← Фатава

Фатава · id 894

فتاوى واستشارات الإسلام اليوم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 202 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.

стр. 8261

ومن أجل تحرير محل النزاع، من الأفضل بيان الحالات المختلفة للمشترك في هذا البرنامج في وجود المنتج، وهي لا تخرج عن ثلاث: (١) أن يكون قصد المشترك هو التسويق وليس المنتج. (٢) أن يكون قصده المنتج وليس التسويق. (٣) ألا يتبيّن ما هو مقصوده، أو أن يتردد بينهما، أو يريدهما معاً. الحالة الأولى: المقصود هو التسويق وليس المنتج بمعنى أن المشترك هدفه التسويق أو السمسرة وما يترتب عليه من عمولات وأرباح، وليس شراء المنتج ولا الانتفاع به. ومن المتقرر فقهاً واقتصاداً وواقعاً أن السمسار يقوم بدور الوسيط بين التاجر بائع السلعة وبين المشتري. فإذا نجح السمسار في بيع السلعة نيابة عن التاجر أخذ عمولة مقابل عمله. لكن لا يقول أحد إن السمسار يجب أن يشتري من التاجر سلعة لكي يسمح له بتسويق بقية السلع. فالسمسار ليس قصده السلعة وإنما التسويق، وهذا هو الافتراض الذي انطلقنا منه في هذه الحالة. فإذا كان الهدف هو التسويق وليس السلعة فإن إلزامه بالشراء من أجل الحصول على عمولة السمسرة شرط ملجئ لا يجوز بنص الحديث النبوي في النهي عن بيعتين في بيعة. فالشراء بيعة شرطت في عقد السمسرة، والأخير نوع من البيع (لأن الإجارة بيع للمنفعة) . فاشتراط أحدهما في الآخر ممنوع بالنص. وإذا نظرنا إلى أنظمة شركة "بزناس" وجدناها تضع من الشروط ما يلجئ المسوّق إلى الشراء ولو لم يكن له أي رغبة في السلعة. فأنظمة الشركة تسمح لمن يرغب بالتسويق فقط ألا يشتري المنتج. لكنها لا تسمح له باستعمال موقع الشركة على الإنترنت في تسويق المنتج وعرضه على العملاء الجدد، بل من خلال الفاكس (تماماً كما هو حال الشركة الأمريكية سكاي بز التي سبق الحديث عنها في المقال السابق) . وفوق ذلك فإن المسوق لن يحصل على أي عمولة إلا إذا قام المسوّقون الذين يلونه في الهرم بالشراء. والقول في هؤلاء كالقول في الأول، سواء بسواء. فصارت النتيجة أنه لا يحصل المسوّق على أي عمولة إلا بالشراء، وهذا شرط باطل شرعاً، كما سبق. وحكمة النهي عن بيعتين في بيعة، وعن شرطين في بيع وعن سلف وبيع، التنبيه إلى وجود خلل في الصفقة أساساً، وأن مقصود الطرفين ليس ظاهر الصفقة، بل هو أمر محرم لم يتمكنا من تحقيقه مباشرة، فاحتالوا على ذلك بإدخال صفقة أخرى غير مرادة ولا تغير من حقيقة الأمر شيئاً، توصلاً للمراد الممنوع. فبيّن ﷺ أن هذه الشروط لا تجعل الحرام الذي قصده الطرفان حلالاً، وأن العبرة في ما قصده الطرفان حقيقة، لا فيما أظهراه من البياعات والشروط الشكلية. والمحرّم الذي قصده الطرفان هنا هو الاشتراك في التسلسل الهرمي بقصد الكسب. ولما كان هذا محرماً شرعاً وممنوعاً قانوناً، أدخلوا السلعة احتيالاً وتلبيساً على الناس. وهذا التحايل قد يروج على بعض القوانين الأرضية، لكنه لا يروج على هذه الشريعة السماوية الكاملة. فالله تعالى عند قلب كل عبد ولسانه، ومهما حاول هؤلاء خداع الخلق فلن يفلحوا في خداع الخالق: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾ . الحالة الثانية: المقصود هو المنتج وليس التسويق

стр. 8262

أي أن المشترك في هذه الحالة لا يريد التسويق ولا يطمح إليه، وإنما يريد المنتج والاستفادة منه فحسب. وإذا أردنا أن نتعرف على حقيقة هذه الصورة، دعنا نسأل السؤال التالي: لنفترض أن أحد التجار أعلن أن من يشتري من السلع التي لديه فسيدخل تلقائياً في عملية سحب على جائزة نقدية قيمتها عشرة آلاف ريال، مثلاً. وأن التاجر من أجل تمويل هذه الجائزة، رفع سعر السلع لديه بنسبة ١٠%. بمعنى أن من أراد أن يشتري سلعة ويدخل في السحب، فسيدفع مقابل السلعة التي قيمتها ١٠ ريالات ثمناً مقداره ١١ ريالاً. فما حكم دفع هذه الزيادة؟ لا ريب أن دفع هذه الزيادة محرم، لأنها جاءت مقابل الدخول في السحب على الجائزة، وعملية السحب من الميسر المحرم بالنص والإجماع. فمن أراد أن يشتري فيجب أن يدفع الثمن الأصلي للسلعة، أو ثمن المثل، دون أي زيادة، ومن ثم عدم الدخول في عملية السحب. والآن نسأل سؤالاً آخر. ما الحكم إذا قال التاجر: أنا لا أبيع السلعة إلا بالسعر الزائد ابتداء، أي ١١ ريالاً، ولا أسمح بالشراء بسعر المثل؟ الجواب: لا شك أن هذه الحالة أسوأ من التي قبلها، لأنها جمعت بين الميسر وبين الإلجاء. وإذا نظرنا للثمن الذي تطلبه شركة بزناس، بحسب ما تعلنه الشركة على الملأ وبوضوح ودون تردد، نجد أنه يتكون من جزئين: أحدهما لتمويل التسويق الهرمي، والآخر الثمن الفعلي للمنتج. فالثمن الإجمالي هو ٩٩ دولاراً. ثلاثة أرباعه، أي ٧٥ دولاراً، مخصص للتسويق، بينما يخصص المتبقي، وهو ٢٤ دولاراً، للمنتج. وهم يقولون: بدلاً من صرف هذا المقدار المخصص للتسويق على الدعاية والإعلان وما إلى ذلك، من الأفضل أن يصرف على الأعضاء أنفسهم من خلال التسلسل الهرمي. لكن من حقنا أن نسأل: من الذي سيحصل على عوائد مخصص التسويق؟ أليسوا هم الذين يباشرون التسويق؟ فما ذنب المشتري الذي يريد المنتج ولا يريد التسويق؟ أليس في هذا إلجاء للمشتري بأن يمارس التسويق طلباً للعمولات الكبيرة التي يعدونه بها، طالما هو قد دفع ثمن الاشتراك مقدماً ودون اختيار؟ فإن كانت الشركة لا تلزم المشتري بالتسويق كما تزعم، فيجب أن تلغي مخصص التسويق من الثمن، وتبيعه السلعة بثمن المثل فحسب. أما أن تلزمه بدفع قيمة الاشتراك في التسلسل الهرمي مقدماً، مع كونه لا يريد التسويق ولا الاشتراك في الهرم، فهذا إلجاء واحتيال، شأنه شأن الاحتيال في الحالة الأولى. وإذا رضي المشتري بذلك كان حكمه حكم من رضي بدفع الزيادة في الثمن مقابل الدخول في الميسر في المثال السابق. وهذا الاحتيال في الحقيقة مقصود للشركة، لأنها لا تجرؤ على فصل التسلسل الهرمي عن السلعة، إذ الأول ممنوع شرعاً وقانوناً كما سبق. فاضطروا لأجل ذلك إلى دمج ثمن السلعة مع ثمن الاشتراك، ليبدو للناظر أن الثمن كله مقابل السلعة. والحال، بتصريح أصحاب الشركة أنفسهم، ليس كذلك. فلو لم يكن التسلسل الهرمي مقصوداً لما كان ثمن السلعة بهذا الشكل. فيقال هنا ما قاله شيخ الإسلام ﵀: " أفلا أفردت أحد العقدين عن الآخر ثم نظرت هل كنت مبتاعها أو بايعه بهذا الثمن أم لا؟ " (٥) .

стр. 8263

فلو فصل نشاط التسلسل الهرمي عن المنتج لما كان الأخير بهذا الثمن. وإذا كان ثلاثة أرباع الثمن للتسلسل الهرمي، دل على أن المراد من الصفقة أساساً هو النشاط المحرم. وإذا كان كذلك، فالحكم للغالب، كما هو مقرر شرعاً. وأما الزعم بأنهم يدفعون مخصص التسويق للأعضاء بدلاً من صرفه على الدعاية والإعلان، فهو تضليل وتلبيس تلقفوه عمن سبقهم من الغربيين المنبوذين في بلادهم فضلاً عن بلاد الإسلام. وذلك أن الأفضل من ذلك هو إعادة هذا المبلغ للمشتري، وتخفيض الثمن من ٩٩ إلى ٢٤ دولاراً. وهذا أفضل في تسويق المنتج لمن يرغبون فعلاً الاستفادة منه. لكنهم بإلزام المشتري بدفع مخصص التسويق الهرمي، يلجئونه إلى الاشتراك في الهرم من أجل الانتفاع بما دفعه. فإن أراد المشتري الاشتراك في التسلسل الهرمي وقع في المحذور، وإلا كان مغبوناً لأنه دفع مقابل ما لا ينتفع به، وإذا رضي بذلك كان معيناً للشركة على أكل المال بالباطل. الحالة الثالثة: غموض القصد، أو التردد، أو إرادة الأمرين معاً من السهل الحكم على هذه الحالة بعدما تبيّن الحكم في الحالتين السابقتين. وذلك أن ما تردد بين أمرين كلاهما محرم، فهو محرم بالضرورة. أما الزعم الذي يقوله كثيرون من المنتسبين لهذه الشركة، من أنهم يريدون الأمرين معاً ومن ثم فلا خسارة عليهم، فيقال: إن الله تعالى أعطانا العقل لنستدل على ما غاب عنا بما شهدناه. فإذا عُرض على العاقل شراء محفظة لا تتجاوز قيمتها ١٠٠ ريال، بداخلها مبلغ نقدي قدره عشرة آلاف ريال، فهل تكون رغبته في الأمرين واحدة؟ وهل يستوي عنده هذا المال وهذه المحفظة؟ لا يمكن أن يقر بهذا عاقل يبحث عن مصلحته في معاوضة يراد بها الربح. وعلى أحسن الأحوال فإن رغبته لكل منهما ستكون بحسب قيمته. فإذا كان نسبة قيمة المحفظة إلى المال لا تتجاوز ١%، كان المقصود هو المال بنسبة ٩٩%، والمحفظة بنسبة ١%. وفي التسويق الهرمي تَعِد الشركة الأعضاء بعمولات يبلغ مجموعها في نهاية السنة الأولى خمسين ألف دولار، أي ما لا يقل عن ١٨٧.٥٠٠ ريال، بينما لا تتجاوز قيمة المنتجات التي تبيعها الشركة ٣٨٥ ريالاً. فهل يعقل أن تكون رغبة الشخص في الأمرين متساوية؟ إن منطق العدل يقتضي أن تكون الرغبة في التسويق بحسب العائد المأمول، وفي المنتجات بحسب قيمتها المعلنة. ونسبة قيمة المنتجات إلى العائد لا تتجاوز ٠.٣%. أي أن العاقل يقصد عمولات التسلسل الهرمي بنسبة ٩٩.٧%. وسبق أن الحكم للغالب، فيكون الغالب هو إرادة التسلسل الهرمي. وإذا كان الأخير في ذاته محرماً لأنه أكل للمال بالباطل، لزم حرمة الشراء بناء على ذلك. التسويق على من؟ ومما يبيّن الفرق بين التسويق الهرمي والسمسرة المعروفة، أن السمسار يحصل على عمولة مقابل بيع السلعة لشخص أو عدد محدد من الأشخاص، لكن لا علاقة له بما يفعله المشترون بالسلعة. فعلاقة السمسار بالمشتري تنتهي بمجرد الشراء.

стр. 8264

أما في التسويق الهرمي، فإن المسوّق لا يحصل على عمولة إلا إذا سوّق لمسوّقين آخرين، وهؤلاء بدورهم يسوّقون لمسوّقين (حتى يصل مجموع المسوّقين في الهرم إلى ما لا يقل عن تسعة، حسب أنظمة الشركة) . فهو يسوّق لمن يسوّق لمن يسوّق، ولا يحصل على عمولة إلا بهذه الطريقة. فليس من مصلحة أحد في الهرم أن يبيع على من يشتري السلعة لينتفع بها أو يستخدمها لنفسه دون أن يسوّقها. بل يحرص كل منهم على أن يبيع لمسوّقين. وهذا يؤكد أن السلعة غير مقصودة إطلاقاً، بل هي مجرد ذريعة لنمو هرم المسوّقين فحسب. بينما تهدف السمسرة العادية إلى البيع لعملاء هدفهم في النهاية الانتفاع بالمنتج وليس السمسرة. فمهما طالت سلسلة السماسرة الوسطاء إلا أنها لا بد أن تنتهي عند المشتري النهائي. والمشتري النهائي هو مصدر الربح والعمولات لكل منهم، وهذا هو المنطق الاقتصادي وهو الواقع العملي. أما في التسويق الهرمي فالأمور مقلوبة تماماً، لأن مصدر الربح ليس هو المشتري النهائي، بل هو الطبقات التالية من المسوّقين، الذين بدورهم يربحون ممن يليهم، وهؤلاء ممن يليهم، ... إلخ. وهذا هو التسلسل الباطل الذي سبق الحديث عنه. فكيف يقال بعد هذا إن التسويق الهرمي من جنس السمسرة العادية؟ خاتمة وبعض الردود التي وقفت عليها لم يتصور أصحابها للأسف حقيقة الأمر، فهم يشبهون التسويق الهرمي بالسمسرة المشروعة. ولا يمكن أن يقول بهذا التشبيه من تصور الأمر على حقيقته. ولا أجد أفضل من أن أطلب من هؤلاء الإخوة التريث في الأمر وإعادة دراسته دراسة متأنية. فتشبيه التسويق الهرمي بسمسرة العقار أو السلع العادية، كتشبيه بيع الوفاء بالإجارة، أو العينة بالمرابحة. ولو كان أصحاب هذه الشركة يقومون بالسمسرة فعلاً لما احتاجوا إلى الاستفتاء أصلاً، فهل رأيت مكاتب عقارية تحرص هذا الحرص على استصدار فتاوى بجواز عملها؟ فلولا ما يجدونه في أعماق قلوبهم من الشك والريبة لما حرصوا هذا الحرص، وقد قال أفضل الخلق ﷺ : "الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطّلع عليه الناس." (٦) وقال ﵊: "البرّ ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك." (٧) "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم." والحمد لله رب العالمين. كما عقب الشيخ سلمان بن فهد العودة المشرف العام على موقع (الإسلام اليوم) على رسالة الأخ إبراهيم الكلثم بالتعقيب التالي: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،،، قرأت بحثكم المرفق المتعلق بشركة (بزناس) وحكايتكم للأقوال وأدلتها، وأرى أنه بحث جيد وإن كانت المسألة من الفرعيات التي يسوغ الخلاف فيها. وقد سبق أن قرأت بحثاً آخر جيداً للأستاذ / سامي السويلم حول الموضوع وهو منشور في موقع (الإسلام اليوم) وإليك (رابط الفتوى) . وذهب فيه إلى التحريم.

стр. 8265

والذي أميل إليه أن الحكم في هذه المسألة وما شاكلها يعتمد على حقيقة الحال، فإن كانت الخدمات المتوفرة قوية وملائمة ولها تميز عن غيرها، إما بجودة وإما برخص، وعلى هذا تم الاشتراك فيها للاستفادة من خدماتها وتسويقها للآخرين، فهذا جائز، وهذا ما أكده لي عدد من المشتركين في الشركة. ولو كانت الخدمات أو البرامج أو السلع في هذه الشركة أو في أي شركة أخرى تعتمد النظام ذاته صورية أو ضعيفة ولا قيمة حقيقة لها وإنما الناس يشتركون ويسوقون من أجل الحصول على المقابل المادي الذي ينتظرهم إذا أقنعوا أشخاصاً آخرين.. ففي هذه الحالة يكون الأمر محرماً والله أعلم.

стр. 8266

بيع قسيمة الشراء بأقل من قيمتها د. سامي بن إبراهيم السويلم (*) ١٧/٧/١٤٢٥ ٠٢/٠٩/٢٠٠٤ سبق وأن نشرنا في نافذتنا فتوى حول (بيع قسيمة الشراء بأقل من قيمتها) ثم وردنا تعقيب من أحد الإخوة يستشكل فيه جواز بيع هذه القسيمة بأقل من قيمتها إلى آخر ما ذكر-.فعرضنا هذا التعقيب على أحد المشائخ المشاركين معنا في الإجابة على أسئلة السائلين فتكرَّم بالتوضيح والبيان، فإليكم التعقيب والتوضيح. التعقيب: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: الإخوة الكرام بموقع الإسلام اليوم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نسأل الله أن ينفع بكم، ولقد قرأت فتوى بموقعكم تحت عنوان: (بيع قسيمة الشراء بأقل من قيمتها) ، ولي على هذه الفتوى هذا الاستشكال، وأرجو عرض هذا الاستشكال على أهل العلم بفقه المعاملات من موقعكم، وخاصة الشيخ السويلم، نص الاستشكال: قسيمة الشراء هي بمثابة سند بقيمة مالية معينة تمنحها بعض الشركات لموظفيها إما على سبيل القرض، أو على سبيل الهبة، أو على سبيل المكافأة. هذه القسيمة بمثابة سند للموظف بقيمة مالية معينة، بشرط أن يشتري بها من مكان مخصوص، فهو داخل في مفهوم الأوراق التجارية كالشيك، والسند، والكمبيالة. فهل أجاز أحد من الفقهاء بيع الشيك أو السند؟ أو الكمبيالة بأقل من قيمتها؟! أليس هذا هو ربا الفضل المحرم؟ أليس هذا ما تحدث عنه علماء العصر مما يعرف بخصم أو حسم الأوراق التجارية بداية من الشيخ الهمشري، ونهاية بوقتنا هذا ... فكانت الفتوى على التحريم؟. إن إجازة هذه الصورة ينتج عنها جواز بيع بطاقة الائتمان بأقل من قيمتها. وخلاصة الأمر أن هذه القسيمة إما أن تمثل مالاً أو عروضاً. فإذا مثلت مالا فيجوز بيعه، ولكن لا يجوز بيعه بأقل من جنسه، وإلا وقع ربا الفضل. وإما أن يمثل عروضاً، والعروض يجوز بيعها بالثمن الذي يتفق عليه، ولكن البيع هنا لا يجوز؛ لأنه بيع قبل الشراء، وبيع قبل القبض، وبيع مجهول للطرفين. التوضيح: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: إذا كانت القسيمة المشار إليها صادرة من المحل التجاري، كما يفهم من السؤال من أنها باسم المحل وليست باسم الشركة، وتعطي حاملها الحق في الحصول على بضاعة من هذا المحل قيمتها ٥٠٠ ريال، وليس الحصول على النقد، فهذه القسيمة تمثل سلعاً في الذمة، بمثابة دين السَّلم، ولكن هذا الدين لم يتحدد فيه نوع المبيع وقدره، وإنما تحدد مصدره وقيمته، وهذه الصورة لا حرج فيها شرعاً على الأظهر؛ إذ يجوز للرجل أن يسلم مبلغاً من المال للبقال على أن يأخذ منه كل يوم بضاعة بحسب حاجته، وبحسب سعرها، والتزام البقال بذلك من جنس دين السلم، وهو نظير التزام المحل هنا بالبيع لحامل القسيمة، وثمن القسيمة قد يكون دفعته الشركة مقدماً للمحل، وقد يكون التزم به صاحب المحل ابتداء، وفي كلتا الحالتين هو بمثابة دين السلم كما سبق.

стр. 8267

إذا تقرر ذلك فدين السلم يجوز بيعه - قبل قبضه - عند الإمام مالك، ومنع من ذلك الجمهور؛ لأنه بيع لما لم يقبض، ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية جواز بيع دين السلم قبل قبضه بشرط ألا يربح منه (أي لا يكون ثمن البيع أكبر من رأسمال السلم) ؛ لئلا يقع في ربح ما لم يضمن. والأقرب -والله أعلم- هو جواز بيع دين السلم قبل قبضه؛ لأنها معاملة تخلو من الربا، فليس فيها نقد بنقد، وإنما نقد مقابل سلع في الذمة، وفيما يتعلق بالقسيمة فالربح غير متصور؛ لأن الموظف حصل على البطاقة دون دفع مقابل، ثم يبيعها بأقل من قيمتها، وعدم تحديد نوع السلع وقدرها لا يضر بالعقد؛ لأنه لا يؤدي للنزاع، والجهالة المحرمة شرعاً هي التي تفضي للنزاع، والنزاع هنا منتف بتحديد المحل التجاري، وتحديد القيمة الكلية. وبهذا يتبين الفرق بين هذه القسيمة، وبين الورقة التجارية (الشيك والكمبيالة) التي أشار إليها الأخ الفاضل، فهذه الأوراق تمثل نقوداً في الذمة، بينما القسيمة تمثل سلعاً في الذمة، والفرق بينهما ظاهر، وبيع السلع في الذمة مقابل نقود حاضرة لا حرج فيه، بل هذا هو عقد السلم، إذ هو بيع لسلع في الذمة مقابل نقود حاضرة، وإنما المحذور بيعها مقابل نقود في الذمة؛ لأن ذلك من بيع الدين بالدين المجمع على تحريمه. أما مقارنة القسيمة ببطاقة الائتمان، وفق ما ذكره الأخ في رسالته، فالفرق بينهما من وجوه: (١) أن بطاقة الائتمان تصدر من البنك ولا تمثل سلعاً في ذمة البنك، بل ضماناً من المصرف بالسداد، بخلاف القسيمة فإنها تمثل سلعاً في ذمة المحل التجاري، فبيع البطاقة يعني المعاوضة على الضمان، وهو محرم شرعا؛ ً لأنه يؤول إلى الربا. (٢) أن مشتري البطاقة لا تنتهي مسئوليته بقبض السلع من المحلات التجارية، بل يجب عليه سداد قيمتها للمصرف، فبيع البطاقة في هذه الحالة، حتى لو كانت تمثل سلعاً في الذمة، بمثابة بيع الدين بالدين، وهو ممنوع بالإجماع، بخلاف القسيمة فإن مشتريها لا يترتب في ذمته أي دين، فلا تتضمن بيع الدين بالدين. (٣) أن البطاقة تسمح بالحصول على النقد من خلال أجهزة الصرف الآلي، بخلاف القسيمة، فبيع البطاقة بيع لحق الاقتراض من البنك، وهو يؤول إلى الاقتراض بفائدة، فقياس بيع القسيمة على بيع البطاقة الائتمانية قياس مع الفارق المؤثر. وبناء على ما سبق فالأظهر -والله أعلم- هو جواز بيع القسيمة المشار إليها إذا كانت تمثل سلعاً أو منافع في ذمة مصدرها، ولا تسمح لحاملها بالحصول على النقد، وكان ثمنها مدفوعاً نقداً. والله الهادي إلى الصواب، والحمد لله رب العالمين.

стр. 8268

غرابة محاولة الرسول ﷺ التردي د. الشريف حاتم بن عارف العوني ١٨/٢/١٤٢٥ ٠٨/٠٤/٢٠٠٤ ورد إلى نافذة الفتاوى سؤال يتعلق بخبرِ همّ النبي ﵊ بإلقاء نفسه من ذروة جبل وهو في صحيح البخاري فأجاب عنه فضيلة الشيخ/ د. الشريف حاتم بن عارف العوني - حفظه الله - وذكر أن القصة لا تصح أصلاً وقد أظهر البخاري ضعفها. ثم وردنا تعقيب من أحد قرائنا الأعزاء على هذه الفتوى مفاده " لعل الانتحار لم يكن حرم في ذلك الوقت؟ " فعرضنا هذا التعقيب على الشيخ المجيب؛ فتفضَّل بالإجابة. جزاه الله عنا خيراً، فإليكم التعقيب والتوضيح التعقيب: فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لماذا لم يذكر الدكتور حاتم أن المبرر في همِّ الرسول بإلقاء نفسه من الجبل هو أن الانتحار لم يكن محرمًّا في ذلك الوقت؟ فمن المؤكد أن الواقعة المذكورة كانت في بداية الوحي والرسالة في مكة المكرمة، أما الحديث الشريف: "من قتل نفسه بحديدة...." إلى آخر الحديث، فقد كان في المدينة المنورة بعد الهجرة، وكما هي القاعدة فإن الأحكام اللاحقة تنسخ الأحكام السابقة. أرجو إفادتي وتصحيح المعلومة إن كانت خطأ والنشر إن كانت صواباً، وجزاكم الله خيراً. ***** التوضيح: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فإن غرابة (أو نكارة) خبر محاولة النبي ﷺ أن يتردى من جبال مكة ليست من قِبل أنه فقط قتل للنفس وانتحار، بل من عدة جهات: أولاً: هل يُتصوّر أن النبي ﷺ شكَّ في كونه نبيًّا بعد نزول الوحي عليه؟! فإن شك هو فمن بُعث إليهم أولى بالشك!!! ثانياً: أن النبي ﷺ من حين علم أن ما جاءه من الوحي يقتضي أن يتحمل أعباء الرسالة، فقد ألزمه ربه أن يستعد لذلك للبلاغ والدعوة العظمى. فكيف يجوز له أن يتخلى عن أداء ما كلفه وشرفه به ربه ؟! وما أجل وأعظم ذلك التكليف والتشريف!!!، ولا شك أن تَرْك مهمة التبليغ بهذه الصورة من رسول الله ﷺ أمر مستنكر جداً، وقد عوقب نبي من الأنبياء لأمر أقل من هذا، كما قال تعالى: "وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" [الأنبياء: ٨٧] ، وقال تعالى: "ولا تكن كصاحب الحوت ... " [القلم: ٤٨] . ثالثاً: أن قتل النفس مما ارتكز في الفطر استقباحه، واتفقت عليه جميع الأديان والمذاهب والقوانين، فليس استقباح ذلك منوطاً فقط بورود الشرع به. وإلا فهل استجاز أحدٌ من المسلمين قَتْل نفسه قبل ورود الشرع به، مع ما كان ينالهم من الأذى والتعذيب، بل كانوا يؤمرون بالصبر وعدم الاستعجال. هذا والله أعلم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 8269

حول نكاح الكتابية د. محمد بن سليمان المنيعي ١٦/١١/١٤٢٤ ٠٨/٠١/٢٠٠٤ سبق وأن نشرنا في النافذة حول (نكاح الكتابية) و (الزواج من النصرانية) ثم وردنا تعقيب من أحد الإخوة يشير إلى أن منع الحاكم الزواج من الكتابية - إن رأى ذلك - هو تحريم لما أحله الله - تعالى - إلى آخر ما ذكر-.فعرضنا هذا التعقيب على فضيلة الشيخ المفتي، فتكرَّم بالتوضيح والبيان، فإليكم فإليكم التعقيب والتوضيح. التعقيب: السلام عليكم. بالإشارة إلى جواب الشيخ محمد المنيعي، والذي قال فيه إنه يجوز للحاكم المسلم منع الزواج من نساء أهل الكتاب مع كون ذلك حلالاً في القرآن الكريم، لكن الحاكم المسلم يكون بعمله هذا قد حرم ما أحل الله بآية صريحة في القرآن، فكيف نطيع الحاكم في ذلك؟ إذا جاز للحاكم أن يمنع زواج المسلم بامرأة نصرانية فهل يجوز أن يمنع تعدد الزوجات وأموراً أخرى صرَّح القرآن بإباحتها؟. ***** التوضيح فَرْقٌ يا أخي بين المنع والتحريم، خذ مثالاً على ذلك، لو منعت ولدك من أكل نوع من الطعام في الليل لمصلحة تراها فهل يعني هذا أنك حرمت أكل هذا النوع من الطعام على ابنك؟ وهل يجوز لولدك أن يقول: لم تحرم ما أحل الله لي؟ وعلى ذلك أقول: لولي الأمر أن يمنع شيئاً من المباحات أو يحرم العمل بها؛ لمصلحة يراها، تعود بالنفع على المسلمين. وهذا له شواهد كثيرة. فمنها أن عمرو بن العاص ﵁ كان أميراً على جيش رسول الله ﷺ في إحدى المغاري، فنهاهم عن إيقاد النار في الشتاء مع حاجتهم لذلك، ونهاهم عن أخذ الغنائم لمصلحة يراها، فالتزم صحابة رسول الله ﷺ ذلك وأقرهم الرسول ﷺ ولم يعترض عليهم ومن ذلك منع عمر بن الخطاب ﵁ النكاح بنساء أهل الكتاب لمصلحة يراها، وامتثل ذلك صحابة رسول الله ﷺ . ومن ذلك أمر عثمان بن عفان زيد بن صوحان ﵄ أن يترك المدينة، ويرحل إلى الشام لخطأ ارتكبه، فامتثل ذلك، وسافر إلى الشام، وغير ذلك من الأمثلة الكثير،. انظر مصنف عبد الرزاق (٧/١٧٦ - ١٧٩) ، ومصنف ابن أبي شيبة (٣٣٦٥٦) ، وتفسير ابن جرير (٢/٣٩٠) ، وسنن البيهقي (٧/١٧٢) ، وتاريخ دمشق (٤٦ / ١٤٤ - ١٤٥) وسير أعلام النبلاء (٣/٦٦) وتفسير ابن كثير (٢/٥٤٠) ، والدر المنثور (١/٥٧٦) ، ويكفيك من ذلك كله قوله - تعالى -: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" [النساء:٥٩] .

стр. 8270

رقية المعيون بـ (حَبسٌ حَابسٌ، وحَجَرٌ يابسٌ، وشهابٌ قابسٌ ..) د. عبد الله بن عمر الدميجي ٢٤/١٠/١٤٢٤ ١٨/١٢/٢٠٠٣ نذكِّر الإخوة القراء أن هذه الزاوية (في البدء) ؛ افتتحت لتكون إطلالة تواصل مع الإخوة (زوَّار الموقع) ، نعرض فيها قضايا نافذة الفتاوى، مع ما يمكن من الكلمات النافعة والفتاوى المختارة، كما نعرض فيها قضايا رسائل الزوار المتعلقة بوضع النافذة بشكل عام. وقد وردنا تعقيب من أحد الإخوة على فتوى (ما يقال للعائن لاتقاء عينه؟) نقل فيه قصة أبي عبد الله الساجي، وأنه قال: حبس حابس.... إلى آخر ما ذكر، فعرضنا هذا التعقيب على فضيلة الشيخ المفتي، فتكرَّم بالتعقيب والتوضيح. التعقيب: بسم الله الرحمن الرحيم، ذكر في فتوى للدكتور الدميجي إجابة على استفتاء أحد الإخوة حول ما يقال للعائن عند إلقاء عينه ما يلي: "أما ما سمعه السائل: (حبس حابس ... الخ) فهذه خرافة يقولها المستعينون بالجن، وهذا شرك لا يجوز أن يقال، وضرره مؤكد ولا نفع فيه" أهـ. فأنقل للشيخ ما يلي: "فصل في الرُّقى التي تَرُدُّ العين: ومن الرُّقى التي ترُدُّ العين ما ذكر عن أبي عبد الله الساجي، أنه كان في بعض أسفاره للحج أو الغزو على ناقة فَارهة، وكان في الرفقة رجل عائن، فما نظر إلى شيء إلا أتلفه، فقيل لأبي عبد الله: احفَظ ناقَتك من العائن، فقال: ليس له إلى ناقتي سبيل، فأُخبرَ العائنُ بقوله، فتحين غيبة أبي عبد الله، فجاء إلى رحله، فنظر إلى الناقة، فاضطربت وسقطت، فجاء أبو عبد الله، فأُخبرَ أن العائنَ قد عانها، وهي كما ترى، فقال: دلُّوني عليه، فدُل، فوقف عليه، وقال: بسم الله، حَبسٌ حَابسٌ، وحَجَرٌ يابسٌ، وشهابٌ قابسٌ، رددتُ عينَ العائن عليه، وعلى أحب الناس إليه، ﴿فارجع البَصَرَ هَل تَرَى من فُطُورٍ. ثم ارجع البَصَرَ كَرتَين يَنقَلب إلَيكَ البَصَرُ خَاسئاً وهُوَ حَسيرٌ﴾ فخرجت حدقتا العائن، وقامت الناقةُ لا بأسَ بها". فهل هذا زلة من الدكتور أم اجتهاد منه في موضعه؟ أرجو التوضيح من أصحاب الفضيلة. ***** التوضيح الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد: فإني أشكر الأخ السائل على استفساره، وحرصه على التثبُّت في أمور دينه، وهذا هو المطلوب من كل مسلم، وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع، كما قال سعيد بن جبير لحصين بن عبد الرحمن، وكان عليه الرجوع إلى الحق إذا تبين، وسؤال أهل الذكر إذا كان لا يعلم، والتثبُّت مما يقف عليه أو يقال له، خاصة فيما يتعلَّق بعقيدته وإيمانه الذي هو أغلى ما يملك في هذا الوجود. ثم إن جميع الكلام المذكور في الاستفسار عدة ملاحظات منها: ١. أما بخصوص الرقى التي ترد العين فالصحيح أن ذلك موقوف على ما ورد به الشرع، وهذا ما لم يتوفر في هذه الرقية المذكورة، ونسبتها إلى أحد العلماء إذا لم يذكر دليلها الشرعي فإنه لا يعطيها الصبغة الشرعية، ولا تجوز المتابعة له في ذلك بغير دليل، خاصة وقد بين لنا النبي الكريم ﷺ الرقية الشرعية لمثل هذه الحالة، فلا يجوز العدول عن بيان النبي ﷺ إلى كلام غيره مهما كانت منزلته.

стр. 8271

٢. ثم إن هذا الكلام المذكور ليس دعاءً ولا استعاذة بأسماء الله تعالى وصفاته، وإنما هو من السجع المتكلف الذي هو أقرب إلى سجع الكهان، وليس له معنى ظاهراً يحكم عليه من خلاله، فما معنى حابس ومن هو هذا الحابس؟ وما المقصود بالحجر اليابس؟ وما علاقة الحجر اليابس والشهاب القابس بالرقية من العين؟ ٣. ثم إن في العمل بهذه الرقية عدول عما دلنا عليه النبي ﷺ إلى كلام غير ظاهر المعنى والمراد، وغير معروف المصدر كما تقدم، وهذا لا يجوز. ٤. ثم إن في هذا الكلام المسجوع عدة مخالفات شرعية منها: أ. ما ورد فيه من قوله: "رددت عين العائن عليه، وعلى أقرب الناس إليه"، والسؤال ما ذنب أقرب الناس إليه؟ وقد بين لنا القرآن الكريم أنه "لا تزر وازرة وزر أخرى" و "وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى". ب. أن فيه استشهاد بالآية في غير ما سيقت إليه ومن غير مناسبة، وليس البصر المذكور في الآية هو بصر العائن كما هو ظاهر وجه الاستدلال. ٥. ثم إن في صحة نسبة هذا الكلام إلى أبي عبد الله السياجي نظراً وذلك من وجوه: أ. أنه لم يذكر هذا القول بإسناد يمكن أن يحكم عليه من خلاله، ويتثبت من صحته إليه. ب. أنه يذكر في كتب التواريخ والسير والتراجم من القصص والحكايات ما لا يصح نسبته إلى قائلها، وخاصة فيما يتعلق بالكرامات والأمور الخارقة للعادة، ولا يجوز لنا أن نأخذ ديننا من مثل هذه الحكايات التي لا زمام لها ولا فطام، ونترك ما ثبت عندنا من قول المعصوم ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. ج. أنه لو ثبت ذلك - وهيهات أن يثبت - فلا تجوز لنا متابعته عليه، وإنما المتابعة للمعصوم ﷺ كما ذكر آنفاً. ٦. نعم قد روى أبو يعلى في مسنده (٩/١٧٧) وابن السني في عمل اليوم والليلة رقم (٥١٠) والطبراني في الكبير (١٠/٢٦٧ رقم (١٠٥١٨) حديثاً مفاده ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فلينادي يا عباد الله احبسوا، فإن لله حاضراً سيحبسه" فهذا الحديث مع أنه ليس موضوعنا صراحة إلا أنه لا يصح أيضاً؛ لأن فيه معروف بن حسان وهو منكر الحديث كما قال الذهبي في الميزان (٤/١٤٣) ، وأعله الحافظ ابن حجر في الفتوحات الربانية (٥/١٥٠) بالانقطاع، وفيه سعيد بن أبي عروبة مختلط ومدلس، وقد ضَّعف الحديث الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/١٣٢) والبوصيري كما في الإتحاف بذيل المطالب العالية (٣/٢٣٩ رقم ٣٣٧٥) ومن المعاصرين الألباني في الضعيفة رقم (٦٥٥) . وأما دعوى أنه قد تعتبر هذه الرقية شركاً، فهذا على اعتبار أن الحابس من الجن، وأن هذا دعاء له واستعانة من دون الله تعالى، فهذا لا يكون إلا بالجن والاستعانة بالجن في مثل هذا الأمر هو ضرب من ضروب الشرك. والله أعلم وأحكم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 8272

في السعودية هل فاتنا يوم من رمضان ؟ عبد الله بن سليمان بن منيع ١٩/١٠/١٤٢٤ ١٣/١٢/٢٠٠٣ انتشرت أخيراً شائعة بأن شهر رمضان قد ثبت دخوله ليلة الثلاثين من شعبان، وأن على من أفطر هذا اليوم باعتباره الثلاثين من شعبان قضاؤه، وعليه فإن على سكان المملكة قضاء يوم من رمضان، ولكثرة ما وردنا من تساؤلات حول هذا الموضوع عرضنا السؤال على سماحة الشيخ/ عبد الله بن سليمان بن منيع (عضو هيئة كبار العلماء) . ***** فأجاب - حفظه الله-:

стр. 8273

لا شك أن أمر ثبوت الهلال مبني على ثبوته شرعاً برؤية معتبرة لدى الجهة المختصة بإثبات الهلال، وذلك لقوله ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، ولم يثبت لدى هذه الجهة المختصة رؤية معتبرة بأن يوم الأحد هو اليوم الأول من أيام رمضان، وإنما ثبت بأن يوم الأثنين هو أول أيام شهر رمضان بالنسبة لما عليه الأمر في المملكة العربية السعودية؛ ولئن كان الهلال مولوداً مساء السبت الساعة الرابعة إلا تسع دقائق، وأنه يتأخر عن الشمس في الغروب أربع دقائق، بحيث تغرب الشمس قبله يوم السبت بأربع دقائق، ويتخلف عنها بهذا العدد من الدقائق، فيستبعد أن يُرى في المملكة؛ لقصر المسافة الزمنية بين غروب الشمس وغروبه؛ ولئن ثبت في بعض البلدان الإسلامية كجمهورية مصر العربية والأردن واليمن والسودان، فهذا يعني أن هذه البلدان نحو الغرب بالنسبة للمملكة، فيحتمل أن يكون بين غروب الشمس وغروب القمر مدّة زمنية أكثر من أربع دقائق يتمكَّن فيها متراؤا الهلال أن يروه في هذا الوضع، وقد سبق أن صدر قرار من هيئة كبار العلماء ببحث موضوع ما إذا ثبت في إحدى البلدان الإسلامية هل يكون ملزماً للبلدان الأخرى أم لا؟ بحث هذا الموضوع في هيئة كبار العلماء، وكانت نتيجة البحث هو أن يوكل لأهل الحل والعقد في كل بلد إسلامية أمر ما يختارونه من أحد أمرين: وذلك في حال ثبوت الهلال في إحدى البلدان الإسلامية: فإما أن يختار أهل الحل والعقد في البلد التي لم ير فيها الهلال تقليد البلد الإسلامي الذي رآه، أو يختارون الاستقلال بالرؤية وعدم التقليد، ونظراً لأن الموضوع محل خلاف قوي، فقد أصدر مجلس هيئة كبار العلماء قراراً بأن ذلك راجع إلى أهل الحل والعقد في كل بلد إن اختاروا الاستقلال في الرؤية فلهم ذلك، وإن اختاروا تقليد غيرهم من البلدان الإسلامية الأخرى التي ثبت لديها الهلال، فلهم ذلك، ولكل رأي أو قول من هذين القولين، أنصار وعلماء قالوا بذلك، وفي الأمر نفسه لا يخفى أنه لا يجوز لدى مجموعة كبيرة من أهل العلم العمل بالحساب الفلكي في حال الإثبات، لقوله ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، ولم يجعل ﷺ المعيار أو الضابط في ذلك الحساب الفلكي، وإنما كان الأمر في ذلك راجع إلى الرؤية، والله يقول في محكم كتابه: "فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ" [البقرة: من الآية١٨٥] ، أما في حال النفي فيجب العمل بالحساب الفلكي، فإذا قال الحساب الفلكي بأن الهلال لا يولد إلا بعد غروب الشمس، ثم جاء من يقول إنه رأى الهلال قبل غروب الشمس، فهذا في الواقع باطل؛ لأن هذه الشهادة لم تنفك عما يكذبها، فوجب ردُّها مهما كان قائلها، ومهما تعدَّد الشاهدون بها، والحاصل أنه ليس على من صام في المملكة قضاء يومٍ على أنه الأول من رمضان بل صومهم تام إن شاء الله. والله أعلم.

стр. 8274

الزواج عبر الإنترنت سامي بن عبد العزيز الماجد ١٧/١٠/١٤٢٤ ١١/١٢/٢٠٠٣ ورد إلى نافذة الفتاوى سؤال يتعلق بموضوع الزواج عبر الإنترنت، فأجاب عنه فضيلة الشيخ/سامي بن عبد العزيز الماجد - حفظه الله - وكان عنوان الفتوى (الزواج عبر الإنترنت) ذكر فيها بعض الضوابط للمراسلة، وحذر فيها النساء من الانخداع بالطرف الآخر، ثم وردنا تعقيب من أحد قرائنا الأعزاء على هذه الفتوى، وذكر أن المراسلة خطوة أولى من خطوات الشيطان؛ لأن المرأة ضعيفة، فعرضنا هذا التعقيب على الشيخ المجيب، فتفضَّل بالإجابة. جزاه الله عنا خيراً، فإليكم التعقيب والتوضيح. التعقيب: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: أسأل الله أن ينفع بكم وبعلمكم، وأن يهدينا وإياكم إلى سواء السبيل، عندي استفسار يا شيخ بخصوص فتوى الزواج من خلال الإنترنت، وقد ذكرتم بعض الضوابط للمراسلة، وحذرتم النساء من الانخداع بالطرف الآخر، ولكن مع ذلك ألا ترى أن هذه هي الخطوة الأولى من خطوات الشيطان؛ لأن المرأة أضعف من أن تتصدى للهجوم بمعسول الكلام، ولو تركت مراسلته فقد يستمر هو، ثم هل يرضى أحدنا لابنته مثل هذه الرسائل؟ أو لأخته مثلاً؟ لا أظن ذلك، أسأل الله أن يعينكم على كل خير، وأن يعينكم علي وعلى أمثالي. والله يرعاكم. ***** التوضيح الأخ الفاضل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. جزاك الله خيراً على نصحك لأخيك، وعلى حسن أدبك ولطفك في حوارك. ما تساءلت عنه أمر وجيه، جدير أن يحترم مهما كانت درجة الاختلاف. لكن ألا ترى يا أخي أن المرأة التي ترتاب في رسائل التعارف قبل الزواج هي غير تلك المرأة التي تنساق بلا تردد ولا تساؤل إلى تلك المراسلات، بل برغبة ملحَّة وتلهف لا يني. ألست تجد الأولى يحيط بها شعور الحذر والاحتياط، بينما الأخرى لا يحيط بها إلا الشعور بالزهو والإعجاب، بثناء الطرف الآخر واللهث وراء معسول كلامه؟. إن من تأتيك لتستفتيك في هذه المكاتبات التي يعني كل طرف فيها أن يتعرف على شخصية الآخر وصفاته- لا تحتاج إلى هذا الاحتياط والتحرز الذي تطالب به، لأنها لم تسأل إلا وهي متخوفة مرتابة في نوايا الطرف الثاني. وهل يجسر أحد على تحريم هذه الرسائل ما دامت لم تند عن هذه الضوابط؟. والمرأة إذا هي انهزمت وانساقت للرجل في رسائل خارجة عن المقصود، فإنما ذلك لأنها قد أخلَّت بشيء من ضوابط المراسلة المباحة. أجده سائغاً أن تمنع المرأة من محادثة الرجال مباشرة بواسطة ما يعرف بـ (الماسنجر) ؛ لأن هذه المخاطبة المباشرة كثيراً ما تفضي بالمتحاورين إلى الاستطراد والخروج عن الهدف المقصود، وقد يستجرهما الشيطان بعد حين إلى الخوض في أمور لا تحمد عقباها.

стр. 8275

ولكن ثمة فرقاً بين هذه المحادثة المباشرة وبين المراسلة عبر البريد الإلكتروني؛ فخطورة الاستطراد والاستدراج في المكاتبة المباشرة أشد منها في المراسلة غير المباشرة إلى حد بعيد، ففي الحديث المباشر يسهل على الشاب أن يختلق للفتاة أجواءً من الرومانسية، فيسيطر على مشاعرها ويستدرجها إلى مآرب غير معلنة بادئ الأمر، كما أن الفتاة قد تسرع إلى الاستجابة لمعسول كلامه من غير تفكير ولا روية، لأنهما يتداوران الكلام كما لو كانا يتحادثان عبر الهاتف، فمجال التروي والتفكير فيه قصير قصر ما بين تعاقبهما في الحوار. فالقول بتحريم المراسلة عبر البريد الإلكتروني بغرض الزواج -سداً للذريعة وخشية على المرأة أن تضعف وتستجيب لحبال أهل الشهوات - أراه من البالغة في العمل بسد الذرائع، فليس هو بمظنة الفتنة، وفي ذلك تضييق لمساحة المباحات والرخص. إن الإذن للمرأة بمراسلة الشاب فيما يخص موضوع الزواج ليس هو الذي يجعلها تضعف أمام تلك الرسائل التي تخرج عن الموضوع المقصود إلى العلاقات العاطفية المريبة. إنما الذي جعلها تضعف لمعسول الكلام، وتستجر لأهداف مريبة هو التقصير في توعيتها بالخطاب المؤثر، حتى خبت جذوة الإيمان في قلبها، وهان عليها مخالفة أمر الله. إن الأولى من انتهاج المبالغة في سد الذرائع أن نضاعف جهودنا في تجديد خطاب الوعظ، وأساليب الترهيب والترغيب، وأن نتوخى في ذلك ما هو أشد تأثيراً وأعذب لفظاً وألين أسلوباً، بحيث يبرز فيه احترام ذات المرأة وإحسان الظن بها بقدر ما تختفي فيه لغة الاتهام وإطلاق الأحكام جزافاً، وبحيث يجمع بين مخاطبة العقل وإحياء العاطفة، وبين المنطق العقلي والأسلوب البليغ المؤثر، والمرأة بحاجة إلى من يقنعها لا إلى من يقرعها ويضفي عليها الأوصاف المشنوءة. إن المرأة قد تخطئ وتزل قدمها في مزالق الشيطان، فيتعين حينئذ الأخذ بيدها وتخويفها، غير أن تحذيرها من هذه المزالق المردية لا يضطرنا أبداًَ إلى أن نسيء بها الظن، أو نطلق عليها الأحكام جزافاً، ونرميها بالتهمة، ونؤاخذها بالظنة. وأحسب أننا نخطئ التقدير حين نظن أن المرأة أضعف من الرجل أمام المغريات وذرائع الفتنة، وأنها أسرع استجابة وأيسر استدراجاً إلى مهيع الفاحشة. والذي يظهر أن الرجل هو الأضعف والأسرع استجابة، والأيسر في الاستدراج بشهادة الواقع. وخطاب الوحي المقدَّس يشي بهذا، كما في قوله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ... الآية"، فبدأ بالأنثى قبل الذكر، لأن الإغواء والإغراء أكثر ما يقع منها هي، يظهر أمامه ضعف الرجل، فيسارع للاستجابة والمطاوعة، ولكن في السرقة بدأ بالذكر قبل الأنثى، لأن حب المال في جنس الرجال أكثر منها في جنس النساء: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ... الآية". وإنما توهمنا أن المرأة هي الأضعف، لأن الرجل في الغالب طالب، والمرأة مطلوبة، ومن كان شأنه أن يكون مطلوباً ليس بمستغرب أن يرى الضعف والاستجابة والمطاوعة أكثر مما يرى من الرجل؛ لأنه في الغالب هو الذي يطلب الطرف الآخر، ويسعى للاستحواذ عليه.

стр. 8276

وحتى يستبين لك هذا جلياً: انظر إلى كيف هو ضعف الرجل حين يكون مطلوباً تتعرض له المرأة بالإثارة والإغراء فهو- بلا شك- أمام إغراء المرأة أضعف وأقل صبراً وأسرع استجابة من المرأة أمام دعوته وتسويله. إننا لا نعترض على العمل بسد الذرائع، فهو دليل من الأدلة الشرعية، ولا على الغيرة على الأعراض، فقد أثنى النبي ﷺ على بعض الصحابة ﵃ غيرتهم، ولا على حماية المرأة من وسائل الإغواء، فزماننا قد كثر فيه الفساد وتسلَّط فيه أهل الشهوات، لكن الاعتراض يتوجه إلى المبالغة المفرطة في سد الذرائع، وفي المنع والتحرز إلى حد تشعر فيه المرأة أنها مسلوبة الثقة، وأنا هنا لا أتكلم بخصوص مراسلتها عبر البريد الإلكتروني فقط، بل عن أسلوب معاملتنا لها على وجه العموم، فمنعت من الإفادة من الإنترنت، وأحياناً من اقتناء الجوال، وكأن دخولها لعالم الإنترنت واقتناءها للجوال هو في ذاته وقوع في شرك الذئاب البشرية التي تتصيد النساء، وتستدرجهن إلى درك الفاحشة، نفعل ذلك في الوقت الذي منحنا فيه أبناءنا الشباب حق الإفادة والاستمتاع بهذه الوسائل، أحياناً برقابة، وأحياناً بلا رقابة!. يجب أن يضبط العمل بسد الذرائع؛ حتى لا نقع في دائرة التشديد وتحريم الحلال، وفي هذا السبيل يجب أن نحقق النظر بتأمل وتجرد وموضوعية في كل وسيلة من الوسائل، هل هي مظنة للفتنة وذريعة إلى الحرام؟ فمثلاً ذهاب الفتاة وحدها إلى الأسواق غير النسائية مظنة للفتنة يجب أن تمنع منه، ودخول الإنترنت باستخفاء في آخر الليل مدعاة للريبة يجب أن يمنع منه الابن والبنت على السواء، وخلوتها ب- الأجنبي حتى ولو كان سائقاً على كفالة والدها - ذريعة للفساد يجب أن تسدَّ. ومع كل ذلك يبقى من المبالغة في سد الذرائع، منع الفتاة من الإفادة من الإنترنت مطلقاً حتى ولو بمرآى من جميع الأسرة وفي وضح النهار، ومن الإفراط في الحذر وسلب الثقة أن تحرم من الجوال وهي محتاجة إليه، في الوقت الذي يمنح الابن حق الإفادة من الحاسوب والجوال بحرية مطلقة أو رقابة غير جادة. وهذا لعمر الحق من التناقض العجيب، وهو يدل على أن أسلوب تعاملنا مع المرأة فيه شيء من الإفراط والحذر وعدم الثقة، وأننا نأخذ بالرقابة وأسباب المنع أكثر مما نأخذ بأساليب التوعية ودعائم تحصين الفكر، فبالغنا في الاحتياط والرقابة والمنع، وأهملنا الجوانب الأخرى من التوعية والتثقيف والتحصين والتهذيب. والحاصل أن هذه المبالغة في سد الذرائع هي بلا شك مجانفة واضحة عن المنهج الوسط، لا يمكن تقويمه إلا بأن ينقص من هذه المبالغة بقدر ما يزاد من الحرص على تنويع الخطاب وتهذيبه والارتقاء بأسلوبه؛ حتى يكون مقنعاً لعقل المرأة مؤثراً في وجدانها. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 8277

وظيفة المحامي في الشريعة الإسلامية أحمد بن عبد الرحمن الرشيد ٦/٨/١٤٢٤ ٠٢/١٠/٢٠٠٣ ورد إلى نافذة الفتاوى سؤال يتعلق بالمحاماة، فأجاب فضيلة الشيخ/ أحمد الرشيد - حفظه الله - عنه وكان عنوان الفتوى (دراسة الحقوق والعمل في المحاماة) ثم وردنا تعقيب من أحد قرائنا الأعزاء على هذه الفتوى، يستشكل أن القوانين المتَّبعة في وظيفة المحاماة لا تستند إلى الشريعة الإسلامية، فيكون الأساس الشرعي ساقطاً شرعاً لهذه الوظيفة. وقد تم عرض هذا التعقيب على الشيخ المجيب، فتفضَّل بالإجابة. جزاه الله عنا خيراً، فإليكم التعقيب والتوضيح. التعقيب: لي تعليق على فتوى فضيلة الشيخ الرشيد، وأرجو من الشيخ أن يتَّسع صدره لجهلي، والفتوى على العنوان التالي: (دراسة الحقوق والعمل في المحاماة) أولا: هل هناك مجال لوظيفة المحامي المتعارف عليها في ظل تحكيم الشريعة الإسلامية؟ وإذا كان كذلك فهناك فرع في علوم الشريعة يهتم بتدريس هذا المجال وفق الضوابط الشرعية، وهنا لا خلاف إذا كان الجواب بنعم. ثانيا: إذا لم يكن كذلك فالشيخ تجاهل كون وظيفة المحاماة - التي يتخرَّج صاحبها بعد دراسة القوانين الوضعية من الجامعة - ومن ثم فهي تتحاكم إلى القوانين الوضعية، والقضايا المتَّصلة بها بالمحاكم يتم التعامل معها وفق الدستور والقوانين القضائية للدولة التي لا تستند إلى الشريعة الإسلامية، فضلاً عن إقصائها لها، إلا ما حصر في شيء من القوانين المدنية أو المحاكم الأسرية إذا صحّ الاصطلاح، وغير ذلك في الدوائر المختلفة بالمحاكم، ووفق ذلك فالأساس الشرعي لهذه الوظيفة يكون ساقطاً شرعاً لتحاكمه للطاغوت واعتماده عليه، وجزاكم الله خيراً. ***** التوضيح الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن وظيفة المحاماة المشهورة في العصر الحاضر لا يمكن إطلاق القول فيها بأنها حلال أو حرام؛ لأنه ليس لها حكم في ذاتها، ولكن حكمها يتبع الأمر الذي يقوم المحامي بالدفاع عنه، فإن كان أمراً واجباً أو جائزاً فإن المحاماة حينئذٍ تكون مشروعة. وإن كان الأمر الذي يقوم المحامي بالدفاع عنه محرماً فإن المحاماة حينئذٍ تكون غير مشروعة. ولذلك فإنه إذا طلب أحدٌ من المحامي الدخول في أي قضية، فإن عليه أن ينظر: فإن كان الحق معه دخل فيها، وإلا فإنه يحرم عليه أن يدافع عن باطل، بل ويجب عليه أن ينصحه ويبين له بطلان دعواه. ومن خلال ما سبق يتبين أن المحاماة عن الحق والدفاع عنه له أصل في الشريعة، وذلك داخل في أمر الشريعة بمساعدة المظلوم والانتصار له، كما قال رسول الله ﷺ : " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" رواه البخاري، وفي هذا العمل ردٌ للأمانات لأهلها، والله يقول: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها"، وفي العموم فإن في المحاماة عن الحق والدفاع عنه تعاوناً على البر والتقوى، والله يقول:" وتعاونوا على البر والتقوى".

стр. 8278

أما ما سألت عنه حول وجود فرع في علوم الشريعة يهتم بتدريس هذا المجال وفق الضوابط الشرعية، فالجواب: نعم، وذلك من خلال معرفة الأحكام الشرعية للأمور التي يُحَامَى عنها، وما هو حلالٌ منها وما هو حرامٌ، ومن خلال معرفة الأصول والقواعد العامة التي تراعيها الشريعة وتأمر بها، وكذلك فإن المحامي يستفيد مما كتبه العلماء فيما يتعلق بدلالات الألفاظ والتراكيب؛ ليعرف ما تدل عليه الألفاظ الدائرة بين الناس، وكذلك ما كتبه العلماء فيما يتعلق بالتعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية ومدلولاتها، ونحو ذلك، وكل ما سبق ذكره يجده الإنسان في المؤلفات التي كتبها العلماء في مجالات: الفقه، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية. وكذلك من الكتب المهمة في هذا الجانب ما كتبه العلماء في الطرق الشرعية للقضاء، ومن ذلك: كتاب الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم (ت:٧٥١) ، وكتاب: تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام لابن فرحون المالكي (ت:٧٩٩هـ) ، وكتاب: معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام للطرابلسي الحنفي (ت:٨٤٤هـ) ، وغيرهم. أما إذا كان الإنسان يعيش في بلد يُتحاكم فيه إلى القوانين الوضعية، فإنه يجب عليه ألاّ يدخل في أي قضيةٍ إلا بشرط أن يعرف أن الحكم الذي يطالب به لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، وذلك لأنه لا تعارض بين جميع القوانين الوضعية وأحكام الشريعة الإسلامية، فما كان منها موافقاً جاز للمحامي المطالبة به، وما كان منها مخالفاً حرم عليه المطالبة به؛ عملاً بما دل عليه الكتاب والسنة من وجوب التحاكم إلى ما شرعه الله ورسوله ﵊. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

стр. 8279

مراجعات على فتوى الفضائيات سامي بن عبد العزيز الماجد ٢٣/٦/١٤٢٤ ٢١/٠٨/٢٠٠٣ نذكِّر الإخوة القراء أن هذه الزاوية (في البدء) ؛ افتتحت لتكون إطلالة تواصل مع الإخوة (زوار الموقع) ، نعرض فيها قضايا نافذة الفتاوى، مع ما يمكن من الكلمات النافعة والفتاوى المختارة، كما نعرض فيها قضايا رسائل الزوار المتعلقة بوضع النافذة بشكل عام. حيث وردنا تعقيب من أحد الإخوة على فتوى (وضع الدش والتحكم فيه) يرى فيه إغلاق هذا الباب جملة وتفصيلاً؛ حتى لا يكون ذريعة توصل إلى ما حرم الله، وقد عرضنا هذا التعقيب على فضيلة الشيخ المفتي فتكرم بالتوضيح والبيان. التعقيب: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مع احترامي وتقديري لرأي الشيخ في هذه الفتوى إلا أنه فتح علينا باباً لا يغلق، أتعلم يا شيخ أن أقل دش تشتريه يحمل في طياته أكثر من خمسين أو ستين قناة، النافع منها واحدة أو اثنتان؟ إن أولادنا الآن - ومع تطور العلم - يستطيع ذو العشر سنوات منهم أن يفك التشفير، أو الحجب الذي قام بوضعه الأب, والأب لا يدري عن ذلك، ظانا أن الأمر كما تركه عليه، مستنداً إلى فتوى الشيخ سامي الماجد؟ يا شيخ لقد فتحت بفتواك هذه - في هذا الموقع الموثوق - باباً من الشر لا يعلمه إلا الله، وليس فقط فتح باب ولكن ذريعة لأهل الفساد أن يستهزئوا بأهل الخير، ولتعلم يا شيخ أن عامة الناس يعتبرون أناساً محافظين عاديين، يتأرجحون بين شراء الدشوش وبين عدمه، وبفتواك هذه أعطيتهم دفعة قوية للمضي قدما فيما ترددوا فيه، ويأتيهم الشيطان بقول لقد أفتاكم سامي الماجد، نسأل الله أن يغفر لك يا شيخ، وأرجو أن تراجع كلامك وتدرس المصالح والمفاسد من الدش، وتخرج لنا الرأي الشرعي, واعلم يا شيخ أن الخمر أيضا فيها منافع. ***** التوضيح الأخ الفاضل: وفقه الله لكل خير. أشكرك على غيرتك ونصحك لأخيك وصدق غيرتك على إخوانك. اعلم ـ أخي ـ أن جانب التورع والاحتياط في الفتوى أوسع من دائرة (الحذر من تحليل الحرام) ، إذ أول ما يجب أن يسعه الاحتياط في الفتوى (الحذر من تحريم الحلال) . ولقد كان أيسر شيء عليّ في الجواب على سؤالٍ كهذا أن أقول: (لا يجوز ذلك؛ لما فيه من الخطر المرتقب أو المحتمل) . هذا جوابٌ لم يعزب عني عند أول وهلة في إعداد الجواب، وهو كما تراه كليمات قليلات أستطيع أن احتاط فيها لنفسي، وأرضي بها كثيرين، وأدرأ عن نفسي غضبهم وسخطهم وانتقاداتهم. ألا ترى هذا الجواب ـ لو أجبتُ به ـ جواباً مختصراً في أمر يحتاج إلى تفصيل يفرضه اختلاف أحوال الناس وقدراتهم، فأنت تعلم ـ يا رعاك الله ـ أن الناس ليسوا كلهم موسرين قادرين على الاشتراك في هذه القناة، ولا كل الناس لديهم أبناء مراهقون متمرسون على فك التشفير وكشف المحجوب. يجب أن تكون خشيتنا من أن نحرِّم على الناس أمراً حلالاً كخشيتنا من أن نحلل لهم حراماً أو أشد خشية؛ لأن الأصل في الأشياء الحل، وهذا الأصل يقين لا يزول إلا بيقين. وانطلاقا من هذا الواجب فإني لا أستجيز لنفسي أن أحرم على أحدٍ أمراً يتأتى أن يكون حلالاً بضوابط مستطاعة.

стр. 8280

وأما قولك ـ أخي الفاضل ـ: إن الدش الذي سيشتريه الأخ السائل يمكّنه أن يستقبل عشرات القنوات، فذلك لم يكن خافياً علي، ولأجل هذا قلت في الجواب: (فلا حرج إذن أن تقتنوا الدش، ولكن بشرط أن تحجبوا كل القنوات الفاسدة) . أما مسألة قدرة الأبناء على فك التشفير وفتح القنوات المحظورة، فلا أظن هذه أهون عليهم من زيارةٍ لإحدى المقاهي المنتشرة والتي تعرض قنوات مشفرة أفجر وأخلع من تلك القنوات التي يمكن أن يستقبلها الدش الموجود في البيت. كما أن هذا الاحتمال المخوف من الممكن درؤه بوضع جهاز الاستقبال (ما يسمى بالرسيفر) في صندوق محكم لا تنفذ إليه إشارات (الريموت) ، فلا يقدر أحد على فتحه أو تغيير قنواته وفك تشفيره. وإذا كنا نرى التخوف من قدرة الأبناء على فك التشفير ومشاهدة القنوات المحجوبة يوجب علينا منع الناس من اقتناء الدش مطلقاً ولو لمشاهدة قناة المجد سداً للذريعة، فليوجب هذا التخوف علينا أن نمتنع من تصفح الإنترنت في بيوتنا؛ لأنه ربما كان لأحدنا أبناء مراهقون قادرون على دخول المواقع الإباحية بطرقٍ هم أدرى بها منّا. ألا ترانا أخي نبالغ أحياناً في مسألة سد الذرائع حتى أصبح الاستثناء أصلاً والأصل استثناء، وأصبح الاحتمال السيء حاكماً على أمور حسنة راجحة ذات مصالح متحققة؟! أخي الحبيب: يجب ألا نجعل هذه الاحتمالات البعيدة موجباً لتحريم شيء ليس حراماً في ذاته، وغاية ما تدفعنا إليه هذه الاحتمالات أن نحكم الرقابة على هذه الأجهزة حتى لا تنقلب وسيلةً للمحرم. وشيء آخر مهم أُنبِّه إليه، وهو أن الفتوى ليست خاصة لأهل الجزيرة، والذين يغلب عليهم الاقتدار على الاشتراك في قناة المجد، فالموقع يتصفحه القاصي والداني، والمقيم في هذه الجزيرة والمقيم خارجها، فمن الحكمة أن يُراعى في شأن الفتوى العامة أحوال الناس المختلفة باختلاف الأقطار. كما أن السائل من أهل مصر، والاشتراك في قناة المجد في بلادهم وإن كان متاحاً لكنه على نطاق ضيق محدود جداً ـ كما أخبرني بذلك أحد المسؤولين في القناة ـ وقيمته باهظة بالنسبة لأكثر الناس هناك. فإذا كان من الممكن أن يفيد أحد هؤلاء (غير القادرين على الاشتراك في القناة) من برامجها مع تأتِّي حجب القنوات الفاسدة، فهل من الحكمة والحيطة أن نمنعه منها تخوفاً من أن يستطيع أبناؤه أن ينفذوا إلى القنوات المحجوبة؟ وما هو من قبيل هذا الاحتمال البعيد، والذي يمكن أن يُدرأ كما بينته سابقاً؟! وأما اعتراضك بكون الخمر أيضاً فيه منافع للناس، ومع ذلك حرَّمها الإسلام، فهو اعتراض معتبر لو أن السؤال كان عن مشاهدة القنوات كافة، والتي إثمها أكبر من منافعها، غير أن السؤال كان عن اقتناء الدش لمشاهدة قناة المجد التي لا نعلم عنها إلا خيراً. أراه رأياً فطيراً تُنتجه نظرة قاصرة محدودةٌ بحدود إقليمٍ أو بلد ما حين نجعل الناس كلهم محصورين بين خيارين لا ثالث لهما: فإما أن يشتركوا في قناة المجد فلا يشاهدونها إلا عبر جهازها الخاص، أو ليبقوا محرومين منها ما داموا غير موسرين. ألا يشرع لهم خيار ثالث يمكن أن تتحقق فيه المصلحة مع القدرة على درء المفسدة: وهو أن يقتنوا أي جهاز يستقبل هذه القناة بشرط أن يحجبوا القنوات الفاسدة.

стр. 8281

إني لأجد في القول بالمنع من اقتناء غير دش المجد تخوفاً من اطلاع الأولاد على القنوات المحجوبة ـ أجد فيه حرماناً عظيماً لأناس كثيرين يرغبون في الإفادة من برامج هذه القناة ولكنهم عاجزون عن شراء طبقها الخاص. ينبغي أن تتسع جهودنا في تربية أولادنا لأدوات التربية كلها، فلا تقتصر على جانب دون آخر، ومن التقصير أن تنحصر جهودنا في وقايتهم من ذرائع الشر أن تصل إليهم بالمنع والحجب، فهذا وإن كان واجباً لا يغني شيء عنه، لكنه وحده لا يكفي قطعاً، فهناك وسائل تحصينية تربوية لا بد من الأخذ بها، وأن يكون لها الاهتمام الأكبر والوقت الأكثر؛ لتغذي عقول أولادنا بالفكر النير، وتنمّي في قلوبهم رقابة ذاتية تحصنهم وتمنعهم أن يسعوا للشر، أو يسارعوا إليه إذا غاب عنهم الرقيب. وقناة المجد بما فيها من برامج جادة مفيدة وأخرى مسلية هادفة أداة تُسهم في هذا المجال، فتملأ فراغ أولادنا وتشبع رغباتهم في الممتع المباح، وتفقههم في دينهم وتعلمهم الآداب الفاضلة وتغذي فكرهم وترقق قلوبهم. ولعل هذه القناة إذا أشبعت رغبات الأولاد، وملأت فراغهم، وشغلت أوقاتهم بالمفيد والممتع أن تكون عوناً لأوليائهم على صرفهم عن ابتغاء القنوات الفاسدة والخليعة، سواء بارتياد المقاهي أو فك التشفير واختراق القنوات المحجوبة. ومن الإجحاف والحيف أن نحسب هذه القناة الرائدة مجرد تسلية وترف، فلا تُقتنى إلا لتزجية أوقات الفراغ. نسأل الله القدير أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يبصرنا ويفقهنا في الدين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # # # كما وردنا تعقيب آخر على الفتوى المذكورة يؤكد على أن الأولى هو دعم هذه القناة عن طريق الاشتراك المباشر معها، وعلى ضرورة حجب القنوات الفاسدة عند اللجوء إلى شراء الأطباق العامة وفيما يلي نص هذا التعقيب. التعقيب: لعل من المهم اعتباره في هذا الصدد: أن المجد تحتاج دعماً مادياً بالاشتراك فيها، لكن هذه الطريقة تقلل من الاشتراكات، مما قد يرهق كاهل القناة، وهي إن لم ندعمها لم تستمر، لا قدر الله، ولذا تمنيت أن لو عرض الأمر على القناة أولاً لاستشارتها في الطرح العلني لمثل هذا النوع من الأسئلة، عذراً لا علاقة لي بالقناة إلا محبتها، والعزم على الاشتراك فيها، أمر آخر هو: هذا لو اشترط الجواب وجوب إلغاء القنوات السيئة قبل إدخال الطبق للمنزل، سداً للذريعة. ***** التوضيح أخي الكريم: لو تأملت الفتوى لوجدتني قد اشترطت أن تحجب جميع القنوات الفاسدة، أما مسألة الاشتراك فلم أقترحها على السائل؛ لأنه من مصر، ولا تخفى عليك أحوالهم المادية.

стр. 8282

خلاف العلماء في الشروط في النكاح نايف بن أحمد الحمد (القاضي بمحكمة رماح) ١٦/٦/١٤٢٤ ١٤/٠٨/٢٠٠٣ ورد إلينا تعقيب من أحد القراء الأعزاء يستشكل منه عدم بسط المفتي لآراء الفقهاء وأدلتهم على فتوى (طلب الطلاق إذا تزوج الزوج) وقد أجاب المفتي على تعقيبه وذكر الشيخ - حفظه الله- في نهاية المطاف السبب في عدم بسط آراء الفقهاء في هذه المسألة وفي غيرها، فإليكم التعقيب والتوضيح. التعقيب: شيخنا الفاضل سلمان بن فهد العودة حفظه الله تعالى وجميع العاملين في نافذتنا المطلة على عالم اليوم، بإسلام اليوم والغد والأمس؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أولا إني أحبكم في الله تعالى ونسأله أن يثبتنا وإياكم آمين. أما بعد: فإني أود من فضيلتكم عند الإجابة على الأسئلة الفقهية طرح آراء الفقهاء وأدلتهم، لا طرح الرأي الراجح عند المفتي فقط، لاسيما وموقعكم الطيب لا يطلع عليه فقط العوام الذين يريدون فتوى دون أدلة الأطراف المتنازعة في الدليل وأرجحيته، وإن كنت معكم في أن العامة يحسن في مثلها تلك الإجابة القصيرة الواضحة، ولقد أجاد الشيخ نايف الحمد عندما قال: وهو أصح قولي العلماء هذا في نظره ونظر شيخ الإسلام ابن تيمية ومن نحا نحوه من المتقدمين، أما رأي الجمهور المتقدمين كالشافعي وأبي حنيفة ومالك فيرون أنه إذا تزوجها على شرط ألا ينكح غيرها عليها أو يتسرى أو بألا يخرجها من بلدها فالشرط باطل والنكاح جائز، ولا يخفى على فضيلتكم الدليل، والمسألة مبسوطة في مظانها، والخلاصة لو يفيدنا المفتي -حفظه الله تعالى- بالخلاف المختصر مع أدلته وما يراه هو راجحاً من قولي العلماء فذلك يعطينا مرجعا موثقا مختصرا، أقول هذا وأستغفر الله على هذا التعليق الذي لست أهلا له، والسلام عليكم. ***** التوضيح الحمد لله وحده، وبعد: فإني أشكر الأخ الفاضل على نصيحته الموفقة بإذن الله تعالى، والتي عرضها بثوب قشيب، وبأدب رفيع، وبعبارات منتقاة، فله مني كل شكر وتقدير واحترام، ودعاء بأن يرفع الله قدره، وأن يجزيه خير الجزاء، هذا أولاً.

стр. 8283

وثانياً: ما ذكره الأخ الكريم من أن مذهب الأئمة أبي حنيفة ومالك والشافعي من أن الشرط باطل فصحيح، ولكن ما أفتينا به هو ما تبين لنا رجحانه بالدليل الصحيح الذي رواه عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" رواه البخاري رقم (٢٥٧٢) ومسلم رقم (١٤١٨) ، ونحن لم نذكر أن النكاح يفسد أو يبطل بزواج الزوج من ثانية؛ بل قلنا إن لم يف به الزوج فللزوجة الفسخ؛ أي عند رغبتها به، أما إذا لم ترغب الفسخ فالنكاح باق والحمد لله، واتباع الدليل ليس فيه أي انتقاص للأئمة رحمهم الله تعالى، بل فيه تكريم لهم، أما مطالبتكم حفظكم الله ببسط المسألة والأدلة وذكر الراجح فلا يخفى عليكم أن الأسئلة كثيرة، والوقت ضيق لانشغالنا بأمور كثيرة، فلو بسطنا القول في كل مسألة فلن أتمكن من الإجابة إلا عن سؤال واحد في الأسبوع، وفي هذا ضرر بالغ على بقية المستفتين بسبب تأخر الإجابة على أسئلتهم، والتي كثيراً ما يطالبون فيها بسرعة الإجابة، فنحن نذكر ما ندين الله تعالى به مع دليله من غير انتقاص لمن خالفناه من العلماء الأجلاء، كما أن هذه النافذة هي نافذة للفتاوى، وليست نافذة للبحوث والدراسات، بحيث تبسط المسألة بذكر الأقوال، والأدلة، والترجيح، والجواب عن دليل القول الآخر، فهذا له نافذة أخرى في الموقع، هي نافذة بحوث ودراسات. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه والباطل باطلاً وأعنا على اجتنابه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 8284

أخذ الأطفال إلى المسجد د. محمد بن سليمان المنيعي عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى ١٢/٥/١٤٢٤ ١٢/٠٧/٢٠٠٣ وردنا سؤال من أحد الإخوة حول آداب الطفل في المسجد من حيث (الصلاة في الصف - الجري في المسجد - وما يتعلق بالمساجد من آداب ومسائل تتعلق بالأطفال) ، فأجاب عنه فضيلة الشيخ: د. محمد بن سليمان المنيعي، ثم جاءنا تعقيب حول هذه الفتوى، وقد عرضناها على الشيخ المفتي فتكرم بالتوضيح والبيان. التعقيب: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الذي فهمته من الشيخ أنه لا يجوز أخذ الأطفال إلى المسجد، لكيلا يزعجوا المصلين، ما هو الدليل على هذه الفتوى؟ ماذا يقول الشيخ فيما ورد أن النبي ﷺ كان يقصر من الصلاة عندما كان يسمع بكاء الأطفال؛ حتى لا تفتن أمهاتهم عن صلاتهن، ومع ذلك فلم يمنع هؤلاء الأمهات من إحضار أبنائهن للمسجد، وأيضاً الرواية التي ذكر فيها أن الحسن والحسين كانا يركبان على ظهره ﷺ في السجود، ولم يقل شيئاً لوالديهما، وعلاوة على ذلك لم يشأ أن يزعج الولدين، جزاكم الله خيراً على الفتوى، ولكن دعموا فتواكم بالأدلة. ***** التوضيح فهمك للفتوى غير مستقيم، بل الذي أجبت باختصار أن الطفل دون سن التمييز ينبغي أن يجنب المسجد؛ حتى لا يلوث المسجد أو يشوش على المصلين، إلا أن يحتاج المصلي إلى دخوله إلى المسجد لحاجة عارضة، أو تريد المرأة الصلاة في المسجد فلا بأس والحالة هذه، وأما ما ذكر من أن النبي ﷺ كان يقصر الصلاة عندما يسمع بكاء الطفل فهذا ورد في جوابي حيث قلت: (أو تريد المرأة الصلاة في المسجد وليس معها من يجلس عند طفلها) ، ثم لو تأملت حياة النبي ﷺ في المدينة وقد مكث عشر سنوات فيها فتساءلت كم ورد أنه خفف الصلاة لسماعه بكاء طفل؟ أو أن الحسن أو الحسين ركبا على ظهره لوجدت ذلك مرة أو مرتين، فآلاف الفرائض تقام في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، ثم لم ترد مثل هذه الحالة إلا مرات يسيرة مع تواجد أولاد الصحابة ﵃ والتزامهم رسول الله ﷺ وصلاة الجماعة مع الرسول ﷺ في المسجد النبوي دليل واضح على تجنيبهم الصبيان ممن هم دون التمييز المساجد، وهو الأقرب إلى مقصد الشرع من بيوت الله، قال تعالى: "وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ" [الحج: من الآية٢٦] ، والله أعلم.

стр. 8285

هل مرتب التقاعد ميراث ؟ هاني بن عبد الله الجبير القاضي بالمحكمة الكبرى بجدة ٢٨/٣/١٤٢٤ ٢٩/٠٥/٢٠٠٣ وردنا سؤال من أحد الإخوة حول منحة التقاعد في الجزائر، وهل تعد ميراثاً أم لا؟ فأجاب فضيلة الشيخ هاني الجبير بأنها لا تعد إرثاً، ثم جاءنا تعقيب حول هذه الفتوى يبين ماهية هذه المنحة وخصائصها، وقد عرضناها على الشيخ المفتي فتكرم بالتوضيح والبيان. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فضيلة الشيخ ـ هاني الجبير ـ حفظه الله جزاكم الله خيرا على إرسالكم لنا الفتوى بخصوص منحة التقاعد التي سألناكم عنها والمتعلقة بتقاعد فرنسي لأخ جزائري كان يعمل هناك، وقد أرسلتم بأن ما يعطى من منحة التقاعد لا يعتبر إرثا. وإني يا فضيلة الشيخ: أريد أن أبين لكم بعض التوضيح في خصوص هذه المسألة واستميحكم مبدئيا، فأقول: إن منحة التقاعد التي تعطى هاهنا في الجزائر أو ما أشبهها من الدول كفرنسا فالأمر يختلف يا شيخ حيث أن هذه المنحة ليست تكريما لهم، وإنما هي حصيلة ما كان يأخذه صندوق الضمان الاجتماعي من العامل حيث يأخذون من مرتبه ما نسبته ٩ بالمائة وتخزن له في صندوق خاص ـ وهذه تؤخذ جبرا دون دخل للعامل فيها ـ وقد تختلف النسبة من بلد لبلد، ثم هذه الأموال يكون منها استرجاع قيمة الأدوية وتكون أيضا في حالة وقوع الحوادث، وفي آخر الأمر عند الكبر وبلوغ سن ٦٠ سنة يعطى من ذلك منحة التقاعد وإذا مات فيعطى باسم زوجته، وعلى هذا يا شيخ: هل الفتوى تبقى كما هي مع هذه المعطيات أم تتغير. نرجو أن ترسلوا لنا الجواب مرة أخرى ومعذرة ثم معذرة على هذا التوضيح ولكن ربما تستدعيه الفتوى والله أعلم وبارك الله فيكم. البيان: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد: فأشكر الأخ السائل الكريم على تواصله واستفهامه فهذا ما يسعد ويثلج الصدر زاده الله توفيقاً. وما ذكره من إيضاح للتقاعد كان معلوماً، وهو ما بنيت عليه جوابي السابق، وزيادة في الإيضاح فإني أقول: أولاً: إن خصم نسبة التقاعد من الراتب هو فيما يظهر خصم صوري لا حقيقي وذلك لأمور منها: ١. أن الموظف يخصم منه جبراً ولو لم يوافق ولم يرغب. ٢. أن الموظف لا خيار له في زيادة أو نقص مقدار الخصم. ٣. أن الموظف يعرف عند تقدمه للوظيفة راتبه مخصوماً منه تلك النسبة، فهو مدرك أن الراتب هو مقدار ما يستلمه بعد الخصم. ٤. أن الموظف قد يعرف بالتحديد مقدار ما يخصم منه. ثانياً: إن الموظف قد يتقاعد أو يموت بعد عمله بمدةٍ يسيرة فيستحق هو أو ورثته تقاعداً قد يكون أكثر مما خصم منه، بل هذا في الواقع هو الغالب أن مقدار التقاعد المصروف يفوق نسبة الخصم. فلذا وحيث إن الخصم صوري في الواقع ولأنه قد يأخذ أكثر مما خصم منه علماً أن التقاعد منحة من الدولة للموظف ولمن لا يستقل بنفسه ممن كان ينفق عليهم في حياته، لكن جاء حسابها باعتبار زيادة تسعة في المائة من الراتب ثم خصمها منه شهرياً ليحسب بعد ذلك مقدار ما يأخذه بعد مقارنته بسنوات الخدمة.

стр. 8286

ويتضح ذلك أكثر إذا عرفنا أن منشأ التقاعد إنما كان إعمالاً لمبدأ التأمين فالحكومة تؤمن مصدر دخل لكل من انقطع دخله بتوقفه عن العمل أو موت مورثه الموظف بهذا التقاعد ولذا فإنه متى استطاع الاستقلال بنفسه أو استغنى عنه مُنع استحقاقه وكذلك يقسم بين الورثة حسب قسمة الإرث الشرعيّة. هذا هو الظاهر لي وعليه فتوى بعض مشايخنا وممن وقفت على رأيه في ذلك فضيلة الشيخ عبد الله بن منيع (مجموع فتاوى وبحوث ٤/١٧٣) . وهو على كل حال محض اجتهاد يحتمل الخطأ والصواب والله أعلم. وفي المقابل لو كان الذي تدفعه الدولة هو نفس مقدار الخصم الذي يؤخذ من راتب الموظف تماماً فإن الحال يختلف إذ لا يكون الخصم صورياً بل حقيقياً أجبر الموظف عليه أو أخر تسليمه له. وفي هذه الحال فإنه يحتم قسمته بين ورثته حسب الإرث الشرعي ويكون جزءاً من حق الموظف لورثته تحصيله بما يستطيعون. ولعل هذه الفتوى إذا نشرت كان في تواصل الإخوة والمشايخ تعزيزاً أو استدراكاً لها. اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

стр. 8287

تعقبات على حكم تمثيل الحيوانات د. أحمد الخضيري ١٠/١/١٤٢٤ ١٣/٠٣/٢٠٠٣ السؤال (ملاحظات على سؤال التمثيل والأناشيد المصحوبة بالدف) : هناك بعض الملاحظات على هذه الفتوى حيث أنها نازلة معاصرة وهي محل اجتهاد: ١) إشارة الشيخ المفتي -حفظه الله- إلى عدم جواز تمثيل دور الحيوانات وأن التشبه بها جاء في النصوص بصيغة الذم، فقد صح عن النبي ﷺ أنه كان يجلس على أربع ويركب الحسن والحسين على ظهره ويقول:"نعم المطية مطيتكما"، رواه الطبراني وإسناده حسن وفي بعض الروايات "نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما" فدل على أن التشبه بالحيوان ليس مذموماً بكل حال. ٢) منع الشيخ من استعمال الدف إلا في الأعراس أمر محل مناقشة فإن إباحة النبي ﷺ استخدامه بالعرس يدل على استثناء هذه الآلة من التحريم ولا يقتصر على العرس فالحادثة لا تخصص العام ونظير هذا تحديد بعض الفقهاء عدم جواز الصلح مع الكفار إلا بقدر عشر سنين لأنه هو الذي حصل من النبي ﷺ وهو مذهب مرجوح كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، ومما يدل على جواز سماع الدف في غير الأعراس ما رواه أصحاب السنن أن امرأة نذرت أن تضرب الدف أمام النبي ﷺ فأقرها ولو كان ممنوعاً في غير الأعراس لمنعها. أرجو نشر ملاحظاتي إن لم يكن مانع أو إرسالها إلى الشيخ إن وجد مانع، وأنتم محسنون ولكم الخيار وما على المحسنين من سبيل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أجاب عن السؤال الشيخ/د. أحمد الخضيري (عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام) الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فيمكن توضيح الفتوى في تمثيل دور الحيوانات والأناشيد المصحوبة بالدف، والإجابة عن ملحوظات الأخ فيما يلي:

стр. 8288

أولاً: ينبغي أن يعلم أن التمثيل في أصله محل خلاف بين فقهاء العصر، فهناك من أهل العلم من يمنعه مطلقاً، وهناك من يجيزه بقيود معينة، وليس هذا مقام التوسع في ذكر الخلاف وأدلته، ولكن الذي يهمنا منه أن من أجاز التمثيل قيده بقيود يلزم توافرها، ومن هذه القيود ألا يشتمل التمثيل على محاكاة البهائم ومشابهتها، لأن محاكاة البهائم ومشابهتها إذا نظرنا إليه في الكتاب والسنة نجد أنه يرد في مقام الذم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:"التشبه بالبهائم في الأمور المذمومة في الشرع مذموم منهي عنه، في أصواتها وأفعالها، ونحو ذلك، مثل: أن ينبح نبيح الكلاب، أو ينهق نهيق الحمير، ونحو ذلك، وذلك لوجوه: أحدها: أنا قررنا في اقتضاء الصراط المستقيم، نهي الشارع عن التشبه بالآدميين الذين جنسهم ناقص كالتشبه بالأعراب وبالأعاجم وبأهل الكتاب ونحو ذلك في أمور من خصائصهم، وبينا أن من أسباب ذلك أن المشابهة تورث مشابهة الأخلاق، وذكرنا أن من أكثر عِشرة بعض الدواب اكتسب من أخلاقها: كالكلاّبين، والجمالين، وذكرنا ما في النصوص من ذم أهل الجفاء وقسوة قلوب: أهل الإبل، ومن مدح أهل الغنم، فكيف يكون التشبه بنفس البهائم فيما هي مذمومة؟ بل هذه القاعدة تقتضي بطريق التنبيه النهي عن التشبه بالبهائم مطلقاً فيما هو من خصائصها، وإن لم يكن مذموماًَ بعينه، لأن ذلك يدعو إلى فعل ما هو مذموم بعينه، إذ من المعلوم أن كون الشخص أعرابياً أو عجمياً خير من كونه كلباً أو حماراً أو خنزيراً، فإذا وقع النهي عن التشبه بهذا الصنف من الآدميين في خصائصه؛ لكون ذلك تشبهاً فيما يستلزم النقص ويدعو إليه، فالتشبه بالبهائم فيما هو من خصائصها أولى أن يكون مذموماًَ ومنهياً عنه. الوجه الثاني: أن كون الإنسان مثل البهائم مذموم، قال تعالى:"ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون". والوجه الثالث: أن الله سبحانه إنما شبه الإنسان بالكلب والحمار ونحوهما في معرض الذم له كقوله:"فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون" وقال تعالى:"مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً" الآية، وإذا كان التشبه بها إنما كان على وجه الذم من غير أن يقصد المذموم التشبه بها، فالقاصد أن يتشبه بها أولى أن يكون مذموماًَ، لكن إن كان تشبه بها في عين ما ذمه الشارع صار مذموماً من وجهين، وإن كان فيما لم يذمه بعينه صار مذموماً من جهة التشبه المستلزم للوقوع في المذموم بعينه.

стр. 8289

يؤيد هذا الوجه الرابع: وهو قوله ﷺ في الصحيح:"العائد في هبته كالعائد في قيئه، ليس لنا مثل السوء"، فإن النبي ﷺ لم يذكر هذا المثل إلا ليبين أن الإنسان إذا شابه الكلب كان مذموماً، وإن لم يكن الكلب مذموماً في ذلك من جهة التكليف، ولهذا ليس لنا مثل السوء، والله سبحانه قد بين بقوله:"ساء مثلاً" أن التمثيل بالكلب مثل سوء، والمؤمن منزه عن مثل السوء، فإذا كان له مثل سوء من الكلب كان مذموماً بقدر ذلك المثل السوء"، ثم ذكر شيخ الإسلام ﵀ الوجه السادس وهو: حرمة تشبه الرجال بالنساء، وتشبه النساء بالرجال فيما يختص به كل جنس وقال عقب ذلك:"فإذا كانت الأمور التي هي من خصائص النساء ليس للرجال التشبه بهن فيها، والأمور التي هي من خصائص الرجال ليس للنساء التشبه بهم فيها، فالأمور التي هي من خصائص البهائم لا يجوز للآدمي التشبه بالبهائم فيها بطريق الأولى والأحرى، وذلك لأن الإنسان بينه وبين الحيوان قدر جامع مشترك، وقدر فارق مختص، ثم الأمر المشترك: كالأكل والشرب، والنكاح والأصوات والحركات، لما اقترنت بالوصف المختص كان للإنسان فيها أحكام تخصه ليس له أن يتشبه بما يفعله الحيوان فيها، فالأمور المختصة به أولى، مع أنه في الحقيقة لا مشترك بينه وبينها، ولكن فيه أوصاف تشبه أوصافها من بعض الوجوه، والقدر المشترك إنما وجوده في الذهن لا في الخارج. وإذا كان كذلك فالله تعالى قد جعل الإنسان مخالفاً بالحقيقة للحيوان وجعل كماله وصلاحه في الأمور التي تناسبه، وهي جميعها لا يماثل فيها الحيوان، فإذا تعمد مماثلة الحيوان، وتغيير خلق الله فقد دخل في فساد الفطرة والشرعة، وذلك محرم والله أعلم". مجموع الفتاوى (٣٢/٢٥٦-٢٦٠) . وأما ما ذكره الأخ السائل من كون النبي ﷺ كان يركب الحسن والحسين على ظهره ويقول:"نعم المطية مطيتكما" رواه الطبراني وغيره، وفي بعض الروايات:"نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما". فليس في هذا ما يعارض ما سبق لأن النبي ﷺ كان يداعب الحسن والحسين ويقول هذا عندما يبتدرانه بالركوب على ظهره، وهذا النوع من المداعبة شائع بين الأب وأبنائه ويتم بطريقة عفوية، ولم يقصد النبي ﷺ بذلك تمثيل حال الحيوان ومشابهته وحاشاه من ذلك. وبهذا تبقى القاعدة على عمومها وهو أن التشبه بالحيوان جاء في الكتاب والسنة في مقام الذم. وعلى التسليم بكون التشبه بالحيوان في أحيان قليلة لا يكون وارداً في مقام الذم فهذا لا يؤثر في صحة الاستدلال بهذه القاعدة على منع تمثيل الحيوانات في الجملة، ويبقى الجواز قاصراً على ما ورد تخصيصه بالنص، وهو حال مداعبة الرجل لأبنائه كما في قصة الحسن والحسين مع النبي ﷺ ، ومن المعلوم أن الحال المستثناة من النص العام لا يقاس عليها. ثانياً: الضرب بالدف وقع فيه خلاف بين الفقهاء على ثلاثة أقوال: فهناك من قصر جوازه على الأعراس، وهناك من أجازه أيضاً في الأعياد وقدوم الغائب وبعض الولائم على خلاف في بعضها، وهناك من أجازه مطلقاً.

стр. 8290

والذي يظهر لي أنه ينبغي أن يقتصر في الضرب بالدف على ما ورد النص به دون ما عداه، ومن أشهر ما ورد النص به، وهو محل اتفاق بين الفقهاء الضرب بالدف في الأعراس كما جاء ذلك في نص الفتوى. ويلحق به أيضاً الضرب بالدف في الأعياد وعند قدوم الغائب لما جاء عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ ؟ فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال:"دعهما، فلما غفل غمزتهما، فخرجتا، وكان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدرق والحراب...." متفق عليه. وعن عائشة ﵂ قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ :"يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا" متفق عليه. وما جاء عن بريدة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله سالماً أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، قال لها:"إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا" فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر وهي تضرب فألقت الدف تحت استها ثم قعدت عليه، فقال رسول الله ﷺ :"إن الشيطان ليخاف منك يا عمر ... "، رواه أحمد والترمذي وصححه. ولم تذكر هاتان الحالتان في الفتوى المنشورة لأن الغرض كان ذكر الحكم العام لاستعمال الدف والاختصار بذكر أشهر ما ورد النص بجوازه وهو الضرب بالدف في حال النكاح، والتنبيه بهذا المثال على الاقتصار على ما جاء به النص. وأما قول الأخ: إباحة النبي ﷺ واستخدامه بالعرس يدل على استثناء هذه الآلة من التحريم ولا يقتصر على العرس فالحادثة لا تخصص العام ... إلخ، فهو استدلال غير وجيه في هذه المسألة، لأن تحريم الغناء والدف عام، والترخيص بهما في الأعراس والأعياد وقدوم الغائب خاص ومستثنى من الأصل العام، فلا يصح أن يكون المستثنى أصلاً يقاس عليه غيره، بل يجب أن يقتصر على محل الرخصة، ويبقى ما عداه داخلاً في حيز العموم. وطريقة الاستدلال التي ذكرها الأخ هي التي تمسك بها وسلكها من أباح الغناء، والمعازف، وهي لا شك طريقة خاطئة، فإباحة الغناء والدف في الأعياد والأعراس وقدوم الغائب على هيئة مخصوصة وصفة مخصوصة لا يكون مبيحاً للغناء بجميع أنواعه واللهو بجميع أدواته، وفي قول أبي بكر الصديق ﵁:"مزمارة الشيطان؟! " ما يدل أنه على علم سابق بأن الغناء والدف منهي عنهما، ولهذا بادر في الإنكار، فاحتاج النبي ﷺ أن يعلل لهذا الحكم المخالف لما تقرر من منع الغناء والدف بقوله:"إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا" وكذلك فيما يتعلق بموقف عمر ﵁ مع الجارية التي كانت تضرب بالدف بين يدي النبي ﷺ ، والله أعلم.

стр. 8291

فتوى أنقذتني عبد الله بن عبد الوهاب سردار ٣/١/١٤٢٤ ٠٦/٠٣/٢٠٠٣ سبق نشر فتوى لفضيلة الشيخ: عبد الله بن عبد الوهاب سردار جواباً لسؤال وردنا من إحدى الأخوات، وقد تلقينا هذه الرسالة التي تفيض بمشاعر الأخت تجاه ما قرأت، وتدل على أثرها في نفسها، ومدى انتفاعها بها. وإن هذه الرسالة تعبر عما في نفوس كثير ممن يجدون ضالتهم في فتوى محررة، ورأي سديد، وإشارة ناصحة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أرجو منكم إيصال رسالتي هذه الى الشيخ: عبد الله سردار فضيلة الشيخ أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يدخلك الفردوس الأعلى من الجنة بلا حساب ولا عقاب فبعد إجابتك على سؤالي المعنون بـ (هل نحن في آخر الزمان؟) أحسست وكأن حملا ثقيلا من فوق صدري قد أزاحه الله عني بفضله ومنه وكرمه ثم بفضل مساعدتك الكبيرة لي بالإجابة على هذا السؤال لقد كنت يا شيخ قبل قراءة السؤال والإجابة عليه أشعر بضيق في صدري فظيع وكلما نظرت إلى أمي واخوتي الصغار وهم نائمون رحمتهم وازددت ضيقا وبكاء فذهبت ودعوت الله وبكيت حتى خشيت إيقاظهم من صوت بكائي وكنت واثقة من إجابة الله لدعائي ثم فتحت الإنترنت لتمضية الوقت الكئيب فقرأت مقالا مليء بالتفاؤل لأحد الكتاب فأراحني ذلك نوعا ما ثم قلت: لأفتح على موقع الشيخ سلمان العودة لأرى الأخبار ولم يخطر ببالي أن أرى الإجابة على سؤالي فقد قطعت الأمل وقلت لعل سؤالي لم يصل إليهم وإذا بي أجده وأجد إجابة رائعة عليه ومختوم بدعاء أروع فبكيت لأنني أحسست أن هذه استجابة من الله جل شأنه في تفريج همي فجزاك الله كل خير وفرج عنك كل كرب من كرب الدنيا والآخرة وأرجو أن تدعو لي في صلاتك وسجودك خاصة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

стр. 8292

صالون الحلاقة في البلد الكافر د. حمدبن إبراهيم الحيدري ١٨/٨/١٤٢٣ ٢٤/١٠/٢٠٠٢ ورد إلى بريد النافذة سؤال عن حكم فتح محل للحلاقة مع ما يتضمنه من حلق للَّحى، وعمل لبعض القصات الأجنبية، وهل الكسب الحاصل من هذا المحل حلال أم حرام؟! فكانت إجابة الشيخ/ د. حمد الحيدري تقضي بتحريم هذا الفعل، وتحريم الكسب الحاصل منه. إلا أنه ورد سؤال من أحد الزوار عن حكم فتح محل بالصورة المذكورة، ولكن في بلد كافر فعرضنا السؤال على فضيلته فقال: الذي يظهر من النصوص والله تعالى أعلم حُرمة ذلك، أيضاً يدل على ذلك ما في الصحيح عن ابن عباس قال: إن رجلاً أهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر، فقال له رسول الله ﷺ : "هل علمت أن الله حرمها؟ " قال: لا، فسار إنساناً، فقال له رسول الله ﷺ : "بم ساررته؟ "، فقال: أمرته ببيعها، فقال: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها". قال: ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها. رواه مسلم (١٥٧٩) ، والنسائي (٤٦٦٤) وأحمد (٢٠٤١) ، و (٢٩٧٨) و (٣٣٧٣) وغيرهم، واللفظ لمسلم. وقال رسول الله ﷺ : "لعن الله اليهود ثلاثاً إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه" رواه أبو داود (٣٤٨٨) ، وأحمد (٢٢٢١) ، وابن حبان (٤٩٣٨) فهذا يدل على حرمة ثمنها وبيعها على المسلم وعلى غيره يؤيده أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمراً قال أهرقها قال أفلا أجعلها خلا، قال لا "رواه أبو داود (٣٦٧٥) ، وأحمد (١٢١٨٩) ، وأصله في مسلم (١٩٨٣) ، ولو كان بيعها لغير المسلمين مباحاً لوجهه ببيعها لليهود مثلاً حفظاً لمال الأيتام الذين أمر القرآن بحفظ أموالهم، ولكن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم أخذ ثمنه، وأخذ الأجرة عليه من أي شخص مسلماً كان أو كافراً فكذلك هنا يقال: إن الله تعالى حرم حلق اللحى وحرم التشبه بالمشركين فيحرم أخذ الأجرة عليه مطلقاً، وفي الحلال مندوحة عن الحرام وعن المشتبهات، والله تعالى أعلم.

стр. 8293

تعقيب على فتوى "شراء البيوت بالقرض الربوي " د. سامي بن إبراهيم السويلم ٢٢/٥/١٤٢٣ ٠١/٠٨/٢٠٠٢ كثيرة هي الفتاوى التي تردنا عن موضوع شراء البيوت عن طريق القرض الربوي حيث انتشر هذا الأمر في بعض البلدان، ولأهمية هذا الموضوع فقد نشرنا في وقت سابق فتوى بعنوان شراء البيوت بالقرض الربوي لفضيلة الشيخ الدكتور سامي السويلم والتي تقضي بتحريم هذا النوع من المعاملات،، إلا أنه وردنا تعقيب على هذه الفتوى من أحد زوار النافذة، وقد عرض هذا التعقيب على فضيلة الشيخ فتكرم بالتوضيح والبيان ... التعقيب: أود أن أبدي بعض الملاحظات حول فتوى حرمة الاقتراض من البنوك لأجل شراء البيوت، وهي ملاحظات تلجلجت في صدري كثيرا، وكنت أتساءل بداية قائلا من المعلوم أن التمر بالتمر يجري فيه الربا، ولا بد له من شرطين الأول التقابض، والمثلية، ومع أن الربا ذنبه عظيم وخطره جسيم، إلا أن نجد في الشريعة إباحة بيع العرايا وحقيقته أنه ربا، أبيح لحاجة الناس إلى التفكه بالرطب، وهذا حكم معروف لديكم، فقلت في نفسي متسائلا النبي صلى الله عليه يبيح الربا لحاجة يمكن أن يقال إنها نوع من الترفيه، فكيف بنا اليوم نحرم الاقتراض بفائدة من أجل شراء بيت ومعلوم أن البيت بالنسبة للإنسان الواجد لمن يؤجره من الحاجات العظيمة، هذا من جانب من جانب آخر وجدت العلماء قد اتفقوا على الضرورات تبيح المحظورات وصحيح أن شراء البيوت ليس من الضرورات لكنهم في المقابل أيضاً قالوا إن الحاجة تنزل منزلة الضرورة، هذا بعض ما تلجلج في نفسي حيال هذه القضية وثمة أمر أود لو استجاب له المفتون وهو التخلي عن الخلط بين لغتي الوعظ والفتوى، حتى تحرر المسألة تحريرا علميا أما أن يقول المفتي إن هذه المسألة لاتحتاج إلى فتوى ولا سيما أنه قد أفتى بها علماء آخرون هو نوع من المصادرة التي لا تنبغي وشكرا وجزاكم الله خيرا. ***** التوضيح: ١. أما مسألة العرايا فهي أولاً مقيدة بما دون خمسة أوسق، وثانياً هي استثناء من ربا الفضل وليس من ربا النسيئة. وبحسب اطلاعنا لم ينقل في السنة أي استثناء من ربا النسيئة في الأموال الربوية، وهي المنصوص عليها في حديث عبادة بن الصامت ﵁ مسلم (١٥٨٧) . إذا تقرر ذلك فربا الفضل حرم لحكم متعددة، منها كونه ذريعة لربا النسيئة، كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀. وما حرم سداً للذريعة أبيح للحاجة. يقول ابن القيم ﵀: "وما أبيح سداً للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، كما أبيحت العرايا من ربا الفضل، وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر، وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب ... " (إعلام الموقعين ٢/١٦١) . أما ربا النسيئة فهو محرم تحريم المقاصد، ولذلك قال ﷺ : "إنما الربا في النسيئة" رواه البخاري (٢١٧٩) ،مسلم (١٥٩٦) واللفظ له. فلا يصح قياس ما حرم تحريم المقاصد على ما حرم تحريم الوسائل، لأنه قياس مع الفارق المؤثر.

стр. 8294

ولو أبيح ربا النسيئة لشراء البيوت، ما الذي يمنع إباحته لشراء السيارات، وهي أيضاً في حق كثيرين من الناس حاجة تنزل منزلة الضرورة، وما الذي يمنع إباحته للزواج ابتداء، وهو أهم من المنزل ومن السيارة؟ وما الذي يمنع إباحته لتمويل التنمية وإنشاء المرافق الضرورية كالكهرباء والماء والهاتف وبناء المدن، وهي حاجة عامة أولى بأن تنزل منزلة الضرورة من الحاجة الخاصة؟ ثم لا تزال الحاجات تتوالى، ولا يوجد مرجع للناس يحدد ما هي الحاجة المستثناة من غير المستثناة، والنتيجة في نهاية الأمر هي استفحال الربا في الاقتصاد، وتفاقم الفوائد عليه، حتى تصبح ثروات المجتمع رهناً للمرابين على حساب الأجيال القادمة، وحتى يصبح الأصل في الربا الحل وليس المنع. ٢. وأما ما اعتبره الأخ الكريم خلطاً بين الوعظ والفتوى، فهذه هي طريقة القرآن. فإذا تتبعت القرآن، وجدت فتاواه تجمع بين بيان الحكم وبين الوعظ. قال تعالى: "يسألونك عن الأهلة. قل هي مواقيت للناس والحج. وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون" [البقرة:١٨٩] . وقال تعالى: "يسألونك عن المحيض. قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين" [البقرة:٢٢٢، ٢٢٣] . فهذه فتاوى اقترنت بالأمر بالتقوى والاستعداد للآخرة، وهذا من الوعظ الذي أمر الله به. وأما في موضوع الربا، فآيات الربا هي التي حذرت من الحرب على الله ورسوله لبيان شدة حرمة هذا الأمر. فهي جمعت بين بيان الحكم وبين التخويف والتهديد. ٣. أما اعتراض الأخ الكريم على عبارة "لا تحتاج إلى فتوى" وأنها نوع من المصادرة لفتاوى علماء آخرين، فلا ريب أن حرمة الربا مما لا يحتاج إلى فتوى مع النصوص الصريحة الصحيحة الجلية وإجماع الأمة عليها، إلا إذا كان المقصود هو بيان معاني هذه النصوص والتأكيد عليها. وأما فتوى بعض أهل العلم بجواز الاقتراض بربا لشراء المنازل لمن يقيم في الغرب، فقد أشير إلى أن ذلك محمول على حال الاضطرار. فالفتاوى ليست متعلقة بحكم الربا، بل الأمة مجمعة على حرمته، ومن يقول الربا حلال فقد خالف المعلوم من الدين بالضرورة، لكنها متعلقة بحالات خاصة قد يرى المفتي أنها من الضرورة التي تبيح المحرمات، ويرى غيره خلاف ذلك. لكن الأصل متفق عليه بين الجميع. والله تعالى أعلم.

стр. 8295

تعقيب على فتوى"العامي الذي تربى على عقيدة فاسدة " د. أحمد بن سعد الغامدي ١٤/٤/١٤٢٣ ٢٥/٠٦/٢٠٠٢ ورد إلى بريد الموقع تعقيب حول فتوى بعنوان الحكم في العامي إذا تربّى على عقيدة فاسدة لفضيلة الشيخ أحمد بن سعد الغامدي والتي تفيد بأن العامي الذي تربى على عقيدة فاسدة ولم يجد من يصحح له عقيدته أنه لا مؤاخذة عليه، وقد عرضنا هذا التعقيب على فضيلته فتكرم بالتوضيح والبيان ... التعقيب:

стр. 8296

أحب أن أنبه والنصيحة عامة للمسلمين، أن الفتاوى التي تصدر يجب أن تكون محكمة وفق الدليل من الكتاب والسنة، وإلا كل قول مخالف للكتاب أو السنة فهو مردود ولا عبرة في المخالف وتبياني لسؤالي المطروح أو المذكور وهو إنسان عامي نشأ وتربى على العقيدة الفاسدة من الصغر حتى نشأ وأصبح ينكر المعتقد الصحيح، ويرى أنه على حق وغيره على الباطل، وخصوصاً في أمور العقائد من الشرك والكفر، وأنتم أجبتم على سؤاله أنه معذور في التلبيس الذي نشأ عليه من الصغر، وهذا مخالف لكلام الله، وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع أهل العلم، حيث لا عذر فيمن تلبس في الكفر والشرك، وهو يظن أنه على هدى، أو يحسب أنه مهتدٍ؛ لأنه لا عذر في المسائل التي تعلم من الدين بالضرورة، والتي هي من أصل الدين وقاعدته، والله -سبحانه- شدد في مسائل العقائد، ولن يعذر الله -سبحانه- من تلبس في الكفر أو الشرك وهو جاهل نص القرآن، والآيات الكثيرة، أما العذر في المسائل الخفية فجائز إذا كان لا توجد مظنة العلم أو كان في بادية أو كان حديث عهد بالإسلام، والله -سبحانه- أخذ الميثاق على العباد وهم كانوا ذراً من قبل الخلق على أن لا يشركوا به، قال -تعالى-: "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ" [الأعراف:١٧٢-١٧٣] ، أي: لن يعذر الله -تعالى- أحداً التبس عليه في الشرك حتى لو كانوا صغاراً، أو تلبس عليهم، وأثبت لهم الوعيد وعدم العذر، وهذه الآية تخص حتى قبل البعثة على أنه من فعل الشرك هو مشرك، وعلى أن من ترك الشرك ولم يعبد الله لعدم وصول النذير فهو مسلم مالم يمسخ فطرته بفعل الشرك، أما الآية التي هي:"وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً" [الإسراء: ١٥] ، فتخص بالشرائع التي تكون بعد البعثة من الأمور المفصلة وليس فعل الشرك والكفر، أي: أن الله لا يعذب أحداً على ترك الشريعة من العباد إلا بعد وصول النذير أو الرسول إليه وأعرض أو لم يقبل، ولم تخص هذه الآية عذر من فعل الشرك والكفر؛ لأن الله قال في آية الميثاق أنه لا عذر في فعل الشرك وإن كانوا ذرية وأثبت لهم العذاب، فيعلم أن آية:"وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً" [الاسراء: ١٥] ، تخص، إذاً الشرائع، أي: الأمور المفصلة من فعل العبادات، وسائر شرائع الإسلام من غير فعل الشرك؛ لأن وظيفة الرسل تبليغ أمور الشريعة بالإجمال والتفصيل، ولكن الله فرق بآية الميثاق على من تلبس بالشرك، فأرجو النظر في تلك المسألة، -وجزاكم الله خيراً-، وهذا الكلام يرجحه الشيخ الشاطبي، والشيخ محمد عبد الوهاب، والشيخ محمد بن إبراهيم، وسائر أئمة الدعوة الداعين إلى التوحيد -رحمهم الله تعالى-. ***** التوضيح: اشتمل الاعتراض على عدة مسائل نذكر خمساً منها، ثم نذكر جوابها -إن شاء الله تعالى-، والمسائل، هي:

стр. 8297

١-وجوب إحكام الفتوى. ٢-الإشارة بأن كل قول يخالف الكتاب والسنة فهو مردود. ٣-أن الفتوى مخالفة للكتاب والسنة والإجماع. ٤-أن لا عذر لمن تلبس بالشرك والكفر بنص القرآن. ٥-تفسير آية عدم المؤاخذة بأن المراد به في الشرائع. هذه هي أهم المسائل التي اشتمل عليها اعتراض المعترض، والإجابة على هذا الاعتراض من عدة أوجه: الوجه الأول: زيادة إيضاح الفتوى بذكر أقوال المفسرين وبعض علماء الأمة لبيان أن الفتوى اعتمدت على كتاب الله ولم تخرج عنه فهم علماء الأمة، قال -تعالى-:"وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً" [الإسراء: ١٥] قال قتادة: "إن الله ﵎ ليس يعذب أحداً حتى يسبق إليه من الله خبر"، [تفسير الطبري ١٥/٥٤] . وقال الطبري: "يقول الله -تعالى ذكره-: وما كنا مهلكي قوماً إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل، وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم" [المصدر السابق] . قال ابن تيمية ﵀ بعد أن قرر أن معرفة الخالق فطرية، وأن تلك المعرفة حجة عليهم يوم القيامة، ولكنه لا يعاقبهم إلا إذا خالفوا الرسل، فقال ﵀ بعد أن أورد هذه الآية السابقة، وعقب عليها ببعض الكلام: "ثم إن الله بكمال رحمته وإحسانه لا يعذب أحداً إلا بعد إرسال رسول إليهم وإن كانوا فاعلين لما يستحقون به الذم والعقاب، كما كان مشركو العرب وغيرهم ممن بعث إليهم رسول فاعلين للسيئات والقبائح التي هي سبب الذم والعتاب، والرب -تعالى- مع هذا لم يكن معذباً لهم حتى يبعث إليهم رسولاً" [درء التعارض٨/٤٩١-٤٩٢] . وقال ابن كثير: " إخبار عن عدله -تعالى- وأنه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه كقوله تعالى: "كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير؟ قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير" [الملك:٨-١٠] ، وكذا قوله: " وسيق الذي كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين" [الزمر:٧١] ، إلى أن قال ﵀ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله -تعالى- لا يدخل أحداً النار إلا بعد إرسال الرسل إليه" [تفسير ابن كثير٣/٢٨] فهذه العبارات كلها تؤكد أن العذاب لا يكون إلا بعد إرسال الرسل. وابن القيم له بحث طويل نجتزيء ما يخص موضوعنا هنا: قال ﵀ بعد تقسيم الكفار: "نتأمل هذا الموضع والله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل ... ثم ذكر أربعة أصول في المسألة الأولى: أحدهما أن الله -سبحانه- لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة كما قال -تعالى-: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً" (سبق تخريجها) ، إلى أن قال: "وهذا كثير في القرآن يخبر أنه إنما يعذب من جاءه الرسول وقامت عليه الحجة وهو المذنب الذي يعترف بذنبه. وقال تعالى: "وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين" [الزخرف/٧٦] . والظالم من عرف ما جاء به الرسول أو تمكن من معرفته ثم خالفه وأعرض عنه.

стр. 8298

وأما من لم يكن عنده من الرسول خبر أصلاً ولا تمكن من معرفته بوجه وعجز عن ذلك فكيف يقال إنه ظالم؟! الأصل الثاني: أن العذاب يستحق بسببين: أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها. الثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها. فالأول: كفر إعراض والثاني: كفر عناد. وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل، (طريق الهجرتين ٧٢٧-٧٢٩) . وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته إلى الشريف: "وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي هو قبة عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فتاوى ومسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب/صـ١١/آخر القسم الثالث. وقال الشيخ الشنقيطي بعد إيراد الآية السابقة: "ظاهر هذه الآية الكريمة أن الله -جل وعلا- لا يعذب أحداً من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة حتى يبعث إليه رسولاً ينذره ويحذره فيعصى ذلك الرسول ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار. ثم ذكر ﵀ اختلاف العلماء في هذه المسألة ثم قال: "الظاهر أولاً هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا وأن الله يوم القيامة يمتحنهم ... "، (أضواء البيان/٣/٤٢٩) . الوجه الثاني: الإجابة على المسائل التي أوردها المعترض. ١-قوله: الفتوى التي تصدر يجب أن تكون محكمة وفق الدليل من الكتاب والسنة. بعد عرض زيادة الإيضاح أظن أنه تبين أن الفتوى محكمة وأنها وفق الكتاب والسنة وتقرير علماء الأمة. ٢-قوله: كل قول مخالف لكتاب الله أو للسنة فهو مردود ولا عبرة في المخالف. كلام صحيح ولكن لا ينطبق على الفتوى كما رأينا. ٣-قوله عن الفتوى إنها: مخالفة لكلام الله والسنة وإجماع أهل العلم. أهذا الحكم يليق بطالب العلم أن يطلقه جزافا؟ فيزعم أن الفتوى مخالفة لكتاب الله وقد رأى أيضاً الآيات التي تدل على صحتها؟ ثم يزعم أنها مخالفة لإجماع أهل العلم!! أيليق بطالب علم يفهم ما يقول أن يطلق هذا الحكم وقد رأينا أن علماء أجلاء قرروها واعتمدوها؟! ٤-قوله: لن يعذر أحد من تلبس في الشرك..، قال بعد آية الميثاق. والرد عليه قاله الشيخ الشنقيطي فقد أورد ﵀ قوليه في الآية ورجح أن الحجة لا تقام إلا ببعثة الرسل فقال: "والآيات القرآنية مصرحة بكثرة بأن الله -تعالى- لا يعذب أحداً حتى يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل" ثم استرسل بذكر الآيات الدالة على هذا المعنى. ٥-قوله أن: الآية التي هي: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً" (سبق تخريجها) -ذكر أنها- تخص الشرائع التي تكون بعد البعثة من الأمور المفصلة وليس الشرك والكفر. فهذا قول لم أجد أحداً قال به. وأخيراً أنصح هذا الأخ أن لا يتعجل في إطلاق الأحكام وأن يراجع كلامه وليعلم أن الرجوع إلى الحق فضيلة والله المستعان وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 8299

مناقشة فتوى صيام يوم لنصرة فلسطين د. رياض بن محمد المسيميري ٢٤/٢/١٤٢٣ ٠٧/٠٥/٢٠٠٢ لقد نشرت فتوى الدكتور/ رياض بن محمد المسيميري والتي كانت تحت عنوان: (تخصيص صيام يوم وقيامه لنصرة فلسطين) بين أصحابي وكان رد أحدهم كما يلي، وأرجو من المشايخ الأفاضل توضيح هذه النقطة ولكم جزيل الشكر، إخواني وأخواتي في الله، عندما ينادى بنا لتخصيص يوم للقيام بعبادة معينة جماعيا بنية الدعاء لإخواننا المستضعفين في أرض الله المقدسة لا يدرج تحت بند البدعة؛ لأنه -والله أعلم بالنيات- النية التوجه لله وحده لا شريك له، على عكس كثير من أعمالنا اليوم نعتمد على المخلوق أولاً -والعياذ بالله- ثم الخالق، إذا كنا إخواني لم نتجمع على كلمة واحدة في الدنيا فاتركونا نتجمع ولو لفترات قصيرة على كلمة ورأي واحد مقصده ابتغاء مرضاة الله عنا؛ لأنه يا إخواني لن تنزل بنا نصرة الله ونحن لم ننل مرضاته عنا. أخيراً أحب أن أشارككم حكمة سمعتها " من وجد الله فماذا فقد؟ ومن فقد الله فماذا وجد؟ " تأملوا معناها، وهيا نجد الله في كل أعمالنا، وحتى لا نغضب أصحاب الرأي الموافق لهذه الفتوى فإن وجدنا الله حقاً فلِمَ تمنعني من تخصيص أيام للعبادات دون غيرها؛ لأنه والله عندما يرضى الله عنا ستكون جميع أعمالنا عبادة. في حديث قدسي قال رسول الله ﷺ ، -معنى الحديث-: "مازال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى صرت بصره الذي يبصر به، وسمعه الذي يسمع به، ويده التي يبطش بها ... " إلى آخر الحديث، فطوبى لمن نال هذا الشرف والتقدير العظيم، وبالتأكيد لن يكون حال المسلمين كما هو عليه اليوم إن نلنا هذه المنزلة، ووالله العملية ليست بصعبة، فقط أردت الرد على هذه النقطة المطروحة في رد الشيخ على الفتوى، واستناده بالتالي:" وقد ثبت عنه ﵊ النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام أو يومها بصيام، فقال: "لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" أخرجه مسلم، من حديث أبي هريرة ﵁، ومن هنا يتبين أن أصل التطوع بالصيام والقيام مشروع، لكن التخصيص بأيام أو ليال معينة لا يجوز إلا في حدود المنصوص عليه والوارد شرعاً، وبناءً عليه فإن تخصيص يوم الاثنين الموافق السابع والعشرين من شهر الله المحرم بالصيام، وليلة الأحد بالقيام لنصرة فلسطين أمر محدث لا يجوز بالكيفية التي قصدت، حديث الرسول واضح وصريح والكلام عن يوم الجمعة بالذات ولا تلميح فيه أنه يطبق على أي يوم. فلا يكفي لعدم إجازة موضوع الفتوى المطروح. هذا والله أعلم. أجاب عن السؤال الشيخ/ د. رياض بن محمد المسيميري (عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام) الجواب: إنني أشكر الأخ صاحب التعقيب على أدبه الجمّ، ورغبته الشجاعة في التوصل إلى حقيقة الأمر في القضية محل البحث والمناقشة، أعني: تخصيص يوم للصيام وليلة للقيام نصرة لفلسطين العزيزة. وملخص ما أود الإعراب عنه ما يلي: ١-أن الله -تعالى- تولى بعدله وحكمته تشريع ما يحتاجه العباد وما تقتضيه الحكمة، دون أن يخوّل لأحد من البشر التقدم بين يديه -سبحانه- أو بين يدي رسوله ﵇.

стр. 8300

قال -جل وعز-: "أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله"، (الشورى) . ٢-أن الله -تعالى- أعلن كمال الدين، وتمام النعمة بقوله الكريم: "اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا"، فليس لأحد أن يجيء بجديد أو يبتدع من عند نفسه عبادة لا أصل لها مهما حسنت نيته، وسما قصده، وعلت همته. ٣-أن العبادات مبنية على التوقيف أي: على الشارع الحكيم -سبحانه- فلا تخضع للأذواق، ولا تنطلق من الأهواء، ولا يمليها العقل البشري. أرأيت صلاة الظهر والعصر، ما بال ركعاتهن أربع فأربع؟ ولمَ لم تكن خمساً؟ إن العقل يعجز عن تفسير أمر كهذا فما عليه إلا أن يذعن للإرادة الإلهية، ويرضخ للحكمة الربانية الباهرة. ٤-أننا لو أخضعنا عباداتنا للمقاييس العقلية، والمعايير الحسابية والأذواق الشخصية لوقعنا في دوامة من الحيرة والقلق، ولوجدنا أنفسنا ندور في حلقة مفرغة، بل نتخبط في متاهة مهلكة من الفتاوى المتضاربة، والانتقادات التعبدية المتصادمة، والأحكام الفقهية المتناقضة دون أن نجد مرجعية يتفق عليها الجميع لحل النزاعات المستشرية تلك، فلا مناص إذاً من ردّ النزاع في كل مسألة من المسائل أو قضية من القضايا إلى الله ورسوله ﵇ امتثالاً لقوله -سبحانه-: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول"، (النساء) . وإذا رددنا المسألة هذه إلى الله ورسوله ﵇ وجدنا نبينا قد نهى عن محدثات الأمور ووصفها بأنها ضلالات، ومن ذلك تخصيص أيام وليال للتعبد خلاف ما شرع وسنّ ﵊. أما ما ذكر السائل الكريم من قوله ﵇: "مثل المؤمنين في توادهم ... " الحديث فهو حديث صحيح لا مطعن فيه خرجه مسلم وغيره، ولكن لا وجه للاستشهاد به في مسألتنا هذه فنحن نمنع إحداث عبادات بلا دليل ولا نمنع أن يتواد المؤمنون ويتراحموا ويعطف بعضهم على بعض، بل شيوع المودة والمرحمة والمحبة بينهم هو غاية المنى، وبهجة الصدور ويمكن أن نحقق شيئاً من هذا المطلب بدوام الدعاء لبعضنا البعض، ووقوف بعضنا مع بعض في السراء والضراء، وهكذا. وأما دعوة وأمنية السائل بأن نجتمع ونتوحد فهذا مطلب لكل مسلم غيور، وينبغي أن يسعى إليه الجميع لكن لا سبيل للاجتماع إلا بذات الأسلوب والمنهج والركيزة التي اجتمع عليها سلفنا الصالح من التسليم المطلق إلى حكم الله ورسوله، ونبذ الأهواء المضلة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه. وأما الحكمة التي أعجبت السائل: (من وجد الله فماذا فقد ... إلخ) ، فأحسن وأبلغ منها قوله -تعالى-: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم"، فمن ادّعى محبة الله فليثبت صدق محبته بمتابعة النبي ﷺ في كل صغيرة وكبيرة من أمور شريعته، ولذا سمّى العلماء هذه الآية آية المحنة؛ لأن فيها امتحان لصدق الناس من كذبهم في مسألة المحبة.
следующие страницы →