لا أريد أن أخسر آخرتي أيضاً
المجيب د. طارق بن عبد الرحمن الحواس
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام بالأحساء.
التصنيف الفهرسة/ الاستشارات/ استشارات دعوية وإيمانية/اخرى
التاريخ ١٣/٠٢/١٤٢٦هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أود أن أتكلم عما أعانيه وما قد يعانيه شباب كثيرون، أنا شاب، عمري فوق العشرين سنة، أعيش في بلد متحرر جداً، ولكن مع ذلك ملتزم (أرفض أي علاقة مع أي فتاة برغم كثرتهن وسهولة الحصول عليهن، وما إلى ذلك من حب وغرام وتسلية، وصولا إلى الزنا بأنواعه- أصلي، أدعو، أستغفر، بار بالوالدين، صادق، أمين، وذو أخلاق حميدة.
стр. 9872
تركني أهلي وسافروا للغربة للعمل في إحدى الدول، وبقيت وحدي في بيت جميل ونقود كثيرة، ومع ذلك حافظت على نفسي، وبالعكس زاد التزامي ومحافظتي على الصلاة، وامتدت إلى المحافظة على السنن والوتر، وأصبحت مواظباً على الدعاء بشدة، وأحسست بقربي من الله بشكل رائع، واعتقدت أني أمنت شر الدنيا ووحشيتها؛ لشدة قربي من الله وروعة علاقتي معه، ولكن اصطدمت منذ حوالي سنة وثلاثة أشهر بحادثة مروعة: راح ضحيتها أعز أهلي عليَّ، عندما سمعت بالحادثة حمدت الله على قضائه وقدره ولم أعترض، بل استغفرت وحمدت وصليت ركعتين لله رغم مصابي، مرت الحادثة بعون من الله، ولكن آثارها مازالت ولن تزول. الأمر الآخر أنني أدعو الله بتسهيل زواجي منذ حوالي ٤ سنوات، وحاولت أن أستقل بنفسي مادياً، واستخرت الله في مشروع كنت أفكر أن أبدأ به حياتي، وبالتالي أستطيع الزواج، وكان أن سألت وشاورت وهممت بالمشروع، واستخرت ربي ٥ أو ٦ مرات، ولكن لم تأتني إجابة، ولم أشعر أن استفدت من الاستخارة أبدا، إلى أن جاء وقت العمل بالمشروع فتوقف لسبب من الأسباب، فقلت بنفسي علها إجابة الاستخارة، ورضيت بهذه النتيجة على أمل أن يعوضني الله خيرا منها، ولكن ذلك لم يحدث إلى الآن رغم حاجتي الشديدة لهذا المشروع؛ لأن زواجي وستري رهن به. الشيخ الكريم: أتعرض يومياً للكثير من الإغراءات وأرفض؛ بمعنى التالي (زنا حرام، عادة سرية حرام، زواج لا يوجد) لا الصيام نفع ولا الدعاء استجيب، وأموري تزداد تعاسة وسوءاً، أو لا فرج من الله أبدا، كنت أتوقع من الله أن يفرج علي ويعوض مصيبتي بزواج أو بعمل أو أي شيء يخفِّف عني ما أصابني، ولكن من يوم الحادثة وأموري تزداد سوءاً، آسف على الإطالة، ما زلت أصلي ولكن الفروض فقط، لم يعد لي أمل باستجابة الدعاء. عندما ذهبت للعلاج النفسي من جراء ما حدث لي، قلت للطبيب عن كل ما حدث ووضعي كاملا، ففاجأني بكلمة لم أكن أعلم أنها حقيقتي، ولم أكن أريد الاعتراف بها، ولكنها هي ما أشعر به فعلا قال: (أنت ناقم على ربك مما فعله بك، وتشعر بالخيانة وخيبة الأمل من ربك الذي وثقت به كثيراً) ، صدمت واستغفرت الله على ذلك الكلام، ولكن للحقيقة هذا ما أشعر به، اليوم لم يعد لي أمل ولم أعد أنتظر خيراً أبداً، ومع ذلك لا زلت أصلي وسأبقى أصلي وأستغفر وأحمد، ولكن الله يعلم ما في القلوب، وشعوري ليس خافيا عليه، أريد أن أعيد علاقتي مع الله قوية كما كانت؛ لأنني أشعر بالضياع وبعدم فهم ما حدث ولماذا حدث، وأصبحت أخشى على نفسي الكفر والإلحاد أيضا بأنه لا يوجد رب ولا إله، ماذا أفعل؟ فأنا لا أريد أن أخسر آخرتي.
الجواب
أخي الفاضل -سلمه الله-: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أما بعد:
стр. 9873
فأشكر لك مراسلتك لنا على موقع (الإسلام اليوم) ، وحرصك على أمر دينك، وأرجو الله أن تجد منا النفع والفائدة. ونعتذر عن التأخر في الإجابة على سؤالك.. ثم إنك بحاجة إلى أن تتذكر أن الله الذي خلقنا من عدم وأسبغ علينا وافر النعم، وهدانا من ضلالة، وعلّمنا من جهالة، وستر علينا إنه قدر علينا الابتلاء في هذه الحياة، وإنه لا يسلم منه أحد، وفي هذا يقول سبحانه "إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً" [سورة الإنسان: ٢] ، ويقول سبحانه: "ألم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ" [سورة العنكبوت ٢٩/٣] وقال سبحانه: "أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ" [سورة البقرة ٢/٢١٤] وقال سبحانه: "أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ" [سورة آل عمران ٣/١٤٢] ، وقال سبحانه: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ" [سورة محمد ٤٧/٣١] ، وغيرها كثير من آيات القرآن الكريم التي يذكر الله فيها هذه الحقيقة التي قد تغيب عن الإنسان ويغفل عنها، وأكدها النبي ﷺ بأقواله، ومن ذلك قوله ﵊ كما في المسند (١٥٥٥) وصحيح ابن حبان (٢٩٠٠، ٢٩٢١) وغيرهما بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (يا رسول الله من أشد الناس بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى العبد على حسب دينه إن كان صلب الدين اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يدعه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة) . وأخرج الترمذي (٢٤٠٢) والبيهقي (٦٣٤٥) عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض". وحياته ﷺ مليئة بصور الابتلاء فمن فقد أمّه وجدّه ثم عمّه ثم زوجته خديجة، ثم طرده من بلده، ثم صور لا تخفى عليك من صور المعاناة والبلاء العظيم، وقد كان ﷺ يوعك كما يوعك رجلان منا، انظر ما أخرجه البخاري (٥٣٢٤) من حديث ابن مسعود ﵁، وقد فقد أبناءه الذكور كلهم في حياته، وكذلك ثلاث من بناته ﵊. وهكذا حال صحابته وإخوانه من الأنبياء والمرسلين.
стр. 9874
وقد كان نبي الله أيوب ﵇ غاية في الصبر وبه يضرب المثل في ذلك، وقد ابتلاه الله بذهاب الأهل والمال والولد ولم يبق شيء له ومع ذلك أحسن الذكر والدعاء لربه، وقال: "إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين" [الأنبياء ٨٣] . فعليك أن تتذكر ذلك لا سيما وأنت ترى الناس من حولك من منهم لم يبتلَ ببلية، فعليك أن تدرك أن ذلك ليس خاصاً بك، وأنه لا يعني أن الله يكرهك أو أنه سبحانه ناقم عليك على العكس، فإن الله إذا أحب عبدا ابتلاه ثم واجب عليك أن تحسن الظن بربك، وتدرك أن ما يقدره الله على العبد خير له من تقديره لنفسه، وكم من قدر أصاب العبد وكرهه عند وقوعه فتبيّن له بعد حين أنه خير له، وصدق الله "وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ" (٢١٦) ، [سورة البقرة ٢/٢١٦] . ثم موضوع الاستخارة ذكرت فيه أنك لم تر شيئا بعد الصلاة، وليس من شرط صحة صلاة الاستخارة رؤية شيء في المنام أو غيره، بل إذا رأيت الأمر المستخار من أجله تيسر فهو خيرة الله لك، وإذا لم يتيسر فهو من خيرة الله لك. فأنصحك أن تكثر من التوبة والاستغفار مما تكلمت به واعتقدته في حق خالقك الرحيم بك وبخلقه الرؤوف الودود سبحانه، وينبغي عليك أن تتصور أن ما أصابك من ضر أو فقد حبيب يهون أمام مصائب الآخرين ممن فقد أهله كلهم، وأصبح شريدا وحيدا يفترش الأرض ويلتحف السماء، ثم أليس حالك أحسن من حال من أصبح مشلولا أو مصاباً بمرض عضال، أو لا يملك البتة من حطام الدنيا شيئاً؟، إن الإنسان منا إذا رأى مصيبة غيره هانت عليه مصيبته، وعلم أن الله حكيم عليم خبير. ثم إني أبارك لك ثباتك على الصلاة مع ما أصابك؛ لأن هذا هو الواجب والمتعين على المسلم ألا يدع أمر ربه وطاعته مهما أصابه من بلايا ومصائب، بل على العكس العبد يزداد لجوءاً إلى الله إذا ضاقت به الدنيا وازدادت معاناته منها كما كان يفعل ذلك رسول الله ﷺ فإن كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، ثم إني أنصحك بعد هذا بأمور ومنها:
١- تذكَّر فضل الله عليك بالنعمة التي أنت فيها، في حين غيرك محروم من أكثرها.
٢- أنصحك بقراءة كتاب تسلية أهل المصائب لابن رجب الحنبلي فإنه مفيد في بابه.
٣- اجلس مع الصالحين الطيبين من أهل العلم، أو إمام مسجد ترتاح له أو شاب صالح؛ فإنهم يعينوك على ما أنت فيه.
٤- لا يفتر لسانك من الاستغفار والتوبة؛ فإنهما باب عظيم للرزق والفرج.
٥- إذا تعذَّر عليك الزواج وما منعك الصيام من التفكير في الشهوة فلا بأس بالعادة السرية للضرورة طالما أنها ستمنعك من الوقوع في الزنا، على أن تعجل بالزواج ولو باليسير مما معك، وتذكَّر أن ثلاثة حق على الله أن يعينهم ومنهم طالب النكاح.
٦- احضر مجالس الذكر والوعظ والعلم؛ فإنها تغسل أدران النفوس والقلوب.
٧- أكثر من سؤال الله الثبات على دينه وردد ما كان يردده المصطفى ﷺ من قوله: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" أخرجه ابن حبان (٩٤٣) ، وغيره من حديث النواس بن سمعان ﵁.
стр. 9875
٨- أكثر من الفأل الحسن فإن النبي ﷺ كان يعجبه الفأل، والله عند ظن عبده به.
٩- الدنيا لا زالت بخير وبإمكانك استدراك ما فاتك، وتذكّر أن مرضى فيهم صور من العجز الكبير تجاوزوا محنتهم بالهمة والعزم، وتغلّبوا على مأساتهم ومعاناتهم بشق الحياة من جديد، وانتصروا على حالهم البئيس بعون من الله وتوفيقه، وفي ظني أنك تملك الكثير من الإمكانيات والهمة العالية التي ستعينك على التغلب على مأساتك.
- ولك مني الدعاء في ظهر الغيب، والله معك وهو المسؤول أن يوفقك ويفتح عليك وييسر أمرك ويشرح صدرك ويثبتك على دينه. والسلام عليكم.
стр. 9876
يزعم أننا نعبد الحجر الأسود، فكيف أقنعه ؟!
المجيب خالد بن عبد العزيز السيف
(عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) .
التصنيف الفهرسة/ الاستشارات/ استشارات دعوية وإيمانية/اخرى
التاريخ ١٠/٠٢/١٤٢٦هـ
السؤال
فضيلة الشيخ: أثناء مناقشتي مع زميل غير مسلم سألني: لماذا يعبد المسلمون حجراً أسود يحفظونه في الكعبة ويتفاخرون بلمسه، فلم يقتنع بأننا نعبد الله الواحد الأحد، حيث إنه يقول إننا نتوجه إلى هذا الحجر بالعبادة, فكيف أشرح له؟ أفيدونا أفادكم الله، علماً بأنه لا يعتقد بوجود الله، ولا يمكنني أن أقنعه بالقرآن الكريم؛ لأنه لا يصدق بالله ولا بالقرآن.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد:
من أصول الحوار والمناقشة مع من لا يؤمن بالإسلام سواء كان يتبع أديان كتابية أو غير كتابية، أو لا يتبع ديناً أصلاً؛ ألا يُناقش في الجزئيات والفرعيات، لأن النقاش فيها يضيع الوقت ولا يجلب فائدة تُذكر، والأصل في ذلك البداءة في الأصول الكلية، فمثلاً عند مناقشة اليهود والنصارى الأفضل البداءة بالقضايا الأساسية في هذه الأديان كنبوة محمد ﷺ وختم النبوة به، ومسائل ألوهية المسيح والكتاب المقدس، ومثل ذلك من الأصول الكلية في هذه الأديان، وأيضاً الأديان غير السماوية مثل البوذية والهندوسية يحاورون في أصول دينهم، كأصل بوذا وأصل الهندوسية وآلهتهم وغيرها.
أما إذا كان المحاج لا يؤمن بالله أصلاً فالأولى أن يُبدأ فيه في الأصل وهو إثبات وجود الله ومناقشته، فيه فإذا أثبت وجود الله ينتقل إلى المرحلة الثانية، وهو أثبات أن هذا الإله لما خلق الخلق لم يتركهم هملاً بل أرشدهم إلى الطريق الصحيح وذلك بوساطة رسل وأنبياء، وهؤلاء الأنبياء كان مصداق نبوتهم إتيانهم بالمعجزات الخارقة لمجرى الطبيعة التي تبين أنهم أنبياء، ومعجزاتهم حفظتها البشرية من أقدم العصور، ومن هؤلاء الأنبياء محمد ﷺ ، الذي أتى بالدين الإسلامي. وهذه الأدلة كلها عقلية تنفع مع من لا يؤمن بالقرآن.
أما ما ذكرت من اعتقاد زميلك من أن المسلمين يعبدون الحجر الأسود فهذه دعوى لا تقبل إلا بالدليل، وعلى المدعي أن يأتي بالدليل وإلا سقطت دعواه ـ إن كان المدعي موضوعياً ـ وهذا الدليل يجب أن يكون من كتب المسلمين ومن مراجعهم العلمية المعتبرة، وأما الادعاء فمن السهولة أن يدعي أحد على أي أحد أنواعاً من الأقوال الكاذبة، ولكن يبقى المحك الأساسي هو الإثبات والتوثيق.
أما ما يعتقده المسلمون في الحجر الأسود حقيقة فكما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ في صحيح مسلم (١٢١٠) من حديث عبد الله بن سرجس قال: (رأيت عمر بن الخطاب يقبِّل الحجر الأسود ويقول: والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك ". فالمسلمون لا يعبدون الحجر، ولا يقبلونه لكونه شيئاً آخر؛ بل امتثالاً لسنة من يعتقدون أنه نبي، وأنه صادق من عند الله.
стр. 9877
ماذا يفعل المظلوم ؟
المجيب خالد بن حسين بن عبد الرحمن
باحث شرعي.
التصنيف الفهرسة/ الاستشارات/ استشارات دعوية وإيمانية/اخرى
التاريخ ٢٨/٠١/١٤٢٦هـ
السؤال
السلام عليكم.
إذا وقع ظلم كبير على شخص، وأهينت كرامته، وذلَّه شخص آخر، ومن الممكن له الانتقام، ولكن سيعاقب على انتقامه، مع العلم أنه منحط نفسيًّا حتى الموت، فما السبيل؟ وما هي الأدعية المستجابة -بإذن الله- على الظالم؟ أفيدوني بواقعية ودقَّة. وجزاكم الله خيراً.
الجواب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله قاضي الحاجات، ومفرج الكربات، ومجيب الدعوات، ناصر المظلومين، وخاذل الظالمين، وهو القوي العزيز، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:
إلى الأخ السائل: - سلمه الله تعالى- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
اعلم -أخي الكريم- أن الظلم داء خطير، يعصف بالظالم قبل المظلوم، وينذر بالخراب المحتوم، ولهذا قيل: إن الظلم مرتعة وخيم، وقال بعضهم:
لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكاً *** جنوده ضاق عنها السهل والجبل
ومن بشاعة الظلم أن الجبار ﷻ حرّمه على نفسه؛ فقال عز من قائل -سبحانه- في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ... " أخرجه مسلم [٢٥٧٧] من حديث أبي ذر- ﵁، فالظلم من كبائر الذنوب، ومن أشنع المحرمات وأبشعها، ما أحله دين من الأديان، ولم تقره شريعة من الشرائع، ولم يبحه عرف من الأعراف؛ لأن عاقبته وخيمة في الدنيا قبل الآخرة، فالظلم سبب لنزول النقم، وسلب النعم، ومدعاة للمحق والبغض من الرب ﷻ .
ولخطورة هذا الشر المستطير، وشناعة آثاره، وبشاعة نتائجه، وخبث ثماره، لم يمهل الرب -جل وعلا- فاعله إلى الدار الآخرة ليذيقه الهوان العظيم، والعذاب الأليم، والنكال المبين، بل يعجل له العقوبة والعذاب في الدنيا، ويريه شر ما جنت يداه ليشفي صدور قوم مظلومين مقهورين، فوضوا الأمر إلى رب العالمين.
قال ﷺ : "ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدخره له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم" أخرجه أبو داود (٤٩٠٢) ، والترمذي (٢٥١١) ، وابن ماجة (٤٢١١) من حديث أبي بكرة ﵁. والبغي هو الظلم.
стр. 9878
فالظالم خاسر مغبون؛ لأن الله هو الذي يقتص منه، فمهما أوتي الظالم من قوة وجبروت، فهذا كله لا يمنعه من عقاب الله جل وعلا " ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار* مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء" [إبراهيم: ٤٢-٤٣] ، وقد تواترت الأدلة من الكتاب والسنة على تحريم الظلم والتحذير منه والنهي عنه، وبيان عواقبه الوخيمة، فمن ذلك قوله تعالى: "والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير" [الشورى: ٨] وقال تعالى: "ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع"، وقال تعالى: "إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً ويصلون سعيراً" [النساء: ١٠] ، وقال ﷺ : "إن الله يملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته ثم قرأ: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) [هود: ١٠٢] الحديث متفق عليه، أخرجه البخاري (٤٦٨٦) واللفظ له، ومسلم (٢٥٨٣) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ والآيات والأحاديث في بيان عاقبة الظلم والتحذير منه، والنهي عنه كثيرة، لكن فيما ذكر كفاية لمن أراد الهداية، فماذا يجب على المظلوم فعله؟.
ينبغي للمظلوم أن يفوض أمره إلى الله ويقول: "وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد" [غافر: ٤٤] ، ويكثر من قوله: "حسبنا الله ونعم الوكيل" [آل عمران: ١٧٣] ، وعليه أن يكثر من الدعاء على من ظلمه ويبشر بالخير؛ فقد أخذ الجبار ﷻ بإجابة دعوة المظلوم؛ قال ﷺ : "اتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" متفق عليه. أخرجه البخاري (١٤٩٦) ، ومسلم (١٩) من حديث ابن عباس ﵄.
وقال ﷺ : "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم، تُحمل على الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب : "وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين"أخرجه أحمد في المسند (٧٩٨٣) من حديث أبي هريرة ﵁، وصدق من قال:
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً *** فالظلم آخره يأتيك بالندم
تنام عيناك والمظلوم منتبه *** يدعو عليك وعين الله لم تنم
على المظلوم أن يستعين على الظالم بسهام الليل، فما هي سهام الليل؟ إنها الدعاء.. وقف أحد الرعية أمام أحد الطغاة، وقد أوقع عليه ظلماً شديداً، فقال الرجل للطاغية لأستعين عليك بسهام الليل! قال الطاغية: ما سهام الليل؟ قال الرجل: الدعاء.
стр. 9879
فيا أيها المظلوم أبشر بنصر الله لك في الدنيا قبل الآخرة، وقبل أن أغادر هذا المقام أود أن أهمس في أذن كل ظالم ببعض الكلمات؛ لعله يرجع عن ظلمه، ويقف عند حده، أيها الظالم! احذر أن تأتي يوم القيامة مفلساً، قال ﷺ : "أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا ما لا درهم له ولا متاع، قال ﷺ : المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة ومعه صلاة وزكاة وصيام، ولكن قد شتم هذا، وسفك دم هذا، وأكل مال هذا، وظلم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته، وبقي عليه شيء أخذت من سيئات من ظلمهم فطرحت على سيئاته ثم طرح في النار" أخرجه مسلم (٢٥٨١) وغيره من حديث أبي هريرة ﵁، فاحذر يا مسكين من نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى. فما هو الحل إذاً؟ قال صلى الله وسلم: "من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه، أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينارٌ ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه" أخرجه البخاري (٢٤٤٩) . وعلى المظلوم أن يقرأ الآيات والأحاديث والقصص التي جاءت في نهاية الظالمين؛ لكي يكون على يقين بأن الله سيأخذ له بحقه، ومن أفضل ما كتب في ذلك كتاب (الجزاء من جنس العمل) للشيخ العفافي.
هذا والله أعلم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 9880
كيف أحب في الله
المجيب د. عبد الله بركات
وكيل كلية الدعوة بجامعة الأزهر.
التصنيف الفهرسة/ الاستشارات/ استشارات دعوية وإيمانية/اخرى
التاريخ ٢٦/٠١/١٤٢٦هـ
السؤال
أرجو من فضيلتكم ضرب بعض الشواهد بالأدلة عن كيفية الحب في الله، وبالذات للمستقيمين على شرع الله؛ لأن منهم من يدخل عليه الشيطان من هذا الشيء وخاصة الذي تاب؛ لأنه لا يعرف كيف يتعامل مع هذا الحب الصافي النقي الطاهر.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فأسأل الله بأسمائه وصفاته أن يرزقنا حبّه وحب من يحبه، وحب عمل يقربنا إلى حبه. آمين.
١- أخي الكريم، اعلم -يرحمني الله وإياك- أن الحب في الله لا يزيد بالبر، ولا ينقص بالجفاء، وعليه فليس من الحب في الله أية علاقة فيها التبادل واحدة مقابل واحدة؛ إذ ليس الواصل بالمكافئ.
ولعل المثال الحي في قصة مسطح مع الصدّيق ﵁، وأمر الله فيها كما ورد في سورة النور (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله - وليعفوا وليصفحوا. . ."الآية [النور:٢٢] .
٢- الحب في الله لا يتعدى حدود الله، فليس فيه علاقة جسدية بين ذكر وأنثى. ولا حتى ما يوصّل إليها. وإنما حب خير ودفع شر في إطار من دين وخلق قويم.
٣- الحب في الله إيثار بالخير على النفس ولو كان بها خصاصة، ولعل فيما ورد بشأن الأنصار وحبّهم للمهاجرين المثل الحي لذلك كما ورد في سورة الحشر: "والذين تبو ءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة" الآية [الحشر:٩] ....
فابذل من الخير لمن أحببته في الله بالقدر الذي تحبه لنفسك، وهذا هو الحد الأدنى، أو قدّمه على نفسك ابتغاء مرضاة الله وهذا حدّك الأعلى، وحقق هذا البعد في دفع المضار، دون تجاوز لحدود الله أو تفريط في إقامتها، والتزام حقوق الأخ المسلم على أخيه من أوليات مقام الحب في الله تعالى والله المستعان. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
стр. 9881
تائه في صحراء الفكر
المجيب د. حسن الحميد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية -سابقاً-
التصنيف الفهرسة/ الاستشارات/ استشارات دعوية وإيمانية/اخرى
التاريخ ١٤/٠١/١٤٢٦هـ
السؤال
السلام عليكم.
بعد التحية أورد لكم رسالتي هذه بكلام أرقني كثيراًً لا أعرف حقيقة ما أقول، ولكن سأروي لكم جزءاً من قصتي علها تفي بالغرض: كنت عضواً في إحدى حلق القرآن الكريم المنتشرة في ذلك الوقت، وحفظت القرآن كغيري من الطلاب، وكنت في تلك الفترة أقرأ في بعض الكتب مثل مدارج السالكين والأجرومية والرسائل والأصول في علم الأصول والظلال، فنهرني مدرس الحلقة في ذلك الوقت، وقال إن مثل هذه الكتب يصعب عليك فهمها، والحقيقة لم يكن لذلك الخلاف أن يفسد ما بيننا من قضية، فقد رحلت إلى إحدى المدن لأكمل دراستي، وتخصصت في الأدب ولا أخفيكم سراً فقد أتاح لي هذا التخصص التعرف على آداب اللغات الأخرى، فتعلمت اثنتين منها وأتقنتهما، وبدأت القراءة فيها، فقرأت في شتى العلوم في الأدب واللغة والأديان والفلسفة وتعمقت في تلك الأخيرة، فقرأت لآبائهم (سرتر) في الوجودية، وأرسطو وإشكالاته التقليدية والبنيوية، وتعرفت على الفلسفة العربية كالإمام الغزالي وأجيال الفلاسفة الأندلسيين ثم مقولاتهم في الإحلال والترقي، وهنا بدأت مشكلتي، قرأت في الصوفية الشيء الكثير، والأشعرية، والأسماء والصفات، حتى إني أحس بظلمة في قلبي، دائماً أحس بالهم، لا أكف عن البكاء طوال الليل أنا - بكل اختصار- تائه، ولكني من جانب آخر أحس أني أملك مقدرة على تحليل الأشياء تكونت وترسبت من تلك القراءات، ويعترف بها الجميع لا سيما الذين اطلعوا على أطروحاتي الأدبية، عرفت أن الحكمة ضالة المؤمن، ولكني أعترف أنني لست مؤمناً، وأنظر إلى طرق إخواننا الذين يحاولون صرفي عن هذه المواضيع، فأراها وهي تحمل كثيراً من السطحية، وأرى برامجهم وما تحويها من تخلُّف، ولكني -مثل ما أوردت أعتقد أني أيضاً شطحت عن الطريق قليلاً. أرجو أن تساعدوني.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
стр. 9882
فلعلك قد أوتيت قدراً من الذكاء والطموح فوق ما كان يتصوره أستاذك في الحلقة، ولعل أستاذك أيضاً لم يكن لديه من سعة الأفق ما يمكنه من تفهم تطلعاتك.. وهذا يحصل لعدد من الطلاب. لكن يختلفون في التعامل مع هذه الحالة، فمنهم من يكمل نفسه بطريقته الخاصة، ويبقى محافظاً على أوليّات التربية وأدبياتها، يحفظ للأستاذ المربي الودّ، ويعترف له بالفضل، حتى ولو أصبح التلميذ شيخاً، والمربي الشيخ طالب علم في حلقته. وقد يوجد بين الطلاب من يقلل من شأن مربيه بحجة قلة علمه أو محدودية قدراته، أو لكونه أخطأ في حقه مرة أو مرات! وقد يتجاوز به الأمر حد الشعور بالندية والمساواة إلى مرحلة الاستعلاء والشعور بالفوقية، وهذا المسلك ينتهي بصاحبه غالباً إلى نوع من نكران الجميل، وربما إلى الذم ونسبة ما آل إليه أمر الطالب من نقص إلى مسلك شيخه ومربيه، وما ظفر من معرفة وتفوق إلى ذاته ونفسه وجهده، بل إلى بعده عن شيخه ومربيه، وهذا غلوّ في الجحود، وغرور في النفس لا تسلم من عواقبه غالباً، وقد يمعن الأخ في الهروب من واقعه السابق؛ بحجة البعد عن معوقات الانطلاق فيعاقب نفسه من حيث لا يشعر، وربما فضّل أنواعاً من السلوك المنحرف بغية التخلص من شبح التعلُّق بالماضي، ولو أنه فكَّر ملياً، وقدّر العواقب، لنظر إلى كل مرحلة بما يناسبها، وحاول التخلص من سلبياتها والإفادة من إيجابياتها، ولم يعرّض ثوابت التدين وأصل الالتزام للمقامرة فإنه رأس المال، وليس من العقل المقامرة به، بل تنميته وزكاته.
أخي الكريم، إن المعرفة مبذولة للجميع، يأخذون منها بقدر ما يمنحونها وبقدر ما تؤهلهم ملكاتهم، ولكن الشأن في المعرفة الهادفة الإيجابية، التي تساعد في بناء شخصية متوازنة، والتي تبنى على قاعدة من التدبر الواعي، والوعي المنضبط. أما المعرفة التي تتجه بصاحبها إلى القلق أو الشك، أو التحلل من الضوابط الأخلاقية، وكلما أمعن فيها ازداد بُعداًَ عن الأهداف التي يفترض أنه طلب المعرفة لأجلها، بحيث يتمنى أن يعود إلى نقطة الصفر، ليستعيد ثقته بنفسه، وهدوئه، وإيمانه البسيط، وأن يدفع ثمناً لذلك كل مكتسباته الجديدة، بما فيها ألقاب المديح، وإعجاب الآخر.. إن هذه معرفة عقيمة لا بركة فيها، كريح عادٍ التي ما تذر من شيء إلا جعلته كالرميم، ولعل في حكاية المرأة العجوز وجوابها لمن قال لها بفخر: أن فلاناً - أحد الفلاسفة - أحصى ألف دليل على وجود الله. قالت: يا هذا لو لم يكن عنده ألف شك لما احتاج إلى ألف دليل!.
إن القراءة الواعية في أبواب المعرفة المختلفة تغني عن الارتماء في أحضان كتب الفلسفة وأسفار علم الكلام، وما أحسن قول شيخ الإسلام ابن تيمية عن علم الكلام: لا يحتاج إليه الذكي، ولا يستفيد منه البليد.
стр. 9883
إني أدعوك إلى الرجوع القهقري شيئاً حتى تضع حداً لهذا التيه الذي أوصلتك إليه هذه المعرفة العقيم. ارجع إلى القرآن الكريم، اقرأه بهدوء وتأمل، واقرأ في سنة المصطفى ﷺ ، وما أشكل عليك فراجع كتب التفسير والشروح.. استفد من مخزون المعرفة المشوش لديك في تطوير أسلوب الفهم. واعترف بشجاعة أنك بقدر ما كسبت المعرفة خسرت نفسك، فكأنك خسرت الاثنين معاً لأن هذه المعرفة صارت شيئاً تدفع ثمنه، بدلاً من الاستمتاع بها.
أعد النظر في أصحابك وندمائك، وأغلب الظن أنك إما منقطع عن الأصدقاء، أو متخير لأصدقاء على شاكلتك في التفكير، وهؤلاء يصعب عليك التصحيح معهم، فتخير جلساء يجمعون بين الاستقامة شاكلتك وهدوء النفس وسلامة التدين.
وما تعانيه من شكوك هو ثمرة طبيعية لإقحام العقل في غير مجاله، واستحسان طرائق الفلاسفة والمتكلمين الشكاك الذين تجاوزوا بالعقل قدره بحجة المعرفة، حتى بلغ ببعضهم أن أصبح الشك والإلحاد، والحلول، والفوضى الفكرية ... أصبح كل ذلك ثقافة!! فأنت قد سمحت لنفسك - تحت ظروف معينة - أن تكون مقلداً لهم دون أدنى خصوصية لنفسك.
وأقرب مخرج للنجاة أن تتذكر ما قيل في ذم التقليد، ولعلك قد لجأت إليهم فراراً من تقليد شيخك ومربيك، ففرت من النقيض إلى النقيض.
وأخيراً أقول لك: توقف فوراً، وتذكر قيمة الحياة والمعرفة ونهاية الأشياء وبداياتها، وحكمة الخالق وقدرته وآثار أسمائه وصفاته. ولا تسمح لنفسك بتفوق غير طبيعي، واعلم أنك سائر إلى الله وافد عليه، فأحسن وفادتك.
وإنما المرء حديث بعده، فكن حديثاً حسناً لمن روى، وطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه.
ولا تجعل المعرفة التي هي وسيلة هادمة للغاية التي هي الإيمان والسعادة في الدارين، فتكون كمن بنى قصراً وهدم مصراً.
وفقك الله ونوّر بصيرتك.
стр. 9884
أعيدوا لي الأمل في الحياة
المجيب د. طارق بن عبد الرحمن الحواس
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام بالأحساء.
التصنيف الفهرسة/ الاستشارات/ استشارات دعوية وإيمانية/اخرى
التاريخ ١٠/٠١/١٤٢٦هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا أخشى الموت وما بعد الموت، مع العلم أنني في عمل الخير وتقوى الله، لقد فقدت والدي، وبعده بنتي في مدة شهرين، مما زاد يقيني بأن الحياة تمر بسرعة، وأن الحياة الحقيقية هي التي بعد الموت، فأرجو أن تدلني على كتاب يعيد لي الأمل في الحياة، ويمنحني التوازن بين العمل للدنيا والعمل للآخرة. وجزاكم الله كل خير.
الجواب
الأخ الكريم/ -سلمه الله ورعاه- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد: فنشكر لك مراسلتك لنا على موقع "الإسلام اليوم"، ونرجو الله أن تجد منا النفع والفائدة.
والجواب على ما سألت كالتالي:
أولا- أوصيك بالصبر والاحتساب، فإن الموت حق على كل نفس، وقد قال الله -تعالى-: "كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ" [سورة آل عمران:١٨٥] ، وذكر نفسك بمصيبة فقد النبي ﵊ فإنها أعظم مصيبة، ثم قل هذا الدعاء الذي وجه به النبي ﷺ في قوله: " مَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَقَالَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ "إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ" اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَعْقِبْنِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِ " موطأ الإمام مالك كتاب الجنائز باب جامع الحسبة في المصيبة (٥٥٨) ومسلم (٩١٨) .
ثانياً- في تصوري أنك لا زلت حديث عهد بالمصيبة، وليس من السهل النسيان في هذه الفترة، ولذلك أقترح عليك أن تجعل الوقت هو الكفيل بتخفيف حدة هذا التفكير لديك، وإن كنت أقترح عليك ألا تجلس وحدك ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وأن تشغل وقتك بالمفيد النافع كلما تيسر لك الأمر؛ لأن في الانشغال سلوة ومدعاة للنسيان.
ثالثاً- حاول أن تذكر نفسك مآسي غيرك من المسلمين الذين فقدوا الأهل والمال والوطن والأمن، ولا زالوا يتجرعون ألوانا من الأسى والمعاناة واحمد الله كثيراً أنك أحسن من غيرك بكثير.
стр. 9885
رابعاً- أكثر من اللجوء إلى الله أن يصرف عنك الهم والغم وأن يملأ قلبك سكونا وطمأنينة ورضا وعليك بهذا الدعاء: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير باب من غزا بصبي للخدمة (٢٨٩٣) ، وهذا الدعاء الذي يقول فيه الرسول الكريم ﵊: " مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا قَالَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا"مسند الإمام أحمد بن حنبل مسند عبد الله بن مسعود -رضى الله تعالى عنه- (٣٧١٢) .
والله معك وهو المسؤول أن يوفقك لكل خير ويصرف عنك كل شر إنه جواد كريم.
стр. 9886
لم أجد لدعائي أثراً
المجيب محمد بن إبراهيم الحمد
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم.
التصنيف الفهرسة/ الاستشارات/ استشارات دعوية وإيمانية/اخرى
التاريخ ٠٤/٠١/١٤٢٦هـ
السؤال
السلام عليكم.
أنا بحمد الله إنسانة مسلمة، أصلي وأصوم، ودائماً أكمل فروض الله، وأعيش مع زوجي على الحلوة والمرة، مشكلتي أني أحس دائماً أن كل شيء مسدود في وجهي، وحتى الحاجة التي قريبة مني أشعر بأنها بعيدة عني، ودائماً أدعو وأدعو، وأشعر أن الله لا يستجيب دعائي، لماذا لا يستجيب الله دعائي؟ هل هذا من عمل السحر؟ وهل فك التبيعه أو إبطال السحر حلال أم حرام؟ السلام عليكم.
الجواب
احمدي الله أنك مسلمة تصومين وتصلين، وتؤدين الفرائض.
وعليك مع ذلك أن تحسني الظن بربك؛ لأن الله يقول في الحديث القدسي الصحيح: "أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء" أخرجه أحمد (١٦٩٧٦) .
وعليك أن تكوني متفائلة محسنة الظن بربك بعيدة عن التشاؤم؛ لأن المتشائم - كما يقول ابن القيم ﵀ متعب القلب، مُنَكَّد الصدر، كاسف البال، سيء الخلق، أشد الناس خوفاً، وأنكدهم عيشاً، وأضيقهم صدراً، وأحزنهم قلباً.
وكم حرم نفسه بذلك من حظ، ومنعها من رزق، وقطع عليها من فائدة.
وعلى العكس من ذلك المتفائل؛ فهو واسع النظرة، فسيح الصدر، عالي الهمة، موفور النشاط.
ومما يعينك على التحلي بالتفاؤل، والسلامة من التطير والتشاؤم ما يلي:
١- استحضار ضرر الطيرة: فهي نقص في العقل، وفساد في التصور، وانحراف عن سوء الصراط.
وهي موجبة لانقباض النفس، وسوء الخلق، وفوات الخير.
وهي من كيد الشيطان، وتخويفه، ووسوسته، وإغوائه.
وهي مفسدة للتدبير، منغصة للعيش، مسببة للخذلان.
وأعظم من ذلك أن الطيرة باب إلى الشرك؛ إذ هي منازعة لله في شرعه وقدره، وهي مفضية إلى أبواب الدجل والخرافة.
فإذا استحضر العاقل ضرر الطيرة أقصر عنها، ولم يعد يلتفت إليها.
٢- المجاهدة: فقد تكون الطيرة مستحكمة في الإنسان، متمكنة من عقله.
وعلاج ذلك بالمجاهدة، وترك الاسترسال مع ما يلقيه الشيطان في روعه، وبتكلف ذلك مرة إثر مرة حتى يزول أثر الطيرة من قلبه.
٣- الإيمان بالقضاء والقدر: وذلك بأن يعلم الإنسان علم اليقين بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنه لن يصيبه إلا ما كتب له؛ فذلك يحسم مادة الطيرة، ويزيل أثرها من القلب؛ فمن سلم لله واستسلم له لم يبق للخوف في قلبه موضع.
(وفي التسليم- أيضاً- فائدة لطيفة، وهي أنه إذا سلمها لله فقد أودعها عنده، وأحرزها في حرزه، وجعلها تحت كنفه؛ حيث لا تنالها يدُ عدوٍّ عادٍ، ولا بغي باغٍ عاتٍ) (١) .
٤- إحسان الظن بالله: فذلك موجب لراحة القلب، وطمأنينة النفس، فالله- -عند ظن العبد به؛ فالمؤمن الحق يحسن ظنه بربه، ويعلم بأنه- -لا يقضي قضاء إلا وفيه تمام العدل، والرحمة، والحكمة؛ فلا يتهم ربَّه فيما يجريه عليه من أقضيته وأقداره.
وذلك يوجب له استواء الحالات عنده، ورضاه بما يختار له سيده، كما يوجب انتظار الفرج، وترقَّبه.
وذلك يخفف حمل المشقة، ولا سيما مع قوة الرجاء، أو القطع بالفرج؛ فإنه يجد في حشو البلاء من رَوْح الفرج ونسيمه وراحته ما هو من خفي الألطاف، وما هو فرج مُعَجَّل.
стр. 9887
٥- التوكل على الله : والتوكل في لسان الشرع إنما يراد به توجه القلب إلى الله حال العمل، واستمداد المعونة منه، والاعتماد عليه وحده؛ فذلك سر التوكل وحقيقته.
والشريعة أمرت العامل بأن يكون قلبه مطوياً على سراج من التوكل والتفويض، والذي يحقق التوكل هو القيام بالأسباب المأمور بها؛ فمن عطَّلها لم يصحَّ توكله.
فإذا توكل العبد على ربه، وسلم له، وفوض إليه أمره-أمده الله بالقوة، والعزيمة، والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عُرْضةُ اختيار العبد لنفسه، وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه.
وهذا يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات، ويفرغ قلبه من التقديرات، والتدبيرات التي يصعد منها في عقبة، وينزل في أخرى.
ومتى صح تفويضه، ورضاه اكتنفه في المقدورِ العطفُ عليه، واللطف فيه؛ فيصير بين عطفه ولطفه؛ فعطفه يقيه ما يحذره، ولطفه يهوِّن عليه ما قدِّر له.
ومع هذا فلا خروج للعبد عما قدر عليه؛ فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود، مشكور، ملطوف به.
وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به.
وصدق الله إذ يقول: [فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ] (آل عمران: ١٥٩) .
٦-الاستعاذة بالله: فالطيرة-كما مر-من وساوس الشيطان، وتخويفه.
فإذا استعاذ الإنسان بالله من الشيطان أعاذه الله منه، ووقاه من كيده ووسوسته.
قال- تعالى-: [وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ] (فصلت: ٣٦) .
هذه بعض الأمور التي تعينك على التفاؤل، وتجنب التشاؤم.
أما شعورك بأن دعاءك لا يستجاب فذلك بسبب تشاؤمك وسوء ظنك.
وإلا فما الذي أدراك أن دعاءك لم يجب، أو ما علمت أن للدعاء شروطاً، وآداباً، وأن من أعظمها إحسان الظن بالله، وانتظار الفرج، وتجنب الاستعجال، والجزم في الدعاء، والعزم في المسألة، والإلحاح على الله .
ولا ريب أن من البلاء على المؤمن أن يدعو فلا يجاب، فيكرر الدعاء، ويبالغ فيه، وتطول المدة، فلا يرى أثرًا للإجابة.
ومن هنا يجد الشيطان فرصته، فيبدأ بالوسوسة له، وإساءة ظنه بربه، وإيقاعه بالاعتراض على حكمته.
فينبغي لمن وقعت له هذه الحال ألا يختلج في قلبه شيء مما يلقيه الشيطان؛ ذلك أن تأخر الإجابة مع المبالغة في الدعاء يحمل في طياته حكمًا باهرةً، وأسرارًا بديعة، لو تدبرها الداعي لما دار في خَلَدِه تضجر من تأخر الإجابة.
وفيما يلي ذكر لبعض تلك الحكم والأسرار، والتي يجمل بالداعي أن يتدبرها، ويحسن به أن يستحضرها.
١- أن تأخر الإجابة من البلاء الذي يحتاج إلى صبر: فتأخر الإجابة من الابتلاء، كما أن سرعة الإجابة من الابتلاء.
قال - تعالى -:"وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" [الأنبياء: ٣٥] .
فالابتلاء بالخير يحتاج إلى شكر، والابتلاء بالشر يحتاج إلى صبر؛ فإياك أن تستطيل زمان البلاء، وتَضْجَرَ من كثرة الدعاء؛ فإنك ممتحن بالبلاء، مُتَعَبَّدٌ بالصبر والدعاء.
стр. 9888
فلا تيأسن من روح الله وإن طال البلاء؛ فإن الله يبتليك؛ ليبلو أخبارك، وهل الابتلاء إلا الإعراض وعكس المقاصد؟
قال عمر بن عبد العزيز- ﵀: (أصبحت ومالي سرور إلا في انتظار مواقع القدر؛ إن تكن السراء فعندي الشكر، وإن تكن الضراء فعندي الصبر) (٢) .
٢- أن الله هو مالك الملك: فله التصرف المطلق بالعطاء والمنع، فلا راد لفضله، ولا معقب لحكمه، ولا اعتراض على عطائه ومَنْعِه؛ إن أعطى فبفضل، وإن منع فبعدل.
قال ابن ناصر الدين الدمشقي- ﵀: (فإنه ليس لأحد مفر عن أمر الله وقضائه، ولا محيد له عن حكمه النافذ وابتلائه، إنَّا لله ملكه وعبيده، يتصرف فينا كما يشاؤه وما يريده) (٣) .
٣- أنه لا حق للمخلوق على الخالق: فالمخلوق مربوب، مملوك، مقهور، مُدَبَّر، والخالق ربٌّ، قاهر، مُدَبِّر.
والمملوك العاقل مطالب بأداء حق المالك، ويعلم أنه لا يجب على المالك تبليغه ما يهوى؛ فكيف يُقَصِّر المملوك ثم يطلب حقه كاملاً مع أنه لا حق له أصلاً؟!
قال ابن القيم- ﵀: (فمن أنفع ما للقلب النظرُ في حق الله على العباد؛ فإن ذلك يورث مقت نفسه، والإزراء عليها، ويخلصه من العجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل، والانكسار بين يدي ربه، واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل إلا بعفو الله، ومغفرته، ورحمته؛ فإن حقه أن يطاع ولا يعصى، وأن يذكر ولا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.
فمن نظر في هذا الحق الذي لربه عَلِمَ عِلْمَ اليقين أنه غير مؤدٍ له كما ينبغي، وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أحيل على عمله هلك.
فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله - تعالى - وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسهم من أنفسهم، وعلق رجاءهم كله بعفو الله ومغفرته) (٤) .
ثم قال- ﵀: (وإذا تأملت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك؛ ينظرون في حقهم على الله، ولا ينظرون في حق الله عليهم.
ومن ههنا انقطعوا عن الله، وحُجبت قلوبهم عن معرفته، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره.
وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه) (٥) .
٤- أن الله له الحكمة البالغة: فلا يعطي إلا لحكمة، ولا يمنع إلا لحكمة، وقد ترى الشيء مصلحة ظاهرة، ولكن الحكمة لا تقتضيه؛ فقد يخفى في الحكمة فيما يفعله الطبيب من أشياء تؤذي في الظاهر يقصد بها المصلحة؛ فلعل هذا من ذاك.
ثم إن الله له الحكمة البالغة، فأسماؤه الحسنى وأفعاله تمنع نسبة الظلم إليه، وتقتضي ألا يفعل إلا ما هو مطابق للحكمة، موافق لها؛ فتأخر الإجابة قد يكون عين المصلحة للداعي كما سيأتي بيانه في الفقرات التالية.
٥- قد يكون في تحقق المطلوب زيادة في الشر: فربما تحقق للداعي مطلوبه، وأجيب له سؤله، فكان ذلك سببًا في زيادة إثم، أو تأخر عن مرتبة، أو كان ذلك حملاً على الأشر والبطر؛ فكان التأخير أو المنع أصلح.
(وقد روي عن بعض السلف أنه كان يسأل الله الغزو، فهتف به هاتف: إنك إن غزوت أُسِرْتَ، وإن أسرت تَنَصَّرْتَ) (٦) .
قال ابن القيم- ﵀: (فقضاؤه لعبده المؤمن عطاء وإن كان في صورة المنع، ونعمة وإن كان في صورة محنة، وبلاؤه عافية وإن كان في صورة بلية.
стр. 9889
ولكن لجهل العبد وظلمه لا يعد العطاء والنعمة والعافية إلا ما التذ به في العاجل، وكان ملائمًا لطبعه.
ولو رزق من المعرفة حَظًّا وافرًا لعدَّ المنع نعمة، والبلاء رحمة، وتلذذ بالبلاء أكثر من لذته بالعافية، وتلذذ بالفقر أكثر من لذته بالغنى، وكان في حال القلة أعظم شكرًا من حال الكثرة) (٧) .
٦- أن اختيار الله للعبد خير من اختيار العبد لنفسه: وهذا سر بديع يحسن بالعبد أن يتفطن له حال دعائه لربه؛ ذلك أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، فهو أعلم بمصالح عباده منهم، وأرحم بهم من أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم.
وإذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرًا لهم من ألا ينزل بهم؛ نظرًا منه لهم، وإحسانًا إليهم، ولطفًا بهم.
ولو مُكِّنُوا من الاختيار لأنفسهم لعجزوا عن القيام بمصالحهم علمًا، وإرادةً، وعملاً.
لكنه تولى تدبير أمورهم بموجب علمه، وعدله، وحكمته، ورحمته أَحَبُّوا أم كرهوا.
فإذا سلَّم العبد لله، وأيقن بأن الملك ملكه، والأمر أمره، وأنه أرحم به من نفسه - طاب قلبه، قضيت حاجته أو لم تُقضَ.
وإذا فوض العبد ربه، ورضي بما يختاره له - أَمَدَّه فيما يختاره له بالقوة عليه، والعزيمة، والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه، وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه.
وهذا يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات، ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منها في عقبة، وينزل في أخرى.
ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه، فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به.
ومتى صح تفويضه ورضاه اكتنفه في المقدور العطفُ عليه، واللطف فيه، فيصير بين عطفه ولطفه؛ فعطفه يقيه ما يحذره، ولطفه يُهَوِّن عليه ما قدر له.
قال سفيان الثوري- ﵀: (منعه عطاء؛ وذلك أنه لم يمنع عن بخل ولا عدم، وإنما نظر في خير العبد فمنعه اختيارًا وحسن نظر) . (٨)
٧- أن الإنسان لا يعلم عاقبة أمره: فربما يطلب ما لا يَحْمد عاقبته، وربما كان فيه ضرره، كمثل طفل محموم يطلب الحلوى وهي لا تناسبه.
والمدبر للإنسان أعلم بمصالحه، وعاقبةِ أمره، كيف وقد قال:"وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ" [البقرة:٢١٦] .
ومن أسرار هذه الآية أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور، والرضا بما يقضيه عليه؛ لما يرجوه من حسن العاقبة.
ومن أسرارها ألا يقترح على ربه، ولا يسأله ما ليس له به علم؛ فلعل فيه مضرَّتَه وهو لا يعلم؛ فلا يختار على ربه، بل يسأله حسن العاقبة فيما يختار له؛ فلا أنفع له من ذلك.
(ولهذا من لطف الله - تعالى - لعبده أنه ربما طمحت نفسه لسبب من الأسباب الدنيوية، التي يظن بها إدراك بغيته، فيعلم الله أنها تضره، وتصده عما ينفعه، فيحول بينه وبينها، فيظل العبد كارهًا، ولم يدْرِ أن ربه قد لطف به؛ حيث أبقى له الأمر النافع، وصرف عنه الأمر الضار) . (٩)
стр. 9890
٨- الدخول في زمرة المحبوبين لله : فالذين يدعون ربهم، ويبتلون بتأخر الإجابة عنهم - يدخلون في زمرة المحبوبين، المُشَرَّفِين بمحبة رب العالمين؛ فهو - سبحانه - إذا أحب قومًا ابتلاهم (١٠) .
وقد جاء في السنة ما يشير إلى أن الابتلاء دليل على محبة الله للعبد؛ حيث قال ﵊: "إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ" (١١) .
٩- أن المكروه قد يأتي بالمحبوب والعكس بالعكس: فإذا صحت معرفة العبد بربه علم يقينًا أن المكروهات التي تصيبه، والمحن التي تنزل به، والتي منها تأخر إجابة الدعاء - أنها تحمل في طياتها ضروبًا من المصالح والمنافع لا يحصيها علمه، ولا تحيط بها فكرته.
بل إن مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب؛ فعامة مصالح النفوس في مكروهاتها، كما أن عامة مضارها وأسباب هلكتها في محبوباتها.
قال - تعالى -:" فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً" [النساء: ١٩] .
وقال: [وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ] [البقرة: ٢١٦] .
فإذا علم العبد أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، وأن المحبوب قد يأتي بالمكروه - لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة؛ فإن الله يعلم ما لا يعلمه العبد.
وما أجمل قول من قال:
لله في طيِّ المكاره كامنه (١٢) *** كم نعمةٍ لا تستقلُّ بشكرها
ومن قال:
طيِّ الحوادث محبوب ومكروه *** تجري الأمور على حكم القضاء وفي
وربما ساءني ما كنت أرجوه (١٣) *** وربما سرني ما كنت أحذره
قال سفيان بن عيينة- ﵀: (ما يكره العبد خير له مما يحب؛ لأن ما يكرهه يهيجه للدعاء، وما يحبه يلهيه) (١٤) .
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي- ﵀:
عن الله قد فاز الرَّضيُّ المراقبُ *** إذا اشتدت البلوى تحَفَّفْ بالرضا
على الناس تخفى والبلايا مواهب (١٥) *** وكم نعمةٍ مقرونة ببلية
١٠- تأخر الإجابة سبب لتفقد العبد لنفسه: فقد يكون امتناع الإجابة لآفة في الداعي؛ فربما كان في مطعومه شبهة، أو في قلبه وقت الدعاء غفلة، أو كان متلبسًا بذنوب مانعة.
وتأخر الإجابة قد يبعث الداعي إلى تفقد نفسه، والنظر في حاله مع ربه، فيحصل له من جراء ذلك المحاسبةُ، والتوبةُ، والأوبةُ.
ولو عجلت له دعوته لربما غفل عن نفسه، فظن أنه على خير وهدى، فأهلكه العجب، وفاتته هذه الفائدة.
стр. 9891
١١- قد تكون الدعوة مستجابة دون علم الداعي: فقد مر بنا عند الحديث عن فضائل الدعاء أن ثمرة الدعاء مضمونة إذا أتى الإنسان بأسباب الإجابة، وسلم من موانعها؛ فالداعي لا يخلو من أن يستجاب له دعاؤه فيرى أثره في الدنيا، أو لا يستجاب له لوجود أحد الموانع، فلا يرى أثرًا لدعائه في الدنيا، أو أن يستجاب له ولكن لا يرى أثرًا للإجابة في الدنيا وإنما يؤخر له من الأجر مثل دعوته يوم القيامة، أو أن يستجاب له الدعاء فلا يرى أثرًا للإجابة، ولكن يصرف الله عنه من السوء مثل دعوته وهو لا يعلم (١٦) .
إذا تقرر هذا فكيف يستبطئ الداعي الإجابة طالما أن الثمرة مضمونة؟ ولماذا لا يحسن العبد ظنه بربه ويقول: لعله استجيب لي من حيث لا أعلم؟.
١٢- قد يكون الدعاء ضعيفًا فلا يقاوم البلاء: قال ابن القيم- ﵀: (وله (١٧) مع البلاء ثلاث مقامات:
أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.
الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفًا.
الثالث: أن يتقاوما، ويمنع كل واحد منهما صاحبه) (١٨) .
١٣- قد يكون الإنسان سد طريق الإجابة بالمعاصي: فلو فتحها بالتقوى لحصل على مراده؛ فكيف يستبطئ الإجابة وقد سد طريقها بالمعاصي؟.
أما علم أن التقوى سبب الراحة، وأنها مفتاح كل خير؟
أما سمع قوله - تعالى -: [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ] [التحريم: ٢-٣] ، وقوله - تعالى -: [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً] [التحريم: ٤] .
أَوَ ما فهم أن العكس بالعكس؟.
١٤- ظهور آثار أسماء الله - تعالى -: فمن أسماء الله المعطي، المانع، الحكم، العدل، الكريم، العليم، البر، الرحيم، المالك، الحكيم.
وهذه الأسماء تستدعي متعلقات تظهر فيها أحكامها، ومقتضياتها، وآثارها؛ فتأخر الإجابة من أسباب ظهور تلك الآثار، والمقتضيات والأحكام.
فقد يمنع أحدًا من الناس؛ لحكمته، وعدله، وعلمه.
وقد يعطي برحمته ، وحكمته، وبره، وعلمه.
١٥- تكميل مراتب العبودية للأولياء: فالله يحب أولياءه، ويريد أن يكمل لهم مراتب العبودية، فيبتليهم بأنواع من البلاء، ومنها تأخر إجابة الدعاء؛ كي يتَرَقَّوا في مدارج الكمال ومراتب العبودية؛ (فكمال المخلوق في تحقيق عبوديته، وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية ازداد كماله، وعلت درجته) . (١٩)
فأنفع الأشياء للعبد على الإطلاق طاعته لربه بظاهره وباطنه، وأضر الأشياء عليه معصيته لربه بظاهره وباطنه.
فإذا قام بطاعته وعبوديته مخلصًا له - فكل ما يجري عليه مما يكرهه يكون خيرًا له.
وإذا تخلى عن طاعته وعبوديته - فكل ما هو فيه من محبوبٍ شرٌّ له.
فإذا تدبر العبد ذلك تشاغل بما هو أنفع له من حصول ما فاته.
هذا ومن تلك العبوديات التي تحصل من جراء تأخر إجابة الدعاء ما يلي:
أ- انتظار الفرج: فانتظار الفرج من أجل العبوديات وأعظمها، فكلما اشتد انتظار الفرج كلما ازدادت ثقة العبد بربه، فيزداد بذلك قربًا من الله، وأُنْسًا به .
ولو عجلت له الإجابة لربما فاتته هذه العبودية.
стр. 9892
قال ابن القيم- ﵀: (انتظار روح الفرج يعني راحته، ونسيمه، ولذته؛ فإن انتظاره، ومطالعته، وترقبه يخفف حمل المشقة ولاسيما عند قوة الرجاء، أو القطع بالفرج؛ فإنه يجد في حشو البلاء من روح الفرج ونسيمه وراحته - ما هو من خفي الألطاف، وما هو فرج معجل) (٢٠) .
ب- حصول الاضطرار والافتقار إلى الله: فهذا لب العبادة ومقصودها الأعظم؛ فالافتقار إلى الله دون سواه هو عين الغنى، والتذللُ له هو العز الذي لا يدانيه عز.
ثم إن حاجة الإنسان بل ضرورته إلى الافتقار والاضطرار إلى الله - لا تدانيها حاجة أو ضرورة.
ولو أجيب دعاؤه مباشرة لربما أصابه التيه بالنفس، والإدلال على الله بالعمل، ولربما شعر بالغنى عن الله ﵎.
وبذلك يخرج العبد عن وصفه الذي لا ينفك عنه، والذي فيه جماله وكماله ألا وهو افتقاره إلى ربه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀: (والعبد هو فقير دائمًا إلى الله من كل وجه؛ من جهة أنه معبوده، وأنه مستعانه، فلا يأتي بالنعم إلا هو، ولا يَصْلُح حال العبد إلا بعبادته.
وهو مذنب - أيضًا - لا بد له من الذنوب فهو دائمًا فقير مذنب؛ فيحتاج دائمًا إلى الغفور الرحيم؛ الغفور الذي يغفر ذنوبه، والرحيم الذي يرحمه فينعم عليه، ويحسن إليه؛ فهو دائمًا بين إنعام ربه وذنوب نفسه) (٢١) .
جـ- حصول عبودية الرضا: (فالرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، وبستان العارفين) (٢٢) .
فمن رضي عن الله وبالله ﵁ وأرضاه؛ فالمؤمن حين تنزل به النازلة يدعو ربه، ويبالغ في ذلك، فلا يرى أثرًا للإجابة، فإذا قارب اليأس نُظِرَ حينئذٍ في قلبه، فإن كان راضيًا بالأقدار، غير قنوط من فضل الله فالغالب تعجيل الإجابة؛ فهناك يصلح الإيمان، ويهزم الشيطان، وتتبين مقادير الرجال.
وقد أشير إلى هذا في قوله - تعالى -: [حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] [البقرة: ٢١٤] .
وكذلك جرى ليعقوب ﵇ مع أولاده كما مر قريبًا.
أما الاعتراض وقلة الرضا عن الله فخروج عن صفة العبودية.
قال بعضهم: (ارض عن الله في جميع ما يفعله بك؛ فإنه ما منعك إلا ليعطيك، ولا ابتلاك إلا ليعافيك، ولا أمرضك إلا ليشفيك، ولا أماتك إلا ليحييك؛ فإياك أن تفارق الرضا عنه طرفة عين، فتسقط من عينه) (١) .
قال ابن ناصر الدين الدمشقي- ﵀:
لمؤمن واثق بالله لا لاهي *** يجري القضاءُ وفيه الخير نافلة
في الحالتين يقول الحمد لله (٢٤) *** إن جاءه فرح أو نابه ترح
د- الانكسار بين يدي جبار السماوات والأرض: فالله يحب المنكسرين بين يديه، فيدنيهم، ويقرب منهم، بل هو عند المنكسرة قلوبهم.
ذكر عن عمران بن موسى القصير قال: قال موسى ﵇: (يا رب، أين أبغيك؟
قال: ابغني عند المنكسرة قلوبهم؛ فإني أدنو منهم كل يوم باعًا، ولولا ذلك انهدموا) (١) .
فربما كان تأخر الإجابة سببًا لإطالة الوقوف على باب الله، وانكسار العبد بين يديه، وكثرة اللجأ إليه، والاعتصام به.
стр. 9893
بدليل أنه لولا هذه النازلة لم يُرَ على باب اللجأ والمسكنة؛ فالله علم من الخلق اشتغالهم بالبشر عنه، فابتلاهم من خلال النعم بعوارض تدفعهم إلى بابه يستغيثون به.
فهذا من النعم في طي البلاء، وإنما البلاء المحض ما يشغلك عن ربك، وأما ما يقيمك بين يديه ففيه جمالك، وكمالك، وعزك، وفلاحك.
هـ- التمتع بطول المناجاة: فقد مرَّ بنا عند الحديث عن فضائل الدعاء أن العبد قد يقوم لمناجاة ربه، وإنزال حاجاته ببابه، فيُفتح على قلبه حال السؤال والدعاء من محبة الله، ومعرفته، والخضوع له، والتذلل بين يديه - ما ينسيه حاجته، فيكون ما فتح له من ذلك أحبَّ إليه من قضاء حاجته التي سألها، فيحب أن تدوم له تلك الحال، وتكون عنده آثر من حاجته، ويكون فرحه بها أعظم من فرحه بحاجته لو عجلت له وفاتته تلك الحال.
وعلى هذا فكلما تأخرت الإجابة كلما طالت المناجاة، وحصلت اللذة، وزاد القرب.
ولو عجلت الإجابة لربما فاتت تلك الثمرة.
قال سفيان الثوري- ﵀: (ما أنعم الله على عبد في حاجة أكثر من تَضَرُّعه إليه فيها) (٢٦) .
ومجاهدة الشيطان ومراغمته: فالشيطان عدو مبين للإنسان، يتربص به الدوائر، ويسعى في إضلاله وصدِّه عن صراط الله المستقيم، فإذا صادف منه غرة أصابه من خلالها.
فالعبد إذا دعا ربه، وتأخر وقت الإجابة - بدأ الشيطان يجول في خاطره؛ ليسيء ظنه بربه، وصار يُلقي في رعه أن لا فائدة من دعائه.
فإذا جاهده العبد، وراغمه، وأغاظه بكثرة الدعاء، وإحسان الظن بالله - حصل على أجر عظيم؛ فمجاهدة الشيطان ومراغمته من أجل العبوديات.
ولو لم يأت العبد من تأخر الإجابة إلا هذه الفائدة - لكان حريًا به ألا ينزعج من تأخرها.
هذه بعض الحكم المتلمسة من جراء تأخر الدعاء، والتي يجدر بالعبد أن يستحضرها إذا دعا وتأخرت إجابة الدعاء.
أما بالنسبة للسحر، وكونه بسبب سحر أو نحوه فذلك لا معنى ولا صحة له، فالمدعو هو الله، وإجابة الدعاء بيده وحده .
أما إبطال السحر فيجوز إذا كان بالرقية الشرعية التي تكون بالآيات القرآنية، والأدعية النبوية.
أما إذا كان بالسحر فلا يجوز.
وأخيراً أوصيك بالصبر، والاحتساب، واللجوء إلى الله، وأكرر عليك مسألة إحسان الظن بالله.
стр. 9894
(١٢) جنة الرضا في التسليم لما قدر الله وقضى للغرناطي، تحقيق د. صلاح جرار ٣/٥٢.
(١٣) جنة الرضا في التسليم لما قدر الله وقضى للغرناطي، تحقيق د. صلاح جرار ٣/٥٢.
(١٤) الفرج بعد الشدة لابن أبي الدنيا ص٢٢.
(١٥) برد الأكباد عند فقد الأولاد لابن ناصر الدين الدمشقي ص٣٧.
(١٦) علق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز- ﵀ في هذا الموضوع فقال: (وقد صح عن رسول الله ﷺ -أنه قال: ما من مسلم يدعو ليس بإثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدَّخرها له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها، قالوا: يا رسول الله، إذًا نكثر؟ قال: الله أكثر) أ-هـ. والحديث مضى تخريجه عند الحديث عن فضائل الدعاء.
(١٧) يعني الدعاء.
(١٨) الجواب الكافي ص٩ - ١٠.
(١٩) العبودية لابن تيمية ص٨٠.
(٢٠) مدارج السالكين ٢/١٦٧.
(٢١) جامع الرسائل لابن تيمية ١/١١٦.
(٢٢) جامع العلوم والحكم ٢/٤٧٦.
(٢٣) مدارج السالكين ٢/٢١٦.
(٢٤) برد الأكباد ص٩.
(٢٥) أخرجه أحمد في الزهد ص٩٥ وأورده ابن القيم في إغاثة اللهفان ص٩٧.
(٢٦) عدة الصابرين لابن القيم ص١٦١.
стр. 9895
كيف نستقبل عاماً جديداً ؟
المجيب خالد بن حسين بن عبد الرحمن
باحث شرعي.
التصنيف الفهرسة/ الاستشارات/ استشارات دعوية وإيمانية/اخرى
التاريخ ٢٩/١٢/١٤٢٥هـ
السؤال
فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نحن الآن على مشارف استقبال عام هجري جديد -كل عام وأنتم بخير-، وإذ بنا نودع عاماً هجرياً آذن بالرحيل، ذهبت لذته، وبقيت حسرته وتبعته، فما نصيحتكم لكل مسلم في مشارق الأرض ومغاربها، يستقبل عاماً هجرياً جديداً؟ -وجزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء-.
الجواب
الحمد لله على نعمه الكثيرة، وآلائه الجسيمة، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:
أخي الكريم: إن ذهاب عام، ومجيء آخر أمر يستدعي منا الوقوف مع أنفسنا وقفة جدية للمحاسبة الصادقة؛ وذلك لأن من غفل عن نفسه تصرمت أوقاته، واشتدت عليه حسراته، وأي حسرة على العبد أعظم من أن يكون عمره عليه حجة، وتقوده أيامه إلى مزيد من الردى والشقوة، إن الزمان وتقلباته أنصح المؤدبين، وإن الدهر بقوارعه أفصح المتكلمين، فانتبهوا بإيقاظه، واعتبروا بألفاظه، ورد في الأثر: (أربعة من الشقاء: جمود العين، وقسوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا) .
أخي الكريم: إن من نظر إلى الدنيا بعين البصيرة لا بعين البصر المبهرج أيقن أن نعيمها ابتلاء، وحياتها عناء، عيشها نكد، وصفوها كدر، جديدها يبلى، وملكها يفنى، وودها منقطع، وخيرها ينتزع، والمتعلقون بها على وجل؛ فالدنيا إما نعمة زائلة، أو بلية نازلة، أو منية قاضية، "يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار" [غافر: ٣٩] .
أخي الكريم: هل تذكرت الموت وسكراته؟ وشدة هوله وكرباته؟ وشدة نزاع الروح منك؟ فالموت كما قيل: أشد من ضرب بالسيوف، ونشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض، فتفكر يا مغرور في الموت وسكرته، وصعوبة كأسه ومرارته، فيا للموت من وعد ما أصدقه، ومن حاكم ما أعدله، فالموت لا يخشى أحد، ولا يبقى على أحد، ولا تأخذه شفقة على أحد، فقف مع نفسك وقفة صادقة للمحاسبة، وقل لها:
يا نفس قد أزف الرحيل *** وأظلك الخطب الجليل
فتأهبي يا نفس لا يلعب *** بك الأمل الطويل
فلتنزلن بمنزلٍ ينسى *** الخليل فيه الخليل
وليركبن عليك فيه من *** الثرى ثقل ثقيل
قرن الفناء بنا جميعاً *** فلا يبقى العزيز ولا الذليل
أخي الكريم: هل تذكرت القبر وظلمته؟ وضيقه ووحشته؟ هل تذكرت ذلك المكان الضيق الذي يضم بين جوانبه جثث الموتى من عظيم وحقير؟ وحكيم وسفيه؟ وصالح وطالح؟ وبر وفاجر؟ ورئيس ومرؤوس؟ فالقبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار.
стр. 9896
أخي الحبيب: تخيل نفسك بعد ثلاثة أيام وأنت في قبرك، وقد جُردت من الثياب، وتوسدت التراب، وفارقت الأهل والأحباب، وتركت الأصحاب، ولم يكن معك جليس ولا أنيس إلا عملك الذي قدمته في الدنيا، فماذا تحب أن تقدم لنفسك وأنت في زمن الإمهال حتى تجده في انتظارك يوم انتقالك إلى قبرك؟ "يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ" [آل عمران:٣٠] .
وصدق من قال:
ومن لو عاش الفتى في عمره *** ألفاً من الأعوام مالك أمره
متمتعاً فيها بكل لذيذة *** متلذذاً فيها بسكنى قصره
لا يعتريه الهم طول حياته *** كلا ولا ترد الهموم بصدره
ما كان ذلك كله في أن *** يفي بأول ليلة في قبره
نعم أخي الكريم، هل تذكرت أول ليلة في القبر؟ حيث لا أنس، ولا جليس، ولا صديق، ولا رفيق، ولا زوجة، ولا أولاد، ولا أقارب، ولا أحباب، "ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ" [الأنعام:٦٢] .
فارقت موضع مرقدي *** يوماً ففارقني السكون
القبر أول ليلة *** بالله قل لي ما يكون؟
أخي المبارك: هل تذكرت النفخ في الصور؟ والبعث يوم النشور؟ وتطاير الصحف؟ والعرض على الجبار - جل وجلاله؟ - والسؤال عن القليل والكثير؟ والصغير والكبير؟ والفتيل والقطمير؟ ونصب الموازين لمعرفة المقادير؟ ثم جواز الصراط، ثم انتظار النداء عند فصل القضاء إما بالسعادة، وإما بالشقاوة، "فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ" [الشورى: من الآية٧] ، "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:١٠٦-١٠٨] .
فيا أخي الكريم: من أي الفريقين تحب أن تكون؟ فجدير بمن الموت مصرعه، والتراب مضجعه، والقبر مقره، وبطن الأرض مستقره، والقيامة موعده، والجنة أو النار مورده، ألاَّ يكون له فكر إلا في ذلك، ولا استعداد إلا له.
فيا أخي الحبيب، إن العمر قصير، والسفر طويل، والزاد قليل، والعقبة كؤود، والعبد بين حالين: حال مضى لا يدري ما الله صانع فيه؟ وحال آت لا يدري ما الله قاضٍ فيه؟ فإن كان الأمر كذلك، فعلى صاحب البصر النافذ أن يتزود من نفسه لنفسه، ومن حياته لموته، ومن شبابه لهرمه، ومن صحته لمرضه، ومن فراغه لشغله، ومن غناه لفقره، ومن قوته لضعفه، فما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، "فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ" [القارعة:٦-١١] .
стр. 9897
فمن أصلح ما بينه وبين ربه كفاه الله ما بينه وما بين الناس، ومن صدق في سريرته حسنت علانيته، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه، فلا بد من وقفة جادة للمحاسبة مع مطلع هذا العام الهجري الجديد، فالمحاسبة الصادقة هي ما أورثت عملاً صادقاً ينجيك من هول المطلع في ساحة العرض على أحكم الحاكمين.
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"، فكان ابن عمر ﵄ يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" أخرجه البخاري (٦٤١٦) .
فيا غافلاً عن مصيره، يا واقفاً مع تقصيره، سبقك أهل العزائم وأنت في بحر الغفلة عائم، وقف على باب التوبة وقوف نادم، ونكس الرأس بذل وقل: أنا ظالم، وناد في الأسحار، وقل: مذنب وراحم، وتشبه بالصالحين إن لم تكن منهم وزاحم، وابعث بريح الزفرات سحاباً ودمعاً ساجماً، وقم في الدجى داعياً، وقف على باب مولاك تائباً، واستدرك من العمر ما بقي ودع اللهو جانباً، وطلق الدنيا والمعاصي والمنكرات إن كنت للآخرة طالباً. فيا أخي الحبيب: اخل بنفسك وحاسبها حساباً عسيراً، عن كل إساءة صدرت منك في هذا العام، واجتهد في التخلص من تلك العيوب واستبدلها بما يزينك من كل جميل وحسن، وافتح صفحة جديدة مع الله؛ عسى الله أن يتحمل عنك التبعات.
كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى بعض عماله يقول له: (حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة؛ فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضاء والغبطة، ومن ألهته حياته وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة) .
وقال الحسن البصري - رحمه الله تعالى-: (لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه، ماذا أردت أن تعملي؟ ماذا أردت أن تأكلي؟ وماذا أردت أن تشربي؟ والفاجر يمضي قدماً لا يحاسب نفسه) .
وقال ميمون بن مهران - رحمه الله تعالى-: (لا يكون العبد تقياً حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوان إن لم تحاسبه ذهب بمالك) .
وقال مالك بن دينار - رحمه الله تعالى-: (رحم الله عبداً قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله فكان لها قائداً) ، ومحاسبة النفس تنقسم إلى قسمين، قسم قبل العمل، وقسم بعده.
أما الأول: فهو أن يقف العبد عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له أيمضي أم يترك، قال الحسن البصري - رحمه الله تعالى-: (رحم الله عبداً وقف عند همه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره توقف) .
أما القسم الثاني: وهو محاسبة النفس بعد العمل وهو ثلاثة أنواع:
أحدهما: محاسبة النفس على طاعة قصرت فيها في حق الله -تعالى-فلم تؤدها على الوجه المطلوب، وحق الله في الطاعة ستة أمور وهي:
١- الإخلاص.
٢- متابعة النبي ﷺ .
٣- النصيحة لله.
٤- شهود ومشهد الإحسان في هذه الطاعة.
٥- شهود منة الله عليك في توفيقك لهذه الطاعة.
٦- شهود تقصيرك فيها.
فيحاسب العبد نفسه: هل وفىّ هذه المقامات كلها في كل طاعة يقوم بها؟ أم لا؟.
стр. 9898
الثاني: أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيراً من فعله.
الثالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح، أو معتاد لم فعله؟ وهل أراد به الله والدار الآخرة؟ فيكون ذلك رابحاً، أو أراد به الدنيا وعاجلها؟ فيخسر ذلك الربح، ويفوته الظفر به.
وتكون محاسبة النفس على هذا النحو الذي ذكره الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى-:
أولاً: البدء بالفرائض، فإذا رأى فيها نقصاً تداركه.
ثانياً: ثم المناهي، فإذا عرف أنه ارتكب منها شيئاً تداركه بالتوبة والاستغفار، والحسنات الماحية.
ثالثاً: محاسبة النفس على الغفلة، ويتدارك ذلك بالذكر والإقبال على الله ﷻ .
رابعاً: محاسبة النفس على حركات الجوارح من كلام اللسان ومشي الرجلين، وبطش اليدين، ونظر العينين، وسماع الأذنين، وغيرها، ماذا أردت بهذا؟ ولمن فعلت؟ وعلى أي وجه فعلته؟.
أخي الكريم: إن محاسبة النفس أمر عسير لكنه يسير لمن يسره الله لذلك، وهناك أمور تعين العبد على محاسبة النفس، ومن أبرزها وأهمها:
(١) استشعار رقابة الله على العبد واطلاعه على خطاياه، فإذا علم العبد ذلك استيقظ من غفلته وقام من رقاده، وقويت إرادته على محاسبة نفسه ومجاهدتها.
(٢) معرفة العبد أنه كلما اجتهد في محاسبة نفسه اليوم استراح من ذلك غداً، وكلما أهملها اليوم اشتد عليه الحساب غداً.
(٣) بذكر الحساب الأكبر والسؤال بين يدي الجبار ﷻ يوم القيامة فإذا علم العبد أنه مسؤول بين يدي الله فيجب أن يعد لكل سؤال جواباً، ومن هنا كان العبد أشد محاسبة لنفسه.
(٤) معرفة العبد ربح محاسبة النفس، ومراقبتها وهي سكنى الفردوس الأعلى، والنظر إلى وجه الرب - سبحانه- ومجاورة الأنبياء، والصالحين، وأهل الفضل، وأن عدم المحاسبة تفقده هذا كله، وتفوته عليه وليس بعد ذلك خسارة.
(٥) النظر فيما يؤول إليه من ترك محاسبة النفس ومراقبتها من الهلاك والدمار، ودخول النار، والحجاب عن رؤية الرب - سبحانه- ومجاورة أهل الكفر والضلال والخبث - عياذاً بالله-.
(٦) صحبة الأخيار الذين يحاسبون أنفسهم ويطلعونه على عيوب نفسه، وترك صحبة من عداهم.
(٧) النظر في سيرة المصطفى ﷺ وصحابته ﵃ ومعرفة أخبار وسير أهل المحاسبة، والمراقبة في سلفنا الصالح.
(٨) زيارة القبور والتأمل في أحوال الموتى الذين لا يستطيعون محاسبة أنفسهم أو تدارك ما فاتهم.
(٩) حضور مجالس العلم والوعظ والتذكير، فإنها تدعو إلى محاسبة النفس.
(١٠) قيام الليل، وقراءة القرآن بتدبر وخشوع، وحضور قلب، والتقرب إلى الله -تعالى- بأنواع الطاعات.
(١١) البعد عن أماكن اللهو والغفلة والمجون والعربدة فإنها تنسي الإنسان محاسبة نفسه.
(١٢) ذكر الله -تعالى- ودعاؤه بأن يجعلك من أهل المحاسبة والمراقبة.
(١٣) سوء الظن بالنفس، فإن من حسن ظنه بنفسه نسي محاسبتها، أو غفل عن ذلك، وربما إذا رأى العبد بسبب حسن ظنه بنفسه أن عيوبه ومساوئه كمالاً، وهذا أدعى لعدم المحاسبة.
أخي في الله: إن من التزم بما سبق فإنه وبفضل الله لا يعدم بأن يجني ثمار تلك المحاسبة سواء في الدنيا أو في الآخرة، وفوائد محاسبة النفس كثيرة جداً منها على سبيل المثال لا الحصر:
стр. 9899
(١) الاطلاع على عيوب النفس وآفاتها، ومن لم يطلع على عيوب نفسه لم يتمكن من إزالتها.
(٢) التوبة والندم وتدارك ما فات في زمن الإمكان.
(٣) معرفة حق الله -تعالى- فإن أصل محاسبة النفس هو محاسبتها على تفريطها في حق الله -تعالى-.
(٤) انكسار العبد وزلته بين يدي ربه ﵎.
(٥) معرفة كرم الله -تعالى وعفوه ورحمته بعباده في أنه لم يُعجل عقوبتهم مع ما هم عليه من المعاصي والمخالفات.
(٦) مقت النفس والإزراء عليها، والتخلص من العجب والرياء والسمعة.
(٧) الاجتهاد في الطاعة وترك العصيان لتسهل عليه المحاسبة فيما بعد.
(٨) رد الحقوق إلى أهلها، وحسن الخلق، وهذه من أعظم محاسبة النفس.
أخي الكريم: فحق على الحازم العاقل، المؤمن بالله واليوم الآخر ألا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها، وسكناتها، وخطراتها، وخطواتها، فكل نَفَسٍ من أنفاس العمر جوهرة نفيسة يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز، لا يتناهى نعيمه أبد الآباد، وإضاعة هذه الأنفاس أو شراء صاحبها ما يجلب هلاكه خسران عظيم، لا يسمح بمثله إلا جاهل، بل هو من أجهل الناس وأحمقهم، وأقلهم عقلاً وفهماً، وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن "يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ" [آل عمران:٣٠] .
وبهذه الروح الإيمانية، والنفس اليقظة نستقبل عامنا الهجري الجديد، وكلنا عزم على استدراك ما فات، والعمل على إرضاء الله - جل وعلا- في جميع أحوالنا هذا، والله أعلم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 9900
أسباب الكياسة والعجز
المجيب يوسف صديق البدري
داعية إسلامي وخطيب مسجد الريان بالمعادي ومستشار اللغة العربية بوزارة التعليم
التصنيف الفهرسة/ العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالقدر
التاريخ ٢٨/١٢/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم. عيدكم مبارك.
إذا كان كل شيء بقدر حتى العجز والكيس، فما هي أسباب العجز وأسباب الكيس؟.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه والتابعين. وبعد:
فأهلا وسهلا بك ـ أخانا الكريم ـ وسعدنا بمرورك بموقع "الإسلام اليوم"، ونرجو لك الخير حيث كان، أما سؤالك هذا عن القدر والأسباب فهو سؤال قديم جديد، سأله قوم أقدمون، ويتجدد كل حين في أذهان بعض المسلمين، ومن ثم فقد تمت الإجابة عليه من علماء الإسلام كل على حسب أسلوبه في الإجابة، فمنهم من أجاب على منهج الفلاسفة، ومنهم على طريقة أهل المنطق، وآخرون على طريقة علماء الكلام، وكل ذلك يصب في إجابة واحدة دارت عليها كثير من الأدلة الشرعية، فاعلم أخي الكريم:
(أ) أن الأخذ بالأسباب لا ينافي القدر بل هو من القدر أيضًا. ولهذا حين سئل ﷺ عن الأدوية والأسباب التي يتقى بها المكروه، هل ترد من قدر الله شيئًا، كان جوابه الحاسم: " هي من قدر الله " أخرجه رواه أحمد (١٥٤٧٢) ، والترمذي (٢٠٦٥) ، وابن ماجه (٣٤٣٧) ، وحسنه الترمذي.
ولما انتشر الوباء في بلاد الشام قرر عمر بمشورة الصحابة العدول عن دخولها، والرجوع بمن معه من المسلمين. فقيل له: أتفر من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ قال: نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ، إِحْدَاهُمَا خَصْبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟!. أخرجه مسلم (٢٢١٩)
стр. 9901
(ب) إن القدر أمر مغيب مستور عنا: فنحن لا نعرف أن الشيء مقدر إلا بعد وقوعه، أما قبل الوقوع فنحن مأمورون أن نتبع السنن الكونية، والتوجيهات الشرعية لنحرز الخير لديننا ودنيانا. إنما الغيب كتاب صانه عن عيون الخلق رب العالمين. ليس يبدو منه للناس سوى صفحة الحاضر حينًا بعد حين. وسنن الله في كونه وشرعه تحتم علينا الأخذ بالأسباب، كما فعل ذلك أقوى الناس إيمانًا بالله وقضائه وقدره، وهو رسول الله ﷺ ، فقد أخذ الحذر، وأعد الجيوش، وبعث الطلائع والعيون، وقاتل بين درعين، ولبس المغفر على رأسه، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة وهاجر هو بنفسه، واتخذ أسباب الحيطة في هجرته، واختبأ في الغار، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوت سنة، ولم ينتظر أن ينزل عليه الرزق من السماء، وقال للذي سأله أيعقل ناقته أم يتركها ويتوكل: "اعقلها وتوكل" (رواه ابن حبان (٧٣١) بإسناد صحيح عن عمرو بن أمية الضمري ورواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٩٧١) ، والحاكم ٣/٧٢٢ بإسناد جيد بلفظ "قيدها وتوكل") ، وقال: " فرّ من المجذوم فرارك من الأسد " أخرجه البخاري معلقا في كتاب الطب، باب الجذام، ووصله أحمد (٩٧٢٢) ، و" لا يورد ممرض على مصح " أخرجه البخاري (٥٧٧١) ، ومسلم (٢٢٢١) أي لا يخلط صاحب الإبل المريضة إبله بالإبل السليمة، اتقاء العدوى.
(ج) الإيمان بالقدر إذن لا ينافي العمل والسعي والجد في جلب ما نحب، واتقاء ما نكره. فليس لمتراخ أو كسلان أن يلقي على القدر كل أوزاره وأثقاله، وأخطائه وخطاياه، فهذا دليل العجز والهرب من المسئولية، ورحم الله الدكتور محمد إقبال إذ قال: "المسلم الضعيف يحتج بقضاء الله وقدره، أما المسلم القوي فهو يعتقد أنه قضاء الله الذي لا يرد، وقدره الذي لا يغلب". وهكذا كان المسلمون الأولون يعتقدون:.ففي معارك الفتح الإسلامي دخل المغيرة بن شعبة على قائد من قواد الروم فقال له: من أنتم؟ قال: نحن قدر الله، ابتلاكم الله بنا، فلو كنتم في سحابة لصعدنا إليكم، أو لهبطتم إلينا!!. ولا ينبغي أن يلجأ الإنسان إلى الاعتذار بالقدر إلا حينما يبذل وسعه، ويفرغ جهده وطاقته، وبعد ذلك يقول: هذا قضاء الله.
والقضاء الإلهي ينقسم إلى قسمين:
القضاء ينقسم إلى قسمين: قضاء مبرم مثل الموت فلا محيد عنه، والقضاء المعلق يرفع بالدعاء أو بالأسباب، فالرزق تسعى إليه وتلك أسباب.. والمرض تذهب عنده للطبيب فيصف لك الدواء لتأخذ فيحدث الشفاء، وإذا لم يتم الشفاء نتضرع إلى الله بالدعاء، فقد يتم الشفاء وإلا فيصبح الداء قضاء مبرما لحكمة وعلة يعلمها الله، وقطعا ستكون لصالحك في دينك ودنياك وآخرتك. هناك قضاء يستوجب منك الصبر أو الشكر (فقد مال أو سعة في الرزق أو ضيق في الرزق مثلا) . قضاء يستلزم المعالجة بالأخذ بالأسباب أو بالدعاء أو بهما معا. قضاء أنت حر فيه وفي حدود حريتك أنت محاسب تصلي أولا تصلي تفعل الخير أو لا تفعل تنفق أو لا تنفق.
وهكذا قس على ذلك. فعلى العبد أن يرضى بما أقامه الله فيه من الأسباب والتجريد ما لم يكن في مباشرة أحدهما تضييع أمر من أوامر الله أو ارتكاب ما نهى عنه الله، وإلا وجب عليه المسارعة في الانتقال والطلب من الله بالدعاء لينقله مما يغضبه إلى ما يرضيه.
إن عقيدة القضاء والقدر إذا فهمت على وجهها الصحيح، وحسب فهم سلفنا الصالح للشرع الشريف ستوجه سلوك المسلم توجيها صحيحا لا عوج فيه، وسينعم باله معها ـ بإذن الله ـ وهو يواجه أحداث الحياة وتقلبات الزمان.. والله تعالى أعلم.
стр. 9902
هؤلاء تصلي عليهم الملائكة
المجيب خالد بن حسين بن عبد الرحمن
باحث شرعي.
التصنيف الفهرسة/ الاستشارات/ استشارات دعوية وإيمانية/اخرى
التاريخ ٢٠/١٢/١٤٢٥هـ
السؤال
فضيلة الشيخ: تحية واحتراماً
من هم السعداء الذين تصلي عليهم الملائكة؟ أرجو توضيحهم.
الجواب
الحمد لله القائل: "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما" [الأحزاب:٥٦] .
اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد الهادي البشير، والسراج المنير، وعلى آل بيته الطيبين، وصحابته الغر الميامين وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد:
إلى الأخت السائلة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بداية أشكر لك ثقتك البالغة واتصالك بنا عبر موقع الإسلام اليوم، ونتمنى دوام الاتصال والمراسلة بالموقع.
أختي الفاضلة: جعلنا الله وإياك من السعداء الذين تصلي عليهم الملائكة ﵈ اللهم آمين.
لقد سرني سؤالك جداً، سؤال مختصر وجيز، لكنه عظيم القدر له مكانة عالية.
فالذين تصلي عليهم الملائكة أصناف كثر من البشر، ولقد جاءت الأدلة من كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ لتبين لنا تلك الصفوة المباركة التي تصلي عليهم الملائكة، وتبين لنا ما هي المؤهلات التي أهلتهم حتى يصلوا إلى تلك المنزلة الرفيعة والمكانة العليا، وإليك بيان ذلك باختصار:
(١) تصلي الملائكة وتستغفر لمن بات طاهراً.
(٢) تصلي الملائكة على القاعد في المسجد ينتظر الصلاة.
(٣) تصلي الملائكة على أهل الصفوف المتقدمة في الصلاة.
(٤) تصلي الملائكة على ميامن الصفوف.
(٥) تصلي الملائكة على من يَصِلون الصفوف.
(٦) تصلي الملائكة على من جلس في مصلاه بعد الصلاة مالم يحدث.
(٧) تصلي الملائكة وتستغفر لمن صلى الفجر والعصر في جماعة.
(٨) تصلي الملائكة على من يصلي على النبي المصطفى ﷺ .
(٩) دعاء الملك لمن يدعى له بظهر الغيب والداعي له.
(١٠) دعاء الملك للمنفق بالخلف.
(١١) تصلي الملائكة على المتسحرين.
(١٢) تصلي الملائكة على معلم الناس الخير.
(١٣) دعاء الملائكة (حملة العرش) ومن حوله لمن تاب وآمن واتبع سبيل الله تعالى ولأقاربه.
فهذه جملة من الناس الذين تصلي عليهم الملائكة نسأل الله من فضله.
فنرجو من الأخت السائلة أن تكون صاحبة همة عالية، ولتحرص على أن تكون ممن يصلى عليهم الملائكة فأبواب الخيرة كثيرة، فإن أخطأها باب، فلا يخطؤها آخر.
أما الأدلة على ما تقدم فهي كثيرة ولا يتسع المقام لسردها، ولكن نحيل الأخت السائلة على كتاب فضيلة الشيخ أ. د. فضل آلهى ظهير -حفظه الله- والمسمى (من تصلي عليهم الملائكة ومن تلعنهم) هذا، والله أعلم.
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 9903
مناصحة أهل العلم
المجيب د. طارق بن عبد الرحمن الحواس
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام بالأحساء.
التصنيف الفهرسة/ الاستشارات/ استشارات دعوية وإيمانية/اخرى
التاريخ ١٠/١١/١٤٢٥هـ
السؤال
كيف يكون بذل النصح لأهل العلم وطلبته دون انتقاص لعلمهم ومكانتهم على ضوء الكتاب والسنة؟.
الجواب
الأخت الكريمة -سلمها الله ورعاها- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فنشكر لك مراسلتك لنا على موقع "الإسلام اليوم"، ونرجو الله أن تجدي منا النفع والفائدة.
والجواب على ما سألت كالتالي:
أقدر لك حرصك على معرفة الأسلوب المناسب واللائق في مناصحة أهل العلم، وهذا -إن شاء الله- يدل على دين وإيمان وحرقة على الحق وسعي في نصرته. ولا ريب أن احترام العلماء وتقديرهم من الأمور الواجبة شرعاً وإن خالفناهم الرأي؛ فالعلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء قد ورثوا العلم، وأهل العلم لهم حرمة. وقد وردت نصوص كثيرة في تقدير العلماء واحترامهم، قال الإمام النووي: (باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم) . ثم ذكر قول الله -تعالى-: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ" [سورة الزمر الآية ٩] ، ثم ساق الإمام النووي طائفة من الأحاديث في إكرام العلماء والكبار، وأحيل القارئ إلى كتاب (رياض الصالحين) للإمام النووي (ص ١٨٧-١٩٢) . ومع كل هذه النصوص التي تحث على ما سبق وغيرها من النصوص الشرعية التي تحرم السب والشتم واللعن، والوقوع في أعراض المسلمين إلا أن بعض الناس من أشباه طلبة العلم ليس لهم شغل إلا شتم العلماء وسبهم على رؤوس الأشهاد في المساجد وفي الصحف والمجلات، ويحاول هؤلاء الصبية تشويه صورة العلماء وتنفير عامة الناس منهم؟ وأتساءل لمصلحة من يهاجم علماء الأمة؟ ولمصلحة من يشتم العلماء؟ هل هذه هي الطريق لإقامة الدين؟ هل علماء الأمة حالوا دون إقامة دولة الخلافة؟ أم أن بعض الناس يعلق فشله وعجزه على الآخرين؟ لماذا يوصف العلماء بالخيانة أو السذاجة والبلاهة؟ هل يصح أن يقال في علماء الأمة: (ومن الملمَّعين المنافقين؟) كيف عرفتم أنهم منافقون؟ هل شققتم على قلوبهم؟ ألم تسمعوا قول النبي ﷺ لأسامة بن زيد ﵁ لما قتل رجلاً بعد أن قال لا إله إلا الله: "أفلا شققت على قلبه؟ " رواه مسلم. ألم تسمعوا قول النبي- ﷺ : "إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم" رواه البخاري ومسلم. قال عبد الله بن مسعود ﵁: (لا يزال الناس مشتملين بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد ﷺ ومن أكابرهم فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم وتفرقت أهواؤهم هلكوا) رواه أبو عبيد والطبراني في الكبير والأوسط، وقال الهيثمي رجاله موثقون. ورواه أبو نعيم في الحلية، ولفظه قال عبد الله بن مسعود ﵁ (لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من علمائهم وكبرائهم وذوي أسنانهم، فإذا أتاهم العلم عن صغارهم وسفهائهم فقد هلكوا) .
стр. 9904
وورد في رواية أخرى عند الخطيب في تاريخه بلفظ (فإذا أتاهم العلم عن صغارهم وسفلتهم فقد هلكوا) . (إتحاف الجماعة ٢/ ١٠٥) . أهكذا يكون النقد العلمي؟ قال الإمام الذهبي يرحمه الله: (ما زال الأئمة يخالف بعضهم بعضاً، ويرد هذا على هذا، ولسنا ممن يذم العالم بالهوى والجهل) سير أعلام النبلاء (١٩/٣٤٢) .
فلا بد من التأدب مع العلماء، وأن نعرف لهم مكانتهم، فما فاز من فاز إلا بالأدب، وما سقط من سقط إلا بسوء الأدب.
واعلموا أن الأمة لا تحترم ولا تقدر إلا من يحترم العلماء والأئمة. قال الحافظ ابن عساكر يرحمه الله مخاطباً رجلاً تجرأ على العلماء: (إنما نحترمك ما احترمت الأئمة) ، ولا شك أن أهل العلم أولى الناس، بالاحترام والأدب معهم وحسن الخلق في معاملتهم، ولين الجانب لهم وتقديرهم؛ لأن كل ذلك من الدين ولأجل الدين، وإذا كان العبد مطالب شرعاً بحسن الخلق مع عامة الناس فإن خاصتهم من أهل العلم والديانة أولى بذلك وأحرى. ويمكن أن أجمل المنهج في التعامل مع العلماء وأهل العلم عند رغبة النصح لهم في التالي:
١- يجب الرفق واللين عند تقديم النصح لهم أو تذكيرهم بأمر غفلوا عنه، وهذا أمر مطالب به العبد مع كل الناس، فكيف بالعلماء؟ وقد قال ﷺ كما في الصحيح من حديث عائشة ﵂: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه) ، وذلك أيضاً لما تقدم من عظيم مكانتهم وعلو منزلتهم، وتأملي معي هذا الحديث للوقوف على تلك المنزلة لهم، عن أبي الدرداء ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: "إن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في
جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر)) سنن أبي داود ح (٣٦٤١) .
٢- التثبت قبل النقد أو النصح في أمر بلغه عنهم أو سمعه منهم ولم يتحقق مقصودهم منه، والتثبت منهج شرعي أمرنا الله به في كتابه في قوله:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ" [سورة الحجرات ٤٩/٦] . وإن العلماء بشر يخطئون، ولكن اتهامهم بالخطأ دون تثبت يوقع الإنسان في أمرين خطيرين:
الأول: أن يكون اتهامهم بالخطأ غير صحيح، فيخطئهم المخطئ فيما هم فيه مصيبون، أو يتهمهم بما ليس فيهم. إذ من الناس من تأخذه العجلة والنظرة الخاطئة للأمور فيحمل كلام الناس على الشر أو الخطأ، ومن الناس من يكون إنكاره على عالم بسبب جهله بحال ذلك العالم، فيسمع منه شيئاً محتملاً أو مجملاً ويجهل أشياء مبينة لتلك المجملات المحتملات فلا تجده يرجع للعالم يتثبت منه أو من غيره، فيطير بالأمر الذي سمعه على أنه خطأ شنيع وجرم فظيع وهو ليس كذلك.
стр. 9905
الثاني: أن يحكم بالخطأ على العالم غير العالم فيبني الشخص تخطئته للعالم على جهل، فيقول على الله وخلقه بلا علم، ومرد زلات العلماء أو ما يظن أنه خطأ من العالم ليس إلى العوام وأنصاف المتعلمين، بل إلى العلماء أنفسهم فذلك كما يقول الإمام الشاطبي: (من وظائف المجتهدين فهم العارفون بما وافق أو خالف وأما غيرهم فلا تمييز لهم في هذا المقام) الموافقات (٤/١٧٣) .
٣- اختيار أحسن العبارات وأجمل الكلمات لإيصال ذلك النصح أو النقد.
٤- التماس العذر للعلماء فإنهم -كما تقدم- خير أمة محمد- ﷺ ، وإذا كانت تلك الخيرية أصلاً فيهم، فإن من الواجب التماس العذر لهم وإحسان الظن بهم.
٥- احذري من تصيد زلات العلماء، فقد تقرر أنهم غير معصومين وأنهم عرضة للخطأ والسهو والغفلة والتقصير، فتقع منهم الزلات والأخطاء، والواجب حين ذلك أمران:
- عدم اعتبار تلك الزلة والأخذ بها، لأنها جاءت على خلاف الشريعة.
- العدل في الحكم على صاحبها فلا ينسب إلى التقصير، ولا يشنع عليه من أجلها ولا ترد بقية أقواله وآرائه وفتاويه بسببها.
٦- يجب أن يكون نصحك له سراً بينك وبينه ليحصل المقصود من ذلك، وإذا تعذَّر لقاؤه فيمكن مراسلته وإيصال تلك الملاحظات له.
٧- اتهمي رأيك واتركي المبادرة إلى الاعتراض على العلماء فإن ذلك محمود، وذلك أن اتهام الإنسان رأيه عند رأي الأجلة من العلماء من حسن الظن بهم، فينبغي عدم المبادرة بالاعتراض قبل التوثق، يقول الإمام الشاطبي ﵀: (إن العالم المعلوم بالأمانة والصدق والجري على سنن أهل الورع إذا سئل عن نازلة فأجاب، أو عرضت له حالة يبعد العهد بمثلها، أولا تقع من فهم السامع موقعها ألا يواجه بالاعتراض والنقد فإن عرض إشكال فالتوقف أولى بالنجاح وأحرى بادراك البغية إن شاء الله تعالى) الموافقات (٤/٣٢٤) .
٨- إن أكثر الناس استحقاقاً للثقة هم العلماء، فعلى المسلم أن يضع ثقته في أهل العلم، ويواليهم ويحبهم، فإن محبة العلماء المشهود لهم في الأمة بالأهلية والورع والتقوى عنوان رشد وسلامة في المعتقد والمنهج.
وأخيراً أختم بكلمة نيرة مضيئة قالها الحافظ ابن عساكر يرحمه الله (اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) .
تلك بعض المعالم في التعامل، مع العلماء ولم استقص في ذلك، وأنصح الأخت الفاضلة بالاستفادة من كتاب (قواعد في التعامل مع العلماء) للشيخ الفاضل عبد الرحمن بن معلا اللويحق.
والله أسأل لي ولك التوفيق والسداد والعلم النافع والعمل الصالح. والسلام عليكم.
стр. 9906
استشارات نفسية
стр. 9907
مشكلة الرهبة من التحدث في جموع الناس
المجيب د. أمين صبري نور الدين
(علم النفس/ كلية العلوم جامعة الإمام)
التصنيف الفهرسة/ الاستشارات/ استشارات نفسية / الخجل
التاريخ ١٩/٠١/١٤٢٧هـ
السؤال
عندي هَمٌّ يقلقني، وهو رغم ثقافتي إلا أني لا أعرف التحدث والإفصاح عما أعرف، فما الحل؟ وكيف أكوِّن الثقافة العلمية المتميزة التي تمكنني من حسن الحديث، والرد السريع، والتفكير المميز، والتخطيط السليم؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
فيعتري بعض الناس الخجل الشديد من التحدث مع الناس، ويتفاوت هذا الأمر مع طبيعة الموقف، فقد يخجل الإنسان إذا وقف وتحدث إلى جمهور من المستمعين أو المشاهدين، ويزداد خجله كلما علقت الجماهير أبصارها به، وقد يعتريه الخجل الشديد أيضا إذا تحدث في جلسة، ويقل كلما تحدثوا أثناء حديثه، وتزداد درجة الخجل إذا توقفوا عن الكلام واستمعوا له، وقد يكون الشخص مفهومه عن نفسه سِّيئًا ومنخفضًا مما يجعل كل ما يتكلم به غير راضٍ به، أعني أنه قد يكون الشخص غير خجول بالفعل، ولكن غير راضٍ عن نفسه، وفي جميع الأحوال يكون سبب هذا عدم ثقة الشخص في نفسه، فإذا كانت ثقته بنفسه عالية زال خوفه، وإذا كانت ثقته بنفسه منخفضة ازداد خوفه، ولعلاج هذا الخجل أنصح بما يلي:
ابدأ بنفسك، بمعنى اغلق باب غرفتك، وتكلم بينك وبين نفسك أولاً، ثم تكلم أمام المرآة، ولاحظ ما تقول، وترقَّب إشاراتك وإيماءاتك، وسجِّل ما تقوله على شريط كاسيت، واسمع ما سبق أن قلته، وقوِّم ما قلته، ثم أعد مرة أخرى، ثم تكلَّم مع مجموعات صغيرة من الناس كلاماً مقتضبًا قصيرًا، ثم زد مساحة كلامك شيئًا فشيئًا.
عليك أن تقرأ في شتى الموضوعات قراءة عامة، وزد معلوماتك من الصحف والكتب غير المتخصصة، وسماع نشرات الأخبار؛ حتى تكون على دراية بقضايا الرأي العام، وتستطيع أن تتكلم دون خجل أو مواربة. نسأل الله العظيم أن يجعلك جريئًا في الحق، واثقًا من نفسك، مستعيناً بالله. والله الموفق.
стр. 9908
طفلتي خجولة وعنيدة
المجيب عبد الرحمن بن عبد المحسن البعيمي
مشرف تربوي بوزارة التربية والتعليم.
التصنيف الفهرسة/ الاستشارات/ استشارات تربوية وتعليمية/ تربية الأولاد/التعامل مع مشكلات الأولاد
التاريخ ٢٦/١٠/١٤٢٥هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ابنتي تبلغ من العمر ٥ سنوات، تبكي كثيراً، وخجولة في نفس الوقت.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وددت من الأخ السائل، لو ذكر درجة الخجل لدى الطفلة، ومم تخجل؛ لأن الخجل طبيعي في بعض المراحل وليس دائماً سيِّئاً، فعلينا أن نميز بين الخجل السوي والخجل الشديد الذي يعيق الثقة عند الفرد.
والخجل خاصية شائعة لدى الإنسان، ففي كثير من الدراسات الحديثة بينت أن غالبية من طبقت عليهم الدراسة قد مروا بالخجل في إحدى مراحل حياتهم، وخاصة الخجل والخوف عند معظم الناس هو التحدث عند مجموعة، وللوراثة دور أيضاً في الخجل، ويختلف الخجل عند الأطفال عنه عند الراشد، حيث يظهر لدى الطفل بينما يستطيع الراشد إخفاءه، ولعلاج الخجل يجب أولاً تدعيم الثقة بالنفس عن طريق حب الفرد النفسية وشعوره بقيمته، وتقبله لنفسه مهما كان، وتطلعه للمستقبل.
والطفل في سن الرابعة والخامسة تقريباً كثير المقارنة مع من هم في سنه، فمتى رأى من يفوقه في أي شيء بدأت ثقته في نفسه تقل. وللتعامل مع الطفل الخجول يمكن اتباع بعض الإرشادات الآتية:
١- تدعيم ثقته بنفسه عن طريق الاستقلالية، وتشجيعه على الأعمال التي يقوم بها.
٢- الابتعاد عن النقد للطفل كانتقاد الملبس أو المظهر، أو العادة، وعدم وصفهم بصفات غير لائقة مثل الغباء وغيره من الصفات السيئة.
٣- تشجيعه على التعبير عن نفسه.
٤- تنمية بعض المهارات والجوانب الإيجابية لديه.
٥- عدم المغالاة والحرص في الحماية الزائدة للطفل.
٦- عدم وصف الطفل بالخجل أمامه، أو أمام الآخرين.
стр. 9909
خجل وحساسيه !!
المجيب أحمد بن علي المقبل
مرشد طلابي بوزارة التربية والتعليم
التصنيف الفهرسة/ الاستشارات/ استشارات نفسية /الخجل
التاريخ ٢٧/٩/١٤٢٢
السؤال
الرجاء الرد على السؤال: إنني أواجه مشكلة الخجل الزائد عن اللزوم وانجرح من أتفه الأسباب، إنني إذا وجّه إليّ سؤال وأنا في وسط الناس فأول شعور يواجهني: تزيد دقات قلبي، ويتصبب عرقي، ويتغير كلامي أرجو منكم توجيهي، وحل مشكلتي، ولكم مني الدعاء وجزيل الشكر.
الجواب
أخي الكريم، أشكر لك ثقتك واسأل الله تعالى لنا ولك التوفيق والسداد والرشاد.. أما استشارتك فتعليقي عليها ما يلي:
أولاً: لا شك أن الخجل مشكلة كبيرة قد تستبد بصاحبها إلى درجة تشل مواهبه وقدراته، وتجعله عرضة للاضطراب الاجتماعي وربما النفسي، بل وقد تدفعه إلى العزلة عن محيطه بشكل يؤثر على عطائه واندماجه فيه.
ثانياً: يتباين الناس الذين يعانون من الخجل في مدى إحساسهم فيه، ومعاناتهم منه، فالخجل عند هذا غيره عند ذاك، وأسبابه هنا تختلف عن أسبابه هناك.. إلا أن الأسباب تقريباً تنحصر في ثلاثة عوامل تبدأ منها وتتفرع عنها. وهذه العوامل هي:
أ-عوامل تربوية تتعلق بالتنشئة الاجتماعية: كالحماية الزائدة أو القسوة الزائدة، وما يترتب على ذلك من انعدام الثقة في النفس وبالتالي الخجل في مواجهة الآخرين.
ب-عوامل جسمية تتعلق إما بعاهة جسمية بارزة، أو نحول زائد أو سمنة زائدة، أو تشوه معين. كل ذلك قد يدفع بصاحبه إلى نوع من أنواع الخجل.
ج-عوامل نفسية مثل: الحساسية الزائدة، أو سرعة الانفعال أو سعة الحيز الشخصي الخاص الذي لا يسمح لأحد بتجاوزه تحت دعاوى المس بالكرامة، والخوف الكبير من الخطأ. كل ذلك عوامل تسبب للإنسان تفاعلات داخلية عنيفة من أعراضها زيادة الخفقان، وتصبب العرق، واحمرار الوجه، اضطراب الكلام وغير ذلك.
ثالثاً: لو أردنا الغوص أكثر في أعماقنا لمعرفة ما وراء كل ذلك لوجدنا الأسباب ترتبط إلى حد كبير بما يسمى [المبالغة في البحث عن الاستحسان!!] أي اهتمام المرء بما يقال عنه، والأحكام التي يصدرها الآخرون على سلوكه وتصرفه وأعماله وكلامه!!
وهذا الاهتمام بما يقوله الآخرين هو الذي يوجد حاله نفسية هي إلى الخوف أقرب.. فإن من يخشى أن لا يقدر كما يريد، أو كما يتمنى.. فإنه ينتهي حتماً إلى الخجل!!
رابعاً: مشكلة الخجول أنه يتصور أنه محور انتباه العالم، وأن الجميع يراقب حركاته وسكناته، ولذلك تراه غارقاً في تفسير "الأفعال وما وراءها والنظرات ومغزاها" والكلمات ومرادها. وبالتالي هو متوتر من الخارج، ومضطرب من الداخل بصورة مرهقة تدفعه إلى تجنب مثل هذه اللقاءات الاجتماعية حتى لا ينشغل كثيراً بتفاصيلها، وتفسيرها، ومكاسبها وخسائرها..!! وما علم أن تجنبه لها يزيد وطأتها وأن الحل الأمثل لمواجهتها هو عدم تحميلها أكثر مما تحتمل، واليقين بأن الناس لا يشغلهم منه إلا بعض الدقائق التي تكون غالباً من باب المجاملة، ثم يعود كل منهم إلى دائرته الخاصة.. ومشاغله الخاصة!!
стр. 9910
خامساً: من الخطوات الأساسية للتغلب على الخجل هنا.. الابتعاد قدر المستطاع عن " الحساسية الزائدة " بما قد يقال عنك أو يقال فعلاً.. وعدم تحميله أكثر مما يحتمل.. أو أن تربط رضاك عن نفسك برضاء الآخرين عنك.. أو فكرتهم عنك.. ونشدان استحسانهم بأي طريقة.. والتأكد بأن مواقفنا من الأشياء دائماً ما تخضع لزاوية رؤيتنا لها.. واهتمامنا بها.. فإذا جعلت من الآخرين مقياساً وحيداً لرضاك عن نفسك وقناعتك بها.. وبحثت عن استحسانهم ورضاهم حد الاستجداء..!!! فإنك ولا ريب ستتحول إلى شخصية مهزوزة.. غير قادرة على المواجهة الإيجابية.. وبالتالي سيغلبك الخجل.. وسترتقي في مدارجه شيئاً فشيئاً.. حتى تنحصر في دائرة ضيقة لا فكاك منها..!!!
وتأكد.. أنك حتى وإن كنت تعاني من نقص ما.. بدني أو نفسي فإن لديك من الإيجابيات ما يكمل هذا النقص لو استثمرتها جيداً..!! فارض بواقعك واصلح منها ما يمكنك إصلاحه.. وتأكد أنك كما تفكر.. تكون!!
سادساً: كن على طبيعتك بقدر المستطاع.. لا تخش النقد إلى حد الانسحاب حتى من إبداء الرأي إذا طلب منك.. والرضاء من الغنيمة بالصمت!!! تفاعل مع من حولك.. حاور.. وثق أنك لست أقل قدراً وقدرة من الآخرين.. ولا يكن رأي الآخرين بك.. أهم من رأيك بنفسك.. فلكل منا إيجابياته وسلبياته.. ونقاط قوته ونقاط ضعفه.. ولدينا جميعاً ما نحب وما نكره.. وما نريد وما لا نريد..!! تعامل مع محيطك على هذا الأساس.. وابدأ شيئاً فشيئاً.. وتأكد أن إرضاء كل الناس ليس دائماً هو الصواب.. وأن إسخاط كل الناس ليس دائماً هو الخطأ..!!! ولكن الصواب والخطأ هو: أي نوع أرضيت وأي صنف أسخطت؟!!
سابعاً: اكسر دائرة الخجل.. ولا تفكر فيها طويلاً.. واخرج منها.. عبر الحوار والتفاعل مع محيطك.. ولا بأس من البداية بدوائر صغيرة في كل من محيط العمل أو محيط الأسرة.. ثم توسيع الدوائر وزيادتها.. وانظر دائماً إلى ما تقوله أنت عن الآخر.. لا ما يقوله عنك الآخر.. ولتكن ركيزتك الأساسية في البداية محاولة الاسترخاء.. والتدرب على التنفس العميق.. والثقة بالله ثم بنفسك بأنك ستتغلب على هذه المشكلة وتواجهها.. ولن تنشغل بها طويلاً..!!!
وفقك الله وسدد على طريق الخير والحق خطاك..