قبل ١٤٠٠) أن الضرب يؤدي لاعتراف الشخص بما يريد المحقق حتى يتوقف؟ فتوافق علمه ﷺ مع علم ودراسات اليوم! ٤- ألم تعرض نفس المسألة لعمر بن عبد العزيز ورفض أن يسمح بالضرب؟ في حادثة اختلاس أموال بيت المال؟ ٥- أليس درء المفاسد أولى من جلب المصالح؟ فمع علمنا بأن أفراد الشرطة اليوم يضربون وينتقمون وينكلون، أليس من الأولى عدم الفتوى بالجواز وهذه الحال؟ أرجو العلم أني لست أسأل انتقاصاً من قدر الشيخ (حاشا لله) ولكن هذا ما انتهى إليه علمي وأرجو من فضيلة الشيخ الرد. جزاكم الله خيراً. الردود: أشكر الأخ مؤيد من نيوزيلنده على مداخلته واستشكاله على موضوع (ضرب المتهم) وأقول: ١- ليس كفر الكافر سبباً موجباً للاعتداء عليه وإنما موجب هذا ظلمه واعتداءه على الغير كحصول الظلم من المسلم لغيره لأن الله يقول "ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى" وقد حرم الله الظلم على نفسه وعلى عباده جميعاً "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا" فالقياس ظاهر جلي في وقعة بدر المشار إليها. ثم هذه سنة الرسول بقوله وإقراره فهي تشريع وعامة التشريعات النبوية هي قياس وتمثيل للأفعال في زمن الكفر أو على الكافرين يتعظ بها المسلمون. ٢- والفاصل في تحديد كون الشخص المتهم فاسداً يجوز ضربه -مبين في الجواب عليه وهو كون المتهم مشتهراً بين الناس بالفساد أو كانت له سوابق معروفة ومسجلة عليه والناس شهداء الله في أرضه كما جاء في الحديث. ٣- قد يؤدي الضرب إلى اعتراف المتهم وعند توقف الضرب يرجع عن اعترافه وقد يبقى على اعترافه أحياناً -بعد توقف الضرب عنه- فهذا يختلف باختلاف الأشخاص والجرائم والظروف والأحوال. ٤- توقف الخليفة عمر بن عبد العزيز عن ضرب من اختلس من بيت مال المسلمين إنما كان لوجود الشبهة وهي أن الاختلاس من بيت المال العام وللمختلس نصيب منه لأنه فرد من المسلمين فدفع الخليفة عنه حد التهمة -الضرب- لوجود الشبهة عملاً بالقاعدة الشرعية (ادرؤا الحدود بالشبهات) لأن التهمة لم تتحقق في نظر الخليفة عمر.

стр. 8240

٥- إعمال قاعدة (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) يختلف في نظر المجتهد واحتساب المحتسب من شخص إلى آخر حسب اجتهاده وفهمه للقاعدة وفق النازلة -القضية المنظورة- وإذا كان بعض رجال الشرطة اليوم يظلمون ويضربون هل يترك الحق ولا يبين للناس وهل ظلم الظالم يجعلنا نكتم الحق ومتى كان بيان العلم ونشره سبباً لزيادة الظلم!!؟ وشكراً مرة أخرى للأخ مؤيد على مداخلته واستشكاله. وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 8241

جوابكم غير مقنع عمر بن عبد الله المقبل ٢٩/١٢/١٤٢٦ ٢٩/٠١/٢٠٠٦ ورد نافذةَ الفتاوى سؤالٌ عن (مخالفة الصحابي للسنة هل تدل على نسخها؟!) فأحيل إلى الشيخ عمر بن عبد الله المقبل (عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم) ، ثم نشر جوابه في جديد الفتاوى، فوردنا تعقيب من أحد الزوار يستشكل فيه بعض المسائل، وبعد عرض التعقيب على الشيخ أرسل إلينا هذا التوضيح، فإليكم التعقيب والتوضيح. التعقيب: قرأت جوابكم عن مخالفة الصحابي لسنة النبي ﷺ وهو غير مقنع، بل شممت فيه روح التبرير. فأريد جواباً مقنعاً حول حرب السيدة عائشة ﵂ لسيدنا علي، ولحرب معاوية، ولحرب الخوارج لسيدنا علي ﵁. لأني لو نظرت لامرأة، أو ارتكبت أي ذنب سيعاقبني الله، أما الذين خاضوا في دماء المسلمين، وقتلوا الآلاف فنظل نمجدهم لقرون ونبرر لهم، فبصراحة -ياسادتنا العلماء- إن مسألة: اجتهد فأخطأ فله أجر واحد لها قوانينها إن صحت، وفي مسائل فقهية بسيطة لا في أمور سياسية تقود لدماء وأحقاد. ثم ما الداعي لأن نعصم أو نقول بعصمة كل الصحابة بدون أن نصرح بذلك؟ فأزواج النبي كن أقرب إليه من أصحابه، ومع ذلك فالقرآن هددهن -إن هن عصين- بأن يضاعف لهن العذاب، فلماذا لا يحاسب من خاض في دماء الآلاف؟ أرجو جواباً مقنعاً يرضي الله. وبارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. التوضيح: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فأشكر للسائل تواصله، وحرصه على الاستيضاح، آملاً أن يحاول أن يكتب الاستشكال والإيراد بنفس متأملة، ولغة هادئة؛ لأني لاحظت أن السائل كتب ما كتب بنوع من الانفعال -هكذا بدا لي- والذي يكتب بهذه الحال -إن صحّ ظني- قد لا يتصور الأمر كما ينبغي. ووصية أخرى، أن يكون رائدنا عند السؤال هو طلب الحق -كما قلتَ في آخر سؤالك- "أرجو جواباً مقنعاً يرضي الله"، فإن الإنسان إذا كان يبحث عن الحق فسيوفق له بإذن الله، أما إذا كان يسأل من أجل المماراة، أو ترسيخ قناعةٍ سابقة، ولو ظهر له -بالأدلة العلمية- أنها غير صحيحة، أو مجانبة للصواب، فقد يعاقب بحرمان التوفيق للحق، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً" أي فرقاناً تفرقون به بين الحق والباطل، رزقني الله وإياك هذا بمنه وكرمه. أعود إلى المهم، وهو الإجابة على الإشكال، وسألخصه في النقاط التالية -حسب إيراد الأخ السائل- سائلاً الله التوفيق للصواب: أولاً: كان جوابي -بورك فيك- يتعلق بالتقعيد للمسألة من ناحية حديثية وأصولية، بغض النظر عن الصحابي الذي اجتهد، هل هو أبو بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي، فضلاً عن بقية الصحابة ﵃ أجمعين- فلا أدري لماذا حشر السائل قضية القتال بين الصحابة في هذه المسألة؟ ولا أدري -أيضاً- لماذا حشر حربَ الإمام السيد الكبير عليّ بن أبي طالب ﵁ للخوارج، مع القتال الذي وقع بينه وبين معاوية وعائشة -رضي الله عن الجميع-؟

стр. 8242

فقتال الخوارج كان قتالاً شرعياً لا إشكال فيه عند أهل العلم قاطبة، ولا يترددون أن الحق فيه كان مع علي ﵁ وقتال الخوارج من أفضل القربات التي نال عليٌ ﵁ شرفها. أما قتال الفتنة -الذي وقع بين الصحابة ﵃ فكلام أهل العلم فيه طويل جداً، والذي تدل عليه الأدلة -وهو قول جمهور السلف- أن علياً كان أولى بالحق من معاوية ﵄ كما ثبت في الصحيحين -في شأن ذي الثدية الخارجي-: "تقتله أولى الطائفيتن بالحق"، وليس هذا مجال بسط الأدلة في ذلك. إلا أن الذي يجب أن يُعْلم هنا، أن ذلك لا يبيح وصف أحدٍ من الطرفين بالفسق، فضلاً عن التكفير -والعياذ بالله- فإنهم مجتهدون، وراغبون في الوصول إلى الحق ﵃ بغض النظر عن المصيب منهم في هذه القضية-، وقد ثبت في الصحيحين من حديث عمرو بن العاص ﵁ أنه قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا حكم فأخطأ فله أجرٌ واحد"، ولا يختلف أهل العلم أن كبار الصحابة الذين شاركوا في القتال هم من المجتهدين، وليس كل مجتهدٍ مصيب. ثانياً: من حيث العموم -وبعيداً عن قضية الاقتتال بين الصحابة- فقد أثبت الله تعالى الإيمان بين المقتتلين، فقال تعالى: "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ... الآية) ، [الحجرات:٩] ، فتأمل قوله: "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا" فسماهم مؤمنين مع سل السيوف، وإزهاق النفوس! وهذا الحكم يشمل المؤمنين إلى قيام الساعة، وإذا كان هذا الحكم ثابتاً، ولو كان القتال على سبيل البغي والعدوان، فما ظنك إذا كان القتال بتأويل واجتهاد؟! كما أن الله أثبت عقد الأخوة بين القاتل والمقتول في آية سورة البقرة، فقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ... الآية"، [البقرة:١٧] . فتأمل -بارك الله فيك- كيف سمّى الله القاتل أخاً؟ كلُّ ذلك حفاظاً على أصل الأخوة الإيمانية حتى وإن وجد ما ينغصها، ويكدرها، وهو القتل. ثالثاً: قولك -وفقنا الله وإياك للصواب-: "فبصراحة -يا سادتنا العلماء- إن مسألة "اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحدٌ" لها قوانينها -إن صحت- ... "،فأقول: قد ذكرتُ لك قبل قليل -بورك فيك- أن هذا الحديث متفق على صحته، فلا مجال للتشكيك فيه، بل هذا الحديث من أعظم الأدلة على رحمة الله بهذه الأمة، وبأهل العلم خصوصاً، وهو من أعظم ما يعين على بذل العلم، والاجتهاد في البحث، إذْ الباحثُ لن يعدم أجراً -إذا بذل وسعه- والحمد لله على هذا. رابعاً: قولك: " ... لها قوانينها -إن صحت- وفي مسائل فقهية بسيطة، لا في أطماع سياسية تقود لدماء وأحقاد، وو ... ". أما قولك: "لها قوانينها"، فهذا صحيح من جهة أنه ليس كل أحدٍ له حق في الاجتهاد، بل هذا منوط بمن يحق لهم الاجتهاد، إما الاجتهاد المطلق، أو الاجتهاد الجزئي -كما هو معروف عند الأصوليين-.

стр. 8243

واسمح لي أن أسألك سؤالاً -بعد هذا-: ما دليلك على تخصيص عموم حديث النبي ﷺ بمسائل فقهية بسيطة؟! وما حجتك في تخصيصها بمسائل الفقه؟ ثم ما ضابط البساطة فيها؟! وهل المسائل الفقهية المتعلقة بالصلاة -مثلاً- أو بالزكاة، أو المتعلقة بالأنكحة والحدود، أو بغيرها من المسائل الكبرى= لا يعذر فيها المخالف؟! وهل قال بهذا التخصيص -الذي أشرت إليه- أحدٌ من أهل العلم؟! دعني أضرب لك مثلاً بهذه المسألة من المسائل الفقهية التي وقع فيها خلاف قديم بين الصحابة، ومن أشهر المخالفين لجمهور الصحابة -ومن بعدهم- فيها: أمير المؤمنين علي، وابن عباس ﵄ وهي عدة الحامل التي مات عنها زوجها: فجمهور العلماء من الصحابة ومن بعدهم، أن عدتها بوضع حملها، بينما ذهب أمير المؤمنين علي ﵁ وابن عباس ﵄ في أصح الروايتين عنه- إلى أنها تعتد بأطول الأجلين: إما الولادة، أو انتهاء العدة، فيا أخي: هل نؤثم علياً، أو ابن عباس لأنهما خالفا قوله تعالى -في سورة الطلاق-: "وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ"؟! معاذ الله! فلهم عذرهم وتأويلهم، وليس هذا مقام بحث المسألة فقهياً، إنما أردت أن أبين لك خطورة هذا التشطير للحديث، والتخصيص له من دون دليل علمي. وأما قولك -غفر الله لك-: " ... لا في أطماع سياسة ... الخ" فكم تمنيت أن يعف لسانك عن هذا الكلام، فإن هذه تهمه خطيرة، وهي تدخلك في متاهات لا نهاية لها، ومحاذير كبيرة، وورطات عظيمة، إذ يلزم منها تفسيقُ وتضليل من قاتل علياً في وقعة الجمل! وهذا يجرك إلى الوقوع في المحذور الذي نهى عنه النبي ﷺ في قوله: "لا تسبوا أصحابي"، وسيترتب على هذا هدم جزءٍ من السنة ليس باليسير روته عائشة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، فضلاً عن بقية من كان معهم من الصحابة -رضي الله عن الجميع- إلى غير ذلك من المفاسد الكثيرة. فضلاً عن مخالفة هذا كله، لما أخبر الله تعالى به عن أهل الإيمان الذين يأتون من بعد الصحابة -من المهاجرين والأنصار-، بقوله عنهم: "وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ" [الحشر:١٠] . فقوله: "وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ" يشمل جميع المؤمنين إلى يوم القيامة -جعلني الله وإياك منهم-. فمن طعن في أحد من الصحابة بمثل هذه المسائل التي اجتهدوا فيها، فقد أعان على إخراج نفسه من هؤلاء الذين أثني عليهم في هذه الآية، ولهذا اتفق أهل السنة على أن أسلم طريق في التعامل مع هذه الفتنة الكبيرة، هو كف الألسن في الخوض في تفاصيلها -خصوصاً أمام عامة الناس- لأن الدخول في التفاصيل يوقع في إشكالات كثيرة -ذكرت بعضها قبل قليل-.

стр. 8244

ثم لنفترض -أخي السائل- أن معاوية وعائشة -ومن شاركهم من الصحابة في القتال -رضي الله عن الجميع- كانوا مخطئين خطأً لا صواب فيه، بل اتبعوا أهواءهم، ورغبوا في مطامع سياسية -كما قلتَ أنت- أو أغراض شخصية، أفيصح أن تهدر بقية فضائلهم وحسناتهم بمثل هذا؟ أين فضائلهم، وعظيم حسناتهم، وسابقتهم في الإسلام؟! أليس لهم النصيب الأوفى من قوله تعالى: "أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ"؟! وكيف تخرجهم من قوله تعالى: "وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" (التوبة:١٠٠) فمعاوية ومن كان مثله من مسلمة الفتح، داخلون بلا ريب في قوله تعالى: "وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ"، وقد بيّن الله تعالى أنه رضي عنهم ورضوا عنه "وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"، وهم -أيضاً- موعودون بالحسنى، كما في قوله تعالى: "لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" فأخبر الله أن بين الفريقين تفاوتاً، وأثبت أن الجميع موعودون بالحسنى، ومعاوية ومن كان على شاكلته -كعمرو بن العاص، وخالد بن الوليد- داخلون في هذه الآية، إذ هم ممن أنفق من بعد الفتح، وقاتل، ولو لم يكن لهم منقبة إلا خروجهم مع النبي ﷺ إلى تبوك لكفاهم، فهل بعد هذا تعشى العين، أو يعمى القلب عن إدراك الحقيقة؟!. ولهذا كان من أعظم مناقب الحسن ﵁ وعن أبيه، أنه تنازل بالخلافة لمعاوية ﵁ وتحققت فيه نبوءة جدِّه ﷺ -كل ذلك حقناًً لدماء المسلمين، والسؤال: أفكان الحسن -وهو أفضل أهل البيت في وقته- يتنازل بالخلافة لرجلٍ فاسق، فضلاً عن كافر -كما يقوله بعض الرافضة عن معاوية-؟! وعلى مذهب من يفسق معاوية، أو يكفره -عياذاً بالله- يجب أن تنقلب هذه المنقبة -التي مدحه بها النبي ﷺ إلى نقيصة ومذمة، وهذا هو الضلال المبين، نعوذ بالله من ذلك. قال ابن تيمية ﵀ "وإن قُدِّرَ أن لهم ذنوباً فالذنوب لا توجب دخول النار مطلقاً، إلا إذا انتفت الأسباب المانعة من ذلك، وهي عشرة، منها: التوبة، ومنها: الاستغفار، ومنها: الحسنات الماحية، ومنها: المصائب المكفرة، ومنها: شفاعة النبي ﷺ ومنها: شفاعة غيره، ومنها-: دعاء المؤمنين، ومنها ما يهدى للميت من الثواب والصدقة والعتق، ومنها: فتنة القبر، ومنها: أهوال القيامة.

стр. 8245

وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، وحينئذ فمن جزم في واحدٍ من هؤلاء بأن له ذنباً يدخل به النار قطعاً، فهو كاذبٌ مفترٍ، فإنه لو قال ما لا علم له به لكان مبطلاً، فكيف إذا قال ما دلت الدلائل الكثيرة على نقيضه؟!. فمن تكلم فيما شجر بينهم، وقد نهى الله عنه من ذمهم، أو التعصب لبعضهم بالباطل، فهو ظالم معتد، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق"، وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال -عن الحسن-: "إن ابني هذا سيدٌ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"، وفى الصحيحين -عن عمار أنه قال- "تقتله الفئة الباغية"، وقد قال تعالى: "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) ، فثبت بالكتاب والسنة، وإجماع السلف على أنهم مؤمنون مسلمون، وأن علي بن أبي طالب -والذين معه- كانوا أولى بالحق من الطائفة المقاتلة له، والله أعلم" [ينظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٤٣٢] . خامساً: قولك: "ثم ما الداعي لأن نعصم، أو نقول بعصمة كل الصحابة بدون أن نصرح بذلك؟ " والجواب عن ذلك بأن أقول: من قال بأن الصحابة معصومون؟ لا أحد يقول بذلك ممن يعتد به من أهل العلم، بل هم -بالإجماع- يصيبون ويخطئون! ولم نسمع عن العصمة لغير الأنبياء -في أمة محمدٍ ﷺ إلا عند الشيعة الإمامية الذي يدعون العصمة لأئمة أهل البيت، وقدوتهم في ذلك ابن سبأ الذي ادعى العصمة لعلي ﵁. وأفهم من قولك: "بعصمة كل الصحابة" أنك ترى أن بعضهم قد يكون معصوماً! وهذا ما لم يقل به أحدٌ أبداً من السلف -كما قلت لك- بل لن يستطيع أحدٌ أبداً أن يأتي بحرف واحدٍ عن أحد من الصحابة ﵃ يقول فيه بعصمة أحدٍ منهم، وإذا كان هذا في حقهم ممتنعاً شرعاً، أفتظن أن العصمة ستكون لمن جاء بعدهم؟! سادساً: الآية التي استدللت بها لا تصلح للاستدلال على عدم ثبوت العصمة؛ لأن هذا في مقام بيان عقوبة مَن خالف الأمر والنهي، ولا يلزم منه الوقوع أصلاً، وهذا يستوي فيه جميع المكلفين، حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ألم تقرأ قول الله : "وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ" [الزمر:٦٥] ؟! وقوله تعالى: "وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً" [الإسراء:٧٥-٧٤] ؟! ولا يمكن لأحد أن يقول بأن النبي ﷺ يمكن أن يشرك شرعاً، أو يركن إلى الذين كفروا -حاشاه من ذلك-.

стр. 8246

والذي يصلح أن يستدل به على عدم العصمة لغير النبي ﷺ هو اتفاق أهل العلم على أن كل أحدٍ يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ وهناك أدلةٌ أخرى ليس هذا مجال الحديث عن العصمة، فالبحث فيها طويل متشعب. سابعاً: قلت في ختام إيرادك -وفقني الله وإياك للحق-: "لماذا لا يحاسب من خاض في دماء الآلاف"؟!. وأنا أسألك -وفقك الله-: من هو الذي تريده أن يحاسب الصحابة في الذين شاركوا في تلك الفتنة؟!. ولعل قصدك -في كلامك هذا-: لماذا لا ينتقد من شارك في القتال؟ ولماذا لا يبين خطأه؟! وما هذا الكلام -الذي تقدم- إلا جواب عن هذا السؤال، وأجزم أنها إنما هي إشارات فقط، أرجو أن تكون كافية في إيضاح الحق، وإلا فإن المسألة كتب فيها كتب، وسطرت فيها مجلدات، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وأختم جوابي بأمرين: الأول: كما أن الإنسان يشكر على بحثه عن الحق، فإنه يشكر أكثر ويغبط أكثر وأكثر، ويسلم دينه أكثر وأكثر حينما يعيش ويموت وقلبه سليم على إخوانه المسلمين، فضلاً عن أصحاب محمد ﷺ حملةِ الشريعة، ومبلغي السنة لبقية الأمة ﵃ وأرضاهم- وجزاهم عن الإسلام وأهله خير الجزاء-. والله العظيم لن يسلم دين المرء، ولن يرتاح باله إلا بهذا المسلك، وتجارب إخواننا الذين تابوا من هذا المسلك الوخيم -أعني: سب الصحابة كالشيخين، أو معاوية أو عائشة- أكبر شاهد على ذلك، فاسألهم تجد عندهم الخبر اليقين. واعلم -بارك الله فيك- أن القدح في خير القرون الذين صحبوا الرسول ﷺ يجرُّ إلى القدح في الرسول ﵊، كما قال الإمام مالك -وغيره من أئمة العلم-: هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله، وإنما طعنوا في أصحابه؛ ليقول القائل: رجلُ سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلاً صالحاً؛ لكان أصحابه صالحين. وبهذا المسلك -أعني مسلك التسليم وترك الخوض فيما جرى- تسلم من بدعتين قبيحتين: الأول: بدعةِ الرافضة الذين أعملوا ألسنتهم في شتم الشيخين، وعثمان، ومعاوية وجمع غفير من الصحابة ﵃ أجمعين. الثاني: بدعةِ النواصب الذين يشتمون علياً وأشياعه -عياذاً بالله من ذلك-. وأنا -يا رب- أبرأُ إليك من هؤلاء، وأسألك بما سألك به عبادك الصالحون -الذين جاءوا من بعد أصحاب نبيك ﷺ : "رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ". وأرجو أن تتأمل معي هذين الموقفين اللذين وقفهما اثنان من كبار أئمة هذه الأمة: أما الموقف الأول: فهو موقف الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز عندما قيل له: ما تقول في أهل صفين؟ فقال: تلك دماء طهر الله يدي منها، فلا أحب أن أخضب لساني بها. وأما الموقف الثاني: فهو موقف الإمام أحمد، حينما قال: إن علياً كان الأحق بالأمر، وكانت طاعته واجبة، فأورد عليه بعضهم فقال: إذا قلت كان إماماً واجبَ الطاعة، ففي ذلك طعن على طلحة والزبير، حيث لم يطيعاه، بل قاتلاه! فقال لهم الإمام أحمد: إني لست من حربهم في شيء!

стр. 8247

علق الإمام ابن تيمية على هذا الكلام، مفسراً كلمة الإمام أحمد، فقال: (يعنى أن ما تنازع فيه عليٌّ وإخوانه لا أدخل بينهم فيه؛ لما بينهم من الاجتهاد والتأويل الذي هم أعلم به مني، وليس ذلك من مسائل العلم التي تعنيني حتى أعرف حقيقةَ حالِ كل واحد منهم، وأنا مأمور بالاستغفار لهم، وأن يكون قلبي لهم سليماً، ومأمور بمحبتهم وموالاتهم، فلهم من السوابق والفضائل ما لا يهدر) [ينظر مجموع الفتاوى ٤/٤٤٠] . فهذان موقفان يريحان قلب المسلم، ويسلم له دينه، ويمثلان منهجاً وسطاً في التعامل مع هذه المسائل الكبار، والتي الخلل فيها -سببٌ من أسباب الضلال والانحراف في الاعتقاد- كما هو ظاهر في التاريخ، بل والواقع-. الثاني: مما أختم به جوابي -أن هذه الفتنة- التي أخبر النبي ﷺ وقعت ومضت بما فيها "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون" فليس من العقل ولا من الشرع أن نختصر ديننا وعقيدتنا، وفهمنا للشريعة في هذه الفتنة العمياء! بل علينا أن نقرأها في سياقها التاريخي الذي يعين على فهم ملابساتها وأسبابها، وأن ننزلها منزلتها اللائقة بها، والتماس العذر فيها لمن أخطأ، فإن الفتنة إذا وقعت عمي أكثر الناس عن فهمها، وإذا أدبرت أدركها كل أحد، وأن نتجاوزها لنقف كثيراً عند السيرة المعصومة -التي أمرنا بالاقتداء بها، والتأسي بها -سيرة محمد ﷺ (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً) ، فهي السيرة الخطية التي ستجد فيها الترجمة الحقيقية لهذا الدين: تحقيقاً للتوحيد، وعناية ببقية الأركان، ونصاعة في الأخلاق، وعظمة في حسن المعاملة، وأن نحاول التأسي بها، وأن نطبقها عملياً في حياتنا قدر الإمكان، فذلك -والله- خير وأبقى. أسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شرور أنفسنا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب "ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم". وصلى الله وسلم على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 8248

مراجعات الزوار حول فتوى اليوم الوطني د. عبد الله بن المحفوظ بن بيه ٢٢/٨/١٤٢٦ ٢٦/٠٩/٢٠٠٥ سبق أن نشر موقع الإسلام اليوم فتوى لمعالي الشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه حول الاحتفال باليوم الوطني بتاريخ ١٦/١٢/١٤٢٤هـ وتلقى الموقع رسائل تناقش رأى معالى الشيخ في هذه القضية، ولذا نعيد نشر فتوى معالي الشيخ - حفظه الله - وأهم ما ورد من الرسائل حولها: السؤال: أصحاب الفضيلة المشايخ: سؤالي يا أصحاب الفضيلة عن اليوم الوطني، هل يجوز حضور الحفل؟ وإذا ألزمنا به كأعضاء سفارة ماذا علينا فعله؟ وهل يجوز لنا الحضور بنية إلقاء كلمة ذكر أو محاضرة نذكر فيها بطاعة الله ورسوله ﵇؟ أرجو إعطائي نصيحة ألقيها في هذا اليوم، أرجو الرد بأسرع وقت لأن اليوم الوطني قرب وأنا محتارة ولا أعرف ماذا أقول لزوجة السفير إذا دعتني؟. الجواب:

стр. 8249

اليوم الوطني ليس عيداً، والأعياد التي لا يجوز إحداثها هي الأعياد الدينية وليست التجمعات التي يتجمع الناس بها لسبب أو لآخر، قد يحتفلون بالزواج وقد يحتفلون بالولادة، وقد يحتفلون بأي شيء فهذا ليس من الأعياد الدينية، لهذا يجب أن نزيل هذا الوهم، وهذه الشبهة التي يتعلق بها كثير من الناس، فيدخلون على الناس حرجاً وشغباً في دينهم، بحيث يصبح المتدين أو الملتزم في حرج يشعر وكأنه يأتي كبيرة ويأتي منكراً، هذا ليس بمنكر، فالأصل في الأشياء الإباحة، فلا حرج عليك أن تحضري فقد أجاز الحنابلة - رحمهم الله تعالى- العتيرة وهي ذبيحة كان أهل الجاهلية يعملونها في رجب كرهها المالكية باعتبار أنها كانت فعل الجاهلية ولكن الحنابلة أجازوها؛ لأنه لا يوجد نص يمنع من ذلك. أهل الجاهلية كانوا في رجب يذبحون ذبيحة اسمها الرجبية، واسمها العتيرة، فبعض العلماء يرى أن هذا باق على أصل الجواز، فإذا اجتمع الناس وذبحوا ذبيحة في رجب أو في شعبان أو في أي زمن فهذا لا مانع منه أن يحتفل الناس أو يفرحوا بحدث زوال الاستعمار في بلد مثلاً، هذا ما يسمى باليوم الوطني غالباً عندنا في أفريقيا، أو في البلاد التي كانت مستعمرة، فالأمر إن شاء الله لا حرج فيه، أما إذا كان ينبغي لك أن تلقي محاضرة فهذا شيء حسن إذا كانت المناسبة تسمح بإلقاء محاضرة أو خطبة تذكير ونحو ذلك فهذا لا بأس به، أما أن نتشبث: بأن أبدلنا الله عيدين، هذه أعياد كانت للأنصار وكانت أعياد جاهلية وأصنام، فالنبي ﷺ ذكر أن أعياد الإسلام الدينية عيدان عيد الفطر وعيد الأضحى، وهذا لا يفهم منه أنه يمنع أن يتجمع الناس في تجمع حتى ولو كان كرهه المرء ورأى أنه إذا لم يكن هناك منكر فلا داعي إلى التشويش على الناس، وإثارة بعض الفتن والخصومات في أمور ليست ممنوعة، نصاً من كتاب أوسنة، ولا إجماعاً للعلماء ولا اتفاقاً داخل المذاهب، لأن التيسير في مثل هذه الأمور التي لا حرج فيها قطعاً، والأقوال التي تقول تحرج لا تستند إلى قاطع وهي أقوال ضعيفة، فلا مانع من أن نفسح للناس المجال وأن نيسر لهم، فاليسر أصل من أصول هذا الدين "، وما جعل عليكم في الدين من حرج" [الحج: ٧٨] ، "يريد الله أن يخفف عنكم" [النساء: ٢٨] ، "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا" [الشرح: ٥-٦] ، "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا" رواه البخاري (٦٩) ، ومسلم (١٧٣٤] من حديث أنس ﵁، فالأصل في هذا الدين اليسر نكررها مرة أخرى، والاجتهادات الأخرى للعلماء اجتهادات محترمة، لكنها ليست نصوصاً من الشارع. والسلام عليكم. هذه الملاحظة من: بندر الحازمي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فقد استوقفني استشهاد الشيخ عبد الله بن بيه -حفظه الله- لجواز الاحتفال باليوم الوطني؛ إجازة الحنابلة للعتيرة، وأردت أن أجمع لنفسي الإجمال في المسألة من دون ذكر تأصيل لها: • اختلف العلماء في تفسير العتيرة واتفقوا في أنها ذبيحة تذبح في رجب. • (العتيرة) ، وقد كان أهل الجاهلية يذبحونها فأبطل الإسلام ذلك، حيث قال النبي ﷺ : "لا عتيرة في الإسلام". أخرجه أحمد: (٢/٢٢٩) .

стр. 8250

قال أبو عبيدة: العتيرة: هي: الرجبية، ذبيحة كانوا يذبحونها في الجاهلية في رجب يتقربون بها لأصنامهم. [فتح الباري لابن حجر (٩/٥١٢) ] . • اتفقوا أنها كانت من أمر الجاهلية، واختلفوا في حكمها في الاسلام بين الاستحباب والجواز والكراهة والتحريم. • قال بن القيم ﵀: قال ابن المنذر - بعد أن ذكر الأحاديث في عتيرة رجب -: (وقد كانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية، وفعله بعض أهل الإسلام , فأمر النبي ﷺ بهما , ثم نهى عنهما فقال: "لا فرع ولا عتيرة"، فانتهى الناس عنهما؛ لنهيه إياهم عنها , ومعلوم أن النهي لا يكون إلا عن شيئ قد كان يفعل , ولا نعلم أن أحدا ً من أهل العلم يقول: إن النبي ﷺ كان نهاهم عنهما ثم أذن فيهما , والدليل على أن الفعل كان قبل النهي، قوله ﷺ في حديث نبيشة الهذلي ﵁ قال: نادى رجل رسول الله ﷺ : إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب , فما تأمرنا؟ قال: "اذبحوا لله في أي شهر كان، وبروا الله وأطعموا". رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم وقال حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وفي إجماع عوام علماء الأمصار على عدم استعمالهم ذلك , وقوف عن الأمر بهما مع ثبوت النهي عن ذلك بيان لما قلنا. ا. هـ[الاعتبار (ص ١٥٩ -١٦٠) ] . • قال ابن رجب: ويشبه الذبح في رجب اتخاذه موسمًا وعيدًا كأكل الحلوى ونحوها. [لطائف المعارف: (٢٧) ] . • ومال ابن المنذر إلى هذا، وقال: كانت العرب تفعلهما وفعلهما بعض أهل الإسلام بالإذن، ثم نهى عنهما، والنهي لا يكون إلا عن شيء كان يفعل، وما قال أحد إنه نهى عنهما ثم أذن في فعلهما ثم نقل عن العلماء تركهما إلا ابن سيرين، وكذا ذكر عياض أن الجمهور على النسخ، وبه جزم الحازمي. [فتح الباري - كتاب العقيقة] . • فقد كان استحباب بعض العلماء استنادا لحديث مخنف بن سليم ﵁ قال: كنا وقوفا مع النبي ﷺ بعرفات فسمعته يقول: "يا أيها الناس على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي تسمونها الرجبية". وضعفه ابن حزم في المحلى (٧/٣٥٦) وعبد الحق - كما في تهذيب السنن (٤/٩٢) والخطابي في المعالم (٤/٩٢) ، وقال ابن كثير: وقد تُكلم في إسناده " ا. هـ • حديث آخر: حديث محنف بن سليم ﵁: "على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة"، وسيأتي، قال ابن الجوزي: وهذا متروك الظاهر، إذ لا يسن العتيرة أصلًا، ولو قلنا بوجوب الأضحية كانت على الشخص الواحد، لا على جميع أهل البيت، انتهى.

стр. 8251

قوله: والعتيرة منسوخة، وهي شاة تقام في رجب على ما قيل. قلت: روى الأئمة الستة في " كتبهم " [عند البخاري في العقيقة، في باب الفرع، وفي باب العتيرة (ص ٨٢٢ - ج ٢) ، وعند مسلم في الأضاحي فيه (ص ١٥٩ - ج ٢) ، وعند أبي داود فيه (ص ٣٥ - ج ٢) ، وعند النسائي فيه (ص ١٨٨ - ج ٢) وعند الترمذي فيه (١٩٥ - ج ١) ] من حديث الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا فرع ولا عتيرة "، انتهى. زاد أحمد في مسنده: "في الإسلام "، وفي لفظ للنسائي أن النبي ﷺ نهى عن الفرع والعتيرة، وفي " الصحيحين " قال: "والفرع أول النتاج، كان ينتج لهم، فيذبحوه لطواغيتهم، والعتيرة في رجب"، انتهى. [نصب الراية (ج٤) ] . • قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: (المراد بـ "لا فرع ولا عتيرة" نفي كونهما سنة أي خلافاً لما يراه بعض أهل الجاهلية من أن ذلك سنة , لكن النفي يفيد البطلان كـ "لا عدوى ولا طيرة" أفلا يكون "لا فرع ولا عتيرة" إبطال لذلك؟! . فالأصل سقوط ذلك , ولا حاجة إلى تأويل , بل هو ساقط بالإسقاط النبوي , سقط سنة وفعلاً. هذا مع دلالة "من تشبه بقوم فهو منهم" مع دلالة أن الرسول ﷺ منع من مشابهة الجاهلية. [الفتاوى (ج٦) ] . "نسال الله أن يهدينا إلى الحق، وأن يجمع الأمة على كتابه وسنة نبيه وصلى الله عليه وسلم. هذه الملاحظة من: أبي ماجد: اطلعت على فتوى سماحة الشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه , والشيخ عالم له اجتهاده ورأيه المعتبر. ولكن في هذه المسألة أقوال أخرى يحسن عرضها , ولذا أرغب إليكم نشرها ليحصل اكتمال عرض المسألة في موقعكم. (فتوى رقم ٩٤٠٣- ٣/٥٩) . اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد: أولاً: العيد اسم لما يعود من الاجتماع على وجه معتاد، إما بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع أو نحو ذلك، فالعيد يجمع أموراً منها: يوم عائد كيوم عيد الفطر ويوم الجمعة، ومنها: الاجتماع في ذلك اليوم، ومنها: الأعمال التي يقام بها في ذلك اليوم من عبادات وعادات. ثانياً: ما كان من ذلك مقصوداً به التنسك والتقرب أو التعظيم كسبا للأجر، أو كان فيه تشبه بأهل الجاهلية أو نحوهم من طوائف الكفار فهو بدعة محدثة ممنوعة داخلة في عموم قول النبي ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" رواه البخاري ومسلم، مثال ذلك الاحتفال بعيد المولد، وعيد الأم، والعيد الوطني، لما في الأول من إحداث عبادة لم يأذن بها الله، ولما في الثاني والثالث من التشبه بالكفار، وما كان المقصود منه تنظيم الأعمال مثلاً لمصلحة الأمة وضبط أمورها، كأسبوع المرور، وتنظيم مواعيد الدراسة، والاجتماع بالموظفين للعمل، ونحو ذلك مما لا يفضي إلى التقرب به والعبادة والتعظيم بالأصالة، فهو من البدع العادية التي لا يشملها قوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" فلا حرج فيه، بل يكون مشروعاً، وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. والله أعلم. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز:

стр. 8252

اطلعتُ على ما نشرته صحيفة (الندوة) في عددها الصادر بتاريخ (٣٠ / ١١ / ١٣٨٤) هـ تحت عنوان (تكريم الأم.. وتكريم الأسرة) فألفيت الكاتب قد حبذ من بعض الوجوه ما ابتدعه الغرب من تخصيص يوم في السنة يحتفل فيه بالأم وأَوْرَدَ عليه شيئا غفل عنه المفكرون في إحداث هذا اليوم وهي ما ينال الأطفال الذين ابتلوا بفقد الأم من الكآبة والحزن حينما يرون زملائهم يحتفلون بتكريم أمهاتهم واقترح أن يكون الاحتفال للأسرة كلها واعتذر عن عدم مجيء الإسلام بهذا العيد؛ لأن الشريعة الإسلامية قد أوجبت تكريم الأم. ولقد أحسن الكاتب فيما اعتذر به عن الإسلام وفيما أورده من سيئة هذا العيد التي قد غفل عنها من أحدثه، ولكنه لم يشر إلى ما في البدع من مخالفة صريح النصوص الواردة عن رسول الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام، ولا إلى ما في ذلك من الأضرار ومشابهة المشركين والكفار فأردت بهذه الكلمة الوجيزة أن أنبه الكاتب وغيره على ما في هذه البدعة وغيرها مما أحدثه أعداء الإسلام والجاهلون به من البدع في الدين، حتى شوهوا سمعته ونفروا الناس منه وحصل بسبب ذلك من اللبس والفرقة ما لا يعلم مدى ضرره وفساده إلا الله سبحانه. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ التحذير من المحدثات في الدين وعن مشابهة أعداء الله من اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين مثل قوله ﷺ : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " متفق عليه، وفي لفظ لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ". والمعنى: فهو مردود على ما أحدثه، وكان ﷺ يقول في خطبته يوم الجمعة: " أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة " خرجه مسلم في صحيحه. ولا ريب أن تخصيص يوم من السنة للاحتفال بتكريم الأم أو الأسرة من محدثات الأمور التي لم يفعلها رسول الله ﷺ ولا صحابته المرضيون، فوجب تركه وتحذير الناس منه، والاكتفاء بما شرعه الله ورسوله.

стр. 8253

وقد سبق أن الكاتب أشار إلى أن الشريعة الإسلامية قد جاءت بتكريم الأم والتحريض على برها كل وقت، وقد صدق في ذلك فالواجب على المسلمين أن يكتفوا بما شرعه الله لهم من بر الوالدة وتعظيمها والإحسان إليها والسمع لها في المعروف كل وقت، وأن يحذروا من محدثات الأمور التي حذرهم الله منها والتي تفضي بهم إلى مشابهة أعداء الله والسير في ركابهم واستحسان ما استحسنوه من البدع, وليس ذلك خاصا بالأم بل قد شرع الله للمسلمين بر الوالدين جميعا وتكريمهما والإحسان إليهما وصلة جميع القرابة وحذرهم سبحانه من العقوق والقطيعة وخص الأم بمزيد العناية والبر؛ لأن عنايتها بالولد أكبر ما ينالها من المشقة في حمله وإرضاعه وتربيته أكثر قال الله سبحانه: "وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً" [الإسراء:٢٣] ، وقال تعالى: "وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ" [لقمان:١٤] ، وقال تعالى: "فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ" [محمد:٢٢، ٢٣] . وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر"؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين"، وكان متكئا فجلس فقال: "ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور". وسأله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله، أي الناس أحق بحسن صحابتي؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك"، قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أبوك ثم الأقرب فالأقرب". وقال ﵊: "لا يدخل الجنة قاطع"، يعني: قاطع رحم، وصح عنه ﷺ أنه قال: "من أحب أن يبسط له في رزقه ويُنسأ له في أجَله فليصل رحمه"، والآيات والأحاديث في بر الوالدين وصلة الرحم وبيان تأكيد حق الأم كثيرة مشهورة، وفيما ذكرنا منها كفاية ودلالة على ما سواه، وهي تدل مَنْ تأملها دلالة ظاهرة على وجوب إكرام الوالدين جميعا واحترامهما والإحسان إليهما وإلى سائر الأقارب في جميع الأوقات، وترشد إلى أن عقوق الوالدين وقطيعة الرحم من أقبح الصفات والكبائر التي توجب النار وغضب الجبار، نسأل الله العافية من ذلك. وهذا أبلغ وأعظم مما أحدثه الغرب من تخصيص الأم بالتكريم في يوم من السنة فقط ثم إهمالها في بقية العام مع الإعراض عن حق الأب وسائر الأقارب، ولا يخفى على اللبيب ما يترتب على هذا الإجراء من الفساد الكبير، مع كونه مخالفا لشرع أحكم الحاكمين، وموجباً للوقوع فيما حذر منه رسوله الأمين.

стр. 8254

ويلتحق بهذا التخصيص والابتداع ما يفعله كثير من الناس من الاحتفال بالموالد وذكرى استقلال البلاد أو الاعتلاء على عرش الملك وأشباه ذلك فإن هذه كلها من المحدثات التي قلد فيها كثير من المسلمين غيرهم من أعداء الله وغفلوا عما جاء به الشرع المطهر من التحذير من ذلك والنهي عنه وهذا مصداق الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ حيث قال: " لتتبعن سَنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن! "، وفي لفظ آخر: " لتأخذن أمتي مأخذ الأمم قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع"، قالوا: يا رسول الله فارس والروم؟ قال: "فمن! "، والمعنى: فمن المراد إلا أولئك، فقد وقع ما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ من متابعة هذه الأمة إلا من شاء الله منها لمن كان قبلهم من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من الكفرة في كثير من أخلاقهم وأعمالهم حتى استحكمت غربة الإسلام وصار هدي الكفار وما هم عليه من الأخلاق والأعمال أحسن عند الكثير من الناس مما جاء به الإسلام وحتى صار المعروف منكرا والمنكر معروفا والسنة بدعة والبدعة سنة عند أكثر الخلق بسبب الجهل والإعراض عما جاء به الإسلام من الأخلاق الكريمة والأعمال الصالحة المستقيمة فإنا لله وإنا إليه راجعون ونسأل الله أن يوفق المسلمين للفقه في الدين وأن يصلح أحوالهم ويهدي قادتهم وأن يوفق علماءنا وكتابنا لنشر محاسن ديننا والتحذير من البدع والمحدثات التي تشوه سمعته وتنفر منه إنه على كل شيء قدير وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه ومن سلك سبيله واتبع سنته إلى يوم الدين. " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٥ / ١٨٩) .

стр. 8255

بزناس والتسويق الهرمي عوداً على بدء ١٧/١١/١٤٢٥ ٢٩/١٢/٢٠٠٤ سبق نشر فتوى للدكتور / سامي بن إبراهيم السويلم حول نشاط شركة بزناس والتسويق الهرمي وقد وردت إلينا رسالة تعقيبية من الأخ/ إبراهيم الكلثم تناقش هذا الرأي وقد عرضناها على الشيخ الدكتور / سامي السويلم وفضيلة المشرف العام على الموقع الشيخ/ سلمان بن فهد العودة للتعقيب عليها. وها نحن ننشر رسالة الأخ إبراهيم الكلثم والتعقيبات حولها شاكرين للجميع تعاونهم، مع يقيننا أن الحوار العلمي حول القضية هو السبيل الأمثل لاتضاح الرأي والوصول إلى الرؤية الواضحة المكتملة. رسالة إبراهيم الكلثم: فضيلة الشيخ ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد: فأود منك أن تبدي رأيك في هذه المسألة وتوجيهي إذا كنت مخطئا الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد: فإن سبب الخلاف في شركة بيزناس هو عدم التصور الكامل لها والحكم على الشيء فرع عن تصوره, وقد اختلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: التوقف. القول الثاني: التحريم. القول الثالث: الجواز إذا كان إحضار الزبائن غير مشروط الذين قالوا بالتوقف توقفوا لما فيها من التعقيد والغموض. حجة أصحاب القول الثاني الذين قالوا بالتحريم: (١) أنه أكل للمال بالباطل لأن هذا النوع من البرامج لا يمكن أن ينمو إلا في وجود من يخسر لمصلحة من يربح، سواء توقف النمو أم لم يتوقف. فالخسارة وصف لازم للمستويات الأخيرة في جميع الأحوال، وبدونها لا يمكن تحقيق العمولات الخيالية للمستويات العليا. والخاسرون هم الأغلبية الساحقة كما سبق، والرابحون هم القلة , أي أن القلة كسبوا مال الأكثرية بدون حق، وهذا أكل المال بالباطل. (٢) قياسها بالدولار الصاروخي، الذي أفتى عدد كثير من لجان الفتوى بأنه مقامرة محرمة. ووجه الشبه بين الاثنين: أ. أن العضو لا يحصل على أي عمولة قبل الشهر الثالث، أي أنه لا بد من نمو الهرم تحته بثلاثة مستويات قبل أن يحصل على العمولة. ب. وأن الأكثرية تخسر لكي تربح الأقلية. ففيها تدليس وتغرير وبيع للوهم للجمهور لمصلحة القلة أصحاب الشركة. ج. أي أن نحو ٩٤% من أعضاء البرنامج خاسرون، بينما ٦% فقط هم الرابحون. فالخسارة لازمة لنمو الهرم ولا يمكن في أي لحظة من اللحظات أن يصبح الجميع رابحاً بحال من الأحوال. وأما بالنسبة للمنتجات: فقالوا أن السلعة في هذه البرامج هي مجرد ستار وذريعة للبرامج الممنوعة، إذ النتيجة واحدة, وأن الهدف هو التسويق لما لجأ الأعضاء إلى إغراء الجدد بعمولات التسويق؛ ولذلك لا يمكن أن يسوّق العضو هذه المنتجات دون ذكر عمولات التسويق. وأن هذه المنتجات، مهما كانت فائدتها، لا يمكن أن تحقق للمشتري منافع تتجاوز في قيمتها تلك العمولات الخيالية الناتجة من التسويق. والعبرة، كما هو مقرر شرعاً، بالغالب. فقصد العمولات هو الغالب على قصد المنتجات، فيكون الحكم مبنياً على ذلك. وأن الشركة تشترط للاستمرار في البرنامج لأكثر من سنة دفع نفس المبلغ مرة أخرى.

стр. 8256

وواضح أن هذا لا لشيء سوى استمرار التسويق، فالبرامج تم شراؤها من المرة الأولى، والبرامج الجديدة إن وجدت لا تعادل في القيمة المبلغ المطلوب , ولو كانت الشركة تبيع المنتجات فعلاً لكانت توجه دعمها لمنتجاتها، في حين تقدم الدعم لبرامج التسويق وكسب الأعضاء، كما تنص عليه اللائحة , فهل هذا صنيع من يبيع منتجات حقيقية؟ (٣) ابتناؤه على الغرر المحرم شرعا؛ لأنه مقامرة , وأنها تشتمل على الغش والخداع وبيع الوهم وتتضمن غررا ولما فيه من الغبن الذي يقع على العميل أو العضو المسوّق من هذا الأسلوب فإن مقابل كل ٩ أعضاء جدد يحصل المسوّق على ٥٥ في حين يحصل أصحاب الشركة على صافي ربح ٦٢٠ دولاراً. وهذا غبن فاحش، فكيف يقال مع ذلك إن تكاليف التسويق تصرف للأعضاء؟! فهذا المبلغ، وهو ٧٥ دولار، هو في الحقيقة رسوم الاشتراك في البرنامج، ومعظمه كما ترى يذهب لأصحاب الشركة. (٤) أن التسوية بين هذا الأمر وبين السمسرة كالتسوية بين البيع والربا من الذين حكى الله تعالى عنهم في القرآن: ﴿ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا﴾ , وهي كالتسوية بين البيع وبين العينة الممنوعة بالنص. (٥) أن المنتجات التي تباع غير محسوسة كما نقل لي ذلك عن أحد العلماء. (٦) أن هذه المسألة هي بيعتين في بيعة وعقدين في عقد. حجة أصحاب القول الثالث الذين قالوا بالجواز واشترطوا لجواز ذلك: (١) أن تكون صادقا وألا تغش أحدا أو تغرر به من أجل الحصول على الربح. (٢) وأن تكون هذه المنتجات خالية من الأمور المحرمة. حجتهم: أن الشراء للمنتج ليس مشروطا بإحضار زبائن آخرين وهذا يسمى عمولة أو سمسرة وهذه نفسها هي صورة الجعالة الجائزة ودليلها قوله تعالى: " ولمن جاء به حمل بعير " وحديث اللديغ وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد. قال صاحب الزاد: والجماعة إذا عملوه يقتسمونه بالسوية لأنهم اشتركوا في العمل الذي يستحق به العوض فاشتركوا فيه. انظر حاشية الروض المربع ج ٥ ص ٤٩٧ ط ٦ الترجيح: عندما تتبعت أقوال العلماء وأدلتهم واطلعت على أوراق الشركة وكيفية تعاملها تبين لي والله أعلم صحة القول الثالث ونجيب عن أدلة أصحاب القول الثاني القائلين بالتحريم بما يلي: قولهم: أنه أكل للمال بالباطل لأن هذا النوع من البرامج لا يمكن أن ينمو إلا في وجود من يخسر لمصلحة من يربح، سواء توقف النمو أم لم يتوقف. فالخسارة وصف لازم للمستويات الأخيرة في جميع الأحوال، وبدونها لا يمكن تحقيق العمولات الخيالية للمستويات العليا. والخاسرون هم الأغلبية الساحقة كما سبق، والرابحون هم القلة. أي أن القلة كسبوا مال الأكثرية بدون حق، وهذا أكل المال بالباطل. الجواب عنه: أن هذا ليس أكلاً للمال بالباطل بل إن الزبائن دفعوا مقابل منتجات نافعة مفيدة وقد سألت من جربها فامتدحها، وقمت بتجربتها بنفسي فوجدت فيها النفع الكثير حيث إنها اشتملت على برامج تعليمية بالصوت والصورة والتطبيق وموقع شخصي بسعة كبيرة جدا يمكن بناءه بكل سهولة حيث إنه الموقع الوحيد ـ كما أعلم ـ الموجود حاليا ويمكن بناءه باللغة العربية , بالإضافة إلى البريد الاكتروني بمساحة كبيرة أيضا , فأين أكل المال بالباطل وأين الخسارة؟

стр. 8257

وقولهم: الخسارة وصف لازم للمستويات الأخيرة في جميع الأحوال. الجواب عنه: لا نسلم لكم ذلك, لماذا ننظر إلى التسويق، ونترك السلعة المباعة؟ فالمسألة بيع وشراء قبل أن تكون سعيا, وبالتالي أين الخسارة؟ ولو سلمنا لكم جدلا أنه لا يوجد بيع أصلا فإن الخسارة ليست وصفا لازماً للمستويات الأخيرة في جميع الأحوال بل إن المستويات الأخيرة قد تربح بسعيها أضعاف ما ربحه من في المستوى الأعلى بل إن الذي في الأعلى قد لا يربح شيئا أبدا ويربح من تحته. قياسهم لها بالدولار الصاروخي، الذي أفتى عدد كثير من لجان الفتوى بأنه مقامرة محرمة. ووجه الشبه بين الاثنين: أ. أن العضو لا يحصل على أي عمولة قبل الشهر الثالث، أي أنه لا بد من نمو الهرم تحته بثلاثة مستويات قبل أن يحصل على العمولة. ب. وأن الأكثرية تخسر لكي تربح الأقلية. ففيها تدليس وتغرير وبيع للوهم للجمهور لمصلحة القلة أصحاب الشركة. ج. أي أن نحو ٩٤% من أعضاء البرنامج خاسرون، بينما ٦% فقط هم الرابحون. فالخسارة لازمة لنمو الهرم ولا يمكن في أي لحظة من اللحظات أن يصبح الجميع رابحاً بحال من الأحوال. الجواب عنه: هذا قياس مع الفارق وتشبيه هذا الأمر وبين الدولار الصاروخي كالتسوية بين البيع والربا من الذين حكى الله تعالى عنهم في القرآن: " ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ". وهي كالتسوية بين البيع وبين العينة الممنوعة بالنص. ولكنني أرى القوم عفا الله عنهم قلبوا المسألة وجعلوا من قال بالجواز هم الذين شبهوا هذا بذاك. والبيع هنا ليس وهما بل حقيقة مشاهدة وأوصافها معروفة دون أي جهالة أو غرر ويعرفها من جربها بل إن أثر المنتج في تعليم الناس وتوجيههم لما فيه صالحهم واضح وضوح الشمس. قولهم: وأما بالنسبة للمنتجات فإن السلعة في هذه البرامج هي مجرد ستار وذريعة للبرامج الممنوعة، إذ النتيجة واحدة. وأن الهدف هو التسويق لما لجأ الأعضاء إلى إغراء الجدد بعمولات التسويق. ولذلك لا يمكن أن يسوّق العضو هذه المنتجات دون ذكر عمولات التسويق. وأن هذه المنتجات، مهما كانت فائدتها، لا يمكن أن تحقق للمشتري منافع تتجاوز في قيمتها تلك العمولات الخيالية الناتجة من التسويق. والعبرة، كما هو مقرر شرعاً، بالغالب. فقصد العمولات هو الغالب على قصد المنتجات، فيكون الحكم مبنياً على ذلك. وأن الشركة تشترط للاستمرار في البرنامج لأكثر من سنة دفع نفس المبلغ مرة أخرى. وواضح أن هذا لا لشيء سوى استمرار التسويق، فالبرامج تم شراؤها من المرة الأولى، والبرامج الجديدة إن وجدت لا تعادل في القيمة المبلغ المطلوب. ولو كانت الشركة تبيع المنتجات فعلاً لكانت توجه دعمها لمنتجاتها، في حين تقدم الدعم لبرامج التسويق وكسب الأعضاء، كما تنص عليه اللائحة. فهل هذا صنيع من يبيع منتجات حقيقية؟ الجواب عن ذلك: ما المانع من تسويق المنتجات؟ ولماذا ننظر من زاوية ضيقة ونغفل كل الغفلة ونتناسى المنتجات, وهي منتجات مباحة شرعا، فتسويقها عن طريق السمسرة وإن كانت العمولات التي تدفع خيالية فهل هذا يكفي في تحريمها أو تحريم التعامل معها.

стр. 8258

فانظر إلى مكاتب العقار وكيف يأخذون السعي هل هذا حرام أم حلال؟ فإن كان حلال فما الفرق بينه وبين مسألتنا. أحرام على بلابله الدوح *** حلال للطير من كل جنس وإن كان حراما فيلزم منه تحريم ما أحل الله وهي الجعالة والعياذ بالله. قولهم: ابتناؤه على الغرر المحرم شرعا، لأنه مقامرة. وأنها تشتمل على الغش والخداع وبيع الوهم وتتضمن غررا ولما فيه من الغبن الذي يقع على العميل أو العضو المسوّق من هذا الأسلوب فإن مقابل كل ٩ أعضاء جدد يحصل المسوّق على ٥٥ في حين يحصل أصحاب الشركة على صافي ربح ٦٢٠ دولاراً. وهذا غبن فاحش، فكيف يقال مع ذلك إن تكاليف التسويق تصرف للأعضاء؟! فهذا المبلغ، وهو ٧٥ دولار، هو في الحقيقة رسوم الاشتراك في البرنامج، ومعظمه كما ترى يذهب لأصحاب الشركة. الجواب عنه: أين المقامرة والغش والخداع والغرر مع أن السلعة موجودة والفائدة متحققة. وأين الغرر والجهالة بل هو منفي في هذه المسأله ولك أن تسأل من شارك في بزناس هل غررت به الشركه أو وعدته بأمر وتملصت منه. هذا غير وارد في عمل الشركة بل إن كل من اشترى المنتج يعرفه جيدا ويعرف فائدته وفوق ذلك فإن الشركة تعطي الخيار لمن اشترى المنتج أن يجرب المنتج لمدة ثلاثة أيام وإن وجد فيه خلاف ما قيل له فله أن يعيده ويستلم ما دفع مقابله، وأما كون البعض منهم لم يحصل على عمولات فلم تعد الشركة الناس بأرباح بل فتحت المجال لمن آراد أن يسوّق وبينت طريقة التسويق وأوضحت شروط التسويق والمسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أوحرم حلالا, ولمن استهان بجدوى المنتج أوأنه غير مجد فإنّه يتحدث عن مناسبة المنتج له هو شخصيا فليس كل الناس مثله وليس كل الناس يحملون شهادات الدكتوراه أو التخصص في الحاسب. وأما قولهم: إن صافي الربح وهو ٦٢٠ دولار يكون للشركة. فهو غير صحيح وإلا فأين المسوق الثاني الذي تحته الذي سيأخذ على الثمانية المتبقين في أسفله بعد أن يزيد عليهم واحداً فقط ٥٥ دولار، والمسوق الثالث بعد أن يزيد إثنين، والمسوق الرابع.....، بل وأين المسوق الذي أعلى منه حيث سيأخذ على هذا المسوق مع ثمانيةٍ من هؤلاء التسعة ٥٥ دولار والذي أعلى منه وهكذا ... أرأيتم عدم التصور الكامل للمسألة. قولهم: أن التسوية بين هذا الأمر وبين السمسرة كالتسوية بين البيع والربا من الذين حكى الله تعالى عنهم في القرآن: ﴿ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا﴾ , وهي كالتسوية بين البيع وبين العينة الممنوعة بالنص. الجواب عن ذلك: هذا قلب للمسألة رأسا على عقب وقد بينت ذلك أعلاه. قولهم: أن المنتجات التي تباع غير محسوسة. يلزم من ذلك تحريم بطاقات الانترنت وسداد فاتورة الكهرباء والهاتف وشراء المواقع في الانترنت وهذا لم يقل به أحد. قولهم: أن هذه المسألة هي بيعتين في بيعة وعقدين في عقد. الجواب عنه: هذه المسألة إذا كانت فيها عقدان لازمان، وأما هنا فهو عقد لازم (شراء) وعقد جائز (تسويق) وأنت غير ملزم بتسويق هذا المنتج ففرق بين المسألتين. وبناء على ما سبق بيانه وتوضيحه فإن الشراء والتعامل مع هذه الشركة جائز وما تدفعه الشركة مقابل السعي جعالة جائزة.

стр. 8259

أسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه, والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وعقب الدكتور / سامي السويلم على هذه الرسالة وما يشابهها بالتعقيب التالي: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد. فقد وقفت على بعض الردود على المقال الذي كتبتُه سابقاً عن شركة "بزناس"، ولم أكن حريصاً على الجواب عنها، إيماناً بحق الباحث المنصف في إبداء ما يراه صواباً، وبأن الحق سيظهر في نهاية الأمر لا محالة. لكن طلب عدد من الإخوة التعقيب على هذه الردود والجواب عما تضمنته من الإشكالات أملاً في بيان الصواب في هذه القضية. فرأيت أن أتناول الموضوع من زاوية تعالج الإشكالات من أساسها، دون الخوض في التفاصيل الفرعية، ورجوتُ أن يكون ذلك أنفع لي وللقارئ الكريم. نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا محبته واتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا بغضه واجتنابه، فهو سبحانه الموفق والهادي إلى سواء السبيل. حقيقة التسلسل الهرمي: ليس غريباً أن تختلف وجهات نظر الباحثين في هذا الموضوع الجديد على الساحة. فالجديد بطبيعته لا تتضح معالمه وخصائصه من أول وهلة، بل يحتاج الأمر إلى شئ من الوقت لتتبين الصورة كاملة. ومن أقرب الأمثلة على ذلك اختلاف الفقهاء في حكم الدخّان أول ما ورد للبلاد الإسلامية، بين مجيز ومانع. فلما تبيّن لهم ما فيه من المفاسد والأضرار الراجحة على منافعه، لم تختلف كلمتهم في تحريمه. والتسلسل الهرمي نظام نشأ أساساً في الغرب، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص، تفتقت عنه أذهان هواة جمع المال بأقصر السبل وأيسرها دون اعتبار لحق أو باطل. فلما تبيّن لعقلائهم ما فيه من التغرير والخداع، حكموا بمنعه. هذا مع كونهم يجيزون الربا والقمار والميسر أساساً. فإذا كان هذا شأنهم، عُلم أنهم لم يمنعوا هذا النظام إلا لكثرة ما فيه من المفاسد. والشريعة الإسلامية هي أولى الشرائع بالعدل والإصلاح. فما من خير ومصلحة راجحة إلا تأمر به، ولا شر أو مفسدة راجحة إلا تنهى عنه. حتى قال الإمام ابن القيم ﵀: "إذا ظهرت أمارات الحق وقامت أدلة العقل وأسفر صبحه، بأي طريق كان، فثم شرع الله (١) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فالعدل هو الشرع، والشرع هو العدل. ... والذي أنزل الله هو القسط، والقسط هو الذي أنزله الله." (٢) والتسلسل الهرمي يكفي تصوره على الوجه الصحيح للحكم ببطلانه، فينطبق عليه قول الليث بن سعد ﵀ أنه: "أمرٌ لو نظر فيه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز." (٣) التسلسل والفكرة في جوهرها بسيطة، لكنها تتعقد إذا أبرزت في صورتها النهائية. سأذكر فيما يلي جوهر العملية، وأما التفاصيل فأحيل على المقال السابق.

стр. 8260

يبدأ الأمر بأن تدفعَ مبلغاً من المال لزيد، على أن تحصل من وراء ذلك على عمولات أو عوائد أو أرباح. لكن هذه العمولات التي تحصل عليها أنت تأتي من المبلغ الذي يدفعه عمرو لزيد. والعمولات التي يحصل عليها عمرو بدوره تأتي من المبلغ الذي يدفعه بكر. وهذا بدوره يحصل على العمولات مما يدفعه عبيد، وهكذا. فما يحصله الأول هو مما دفعه الثاني، والثاني مما دفعه الثالث، والثالث مما دفعه الرابع، وهكذا. ولا يرتاب عاقل أن هذا النظام، من حيث هو، باطل، لأن كل واحد في السلسلة إنما يربح مما يدفعه الذي يليه، فالأخير خاسر دائماً، ولا يربح إلا إذا وجد من يعقبه في السلسة. ومآل هذه السلسلة إلى التوقف حتماً، لأن هذا تسلسلٌ في العلل أو في الفاعلين، إذ علة ربح الأول هي اشتراك الثاني، وعلة ربح الثاني اشتراك الثالث، وعلة ربح الثالث اشتراك الرابع، وهكذا. والتسلسل في العلل ممتنع باتفاق العقلاء كما يقول شيخ الإسلام ﵀. (٤) وإذا كان ممتنعاً لزم توقفه عاجلاً أو عاجلاً، وإذا توَقَفَ كان الأخير خاسراً لمصلحة من قبله، وهذا هو أكل المال بالباطل المحرم بالنص والإجماع. الهرمية: وهذه السلسلة تكبر تدريجياً، بحيث تكون كل حلقة فيها أو كل طبقة أكبر من التي قبلها. وسبب ذلك أن مقدار الاشتراك الذي يدفعه الأعضاء ثابت. فإذا أراد الأول أن يحصل على رأسماله مع الربح لزم أن يليه في السلسلة ما لا يقل عن شخصين (بحيث يغطي اشتراك أحدهما رأسمال الأول، بينما يغطي اشتراك الآخر مقدار الربح، والباقي يذهب لمصلحة صاحب المشروع) . ثم كل من هؤلاء لكي يربح يحتاج ما لا يقل عن شخصين، فيتطلب ذلك أن يكون أعضاء الطبقة الثالثة لا يقلّون عن أربعة، وهكذا. فلا بد من النمو المطرد للسلسلة، فتصبح من ثم على شكل هرمي، كل طبقة فيه أكبر من التي فوقها. وفي كل مرة ينمو الهرم يصبح استمرار نموه أصعب من ذي قبل، حتى يؤول ذلك إلى التوقف التام لتعذر وجود العدد الكافي من الأعضاء لبقاء النمو. وهذا سبب آخر يضاف لما سبق حول ضرورة توقف الهرم. وفي هذه الحالة تصبح الطبقات الأخيرة خاسرة بالضرورة لمصلحة الطبقات العليا. وقد أشرت في المقال السابق أن الطبقات الأخيرة الخاسرة تمثل رياضياً ٩٤% من الأعضاء، في حين تمثل الطبقات الرابحة ٦% فحسب. وهذا مما يؤكد أن هذا النظام مبني على الاستغلال والتغرير بالأكثرية الساحقة لمصلحة الأقلية الرابحة. ما يقابل الاشتراك لما برزت فكرة التسلسل الهرمي، في غياب أي منتج أو بضاعة، وتبيّن فساد هذا النظام، حكمت المحاكم الغربية ببطلانه ومنعه. فاحتالوا لذلك بإدخال سلع أو منتجات يمتلكها الأعضاء مقابل الاشتراك، لا لشيء إلا لتجنب الملاحقة القانونية. وقد سبب وجود المنتج إشكالاً عند كثيرين، جعلهم يصححون هذا التعامل على أساسه. وسنبين إن شاء الله أثر المنتج في نظام التسويق، وأيهما تابع للآخر. إذ الحكم للمتبوع، والعبرة بالمقصود، كما هو متقرر شرعاً. لكن من المهم قبل كل شئ الاتفاق على أن النظام الهرمي في ذاته باطل، وأنه أكل للمال بغير حق. وإذا تقررت هذه النتيجة، يمكن النظر في وجود المنتج: هل يغير من مفاسد التسلسل الهرمي شيئاً؟ وهل مصلحته تجبر مفاسد النظام أم لا؟

стр. 8261

ومن أجل تحرير محل النزاع، من الأفضل بيان الحالات المختلفة للمشترك في هذا البرنامج في وجود المنتج، وهي لا تخرج عن ثلاث: (١) أن يكون قصد المشترك هو التسويق وليس المنتج. (٢) أن يكون قصده المنتج وليس التسويق. (٣) ألا يتبيّن ما هو مقصوده، أو أن يتردد بينهما، أو يريدهما معاً. الحالة الأولى: المقصود هو التسويق وليس المنتج بمعنى أن المشترك هدفه التسويق أو السمسرة وما يترتب عليه من عمولات وأرباح، وليس شراء المنتج ولا الانتفاع به. ومن المتقرر فقهاً واقتصاداً وواقعاً أن السمسار يقوم بدور الوسيط بين التاجر بائع السلعة وبين المشتري. فإذا نجح السمسار في بيع السلعة نيابة عن التاجر أخذ عمولة مقابل عمله. لكن لا يقول أحد إن السمسار يجب أن يشتري من التاجر سلعة لكي يسمح له بتسويق بقية السلع. فالسمسار ليس قصده السلعة وإنما التسويق، وهذا هو الافتراض الذي انطلقنا منه في هذه الحالة. فإذا كان الهدف هو التسويق وليس السلعة فإن إلزامه بالشراء من أجل الحصول على عمولة السمسرة شرط ملجئ لا يجوز بنص الحديث النبوي في النهي عن بيعتين في بيعة. فالشراء بيعة شرطت في عقد السمسرة، والأخير نوع من البيع (لأن الإجارة بيع للمنفعة) . فاشتراط أحدهما في الآخر ممنوع بالنص. وإذا نظرنا إلى أنظمة شركة "بزناس" وجدناها تضع من الشروط ما يلجئ المسوّق إلى الشراء ولو لم يكن له أي رغبة في السلعة. فأنظمة الشركة تسمح لمن يرغب بالتسويق فقط ألا يشتري المنتج. لكنها لا تسمح له باستعمال موقع الشركة على الإنترنت في تسويق المنتج وعرضه على العملاء الجدد، بل من خلال الفاكس (تماماً كما هو حال الشركة الأمريكية سكاي بز التي سبق الحديث عنها في المقال السابق) . وفوق ذلك فإن المسوق لن يحصل على أي عمولة إلا إذا قام المسوّقون الذين يلونه في الهرم بالشراء. والقول في هؤلاء كالقول في الأول، سواء بسواء. فصارت النتيجة أنه لا يحصل المسوّق على أي عمولة إلا بالشراء، وهذا شرط باطل شرعاً، كما سبق. وحكمة النهي عن بيعتين في بيعة، وعن شرطين في بيع وعن سلف وبيع، التنبيه إلى وجود خلل في الصفقة أساساً، وأن مقصود الطرفين ليس ظاهر الصفقة، بل هو أمر محرم لم يتمكنا من تحقيقه مباشرة، فاحتالوا على ذلك بإدخال صفقة أخرى غير مرادة ولا تغير من حقيقة الأمر شيئاً، توصلاً للمراد الممنوع. فبيّن ﷺ أن هذه الشروط لا تجعل الحرام الذي قصده الطرفان حلالاً، وأن العبرة في ما قصده الطرفان حقيقة، لا فيما أظهراه من البياعات والشروط الشكلية. والمحرّم الذي قصده الطرفان هنا هو الاشتراك في التسلسل الهرمي بقصد الكسب. ولما كان هذا محرماً شرعاً وممنوعاً قانوناً، أدخلوا السلعة احتيالاً وتلبيساً على الناس. وهذا التحايل قد يروج على بعض القوانين الأرضية، لكنه لا يروج على هذه الشريعة السماوية الكاملة. فالله تعالى عند قلب كل عبد ولسانه، ومهما حاول هؤلاء خداع الخلق فلن يفلحوا في خداع الخالق: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾ . الحالة الثانية: المقصود هو المنتج وليس التسويق

стр. 8262

أي أن المشترك في هذه الحالة لا يريد التسويق ولا يطمح إليه، وإنما يريد المنتج والاستفادة منه فحسب. وإذا أردنا أن نتعرف على حقيقة هذه الصورة، دعنا نسأل السؤال التالي: لنفترض أن أحد التجار أعلن أن من يشتري من السلع التي لديه فسيدخل تلقائياً في عملية سحب على جائزة نقدية قيمتها عشرة آلاف ريال، مثلاً. وأن التاجر من أجل تمويل هذه الجائزة، رفع سعر السلع لديه بنسبة ١٠%. بمعنى أن من أراد أن يشتري سلعة ويدخل في السحب، فسيدفع مقابل السلعة التي قيمتها ١٠ ريالات ثمناً مقداره ١١ ريالاً. فما حكم دفع هذه الزيادة؟ لا ريب أن دفع هذه الزيادة محرم، لأنها جاءت مقابل الدخول في السحب على الجائزة، وعملية السحب من الميسر المحرم بالنص والإجماع. فمن أراد أن يشتري فيجب أن يدفع الثمن الأصلي للسلعة، أو ثمن المثل، دون أي زيادة، ومن ثم عدم الدخول في عملية السحب. والآن نسأل سؤالاً آخر. ما الحكم إذا قال التاجر: أنا لا أبيع السلعة إلا بالسعر الزائد ابتداء، أي ١١ ريالاً، ولا أسمح بالشراء بسعر المثل؟ الجواب: لا شك أن هذه الحالة أسوأ من التي قبلها، لأنها جمعت بين الميسر وبين الإلجاء. وإذا نظرنا للثمن الذي تطلبه شركة بزناس، بحسب ما تعلنه الشركة على الملأ وبوضوح ودون تردد، نجد أنه يتكون من جزئين: أحدهما لتمويل التسويق الهرمي، والآخر الثمن الفعلي للمنتج. فالثمن الإجمالي هو ٩٩ دولاراً. ثلاثة أرباعه، أي ٧٥ دولاراً، مخصص للتسويق، بينما يخصص المتبقي، وهو ٢٤ دولاراً، للمنتج. وهم يقولون: بدلاً من صرف هذا المقدار المخصص للتسويق على الدعاية والإعلان وما إلى ذلك، من الأفضل أن يصرف على الأعضاء أنفسهم من خلال التسلسل الهرمي. لكن من حقنا أن نسأل: من الذي سيحصل على عوائد مخصص التسويق؟ أليسوا هم الذين يباشرون التسويق؟ فما ذنب المشتري الذي يريد المنتج ولا يريد التسويق؟ أليس في هذا إلجاء للمشتري بأن يمارس التسويق طلباً للعمولات الكبيرة التي يعدونه بها، طالما هو قد دفع ثمن الاشتراك مقدماً ودون اختيار؟ فإن كانت الشركة لا تلزم المشتري بالتسويق كما تزعم، فيجب أن تلغي مخصص التسويق من الثمن، وتبيعه السلعة بثمن المثل فحسب. أما أن تلزمه بدفع قيمة الاشتراك في التسلسل الهرمي مقدماً، مع كونه لا يريد التسويق ولا الاشتراك في الهرم، فهذا إلجاء واحتيال، شأنه شأن الاحتيال في الحالة الأولى. وإذا رضي المشتري بذلك كان حكمه حكم من رضي بدفع الزيادة في الثمن مقابل الدخول في الميسر في المثال السابق. وهذا الاحتيال في الحقيقة مقصود للشركة، لأنها لا تجرؤ على فصل التسلسل الهرمي عن السلعة، إذ الأول ممنوع شرعاً وقانوناً كما سبق. فاضطروا لأجل ذلك إلى دمج ثمن السلعة مع ثمن الاشتراك، ليبدو للناظر أن الثمن كله مقابل السلعة. والحال، بتصريح أصحاب الشركة أنفسهم، ليس كذلك. فلو لم يكن التسلسل الهرمي مقصوداً لما كان ثمن السلعة بهذا الشكل. فيقال هنا ما قاله شيخ الإسلام ﵀: " أفلا أفردت أحد العقدين عن الآخر ثم نظرت هل كنت مبتاعها أو بايعه بهذا الثمن أم لا؟ " (٥) .

стр. 8263

فلو فصل نشاط التسلسل الهرمي عن المنتج لما كان الأخير بهذا الثمن. وإذا كان ثلاثة أرباع الثمن للتسلسل الهرمي، دل على أن المراد من الصفقة أساساً هو النشاط المحرم. وإذا كان كذلك، فالحكم للغالب، كما هو مقرر شرعاً. وأما الزعم بأنهم يدفعون مخصص التسويق للأعضاء بدلاً من صرفه على الدعاية والإعلان، فهو تضليل وتلبيس تلقفوه عمن سبقهم من الغربيين المنبوذين في بلادهم فضلاً عن بلاد الإسلام. وذلك أن الأفضل من ذلك هو إعادة هذا المبلغ للمشتري، وتخفيض الثمن من ٩٩ إلى ٢٤ دولاراً. وهذا أفضل في تسويق المنتج لمن يرغبون فعلاً الاستفادة منه. لكنهم بإلزام المشتري بدفع مخصص التسويق الهرمي، يلجئونه إلى الاشتراك في الهرم من أجل الانتفاع بما دفعه. فإن أراد المشتري الاشتراك في التسلسل الهرمي وقع في المحذور، وإلا كان مغبوناً لأنه دفع مقابل ما لا ينتفع به، وإذا رضي بذلك كان معيناً للشركة على أكل المال بالباطل. الحالة الثالثة: غموض القصد، أو التردد، أو إرادة الأمرين معاً من السهل الحكم على هذه الحالة بعدما تبيّن الحكم في الحالتين السابقتين. وذلك أن ما تردد بين أمرين كلاهما محرم، فهو محرم بالضرورة. أما الزعم الذي يقوله كثيرون من المنتسبين لهذه الشركة، من أنهم يريدون الأمرين معاً ومن ثم فلا خسارة عليهم، فيقال: إن الله تعالى أعطانا العقل لنستدل على ما غاب عنا بما شهدناه. فإذا عُرض على العاقل شراء محفظة لا تتجاوز قيمتها ١٠٠ ريال، بداخلها مبلغ نقدي قدره عشرة آلاف ريال، فهل تكون رغبته في الأمرين واحدة؟ وهل يستوي عنده هذا المال وهذه المحفظة؟ لا يمكن أن يقر بهذا عاقل يبحث عن مصلحته في معاوضة يراد بها الربح. وعلى أحسن الأحوال فإن رغبته لكل منهما ستكون بحسب قيمته. فإذا كان نسبة قيمة المحفظة إلى المال لا تتجاوز ١%، كان المقصود هو المال بنسبة ٩٩%، والمحفظة بنسبة ١%. وفي التسويق الهرمي تَعِد الشركة الأعضاء بعمولات يبلغ مجموعها في نهاية السنة الأولى خمسين ألف دولار، أي ما لا يقل عن ١٨٧.٥٠٠ ريال، بينما لا تتجاوز قيمة المنتجات التي تبيعها الشركة ٣٨٥ ريالاً. فهل يعقل أن تكون رغبة الشخص في الأمرين متساوية؟ إن منطق العدل يقتضي أن تكون الرغبة في التسويق بحسب العائد المأمول، وفي المنتجات بحسب قيمتها المعلنة. ونسبة قيمة المنتجات إلى العائد لا تتجاوز ٠.٣%. أي أن العاقل يقصد عمولات التسلسل الهرمي بنسبة ٩٩.٧%. وسبق أن الحكم للغالب، فيكون الغالب هو إرادة التسلسل الهرمي. وإذا كان الأخير في ذاته محرماً لأنه أكل للمال بالباطل، لزم حرمة الشراء بناء على ذلك. التسويق على من؟ ومما يبيّن الفرق بين التسويق الهرمي والسمسرة المعروفة، أن السمسار يحصل على عمولة مقابل بيع السلعة لشخص أو عدد محدد من الأشخاص، لكن لا علاقة له بما يفعله المشترون بالسلعة. فعلاقة السمسار بالمشتري تنتهي بمجرد الشراء.

стр. 8264

أما في التسويق الهرمي، فإن المسوّق لا يحصل على عمولة إلا إذا سوّق لمسوّقين آخرين، وهؤلاء بدورهم يسوّقون لمسوّقين (حتى يصل مجموع المسوّقين في الهرم إلى ما لا يقل عن تسعة، حسب أنظمة الشركة) . فهو يسوّق لمن يسوّق لمن يسوّق، ولا يحصل على عمولة إلا بهذه الطريقة. فليس من مصلحة أحد في الهرم أن يبيع على من يشتري السلعة لينتفع بها أو يستخدمها لنفسه دون أن يسوّقها. بل يحرص كل منهم على أن يبيع لمسوّقين. وهذا يؤكد أن السلعة غير مقصودة إطلاقاً، بل هي مجرد ذريعة لنمو هرم المسوّقين فحسب. بينما تهدف السمسرة العادية إلى البيع لعملاء هدفهم في النهاية الانتفاع بالمنتج وليس السمسرة. فمهما طالت سلسلة السماسرة الوسطاء إلا أنها لا بد أن تنتهي عند المشتري النهائي. والمشتري النهائي هو مصدر الربح والعمولات لكل منهم، وهذا هو المنطق الاقتصادي وهو الواقع العملي. أما في التسويق الهرمي فالأمور مقلوبة تماماً، لأن مصدر الربح ليس هو المشتري النهائي، بل هو الطبقات التالية من المسوّقين، الذين بدورهم يربحون ممن يليهم، وهؤلاء ممن يليهم، ... إلخ. وهذا هو التسلسل الباطل الذي سبق الحديث عنه. فكيف يقال بعد هذا إن التسويق الهرمي من جنس السمسرة العادية؟ خاتمة وبعض الردود التي وقفت عليها لم يتصور أصحابها للأسف حقيقة الأمر، فهم يشبهون التسويق الهرمي بالسمسرة المشروعة. ولا يمكن أن يقول بهذا التشبيه من تصور الأمر على حقيقته. ولا أجد أفضل من أن أطلب من هؤلاء الإخوة التريث في الأمر وإعادة دراسته دراسة متأنية. فتشبيه التسويق الهرمي بسمسرة العقار أو السلع العادية، كتشبيه بيع الوفاء بالإجارة، أو العينة بالمرابحة. ولو كان أصحاب هذه الشركة يقومون بالسمسرة فعلاً لما احتاجوا إلى الاستفتاء أصلاً، فهل رأيت مكاتب عقارية تحرص هذا الحرص على استصدار فتاوى بجواز عملها؟ فلولا ما يجدونه في أعماق قلوبهم من الشك والريبة لما حرصوا هذا الحرص، وقد قال أفضل الخلق ﷺ : "الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطّلع عليه الناس." (٦) وقال ﵊: "البرّ ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك." (٧) "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم." والحمد لله رب العالمين. كما عقب الشيخ سلمان بن فهد العودة المشرف العام على موقع (الإسلام اليوم) على رسالة الأخ إبراهيم الكلثم بالتعقيب التالي: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،،، قرأت بحثكم المرفق المتعلق بشركة (بزناس) وحكايتكم للأقوال وأدلتها، وأرى أنه بحث جيد وإن كانت المسألة من الفرعيات التي يسوغ الخلاف فيها. وقد سبق أن قرأت بحثاً آخر جيداً للأستاذ / سامي السويلم حول الموضوع وهو منشور في موقع (الإسلام اليوم) وإليك (رابط الفتوى) . وذهب فيه إلى التحريم.

стр. 8265

والذي أميل إليه أن الحكم في هذه المسألة وما شاكلها يعتمد على حقيقة الحال، فإن كانت الخدمات المتوفرة قوية وملائمة ولها تميز عن غيرها، إما بجودة وإما برخص، وعلى هذا تم الاشتراك فيها للاستفادة من خدماتها وتسويقها للآخرين، فهذا جائز، وهذا ما أكده لي عدد من المشتركين في الشركة. ولو كانت الخدمات أو البرامج أو السلع في هذه الشركة أو في أي شركة أخرى تعتمد النظام ذاته صورية أو ضعيفة ولا قيمة حقيقة لها وإنما الناس يشتركون ويسوقون من أجل الحصول على المقابل المادي الذي ينتظرهم إذا أقنعوا أشخاصاً آخرين.. ففي هذه الحالة يكون الأمر محرماً والله أعلم.
следующие страницы →