رقم القرار: ١
رقم الدورة: ١١
بشأن زكاة أجور العقار
مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن رابطة العالم الإسلامي ١٦/١٠/١٤٢٥
٢٩/١١/٢٠٠٤
بشأن زكاة أجور العقار:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصبحه وسلم. فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، برابطة العالم الإسلامي، في دورته الحادية عشرة، المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من يوم الأحد ١٣رجب١٤٠٩هـ الموافق ١٩ فبراير ١٩٨٩م إلى يوم الأحد ٢٠ رجب ١٤٠٩هـ الموافق ٢٦ فبراير ١٩٨٩م قد نظر في موضوع زكاة أجور العقار، وبعد المناقشة، وتداول الرأي قرر بالأكثرية ما يلي:
أولاً: العقار المعد للسكنى، هو من أموال القنية، فلا تجب فيه الزكاة إطلاقًا، لا في رقبته ولا في قدر أجرته.
ثانيًا: العقار المعد للتجارة، هو من عروض التجارة، فتجب الزكاة في رقبته، وتقدر قيمته عند مضي الحول عليه.
ثالثًا: العقار المعد للإيجار، تجب الزكاة في أجرته فقط، دون رقبته.
رابعًا: نظرًا إلى أن الأجرة تجب في ذمة المستأجر للمؤجر، من حين عقد الإجارة، فيجب إخراج زكاة الأجرة، عند انتهاء الحول، من حين عقد الإجارة بعد قبضها.
خامسًا: قدر زكاة رقبة العقار، إن كان للتجارة، وقدر زكاة غلته، إن كان للإجارة، هو ربع العشر، إلحاقًا له بالنقدين.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين.
القرار الثاني: بيان من الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بشأن الرواية التي كتبها المدعو سلمان رشدي، وما تضمنته من إساءات واعتداءات على عقائد وشخصيات إسلامية معظمة:
стр. 8367
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم: أما بعد: فإن الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي- وقد آلمها كما آلم سائر المسلمين، ما اشتمل عليه كتاب المدعو سلمان رشدي، من التشويه المتعمد للدين الإسلامي، والإساءات الشنيعة للشخصيات الإسلامية- تعلن: ما قرره مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي، في دورته الحادية عشرة، المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩هـ الموافق ١٩ فبراير ١٩٨٩م إلى يوم الأحد ٢٠ رجب ١٤٠٩هـ الموافق ٢٦ فبراير ١٩٨٩م حول الرواية المذكورة، وجاء في القرار ما يلي: إن الرواية التي كتبها وأصدرها المدعو سلمان رشدي، الهندي الأصل من أسرة مسلمة، والبريطاني الجنسية، تلك الرواية التي نشرت باللغة الإنجليزية في كتاب بعنوان (آيات شيطانية) ، نقلت الصحف العالمية والعربية والإسلامية والأجنبية فقرات منها، وقد نشرت الكتاب دار بنجوين للنشر في بريطانيا، وفايكنج في الولايات المتحدة الأمريكية، وأعقبت الرواية المذكورة، ضجة استنكار في الأوساط الإسلامية وغيرها، بسبب ما جاء فيها من ألفاظ نابية، وافتراءات على الإسلام ومقدساته. وقد نظر المجلس في بعض الفقرات، والفصول التي تضمنتها الرواية المذكورة، فرأى مجلس المجمع الفقهي فيها أبشع وأقذر صورة للافتراءات، والأوصاف التي يصف فيها ذلك الكاتب نبي الإسلام، سيدنا محمدًا رسول الله ﷺ ، وزوجاته أمهات المؤمنين، وغير ذلك من المستنكرات، حتى إنه يتهجم على خليل الله سيدنا إبراهيم بكلمات لا تليق بحرمة الأنبياء، ويصف أمهات المؤمنين- زوجات رسول الله ﷺ بكلمات من سافل الكلام، الذي يخرج عن نطاق الكلام التاريخي، أو العلمي، أو الأدبي، ويدخل في نطاق التعدي على المقدسات الاعتقادية الإسلامية، بصورة تجرمها وتعاقب عليها قوانين جميع البلاد المتمدنة، التي يحكمها نظام، ودستور، وقوانين، تحفظ الحقوق والكرامات، لأن ما جاء في تلك الرواية، يتجاوز نطاق حرية الآراء، ويدخل في نطاق العدوان، والإيذاء بالكلام السافل، الذي يمس الكرامات المحترمة المصونة. وقد تداول مجلس المجمع الفقهي، في هذا الموضوع الخطير، وما يجب سلوكه تجاه هذا العدوان السافل، على الحرمات الإسلامية المقدسة، وانتهى المجلس إلى القرار التالي:
١- يرى المجلس: أن ما ورد في هذا الكتاب، المسمى (بالآيات الشيطانية) - من المفتريات المشار إليها، لا يستحق أن يواجه بردود علمية، لأنه من قبيل الشتائم، والأوصاف البذيئة، وليس آراء علمية، أو تاريخية تستوجب الرد العلمي.
٢- يقرر المجلس: استنكار هذا العمل، الصادر عن هذا المجرم. ويعلن المجلس: أن هذا الرجل، بعمله هذا، يعتبر مرتدًّا عن الإسلام، الذي نشأ في ظله، وأنه يستحق أن يطبق عليه ما تنص عليه الشريعة الإسلامية.
стр. 8368
٣- يعلن المجلس: أنه يجب ملاحقة هذا الشخص، بدعوى قضائية جزائية، تقام عليه، وعلى دار النشر التي نشرت له هذه الرواية، في المحاكم المختصة في بريطانيا، وأن تتولى رفع هذه الدعوى عليه منظمة المؤتمر الإسلامي التي تمثل الدول الإسلامية وأن توكل في هذه الدعوى أقوى المحامين المتمرسين، في القضايا الجنائية، أمام محاكم الجزاء البريطانية، ممن يوثق بأمانتهم المسلكية.
٤- يعلن المجلس: أنه يجب أن تقام أيضًا على هذا الكاتب السافل دعوى جزائية في بلد إسلامي، من قبل النيابة العامة فيه، يحاكم فيها غيابيًّا، ويحكم عليه بما توجبه الشريعة الإسلامية في أمثاله- حتى ولو لم يكن هذا الحكم مجال تنفيذ فوري- ويعلن ذلك إعلاميًّا. وذلك للتعبير عن سخط المسلمين في العالم، على هذا الأسلوب من العدوان السافل.
٥- يقرر المجلس: أن الاعتذار الذي قدمه هذا الكاتب، إلى المراجع البريطانية، ونشرته الصحف، وقال فيه: إنه يأسف، لأنه أساء إلى مشاعر المسلمين. هو اعتذار فارغ، لا محصل له، ولا يغير شيئًا، من افتراءاته الشنيعة، لأن الاعتذار في مثل هذه الحال، يجب أن يتضمن الإقرار والاعتراف بأن ما ذكره في كتابه إنما هو محض كذب وافتراء، وأنه غير صحيح، وأن ينشر ذلك في وسائل الإعلام الموازية لتلك التي نشر فيها أكاذيبه.
٦- يدعو المجلس الحكومات والشعوب والأفراد، في البلدان الإسلامية وغيرها إلى مقاطعة دور النشر التي نشرت هذا الكتاب، المسمى (آيات شيطانية) ، أو ساعدت على نشره، أو دفعت مكافأة لمؤلفه، أو قدمت جائزة له، مقاطعة تامة في الكتب التي تنشرها تلك الدور أيًّا كانت صفتها، وألا تتعامل معها بأية صورة.
وإن الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي، إذ تنشر قرار المجمع الفقهي الإسلامي، بعد أن حذرت العالم الإسلامي من خطورة الكتاب، وضرورة مقاطعة دار النشر التي تولت تمويل الكتاب ونشره: تهيب بكل مسلم على وجه الأرض- وبخاصة في بريطانيا وأمريكا، حيث نشر الكتاب- أن يكشف زيف هذا الكتب، وأن يحث إخوانه المسلمين، والأشخاص المحبين للصدق والإنصاف، على مقاطعة دار النشر التي أصدرته، والدور الأخرى المتعاونة معها على توزيعه وتسويقه. والله الموفق.
стр. 8369
رقم القرار: ٧
رقم الدورة: ٩
بشأن حكم «صرف سهم المجاهدين من الزكاة في تنفيذ مشاريعهم الصحية والتربوية والإعلامية»
مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن رابطة العالم الإسلامي ١٦/١٠/١٤٢٥
٢٩/١١/٢٠٠٤
بشأن حكم «صرف سهم المجاهدين من الزكاة في تنفيذ مشاريعهم الصحية والتربوية والإعلامية» :
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد. أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته التاسعة المنعقدة بمبنى رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة في الفترة من يوم السبت ١٢رجب١٤٠٦هـ إلى يوم السبت ١٩رجب١٤٠٦هـ قد نظر في موضوع السؤال المقدم من رئيس لجنة الدعوة الإسلامية في جمعية الإصلاح الاجتماعي بالكويت والخاص بجواز صرف أموال الدعوة الإسلامية التي تجمع للمجاهدين الأفغانيين، لتنفيذ المشاريع الصحية والتربوية والإعلامية، والذي طلب سماحة رئيس المجلس عرضه عليه في هذه الدورة. وبعد أن نظر المجلس في إجابات بعض الأعضاء، وبعد أن راجع ما صدر عنه من قرارات سابقة، وما صدر عن هيئة كبار العلماء في المملكة، واستمع إلى المناقشات حول الموضوع، قرر أن الصرف في الجهات التي تضمنها السؤال جائز من أكثر من جهة:
أولاً: من جهة الاستحقاق بالحاجة، فهم- مجاهدين ومهاجرين- فقراء أو مساكين أو أبناء سبيل، فإن من كان من ذوي الأرض والعقار في بلده أصبح بالهجرة والتشريد من أبناء السبيل بعد انقطاعه. والإنفاق على الفقراء والمحتاجين من أموال الزكاة لا يقتصر على إطعامهم وكسوتهم فقط، بل يشمل كل ما تتم به كفايتهم وتنتظم به حياتهم، ومنها المشاريع الصحية والمدارس التعليمية ونحوها مما يعتبر من ضرورات الحياة المعاصرة. وقد نقل الإمام النووي عن أصحابه من الشافعية: أن المعتبر في الكفاية: المطعم والملبس والمسكن، وسائر ما لابد له منه، على ما يليق بحاله، لنفس الشخص ولمن هو في نفقته (المجموع ٦/١٩٠) . وقوله: (سائر ما لابد له منه) . كلمة عامة مرنة تتسع للحاجات المتجددة والمتغيرة بتغير الزمان والمكان والحال، ومن ذلك في عصرنا: المنشآت الصحية والتعليمية التي تعتبر من تتمات المحافظة على النفس والعقل وهما من الضروريات الخمس، وقد اعتبر الفقهاء الزواج من تمام الكفاية، وكتب العلم لأهله من تمام الكفاية، نقل في (الإنصاف) :أنه يجوز للفقير الأخذ من الزكاة لشراء كتب يحتاجها من كتب العلم التي لابد منها لمصلحة دينه ودنياه (٣/١٦٥،٢١٨) .
стр. 8370
ثانيًا: من جهة أخرى يعتبر الإنفاق على المشاريع المسؤول عنها داخلاً في مصرف: (وَفِي سَبِيلِ اللهِ) . حتى مع التضييق في مدلوله وقصره على الجهاد بالمعنى العسكري، فإن الجهاد اليوم لم يعد مقصورًا على أشخاص المجاهدين وحدهم، بل أصبح تأمين الجهة الداخلية وقوتها جزءًا لا يتجزأ مما يسمونه (الإستراتيجية العسكرية) . والمهاجرون بكل معاناتهم ومآسيهم هم بعض ثمار الحرب وإفرازها ونتاجها، فلابد من رعايتهم وتوفير ما يلزم لحياتهم الحياة المناسبة، وتعليم أبنائهم وعلاجهم حتى يطمئن المجاهدون إلى أن أهليهم وراءهم غير مضيعين، فيستمروا في جهادهم أقوياء صامدين، وأي خلل أو ضعف في هذه الجهة يعود على الجهاد بالضرر. ومما يؤيدنا في هذا من النصوص ما جاء في الصحيح من قوله ﷺ : "مَن خَلَفَ غازِيًا في أهلِه بخيرٍ فقد غَزَا". فاعتبر رعاية أسرة الغازي المجاهد غزوًا وجهادًا، فلا غرو أن يكون الإنفاق فيه من باب الجهاد في سبيل الله. وعلى هذا نص بعض الفقهاء: أن الغازي يُعطَى من سهم (وَفِي سَبِيلِ اللهِ) نفقتَه ونفقةَ عياله ذهابًا ومقامًا ورجوعًا (المجموع:٦/٢٢٧) . وأما ما يتعلق بالنشاط الإعلامي، فقد غدا من لوازم الحرب الناجحة في عصرنا كما يقرر ذلك المختصون من العسكريين، فهو لازم لتقوية الروح المعنوية للمجاهدين وتحريضهم على القتال، وهو لازم لزرع الثقة والأمل في نفس من وراءهم من المدنيين والمساعدين، وهو لازم لبث الرعب في قلوب أعدائهم، وقد يكون النصر بالرعب، وهو لازم لتجنيد الرأي العام العالمي للوقوف بجانبهم ونصرة قضيتهم. والقاعدة الشرعية: أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ثم هو بعد ذلك من أنواع الجهاد باللسان، الداخل في عموم قوله ﷺ : "جاهِدوا المشركين بأموالِكم وأنفسِكم وألسنتِكم". وبناء على هذا يرى المجلس جواز صرف أموال الزكاة فيما جاء في السؤال. والله أعلم. والله ولي التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. والحمد لله رب العالمين.
стр. 8371
رقم القرار: ٥
رقم الدورة: ٩
بشأن موضوعي " الاستفادة بأموال الزكاة لبناء المدارس والمستشفيات في البلاد الأوربية وتأسيس صندوق للزكاة فيها "
مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن رابطة العالم الإسلامي ١٦/١٠/١٤٢٥
٢٩/١١/٢٠٠٤
بشأن موضُوعَي «الاستفادة بأموال الزكاة لبناء المدارس والمستشفيات في البلاد الأوربية وتأسيس صندوق للزكاة فيها» :
стр. 8372
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد. أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته التاسعة المنعقدة بمبنى رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة في الفترة من يوم السبت ١٢رجب١٤٠٦هـ إلى يوم السبت ١٩رجب١٤٠٦هـ قد نظر في توصية مجمع البحث الفقهي الأوربي، التابع للمجلس الأعلى العالمي للمساجد، والمحال إليه من معالي الدكتور الأمين العام، نائب رئيس المجلس، والمتعلق بإمكان الاستفادة بأموال الزكاة لبناء المدارس والمستشفيات في البلاد الأوربية. وبعد النظر والاستماع إلى كلمات الأعضاء ومناقشاتهم قرر المجلس تأكيد ما ذهب إليه في الدورة الثامنة من دخول الدعوة إلى الله تعالى، وما يعين عليها، ويدعم أعمالها في مصرف: (وَفِي سَبِيلِ اللهِ) . وهو أحد المصارف الثمانية المنصوص عليها في كتاب الله تعالى [الآية٦٠ من سورة التوبة] اعتمادًا على أن الجهاد في الإسلام لا يقتصر على القتال بالسيف، بل يشمل الجهاد بالدعوة وتبليغ الرسالة، والصبر على مشاقها. وقد قال تعالى مخاطبًا رسوله ﷺ في شأن القرآن: (فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) [الفرقان:٥٢] . وجاء في الحديث الشريف: "جاهِدوا المشركين بأموالِكم وأنفسِكم وألسنتِكم". رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم وصححه. ويتأكد هذا المعنى في عصرنا الحاضر، أكثر من أي وقت آخر، فالمسلمون يُغزَون فيه في عقر دارهم من الملل والنحل والفلسفات الباطلة، وبالفكر والثقافة لا بالسيف والمدفع، وبالمؤسسات التعليمية والاجتماعية، لا بالمؤسسات العسكرية. ولا يفل الحديد إلا حديد مثله، فلابد أن تقاوم الدعوة إلى الطاغوت بالدعوة إلى الله، ويقاوم تعليم الباطل بتعليم الحق، والفكر المشحون بالكفر بالفكر المشحون بالإسلام. كما قال أبو بكر الصديق لخالد ﵁: "حارِبْهم بمثلِ ما يُحارِبونك به: السَّيفُ بالسَّيفِ، والرُّمحُ بالرُّمحِ..". وقد تنوعت وسائل الدعوة وأساليبها في عصرنا تنوعًا بالغًا، فلم تعد مقصورة على كلمة تقال، أو نشرة توزع، أو كتاب يؤلف- وإن كان هذا كله مهمًّا- بل أصبح من أعظم وسائلها أثرًا وأشدها خطرًا: المدرسة التي تصوغ عقول الناشئة وتصنع أذواقهم وميولهم، وتغرس فيها من الأفكار والقيم ما تريد، ومثل ذلك المستشفى الذي يستقبل المرضى، ويحاول التأثير فيهم باسم الخدمات الإنسانية. وقد استغل هذه الوسائل أعداء الإسلام من دعاة التنصير وغيرهم، لغزو أبناء الأمة الإسلامية، وسلخهم من شخصيتهم، وإضلالهم عن عقيدتهم، فأنشؤوا المدارس، والمستشفيات وغيرها لهذا الغرض الخبيث، وأنفقوا عليها العشرات والمئات من الملايين، وأكثر ما يتعرض المسلمون وشبابهم خاصة لهذا الخطر حينما يكونون خارج ديار الإسلام. ولهذا يقرر المجلس أن المؤسسات التعليمية والاجتماعية من المدارس والمتشفيات ونحوها، إذا كانت في بلاد الكفر، تعتبر اليوم من لوازم الدعوة، وأدوات الجهاد في سبيل الله، وهي مما يدعم الدعوة ويعين على أعمالها بل هي لازمة للمحافظة على عقائد المسلمين وهُويَّتهم الدينية، في مواجهة التخريب العقائدي والفكري الذي تقوم به المدارس والمنشآت
стр. 8373
التنصيرية واللادينية. على أن تكون هذه المؤسسات إسلامية خالصة، ممحضة لأغراض الدعوة والرسالة والنفع لعموم المسلمين، وليست لأغراض تجارية تخص أفرادًا أو فئة من الناس.
أما ما يتعلق بتأسيس صندوق للزكاة، لجمعها من المكلفين بها، وصرفها في مصارفها الشرعية، ومنها ما ذكرناه أعلاه، فهو أمر محمود شرعًا، لما وراءه من تحقيق مصالح مؤكدة للمسلمين، بشرط أن يقوم عليه الثقات المأمونون العارفون بأحكام الشرع في تحصيل الزكاة وتوزيعها. والله أعلم. والله ولي التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. والحمد لله رب العالمين.
стр. 8374
القرار: ٤
رقم الدورة: ٨
بشأن جمع وتقسيم الزكاة والعشر في باكستان
مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن رابطة العالم الإسلامي ١٥/١٠/١٤٢٥
٢٨/١١/٢٠٠٤
بشأن جمع وتقسيم الزكاة والعشر في باكستان:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، في دورته الثامنة المنعقدة بمكة المكرمة فيما بين ٢٧ ربيع الآخر ١٤٠٥هـ و ٨ جمادى الأولى ١٤٠٥هـ. بناء على الخطاب الموجه إلى سماحة رئيس المجلس الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، من سفارة الباكستان بجدة، رقم ٤/سياسية٦٣/٨٣ وتاريخ ٢٧ يونيو ١٩٨٣م ومشفوعة استفتاء بعنوان: (جمع وتقسيم الزكاة والعشر في باكستان) ، والمحال من قبل سماحته، إلى مجلس المجمع الفقهي، بخطابه رقم ١٠٦٢/٢ وتاريخ ١٦ ذي القعدة ١٤٠٣هـ. وبعد اطلاع المجلس، على ترجمة الاستفتاء الذي يطلب فيه الإفادة، هل أحد مصارف الزكاة الثمانية، المذكورة في الآية الكريمة، وهو: (وَفِي سَبِيلِ اللهِ) . يقصر معناه على الغزاة في سبيل الله، أم أن سبيل الله عام لكل وجه من وجوه البر، من المرافق، والمصالح العامة، من بناء المساجد، والربط، والقناطر، وتعليم العلم، وبث الدعاة....إلخ. وبعد دراسة الموضوع، ومناقشته، وتداول الرأي فيه، ظهر أن للعلماء في المسألة قولين:
أحدهما: قصر معنى: (وَفِي سَبِيلِ اللهِ) . في الآية الكريمة على الغزاة في سبيل الله، وهذا رأي جمهور العلماء. وأصحاب هذا القول يريدون قصر نصيب (وَفِي سَبِيلِ اللهِ) من الزكاة، على المجاهدين الغزاة في سبيل الله تعالى.
القول الثاني: أن سبيل الله شامل، عام لكل طرق الخير، والمرافق العامة للمسلمين: من بناء المساجد وصيانتها، وبناء المدارس، والربط، وفتح الطرق، وبناء الجسور، وإعداد المؤن الحربية، وبث الدعاة، وغير ذلك من المرافق العامة، مما ينفع الدين، وينفع المسلمين، وهذا قول قلة من المتقدمين، وقد ارتضاه واختاره كثير من المتأخرين.
وبعد تداول الرأي، ومناقشة أدلة الفريقين قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:
١- نظرًا إلى أن القول الثاني قد قال به طائفة من علماء المسلمين، وأن له حظًّا من النظر، في بعض الآيات الكريمة مثل قوله تعالى (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى) [البقرة:٢٦٢] . ومن الأحاديث الشريفة، مثل ما جاء في سنن أبي داود: أن رجلاً جعل ناقة في سبيل الله فأرادت امرأته الحج، فقال لها النبي ﷺ : "ارْكَبِيها فإنَّ الحَجَّ في سَبِيلِ اللهِ".
٢- ونظرًا إلى أن القصد من الجهاد بالسلاح، هو إعلاء كلمة الله تعالى، وأن إعلاء كلمة الله تعالى، كما يكون بالقتال يكون- أيضًا- بالدعوة إلى الله تعالى، ونشر دينه: بإعداد الدعاة، ودعمهم، ومساعدتهم على أداء مهمتهم، فيكون كلا الأمرين جهادًا، لما روى الإمام أحمد والنسائي وصححه الحاكم، عن أنس، ﵁، أن النبي ﷺ قال: "جاهِدوا المشركين بأموالِكم وأنفُسِكم وألسنتِكم".
стр. 8375
٣- ونظرًا إلى أن الإسلام محارب بالغزو الفكري والعقدي، من الملاحدة واليهود والنصارى، وسائر أعداء الدين، وأن لهؤلاء من يدعمهم الدعم المادي والمعنوي فإنه يتعين على المسلمين، أن يقابلوهم بمثل السلاح الذي يغزون به الإسلام، وبما هو أنكى منه.
٤- ونظرًا إلى أن الحروب في البلاد الإسلامية، أصبح لها وزارات خاصة بها، ولها بنود مالية في ميزانية كل دولة، بخلاف الجهاد بالدعوة، فإنه لا يوجد له في ميزانيات غالب الدول مساعدة ولا عون. لذلك كله فإن المجلس يقرر- بالأكثرية المطلقة- دخول الدعوة إلى الله تعالى، وما يعين عليها، ويدعم أعمالها، في معنى (وَفِي سَبِيلِ اللهِ) ، في الآية الكريمة.
هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 8376
أبحاث هيئة كبار العلماء المجلد الثالث ص/٤٦-٤٨
قرار رقم (١٠٨) وتاريخ ٢/١١/١٤٠٣هـ
حكم إنشاء مراصد فلكية يستعان بها في رؤية الهلال
هيئة كبار العلماء ٢٢/٨/١٤٢٦
٢٦/٠٩/٢٠٠٥
الحمد لله، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وبعد:
ففي الدورة الثانية والعشرين لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الطائف، ابتداء من العشرين من شهر شوال حتى الثاني من شهر ذي القعدة عام ١٤٠٣هـ بحث المجلس موضوع إنشاء مراصد فلكية يستعان بها عند تحري رؤية الهلال، بناء على الأمر السامي الموجه إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برقم (٤/ص/١٩٥٢٤) وتاريخ ١٨/٨/١٤٠٣هـ، والمحال من سماحته إلى الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (٢٦٥٢/١/د) ، وتاريخ ١/٩/١٤٠٣هـ واطلع على قرار اللجنة المشكلة بناء على الأمر السامي رقم (٦/٢) وتاريخ ٢/١/١٤٠٣هـ، والمكونة من أصحاب الفضيلة: الشيخ عبد الرزاق عفيفي عضو هيئة كبار العلماء وأعضاء الهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلى، والشيخ محمد بن عبد الرحيم الخالد، ومندوب جامعة الملك سعود الدكتور فضل أحمد نور محمد، والتي درست موضوع الاستعانة بالمراصد على تحري رؤية الهلال، وأصدرت في ذلك قرارها المؤرخ في ١٦/٥/١٤٠٣هـ المتضمن:
أنه اتفق رأي الجميع على النقاط الست التالية:
١- إنشاء المراصد كعامل مساعد على تحري رؤية الهلال لا مانع منه شرعاً.
٢- إذا رئي الهلال بالعين المجردة، فالعمل بهذه الرؤية، وإن لم ير بالمرصد.
٣- إذا رئي الهلال بالمرصد رؤية حقيقية بواسطة المنظار تعين العمل بهذه الرؤية، ولو لم ير بالعين المجردة؛ وذلك لقول الله تعالى: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه" (١) ، ولعموم قول رسول الله ﷺ : " لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم ... " الحديث يصدق أنه رئي الهلال، سواء كانت الرؤية بالعين المجردة أم بها عن طريق المنظار، ولأن المثبت مقدم على النافي.
٤- يطلب من المراصد من قبل الجهة المختصة عن إثبات الهلال تحري رؤية الهلال في ليلة مظنته، بغض النظر عن احتمال وجود الهلال بالحساب من عدمه.
٥- يحسن إنشاء مراصد متكاملة الأجهزة للاستفادة منها في جهات المملكة الأربع، تعين مواقعها وتكاليفها بواسطة المختصين في هذا المجال.
٦- تعميم مراصد متنقلة؛ لتحري رؤية الهلال في الأماكن التي تكون مظنة رؤية الهلال، مع الاستعانة بالأشخاص المشهورين بحدة البصر، وخاصة الذين سبق لهم رؤية الهلال. اهـ.
وبعد أن قام المجلس بدراسة الموضوع ومناقشته ورجع إلى قراره رقم (٢) الذي أصدره في دورته الثانية المنعقدة في شهر شعبان من عام ١٣٩٤هـ في موضوع الأهلة قرر بالإجماع: الموافقة على النقاط الست التي توصلت إليها اللجنة المذكورة أعلاه، بشرط أن تكون الرؤية بالمرصد أو غيره ممن تثبت عدالته شرعاً لدى القضاء كالمتبع، وأن لا يعتمد على الحساب في إثبات دخول الشهر أو خروجه.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة
عبد العزيز بن صالح
عبد الله بن قعود
عبد الله خياط
عبد الرزاق عفيفي
إبراهيم بن محمد آل الشيخ
عبد المجيد حسن
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
راشد بن حنين
صالح بن غصون
سليمان بن عبيد
عبد الله بن غديان
صالح اللحيدان
عبد الله بن منيع
محمد بن جبير [أوافق على النقاط الخمس من قرار اللجنة أما النقطة الثانية فلا أوافق عليها]
стр. 8377
أبحاث هيئة كبار العلماء المجلد الثالث ص/٣٥-٤٥
قرار رقم (٣٤) وتاريخ ١٤/٢/١٣٩٥هـ
بشأن حكم اعتماد الحساب الفلكي في إثبات العبادات
هيئة كبار العلماء ٢٢/٨/١٤٢٦
٢٦/٠٩/٢٠٠٥
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، وآله وصحبه، وبعد:
فبناء على خطاب معالي رئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء رقم (٤٦٨٠) وتاريخ ٢٣/٢/١٣٩٤هـ المتضمن: أمر جلالة الملك بإحالة خطاب أمين عام هيئة الدعوة والإرشاد في
(سورابايا) بشأن توحيد مواقيت الصلاة والصوم والحج إلى هيئة كبار العلماء، وإشارة لخطاب سعادة وكيل وزارة الخارجية رقم (٣٠٠/٥/٦/٨٥٥/٣) في ١٥/١/١٣٩٤هـ ومشفوعاته: ما تبلغته سفارة جلالة الملك في الجزائر من وزارة التعليم الأصلي والشئون الدينية من وثائق حول الاعتماد على الحساب الفلكي لتحديد مواقيت العبادات.
وبناء على المحضر رقم (٧) من محاضر الدورة الخامسة لمجلس هيئة كبار العلماء المشتمل على إعداد قرار مدعم بالأدلة يعرض على الهيئة في دورتها السادسة لإقراره.
وبعد دراسة المجلس للقرارات والتوصيات والفتاوى والآراء المتعلقة بهذا الموضوع وإعادة النظر في البحث الذي سبق أن أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في موضوع توحيد أوائل الشهور القمرية، والاطلاع على القرار الصادر من الهيئة في دورتها الثانية برقم (٢) وتاريخ ١٣/٢/١٣٩٣هـ ومداولة الرأي في ذلك كله - قرر ما يلي:
أولاً: أن المراد بالحساب والتنجيم هنا معرفة البروج والمنازل، وتقدير سيركل من الشمس والقمر وتحديد الأوقات بذلك؛ كوقت طلوع الشمس ودلوكها وغروبها، واجتماع الشمس والقمر وافتراقهما، وكسوف كل منهما، وهذا هو ما يعرف ب (حساب التسيير، وليس المراد بالتنجيم هنا الاستدلال بالأحوال الفلكية على وقوع الحوادث الأرضية، من ولادة عظيم أو موته، ومن شدة وبلاء، أو سعادة ورخاء، وأمثال ذلك مما فيه ربط الأحداث بأحوال الأفلاك علماً بميقاتها، أو تأثيراً في وقوعها من الغيبيات التي لا يعلمها إلا الله، وبهذا يتحرر موضوع البحث.
ثانياً: أنه لا عبرة شرعاً بمجرد ولادة القمر في إثبات الشهر القمري بدءاً وانتهاءً بإجماع مالم تثبت رؤيته شرعاً، وهذا بالنسبة لتوقيت العبادات ومن خالف في ذلك من المعاصرين فمسبوق بإجماع من قبله.
ثالثاً: أن رؤية الهلال هي المعتبرة وحدها في حالة الصحو ليلة الثلاثين في إثبات بدء الشهور القمرية وانتهائها بالنسبة للعبادات، فإن لم يُر أكملت العدة ثلاثين بإجماع.
أما إذا كان بالسماء غيم ليلة الثلاثين: فجمهور الفقهاء يرون إكمال العدة ثلاثين؛ عملاً بحديث:" فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، وبهذا تفسر الرواية الأخرى الواردة بلفظ: " فاقدروا له ".
وذهب الإمام أحمد في رواية أخرى عنه، وبعض أهل العلم إلى اعتبار شعبان في حالة الغيم تسعة وعشرين يوماً احتياطاً لرمضان، وفسروا رواية: " فاقدروا له": بضيقوا، أخذاً من قوله تعالى: " ومن قدر عليه رزقه فلينفق مماءاتاه الله" (١) ، أي: ضيق عليه رزقه.
وهذا التفسير مردود بما صرحت به رواية الحديث الأخرى الواردة بلفظ: " فاقدروا له ثلاثين "، وفي رواية أخرى: " فأكملوا عدة شعبان ثلاثين".
стр. 8378
وحكى النووي في شرحه على صحيح مسلم لحديث: " فإن غم عليكم فاقدروا له" عن ابن سريج وجماعة، منهم مطرف بن عبد الله - أي: ابن الشخير- وابن قتيبة وآخرون - اعتبار قول علماء النجوم في إثبات الشهر القمري ابتداءً وانتهاءً، أي: إذا كان في السماء غيم.
وقال ابن عبد البر: روي عن مطرف بن الشخير، وليس الصحيح عنه، ولو صح ما وجب اتباعه؛ لشذوذه فيه، ولمخالفة الحجة له ثم حكى عن ابن قتيبة مثله، وقال: ليس هذا من شأن ابن قتيبة، ولا هو ممن يعرج عليه في مثل هذا الباب. ثم حكى عن ابن خويز منداد أنه حكاه عن الشافعي، ثم قال ابن عبد البر: والصحيح عنه في كتبه وعند أصحابه وجمهور العلماء خلافه، انتهى.
وبهذا يتضح: أن محل الخلاف بين الفقهاء إنما هو في حال الغيم وما في معناه. وهذا كله بالنسبة للعبادات، أما بالنسبة للمعاملات فللناس أن يصطلحوا على ماشاءوا من التوقيت.
رابعاً: أن المعتبر شرعاً في إثبات الشهر القمري هو رؤية الهلال فقط دون حساب سير الشمس والقمر لما يأتي:
أ- أن النبي ﷺ أمر بالصوم لرؤية الهلال والإفطار لها في قوله:
" صوموا لرؤيته، وأفطروا لرويته"، وحصر ذلك فيها بقوله" " لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه "، وأمر المسلمين إذا كان غيم ليلة الثلاثين أن يكملوا العدة، ولم يأمر بالرجوع إلى علماء النجوم، ولو كان قولهم أصلاً وحده أو أصلاً آخر في إثبات الشهر- لأمر بالرجوع إليهم، فدل ذلك على أنه لا اعتبار شرعاً لما سوى الرؤية، أو إكمال العدة ثلاثين في إثبات الشهر، وأن هذا شرع مستمر إلى يوم القيامة، وما كان ربك نسياً.
ودعوى أن الرؤية في الحديث يراد بها العلم أو غلبة الظن بوجود الهلال أو إمكان رؤيته لا التعبد بنفس الرؤية- مردودة؛ لأن الرؤية في الحديث متعدية إلى مفعول واحد، فكانت بصرية لا علمية، ولأن الصحابة فهموا أنها رؤية بالعين، وهم أعلم باللغة ومقاصد الشريعة، وجرى العمل في عهد النبي ﷺ وعهدهم على ذلك، ولم يرجعوا إلى علماء النجوم في التوقيت، ولا يصح أيضاً أن يقال: أن النبي ﷺ حين قال: " فإن غم عليكم فاقدروا له" أراد أمرنا بتقدير منازل القمر لنعلم بالحساب بدء الشهر ونهايته؛ لأن هذه الرواية فسرتها رواية: " فاقدروا له ثلاثين" وما في معناه، ومع ذلك فالذين يدعون إلى توحيد أوائل الشهور يقولون بالاعتماد على حساب المنازل في الصحو والغيم، والحديث قيد القدر له بحالة الغيم.
ب- أن تعليق إثبات الشهر القمري بالرؤية يتفق مع مقاصد الشريعة السمحة؛ لأن رؤية الهلال أمرها عام يتيسر لأكثر الناس، بخلاف ما لو علق الحكم بالحساب فإنه يحصل به الحرج ويتنافى مع مقاصد الشريعة، ودعوى زوال وصف الأمية في علم النجوم عن الأمة لو سلمت لا يغير حكم الشرع في ذلك.
ج- أن علماء الأمة في صدر الإسلام قد أجمعوا على اعتبار الرؤية في إثبات الشهور القمرية دون الحساب، فلم يعرف أن أحداً منهم رجع إليه في ذلك عند الغيم ونحوه، أما عند الصحو فلم يعرف عن أحد من أهل العلم أنه عدل على الحساب في إثبات الأهلة أو علق الحكم العام به.
стр. 8379
خامساً: تقدير المدة التي يمكن معها رؤية الهلال بعد غروب الشمس لولا المانع من الأمور الاعتبارية الاجتهادية التي تختلف فيها أنظار أهل الحساب، وكذا تقدير المانع، فالاعتماد على ذلك في توقيت العبادات لا يحقق الوحدة المنشودة؛ ولهذا جاء الشرع باعتبار الرؤية فقط دون الحساب.
سادساً: لا يصح تعيين مطلع دولة أو بلد- كمكة مثلاً- لتعتبر رؤية الهلال منه وحده، فإنه يلزم من ذلك أن لا يجب الصوم على من ثبتت رؤية الهلال عندهم من سكان جهة أخرى، إذا لم ير الهلال في المطلع المعين.
سابعاً: ضعف أدلة من اعتبر قول علماء النجوم في إثبات الشهر القمري. ويتبين ذلك بذكر أدلتهم ومناقشتها:
أ- قالوا: إن الله أخبر بأنه أجرى الشمس والقمر بحساب لا يضطرب، وجعلهما آيتين وقدرهما منازل؛ لنعتبر، ولنعلم عدد السنين والحساب، فإذا علم جماعة بالحساب وجود الهلال يقيناً وإن لم تمكن رؤيته بعد غروب شمس التاسع والعشرين أو وجوده مع إمكان الرؤية لولا المانع، وأخبرنا بذلك عدد منهم يبلغ مبلغ التواتر - وجب قبول خبرهم؛ لبنائه على يقين، واستحالة الكذب على المخبرين؛ لبلوغهم حد التواتر، وعلى تقدير أنهم لم يبلغوا حد التواتر وكانوا عدولاً فخبرهم يفيد غلبة الظن، وهي كافية في بناء أحكام العبادات عليها.
والجواب: أن يقال: إن كونها آيات للاعتبار بها والتفكير في أحوالها للاستدلال على خالقها ومجريها بنظام دقيق لا خلل فيه ولا اضطراب، وإثبات ما لله من صفات الجلال والكمال- أمر لا ريب فيه.
أما الاستدلال بحساب سير الشمس والقمر على تقدير أوقات العبادات فغير مسلم؛ لأن الرسول ﷺ وهو أعلم الخلق بتفسير كتاب الله - لم يعلق دخول الشهر وخروجه بعلم الحساب، وإنما علق ذلك برؤية الهلال أو إكمال العدة في حال الغيم، فوجب الاقتصار على ذلك، وهذا هو الذي بتفق وسماحة الشريعة وسهولتها مع ما فيه من الدقة والضبط، بخلاف تقدير سير الكواكب فإن أمره خفي عقلي لا يدركه إلا النزر اليسير من الناس، ومثل هذا لا تبنى عليه أحكام العبادات.
ب- وقالوا: إن الفقهاء يرجعون في كثير من شئونهم إلى أهل الخبرة فيرجعون إلى الأطباء في فطر المريض في رمضان، وتقدير مدة التأجيل في العنين والمعترض، وإلى أهل اللغة في تفسير نصوص الكتاب والسنة، إلى غير ذلك من الشئون، فليرجعوا في معرفة بدء الشهور القمرية ونهايتها إلى علماء النجوم.
والجواب: أن يقال: هذا قياس مع الفارق؛ لأن الشرع إنما جاء بالرجوع إلى أهل الخبرة في اختصاصهم في المسائل التي لا نص فيها. أما إثبات الأهلة فقد ورد فيه النص باعتبار الرؤية فقط، أو إكمال العدة دون الرجوع فيه إلى غير ذلك.
ج- وقالوا: إن توقيت بدء الشهر القمري ونهايته لا يختلف عن توقيت الصلوات الخمس وبدء صوم كل يوم ونهايته، وقد اعتبر الناس حساب المنازل علمياً في الصلوات والصيام اليومي فليعتبروه في بدء الشهر ونهايته.
стр. 8380
وأجيب: بأن الشرع أناط الحكم في الأوقات بوجودها، قال تعالى: " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرءان الفجر" (٢) ، وقال" وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل" (٣) ، وفصلت السنة ذلك، وأناطت وجوب صوم رمضان برؤية الهلال ولم تعلق الحكم في شيء من ذلك على حساب المنازل، وإنما العبرة بدليل الحكم.
د- وقالوا: إن الله تعالى قال: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه" (٤) ، إذ المعنى: فمن علم منكم الشهر فليصمه، سواء كان علم ذلك عن طريق رؤية الهلال مطلقاً أو عن طريق علم حساب المنازل.
والجواب: أن يقال: إن معنى الآية: فمن حضر منكم الشهر فليصمه، بدليل قوله تعالى بعده: "ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر" (٥) ، وعلى تقدير تفسير الشهود بالعلم، فالمراد: العلم عن طريق رؤية الهلال، بدليل حديث: " لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه".
هـ - وقالوا: إن علم الحساب مبني على مقدمات يقينية، فكان الاعتماد عليه في إثبات الشهور القمرية أقرب إلى الصواب وتحقيق الوحدة بين المسلمين في نسكهم وأعيادهم. وأجيب: بأن ذلك غير مسلم؛ لأن الحس واليقين في مشاهدة الكواكب لا في حساب سيرها، فإنه أمر عقلي خفي لا يعرفه إلا النزر اليسير من الناس، كما تقدم؛ لحاجته إلى دراسة وعناية، ولوقوع الغلط والاختلاف فيه، كما هو الواقع في اختلاف التقاويم التي تصدر في كثير من البلاد الإسلامية، فلا يعتمد عليه ولا تتحقق به الوحدة بين المسلمين في مواقيت عباداتهم.
ووقالوا: إن تعليق الحكم بثبوت الشهر على الأهلة معلل بوصف الأمة بأنها أمية، وقد زال عنها هذا الوصف، فقد كثر علماء النجوم، وبذلك يزول تعليق الحكم بالرؤية أو بخصوص الرؤية، ويعتبر الحساب وحده أصلاً، أو يعتبر أصلاً آخر إلى جانب الرؤية.
والجواب: أن يقال: إن وصف الأمة بأنها أمية لا يزال قائماً بالنسبة لعلم سير الشمس والقمر وسائر الكواكب، فالعلماء به نزر يسير، والذي كثر إنما هو آلات الرصد وأجهزته، وهي مما يساعد على رؤية الهلال في وقته، ولا مانع من الاستعانة بها على الرؤية وإثبات الشهر بها، كما يستعان بالآلات على سماع الأصوات، وعلى رؤية المبصرات، ولو فرض زوال وصف الأمية عن الأمة في علم الحساب- لم يجز الاعتماد عليه في إثبات الأهلة؛ لأن الرسول ﷺ علق الحكم بالرؤية، أو إكمال العدة، ولم يأمر بالرجوع إلى الحساب واستمر عمل المسلمين على ذلك بعده. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. حرر في ١٤/٢/١٣٩٥هـ.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة السادسة
عبد الرزاق عفيفي
راشد بن خنين
عبد الله بن حميد
عبد العزيز بن باز
عبد الله بن منيع
[له وجهة نظر مرفقة]
عبد المجيد حسن
[لي وجهة نظر مكتوبة]
محمد بن جبير
[له وجهة نظر مرفقة]
عبد العزيز بن صالح
إبراهيم بن محمد آل الشيخ
صالح بن غصون
سليمان بن عبيد
عبد الله بن غديان
محمد الحركان
عبد الله خياط
صالح بن لحيدان
وجهة نظر
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه. وبعد:
стр. 8381
فقد استعرضنا البحوث المقدمة للمجلس في موضوع (حكم العمل بالحساب في ثبوت دخول الشهر أو خروجه) وقرارات المؤتمرات المنعقدة؛ لبحث ذلك الموضوع، وأعدنا النظر في البحث المعد من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في ذلك، ولم نجد فيما اطلعنا عليه من البحوث المذكورة بحثاً في الموضوع من أهل الاختصاص في علم الفلك.
وقد رأينا في تلك البحوث من يدعي: أن نتائج الحساب الفلكي قطعية الدلالة وينكر أن تكون مبنية على ظن أو تخمين، كما وجدنا فيهم من يدعي: أن نتائج الحساب الفلكي مبنية على الحدس والظن والتخمين وينكر قطعية نتائجها. وليس في الفريقين من يعتبر أهلاً لقبول قوله في قطيعة النتائج أو ظنيتها؛ لكونه ليس من علماء الفلك.
وحيث إن الحكم في رأينا يختلف بالنسبة للأمرين: قطعية النتائج أو ظنيتها، حيث إن القول بقطعية نتائج الحساب الفلكي يقضى برد الشهادة برؤية الهلال دخولاً أو خروجاً إذا تعارضت معها؛ لأن من شروط اعتبار الشهادة بالإجماع: أن تكون منفكة عما يكذبها حساً وعقلاً، فإذا قرر الحساب الفلكي عدم ولادة الهلال، وجاء من يشهد برؤيته - كانت شهادته ملازمة لما يكذبها عقلاً، وهو القول باستحالة الرؤية للقطع بعدم ولادة الهلال، كما أن القول بظنيه النتائج يقضي بردها- أي: النتائج- واعتبار الشهادة بالرؤية؛ لإمكانها، وظنيه النتائج الفلكية، وذلك في حالة تعارض الشهادة بالرؤية مع نتائج الحساب.
ونظراً إلى أن القول بقطيعة نتائج الحساب الفلكي أو ظنيتها من قبيل الدعوى من الطرفين، وأن القول في الأمور الشرعية يقتضي التحقق والتثبت والاستقصاء - فقد طلبنا من المجلس استقدام أصحاب اختصاص في علم الفلك؛ لمناقشتهم في ذلك والتحقق منهم فيما يدعيه الطرفان، كما تقضي بذلك المادة () من لائحة المجلس، فرأى المجلس بالأكثرية عدم الحاجة إلى استقدامهم.
وعليه فإننا نؤكد ضرورة استقدام خبراء في علم الفلك لِتُحَقَّقَ دعوى قطعية نتائج الحساب الفلكي أو ظنيتها، وعلى ضوء ذلك نقرر ما نراه.
وبالله التوفيق. وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
حرر في ١٤/٢/١٣٩٥هـ.
عضو الهيئة
عضو الهيئة
عضو الهيئة
عبد المجيد حسن
محمد بن جبير
عبد الله بن سليمان بن منعي
стр. 8382
أبحاث هيئة كبار العلماء المجلد الثالث ص/٣٢-٣٤
قرار رقم (٢)
١- حكم اعتبار اختلاف المطالع
٢- حكم إثبات الهلال بالحساب
هيئة كبار العلماء ٢٢/٨/١٤٢٦
٢٦/٠٩/٢٠٠٥
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
فبناء على خطاب المقام السامي رقم (٢٢٤٥١) وتاريخ ٦/١١/١٣٩١هـ المتضمن إحالة موضوع الأهلة إلى هيئة كبار العلماء نظراً إلى أن الموضوع عند دراسة مجلس رابطة العالم الإسلامي في جلسته المنعقدة في ١٥ شعبان عام ١٣٩١هـ واطلاعها على قرار اللجنة الفقهية المنبثقة من المجلس قدرت الموافقة على القول بعدم اعتبار اختلاف المطالع، إلا أن بعض أعضاء المجلس التأسيسي رأى التريث في الأمر، وزيادة البحث والتقصي في هذا الموضوع.
بناء على ذلك عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورتها الثانية المنعقدة في شهر شعبان ١٣٩٢هـ ما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في موضوع إثبات الأهلة المشتمل على الفقرتين التاليتين:
أ- حكم اعتبار اختلاف المطالع وعدم اعتباره.
ب- حكم إثبات الهلال بالحساب.
وكذا قرار رابطة العالم الإسلامي الصادر منها في دورتها الثالثة عشرة المنعقدة في شهر شعبان عام ١٣٩١هـ، ومرفقة بحث اللجنة الفقهية المشكلة من بعض أعضاء مجلس الرابطة في الموضوع. وبعد دراسة المجلس للموضوع وتداول الرأي فيه، قرر ما يلي:
أولاً: اختلاف مطالع الأهلة من الأمور التي علمت بالضرورة حساً وعقلاً، ولم يختلف فيها أحد، وإنما وقع الاختلاف بين علماء المسلمين في اعتبار اختلاف المطالع من عدمه.
ثانياً: مسألة اعتبار اختلاف المطالع من عدمه من المسائل النظرية التي للاجتهاد فيها مجال، والاختلاف فيها وفي أمثالها واقع ممن لهم الشأن في العلم والدين، وهو من الخلاف السائغ الذي يؤجر فيه المصيب أجرين: أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة، ويؤجر فيه المخطئ أجراً لاجتهاده.
وقد أختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
فمنهم من رأى اعتبار اختلاف المطالع، ومنهم من لم ير اعتباره. واستدل كل فريق بأدلته من الكتاب والسنة، وربما استدل الفريقان بالنص الواحد، كاشتراكهما في الاستدلال بقوله تعالى:" يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج" (١) ، وبقوله ﷺ : " صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته ... " الحديث؛ وذلك لاختلاف الفهم في النص، وسلوك كل منهما طريقاً في الاستدلال به.
وعند بحث هذه المسألة في مجلس الهيئة، ونظراً لاعتبارات قدرتها الهيئة، ولأن هذا الخلاف في مسألة اعتبار اختلاف المطالع من عدمه ليس له آثار تخشى عواقبها. وقد مضى على ظهور هذا الدين مدة أربعة عشر قرناً لا نعلم منها فترة جرى فيها توحيد الأمة الأمية على رؤية واحدة، فإن أعضاء الهيئة يرون بقاء الأمر على ما كان عليه، وعدم إثارة هذا الموضوع، وأن يكون لكل دولة إسلامية حق اختيار ما تراه بواسطة علمائها من الرأيين المشار إليهما في المسألة، إذ لكل منهما أدلته ومستنداته.
ثالثاً: أما ما يتعلق بإثبات الأهلة بالحساب:
стр. 8383
فبعد دراسة ما أعدته اللجنة الدائمة في ذلك، وبعد الرجوع إلى ما ذكره أهل العلم- فقد أجمع أعضاء الهيئة على عدم اعتباره؛ لقوله ﷺ : " صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته" الحديث، ولقوله ﷺ : " لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه" الحديث.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة
عبد الرزاق عفيفي
عبد العزيز بن باز
محضار عقيل
محمد الأمين الشنقيطي
عبد الله بن منيع
عبد الله خياط
عبد الله بن حميد
عبد العزيز بن صالح
عبد المجيد حسن
محمد الحركان
سليمان بن عبيد
إبراهيم بن محمد آل الشيخ
صالح بن غصون
راشد بن خنين
عبد الله بن غديان
محمد بن جبير
صالح بن لحيدان
стр. 8384
الأشهر القمرية
قرارات المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث ٢٤/٤/١٤٢٦
٠١/٠٦/٢٠٠٥
قرار المجلس:
خلص المجلس بعد استعراض الأبحاث المقدمة والمداولة المستفيضة بشأنها إلى القرار التالي:
يثبت دخول شهر رمضان أو الخروج منه بالرؤية البصرية، سواء كانت بالعين المجردة أم بواسطة المراصد، إذا ثبتت في أي بلد إسلامي، بطريق شرعي معتبر، عملاً بالأمر النبوي الكريم الذي جاء به الحديث الصحيح: "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا" (١) ، وصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" (٢) .
وهذا بشرط ألا ينفي الحساب الفلكي العلمي القطعي إمكان الرؤية في أي قطر من الأقطار، فإذا جزم هذا الحساب باستحالة الرؤية المعتبرة شرعًا في أي بلد، فلا عبرة بشهادة الشهود التي لا تفيد القطع، وتحمل على الوهم أو الغلط أو الكذب، وذلك لأن شهادة الشهود ظنية، وجزم الحساب قطعي، والظني لا يقاوم القطعي، فضلاً عن أن يقدم عليه، باتفاق العلماء.
ويؤكد المجلس هذا: أنه لا يعني بالحساب الفلكي (علم التنجيم) المذموم والمرفوض شرعًا، كما لا يعني به المدون في (الرزنامات) المعروفة في البلاد الإسلامية، كما قد يتوهم بعض أهل العلم الشرعي. إنما نعني بالحساب: ثمرة علم الفلك المعاصر القائم على أسس رياضية علمية قاطعة، والذي بلغ في عصرنا مبلغًا عظيمًا، استطاع به الإنسان أن يصل إلى القمر والكواكب الأخرى، وبرز فيه كثير من علماء المسلمين في بلدان شتى.
[الدورة الثالثة]
стр. 8385
مجلة البحوث العدد/٢٨
قرار هيئة كبار العلماء
رقم ٢ وتاريخ ١٣/٨/١٣٩٢هـ
في مسألة اعتبار اختلاف مطالع الأهلة من عدمه
هيئة كبار العلماء ٢٥/٢/١٤٢٦
٠٤/٠٤/٢٠٠٥
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
فبناء على خطاب المقام السامي رقم (٢٢٤٥١) ، وتاريخ ٦/١١/١٣٩١هـ، المتضمن إحالة موضوع عند دراسة مجلس رابطة العالم الإسلامي في جلسته المنعقدة في ١٥ شعبان عام ١٣٩١هـ واطلاعها على قرار اللجنة الفقهية المنبثقة من المجلس قررت الموافقة على القول بعدم اعتبار اختلاف المطالع، إلا أن بعض أعضاء المجلس التأسيسي رأى التريث في الأمر وزيادة البحث والتقصي في هذا الموضوع.
بناء على ذلك عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورتها الثانية المنعقدة في شهر شعبان ١٣٩٢هـ ما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في موضوع إثبات الأهلة المشتمل على الفقرتين التاليتين:
أ- حكم اعتبار اختلاف المطالع وعدم اعتباره.
ب- حكم إثبات الهلال بالحساب.
وكذا قرار رابطة العالم الإسلامي الصادر منها في دورتها الثالثة عشرة المنعقدة في شهر شعبان عام ١٣٩١هـ، ومرفقة بحث اللجنة الفقهية المشكلة من بعض أعضاء مجلس الرابطة في الموضوع، وبعد دراسة المجلس للموضوع وتداول الرأي فيه قرر ما يلي:
أولاً: اختلاف مطالع الأهلة من الأمور التي علمت بالضرورة حسا وعقلاً ولم يختلف فيها أحد، وإنما وقع الاختلاف بين علماء المسلمين في اعتبار اختلاف المطالع من عدمه.
ثانياً: مسألة اعتبار اختلاف المطالع من عدمه من المسائل النظرية التي للاجتهاد فيها مجال والاختلاف فيها وفي أمثالها واقع ممن لهم الشأن في العلم والدين وهو من الخلاف السائغ الذي يؤجر فيه المصيب أجرين: أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، ويؤجر فيه المخطئ أجر الاجتهاد، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين، فمنهم من رأى اعتبار اختلاف المطالع، ومنهم من لم ير اعتباره، واستدل كل فريق بأدلته من الكتاب والسنة، وربما استدل الفريقان بالنص الواحد كاشتراكهما في الاستدلال بقوله تعالى: "يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج"، وبقوله ﷺ : "صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته". الحديث ... وذلك لاختلاف الفهم في النص وسلوك كل منهما طريقاً في الاستدلال به، وعند بحث هذه المسألة في مجلس الهيئة، ونظراً لاعتبارات قدرتها الهيئة، ولأن هذا الخلاف في مسألة اعتبار اختلاف المطالع من عدمه ليس له آثار تخشى عواقبها، وقد مضى على ظهور هذا الدين مدة أربعة عشر قرناً لا نعلم منها فترة جرى فيها توحيد الأمة الإسلامية على رؤية واحدة، فإن أعضاء الهيئة يرون بقاء الأمر على ما كان عليه وعدم إثارة هذا الموضوع، وأن يكون لكل دولة إسلامية حق اختيار ما تراه بواسطة علمائها من الرأيين المشار إليهما في المسألة إذ لكل منهما أدلته ومستنداته.
стр. 8386
ثالثاً: أما ما يتعلّق بإثبات الأهلة بالحساب فبعد دراسة ما أعدته اللجنة الدائمة في ذلك، وبعد الرجوع إلى ما ذكره أهل العلم فقد أجمع أعضاء الهيئة على عدم اعتباره؛ لقوله ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" الحديث ... ، ولقوله ﷺ : "لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه" الحديث ...
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة
عبد الرزاق عفيفي
محمد الأمين الشنقيطي
محضيار عقيل
عبد العزيز بن باز
عبد الله بن حميد
عبد الله خياط
محمد الحاركان
عبد المجيد حسن
عبد العزيز بن صالح
صالح بن غصون
إبراهيم بن محمد آل الشيخ
سليمان بن عبيد
محمد بن جبير
عبد الله بن غديان
راشد بن خنين
صالح بن لحيدان
عبد الله بن منيع
стр. 8387
رقم القرار: ١
رقم الدورة: ٤
بشأن العمل بالرؤية في إثبات الأهلة لا بالحساب الفلكي
مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن رابطة العالم الإسلامي ٢١/١٠/١٤٢٥
٠٤/١٢/٢٠٠٤
بشأن العمل بالرؤية في إثبات الأهلة لا بالحساب الفلكي:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، قد اطلع في دورته الرابعة، المنعقدة بمقر الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، في الفترة ما بين السابع والسابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة ١٤٠١هـ على صورة خطاب الدعوة الإسلامية في سنغافورة، المؤرخ في ١٦ شوال ١٣٩٩هـ الموافق ٨ أغسطس ١٩٧٩م، الموجه لسعادة القائم بأعمال سفارة المملكة العربية السعودية هناك، والذي يتضمن أنه حصل خلاف بين هذه الجمعية وبين المجلس الإسلامي في سنغافورة في بداية شهر رمضان ونهايته سنة ١٣٩٩هـ الموافق ١٩٧٩م، حيث رأت الجمعية ابتداء شهر رمضان وانتهاءه على أساس الرؤية الشرعية، وفقًا لعموم الأدلة الشرعية، بينما رأى المجلس الإسلامي في سنغافورة ابتداء ونهاية رمضان المذكور بالحساب الفلكي، معللاً ذلك بقوله: (بالنسبة لدول منطقة آسيا حيث كانت سماؤها محجوبة بالغمام، وعلى وجه الخصوص سنغافورة، فالأماكن لرؤية الهلال أكثرها محجوبة عن الرؤية، وهذا يعتبر من الأعذار التي لابد منها، لذا يجب التقدير عن طريق الحساب) . وبعد أن قام أعضاء مجلس المجمع الفقهي الإسلامي بدراسة وافية لهذا الموضوع على ضوء النصوص الشرعية، قرر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي تأييده لجمعية الدعوة الإسلامية فيما ذهبت إليه، لوضوح الأدلة الشرعية في ذلك. كما يقرر أنه بالنسبة لهذا الوضع الذي يوجد في أماكن مثل سنغافورة وبعض مناطق آسيا وغيرها، حيث تكون سماؤها محجوبة بما يمنع الرؤية، فإن للمسلمين في تلك المناطق وما شابهها أن يأخذوا بمن يثقون به من البلاد الإسلامية التي تعتمد على الرؤية البصرية للهلال، دون الحساب بأي شكل من الأشكال، عملاً بقوله ﷺ : "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُم فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاثين". وقوله ﷺ : "لا تَصُوموا حتَّى تَرَوُا الهِلالَ أوْ تُكْمِلُوا العِدَّةَ، ولا تُفْطِروا حتَّى تَرَوُا الهِلالَ أوْ تُكمِلُوا العِدَّةَ) . وما جاء في معناهما من الأحاديث.
стр. 8388
قرار رقم: ٩٣ (١/١٠)
بشأن
المفطرات في مجال التداوي
مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي ١٩/١٠/١٤٢٥
٠٢/١٢/٢٠٠٤
مجلة المجمع (ع ١٠، ج ص)
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره العاشر بجدة في المملكة العربية السعودية خلال الفترة من ٢٣-٢٨ صفر ١٤١٨هـ الموافق ٢٨ - حزيران (يونيو) - ٣ تموز (يوليو) ١٩٩٧م،
بعد اطلاعه على البحوث المقدمة في المجمع بخصوص موضوع المفطرات في مجال التداوي، والدراسات والبحوث والتوصيات الصادرة عن الندوة الفقهية الطبية التاسعة التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، بالتعاون مع المجمع وجهات أخرى، في الدار البيضاء بالمملكة المغربية في الفترة من ٩ - ١٢ صفر ١٤١٨هـ الموافق ١٤ - ١٧ حزيران (يونيو) ١٩٩٧م، واستماعه للمناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة الفقهاء والأطباء، والنظر في الأدلة من الكتاب والسنة، وفي كلام الفقهاء،
قرر ما يلي:
أولاً: الأمور الآتية لا تعتبر من المفطرات:
١- قطرة العين، أو قطرة الأذن، أو غسول الأذن، أو قطرة الأنف، أو بخاخ الأنف، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٢- الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٣- ما يدخل المهبل من تحاميل (لبوس) ، أو غسول، أو منظار مهبلي، أو إصبع للفحص الطبي.
٤- إدخال المنظار أو اللولب ونحوهما إلى الرحم.
٥- ما يدخل الإحليل، أي مجرى البول الظاهر للذكر والأنثى، من قثطرة (أنبوب دقيق) أو منظار، أو مادة ظليلة على الأشعة، أو دواء، أو محلول لغسل المثانة.
٦- حفر السن، أو قلع الضرس، أو تنظيف الأسنان، أو السواك وفرشاة الأسنان، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٧- المضمضة، والغرغرة، وبخاخ العلاج الموضعي للفم إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
٨ - الحُقن العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية، باستثناء السوائل والحقن المغذية.
٩ - غاز الأكسجين.
١٠ - غازات التخدير (البنج) ما لم يعط المريض سوائل (محاليل) مغذية.
١١- ما يدخل الجسم امتصاصاً من الجلد كالدهونات والمراهم واللصقات العلاجية الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية.
١٢- إدخال قثطرة (أنبوب دقيق) في الشرايين لتصوير أو علاج أوعية القلب أو غيره من الأعضاء.
١٣- إدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها.
١٤- أخذ عينات (خزعات) من الكبد أو غيره من الأعضاء ما لم تكن مصحوبة بإعطاء محاليل.
١٥- منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل (محاليل) أو مواد أخرى.
١٦- دخول أي أداة أو مواد علاجية إلى الدماغ أو النخاج الشوكي.
١٧- القيء غير المتعمد بخلاف المتعمد (الاستقاءة) .
ثانياً: ينبغي على الطبيب المسلم نصح المريض بتأجيل ما لا يضر تأجيله إلى ما بعد الإفطار من صور المعالجات المذكورة فيما سبق.
ثالثاً: تأجيل إصدار قرار في الصور التالية، للحاجة إلى مزيد من البحث والدراسة في أثرها على الصوم، مع التركيز على ما ورد في حكمها من أحاديث نبوية وآثار عن الصحابة:
أ- بخاخ الربو، واستنشاق أبخرة المواد.
ب- الفصد، والحجامة.
ج - أخذ عينة من الدم المخبري للفحص، أو نقل دم من المتبرع به، أو تلقي الدم المنقول.
د - الحقن المستعملة في علاج الفشل الكلوي حقناً في الصفاق (الباريتون) أو في الكلية الاصطناعية.
هـ - ما يدخل الشرج من حقنة شرجية أو تحاميل (لبوس) أو منظار أو إصبع للفحص الطبي.
والعمليات الجراحية بالتخدير العام إذا كان المريض قد بيّت الصيام من الليل، ولم يعط شيئاً من السوائل (المحاليل) المغذية.
والله أعلم
стр. 8389
رقم القرار: ٧
رقم الدورة: ٤
في بيان توحيد الأهلة من عدمه
مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن رابطة العالم الإسلامي ١٥/١٠/١٤٢٥
٢٨/١١/٢٠٠٤
في بيان توحيد الأهلة من عدمه:
стр. 8390
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. أما بعد: لقد درس المجمع الفقهي الإسلامي مسألة اختلاف المطالع في بناء الرؤية عليها، فرأى أن الإسلام بني على أنه دين يسر وسماحة، تقبله الفطرة السليمة، والعقول المستقيمة، لموافقته للمصالح، ففي مسألة الأهلة، ذهب إلى إثباتها بالرؤية البصرية لا على اعتمادها على الحساب، كما تشهد به الأدلة الشرعية القاطعة، كما ذهب إلى اعتبار اختلاف المطالع، لما في ذلك من التخفيف على المكلفين، مع كونه هو الذي يقتضيه النظر الصحيح، فما يدعيه القائلون من وجوب الاتحاد في يومي الصوم والإفطار مخالف لما جاء شرعًا وعقلاً، أما شرعًا فقد أورد أئمة الحديث حديثَ كريب، وهو أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام، فقضيت حاجتها، فاستهل علي شهر رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس، ﵄، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أولا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ (رواه مسلم في صحيحه) . وقد ترجم الإمام النووي على هذا الحديث في شرحه على مسلم بقوله: (باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم، وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد، لا يثبت حكمه لما بَعُدَ عنهم) . ولم يخرج عن هذا المنهج من أخرج هذا الحديث من أصحاب الكتب الستة (أبو داود والترمذي والنسائي) في تراجمهم له. وناط الإسلام الصوم والإفطار بالرؤية البصرية دون غيرها، لما جاء في حديث ابن عمر، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَصُومُوا حتَّى تَرَوُا الهلال، ولا تُفطِروا حتَّى تَرَوْهُ، فإنْ غُمَّ عَلَيكُم فاقْدُروا لَه". رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما. فهذا الحديث علق الحكم بالسبب، الذي هو الرؤية، وقد توجد في بلد كمكة والمدينة، ولا توجد في بلد آخر، فقد يكون زمانها نهارًا عند آخرين، فكيف يؤمرون بالصيام أو الإفطار؟ أفاده في بيان الأدلة في إثبات الأهلة- وقد قرر العلماء من كل المذاهب: أن اختلاف المطالع هو المعتبر عند كثير، فقد روى ابن عبد البر الإجماع على ألا تراعى الرؤية فيما تباعد من البلدان: كخراسان من الأندلس، ولكل بلد حكم يخصه. وكثير من كتب أهل المذاهب الأربعة طافحة بذكر اعتبار اختلاف المطالع، للأدلة القائمة من الشريعة بذلك، وتطالعك الكتب الفقهية بما يشفي الغليل. وأما عقلاً: فاختلاف المطالع لا اختلاف لأحد من العلماء فيه، لأنه من الأمور المشاهدة، التي يحكم بها العقل، فقد توافق الشرع والعقل على ذلك، فهما متفقان على بناء كثير من الأحكام على ذلك التي منها أوقات الصلاة. ومراجعة الواقع تطالعنا بأن اختلاف المطالع من الأمور الواقعية- وعلى ضوء ذلك قرر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي: أنه لا حاجة إلى الدعوة إلى توحيد الأهلة والأعياد في العالم الإسلامي؛ لأن توحيدها لا يكفل وحدتهم، كما يتوهمه كثير من المقترحين لتوحيد الأهلة والأعياد. وأن تترك قضية إثبات الهلال إلى دور الإفتاء والقضاء في الدول الإسلامية، لأن ذلك أولى وأجدر بالمصلحة الإسلامية العامة. وأن الذي يكفل توحيد الأمة وجمع كلمتها، هو اتفاقهم على العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ في جميع شؤونهم. والله ولي التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 8391
القرار: ٦
رقم الدورة: ٤
حول رسالة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود الموجهة إلى العلماء والحكام والقضاة في شأن رؤية الهلال
مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن رابطة العالم الإسلامي ١٥/١٠/١٤٢٥
٢٨/١١/٢٠٠٤
حول رسالة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود الموجهة إلى العلماء والحكام والقضاة في شأن رؤية الهلال:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. أما بعد: فقد اطلع مجلس المجمع الفقهي الإسلامي على الرسالة الموجهة إلى العلماء والحكام والقضاة في شأن رؤية الهلال، والتي كتبها رئيس المحاكم بدولة قطر، الشيخ عبد الله بن زيد بن محمود. وبعد الاطلاع عليها تبين أنها قد اشتملت على أغلاط عظيمة وأخطاء واضحة:
стр. 8392
أولاً: قوله إ ن عيد الفطر من هذه السنة- يعني سنة ١٤٠٠هـ- قد وقع في غير موقعه الصحيح، بناء على الشهادة الكاذبة برؤية الهلال ليلة الاثنين، حيث لم يره أحد من الناس الرؤية الصحيحة، لا في ليلة الاثنين ولا في ليلة الثلاثاء.... إلخ. فهذا الكلام الذي قاله مؤلف الرسالة تخرُّصًا منه، جانب فيه الصواب، وخالف فيه الحق. وكيف يحكم على جميع الناس أنهم لم يروه؟ وهو لم يُحط علمًا بذلك، والقاعدة الشرعية أن من علم حجة على من لم يعلم، ومن أثبت شيئًا حجة على من نفاه، وكيف وقد ثبتت رؤيته ليلة الاثنين بشهادة الثقات المعدلين، والمثبتة شهاداتهم لدى القضاة المعتمدين في بلدان مختلفة في المملكة وغيرها. وبذلك يعلم أن دخول شوال عام ١٤٠٠هـ، ثبت ثبوتًا شرعيًّا ليلة الاثنين، مبنيًّا على أساس تعاليم الشرع المطهر، المبلغ عن سيد البشر. فقد روى أبو داود في سننه بإسناد صحيح، عن ابن عمر، ﵄، قال: تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته، فصام، وأمر الناس بالصيام. قال الحافظ في التلخيص: وأخرجه الدارمي، والدارقطني، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، وصححه ابن حزم. وروى أهل السنن عن ابن عباس، ﵄، أن أعرابيًّا قال: يا رسول الله، إني رأيت الهلال. فقال له النبي ﷺ : "أَتَشهَدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وأني رسولُ الِله؟ ". قال: نعم. قال: "فأذِّن في الناسِ يا بلالُ أنْ يَصوموا غَدًا". وأخرجه أيضًا ابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني والحاكم، والبيهقي، وروى الإمام أحمد والنسائي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: جالست أصحاب رسول الله ﷺ ، وسألتهم، وإنهم حدثوني أن النبي ﷺ قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وانسكوا لها، فإن غُمّ عليكم فأتموا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا". وعن الحارث بن حاطب الجمحي- أمير مكة- قال: عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسك للرؤية، فإن لم نر، وشهد شاهدا عدل، نسكنا بشهاداتهما. رواه أبو داود والدارقطني، وقال: إسناده متصل صحيح. وعن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من الأنصار، قال: غم علينا هلال شوال، فأصبحنا صيامًا، فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رأوه بالأمس، فأمر الناس أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا لعيدهم من الغد. رواه الإمام أحمد وأبو داود، والنسائي وابن ماجة. قال الحافظ في التلخيص: صححه ابن المنذر وابن السكن وابن حزم. وعن ربعي بن حراش، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: اختلف الناس في آخر يوم من شهر رمضان، فقدم أعرابيان، فشهدا عند النبي ﷺ بالله أنهما أهلا الهلال أمس عشيةً، فأمر النبي ﷺ الناس أن يفطروا. رواه أحمد وأبو داود. وزاد أبو داود في رواية: وأن يفدوا إلى مصلاهم. وهذه الأحاديث تدل على وجوب الأخذ بشهادة الشهود الثقات والاعتماد عليها، وأنه يكفي الشاهدان العدلان في الصوم والإفطار، ويكفي العدل الواحد في إثبات دخول شهر رمضان، كما دل على ذلك حديث ابن عمر وحديث ابن عباس، ﵄، كما تدل على أنه لا يلزم من ذلك أن يراه
стр. 8393
الناس كلهم، أو يراه الجم منهم، كما تدل أيضًا على أنه ليس من شرط صحة شهادة الشاهدين العدلين، أو شهادة العدل الواحد في الدخول، أن يراه الناس في الليلة الثانية، لأن منازله تختلف، وهكذا أبصار الناس ليست على حد سواء، ولأنه قد يوجد في الأفق ما يمنع الرؤية في الليلة الثانية. ولو كانت رؤيته في الليلة الثانية شرطًا في صحة الشهادة لبينه النبي ﷺ ، لأنه المبلغ عن الله، والموضح لأحكامه- ﵊. وحكى الترمذي: إجماع العلماء على قبول شهادة العدلين في إثبات الرؤية، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ في الفتاوى (ج٢٥ص١٨٦) بعد ما ذكر اختلاف أبصار الناس في الرؤية وأسباب ذلك ما نصه: لأنه لو رآه اثنان علق الشارع الحكم بهما بالإجماع، وإن كان الجمهور لم يروه، ولعل مراده بحكاية الإجماع وقت الغيم، لأن خلاف أبي حنيفة- ﵀ في عدم إثبات دخول الشهر في وقت الصحو بأقل من الاستفاضة أمر معلوم لا يخفي على مثله- ﵀ وهذا كله إذا لم يحكم بذلك، فإنه يرتفع الخلاف ويلزم العمل بالشهادة المذكورة إجماعًا، كما ذكر ذلك العلامة أبو زكريا يحيى النووي في شرح المهذب (ج/٦ ص٣١٣) بعدما ذكر أسباب اختلاف أبصار الناس في الرؤية، وهذا نص كلامه: ولهذا لو شهد برؤيته اثنان أو واحد، وحكم به حاكم، لم ينقض بالإجماع، ووجب الصوم بالإجماع، ولو كان مستحيلاً لم ينفذ حكمه ووجب نقضه.
ثم قال ابن محمود، بعد كلام سبق ما نصه: يا معشر العلماء الكرام، ويا معشر قضاة شرع الإسلام، لقد وقعنا في صومنا وفطرنا في الخطأ المنكر كل عام. اهـ. ولا يخفي ما في هذا الكلام من الخطأ العظيم، والجرأة على القول بخلاف الحق، فأين له تكرار الخطأ في كل عام في الصوم والإفطار، والقضاة يحكمون في ذلك بما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، وأجمع عليه أهل العلم، كما سبق بيانه.
стр. 8394
ثم قال ابن محمود، بعد كلام سبق: فمتى طلع- يعني الهلال- قبل طلوع الشمس من جهة المشرق، فإنه يغيب قبلها، فلا يراه أحد، أو طلع مع الشمس فإنه يغيب معها ولا يراه أحد لشدة ضوء الشمس. اهـ. وهذا خطأ بين، فقد ثبت بشهادة العدول أنه قد يرى قبل الشمس في صبيحة يوم التاسع والعشرين من المشرق، ثم يرى بعد غروبهما من المغرب ذلك اليوم. لأن سير القمر غير سير الشمس، فكل واحد يسبح في فلكه الخاص به، كما يشاء الله . وأما الآية التي استدل بها على ما ذكره من عدم إمكان رؤيته بعد الغروب إذا كان قد رؤي صباح ذلك اليوم قبل طلوع الشمس، وهي قوله تعالى في سورة يس: (لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [يس:٤٠] . فلا حجة له في ذلك، لأن علماء التفسير أوضحوا معنى الإدراك المذكور، وأنه لا سلطان للشمس في وقت سلطان القمر، ولا سلطان للقمر في وقت سلطان الشمس. قال الحافظ ابن كثير- ﵀ في تفسير هذه الآية ما نصه: قال مجاهد: لكل منهما حد لا يعدوه ولا يقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا، وإذا ذهب سلطان هذا جاء هذا. إلى أن قال: وقال الثوري: عن إسماعيل بن خالد عن أبى صالح: لا يدرك هذا ضوء هذا ولا هذا ضوء هذا. وقال عكرمة في قوله : (لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ) . يعني أن لكل منهما سلطانًا فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل. اهـ. ثم قال ابن محمود، بعد ما ذكر كلام فقهاء الأحناف في اشتراط الاستفاضة في الرؤية وقت الصحو، وأنه لا يكتفي في رؤيته بشخص أو شخصين دون بقية الناس، لاحتمال التوهم منهما، إلى أن قال: وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ في رسائله المتعلقة بالهلال، فقال: إنه لا يعتد برؤية الواحد والاثنين للهلال، والناس لم يروه، لاحتمال التوهم منهما في الرؤية، ولو كانت الرؤية صحيحة لرآه أكثر الناس. اهـ. وهذا الكلام الذي نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ عن عدم الاكتفاء بشهادة الواحد والاثنين بالهلال إذا لم يره غيرهم، لا أساس له من الصحة، وقد سبق كلامه- ﵀ الذي نقله عنه العارفون بكلامه، وهو الموجود في الفتاوى (ج٢٥ص١٨٦) ، وفيه نقل الإجماع على تعلق حكم الشرع بشهادة الاثنين، ثم قال: تراءى الناس هلال رمضان، فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته، فصام رسول الله ﷺ وأمر الناس بصيامه. رواه أبو داود وصححه الحاكم وابن حبان، ومثله حديث ابن عباس أن أعرابيًّا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال. قال: "أتشهد أن لا إله إلا الله؟ ". قال: نعم. قال: "أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ ". قال: نعم. قال: "فأذِّنْ في الناسِ يا بلالُ أن يصوموا غدًا". رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وصحح النسائي إرساله، فالجواب أنه ليس في الحديثين ما يدل على حصر الرؤية على هذين الشخصين، إذ من المحتمل أن يكونا أول من رأيا الهلال ثم رآه غيرهما. اهـ. المقصود. ولا يخفي بطلان هذا الجواب وتعسفه، لعدم الدليل عليه، والأصل عدم وجود غيرهما، إذ لو شهد غيرهما لنقل، فلما لم ينقل ذلك، علم عدم وقوعه، لهذا
стр. 8395
احتج العلماء بهذين الحديثين على قبول شهادة الواحد في دخول شهر رمضان ووجوب العمل بها، وهو أصح قولي العلماء، كما تقدم بيان ذلك، وقد تقدم أيضًا أنه متى حكم بها حاكم شرعي، وجب العمل بها إجماعًا، كما سبق نقل ذلك عن النووي- ﵀ في شرح المهذب، فنعوذ بالله من القول عليهم بغير علم.
ثم قال ابن محمود في ختام رسالته ما نصه: ولقد تقدم مني القول برسالتي لاجتماع أهل الإسلام على عيد واحد كل عام، فدعوت فيها الحكومة حرسها الله إلى تعيين لجنة عدلية استهلالية، من العدول الذين لهم حظ من قوة البصر، فيراقبون الهلال وقت التحري بطلوعه خاصة لشعبان، وحتى إذا حصل غيم أو قتر حسبوا له ثلاثين، ثم صاموا رمضان، ثم يراقبون عند مستهل ذي الحجة، لمعرفة ميقات الحج، وهذه اللجنة لا ينبغي أن تقل عن عشرة أشخاص من العدول الثقات، ولهم رئيس يرجعون إليه في لم شملهم. اهـ. المقصود. ولا يخفي ما في هذا الكلام من التكلف والتشريع الجديد، الذي لم ينزل الله به من سلطان، بل هو اقتراح في غاية الفساد، لا يجوز التعويل عليه، والالتفات إليه، لأن الله سبحانه قد يسَّر وسهَّل، وأجاز الحكم بشهادة عدلين اثنين في جميع الشهور وعدل واحد في شهر رمضان، فلا يجوز لأحد أن يحدث في شرع الله ما لم يأذن به سبحانه، ولم تأت به سنة نبيه ﷺ . وقد قال الله : (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) [الشورى:٢١] . وثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مَن أحدَث في أمرِنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ". أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، من حديث عائشة، ﵄. وفي رواية مسلم عنها أن النبي ﷺ قال: "مَن عمِل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ".
وهذا ما أردنا التنبيه عليه من الأخطاء الكثيرة التي وقعت في رسالة الشيخ عبد الله بن محمود. ونسأل الله أن يهدينا وإياه سواء السبيل، وأن يعيذنا وإياه وسائر المسلمين من القول على الله وعلى رسوله بغير علم، ومن الإحداث في دين الله ما لم يأذن به الله. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
стр. 8396
أبحاث هيئة كبار العلماء المجلد الثالث ص٣٩٨-٤٠٤
قرار رقم (٣٥) وتاريخ ١٤/٢/١٣٩٥هـ
نقل مقام إبراهيم من مكانه توسعة على الطائفين
هيئة كبار العلماء ٢٣/٨/١٤٢٦
٢٧/٠٩/٢٠٠٥
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
فبناء على خطاب المقام السامي رقم (٣٠٥٦٠) وتاريخ ٩/١٠/١٣٩٤هـ الموجه من جلالة الملك حفظه الله إلى فضيلة رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بخصوص عرض الرسالة التي هي من تأليف الشيخ/ على الصالحي، الخاصة بنقل مقام إبراهيم ﵇، والبناء بمنى، وبعض المقترحات في المسجد الحرام - على هيئة كبار العلماء لدراسة المقترحات التي تضمنتها الرسالة، وبيان الرأي فيها.
وفي الدورة السادسة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في النصف الأول من شهر صفر عام ١٣٩٥هـ جرى من مجلس الهيئة استعراض الرسالة المذكورة، فوجدت تتلخص فيما يأتي:
أ- اقتراح بنقل المقام من مكانه الحالي إلى مكان آخر، ليتسع المطاف للطائفين أيام الحج.
ب- اقتراح بالبناء في منى بصفة جاء وصفها وتحديدها في الاقتراح.
ج- اقتراح ببناء طرق معلقة في المسعى فوق الساعين تنفذ إلى الحرم دون أن يتأذوا أو يتأذى الساعون.
د- اقتراح باستغلال هواء المطاف بتسقيفه بطريقة جاء وصفها وتحديدها في الاقتراح، واقتراحات بربط مبنى الحرم القديم بالجديد، وتبليط حصوات الحرم.
ثم جرى من المجلس مناقشة هذه المقترحات، ومداولة الرأي فيها، وتقرر ما يلي:
أولاً: بالنسبة لموضوع نقل المقام، فمما لا شك فيه أن وضعه الحالي يعتبر من أقوى الأسباب فيما يلاقيه الطائفون في موسم الحج من المشقة العظيمة والكلفة البالغة التي قد تحصل بالبعض إلى الهلاك، أو تقارب، وذلك بسبب الزحام والصلاة عنده، وقد سبق أن بحث موضوع نقله، وصدر من سماحة مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم- ﵀ وأسكنه فسيح جناته - فتوى بجواز نقله شرعاً، إلا أنه رؤي الاكتفاء بتجربة تتلخص في إزالة الزوائد المحيطة بالمقام، ويبقى في مكانه، فإن كان ذلك كافياً ومزيلاً للمحذور استمر بقاؤه في مكانه، وإلا تعين النظر في أمر نقله، وحيث مضى على هذه التجربة عدة سنوات واتضح أن بقاءه في مكانه الحالي لا يزال سبباً في حصول الزحام والمشقة العظيمة به، ونظراً إلى أن من قواعد الشريعة الإسلامية: أن المشقة تجلب التيسير، وأن النصوص الشرعية قد تضافرت في رفع الحرج عن هذه الأمة، قال تعالى " وما جعل عليكم في الدين من حرج"، وقال تعالى " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"، وقال تعالى" يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً".
وقد تتبعت الهيئة الآثار الواردة في تعيين مكان مقام إبراهيم ﵇ في عهد رسول الله ﷺ وما ذكره بعض أهل التفسير والحديث والتاريخ أمثال: الحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، والشوكاني وغيرهم- فترجح لديها أن مكانه في عهد رسول الله ﷺ وعهد أبي بكر وبعض من خلافة عمر بن الخطاب ﵄ في سقع البيت، ثم أخره عمر أول مرة؛ مخافة التشويش على الطائفين، ورده المرة الثانية حين حمله السيل إلى ذلك الموضع الذي وضعه فيه أول مرة.
стр. 8397
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره قوله تعالى " واتخذوا من مقام إبرايهم مصلى" بعد ذكره الأحاديث الواردة في الصلاة عنده- قال: قلت: وقد كان هذا المقام ملصقاً بجدار الكعبة قديماً، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل ﵇ لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة، أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك؛ ولهذا - والله أعلم- أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف، وناسب أن يكن عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه، وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: أحد الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله ﷺ : " اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر"، وهو الذي نزل القرآن بوفاقه في الصلاة عنده، ولهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة ﵃ أجمعين.
قال عبد الرزاق: عن ابن جريج، حدثني عطاء وغيره من أصحابنا، قال: أول من نقله عمر بن الخطاب ﵁، وقال عبد الرزاق أيضاً: عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال: أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁، وقال الحافظ أبو بكر أحمد ابن الحسين بن على البيهقي، أخبرنا أبو الحسن بن الفضل القطان، أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل: حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل، السلمي حدثنا أبو ثابت حدثنا الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن المقام كان زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر ﵁ ملتصقاً بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب ﵁، وهذا إسناد صحيح مع ما تقدم، وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي، أخبرنا ابن أبي عمر العدني، قال: قال سفيان - يعني: ابن عيينة- وهو إمام المكيين في زمانه: كان المقام في سقع البيت على عهد رسول الله ﷺ ، فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي ﷺ وبعد قوله: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى". قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا فرده عمر إليه، وقال سفيان: لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله، وقال سفيان: لا أدري أكان لاصقاً بها أم لا.
فهذه الآثار متعاضدة على ما ذكرناه، والله أعلم.
وقد قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: أخبرنا ابن عمر، وهو: أحمد بن محمد بن حكيم، أخبرنا محمد بن عبد الوهاب بن أبي تمام، أخبرنا آدم، هو: ابن أبي إياس في [تفسيره] ، أخبرنا شريك عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد قال: قال: عمر بن الخطاب: يا رسول الله، لو صلينا خلف المقام، فأنزل الله: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" فكان المقام عند البيت فحوله رسول الله ﷺ إلى موضعه هذا، قال مجاهد: وكان عمر يرى الرأي، فينزل به القرآن، هذا مرسل عن مجاهد، وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن حميد، عن مجاهد: أن أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁، وهذا أصح من طريق ابن مردويه مع اعتضاد هذا بما تقدم، والله أعلم. اهـ.
стр. 8398
وقال ﵀ في معرض تفسيره قوله تعالى " فيه آيات بينات مقام إبراهيم" (١) : قد كان- أي المقام- ملتصقاً بجدار البيت حتى أخره عمر بن الخطاب ﵁ في إمارته إلى ناحية الشرق، بحيث يتمكن الطواف منه، ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف؛ لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى".اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في الجزء الثامن من الفتح: كان عمر ﵁ رأى أن إبقاءه -أي مقام إبراهيم ﵇ يلزم منه التضييق على الطائفين أو على المصلين فوضع في مكان يرتفع به الحرج.
وقال الشوكاني في تفسيره [فتح القدير] على قوله تعالى: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ". وهو- أي: المقام - الذي كان ملتصقاً بجدار الكعبة، وأول من نقله عمر بن الخطاب ﵁، كما أخرجه عبد الرزاق والبيهقي بأسانيد صحيحة، وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق مختلفة. اهـ.
وبناء على ذلك كله: فإن الهيئة تقرر بالإجماع جواز نقله شرعاً إلى موضع مسامت لمكانه من الناحية الشرقية؛ نظراً للضيق والازدحام الحاصل في المطاف، والضرورة إلى ذلك، ما لم ير ولي الأمر تأجيل ذلك لأمر مصلحي.
ثانياً: بالنسبة إلى البناء في منى فلا يخفى أن منى مشعر من المشاعر المقدسة، وأنها مناخ من سبق، وأن أهل العلم ﵏ قد منعوا البناء فيها؛ لكون ذلك يفضي إلى التضييق على عباد الله حجاج بيته الشريف.
ونظراً إلى أن سفوح جبالها غير صالحة في الغالب لسكنى الحجاج فيها أيام منى، وأنه يمكن أن تستغل هذه السفوح بطريقة تحقق المصلحة العامة، ولا تتعارض مع العلة في منع البناء في منى- فإن المجلس يقرر بالأكثرية: جواز البناء على أعمدة في سفوح الجبال المطلة على منى على وجه يضمن المصلحة للحجاج، ولا يعود عليهم بالضرر، ويكون هذا البناء مرفقاً عاماً، وما تحته لمن سبق إليه من الحجاج كبقية أراضي منى، على أن يكون الإشراف على هذا البناء للدولة.
وقد توقف في ذلك صاحبا الفضيلة الشيخان: صالح الليحدان، وعبد الله بن غديان..
ثالثاً: بالنسبة لما يتعلق بتسقيف المطاف فيرى المجلس أنه لا حاجة إلى ذلك، ولما فيه من المضرة والمضايقات.
رابعاً: بالنسبة لبقية المقترحات؛ كبناء الجسور في المسعى، وتبليط حصوات الحرم، وتخطيط منى، وربط مبنى الحرم القديم بالبناء الجديد- فما كان منها محققاً للنفع فإن الشريعة جاءت بتحقيق المصالح ودفع المضار، فتحال إلى الجهة المختصة لدراستها، وتقرير ما يحقق المصلحة في ذلك منها.
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة السادسة
عبد الرزاق عفيفي
عبد الله خياط
عبد الله بن حميد
عبد العزيز بن باز
عبد العزيز بن صالح
عبد المجيد حسن
محمد الحركان
سليمان بن عبيد
إبراهيم بن محمد آل الشيخ
صالح بن غصون
راشد بن خنين
عبد الله بن منيع
محمد بن جبير
عبد الله بن غديان
[متوقف في البناء في سفوح الجبال بمنى]
صالح بن لحيدان
[متوقف في أمر البناء في السفوح]
стр. 8399
أبحاث هيئة كبار العلماء المجلد الثالث. ص ٣٥٣-٣٥٦
قرار رقم (٢٠) وتاريخ ١٢/١١/١٣٩٣هـ
حكم إقامة أكشاك خشبية في منى
هيئة كبار العلماء ٢٣/٨/١٤٢٦
٢٧/٠٩/٢٠٠٥
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:
فبناء على المعاملة المتعلقة بطلب المطوف سراج عمر أكبر السماح له بإقامة أكشاك خشبية في منى من دورين لاستيعاب حجاجه، المشتملة على الأمر الملكي الكريم رقم (١٣٢١٢) وتاريخ ٤/٦/١٣٩٣هـ القاضي بأخذ رأي المشايخ في هذا الخصوص والإفادة.
فقد جرى إدراج هذا الموضوع في جدول أعمال هيئة كبار العلماء في دورتها الرابعة، وفي هذه الدورة جرى الاطلاع على أوراق المعاملة بما في ذلك صورة المخطط المعد للأكشاك، كما جرى الاطلاع على البحث المقدم من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء والمعد من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
وبعد الدراسة والمناقشة وتداول الرأي رأى المجلس بأغلبية الأصوات أنه لا يجوز إقامة أكشاك بمنى على الصفة الموضحة بالمخطط المرفق بالمعاملة، فإنها متى أقيمت على هذه الصفة، وكان تأسيسها مبنياً على تصميمات فنية، وأسس قوية يرتاح إلى متانتها وتحملها، كما جاء في قرار لجنة الحج العليا رقم (٦) وتاريخ ٢٣/٢/١٣٩٣هـ فهي إذن في حكم البناء، إذ لا فرق فيما أقيم على وجه من شأنه الثبات والدوام بين أن يكون من حجارة أو لبن أو أخشاب أو غير ذلك، ومع هذا فإنها قد تفضي على مر الأيام وطول العهد إلى الإبقاء عليها في مكانها، وتنتهي إلى الطمع في تملكها أو الاختصاص بها على الأقل، ودعوى أنها لا تكون ثابتة، وأنها يسهل فكها بعد تركيبها- لا تتفق مع إقامتها على الصفة الموضحة في المخطط، ولا مع الشرط الذي ذكرته لجنة الحج العليا في قراراها، بل إقامتها كذلك من شأنه ثباتها وبقاؤها، تفادياً من متاعب إقامتها كل عام، وحرصاً على عدم النفقات المتكررة، وحفاظاً للمال من الخسائر التي تنشأ عن تلف بعض ما أقيم على هذه الصفة عند فكها، وطمعاً في الانتفاع بها، ثم الوصول إلى دعوى الاختصاص بها على الأقل. أما الشيخان عبد المجيد حسن وعبد الله بن منيع فإنهما لا يريان في ذلك مانعاً شرعياً، ولهما وجهة نظر مرفقة.
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة الرابعة
عبد الله بن محمد بن حميد
عبد الرزاق عفيفي
محمد الأمين الشنقيطي
عبد الله خياط
عبد العزيز بن باز
عبد المجيد حسن
عبد العزيز بن محمد آل الشيخ
محمد الحركان
سليمان بن عبيد
إبراهيم بن محمد آل الشيخ
صالح بن غصون
راشد بن خنين
عبد الله بن غديان
محمد بن جبير
عبد الله بن منيع صالح بن لحيدان
стр. 8400
وجهة نظر
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فإذا كان الأمر كما جاء في قرار لجنة الحج العليا من أن هذه الأكشاك بديل عن الخيام فقط، وأنها تزال بعد انتهاء موسم الحج من كل عام، فإذا لم يكن فيها تعريض لحجاج بين الله الحرام للأذى والمضرة، سواءً الساكن فيها وغيره من الحجاج- إذا كان الأمر كذلك ولم يكن في هذا الإجراء مضرة، ولا أذى، فلا يظهر لنا مانع شرعي يحول دون جواز ذلك؛ لأن للحاج الارتفاق بالأرض التي يحلها في منى أيام الحج بأي وجه يراه، مما لا يتعارض مع المقاصد الشرعية، فإذا انقضت أيام الحج انتهى حقه في الارتفاق بتلك الأرض ذلك العام، ولا يظهر لنا وجه القول بأن هذا وسيلة إلى التملك أو الاختصاص لثلاثة أمور:
أحدها: أن إزالة هذه الأكشاك كل عام بعد انتهاء الحج كما تزال الخيام يمنع الاحتجاج بالاختصاص على فرض وروده شرعاً، مع أن احتمال دعوى الاختصاص غير واردة؛ لمعرفة الخاص والعام: أن منى مناخ من سبق. وألا اختصاص لأحد فيها بغير السبق.
الثاني: ما عليه جمهور أهل العلم من منع التملك في منى مما هو مشهور ومعلوم لدى العموم، حيث لا يمكن تصور قيام أحد بدعوى التملك فيها شرعاً، ولا يرد على ذلك واقع ما في منى من أبنية يتمسك أهلها بدعوى تملك ما هي عليه، فإن دعوى تملكها دعوى باطلة. وقد بنت الحكومة أيدها الله بنصره- على بطلان دعوى التملك في تعويضها- ما قامت بهدمه من هذه المباني، حيث قصرت التعويض على الأنقاض فقط.
الثالث: أن مجموعة من الحجاج والمطوفين قد اعتادوا أن ينزلوا في منى في أماكن معينة منذ سنين طويلة، ولم يكن هذا الاعتبار شافعاً لأحدهم بدعوى الاختصاص فيما لو سبقه غيره في ذلك المنزل وفوق ذلك كله فإن للحكومة - أعزها الله وأدام تمكينها- من الهيبة والقوة والحرص على رعاية مصالح حجاج بيت الله الحرام، والعناية وتمام الاهتمام بالمشاعر المقدسة بحال تقطع على أهل النوايا السيئة كل هدف وتفكير. والله من وراء القصد، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عضو هيئة كبار العلماء
عبد المجيد حسن
عضو هيئة كبار العلماء
عبد الله بن سليمان بن منيع
стр. 8401
أبحاث هيئة كبار العلماء المجلد الثالث ص٢٨٧-٢٨٨
قرار رقم (١١)
حكم بناء طابق علوي فوق الجمرات
هيئة كبار العلماء ٢٣/٨/١٤٢٦
٢٧/٠٩/٢٠٠٥
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله، وبعد:
فبناء على خطاب صاحب السمو الملكي أمير منطقة مكة المكرمة، ورئيس لجنة الحج العليا رقم (٥٩/٥/٧/أم) وتاريخ ٤/١/١٣٩٣هـ، الوارد إلى رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عن طريق وزارة العدل، والذي يطلب فيه إبداء الوجهة الشرعية، وبيان الحكم فيما اقترحته لجنة الحج العليا من بناء طابق على شارع الجمرات ورفع شاخص الجمرات، ورفع جدار حوض كل جمرة إلى منسوب يمكن معه رمي حصى الجمار من أعلى الطابق ومن أسفله بسهولة.
بناء على ذلك درست هيئة كبار العلماء هذا الموضوع، وما أعدته اللجنة الدائمة من البحث عليه، ورأت بالاتفاق أن يؤجل النظر فيه والبت في حكمه إلى دورة أخرى حتى يصل الرسم الهندسي لهذا العمل، والذي سبق أن طلبته الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء؛ لتعرف الهيئة منه تفاصيل الأمر المطلوب وهل يحقق هذا الاقتراح مصلحة من غير استلزام مفسدة أم لا؟
وصلى الله وسلم على محمد، وآله وصحبه.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة الثالثة
محمد الأمين الشنقيطي
عبد الرزاق عفيفي
عبد الله خياط
عبد الله بن حميد
عبد العزيز بن باز
عبد المجيد حسن
عبد العزيز بن صالح
محمد الحركان
سليمان العبيد
إبراهيم بن محمد آل الشيخ
محمد بن جبير
راشد بن خنين
عبد الله بن غديان
صالح بن غصون عبد الله بن منيع
صالح بن لحيدان
стр. 8402
أبحاث هيئة كبار العلماء المجلد الأول ص٤٠-٤٢
قرار هيئة كبار العلماء
رقم (٢١) وتاريخ ١٢/١١/١٣٩٣هـ
حكم السعي فوق سقف المسعى
هيئة كبار العلماء ٢٢/٨/١٤٢٦
٢٦/٠٩/٢٠٠٥
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:
فبناء على الخطاب الوارد لفضيلة رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد من معالي وزير العدل رقم (٢٦٧) وتاريخ ٢٣/٣/١٣٩٣هـ المبني على خطاب سمو نائب وزير الداخلية رقم (٢٦/١٠٦١٢) وتاريخ٢١/٣/١٣٩٣هـ بخصوص الرغبة في إبداء الحكم الشرعي في (حكم السعي فوق سقف المسعى) ليكون وسيلة من وسائل علاج ازدحام الحجاج أيام الموسم، وبناء على ما رآه فضيلته من إدراج هذا الموضوع في جدول أعمال هيئة كبار العلماء في دورتها الرابعة فقد تم إدراج ذلك، وفي تلك الدورة جرى الاطلاع على أوراق المعاملة المتعلقة بالاستفتاء، كما جرى الاطلاع على البحث المقدم من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، والمعد من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
وبعد دراسة المسألة، واستعراض أقوال أهل العلم في حكم الطواف والسعي والرمي راكباً، والصلاة إلى هواء الكعبة أو قاعها، وكذا حكم الطواف فوق أسطحة الحرم وأروقته، وحكمهم بأن من ملك أرضاً ملك أسفلها وأعلاها.
وبعد تداول الرأي والمناقشة انتهى المجلس بالأكثرية إلى الإفتاء بجواز السعي فوق سقف المسعى عند الحاجة، بشرط استيعاب ما بين الصفا والمروة، وأن لا يخرج عن مسامتة المسعى عرضاً لما يأتي:
١- لأن حكم أعلى الأرض وأسفلها تابع لحكمها في التملك والاختصاص ونحوهما، فللسعي فوق سقف المسعى حكم السعي على أرضه.
٢- لما ذكره أهل العلم من أنه يجوز للحاج والمعتمر أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة راكباً لعذر باتفاق، ولغير عذر على خلاف من بعضهم، فمن يسعى فوق سقف المسعى يشبه من يسعى راكباً بعيراً ونحوه، إذ الكل غير مباشر للأرض في سعيه، وعلى رأي من لا يرى جواز السعي راكباً لغير عذر، فإن ازدحام السعاة في الحج يعتبر عذراً يبرر الجواز.
٣- أجمع أهل العلم على أن استقبال ما فوق الكعبة من هواء في الصلاة كاستقبال بنائها، بناء على أن العبرة بالبقعة لا بالبناء، فالسعي فوق سقف المسعى كالسعي على أرضه.
٤- اتفق العلماء على أنه يجوز الرمي راكباً وماشياً، واختلفوا في الأفضل منهما، فإذا جاز رمي الجمرات راكباً جاز السعي فوق سقف المسعى، فإن كلاً منهما نسك أدي من غير مباشرة مؤدية للأرض التي أداه عليها، بل السعي فوق السقف أقرب من أداء أي شعيرة من شعائر الحج أو العمرة فوق البعير ونحوه؛ لما في البناء من الثبات الذي لا يوجد في المراكب.
٥- لأن السعي فوق سقف المسعى لا يخرج عن مسمى السعي بين الصفا والمروة؛ ولما في ذلك من التيسير على المسلمين والتخفيف مما هم فيه من الضيق والازدحام، وقد قال الله تعالى:"يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"،وقال تعالى:"وما جعل عليكم في الدين من حرج" [الحج:٧٨] ، مع عدم وجود ما ينافيه من كتاب أو سنة، بل إن فيه ما تقدم من المبررات ما يؤيد القول بالجواز عند الحاجة.
стр. 8403
وقد ذكر ابن حجر الهيثمي-﵀ رأيه في المسألة: فقال في حاشيته على [الإيضاح] لمحي الدين النووي ص (١٣١) : (ولو مشى أو مَرَّ في هواء المسعى فقياس جعلهم هواء المسجد مسجداً، صحة سعيه. اهـ
أما المشائخ: محمد بن حركان، وعبد العزيز بن صالح، وسليمان بن عبيد، وصالح بن لحيدان، وعبد الله بن غديان، وراشد بن خنين-فقد توقفوا في هذه المسألة.
وأما الشيخ محمد الأمين الشنقيطي فيرى عدم جواز ذلك، وله وجهة نظر في المنع مرفقة.
وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة الثالثة
عبد الله بن محمد بن حميد
محمد بن جبير
محمد الأمين الشنقيطي
[له وجهة نظر مخالفة]
عبد الله بن خياط
عبد الرزاق عفيفي
عبد المجيد حسن
عبد العزيز بن صالح
عبد العزيز بن باز
سليمان بن عبيد
إبراهيم بن محمد آل الشيخ
محمد الحركان
راشد بن خنين
عبد الله بن غديان
صالح بن غصون
عبد الله بن منيع
صالح بن لحيدان
стр. 8404
قرار هيئة كبار العلماء
رقم (٧٠) وتاريخ ٢١/١٠/١٣٩٩هـ
حكم طواف الوداع للخارج من مكة مطلقاً
هيئة كبار العلماء ١٦/٨/١٤٢٦
٢٠/٠٩/٢٠٠٥
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبيه محمد، وآله وصحبه وبعد:
فقد نظر مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الرابعة عشرة المنعقدة بمدينة الطائف ابتداءً من ١٠/١٠/١٣٩٩هـ حتى ٢١/١٠/١٣٩٩هـ في حكم طواف الوداع للخارج من مكة المكرمة سواء كان حاجاً أو معتمراً أو غيرهما، وهل يفرق بين من كان سفره مسافة قصر ومن كان دون ذلك؟ واطلع على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الموضوع بناءً على طلب المجلس في دورته الثالثة عشرة وقد تبين له أن العلماء مختلفون في تلك المسائل تبعاً لاختلاف اجتهادهم والخلاف فيها معروف بين العلماء ومدون في كتب الأحاديث وكتب الفقه والمناسك، وما زال عمل العلماء جارياً على الأخذ بما يترجح لهم دليله، وينبغي للحاج وغيره أن يحرص على الاقتداء برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله ما استطاع إلى ذلك سبيلا؛ لقوله ﷺ "خذوا عني مناسككم"؛ لذلك يرى المجلس في هذه المسائل الخلافية أن يستفتي العامي من يثق بدينه وأمانته ومذهب العامي مذهب من يفتيه من أهل العلم.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة
عبد الله بن محمد بن حميد
عبد الله خياط
عبد الرزاق عفيفي
عبد العزيز بن باز
محمد بن علي الحركان
راشد بن خنين
سليمان بن عبيد
عبد الله بن قعود
إبراهيم بن محمد آل الشيخ [غائب]
عبد الله غديان
عبد المجيد حسن
صالح بن لحيدان
محمد بن جبير
عبد الله بن منيع
صالح بن غصن
عبد العزيز بن صالح [غائب]
стр. 8405
قرار هيئة كبار العلماء
رقم (٧٧) وتاريخ ٢١/١٠/١٤٠٠هـ
حكم نقل لحوم الهدايا والجزاءات خارج الحرم
هيئة كبار العلماء ١٦/٨/١٤٢٦
٢٠/٠٩/٢٠٠٥
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وبعد:
ففي الدورة السادسة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بالطائف ابتداء من يوم السبت الموافق ١٢/١٠/١٤٠٠هـ حسب تقويم أم القرى حتى الحادي والعشرين منه بحث المجلس [حكم نقل لحوم الهدايا والجزاءات خارج الحرم] .
بناءً على ما تقرر في الدورة الخامسة عشرة من دراسة هذا الموضوع بعد أن تعد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثاً فيه يوضح حكم نقل لحوم الهدايا والجزاءات ونحوها إلى أماكن تقع خارج الحرم، وهل يجوز توزيعها خارج الحرم مطلقاً أو عند استغناء فقراء الحرم، وهل يفرق بين الهدايا الواجبة من أجل التمتع والقران وبين الواجبة بفعل محظور أو ترك واجب؟ وقد درس المجلس البحث المذكور ورجع إلى قراره رقم (٧٦) الذي أصدره في الدورة الاستثنائية الرابعة، المتضمن عدة مقترحات للاستفادة من اللحوم التي تكون في منى أيام الحج وهي:
١- تطوير المسالخ الحالية لتستوعب أعداداً كبيرة من الذبائح، وإنشاء مسالخ متعددة على مداخل ومخارج منى وفي أماكن متفرقة من الحرم، بالقدر الذي يكفي مع استمرار تمكين الحجاج من مباشرة ذبح هداياهم، إذا رغبوا في ذلك، وأخذ ما يشاؤون من لحومها.
٢- العمل على إيجاد المجالب المناسبة بجوار كل مسلخ، ومنع الناس من بيع مالا يجزئ شرعاً؛ من الهزيل والمريض ونحوهما.
٣- إيجاد البرادات الكافية لحفظ اللحوم الصالحة التي يستغني عنها الحجاج إلى أن توزع على فقراء الحرم حسب الإمكان.
٤- أن تقوم الجهات المعنية بتوعية الحجاج من داخل المملكة وخارجها بأحكام الهدي، وما يجب أن يكون عليه، وما يلزمهم نحوه.
٥- يجوز للحكومة تنظيم الاستفادة من سواقط الهدي التي تترك في المجازر مثل الجلد والعظام والصوف، ونحو ذلك مما ترى فيه المصلحة لفقراء الحرم، مما يتركه أهله رغبة عنه.
وبعد مناقشة الموضوع وتداول الرأي فيه رأى المجلس بالأكثرية إصدار قرار يوضح الحكم في نقل اللحوم من الحرم إلى خارجه، حيث كان القرار السابق مختصاً باللحوم التي تبقى فيه.
وبناء على هذا فإن ما يذبحه الحاج ثلاثة أنواع:
١- هدي التمتع والقران، فهذا يجوز النقل منه إلى خارج الحرم، وقد نقل الصحابة رضوان الله عليهم من لحوم هداياهم إلى المدينة، ففي [صحيح البخاري] عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى، فرخص لنا النبي ﷺ فقال: "كلوا وتزودوا" فأكلنا وتزودنا.
٢- ما يذبحه الحاج داخل الحرم جزاءً لصيد، أو فدية لإزالة أذى، أو ارتكاب محظور أو ترك واجب- فهذا النوع لا يجوز نقل شيء منه؛ لأنه كله لفقراء الحرم.
٣- ما ذبح خارج الحرم من فدية الجزاء، أو هدي الإحصار، أو غيرهما مما يسوغ ذبحه خارج الحرم -فهذا يوزع حيث ذبح، ولا يمنع نقله من مكان ذبحه إلى مكان آخر.