← Общие книги

Общие книги · id 8954

أصول الدعوة وطرقها 2 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (292 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فيقول ﵀: "إذا كان كلام الله كتاب البيان المعجِز، فإن كلام الرسول ﷺ سُنّة هذا البيان". وإذا كان البلاغ صفة كلّ رسول، فإن البلاغة صفة رسول الله ﷺ ، تجمّعت فيه ﷺ خصائص البلاغة بالفطرة، وتهيأت له أسباب الفصاحة بالضرورة. فلقد وُلد في بني هاشم، واستُرضع في بني سعد، وتزوّج من بني أسد، وهاجر إلى بني عمرو -وهم الأوس والخزرج-. ثم كمّله الله برجاحة العقل، وسماحة الخلق، وصفاء النفس، وقوة الطبع، وثقوب الذهن، وتمكّن اللسان، ومحض السليقة، ليكون لساناً لكلمته، مُظهراً لكنوزه. كل ذلك قد مكّن للرسول ﷺ من ناصية البلاغة، فأسلست له الألفاظ، وأسمت له المعاني، فلم ينِدّ في لسانه لفْظ، ولم يضطرب في أسلوبه عبارة، ولم يعزب عن علْمه لغة، ممّا جعل الصحابة يعجبون من تلك الفصاحة، فيقول لهم: ((أدّبني ربّي فأحسن تأديبي. ورُبِّيتُ في بني سعد)). ثالثاً: نشأة علوم اللّغة العربية: اشتهر العرب من بين الأمم بالفصاحة والبلاغة، وحُسن التعبير، وجمال التصوير. يجري كلامُهم على الطّبع ليس فيه تكلّف ولا زُخرف. يعبِّر أصدق تعبير عن البيئة الصحراوية، بما تحمل من خُلُق الشهامة والمروءة والنجدة. أمّة تتيه فخراً بفرسانها وشعرائها، وتدفع للصدارة حكماءها وخطباءها. وكانت اللغة العربية خالية من التنقيط والتشكيل، إذ إن العربي كان ينطق بالفطرة، ويراعي القواعد بالسليقة، ليست فيه كلمة نابية أو عبارة جافية. فأسلوبهم قويّ اللفظ، متين التركيب، يتّسم بنصاعة البيان، وطلاقة البديهة، ووضوح التعبير، وجلاء الفكرة. ولا يتعثّر لهم لسان، ولا يسقط من كلامهم حرف، ولا تشذّ عن النطق السليم كلمة، ولا تغيب عنهم قاعدة من قواعد الإعراب لحظة؛ فهم يراعونها بالفطرة، ويلتزمون مخارج الحروف بالسليقة.

стр. 107

وازدادت بلاغة العرب وتألّقت فصاحتهم -لا سيما قريش-، حينما نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، أعجز البلغاء وحيّر الفصحاء، فعدّل مسار الفصاحة والبلاغة اللّتيْن كانتا يُتبارى بهما في المفاخرة والمنافرة، والمدح والهجاء، واستجاشة المشاعر وإثارة العواطف، لإيقاد نار الفتنة وتسعير لظى الحروب. نجد هذا كلّه يتغيّر بين ظلال الإسلام وعلى مائدة القرآن وهدي السّنّة، إلى الدعوة للإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وإلى الفضيلة ومكارم الأخلاق ومعالي الأمور. وتجاوبت فطرة العربي مع بلاغة القرآن الكريم وفصاحة الرسول ﷺ ، فأثمرت وأينعت خير أمّة أخرجت للناس، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. وكان اللسان العربي هو المعبّر عن عظمة الإسلام، والوسيلة التي يُشرح بها تعاليمه ويدعو الناس للدخول في دين الله. وكان نطق العربي، كما كان العهد به، مستقيماً خالياً من اللحن، سليماً من الخطإ. ومع انتشار الإسلام وخروج العرب فاتحين للفُرس والروم، ومع اختلاطهم بالأعاجم، بدأ اللّحن يتسرّب إلى اللغة العربية، وبدأت بعض الهفوات والسقطات تظهر بين ثنايا الكلام. وخشي صحابة رسول الله ﷺ أن يتسرّب اللّحن إلى القرآن الكريم، ووقعت بعض الألسنة في الخطإ أثناء التلاوة، فهبّ العلماء من المسلمين للمحافظة على اللغة العربية في تقويم مفرداتها وقواعد تصريفها، ولضبط حركات أواخر الكلمات باختلاف أحوال مواقعها من الجملة. وقد ذكَر المؤرِّخون عدّة روايات تاريخية حول دوافع تأسيس علْم النحو، منها: الراوية الأولى: جاء فيها: أنّ عمر بن الخطاب ﵁ مرّ على قوم يُسيئون الرّمي، فقرّعهم على ذلك، فقالوا له: "نحن قوم متعلِّمين". فساءه اللحن الذي وقع في

стр. 108

كلامهم، إذ لم يقولوا: "نحن قومٌ متعلِّمون"، أكثر ممّا إساءه خطؤُهم في الرمي، وأعرض عنهم مغضباً، وقال: "والله لَخطؤكم في لسانكم أشدُّ عليّ من خَطَئكم في رميكم". كما وقع خطأ قارئ القرآن الكريم حينما تلا قول الله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾، فقرأ كلمة ﴿وَرَسُولُهُ﴾ بكسر اللام، وهذا خطأ فاحش يُغيِّر المعنى تغييراً كبيراً، ويوقع في الإثم والمعصية. إزاء تسلّل اللّحن، خشي صحابة رسول الله ﷺ أن ينتشر الخطأ في اللّغة العربية، وينتقل إلى القرآن الكريم، فكُلِّف أبو الأسود الدؤلي من قِبل عمر بن الخطاب ﵁ أو مِن قِبَل عليّ بن أبي طالب ﵁، على اختلاف في الروايتيْن. المهمّ أنه بدأ الاتّجاه لصَوْن اللغة العربية، فوُضعت النقاط فوق الحروف، وتمّ تقسيم الكلام إلى: اسم، وفعْل، وحَرْف. ووضعت قواعد الإعراب لضبط نهاية الجملة، وتمّ تأسيس علْم النحو والصرف. ثم تتابعت علوم البلاغة (المعاني، البيان، البديع). وكثرت مدارس النحو، وتوالت الجهود لحفْظ اللغة العربية وآدابها. وما زالت هذه المؤلَّفات والمصادر ومعاجم اللغة بين أيدي المسلمين علماء وطلاباً وباحثين. ثالثاً: كيف يتدرّب الدّعاة على اللّغة ومراعاة قواعدها؟ إنّ نعمة البيان من أجَلِّ النِّعم التي أنعم الله بها على الإنسان، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. فاللسان هو المعبِّر عمّا يجيش به الفؤاد، النّاطق عمّا يجول في القلب والوجدان. وبحُسن المنطق وسلامة التعبير يتمّ التفاهم بين بني الإنسان، وينشأ التعارف بين

стр. 109

الأمم والأوطان. وهو أداة لنقل العلوم والمعارف، وهو عنوان البلاغة وأمارة الفصاحة، به تُستمال القلوب، وتنقاد الأمم والشعوب. وهو لسان حال الدّعوة إلى الله، والأداة الفعّالة لتبليغها. والدّعاة إلى الله هم أحوج الناس لسلامة اللغة، ويجب مراعاتهم لقواعد الإعراب، وحُسن المنطق، وروعة البيان، ودقّة التعبير، والتّمكّن من توضيح فكرة ما يدعون إليه، ومدى تفهّم المستمع لِمَا يتحدثون به؛ إذ إن العلاقة بين المتكلِّم والمستمع كالعلاقة بين جهازَيِ الإرسال والاستقبال. فالمتكلِّم ينبغي أن يكون حَسَن الإرسال بحُسْن اللغة وسلامة المنطق، وصدْق العاطفة. والمستمع يجب أن يكون لديْه حُسن استقبال لِما يُلقى إليه، فيكون في يقظة وانتباه، ويُنصت بذهن صافٍ وصدرٍ منشرح. ولن يتسنّى للدّعاة تحقيق ذلك إلاّ بالأمور التالية: أولاً: معرفة قواعد الإعراب، ويتمّ هذا بدراسة علْم النحو وقواعده، وبجانب الدراسات يكون التدريب على النطق السليم، ومراعاة مخارج الحروف، والوقوف على الجمل المفيدة، مع ملاحظة حركة آخر الكلمة وموقعها من الإعراب. وفي البداية يلتزم الداعية أو طالب العلْم إذا قرأ في كتاب، أن يرفع صوته ويُسمع نفسه، فتشترك العين بالنظر، واللسان بالنطق، والأذن بالسمع، والعقل يضبط إيقاع الكلمة وسلامة حركتها. ثانياً: يجب على الدّاعي إلى الله: أن يكون شغوفاً بالعلْم نهِماً للقراءة، حَسن الاطلاع لكتب العلم والأدب؛ فكُتب العلْم تُزوِّد معارفه، وتُكثر ثقافته، فينمو عقله وتتّسع مداركه.

стр. 110

أمّا كتب الأدب من قصص هادفة، أو نثر بأسلوب راقٍ، أو شعر يحرك المشاعر ويستنهض الهمم، فهو ميدان فسيح يفيض بفنون وأساليب القول. فقرائح الخطباء والأدباء والشعراء، وحِكم الحكماء -ما قبل الإسلام وبعده- زاخرة بذلك. فإنّ التطوف في رياض الأدب، والتّريّض بين قطوفه وأثماره، والوقوف بين ظلاله وأفنانه، يُكوِّنان في الداعية رصيداً ضخماً من الكلمات الأدبية السامية، ويُنمي ثروةً كبيرة من الجمل الرفيعة العالية. ومن خلال التزود بالعلوم الشرعية، وتذوق الإحساس الأدبي الراقي الجميل، فإن هذا يولِّد في نفس الداعية ملَكة التعبير، وصدْق العاطفة، ونبْل المشاعر، وإخلاص النِّيّة، وسلامة الطّويّة. ممّا سبق، تتّضح أهميّة اللغة العربية وآدابها في تكوين عقل وفكر الدّعاة إلى الله. المصدر الخامس من مصادر الثقافة الإسلامية: علْم التّاريخ التاريخ مرآة الأمَم، وذاكرة الشعوب، والسّجلّ الحافل بالأحداث والوقائع. يكتب تقدّم الأمم وازدهارها، ويرصد أفول نجْمها وغروب شمسها. وتاريخ الإسلام عظيم مليء بالدروس، زاخرٌ بالعِبَر، ثريّ بالأحداث الجسام. سُطِّرت صفحاته بسيرة الرسول ﷺ وصحابته الكرام، وبمواقف رجاله الأشاوس وقادته الأماجد، في معظم فترات تاريخه. وتاريخ الإسلام هو تاريخ الإنسانية عبْر وحي السماء ورسالات الأنبياء، من خلال آيات القرآن الكريم الذي دَوّن الأحداث، وساق القصص، وسرد الوقائع، بصدق لا يأتيه الباطل ولا يتسرّب إليه الشّك، ولا تمتد يد لتزوير التاريخ والعبث به وطمْس معالمه، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾.

стр. 111

فمنذ أن انطلقت دعوة التوحيد من مكة المكرمة، والتاريخ يرصد أحداث الإسلام، ويسجّل أحواله المتتابعة والمتلاحقة، ويرمق بعين الشاهد الأمين تقلّب أحوال المسلمين. وقد تعجّب المؤرِّخون والراصدون لمسيرة المسلمين عبر القرون والدهور، فيرون أحوالهم كأمواج البحر، أحياناً هادئة تعلوها سماء صافية وشمس مشرقة، وأحياناً أخرى تكون أحوالهم كالموج الثائر والشّلاّل الهادر والعواصف العاتية، وكالليل المظلم الذي طال سواده. ويرقبهم التاريخ عن كثب، فأحياناً يجدهم أمّة متّحدة تحت سقف الخلافة الراشدة، وحيناً يراهم ممزّقين في دويلات صغيرة متحاربة ومتنافرة. ويشاهد التاريخ المسلمين وهم يرتدون رداء العقيدة، ويتزيّنون بلباس التقوى، ويكتسون بكساء القوة والعزة، فعبؤوا قُواهم، وحشدوا طاقاتهم، وتحصّنوا بدينهم، فتقهقرت أمامهم جيوش، وطويت تحت أقدامهم ممالك وأمم ترى نور الإسلام في مقدمهم والرحمة تتقدّمهم. وفي مراحل أخرى، يأسف التاريخ لهم، ويحزن عليهم، ويسكب دموعه، حينما يرى الحقد الأسود والغلّ الدفين تنطق به عيون الدّول مِن حولهم، ويتنمرون بهم فيحتلّون أرضهم ويستعبدون شعوبهم، وينهبون خيراتهم. ولكن ما يلبث التاريخ والمؤرّخون الذين يرصدون حركة الإسلام ويراقبون أحوال المسلمين ويسجّلون أحداثهم، أن يفاجَؤوا بالحياة تدبّ في أوصال الشعوب الإسلامية، وتسري في عروقهم حرارة الإيمان، فتتعالى صيحات اليقظة وتتنادى أصوات الصحوة، ويستجيب المسلمون في المشارق والمغارب، فيهبّ الإسلام واقفاً على قدميْه، شامخ الرأس، يُعيد سالف مجْده وسابق عظمته، موثقاً الإنسانية بعُرَى وحي السماء ورسالات الأنبياء، وأحداث التاريخ خير شاهد على ذلك. والله ﵎ يقول عن حركة التاريخ الإسلامي، وعن حركة سيادة المسلمين: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ

стр. 112

الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. إنّ تاريخ الإسلام، العظيم بأحداثه الهائلة، وأحواله المتغيِّرة بين قوّة وضعف، وارتفاع وانخفاض، وانتصارات وهزائم، ما ينبغي للدّعاة إلى الله أن يتجاهلوا وقائعه، أو أن يغمضوا الأعين عن نوازله؛ ولكن يجب عليهم أن يكونوا على بصيرة ووعْي بحركة التاريخ، يلِجون أبواب عصره، ويقرؤون ما بين سطوره، ليستلهموا منها الدروس والعِبَر، ولِيُبَصِّروا المسلمين بحقائق التاريخ الإسلامي. ويمكن للدّعاة أن يتتتّبعوا تاريخ الإنسانية عموماً والإسلام خصوصاً من خلال مناهج وأساليب البحث التالية: أولاً: قواعد المنهج العلّمي لدراسة التاريخ: المنهج في دراسة التاريخ يعني: القواعد والشروط التي يجب مراعاتها عند معالجة أي حدث تاريخي. وتتناول هذه الشروط: الكاتبَ -أو المتكلِّم نفسه-، والمصادرَ التي يَستمِدّ منها معلوماته. ويمكن استخلاص سمات، أو أصول، أو قواعد هذا المنهج في النقاط الآتية: ١ - استخدام الأدلّة والوثائق، بعد التأكّد من صحّتها. ٢ - حُسن استخدام الأدلّة والوثائق، وذلك باتّباع التنظيم الملائم للأداة، مع تحرير المسائل وحُسن عرْضها. ٣ - الإيمان بكلّ ما جاء في القرآن الكريم والسُّنة النبوية المطهّرة الصحيحة، ومن ذلك: الإيمان بالغيب، والجزاء، والقضاء والقَدَر، وردّ كل ما خالف ذلك.

стр. 113

٤ - تحرِّي الصِّدق في استقصاء جميع الروايات والأدلّة حول الحدث الواحد، وإيرادها، ثم الجمْع بينها إن أمكن ذلك، أو الترجيح بين الروايات المختلفة، وفقاً للقواعد المقرّرة في التحقيق، مع الاستعانة بأقوال العلماء الثقات. ٥ - بيان المصادر والمراجع التي استمدّ منها معلوماته، مع الضبط المتقَن في نقل الأقوال ونِسبتها لأصحابها. ٦ - الاعتماد على النصوص الشرعية والحقائق العلْمية، ونبْذ الخرافات. ٧ - الالتزام بقواعد اللغة العربية، وعدم إخراج اللفظ عن دلالته، إلاّ إذا وُجدت قرينة صارفة له عن دلالته المباشرة. ٨ - استعمال المصطلحات الشرعية في الكتابة التاريخية، مثل: المؤمن، الكافر، والمنافق، إذ لكلٍ من هذه المصطلحات صفات محدّدة ثاتبة وردت في القرآن الكريم، وأحاديث الرسول ﷺ ؛ ولذا لا ينبغي العدول عن هذه المصطلحات إلى مصطلحات نبتت في أوساط غير إسلامية. كذلك فإنّ الحُكم على الأعمال والمنجزات الحضارية ينبغي أن تُستخدم فيه المصطلحات الشرعية، كالخير والشر، والحق والباطل، والعدل. ٩ - اعتبار المصادر الشرعية والأصلية، وتقديمها على كلّ المصادر؛ إذ يجب على الباحث المسلم: أن يعتمد على القرآن الكريم، ويعتبره مصدراً أساسياً في استيفاء معلوماته عن الأنبياء والأمم السابقة، لأن القرآن الكريم قطعيّ الثبوت، ويأتي بعده الحديث النبوي في قوة الثبوت. ١٠ - التّجرّد من الأهواء المذهبية، أو العنصرية، أو القومية، أو السياسية. ١١ - معرفة مناهج الإخباريِّين والمؤرِّخين القدماء. ونجعل الطبري مثالاً في هذا الجانب، بوصفه مصدراً من أبرز مصادر التاريخ الإسلامي في صدر الإسلام

стр. 114

وقبْله. فعلى المؤرِّخ الحديث بصفة خاصة: أن يَعْرف أنّ الطبري قد استخدم في تاريخه نفس منهج علماء الحديث في نقل الأخبار، أي: الإسناد، إلا أنه يختلف معهم في أمر مهمّ، إذ لم يقم بتخريج أو تعديل رواة الأخبار، ولذلك لم يتشدّد فيها تشدّد رجال الحديث. ١٢ - معرفة حق الصحابة -رضوان الله عليهم- وعدالتهم، فالصحابة عدولٌ بتعديل الله تعالى ورسوله ﷺ ، وهو اعتقاد أهل السّنّة والجماعة؛ فقد قال الله فيهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. هذا المنهج يجب أن يضعه الباحثون والدّعاة نصْب أعينهم في استقراء التاريخ، وتفهّم أحداثه وأخباره. ثانياً: السّيْر في الأرض، والتنقيب على آثار الأقدمين، وقراءة ما كُتب على حفريّاتهم، فهي لسان صدْق وتاريخ حق لمعرفة أحوالهم، والوقوف على أخبارهم، واستجلاء العبَر ممّا حلّ بهم ونزل بديارهم. وقد تحدّث القرآن الكريم في أكثر من آية، على قانون السّيْر في الأرض، والنظر في سِيَر الغابرين، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.

стр. 115

وقال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾. وتحدّث القرآن الكريم عن هلاك فرعون، ولفْظ البحر لجسده لِيُحفظ ويُحنَّط، ليكون عبرة لكلّ جبّار عنيد في كل زمان ومكان، قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾. ثالثاً: قَصص القرآن الكريم: يجب على الدّعاة أن يكونوا على علْم وبصيرة بقصص القرآن الكريم؛ فهو قَصص حقّ وشاهد صدْق على تاريخ وأخبار الأمم السابقة، وموقفهم من أنبيائهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وقد أمَر القرآن الكريم الرسول ﷺ : أن يقرأ عليهم قصص السابقين، وأخبار الماضين، فقال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. رابعاً: دراسة سيرة الرسول ﷺ دراسة مستفيضة، وأن يقتبس منها الدّعاة العظات والعِبَر؛ فهي تتناول مراحل الدّعوة، وأساليبها، ووسائلها، ونتائجها، في مكة

стр. 116

والمدينة. وبجانب ذلك، فيجب على الدّاعية أن يدرس الغزوات والفتوحات خلال تاريخ الإسلام، وأن يقف على أسباب انتصارات المسلمين، وأسباب هزيمتهم. هذه بعض المصادر الأصلية، والعلوم الشرعية، التي ينبغي أن يتزوّد بها الدّعاة إلى الله، لكي تتّسع معارفُهم وتنمو ثقافتهم؛ وبهذا ينفسح أمامهم ميدان الدّعوة وتكثر موضوعاتها، ويخرجون من دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى دائرة أشمل وأوسع. أمّا عن ثقافة العصر، ودراسة المذاهب والتيارات المعاصرة، فهذا موضوع المحاضرة القادمة -إن شاء الله-. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٢ - ثقافة الدّعاة إلى الله العلوم الاجتماعيّة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾. والصلاة والسلام على أشرف الخلْق وخاتم الرسل، الذي علّمه الله ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيماً. وبعد: هذا، وما يجب ملاحظته: أن الدّعاة إلى الله ليس لهم حدّ من الثقافة يقفون عنده، ولا يقتصرون على نوع من العلوم والمعارف لا يتجاوزونه؛ وإنّما هم بِحُكم عملهم، وبحجم الرسالة التي يقومون ويتشرّفون بحمل أعبائها ويتحمّلون تبعاتها، يجب عليهم أن يكونوا دائرة معارف واسعة متحرّكة، ومكتبةً علمية ثقافية متنقّلة، يجد كلّ شخص عندهم ما يحتاجه من أجوبة لما يدور في عقله من أسئلة عن الدِّين والدنيا، وأن يكونوا كماء النهر العذب الذي يروي ظمأ كلّ من يغترف منه. والأمر لا يقتصر على علوم الشريعة الإسلامية فقط، ولكن ينبغي أن يتّسع عقله وفكره وثقافته لِيشمل العلوم الإنسانية التي لها عميق الصّلة بجوانب الحياة الاجتماعية، ولا سيما في هذا العصر الذي تقدّمت فيه وسائل المواصلات والاتصالات، وأصبح العالَم قرية صغيرة يُسمع ويُشاهد ما يدور من أحداث في أنحاء المعموة لحظة وقوعه، وغدَتْ حدود الدّول وسماؤها مفتوحة على كلّ الثقافات والحضارات. ولم يَعُد في مقدور أيّ دولة مهما كانت قوّتها، أن توصد الحدود وتغلق الأبواب في وجه الغزو الفكري؛ فالقنوات الفضائية والبثّ الإعلامي المباشر يقتحم على

стр. 117

الناس بيوتهم، ويصل إلى مخادعهم، فضلاً عن التقنية العلْمية العالية، واستعمال كلّ وسائل التأثير على العقل، وكلّ عوامل الإغراء لتغيير السلوك. كل هذه الأمور تزيد مِن عبء الدّعاة، وتُلقي على عاتقهم مهمّة صيانة معتقدات الأمّة، والمحافظة على خصائصها الدينية وثوابتها الثقافية. والمعارف الإنسانية التي ينبغي للدّعاة أن يطّلعوا عليها وتكون لهم صلة وثيقة بها هي على النحو التالي: إنّ ممّا ينفرد به الإسلام، وتتميّز به شرائعه: أنه دين اجتماعي، يهتمّ بشؤون الناس، وينظّم كلّ أمور حياتهم، ويضع الضوابط الشرعية في شتّى مجالات الحياة، ومن ذلك: أ- مجال الأسْرة: اعتنى الإسلام بالأسْرة عناية خاصّة، وأوْلاها بالتشريعات والأحكام التي تحافظ على تماسُكها، وتصون روابطها. وجاءت النصوص من القرآن الكريم والسُّنّة تعالج ما يطرأ عليها من مشاكل. وقد أفاض الحق ﵎ والرسول ﷺ في بيان وتوضيح الأمور التالية: - الأسْرة ضرورة فِطْرية وحاجة إنسانية لا يستغني بشرٌ سويّ عنها، وهي سُنّة من سُنن الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾.

стр. 118

وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾. ٢ - حدّد الإسلام طبيعة العلاقة بين الرجُل والمرأة، وأنها لا تقف على مجرّد العلاقات الجنسية فقط، كشأن الذكورة والأنوثة في عالَم الكائنات الأخرى التي تقتصر العلاقة على لحظة مباشرة التلقيح فقط، ثم يمضي الذّكر والأنثى كلّ إلى حال سبيله، وقد يلتقيان في مرعىً واحدٍ أو على مورد ماء مشترَك فيتلاطمان ويتصارعان، وقد يركل ذكر الحيوان الأنثى التي لقّحها وحملت منه، فيُسقط ما في بطنها وهو لا يدري أن ما في أحشائها هو ابنه؛ وهذا ما آلت إليه العلاقة بين المرأة والرجل في الحضارة الغربية، حيث اقتصرت العلاقة بينهما على إرواء الشهوة الجنسية، ولو بعيدة عن أُطُر الزواج، ولو تعدّدت العلاقة مع أكثر من رجُل في وقت واحد، ممّا أدّى إلى اختلاط الأنساب، وإضعاف الصِّلات، وجعلها تتوقّف على مرحلة القوّة والفحولة للّرجل والأنوثة والجاذبية للأنثى. أمّا ما وراء ذلك من مراحل العمر المتقدّمة، فقد تنقطع صِلة كلّ منهما بالآخر، وأحياناً كثيرةً لا يعرف الرّجل أين مصير ابنه من ثمرة اللقاء المحرّم، وقد يتزوج من ابنته وهو لا يدري. أمّا الإسلام العظيم، فقد حدد الهدف من تكوين الأسرة، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وقد حدّد الإسلام العلاقة الفِطرية بين الرجل والمرأة، وجعَلها لا تتمّ إلاّ داخل إطار زواجٍ مشروع، مكتملٍ الأركان والشروط قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾.

стр. 119

ومن أجْل هذا، حرّم الإسلام تحريماً شديداً، ونهى نهياً قاطعاً عن أيّ علاقة قبل الزواج تحت أيّ مسمّى تعارفت عليه النظم الأوربية. ولكي يقطع الإسلام أي علاقة غير شرعية، حرّم الدوافع والأسباب التي تُؤدِّي إلى هذه الصِّلات الآثمة؛ فحرّم التّبرج والاختلاط، وأمَر بستْر العورة، وغضّ البصر، وعدم إبداء الزينة، إلا للزّوج ومحارم المرأة. ٣ - وضَع الإسلام قواعد الاختيار، وشروط كلّ من الزوج المحمود والزوجة المحمودة، فقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. وقال ﷺ : ((تُنكح المرأة لأرْبع: لِمالِها، ولِحسبِها، ولِجمالِها، ولِدينِها. فاظفر بذات الدِّين تَرِبَتْ يداك))، رواه البخاري. وعن الزوج، قال ﷺ : ((إذا أتاكم مَن تَرضَوْن دِينه وخُلُقه فأنكِحوه. إلاّ تفعلوا تَكُنْ فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير))، رواه الترمذي وقال: "حديث حسَن". وقد حذّر الرسول ﷺ من عواقب سوء الاختيار، أو التغاضي عن شرط الدِّين فقال: ((لا تَزوَّجوا النّساء لِحُسنِهنّ، فعسى حُسنُهن أنْ يُرْديَهنّ. ولا تزوّجوهنّ لأموالهنّ، فعسى أموالهنّ أن تُطغيَهنّ. ولكن تَزوَّجوهنّ على الدِّين؛ ولأمَة خرقاء سوداء ذات دين أفْضل))، رواه ابن ماجة. ٤ - وضَع الإسلام التشريعات والضوابط التي تضمن استقرار الأسْرة واستمرارها، فشرع ما يلي: أ- جواز نظَر كلٍّ منهما للآخَر، لقوله ﷺ : ((إذا خطَب أحدُكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه لِنكاحها فلْيفْعلْ!)).

стр. 120

وقال ﷺ للمغيرة بن شعبة: ((انظرْ إليها، فإن هذا حريٌّ أن يُؤدَم بينكما)). ب- وجوب الصّداق، قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾. ج- وجوب استكمال أركان الزواج، وذلك بتحقّق الشروط التي وصَفَها الإسلام وهي: المهر، وليّ الزوجة الذي يتولّى عقد النكاح، شاهدا عدْل، الإيجاب والقبول، الإعلان. وله مظاهر شرعية حدّدها الإسلام، ومنها: إعلامه، وعقده في المساجد، اللهو البريء البعيد عن مظاهر الموسيقى والغناء الذي يثير الغرائز ويُحرّك كوامن الشهوات، إقامة وليمة للأهل والأصدقاء دون سرف أو خيلاء. ٥ - حدّد الإسلام حقوق وواجبات كلّ من الزوج والزوجة على الآخَر. فللزوجة: أ- حقّ النفقة وفْق إمكانات الزوج، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾. ب- حُسْن المعاشرة، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾. ج- عدم تتبّع العثرات، والتغاضي عن الهفوات، إلاّ عن شيء قد حرّمه الله، أو أتتْ من الأفعال القبيحة التي تتنافى وحرمة الأعراض، قال ﷺ : ((لا يفرك -أي: يبغض- مؤمن مؤمنة، إن كَرِه منها خُلُقاً، رضي منها آخَر)). ٦ - وضَع الإسلام التشريعات التي تصون الأسرة، وتحميها من التّصدّع، ومن ذلك:

стр. 121

أ- النهي عن سوء معاملة كلّ منها للآخَر. ج- حُسن رعاية كلّ منهما للآخَر. د- أن لا يترك الزوج لزوجته الحبْل على الغارب، ولا يمنحها الحُرّية المُطلَقة، وفي نفس الوقت لا يضيِّق عليها الخناق، وأن لا يسيء بها الظن وتتملّكه الشكوك. هـ- حرمة دخول غير ذوي المحارم على النساء. وحرمة مصادقة الرجال الأجانب، والاختلاط المثير للفتنة والشّبهة. ز- حرمة إبداء الزينة إلاّ للزوج. ح- يجب على وليّ الأمر والمجتمع مَنْع كلّ ما يسيء للعلاقة بين الزوجيْن، وأن يَمْنع التحريض على إفساد العلاقة بينهما، تحت دعاوى حُرّية المرأة وحقوقها ومساواتها بالرجل؛ فهذه أمور لا يراد منها إلاّ إفساد العلاقة الفطرية بينهما، وتحطيم الأسرة وانهيارها، فينشأ جيل فاقد الحنان، ضعيف الانتماء، فيسهل السّيطرة عليه وعلى وطنه. ٧ - عالج الإسلام تصدّع الأسرة بما جاء في القرآن الكريم، بتدرّج وسائل الإصلاح على النحو التالي: قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. وهؤلاء لا مشاكل بينهم ولا خوف عليهم، إذ كلّ من الزوجين يعرف ما له من حقوق وما عليه من واجبات.

стр. 122

أمّا من ساءت العلاقة بينهما وبدت بوادر تصدع الأسرة وانهيارها، فقد وضحت الآية وسائل العلاج، فقال تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً * وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾. فإذا فشلت كلّ المحاولات، وأصبحت الحياة جحيماً لا يُطاق، وأصبح لا مفرّ من الفُرقة، فشرَع الإسلام الطّلاق، ووضع له الضوابط التي تصون حقوق الزوجية، وأتاح فُرص الرجعة في الطلاق خلال مرتيْن أثناء العدّة، وبعدها بعقد ومهر جديد. هذا عرْض موجَز لصيانة الإسلام للأسرة، وفي ذلك حفْظ للمجتمع، وتوثيق لعُرى التّواصل والتراحم. وعلى الدّعاة: وجوب الاهتمام بحقوق الأسْرة وواجباتها، وأن يكونوا على فقه بأحكام الزواج والطلاق، وعلى بصيرة وثقافة بكلّ ما يتعلّق بأحوال الأسرة في الإسلام في كل جوانبها من علاقة الأبناء بالآباء، ووجوب مراعاة صِلة الرّحِم، وكذلك العلاقات الاجتماعية وما ينتج عن هذه العلاقات من قضايا وأمور يجب على الدّاعية أن يعالجها على ضوء القرآن الكريم والسّنّة النبوية، والأحكام الشرعية التي تُنظّم ذلك. ولن يتسنّى هذا إلاّ بمزيد من العلْم والاطّلاع والثقافة، والانفعال والاهتمام بشؤون الأسْرة في الإسلام. وإنّ ما ذكرناه من ذلك ما هو إلاّ تعريف مُجمَل وبيان عامّ يضيق المقام عن بسْطه، وتوجيه للدّعاة أن يُولوا اهتمامهم بقضايا الأسْرة، لا سيما هذه الأيام التي تُوجَّه فيها سهام الأعداء للأسرة المسلمة لهَدْم خصائصها التي تنفرد بها وتتميّز عن الأمم الأخرى.

стр. 123

ب- مجال الاقتصاد: الجوانب الاقتصادية من الأمور الضرورية في حياة المجتمعات، وهي من أكبر عوامل الصّراع بين الأمم؛ فمن أجل الاقتصاد نشأت حروب، ودُمِّرت دُوَل، واندثرت حضارات. الاقتصاد يُثير قلق السّاسة والزعماء، ويؤرّق عقول العلماء والمفكِّرين، وهذا أحد أسباب التّوتر والقلق في الأمم، ومن عوامل الثورات والفتن بين الشعوب. والاقتصاد في الفكر الإسلامي له مكانة متميّزة، وله بين أحكام الشريعة الإسلامية فرائض وواجبات ونظم مقنّنة من خلال ما جاء في الكتاب والسُّنّة، وفِكر سلَف الأمّة وخلَفِها. وسوف يتناول هذا المبحث النقاط التالية: أولاً: تعريف الاقتصاد: "الاقتصاد" في اللغة معناه: القصد، أي التّوسّط والاعتدال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾، وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾. وقول الرسول ﷺ : (( ... ولا عالَ من اقتصد))، رواه الطبراني في الأوسط. وعرّفه العزّ بن عبد السّلام بأنه: "رتبهٌ بين رُتبتيْن، ومنزلة بيْن منزلتيْن". الأولى: هي التّفريط -التقصير-، والثانية هي الإفراط -الإسراف-. وللاقتصاد في الإسلام أمثلة كثيرة، منها: عدم الإسراف في استعمال المياه والاقتصاد فيها، ولو كان الإنسان على نهر جارٍ، والاقتصاد في العبادة، وفي الموعظة، والأكل والشرب، والنّفقة؛ والأدلة على ذلك من القرآن والسُّنّة كثيرة.

стр. 124

وقد ربَط الله بين الجانب الاقتصادي في الإسلام -من خلال فريضة الزّكاة- وبين العقيدة الإسلامية، وهذا يمثل جانباً هاماً من مكوّنات الإسلام وخصائصه العقائدية والتشريعية. ويمكن توضيح الأسُس العقائدية للإسلام فيما يلي: أولاً: الإنسان بوجه عام مستخلَف في الأرض، لعمارتها واستثمار خيراتها، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾. ثانياً: إن الأرض خاصّة والكون عامّة مُسخّر للإنسان ومُذلَّل له، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. ثالثاً: إنّ تسخير الأرض للإنسان يقتضي انتفاع البشَر بما خلَق الله في الكون، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. رابعاً: إنّ السّعي في طلب الرزق، والانتفاع بما خلَق الله، ليس غاية في حق ذاته، وإنما هو وسيلة ضرورية تقتضيها طبيعة الإنسان وفِطْرته، وأنّ الغاية: إرضاء الله بعمل الخير، وشكْره على نِعَمه، ومراعاة حقوقه، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْض ِ﴾.

стр. 125

وفي الحديث قال ﷺ : ((نِعْم المالُ الصّالح للرّجُل الصّالح!)). وقال ﷺ : ((تعِس عبْدُ الدِّينار، تعِس عبْدُ الدِّرهم، تَعِس عبْدُ القطيفة)). خامساً: استخلاف الله للإنسان عامّ لبني البشر جميعاً، وتسخير الأرض للإنسانية كلّها دون تخصيص. سادساً: ما يقتنيه الإنسان نتيجة للكسب الماليّ لا يعطي صاحبَه امتيازاً خاصاً، كما أن فقدانه لا ينقص من قَدْر الإنسان، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. سابعاً: يتحمّل كلّ إنسان نتيجة عملِه ونشاطه، وهو مسؤول أمام الله، كما قال رسول الله ﷺ : (( ... وعن ماله مِن أين اكتسبه وفيما أنفَقَه)). وهناك مسؤولية مدنيّة في العقود والمعاملات، يتولى تنظيمها وليّ الأمر، بشرط أن يكون هذا التنظيم في حدود ما شرَعه الله، وأن لا يُباح من المعاملات ما أجمعت الأدلّة على تحريمه، كالربا، والغش، والاحتكار، وأكْل أموال الناس بالباطل. هذه الأسس تجعل النشاط الاقتصادي في المجتمع المسلم مرتبطاً بعقيدة الإسلام. الأسس الأخلاقية للاقتصاد في الإسلام: ينضبط الاقتصاد في الإسلام بضوابط أخلاقية يتفرّد بها ويتميّز عن غيره. ومن هذه الأسس: أولاً: الاستغناء عن الغير، وكفّ الإنسان نفسه وأسْرته عن الحاجة وذلّ المسالة، أمْر شرعيّ وواجب دينيّ؛ فعن حكيم بن حزام ﵁، أن النبي ﷺ قال: ((اليدُ العُليا خيرٌ من اليد السفلَى. وابدأ بِمن تعول. وخير الصّدقة عن ظهر غنىً. ومن يسعفِفْ يُعفّه الله، ومن يستغْنِ يُغْنِه الله))، رواه الشيخان.

стр. 126

وعن أبي عبد الله الزبير بن العوام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لأنْ يأخُذَ أحدُكم أُحبُلَه ثم يأتي الجبَل، فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها، فيكُفَّ الله بها وجْهَه، خيْرٌ له من أن يسأل الناس، أعطَوْه أو مَنَعوه))، رواه البخاري. ثانياً: نفْع العباد بعضهم لبعض هدفٌ إسلاميّ نبيل، قال ﷺ : ((ما مِن مسلمٍ يَغرس غرساً أو يَزرع زرعاً، فيأكل منه إنسان أو دابّة أو طير، إلاّ كان له به أجْر)). ثالثاً: أن يكون العمل مشروعاً غير مُحرّم، كالتنجيم، والسّحر، وبيع الخمر ... إلخ. رابعاً: أن لا يكون في العمَل أو السِّلعة إضرار بالناس، كالمخدّرات وغيرها ... ومن خلال هذه الأسس العقائدية والأخلاقية للاقتصاد الإسلامي، تتضح النتائج التالية: ١ - أنّ الإسلام يقف من النشاط الاقتصادي النّافع موقف الحارس له، والحاثّ والمُحرِّض على تفعيله في المجتمع. ٢ - يعتبر الإسلام الفقر مصيبةً يجب التّخلّص منه؛ ومِن دعاء الرسول ﷺ : ((اللهمّ إني أعوذ بك من الكُفر والفقْر))، ومن دعائه ﷺ : ((اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنّه بئْس الضّجيع)). ٣ - إن الأسس الاعتقادية والأخلاقية تولِّد في النفس دوافع أخلاقية إنسانية، وتجعل الحياة الاقتصادية منسجمة ومتوافقة مع الحياة الدينية، وتُشعر الإنسان بالرِّضى والشكر في حالة الكسب، وبالحمد والصبر في حالة الخسارة.

стр. 127

وبجانب ما ذكرناه، فهناك موضوعات هامّة في الفكر الإسلامي المتعلّق بالاقتصاد، على الدّعاة أن يكونوا على إلمام بها، وأبواب الفقه الإسلامي زاخرة بما يفي بحاجة المسلمين في هذا الجانب. ولقد ظهرت في هذا العصر ما يُعرف بالاقتصاد الإسلامي، وقد قيّض الله له العلماء والمفكِّرين الذين وضعوا قواعده وفْق الشريعة الإسلامية، ونظّموا له اللوائح التي تساعد على إظهار النشاط الاقتصادي من خلال الإسلام، وأقيمت المصارف الإسلامية، وأنشئت البنوك التي تنأى عن الربا ولا تتعامل به، وتبني قواعد الاستثمار على أسُس إسلامية. وقد لقي هذا التوجّه للاقتصاد الإسلامي حرباً شعواء من أعداء الإسلام، وحاكوا من حوله المؤامرات، وأثاروا الشكوك والشبهات، وأطيح برجاله، وجُمّدت أنشطته في كثير من الأقطار بدعوى أنه يُموِّل الإرهاب. هذا الجانب الهام في حياة الأمّة، ينبغي على الدّعاة إلى الله أن يكونوا على علْم بأصوله، عارفين بنُظمه وقوانينه، لكي يستطيعوا بالثقافة الواسعة أن يصبغوا النشاط المالي والاقتصادي في المجتمع بصبغة الإسلام، وأن يعرِف رجالُ المال والتجارة من خلال الدّعاة كيف يُنظِّم الإسلام موارد الأمّة، وأنه يحضّ على العمل والإنتاج، ويُحرِّم البطالة والكسل، وينهى نهياً شديداً عن التربّح من طريق حرام، وأنّ الإسلام يقيم علاقات متوازنة بين صاحب العمل والعاملين لديْه، وأنّ لكلّ من الطرفين حقوقاً وواجبات تجاه كلٍّ منهما للآخَر نظّمتْها الشريعة. كما أنّ النظام الاقتصادي في الإسلام، وفي مقدّمته فريضة الزكاة، تكفي بحاجة المعوزين في المجتمع، وتُزيل الحقد الاجتماعي بين الأغنياء والفقراء، وتذيب الفوارق بين طبقات الأمّة.

стр. 128

ومن خلال ميادين الدّعوة إلى الله، يستطيع الدّعاة أن يحملوا أصحاب المال ورجال الأعمال على استثمار أموال الزكاة وصدقات التطوع في مشاريع يعود خيرُها ونفعُها على الجهات المستحقّة للزكاة، والتي ذكَرها القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. إنّ على الدّعاة واجباً شرعياً وفرْضاً دينياً لإبراز الفكر الإسلامي في مجال النشاط الاقتصادي، وسوف يُسألون أمام الله إن هم قصّروا أو تقاعسوا عن هذا الميدان. ج- النظام السياسي في الإسلام: الإسلام نظام يشمل كلّ ما يتعلّق بالإنسان، ولا يوجد جانب من جوانب الحياة البشرية ليس للإسلام فيه رأي، ولا تخلو نصوص القرآن والسُّنة من تشريع يحفظه ويصونه وفْق شرْع الله. وإنّ النظام السياسي في الإسلام له مكانة متميّزة؛ فقيام الدولة بسلطاتها: التشريعية، والقضائية، والتنفيذية، تحظى بين ظلاله بالعناية والرعاية، وكمال التشريع الذي يتلاءم مع الفِطرة، ويتوافق مع سُنن الله في العلاقات الاجتماعية التي توجب قيام نظام يصون العقيدة ويحمي الحريات في إطار ما شرَعه الله، ويُحقِّق العدل والأمن للأمة. ولا يمكن بحال من الأحوال فصْلُ الدِين عن الدولة، ولا إبعادُ نُظُم الله عن توجيه دفّة الأمور. والحُكم في الإسلام ليس غاية في حدِّ ذاته، ولا مطمعاً يتنافس الناس عليه، ويتصارعون ويتقاتلون للوصول لسدّتِه، وإنّما هو وسيلة لتحقيق الأهداف التالية:

стр. 129

- أولاً: إقامة العدل بين الناس، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. ثانياً: حماية الضعفاء، وكفاية العاجزين، ونُصرة المستضعَفين، وردْع الظالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾. ثالثاً: حماية عقيدة الإسلام، وتحرير الإنسانية مِن كلِّ مظاهر العبوديّة لغير الله. رابعاً: تأمين الوطن والمواطن من العدوان العسكريّ والغزو الفكري، يقول ﷺ : ((كلّكُم راعٍ وكلّكُم مسؤول عن رعيَّتِه. الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيّته. والرّجُل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيّته ... )) الحديث، متفق عليه. ويقول ﷺ : ((إنّ الله سائل كلِّ راعٍ عمّا استرعاه، حفِظ أمْ ضيَّع)). خامساً: تنظيم موارد الدولة، وتحقيق تكافؤ الفُرص بين أبناء الوطن، وتحقيق التكافل الاجتماعي. سادساً: المحافظة على ضروريات الإنسان الخمْس: الدِّين، النّفْس، العقل، النّسل، المال. وقد وضع الإسلام الأسس التي يُختار عليها الحاكم وهي:

стр. 130

١ - العقيدة. ٢ - العلْم. ٣ - الأخلاق. ٤ - الخِبرة السياسية. ٥ - مشاورة أهل الحلّ والعقد. وقد وضَع الإسلام واجباتِ وحقوقَ كلٍّ من الرّاعي والرّعية، وفْق ما جاء في الكتاب والسُّنّة وفِقْه سلف الأمّة. وعلى الدّعاة أن يكونوا على علْم بالجانب السياسيّ في الإسلام، وأن يقفوا على أركانه وقواعده ونُظُمه، فالدعاة هم مرآة الأمّة التي يُرى فيهم آمالها وطموحاتها. وإنّ دوْرهم لا يقف على كلمات الوعظ والإرشاد فحسب، ولكن هم أوْلى الناس بالشعور بنبضها وخفقان قلبها بما تحْمله من مشاكل وهموم، حيث تجد في الدّعاة الملاذ والأمن والبلسم الشافي لآلامهم وقضاياهم. ولن يتسنّى لهم ذلك إلاّ بالاطّلاع والتزوّد بالعلوم والمعارف. أنواع الثقافات الأخرى: بجانب ما ذكرناه في المحاضرات السابقة عن مصادر الثقافة في الإسلام، ووجوب أن يجدّ الدّعاة في تنمية عقولهم وتوسعة مداركهم من العلوم الشرعية وغيرها من العلوم الإنسانية، فإن ممّا ينبغي أن يطّلع عليه الدّاعية ويجهد نفسه في تحصيله: الموضوعات التالية:

стр. 131

أولاً: دراسة المذاهب الفكريّة المعاصرة والتيارات الثقافية الواردة، والتّعرّف على أسسها ومبادئها وأخطارها على الإسلام. ثانياً: دراسة واعية للثقافة الغربية، وما تحمل بين ثناياها من معاول الهدم لخصائص الإسلام وثوابته. ثالثاً: رصْد حركة الإعلام العالمي، وتوجّهاته، ومكامن الخطر في برامجه. رابعاً: الوقوف على أسباب نزعات الغلوّ والتّطرّف بين بعض أبناء المسلمين. خامساً: دراسة أحوال المجتمعات، والوقوف على عاداتها وتقاليدها، وأن توزن بميزان الإسلام. سادساً: دراسة قضايا الشباب والمرأة، في ظلال الإسلام وهدْيه، ودرء الشبهات التي تُثار حول المرأة في الإسلام. سابعاً: الوقوف على الشّبُهات والافتراءات والمزاعم التي تُطلَقُ على الإسلام وعقائده ونُظمه، للرّدّ عليها وتفنيدها. بهذا التكوين العلْمي، والإعداد الفكري، والثراء الثقافي، يستطيع الدّعاة أن يُؤدّوا دوْرَهم على الوجه الأكمل، ويشعر الناس بهم، ويلتفّون حولهم، ويتّبعون إرشاداتهم. وبذلك تنهض الأمّة، وتستيقظ على دعوة الدّعاة، قال تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَاب ٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 132

الدرس: ٦ قواعد الإفتاء، وشروط إصدار الفتوى .

стр. 133

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس (قواعد الإفتاء، وشروط إصدار الفتوى) ١ - قواعد الإفتاء، وشروط إصدار الفتوى تعريف الإفتاء في اللغة والاصطلاح بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي بفضله تَتمّ الصالحات، وبتَوفيقه تُزكَّى الأعمال وتُرفَع الدرجات، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، يُؤتي الحِكمة من يَشاء، ومَن يُؤت الحِكمة فقد أوتي خَيراً كثيراً وما يذَّكر إلاّ أولو الألباب. والصلاة والسلام على أشرف الخلْق وخاتم الرسل، وعلى آله وأصحابه الذين تفقّهوا في دين الله، وبلَّغوا دَعوته، فكانوا خَير دُعاة لها وأمناء عليها. أما بعد: فهذه المحاضرة الثلاثون، نختم بها -إن شاء الله- محاضرات المستوى الأول لِمادة "أصول الدّعوة وطُرقها"، وقد تقدّمتها محاضرات عن التعريف بالدّعوة إلى الله، وعن مَدى حاجة الإنسانية إليها. ثم تناولت قواعد الأمر بالمَعروف والنّهي عن المُنكر، ثم عرَّجت المحاضرات على أخلاق الدّعاة وما يَجب أن يتحلّوا به من فضائل، وما ينبغي أن يتزوّدوا به من علوم شرعيّة ومعارف إنسانية، وثقافة واسعة تَشمل كلّ ما يتعلّق بالأمّة الإسلامية. ووجوب وجود الدّاعية المُفتي الغَرض من هذه المحاضرة: - الانتقال بالدّاعية من دائرة الوعْظ والإرشاد والأمر بالمَعروف والنهي عن المُنكر فقط، إلى دَائرة أوسع وأشمل، وهي: دائرة الدّاعية الفَقيه المُجتهد، الذي يُفتي الناس على عِلْم وتَمكّن من أحكام الشريعة، والذي يَجمع بين فضيلتَيِ الدّعوة والفتوى، حيث يُحرِّك عواطف الناس بحُسن بيانِه ورَوعة أدائه، وفي نَفس الوَقت يُفقِّهُهم في أمور دِينهم، ويُجيب على تساؤلاتهم، ويُساهِم مساهمة فعّالة بربط الموضوعات الدّعويّة بالقضايا الفِقهية. وبهذا ينال شرَف القيام بأحسن عمل، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. - وأن يَتحقّق له ما أخبر به الرسول ﷺ من خَير يناله بالتَّفقه في دين الله، حَيث قال: ((مَن يُردِ الله به خَيراً يُفقِّهْهُ في الدِّين)). - وليَسير الدّعاة على نَهج عبد الله بن عباس ﵄، حينما دعا له ﷺ : ((اللهمّ فَقِّهْهُ في الدِّين، وعَلِّمْهُ التّأويل)). تعريف "الإفتاء" في اللغة والاصطلاح: جاء في "لسان العرب" لابن منظور: أفتاه في الأمر، أي: أبانه له، وأفتاه في المسألة، يُفتيه: إذا أجابه. والاسم: "الفَتوى". واستفتيْتُه فأفتاني إفتاءً. و"الفَتوى": اسم يُوضع مَوضع الإفتاء. و"الفَتوى" و"الفُتيا": ما أفتى به الفَقيه.

стр. 134

وممّا تقدّم، نَعلم أنّ "الاستفتاء" في اللغة يَعني: السّؤال عن أمْر، أو عن حُكم مسألة. وهذا السائل يُسمى: "المُستفتي"، والمَسؤول الذي يُجيب هو: "المُفتي"، وقيامه بالجَواب هو: "الإفتاء"، وما يُجيب به هو: "الفَتوى". فالإفتاء يَتضمن وجود: المُستفتِي، والمُفتِي، والإفتاء نَفسه، والفَتوى. أما تَعريف "الإفتاء" في الاصطلاح، فلا يَخرج عن التَّعريف اللّغوي. أهمِّيّة الإفتاء: إن القِيام بالدِّين، وأداءَ شعائره، وتَطبيق أحكامه، يَنبغي أن يكون على عِلْم وبَصيرة وفَهْم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. فالعِلم والبَصيرة يُؤدِّيان إلى الفَهْم العَميق لأحكام الإسلام، وتَذوُّق حَلاوة الإيمان، والاقتناع التام بما يقوم به من عِبادات، والرِّضى بما أمر الله به ونهى عنه. قال ﷺ : ((ذاق طعْمَ الإيمان: مَن رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمّدٍ ﷺ نبياً ورسولاً)). فالرضى لا يتأتّى إلاّ من خِلال الفَهْم الدَّقيق، والتّعرُّف على حِكمة التَّشريع. وإذا تمَّ هذا، فإنّ المُسلم الحَق هو الذي يُؤدِّي الشعائر الدِّينية على أنها طاعة وعِبادة، تَتّسم بصِدق النِّية والإخلاص في العَمل، وعلى أنّ ما يَقوم به هو عِبادة لا عادة. أما حينما يَجهل بعضُ المُسلمين أحكامَ الدِّين، ويُقلِّدون غَيرهم دون تَدبّر وتَفقّه، حَيث تُؤدّى العِبادات على أنها عادة مَوروثة وتَقليدٌ مُتَّبع، ممّا يُفقِدها حرارة الإيمان، وصِدق العاطفة، وحلاوة الطاعة، وتُصبح غير ذات تأثير، لافتقارها للفَهْم الصحيح. وإنّ أحد أسباب جُمود الأمّة وتَقهقرها الحضاري: فقدانها لِروح الجِهاد في سبيل الله لتحقيق عِزّتها وكَرامتها بين الأمم، وتوقّف وغَلْق باب الاجتهاد لحلّ قضاياها، وسَيطرة التَّقليد عَليها.

стр. 135

ولكي نقف على أهمّيّة وجود الدّاعية المفتي، والعالِم المُجتهد، فينبغي أن نقف على حقيقة التقليد وموقف الإسلام منه. تعريف "التقليد" في اللغة: مأخوذ من قولهم: "قلّد الرجُل المَرأة تَقليداً"، أي: جَعل القِلادة من عُنقها. ومنه قول الشاعر: قلَّدوها تمائِماً ... خَوْف واشٍ وحاسِد ومنه تَقْليد الهَدي، إذَا جَعل له شعاراً يُعْرف به أنه هَدي، فيَمتَنع الناس عَنه. ويقال: "قلَّد السلطانُ فُلاناً للعَمل"، أي: فوضه إليه، فكأنه جَعله قِلادة في عُنقه. ويقال: "قلَّد البَعير" إذا جعل في عُنقه حَبلاً يُقاد به. ويقال: "قلَّد القِردُ الإنسانَ" إذا حاكاه في حَركاته وتَشبّه به. وممّا تقدّم، يتَّضح أنّ المَعنى اللّغوي للتَّقليد، يُستَعمل في عِدّة معانٍ: منها: الإحاطة بالعُنق، ومنها: الشِعار والعَلامة، ومنها: التَّفويض، ومنها: المُحاكاة والمُشابهة. تعريف "التَّقليد" اصطلاحاً: عُرّف بعِدّة تَعريفات، منها: ١ - اتّباع الإنسان لغَيره فيما يقول أو يفعل، مُعتقداً للحَقِّية فيه، من غير نَظر وتأمّل في الدليل، كأنّ هذا المُتتبِّع جعل قَول الغَير أو فِعلَه قِلادة في عُنقه. ٢ - قَبول قول الغَير بلا حُجَّة ولا دَليل.

стр. 136

٣ - قَبول قَول الغَير من غير حُجَّة مُلزِمة. ٤ - أخْذ قَول الغَير من غير مَعرفة دَليله. وهذه التَّعريفات الاصطلاحية -على تَعدّدها- تتّفق على أنّ التَّقليد: أخْذ القَول والعَمل به، ومتابَعة صاحبه فيه، وتَقلّده كما تتقلَّد القِلادة في العُنق، أو السَّيف أو الوشاح، من غير اهتمام بالدليل الذي دلَّ عليه. الفَرْق بين الاتّباع والتَّقليد: يَرى البَعض أنه ليس ثَمَّة فَرْق بين كلٍّ من الاتّباع والتَّقليد، ويَخلط بين مَفهومَيْهِما؛ ولكن في الحَقيقة هناك فَرْق بينهما يتَّضح من خِلال التَّعريف اللّغوي والاصطلاحي لِـ"الاتّباع". "الاتّباع" لغة: مأخوذ من "تَبِع يتْبَع"، إذا مَشى خَلْفه، أو مرَّ به فمضى مَعه. والمُصلِّي يتْبع إمامَه، أي: تالٍ له في أفعاله. وتتابعت الأخبار: جاء بعضها إثْر بعْض. وتتبعت أحواله: طَلبْتها شَيئاً بعد شيء في مُهلة. ويقال: تَبِعه واتّبعه: قفا أثَرَه وسار وراءه، سواء كان السّيْر حِسِّياً أو مَعنوياً. فالمعنويّ يكون بالائتمار، يقول تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً﴾. والحِسّ بمعنى: اللّحَاق، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾. وأكثر ما ورد في القرآن الكريم: استعمالُه في المعنى المَعنويّ.

стр. 137

و"الاتّباع" في الاصطلاح: الائتمار بما أمّر الله تعالى به ورسوله ﷺ ، وتَرَسُّم أفعاله وأحواله ﷺ ، للاقتداء به. وقد قيل في الفَرْق بين "التَّقليد" و"الاتّباع": أنّ التَّقليد معناه في الشّرع: الرُّجوع إلى قَولٍ لا حُجّة لقائله عليه؛ وذلك ممنوع في الشريعة. والاتِّباع: ما ثَبت عليه حُجّة. وقيل في الفَرق أيضاً: كلّ من اتّبعْتَ قولَه من غير أن يَجب عليك قَبولُه لدليل يُوجب ذلك، فأنت مُقلِّده؛ والتَّقليد في دين الله غير صحيح. وكلّ مَن أوجب عليك الدليل حين اتّباع قوله، فأنت مُتّبعُه؛ والاتّباع في الدِّين مُسوَّغ، والتَّقليد مَمنوع. موقف الإسلام من التَّقليد: ورَد النّهي عن التَّقليد في أكثر من مَوضع في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾. وقد أمَر القرآن الكريم بالابتعاد عن التقليد، ووجوب الرجوع إلى الدّليل من القرآن والسُّنّة، قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. وقد نهى الأئمة عن التَّقليد. يقول الإمام الشافعي ﵁: "مَثَل الذي يَطلُب العِلْم بلا حُجّة كمَثل حاطِب ليْلٍ، يَحمل حِزمة حَطب وفيه أفعى، تَلْدغه ولا يَدري".

стр. 138

وقال أبو داود: "لا تُقلِّدْني، ولا تُقلِّد مَالكاً، ولا الثَّوري، ولا الأوزاعي، وخُذ من حَيث أخذوا". وقد قيل لأبي حنيفة: "إذا قُلتَ قَولاً وكتابُ الله يُخالِفه؟ قال: اتركوا قَولي لكتاب الله. فقيل له: إذا كان خَبر رسول الله ﷺ يُخالفه؟ قال: اتركوا قَولي لِخَبر رسول الله ﷺ . فقيل له: إذا كان قول الصحابة يُخالِفه؟ فقال: اتركوا قَولي لِقول الصحابي". وروي عن الإمام مالك ﵀ قوله: "إنما أنا بَشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي: فما وافق الكتاب والسّنّة فخُذوا به، وما لم يُوافِق الكتاب والسّنة فاتركوه". وقال أبو الفَرج ابن الجَوزي: "في التقليد إبطال لمَنفعة العَقل، لأنه خُلِق للتّأمّل والتَّدبّر. وقَبيح بمَن أُعطِيَ شَمعة يَستضئ بها، أن يُطْفئها ويَمشي في الظُلمة". وهكذا حينما تخلّص علماء السّلف ومَن اقتفى أثَرهم عَبر تاريخ الأمّة، من رِبقة التَّقليد، وتحرروا من قَيْد التَّبعيّة، وانطلقوا في رياض الكتاب والسُّنّة وأقوال صحابة رسول الله ﷺ ، وتتّبعوا الأدلّة ووازنوا بينها، فرجّحوا أقواها وردُّوا ضعيفها، فاستطاعوا أن يَستَنبطوا الأحكام الشَّرعية، ويَضعوا أُسُس وقَواعِد عِلْم الفِقه وأصوله، ودُوِّنت مُؤلَّفاتهم وآراؤهم التي كانت شَمساً ساطِعة في سماء الحضارة الإسلامية. ونظراً لانتشار الأمِّيّة الدِّينيّة بين المُسلمين، وشيوع الجَهل بأحكام الدِّين، وانشغال عُموم الأمّة بدنياها وأحوال مَعيشتها أكثر من انشغالِها بأمور دِينها، فاستسهلوا التَّقليد واستصعبوا التَّفكير؛ لِذا يَجب على الدُّعاة أن يَستجمعوا شُروط الإفتاء، فهم الآن أهلُ الذِّكر الذين أمَر القرآن بالتّوجّه إليهم والاستفسار منهم، كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾.

стр. 139

شروط إصدار الفَتوى وآداب المُفتي والمُسْتفتي وقد وَضع الفقهاء شُروط المُفتي، وهو: الشَّخص الذي يَتولّى الإفتاء. والشروط التي يَجب أن تَتوافر فيه هي: الشرط الأوّل: الإسلام: وهذا شرْط جَوهريّ وأساسيّ ومَنطقيّ؛ فإن غير المسلم، أياً كان عِلْمه، فلا يُؤتمَن على الإسلام. ويَتحقّق الإسلام بالإقرار بأركان الإسلام والإيمان، كما جاء في حديث جبريل ﵇، وأن لا يَقوم مَن يَطلب الإفتاء بأعمال تُخلّ بالإسلام، أو تُنقص من المُروءة، وأن لا يُشتَهر عَنه أنه من أرباب البِدع والخُرافات، أو ممَّن يُشاع عن فِكره: الزَّندقة، والعلمانية، والإلحاد. الشرط الثاني: البُلوغ والعَقل: يَجب أن يَكون المُتصدِي لرسالة الإفتاء ذا عَقل ناضِج، وفِكر ثاقِب، ورأي حَصيف، يَستطيع من خِلاله أن يَجمع الأدلّة، ويُرجّح بين الآراء، ويستنبط الأحكام؛ ولذلك كان مِن شرط التكليف: أن يكون المسلم بالغاً عاقلاً، ولا يكفي أحدُهما بدون الآخَر. وما عُلم عن أحد جلَس للإفتاء قبل البلوغ. قد يروى الحديث وهو دون البلوغ، لأن هذا يعتمد على الحفظ وقوّة الذاكرة، كمن يجيد حفْظ القرآن وهو دون العاشرة، أمّا الإفتاء، فيقوم على الفهم الدقيق، وإدراك معاني الشريعة، والوقوف على حِكمها.

стр. 140

الشرط الثالث: العدالة: وهي هيئة يكون عليها المسلم، ومِن لوازمها: - فعْل ما أمَر به الشارع الحكيم، وترْك ما نهى عنه، واجتناب ما يُخلّ بالمروءة ويوقع الظنون والشكوك به. - وأن تكون أخلاقُه وسلوكه صورةً لما عليه علماء الإسلام؛ فلا يُشتهر عنه أنه مُرتكب لكبيرة، أو مصرٌ على صغيرة، أو يُجالس ساقطي المروءة، أو يُصادق ناقصي العدالة. - وأن لا يكون من أصحاب التأويلات الفاسدة، والآراء التي تتصادم مع معتقدات الشريعة وثوابتها المقدّسة. ويُلحق بساقطي المروءة والعدالة: أولئك البعض الذين يزعمون أنهم مفكِّرون إسلاميّون، وتتبارى القنوات الفضائية في استضافتهم لبثّ أفكارهم السمومة ... فمنهم من ينال من النص القرآني، ويزعم -افتراء وبهتاناً- أنّ بعض أحكامه وتشريعاته تُمثِّل مرحلة زمنيّة انقضتْ ولا تصلح لهذا الزمان. ومِن طاعنٍ في السنة النبوية وأدلّتها. ومِن لامز وغامز في صحابة رسول الله ﷺ بدعوى انطلاقة الفكر، وحُرية البحث. وهم بهذا يهدمون ثوابت الأمّة، ويُشكِّكون في خصائصها، ويطعنون في ثقافتها. وللأسف، يُطلق عليهم: أنهم مفكِّرون إسلاميّون. والأوْلى أن يُطلَق عليهم: أنهم مخرِّبون إسلاميّون، وأن خطرهم لا يقل خطراً على مَن جعل الغلوّ ديدَنه والتّطرّف طبيعته.

стр. 141

الشرط الرابع: الاجتهاد: تعريف "الاجتهاد" في اللغة: بذل الجهد، واستفراغ الوسع، في تحقيق أمْر من الأمور الشّاقّة، سواء كان في الأمور الحِسّية كالمشي والعمل، أم في الأمور المعنوية كاستخراج حُكم أو نظريّة عقلية أو شرعية أو لغوية. تعريف "الاجتهاد" في الاصطلاح: هو: ملَكة يُقتدر بها على استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلّتها التفصيلية. حِكمة مشروعية الاجتهاد: من خصائص الشريعة الإسلامية: أنها خاتِمة الشرائع السماوية، وأنّ أحكامها شاملة وعامّة، صالحة لكلّ زمان ومكان، وأنها تحمل بين ثناياها ما يجعلها تُساير الزمن وتلاحق الأحداث. وهي تجمع ما بين الأصول الثابتة، وبين القواعد العامة، والتي تصلح لكل زمان ومكان. وممّا تجدر ملاحظته: أن نصوص الشريعة من القرآن والسُّنّة محدودة ومتناهية، وأن الوقائع والحوادث لا نهاية لها، تتجدّد بتجدّد الزمان والمكان، ممّا يجعل الاجتهاد مشروعاً وبابه مفتوحاً. الأدلّة على مشروعية الاجتهاد: أولاً: القرآن الكريم: تعدّدت الآيات التي جاءت في القرآن الكريم تحثّ على إعمال الفكْر والعقل، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.

стр. 142

وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾. ومن الآيات الصريحة في مشروعيّته: قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾. والشّورى تعني: البحث والصواب فيما يعرض من أمور، وفْق أدلّة الشّرع ونصوصه؛ وهذا لا يكون إلاّ من خلال الاجتهاد من أهل الرأي. ثانياً: من السُّنّة: ما روي عن عمرو بن العاص، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((إذا حَكم الحاكم فاجْتهد فأصاب، فله أجْران. وإذا حَكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجْر))، رواه الشيخان. ومنه: حديث معاذ بن جبل ﵁ الذي أقرّه فيه رسول الله ﷺ على الاجتهاد. ثالثاً: إجماع الأمّة على مشروعية الاجتهاد، وممارسته بالفعل الذي كان من ثماره هذه الثروة الفقهية التي تتميّز بها أمّة الإسلام، وتنفرد بذلك عن غيرها من الأمم. رابعاً: العقل والنّظر: دلّت الأدلة العقلية على مشروعية الاجتهاد، وليتحقق به استمراريه الشريعة الإسلامية وخلودها. أقسام المُجتهدين: أوّلاً: المجتهد المُطلق: وهو: مَن حفِظ وفهِم أكثر الفقه وأصوله وأدلّته في مسائله، إذا كانت له أهليّة تامّة يُمكنه بها معرفة أحكام الشّرع بالدليل وسائر الوقائع، فإن كثرت إصابتُه صلح -مع بقية الشروط- أن يُفتي ويَقضي.

стр. 143

قالوا: إنّ الاجتهاد المُطلَق لا بدّ لتحصيله من توافر المعرفة الجيّدة بالكتاب والسّنّة، وما ورد فيهما ممّا يتعلّق بالأحكام، وأن يَعرف الأمر والنهي، والمُجمَل والمُبيّن، والمحكَم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والعامّ والخاصّ، والمُطلَق والمقيّد، والمُستثنَى والمُستثنَى منه. وكذلك تتوافر المعرفة الجيّدة بالسّنّة النبوية الشريفة، بحيث يستطيع المجتهد أن يميِّز بين صحيح السّنة وسقيمها، ومراتب ما وروي منها، وطُرق الاحتجاج بها، وغير ذلك ممّا هو ضروري ولازم لمعرفة الحُكم الشرعي من القرآن الكريم والسُّنّة المطهّرة. وقالوا أيضاً: لا بدّ للمجتهد المُطلَق: أن يعرف ما أجمع عليه الفقهاء، وما اختلفوا فيه، وأن يعرف القياس وشروطه، وأن يكون على قَدْر كافٍ من المعرفة باللّغة العربية، وآدابها، وأساليبها. ولا خلاف بين العلماء في: أنّ المجتهد المُطلق أهل للإفتاء ويصلح أن يكون مفتياً. ومن هذا القسم: فقهاء الصحابة والتابعين، والأئمة الأربعة، وغيرهم ... ثانياً: المجتهد في مذهب إمِامِه: وهو ما يُسمَّى بـ"المجتهد المُقيّد". وينقسم إلى أربعة أقسام: الأوّل: مجتهد غير مقلِّدٍ لإمامه في الحُكم والدليل، ولكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى ودعا إلى مذهبه. وفتوى أصحاب هذا النوع كفتوى المجتهد المطلَق في العمل بها، والاعتداد بها في الإجماع والخلاف. والثاني: مجتهد مقيّد بمذهب إمامِه يستقلّ بتقريره بالدّليل، لكن لا يتعدّى أصوله وقواعده. وهذا المجتهد يكون قادراً على التخريج والاستنباط، وإلحاق الفروع بالأصول والقواعد التي قرّرها إمامُه.

стр. 144

الثالث: مجتهد التّرجيح، وهو الذي لم يَبلغ رتبة المتقدِّميْن، إلاّ أنه فقيه حافظ لِمذهب إمامه، عارف بأدلّته، قائم بتقريره ونصْرته. فهو من أهل الترجيح، لكنه لم يبلغ درجة الذين سبق ذكْرهم. الرابع: مجتهد الفتيا، أو الحافظ للمذهب، وهو الذي يقوم بحفظ أكثر المذهب ونقْله وفهْمه. وهذا تُعتمد فتواه ونقله فيما يَحكيه من مسطورات مذهبه ومن نصوص إمامِه. واجبات المُفتي وآدابه: وعلى المفتي: - أن يعلم أنّ ما يقوله ويُفتي به دِين يحاسَب عليه أمام الله تعالى؛ ولهذا يجب عليه: أن يطيل النّظر والفكْر، ولا يتسرّع في الإجابة، وإذا لم يعرف الجواب يقول: "لا أدري". - وينبغي للمفتي: أن يلاحظ عُرف البلد وعاداته، ليعرف مقصود المستفتي، وإذا لم يفهم من السؤال استَفْهَم من السائل عن مراده. وإذا جهل لغةً، كفاه ترجمة واحدٍ ثقة. - كما ينبغي للمُفتي: أن يشاور الفقهاء الحاضرين في موضوع الاستفتاء، إذا رأى حاجة لذلك. - وعلى المفتي: أن يبتعد عن مظانّ التّهم والرّيب، ليكون قوله مقبولاً عند المستفتي وغيره، وأن لا يَقبل هديةً ممّن يستفتيه. - وعلى المفتي: أن يكون ليِّناً متواضعاً، لا فظاً غليظاً، وأن يُقبل على المستفتي بلطف وبشاشة، وإذا رآه بطيء الفهم فلْيترفّق به حتى يفهمه.

стр. 145

آداب المستفتي: عليه: - أن يلتزم بآداب الإسلام في الكلام والخطاب. - وأن يلتزم آداب الإسلام في الحديث مع العلماء. - وأن يُظهر تواضعَه نحو المفتي واحترامه له؛ فلا يُعلي صوته عليه، ولا يومئ بيده في وجهه، ولا يُكلِّمه بلهجة قاسية. - وأن يستأذن بالسؤال والجلوس. - وأن يتخيّر الوقت المناسب والمكان المناسب لسؤاله، فلا يستفتيه وهو مشغول بغيره، ولا أن يطرق بابه في وقت القيلولة، إلى غير ذلك من مظاهر الاحترام ... - كما يجب على المستفتي أن لا يسأل أسئلة غير منطقيّة، أو يسأل عن أمور العلْم بها لا ينفع والجهل بها لا يضرّ، أو يسأل أسئلة يقصد بها إحراج المُفتى أمام الناس. ممّا سبَق، يتّضح أن أحوال المسلمين في هذا العصر تستوجب وجود الدّاعية الذي يجمع بين وسائل الدّعوة وأساليبها في الاستحواذ على المشاعر والعواطف بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وفي نفس الوقت، يكون الداعية عالماً بأمور الدِّين، فقيهاً بأحكام الشريعة، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. وبذلك يجمع الدّاعية بين فضيلتَيِ الدّعوة والإفتاء، فيطمئنّ الناس إلى حديثه، ويأمنون لفتواه، ويتتبّعون دعوته. وهذه أمور تتمّ إذا صدقت النّيّة، وتحقّق الإخلاص، وتخلّق الدّعاة بالفضائل، وتزوّدوا بالعلوم والمعارف التي أشرنا إليها بين ثنايا هذه المحاضرات، خلال المستوى الأول لمادّة "أصول الدعوة وطُرقها". والله وليّ التوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
следующие страницы →