Полный текст (292 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الشرط الرابع:
الاجتهاد:
تعريف "الاجتهاد" في اللغة:
بذل الجهد، واستفراغ الوسع، في تحقيق أمْر من الأمور الشّاقّة، سواء كان في الأمور الحِسّية كالمشي والعمل، أم في الأمور المعنوية كاستخراج حُكم أو نظريّة عقلية أو شرعية أو لغوية.
تعريف "الاجتهاد" في الاصطلاح:
هو: ملَكة يُقتدر بها على استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلّتها التفصيلية.
حِكمة مشروعية الاجتهاد:
من خصائص الشريعة الإسلامية: أنها خاتِمة الشرائع السماوية، وأنّ أحكامها شاملة وعامّة، صالحة لكلّ زمان ومكان، وأنها تحمل بين ثناياها ما يجعلها تُساير الزمن وتلاحق الأحداث. وهي تجمع ما بين الأصول الثابتة، وبين القواعد العامة، والتي تصلح لكل زمان ومكان.
وممّا تجدر ملاحظته: أن نصوص الشريعة من القرآن والسُّنّة محدودة ومتناهية، وأن الوقائع والحوادث لا نهاية لها، تتجدّد بتجدّد الزمان والمكان، ممّا يجعل الاجتهاد مشروعاً وبابه مفتوحاً.
الأدلّة على مشروعية الاجتهاد:
أولاً: القرآن الكريم:
تعدّدت الآيات التي جاءت في القرآن الكريم تحثّ على إعمال الفكْر والعقل، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
стр. 142
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾.
ومن الآيات الصريحة في مشروعيّته: قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾.
والشّورى تعني: البحث والصواب فيما يعرض من أمور، وفْق أدلّة الشّرع ونصوصه؛ وهذا لا يكون إلاّ من خلال الاجتهاد من أهل الرأي.
ثانياً: من السُّنّة:
ما روي عن عمرو بن العاص، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((إذا حَكم الحاكم فاجْتهد فأصاب، فله أجْران. وإذا حَكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجْر))، رواه الشيخان.
ومنه: حديث معاذ بن جبل ﵁ الذي أقرّه فيه رسول الله ﷺ على الاجتهاد.
ثالثاً: إجماع الأمّة على مشروعية الاجتهاد، وممارسته بالفعل الذي كان من ثماره هذه الثروة الفقهية التي تتميّز بها أمّة الإسلام، وتنفرد بذلك عن غيرها من الأمم.
رابعاً: العقل والنّظر:
دلّت الأدلة العقلية على مشروعية الاجتهاد، وليتحقق به استمراريه الشريعة الإسلامية وخلودها.
أقسام المُجتهدين:
أوّلاً: المجتهد المُطلق:
وهو: مَن حفِظ وفهِم أكثر الفقه وأصوله وأدلّته في مسائله، إذا كانت له أهليّة تامّة يُمكنه بها معرفة أحكام الشّرع بالدليل وسائر الوقائع، فإن كثرت إصابتُه صلح -مع بقية الشروط- أن يُفتي ويَقضي.
стр. 143
قالوا: إنّ الاجتهاد المُطلَق لا بدّ لتحصيله من توافر المعرفة الجيّدة بالكتاب والسّنّة، وما ورد فيهما ممّا يتعلّق بالأحكام، وأن يَعرف الأمر والنهي، والمُجمَل والمُبيّن، والمحكَم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والعامّ والخاصّ، والمُطلَق والمقيّد، والمُستثنَى والمُستثنَى منه.
وكذلك تتوافر المعرفة الجيّدة بالسّنّة النبوية الشريفة، بحيث يستطيع المجتهد أن يميِّز بين صحيح السّنة وسقيمها، ومراتب ما وروي منها، وطُرق الاحتجاج بها، وغير ذلك ممّا هو ضروري ولازم لمعرفة الحُكم الشرعي من القرآن الكريم والسُّنّة المطهّرة.
وقالوا أيضاً: لا بدّ للمجتهد المُطلَق: أن يعرف ما أجمع عليه الفقهاء، وما اختلفوا فيه، وأن يعرف القياس وشروطه، وأن يكون على قَدْر كافٍ من المعرفة باللّغة العربية، وآدابها، وأساليبها. ولا خلاف بين العلماء في: أنّ المجتهد المُطلق أهل للإفتاء ويصلح أن يكون مفتياً.
ومن هذا القسم: فقهاء الصحابة والتابعين، والأئمة الأربعة، وغيرهم ...
ثانياً: المجتهد في مذهب إمِامِه: وهو ما يُسمَّى بـ"المجتهد المُقيّد". وينقسم إلى أربعة أقسام:
الأوّل: مجتهد غير مقلِّدٍ لإمامه في الحُكم والدليل، ولكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى ودعا إلى مذهبه. وفتوى أصحاب هذا النوع كفتوى المجتهد المطلَق في العمل بها، والاعتداد بها في الإجماع والخلاف.
والثاني: مجتهد مقيّد بمذهب إمامِه يستقلّ بتقريره بالدّليل، لكن لا يتعدّى أصوله وقواعده. وهذا المجتهد يكون قادراً على التخريج والاستنباط، وإلحاق الفروع بالأصول والقواعد التي قرّرها إمامُه.
стр. 144
الثالث: مجتهد التّرجيح، وهو الذي لم يَبلغ رتبة المتقدِّميْن، إلاّ أنه فقيه حافظ لِمذهب إمامه، عارف بأدلّته، قائم بتقريره ونصْرته. فهو من أهل الترجيح، لكنه لم يبلغ درجة الذين سبق ذكْرهم.
الرابع: مجتهد الفتيا، أو الحافظ للمذهب، وهو الذي يقوم بحفظ أكثر المذهب ونقْله وفهْمه. وهذا تُعتمد فتواه ونقله فيما يَحكيه من مسطورات مذهبه ومن نصوص إمامِه.
واجبات المُفتي وآدابه:
وعلى المفتي:
- أن يعلم أنّ ما يقوله ويُفتي به دِين يحاسَب عليه أمام الله تعالى؛ ولهذا يجب عليه: أن يطيل النّظر والفكْر، ولا يتسرّع في الإجابة، وإذا لم يعرف الجواب يقول: "لا أدري".
- وينبغي للمفتي: أن يلاحظ عُرف البلد وعاداته، ليعرف مقصود المستفتي، وإذا لم يفهم من السؤال استَفْهَم من السائل عن مراده. وإذا جهل لغةً، كفاه ترجمة واحدٍ ثقة.
- كما ينبغي للمُفتي: أن يشاور الفقهاء الحاضرين في موضوع الاستفتاء، إذا رأى حاجة لذلك.
- وعلى المفتي: أن يبتعد عن مظانّ التّهم والرّيب، ليكون قوله مقبولاً عند المستفتي وغيره، وأن لا يَقبل هديةً ممّن يستفتيه.
- وعلى المفتي: أن يكون ليِّناً متواضعاً، لا فظاً غليظاً، وأن يُقبل على المستفتي بلطف وبشاشة، وإذا رآه بطيء الفهم فلْيترفّق به حتى يفهمه.
стр. 145
آداب المستفتي:
عليه:
- أن يلتزم بآداب الإسلام في الكلام والخطاب.
- وأن يلتزم آداب الإسلام في الحديث مع العلماء.
- وأن يُظهر تواضعَه نحو المفتي واحترامه له؛ فلا يُعلي صوته عليه، ولا يومئ بيده في وجهه، ولا يُكلِّمه بلهجة قاسية.
- وأن يستأذن بالسؤال والجلوس.
- وأن يتخيّر الوقت المناسب والمكان المناسب لسؤاله، فلا يستفتيه وهو مشغول بغيره، ولا أن يطرق بابه في وقت القيلولة، إلى غير ذلك من مظاهر الاحترام ...
- كما يجب على المستفتي أن لا يسأل أسئلة غير منطقيّة، أو يسأل عن أمور العلْم بها لا ينفع والجهل بها لا يضرّ، أو يسأل أسئلة يقصد بها إحراج المُفتى أمام الناس.
ممّا سبَق، يتّضح أن أحوال المسلمين في هذا العصر تستوجب وجود الدّاعية الذي يجمع بين وسائل الدّعوة وأساليبها في الاستحواذ على المشاعر والعواطف بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
وفي نفس الوقت، يكون الداعية عالماً بأمور الدِّين، فقيهاً بأحكام الشريعة، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
وبذلك يجمع الدّاعية بين فضيلتَيِ الدّعوة والإفتاء، فيطمئنّ الناس إلى حديثه، ويأمنون لفتواه، ويتتبّعون دعوته.
وهذه أمور تتمّ إذا صدقت النّيّة، وتحقّق الإخلاص، وتخلّق الدّعاة بالفضائل، وتزوّدوا بالعلوم والمعارف التي أشرنا إليها بين ثنايا هذه المحاضرات، خلال المستوى الأول لمادّة "أصول الدعوة وطُرقها".
والله وليّ التوفيق.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 146
الدرس: ٧ أحوال العرب والعالم قبل الإسلام .
стр. 147
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع
(أحوال العرب والعالم قبل الإسلام)
١ - العربُ والعالم قبل الإسلام
التَّعريف بالعرب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الَّذي بفضله تتمُّ الصَّالحات، وبتوفيقه تستقيمُ الأقوالُ والأفعالُ، وبرحمته تُرفع الدَّرجات، قال تعالى:
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾،
والصلاة والسلام على أشرف الخلق وخاتم الرُّسل، الدَّاعي إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وعلى آله وأصحابه، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدِّين، ... وبعد:
تمهيد:
فبحمد الله وتوفيقه، قد أنهينا محاضرات المستوى الأول، تناولنا فيها موضوعات تضمنت التَّعريف بالدَّعوة إلى الله، وصلة علم الدَّعوة بالعلوم الأخرى، وأنَّ الدَّعوة وظيفة الرُّسل، وهي من أشرف المهام وأعظمها، وأنَّها ماضيةٌ إلى قيام الساعة.
ثم تناولنا في ثنايا هذه المحاضرات، قضيَّة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وارتباطهما بالدَّعوة إلى الله، وأوضحنا بشيء من التَّفصيل التَّعريف بهما وبأركانهما، وضوابط وضمانات وشروط الأمر بالمعروف والنَّهي، ودرجاته، ثم ذكرنا الأضرار السيئة النَّاجمة عن تقاعس الأمة عن الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.
ولقد اشتملت محاضرات المستوى الأول أيضاً، على خصائصِ دعوة الإسلام، وتفرُّدها وتميُّزها عن الرِّسالات السَّماويَّة السَّابقة، والشَّرائع والنُّظم الحديثة، كذلك ذكرنا ما ينبغي أن يتَّصف به الدُّعاة من أخلاق فاضلة، وسلوكٍ مهذَّب وإعدادٍ علميٍّ وثقافيٍّ واسع.
ولقد عدَّدنا المصادر الأصليَّة للثَّقافة الإسلاميَّة.
وخُتمت محاضرات المستوى الأول، ببيانِ قواعد الإفتاء وشروط المفتي، ووجوبِ أن يجمع الدُّعاة إلى الله بين فضيلتي الدَّعوة والفتوى، من خلال الفهم الصَّحيح لقواعد الإسلام وأُسُسِه، والتَّفقُّه في الدِّين، والتَّعرُّف على أحكامه.
ونحمد الله تعالى، على ما وفقنا إليه وهدانا، ... ،
وها نحن اليوم، نبدأ مستعينين بالله ومعتمدين عليه في أولى محاضرات المستوى الثَّاني، لمادَّة أصول الدَّعوة وطرقها، والَّتي سنتناولُ فيها: منهج الرَّسول ﷺ في الدَّعوة إلى الله، ونوضح الأسس الَّتي قامت عليها -أي الدَّعوة إلى الله-، والوسائل الَّتي اتبعتها، ونبيِّن أحوال المدعوِّين، واختلاف موقفهم من الدَّعوة، وسوف تشمل -إن شاء الله- كيف تتمُّ الدَّعوة للمجتمعات غير الإسلاميَّة، وما هي المقوِّمات النَّظريَّة والتَّدريبات العمليَّة لوسائل الإقناع، كالخطابة والمحاضرة، والمناظرة ... إلخ.
هذه في إيجاز رؤوس الموضوعات، الَّتي سنوضحها بين ثنايا المحاضرات، وستكون أولى هذه المحاضرات اليومَ تعريفاً بالعرب والعالم، قبل دعوة الرَّسول ﷺ لنقفَ من خلالها على البيئة الَّتي نشأت في أحضانها الدَّعوةُ إلى الإسلام، واستطاعت بالمنهج القويم إخراجَ النَّاس من الظُّلُمات إلى النُّور، وسوف تتضمَّن المحاضراتُ العناصرَ التَّالية:
١ - الموقعُ الجغرافيُّ:
يقطن العرب مناطق شبه الجزيرة العربيَّة، وهي أرض صحراويَّة شاسعة، تقع في جنوبيِّ غربيِّ آسيا، ويفصلها البحر الأحمر عن قارة إفريقيا، وتشغل المملكة العربيَّة السُّعوديَّة معظمَها، وتشمل الأجزاءَ الأخرى كلٌّ من اليمن وعمان والإمارات العربيَّة والكويت وقطر، كما تشغل البحرين جزيرةً تقع بالقرب من ساحل شبه الجزيرة الشَّرقيِّ.
ومساحة شبه الجزيرة العربيَّة واسعة، وتغطي الأراضي القاحلة معظم أرجائها، كما يندر هطول المطر في بعض أجزائها، وقد تبلغ حرارتها الداخليَّة قُرابة (٥٤ درجة) في فصل الصَّيف.
وإنَّما غلب عليها اسمُ الجزيرة العربيَّة؛ لأنَّ خطَّاً من المياه النَّهريَّة يبدأ بشط العرب، فالفرات فنهر العاص فبحيرة لوط، وينتهي بخليج العقبة، يؤلف حدَّها الشماليَّ، ويكمل الإطار المائي الَّذي يحيط بها من جهاتها الأخرى: خليج البصرة وعمان من الشرق، والبحر العربي وخليج عدن من الجنوب، والبحر الأحمر من الغرب.
هذا على أنَّ الهلال الخصيب -وهو القوس الممتدُّ من رأس الخليج الفارسيِّ، إلى زاوية البحر المتوسط الشرقيَّة والجنوبيَّة- يشكل كتلة الجزيرة العربيَّة الأصليَّة،
стр. 148
فإذا اقتصر مدلول الجزيرة على كتلتها الأصليَّة دون احتساب منطقة ما بين النَّهرين والمنطقة المطلَّة على البحر المتوسِّط منها، كان حدُّ الجزيرة الرَّملي الرَّابع مُكمِّلاً لحدودها المائيَّة الثَّلاثة.
وهي إحدى ثلاثة أشباه جزر في جنوب آسيا: شبه جزيرة العرب، وشبه جزيرة الهند، والهند الصينيَّة، ولكنَّها تمتاز عنهنَّ جميعاً، دون أشباه الجزر في القارات الأخرى، بأنَّها أكبرُهنَّ مساحةً (حوالي مليون ميل مربع)، أو (ثلاثة ملايين ك. م تقريباً). فهي أكبر من شبه جزيرة الهند، وهي أربعةُ أضعاف شبه جزيرة فرنسا، وثمانيةُ أضعاف مجموعة الجزر البريطانيَّة.
ويقابل هذا التَّفردَ في السَّعة تفرُّدٌ في الموقع، فالجزيرة العربيَّة تقع في العالم القديم موقع القلب، ففي الشَّرق لا يتجاوز المدى بين أقصى طرفها الشَّرقيِّ في ساحل عمان، وبين الهند (٩٠٠ ك. م) تقريباً، وبينها وبين بلاد إيران تقابُلٌ وتجاوُرٌ وتلاصُق؛ تجاور في مضيق هرمز، وتقابل على شاطئ خليج البصرة، وتلاصق في الطرفين العربيِّ والعجميِّ.
أما حدودها في الشَّمال، والشَّمالِ الشَّرقيِّ، والشَّمالِ الغربيِّ، فمع سوريَّة والعراق ومصر، فهي حدود متَّصلة مَرَّةً، وعسيرةٌ على التَّحديد مرَّةً أخرى؛ ذلك لأنَّ صحارى الشَّام والعراق وسيناء، كلُّها جزءٌ من الجزيرة العربيَّة؛ ولأنَّ ما وراءها -أي الجزيرة العربيَّة- من سهول العراق والشام، وهو هذا الهلال الَّذي يُحيط ببادية الشام، متألِّفاً من سهول الرَّافدين، فسهول الجزيرة السوريَّة، فسهول حلب وحماة وحمص والغوطة وفلسطين حتى خليج العقبة، إنَّما هي صلة مستمرة لسهول الجزيرة الساحليَّة الضيقة، وامتدادٌ خصب لها.
وكذلك نرى أنَّ بلاد العرب، بهذا الموقع الفريد، الَّذي تلاصق فيه أكثر مراكز الحضارة القديمة، لم تكن جزيرةً من النَّحو الجغرافي فحسب، ولكنها كانت
стр. 149
جزيرة كذلك من نحو حضاري تأخذُها المدنيَّات من أطرافها حيناً، وتتفشَّى هي في هذه المدنيَّات حيناً آخر، سواء في الشَّام أو العراق أو مصر.
وتلقى ما تلقاه عادةً من مدِّ الحضارات وجذرها، ومن تيَّاراتها وأمواجها، وبعضُ هذه الَّتياراتِ شديدةُ العمق، وبعضُها سطحيٌّ ظاهر، وبعضها صادرٌ عنها متأثِّرٌ بها، وبعضُها طارئ عليها مؤثِّر فيها، وعلى الجملة فهي في عزلتها عن العالم تحمل معاني صلتها به، وعلى أطراف إطارها المائي والرَّملي تنساب أسبابُ قراباتها وعلاقاتها.
وهذا الموقع المتميِّز الفريد، هو ما أشار إليه قوله تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣].
ثانياً: أصل العرب ونشأتهم:
وصف المؤرِّخون العربَ بأنَّهم شعبٌ ساميٌّ -أي ينتمي إلى سام بن نوح-، وذكروا أنَّهم ربَّما نزحوا من حوض البحر الأبيض المتوسط، أو بلاد ما وراء النَّهرين منذ تاريخٍ بعيد، ثم استقرُّوا في شبه الجزيرة العربيَّة، وانتشروا بعد ذلك في ربوعها شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً ووسطاً، وأصبحت الجزيرة العربيَّة منذ ذلك العهد وطناً لهم استقرُّوا فيه طوال الحقب، حتى جاء الإسلام فنزحوا إلى كثير من بلدان آسيا وأفريقيا.
وقد ورد ذكر العرب للمرة الأولى في الوثائق التَّاريخيَّة، من بين ما ورد في كتابات الملك الآشوري شالمنصر الثَّالث.
حيث أفادت الألواح الَّتي عُثر عليها في بلاد ما بين النَّهرين، أنه كانت هناك جماعات من القبائل اليهوديَّة تعيش في أطراف مملكته المتاخمة لصحراء الجزيرة
стр. 150
العربيَّة، وكانت هذه الجماعات تُغير على أطراف مملكته الغنيَّة الفَينة بعد الأخرى، وعُرفت هذه الجماعات باسم العرب، دون تحديد دقيق لنطق الكلمة أو شكلها، وذلك لعدم وجود الحركات والشكل في لغة الأشوريين القدماء.
عاش العرب في شبه الجزيرة في جماعات قبلية صغيرة، وكانوا يتبعون الكلأ والمرعى والمياه في شيء من عدم الاستقرار، رغم أنَّ لكل قبيلة أرضها الَّتي فَرضت عليها سلطانها، وبالإضافة إلى أن العرب عُرفوا بهذا الاسم لدى الآشوريين، فإنهم عُرفوا به أيضاً لدى اليونانيين والرومان.
فقد ذكرهم "سترابو" الَّذي عاش بين عامي (٦٣ ق. م و ٢٤م) في كتابه "الجغرافيا" فذكر شيئاً عن زيارته لبلاد العرب، كما ذكر أنهم كانوا يستخدمون جِمالهم، في نقل السلع التجاريَّة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، مروراً بـ "سِيْنَا" ووصولاً إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط الشرقيَّة، ممَّا يؤكِّد على النَّشاط التِّجاريِّ العربيِّ منذ فجر التَّاريخ.
ثالثاً: أقسام العرب:
قسم مؤرِّخو العرب الأوائل، العربَ إلى ثلاثة أقسام، هي:
العرب البائدة، والعرب العاربة، والعرب المستعربة.
١: العرب البائدة:
يُراد بهم تلك القبائل العربيَّة الَّتي كانت تعيش في الجزيرة العربيَّة منذ أقدم العصور، ثم اندثرت لسبب من الأسباب، وقد اشتهرت من بينها أُمَّتان جاء ذكرهما في القرآن الكريم عدَّة مرَّات، وقصَّ علينا القرآن الكريم أنَّ هاتين الأُمَّتين -وهما عاد وثمود- قد أهلكهما الله فاندثرت عاد، بعد أن أرسل الله عليها
стр. 151
ريحاً صرصراً عاتية استمرت سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، وبذلك فنى معظمهم بسبب كفرهم وعنادهم وطويت أيامهم.
أما ثمود، فقد أرسل الله إليهم رسوله صالحاً ﵇ ولكنهم كفروا؛ فأهلكهم الله بالطاغية، قال تعالى:
﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٤ - ٨].
بالإضافة إلى عاد وثمود، هناك قبائل أخرى من العرب البائدة، وهي طسم وجديس والعماليق وجُرهم الأولى وغيرها، وكلُّ هذه القبائل لم تبق منها بقيَّة في الجزيرة العربيَّة، ومن بقي منها انتشر في البلاد دون أن يبقى له أثر.
٢: العرب العاربة:
وهي تنتمي إلى يعرب بن قحطان، وهؤلاء أطلق عليهم مؤرخو العرب اسم القحطانيِّين، كما سمَّوهم أيضاً اليمنيِّين أو عربَ الجنوب، وكان موطنُهم الأصليُّ في جنوبيِّ الجزيرة العربيَّة، ولكن لظروف مختلفة منها الجفاف وانهيارُ سد مأرب، والبحث عن مكان أفضل، هاجر كثيرٌ منهم إلى أنحاء متفرقة من شبه الجزيرة، ومن أهم فروعهم الرئيسيَّة حمير وكهلان، وهما أبناء يعرب بن قحطان، ومنها تفرَّعت سائر القبائل اليمنيَّة.
٣: العرب المستعربة:
ويُطلق عليهم العدنانيُّون والنِّزاريُّون والمعدِّيُّون، وهم الَّذين نشأوا حول بيت الله الحرام، وكانت قبيلة جُرهم أوَّلَ قبيلة حلَّت بمكة، واستأنست بهم هاجَر أم
стр. 152
إسماعيل ﵉ ونشأ إسماعيل وترعرع بجوارهم وتزوَّج منهم، وقد تحدَّث المؤرخون أنَّ قبيلة جرهم وهم أخوال بني إسماعيل، تولَّوا أمر البيت وملأوا فجاج مكة، حتى ضاقت على أصحابها الأولين من بني إسماعيل، فتركوها دون أن ينازعوا جرهماً في ولايتهم؛ رعاية لقرابتهم وإعظاماً لحرمة مكة أن يكون بها بغي أو قتال، فلما خلا الجو لجرهم بغوا وظلموا وأكلوا مال الكعبة الَّذي يُهدى إليها، حتى جاءت قبيلة خزاعة وحاربت جرهما حتى أخرجتها من مكة، وظلت ولاية البيت في خزاعة يتوارثها بنوها كابراً عن كابر، حتى انتزعها منهم قُصيُّ بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النَّضر.
ويقول مؤرخو العرب: "إنَّ مكَّة قد بدأت بقُصَيٍّ عهداً تضاءلت إلى جانب مجده عهودُ خزاعة وجُرهم، وجدَّت فيها وظائف دينيَّة أُضيفت إلى ما كان لها من قبل، فكانت إلى قُصي الحِجابة والسِّقاية والرِّفادة والنَّدوة واللِّواء، وبها حاز شرف مكة كلَّه، وأبقاه في ولده من بعده، ما يُعرف أنَّ أحداً نازعهم فيه قط".
فلمَّا أدرك قصيَّ الكِبَر؛ عزَّ عليه ألا يدرك ولدُه البكر عبدُ الدار ما بلغه أخوه عبد مناف في زمان أبيه من شرف، فقال قُصيٌّ لولده عبد الدَّار: أما والله يا بني لأُلحقنك بالقوم، وإن كانوا قد شرفوا عليك، ثم جعل إليه ما كان بيده من أمر قومه".
قال المؤرِّخون: "وهلك قصيُّ، ولبثت قريشُ على ما أراد لها زمناً، حتى قام بنو عبد مناف بن قصي، وهم عبد شمس وهاشم والمطلب ونوفل، فأجمعوا أن يأخذوا ما بأيدي بني عمِّهم "عبد الدار" ممَّا كان جدُّهم قصي قد جعله إليه من النَّدوة والحجابة واللِّواء والسِّقاية والرِّفادة، إذ رأوا أنَّهم أولى بذلك منهم
стр. 153
لشرفهم عليهم وفضلهم فيهم، فتفرَّقت عن ذلك قريش واجتمعوا للحرب، ثم تصالحوا على أن يقتسموا الميراث الجليل لبني عبد الدار: الحجابة واللِّواء والنَّدوة، ولبني عبد مناف السِّقاية والرِّفادة.
سبب تسمية قبيلة قريش:
لسبب تلك التَّسمية أقوال كثيرة، ومنها:
١ - سُمُّوا قريشاً لتجمعهم إلى الحرم بعد تفرقهم في البلاد، وقد جمَّعهم قصي، فالقرش في اللغة الجمع.
٢ - أو لأنَّهم كانوا أهل تجارة وتكسب وضرب في البلاد، يتقرَّشون البياعات فيشترونها من قولهم: فلان يتقرَّش المال -أي يجمعه-.
٣ - أنَّ لقب قريش أطلق على النَّضر بن كنانة؛ لأنَّه اجتمع في ثوبه يوماً، فقيل له: تقرَّش، فكل من كان من ولده فهو قُريش".
وقد ازدهر مجد قريش، وبلغت المكانة المرموقة بهاشم بن عبد مناف، وكانت له الرِّفادة والسقاية، وكان اسمه عَمراً فأصابت قريشاً سنوات عجاف؛ فخرج هاشم إلى الشام فأمر بخبز كثير فخُبز له فحمله على الإبل إلى مكة فهشَم ذلك الخبز يعني كسّره وأطعم قومه، فسمي هاشماً، ومات في غزَّة وهو في رحلةٍ تجارية، وقبل موته وُلد له عبد المطلب، وكان يلقب بشيبة لشيبة في رأسه، وهو جدُّ المصطفى ﷺ وهو الَّذي أعاد حفر زمزم، وفي حياته جرت حادثة الفيل الَّتي جاء ذكرها في القرآن الكريم.
وهكذا تجمعت لقريش كلُّ جوانب المجد، وسادت على القبائل العربيَّة كلها، وقد تحدث القرآن الكريم عن هذه المكانة في أكثر من موضع وقد تهيأت لاستقبال خير مبعوث ﷺ .
ممَّا سبق يتبيَّن لنا في إيجاز أصلُ العرب ونشأتُهم.
стр. 154
رابعاً: أديان العرب:
على الرَّغم من المكانة الَّتي كانت تحظى بها مكة المكرمة في نفوس قريش خاصة والعرب عامة، إلا أنَّهم انحرفوا بعقائدهم، فعبدوا الأصنام وقدَّسوها، واتخذوها آلهة تعبد من دون الله، وقد بالغوا في ذلك فأحاطوا الكعبة بثلاثمائة وستين صنماً.
ومن أصنامهم "هبل" وهو أول صنم أقيم في الكعبة، بعد أن أحضره عمرو بن لُحي من "مآب"، ونصبه على البئر الَّذي حفره إبراهيم ﵇ في جوف الكعبة، وأمر النَّاس بعبادته وكانوا ينادونه "يا إلهنا".
هذا بجانب تعظيمهم "لمناة"، وهي منصوبة ناحية البحر عند المشلَّل، وكان الأوس والخزرج أكثرَ النَّاس تقديساً لها، وكذلك صنم اللات هو محلُّ تقديس وعبادة أهل الطَّائف، أما العُزَّى فهي شجرةٌ بوادي نخلةَ بين مكَّة والطَّائف، وقد اتَّخذت كلُّ قبيلة صنماً تختصُّ به وتعبده، فاتَّخذت هُذيل سواعاً، وكلبٌ وداً، وأنعم أهل جرش اتَّخذت يغوث، وحمير اتَّخذت نسراً ... إلخ ما ذكره ابن هشام.
وقد عاب القرآن انحراف عقولهم وفساد عقائدهم، فقال تعالى:
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٣].
وأشار القرآن الكريم إلى أنَّ عبادة الأصنام لم تكن حدثاً أحدثه العرب وحدهم، بل إنَّ عبادتها وتعظيمَها ضاربٌ في أعماق الزَّمن، ممتدٌّ إلى جذور التَّاريخ، منذ عهد نوح ﵇، حيث ارتبط قومُه بعبادتها، وكانت سببَ هلاكهم، فذكر القرآن
стр. 155
الكريم عن نوح:
﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَاراً * وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً * وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالاً﴾ [نوح:٢١ - ٢٤].
وهكذا كان فسادُ العقيدة وضلالُ العقل مَعلماً بارزاً، وسمةً من سمات القبائل العربيَّة، ومع ذلك فقد وُجِدت جماعةٌ قليلة لم تفسد فطرتها، ولم ينحرف فكرُها كما انحرف قومهم، فبعضهم عَبَدَ اللهَ على دين إبراهيم، وبعضٌ منهم تديَّن بدين أهل الكتاب، وبعضُهم اشتهر بالحكمة، وقد ذاع منهم:
ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل:
فقد حكى ابن هشام، أنهم اجتمعوا في عيدٍ لهم عند صنمٍ من أصنامهم، فقال بعضهم لبعض: تعلموا والله ما قومكم على شيء لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجرٌ نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضرُّ ولا ينفع!؟ يا قوم، التمسوا لأنفسكم، والله ما أنتم على شيء! ".
ومن الحكماء قسُّ بن ساعدةَ الإياديُّ، وعامر بن الطرب الحكيم، ومن حكماء العرب عبد المطلب جدُّ الرَّسول ﷺ .
كما انتشر بين القبائل العربيَّة عبادات أخرى، وفدت إليهم من الأمم المجاورة كمجوسيَّة الفرس، ومنهم من عبد الكواكب والجنَّ والطيور والشَّجر، ومنهم الدَّهريُّون الَّذين أنكروا الخالق -سبحانه- وأنكروا البعث والقِيامة، قال تعالى عنهم:
﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية:٢٤].
стр. 156
معتقدات العالم وأديانه قبل بعثة الرَّسول ﷺ -
تمهيد:
لم يكن العربُ وحدَهم، الَّذين انحرفت عقائدُهم وضلَّت عقولهم وفسدت أخلاقُهم، ولكنَّ العالم من حولهم، كان يموج في ظلمات العقائد والنِّحَل الباطلة، وقد كادت عقيدةُ التوحيد أن تتلاشى من على وجه الأرض، إلا من بعض أفرادٍ قلائلَ ممَّن سلمت فطرتهم، لم يخلُ منهم مجتمعٌ من المجتمعات، ولقد كانت أحوال العالم الدِّينيَّة على النَّحو التَّالي:
أولاً: الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة:
ورث الرُّومان الحضارة اليونانيَّة القديمة، الَّتي كانت تُعدِّد الآلهة، فهناك آلهةٌ للحصاد، وآلهة للنار، وآلهة لحراسة الأبواب والأسرة والبيت ... الخ، ثم انتقلت هذه الوثنيَّة اليونانيَّة إلى الرُّومان، في القرن الرابع قبل الميلاد، ومن ثم أخذوا يعبدون الآلهة الإغريقيَّة، وسمَّوها أسماءً رومانيَّة وبَنَوا المعابد والمزارات لتكريمها.
ولقد عرفت هذه الإمبراطوريَّة الدِّيانة النَّصرانيَّة، في النِّصف الثاني من القرن الأول الميلادي، غير أنَّها لم تعرف الدِّين الحقَّ المنزل على عيسى ﵇، ولكنَّها عرفت النَّصرانيَّة الَّتي جاء بها بولس الرَّسول، الَّذي كان يهوديَّاً متعصِّباً يُدعى شاول أو شاؤل، وكان من أشَدِّ أعداء عيسى ﵇ وأتباعه، ثم انقلبَ فجأةً إلى النَّصرانيَّة، ونجح في أن يمزج بين وثنيَّة الروم وبين الدِّين النَّصرانيِّ، وبذلك نجح في تشويه وتحريف ما جاء به عيسى ﵇، كما تساهل في بعض التَّشريعات والطًّقوس؛ سعياً لكسب الوثنيِّين الرُّومان، وهكذا جاء بولس بنصرانيَّة جديدة
стр. 157
خالف بها دعوة عيسى ﵇، واستطاع أن ينتصر على النَّصرانيَّة المحافظة الَّتي تترسَّم خُطى المسيح ﵇، وقد استمرَّ هذا الصراع خلال الثَّلاثة قرون الأولى، الَّتي لقي فيها أتباع عيسى الحقيقيُّون أشدَّ أنواع الاضطهاد على أيدي اليهود والرُّومان، وقد سجل القرآن الكريم وقائع هذا الاضطهاد في سورة البروح، قال تعالى:
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ* وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ *قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:١ - ٨].
وهذه الآيات إشارةٌ إلى ما كان يلقاه المؤمنون الموحِّدون، خلال الفترة بين رسالة عيسى ﵇ وبِعثة محمَّد ﷺ ، ولقد تمكَّن الَّتيار الَّذي كان يتصدَّره أتباعُ بولس، من أن تكون لهم اليد الطُّولى والكلمة العليا على مخالفيهم، لا سيَّما بعد اعتناق الإمبراطور الرُّوماني قسطنطين النَّصرانيَّة، الَّذي انحاز لآراء وأفكار وأنصار بولس ومنحهم حرية العبادة، وطارد الموحِّدين والمخالفين للكنيسة. وعقد عام ٣٢٥م المجمع الكنسي الأول، الَّذي عُرف بمجمع "نيقية" الَّذي تبنى ما يُعرف بمعتقد "نيقية"، الَّذي قرَّر "أن يسوع هو الإله المتجسِّد" ورفض آراء آريوس، الَّتي كانت تقوم على فكرة إنكار ألوهية المسيح ﵇.
ولقد تشعَّبت عقائدُ النَّصارَى، فشمِلت عقيدةَ التَّثليث والدَّينونة، والصَّلب والتَّعميد، والعشاء الربانيَّ، والاستحالة. وحوربت معتقداتُ من يُخالف هذه المعتقدات الباطلة، فنشأت محاكم التَّفتيش، تُصادر كلَّ رأيٍ يخالف رأي الكنيسة، ومارست الكنيسة ألواناً من الطُّغيان المادِّيِّ والرُّوحيِّ، ممَّا هو معروف في المراجع والمصادر العالميَّة.
стр. 158
ثانياً: أديان الفرس قبل الإسلام:
بلاد فارس القديمة، كانت تشمل أجزاءً من كلٍّ من إيران وأفغانستان الحالِيَّيْن، وفي القرن السَّادس قبل الميلاد أصبحت فارس مركزاً لإمبراطورية واسعة، شمِلت معظم العالم المعروف آنذاك، وكانت عاصمتها المدائن، وامتدت من شماليِّ أفريقيا وجنوبيِّ شرقيِّ أوربا غرباً، إلى الهند شرقاً، ومن خليج عمان جنوباً، إلى جنوبيِّ تركستان وروسيا شمالاً.
وفي بداية القرن الخامس قبل الميلاد، غزا الفرسُ بلاد اليونان، إلا أنَّ اليونانيين تمكنوا من طردهم خارج أوربا، ثم ألحق بهم الإسكندر هزيمةً ساحقة عام ٣٣١ قبل الميلاد، وبعد ذلك سيطر الفريسيُّون والسَّاسانيون الفرس على بلاد الفرس، قبل أن يفتحَها العرب المسلمون عام ١٥هـ، ٦٣٧م.
معتقدات الفرس:
اعتقد قدامى الفرس بآلهة من الطَّبيعة، كالشَّمس والسَّماء، كما كانوا يعتقدون بإلهين: أحدُهما أصلُ الخير والثَّاني أصلُ الشَّرِّ.
ولقد كان الفرس قبيل ظهور الإسلام، يعبدون النار ويقدِّسونها، مؤمنين بقوتها وشرفها، حتى لا يُعذَّبوا بها في الآخرة.
هذه هي أحوال العالم الدِّينيَّة، قبل بعثة الرَّسول ﷺ ولم تكن أحوالهم الاجتماعيَّة بأفضلَ من حالتهم الدِّينية. فكانت الحروب والخلافات وارتكابُ المنكرات، ممَّا جعل العالم تشرئبُّ أعناقُه، وينظر إلى السَّماء، ينتظر الرَّسول ﷺ -
стр. 159
وإنَّ أدقَّ وصف وأشمله وأوجزه لحالة العرب والعالم، هو قول الله تعالى:
﴿هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢].
فالضَّلال المبين كان يلفُّ العالم بأسره، ولم ينقشع إلا بالدَّعوة إلى الله، الَّتي اتَّخذت المناهج والأساليب الَّتي جعلت من هذه الأمم الضَّالَّة خيرَ أمَّة أُخرجت للنَّاس، قال تعالى:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بالله﴾.
أما عن قواعد هذا المنهج، فهذا هو موضوع المحاضرة التالية -إن شاء الله-.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 160
الدرس: ٨ منهج الرسول ﷺ وأسلوبه في الدعوة إلى الله .
стр. 161
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن
(منهج الرسول ﷺ وأسلوبه في الدعوة إلى الله)
التَّعريف بمنهج الدَّعوة إلى الله
التَّعريف بالمنهج وبيانُ الفرق بينه وبين الأسلوب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، هدانا إلى أفضل منهج وأقوم سبيل وأرشدِ طريق، والصَّلاة والسَّلام على السِّراج المنير، البشير النَّذير، الدَّاعي إلى الحقِّ، وإلى الصِّراط المستقيم، وعلى آله وأصحابه، ومن دعا بدعوتهم إلى يوم الدِّين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد
تمهيد:
فقد تناولنا في المحاضرة السَّابقة، أحوال العرب والعالم قبل بعثة الرَّسول ﷺ ، ورأينا ما كانت تُعانيه البشريَّة من جاهليَّةٍ جهلاء وضلالةٍ عمياء وظُلمات بعضها فوق بعض، استمرَّت ردحاً من الزَّمن، اكتوت الإنسانيَّةُ بنيرانها قروناً عديدة، حتى أذن الله لليل الكفر أن يتبدَّدَ ولصبح الإيمان أن يتنفَّسَ ولشمس الإسلام أن تشرق على العالم، تبعثُ فيه الحياة، وتجدِّد لديه الأمل، وتوقظ فيه سنن الفطرة، ولتعيد شريعتُه صياغةَ الإنسان من جديد، عبر وحي السماء ورسالات الأنبياء، وقبل أن نوضح منهج الرَّسول ﷺ وأسلوبه في الدَّعوة إلى الله، سنذكر في هذه الدرس الثامن من محاضرات أصول الدَّعوة وطرقها للمستوى الثاني، التعريف اللُّغويَّ لكلمة منهج، وما هي أنواع المناهج التي قامت عليها دعوة الإسلام، وذلك وفق العناصر التَّالية:
أولاً: تعريف المنهج:
لغةً:
المَنهج، والمِنهج، والمِنهاج: هو الطَّريق الواضح البيِّن للغاية المقصودة أو المرادة. ونهَج كمنع، ووضَح وأوضح، ونهج الطريق بمعنى سلكه، واستنهجَ الطريقُ صار نهجاً، وفلانُ يستنهج سبيلَ فلان، أي يسلُك مسلكه.
ونَهج طريقٌ نََهْجٌ بيِّن واضح، وهو النَّهج، ومنهج الطريق: وَضَحه، والمنهاج كالمِنهج، وفي التَّنزيل:
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة:٤٨].
وأنهج الطريق: وضح واستبان، وصار نهجاً واضحاً بيِّناً.
فالمنهاج: الطريق الواضح، واستنهج الطريق: صار نهجاً.
ونهج الأمر، وأنهج لغتان إذا وضح.
ممَّا سبق يتبين أنَّ كل تصاريف كلمة "منهج" تدور حول معنى واحد، وهو الطريق الواضح المستبان.
ومن هذا المعنى اللُّغويِّ، استُخدمت كلمة "منهاج" بمعنى الخطة المرسومة، ومنها: منهاج الدِّراسة، ومنهاج التَّعليم ونحوها، والجمع مناهج.
كما لا يخفى التَّقاربُ اللُّغويُّ، بين كلمتي منهاج وسنَّة، فكلاهما بمعنى الطَّريق، وإن زادت كلمةُ المنهج على كلمة سنة، باشتمالها على الموضوعات التي تضمَّنتها الدَّعوة إلى الله.
стр. 162
اصطلاحاً:
هو الطريق المؤدِّي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم، بواسطة طائفة من القواعد العامة، التي تُهيمن على سير العقل، وتُحَدَِّد عمليَّاته، حتى يصل إلى نتيجة معلومة.
فمنهج الدَّعوة: "هو الخطة الكلية، والنظام العام، الذي يحدِّد الإطار العام لكلِّ جوانب الدَّعوة، وهو الَّذي يجمع كافة جزئيَّات قضاياها، ويُنسِّق بينها لتتكامل ولتحقِّقَ ما يُراد منها على الوجه الصَّحيح".
فمن خلال التَّعريف اللُّغويِّ والاصطلاحيِّ لكلمة "المنهج"، يتضح أنَّ الدَّعوة إلى الله، بما تحمل بين ثناياها من العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق، وما تضمَّنته من أخبار الرُّسل والأمم السابقة وأحوال الآخرة، هي ذات طريق واضح ومنهج مبين، تدركه الفطر النقيَّة والعقول الواعية والنفوس المستقيمة والبصائر المستنيرة، فالدَّعوة إلى الله ليس فيها غموض الفلاسفة ولا ألغاز الكهَّان ولا هرطقة المشعوذين ولا تمتمة السحرة ولا تقعُّر المتفيهقين، إنَّما هو منهجٌ ظاهر وطريق بارز يلامس قلوب البشر جميعاً، وقد أخبر القرآن الكريم عن وضوح هذا المنهج، قال تعالى:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].
وقال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
وعن جلاء هذا المنهج وظهوره، قال جلَّ شأنه:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
стр. 163
وهذا السبيل البيِّن الواضح، هو ما أمر الله المسلمين بالدُّعاء به، كلَّما توجَّهوا إلى الله بالصَّلاة، فقال تعالى:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦].
ثم حدَّدت الآية: من هم أصحاب المنهج القويم والصراط المستقيم، فقال تعالى:
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦]،
وهم الأنبياء والمرسلون، ومن سار على منهجهم، وممن جاءوا في قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسول فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ [النساء:٦٩ - ٧٠].
أما الطُّرق الأخرى والمناهج المختلفة، التي لا يأمن المسلمون عواقبَها، ويُخشى عليهم من آثارها السيئة ونتائجها الوخيمة، فقد تضمَّنت سورة الفاتحة وجوبَ دعاء المسلم في صلواته: أن يُجنِّبه الله تعالى طريق الضالين ومنهج المفسدين فقال تعالى:
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧].
ثم أُمِرَ المسلمون بالتَّأمين بقولهم "آمين".
ولقد حدَّد الرَّسول ﷺ أصحاب الطرق المنحرفة والعقائد الباطلة والمناهج الفاسدة، فسمَّاهم الرَّسول ﷺ بالاسم: أنَّهم اليهود والنَّصارى.
فقد روي عن أبي ذر ﵁: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن المغضوب عليهم، قال: ((اليهود)) قلت: الضَّالين، قال: ((النصارى)).
وجاء عن ابن عباس، وابن مسعود، وعن أُناسٍ من صحابة رسول الله ﷺ : ((﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ اليهود، ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ النصارى)).
وهذا ما تخوَّف منه ﷺ وخشيه على أمته منهم، وحذَّر من اتِّباع مناهجهم الضَّالَّة، فقال ﷺ : ((لتَتَبعُنَّ سَنَنَ مَن قبلكم، شبراً بشبرٍ، وذراعاً بذراع، حتَّى
стр. 164
لو دخلوا جُحر ضبٍّ خربٍ لدخلتم فيه، فقالوا: اليهود والنَّصارى؟ فقال ﷺ : ومَن غيرُهم؟!)).
وهذا ما ينطق به حالُ المسلمين في هذه الأيَّام، من إعراضهم عن منهج الله وإقبالهم واندفاعهم وهرولتهم، دون تدبُّر إلى مناهج الغرب في تقليد أعمى وغباء مستحكم، حتى غدت حياتهم ضنكاً وأمرهم بؤساً وأحوالهم هواناً وذلاً، وقد بين القرآن الكريم عاقبة الذين يُعرضون عن منهج الله، فقال تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٧].
هذا تعريف بمنهج الدَّعوة القويم والحضِّ عليه، والتَّبصير بمنهج الضَّالِّين والتَّحذير منه.
ثانياً: الفرق بين منهج الدَّعوة وأساليب الدَّعوة:
بعض الباحثين لا يفرق بين المنهج والأسلوب، أو قد يضعُ أحدَهما مكان الآخر، وفي الحقيقة إنَّ بينهما اشتراكاً في المعنى اللُّغويِّ، وقد سبق بيان المعنى اللُّغوي لكلمة منهج.
أما تعريف الأسلوب لغةً: الأساليب جمع أسلوب، وهو في اللغة الطريق، يقال: سلكت أسلوبَ فلان أي طريقته ومذهبه، وأسلوبُ الكاتب طريقته في الكتابة، يقال: أخذ فلان في أساليب القول، أي أفانينه.
تعريف الأسلوب في الاصطلاح: طريقة الدَّاعي في دعوته، أو كيفية تطبيق المنهج.
стр. 165
فمن خلال التَّعريف اللُّغوي لكلٍّ منهما، نجد اشتراك كلٍّ من المنهج والأسلوب في المعنى اللغوي وهو الطريق، ويبدو الفرق واضحاً والمفهوم متغايراً، من خلال التعريف الاصطلاحي، كما يلي:
أولاً: المناهج الدعوية، هي قضايا وموضوعات الدَّعوة التي جاءت في قوله تعالى:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ [النساء:٣٦].
وجاء هذا المنهج الرَّبَّانيُّ، في قوله تعالى:
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام:١٥١ - ١٥٢].
هذه هي مناهج الدَّعوة وموضوعاتها، التي جاءت بها الرِّسالات السَّماويَّة من لدن آدم ﵇ إلى سيِّدنا محمَّد ﷺ .
أمَّا الأساليب، فهي كيفية وطرق تطبيق قضايا المنهج.
والمثال على ذلك: "إذا كانت العبادة في الإسلام منهجاً ونظاماً؛ فإنَّ من أساليبها الصلاة والصيام والحج والزَّكاة ... إلخ".
стр. 166
ثانياً: إنَّ منهج الدَّعوة ربَّانيٌّ، كلُّه من عند الله تعالى، وقد جاء مفصَّلاً في الكتاب والسنة، ولا مجال فيه لاجتهاد مجتهد أو رأي بشر.
أمَّا الوسائل والأساليب، فقد جاءت في صورة قواعد كلية وأسس عامة، لكي يتَّخذ المسلمون من الوسائل والأساليب، لتوضيح منهج الإسلام وقضاياه، بما يتلاءم مع ظروف الزمان والمكان.
والمثال على ذلك قوله تعالى:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥].
فهذه الآية، توضح أنَّ من يسلك سبيل الدَّعوة إلى الله، فينبغي عليه أن يأخذ بالأساليب التالية:
الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالَّتي هي أحسن.
هذه الأساليب التي أشار إليها القرآن الكريم، إشارةً موجزةً دون تفصيل.
فيأتي العلماء ويوضحون مفهوم الحكمة، والفرق بينها وبين العلم، وما هي ضوابط الحكمة؟ وما هو الإطار الذي يتحرك فيه الدَّاعية بالحِكمة والفطانة وحسن الوعي؟ ومدى الحكمة في ترتيب أولويَّات موضوعات الدَّعوة ومنهجها.
ثم يوضِّحون أساليبَ الموعظة الحسنة: هل بالوعظ والإرشاد؟ أم بالوعد والوعيد؟ وهل تشملُ الكتابة، أو استخدام أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة، أم تتضمَّن التربية والتعليم؟
وكذلك المجادلة بالتي هي أحسن: ما ضوابطها؟ ما أصناف المدعوين الذين يتوجه إليهم الدُّعاة بالمجادلة؟ ومتى يتوقف الإنسان عن الجدال.
كلُّ هذه الأمور وغيرُها تدخل في مجال أساليب الدَّعوة، مما سنوضحه في ثنايا هذه المحاضرات.
ومن هنا يتضح الفرق بين مناهج الدَّعوة وأساليبها.
стр. 167
الأسس المنهجية التي تقوم عليها الدَّعوة إلى الله
تمهيد:
إنَّ الدَّعوة إلى الله أمرٌ إلهيٌّ، وشأنٌ ربَّانيٌّ، صاغته يدُ القدرة صياغةً فريدةً متميِّزةُ:
﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٨٨].
فالإنسان أثرٌ من آثار قدرة الله، وأحدُ دلائل الإحكام والإبداع والإتقان، قال تعالى:
﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾.
وقال جل شأنه:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦].
هذا الإنسان، قد أودع الله بين حنايا جسده وثنايا قلبه ونفسه، دوافع الخير ونوازع الشر، ومتطلَّبات الرُّوح ورغبات الجسد، كما أنَّه من دلائل الإعجاز وآيات الخلق والتَّكوين ممَّا تخفى حكمته عن الخلق، ويستعصى سرُّه عن الفهم أنَّ الله جلت حكمته، قد جعل للشيطان طريقاً إلى بني آدم، يُزيِّن لهم المعاصي ويوسوس لهم بالمحرَّمات، فلا ينجو أحدٌ من كيده، ولا يفرُّ إنسانٌ من مكره، إلا المتَّقين من عباد الرَّحمن.
هذا الإنسان، بهذا التَّكوين، وبما يحمله داخل جسده ونفسه، لم يتركه الله في هذه الحياة وحيداً فريداً، تتخطَّفه شياطين الإنس والجنِّ، ولم يدفع به إلى الأرض تائهاً حيرانَ، تتخبَّطُه العقائد الباطلة والنِّحَلُ الفاسدة، وإنَّما وُضع له من خلال الرُّسل المرسلة، والكتب المنزلة، المنهجُ الذي يصونه ويحفظه ويرعاه ويحول بينه
стр. 168
وبين وساوس الشيطان ورغبات النفس وشهواتها، هذا المنهج الدَّعويُّ، يقوم على ثلاثة أسس:
المنهج الحسيِّ، المنهج العقليِّ، المنهج العاطفيِّ.
أولاً: المنهج الحسي:
تعريفه: هو النظام الدعوي الذي يرتكز على الحواس، ويعتمد على المشاهدات والتَّجارب.
وقيل في تعريفه أيضاً: هو مجموعة الأساليب الدعوية، التي ترتكز على الحواس، وتعتمد على المشاهدات والتجارب.
فقد أودع الله في الإنسان قوةَ إدراكات كبيرة، تطَّلع على الكون، ولها منافذُ تُطِلُّ منها على العالم من حولها، وهي الحواسُّ الخمس: السَّمع، والبصر، والشَّمُّ، والتَّذوُّق، واللَّمس.
ومن خلال ما تشاهده تلك الحواس، وتنقله إلى عقل الإنسان وفكره، ممَّا هو حوله، حيث يقف على الحقيقة بيضاء ناصعة.
وقد وجه القرآن الكريم أهمَّ حاستين في الإنسان، وهما السمع والبصر، إلى استجلاء حقيقة الإيمان بالله والوقوف على دلائل القدرة وآيات عظمة الله في الخلق والتكوين والإبداع والإتقان، حيث تلامس تلك الحواس هذه الحقائق، فتؤمن عن يقين وتصدق عن اقتناع، قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨].
وعن مسؤولية الحواس، قال تعالى:
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦].
وقال -جلَّ شأنه-:
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون:٧٨].
وقال تعالى:
﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الأِنْسَانِ مِنْ
стр. 169
طِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة:٦ - ٩].
ويُلاحظ في هذه الآيات، الترابطُ الوثيقُ، والتلازم الوطيد، بين كلٍّ من السمع والبصر والعقل والقلب؛ لأنَّ العقل يحكم على الأشياء، من خلال ما تنقله الحواس، ولا يستطيع أن يعمل بدونها، فإذا فقد الإنسان حاسَّة البصر حكم العقلُ على أنَّ كلَّ شيءٍ أسود، وإذا فقد حاسة السمع توقف العقل عن التمييز بين الأصوات، ولذلك فإنَّ من أسباب الكفر وانحراف الفكر تعطيل الحواس عن إدراك عظمة الخالق في الأنفس والآفاق، قال -تعالى- في شأن الكافرين:
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٧].
وقد جمع القرآن الكريم بين الكافرين والمنافقين في فساد حواسِّهم، قال تعالى:
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة:١٨].
وقال تعالى:
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١].
ولقد نقل القرآن الكريم صورة حسِّيَّةً حيَّة ومشاهدة، لتعمُّد تعطيل عمل الحواس، وذلك فيما حكاه عن نوح ﵇ قال تعالى:
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ -أي وضعوا ثيابهم على أعينهم- وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً﴾ [نوح:٥ - ٧].
هذا، ولقد راعى الإسلام في المنهج الحسي، حاسَّة التَّذوُّق، وهي اختبار طعم الشيء وتذوقه، ويطلق على المطعومات التي يتذوقها اللسان، وقد استعملها القرآن الكريم مع حاسة اللمس، ليستدلَّ من خلالها على نعيم المؤمنين وعلى عذاب الكافرين.
стр. 170
فعن تذوُّق العذاب وتجرُّع آلامه، قال تعالى:
﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص:٥٧].
وقال تعالى:
﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً * إِلا حَمِيماً وَغَسَّاقاً * جَزَاءً وِفَاقاً﴾ [النبأ:٢٤ - ٢٦].
وقال تعالى:
﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦].
وكذلك للرحمة مذاق، يتجلى في هدوء النفس وانشراح الصدر وصدق النية وإخلاص العمل، قال تعالى:
﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾ [الشورى:٤٨].
وقال تعالى:
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا﴾ [الروم:٣٦].
وقوله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الروم:٤٦].
وقال ﷺ : ((ثلاثٌ من كنَّ فيه وجدَ حلاوةَ الإيمان: أن يكونَ اللهُ ورسولُه أحبََّ أليه ممَّا سواهُما، وأن يُحبَّ المرءَ لا يُحبُّه إلا لله، وأن يكرَه أن يعودَ في الكفر، كراهة أن يُلقى به في النار)).
وقال ﷺ : ((ذاق طعمَ الإيمان: مَن رضِي بالله ربَّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمَّد ﷺ نبيَّاً ورسولاً.)).
فالقرآن الكريم، بما اشتمل عليه من الحقائق حول الإنسان والكون، يقوم على المنهج الحسي الذي يعتمد على الملاحظة، من خلال البرهان الساطع والدليل القاطع الذي تدركه الحواس.
وقد بين الحق ، أن تعطيل الحواس وصرفها عن مشاهدة عظمة الله في الأنفس والآفاق، إفساد للفطرة وانحدارٌ بها إلى أقل من الحيوانات مرتبةً، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون﴾ [الأعراف:١٩].
стр. 171
ومن أبرز أساليب المنهج الحسي، في ميدان الدَّعوة إلى الله، ما يلي:
١ - لفت الحواس إلى المشاهدات الكونية: وذلك بالنظر إليها والتأمل فيها، للتوصل للإيمان بوجود الله ووحدانيته، قال تعالى:
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق:٦ - ١١].
وقال تعالى:
﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢١]،
هذا منهج حسي، يُوجِّهُ البشر إلى النَّظر والتَّأمُّل في ملكوت الله.
٢ - أسلوب التَّعليم التَّطبيقيّ: وذلك بأن يشاهد المدعوُّون الدَّاعيَ بأبصارهم، أو يتلقَّون بالسماع عنه، وهذا منهج حسي وضع رسول الله ﷺ أسسه وقواعده، فقال لأصحابه: ((صَلُّوا كما رأيتُمُوني أُصلِّي)) رواه البخاري.
وقال: ((خُذوا عنِّي مناسكَكُم)).
والسنة النبوية تحمل بين ثناياها حشداً هائلاً، لكلِّ أحوال الرَّسول ﷺ التي كانت تتبعها الصَّحابة، ويُبصرونها بأعينهم، ويتعبَّدون بالاقتداء بها، امتثالاً
стр. 172
لقول الله تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١].
وقد كانت أفعاله ﷺ تطابق أقوالَه، وظلَّت حياته ﷺ كتاباً منظوراً يشاهده المسلمون بحواسهم ويرصدونه بأفئدتهم، ويروون هذه الأخبار والأحوال؛ فتلقاها الرواة الثقات العدول، حتى تم تدوين ذلك، في أوائل القرن الثَّاني الهجري، مما يؤصِّل المنهج الحسي للدَّعوة إلى الله.
٣ - تأييد الله للأنبياء والمرسلين بالمعجزات الحسية: كعصا موسى، وناقة صالح، وكنزع خاصية الإحراق من النار التي أُُلقي فيها إبراهيم ﵇، وكمعجزات عيسى ﵇، كانت معجزات حسِّيَّة.
هذا بجانب معجزات الرَّسول ﷺ فقد أيَّده الله بمعجزات حسية، شاهدها الصحابة، كانشقاق القمر، وتسبيح الحصى، والبركة في الطعام، ونبع الماء من بين أصابعه ﷺ وردِّ عين أبي قتادة ﵁ وغير ذلك من المعجزات الحسِّيَّة، بجانب المعجزة المعنويَّة الكبرى: القرآن الكريم.
ممَّا يؤكد على أهمية المنهج الحسي، في الدَّعوة إلى الله.
رابعاً: اعتبر الإسلام درء المنكرات ودفع المعاصي باليد أو باللسان أو بالقلب، من الأمور المقرَّرة شرعاً، وينبغي على الأمة أن تقوم بهذا الأمر، قال ﷺ : ((مَنْ رأى منكم منكراً؛ فليُغَيِّرْه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) رواه البخاري.
فاشتراك حاسة اللسان مع جارحة اليد مع مشاعر القلب بالكراهية لمرتكبي المنكر وفي هذا إبراز لفاعلية المنهج الحسي.
стр. 173
ثانياً: ضوابط المنهج الحِسِّي:
وضع الإسلام ضوابط المنهج الحسي،، وجعله في إطار ما أمر الله به ونهى عنه، وقد بيَّن القرآن الكريم والسنة النبوية وجوب صون الحواس وكفِّها عمَّا حرَّم الله، ومن هذه الضوابط:
١ - الالتزام بالنصوص الشرعية، التي توضِّح حدود السَّمع والبصر: ومن ذلك عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: ((إذا أصبحَ ابنُ آدم؛ فإنَّ الأعضاءَ كلَّها تُكفِّر اللسان -أي تذلُّ له وتخضع- تقول: اتَّقِ الله فينا، فإنَّما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوجَحْت اعوججنا)) رواه الترمذي.
وعن أبي موسى ﵁ قال: قلت يا رسول الله: أيُّ المسلمين أفضل؟ قال: ((مَن سلِم المُسلمون، مِن لسانه ويده)) متفق عليه.
٢ - عدم النظر فيما لا يستطيع الإنسان الإحاطةَ به، أو لم يُكَلَّف بالنظر فيه: قال تعالى:
﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ [الإسراء:٣٦].
وقال ﷺ : ((مِن حُسن إسلام المرء، تركُه ما لا يعنيه)).
قال تعالى موضحاً صفات المؤمنين:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣].
وقال تعالى:
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢].
стр. 174
وقال تعالى:
﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥].
٣ - اتباع المنهج الصحيح للنَّظر في الأنفس والآفاق:
وقد وضع القرآن الكريم أسسه وقواعده وفصَّل ضوابطه، ومن ذلك:
أ- النظر في عاقبة المكذبين، قال تعالى:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام:١١].
ب- وجوب النَّظر والتأمل، فيما أنعم الله على عباده من نعم، قال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١١].
ج- النظر في السماوات والأرض، وما فيهما من دلائل العظمة وآيات القدرة، قال تعالى:
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١].
د- النظر في عواقب الأمور، والتفكر فيما يقدمه الإنسان يوم القيامة، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
والنظر فيما يأكله الإنسان، نظرة تدبُّر وتفكُّر، ومشاهدة جمال الخلق وبديع الصنع، قال تعالى:
﴿فَلْيَنْظُرِ الأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس:٢٢٤ - ٣٢].
стр. 175
فهذه الآيات تَلفتُ نظر البشر وحواسَّهم، إلى مشاهد الجمال في الكون، ممَّا يُعمِّق مشاعر الإيمان، ويوسِّع مدارك الحواس، فلقد انتكست الإنسانيَّة في هذا العصر، بسبب وسائل الإعلام، حيث جعلت الجمال يقتصر على توجُّه الحواس للمرأة دون غيرها، وإلى إثارة غرائزها وعرض مفاتنها، وأغمض الناس أعينهم عن رؤى الجمال في كل مظاهر الحياة من حولهم، سواء كان جمالاً حسياً فيما يرون ويسمعون، أو جمالاً معنوياً في فضائل الخير ... قال -تعالى- مشيراً إلى حركة الكون وحسن مشاهده:
﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم:٥٠].
ثالثاً: آثار المنهج الحسي في الدَّعوة إلى الله:
للمنهج الحسي أثرٌ عميق وتأثيرٌ ملموس على المدعُوِّين، حيث يحملهم على الإيمان بالله إيماناً صادقاً، يتَّضح ذلك للأسباب التالية:
١ - سرعة التأثير على الإنسان؛ لاعتماده على الحواس التي تتصل بالمظاهر من حوله اتصالاً مباشراً، وتنقل تلك المشاهدات للعقل مباشرة، حيث يقتنع ويُصَدِّقُ ويسلم بقدرة الله في الأنفس والآفاق.
٢ - عمق التَّأثير في النَّفس، لمعاينتها الشيءَ المحسوس، فتتفاعلَ معه، فإنَّ اشتراك الحواسِّ في تلقِّي أمرٍ من الأمور الدِّينيَّة أو الدُّنيويَّة ومعاينته، يُوَلِّد في النَّفس القَبول، وفي الصدر الانشراح، وفي العقل الاقتناع.
٣ - اتساع دائرة المنهج الحسي، لاشتراك البشر جميعاً. فالحواس الخمس تجتمع وتتواجد بصورة متماثلة في الناس أجمعين، قال -تعالى- عن هذا الخلق البديع:
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠].
стр. 176
فالحواسُّ، مصدر من مصادر المعرفة، ووسيلةٌ للتَّعرُّف على آثار قدرة الله.
ويجب على الدُّعاة إلى الله، أن يُرَشِّدوا عملها، وأن يوجِّهوها الوجهة التي خلقها الله من أجلها، وأن لا يحصروها في دوائر ضيِّقة محدودة، وأن ينطلقوا بها إلى أرجاء الكون الرَّحب الفسيح، لتتأمَّل ولتنظر في ملكوت السماوات والأرض، قال -تعالى-:
﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك:٢٣].
هذا هو المنهجُ الحِسِّيُّ في الدَّعوة إلى الله، وهذه هي قواعدُه وضوابطُه وآثاره، أمَّا عن المنهج العقليِّ والعاطفيِّ، فهذا موضوع المحاضرة القادمة، إن شاء الله.
стр. 177
الدرس: ٩ المنهج العقلي للدعوة إلى الله .
стр. 178
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع
(المنهج العقلي للدَّعوة إلى الله)
١ - المنهج العقلي للدَّعوة إلى الله
أولاً: تعريف العقل في اللغة والاصطلاح
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الَّذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وكرَّمه بالعقل، وميَّزه بالفكر، وأنعم عليه بنطق اللِّسان ومَلَكة البيان، وفضَّله على كثيرٍ من الخلق في هذه الأكوان، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الخلق وخاتم الرُّسل، الذي هدى الله ببعثته العقول الضَّالَّة، وصحَّح برسالته الأفكار المنحرفة، وردّ بدعوته النُّفوس التائهة، وعلى آله وأصحابه أولي الفضل والألباب ...
السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد
تمهيد:
فقد تناولنا في المحاضرة السَّابقة، لمادة أصول الدَّعوة وطرقها، المستوى الثاني، التَّعريف اللُّغويَّ والاصطلاحيَّ لمناهج الدَّعوة، ووضَّحنا الفرق بينها وبين الأساليب، وذكرنا من أنواعها المنهجَ الحِسِّيَّ.
وفي هذه المحاضرة الثالثة، نوضح -إن شاء الله- المنهج العقليَّ للدَّعوة إلى الله، وسوف تتضمَّن هذه المحاضرة عنصراً واحداً يشتمل على عدَّة أبحاث.
لقد أنعم الله على الإنسان بنعمة العقل والفكر، وبهما كرَّم -سبحانه- بني آدم على كثير من الكائنات، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠].
ومن أعظم معالم هذا التَّكريم والتَّفضيل، ما اختصَّ الله به البشر من عقولٍ هي مركز التَّوجيه، ومحور التَّفكير، ومناط التَّكليف، وبها يتميَّز الإنسان عن الحيوان، فالعقل يستقي المعلومات من الحواسِّ بواسطة الجهاز العصبيِّ الذي يمتدُّ من خلايا الجسم وأنسجته؛ ليصل إلى الدِّماغ في نظام مُحكم بديع، وصُنعٍ إلهيٍّ معجزٍ للعقول مبهرٍ للنُّفوس، وما زال العلم رغم تقدُّم إمكاناته، والعلماء وما توصلوا إليه من حقائق، يقفون عاجزين عن إدراك حقيقة العقل وأسرار تكوينه.
والإسلام والعقل وجهان لعملة واحدة، صنعتها يدُ القدرة، وكلاهما يهدفان لغاية واحدة: هي البحث عن الحقيقة والوصول إليها، ومن أجَلِّ هذه الحقائق وأعظمِها على الإطلاق: الإيمانُ بالله والتَّصديق بوجوده ووحدانيَّته، تصديقاً يقوم على الحجة الواضحة، والبرهان الساطع، والدَّليل القاطع، والسبيل إلى هذا هو الدَّليل النَّقليُّ من الكتاب والسنة، والدليلُ العقليُّ لأصحاب الفكر المستقيم والفطر النقية.
وقبل أن نبيِّن المنهج العقلي للدعوة إلى الله، نلقي بعض الضوء على ماهية العقل وحقيقته.
стр. 179
١ - تعريف العقل في اللغة:
جاء في "القاموس المحيط" مادة "عقل": عَقَلَ يعقِل عقلاً ومعقولاً وعقّل فهو عاقل، والجمع عقول، وعقل الدواءُ بطنَه يعْقِلُهُ ويَعْقَلُهُ: أمسكه، وعَقَلَ الشي: فهمه فهو عقولُ.
وعَقَلَ البعير: شدّ وظيفَه إلى ذراعه -أي قوائمه- يقال: "ظفّ قوائم البعير شدَّها كلَّها وجمعها".
ويقال: اُعتُقِلَ لسانُهُ: لم يقدر على الكلام.
فأصل مادة كلمة "عقل" تدور حول معنى الإمساك بالشَّيء وحبسه وربطه.
وسُمِّي العقل عقلاً؛ لأنَّه يعقل صاحبَه ويحبسه، ويحول بينه وبين التورط في المهالك.
ومن مُسميات العقل:
١ - الحِجر، قال تعالى:
﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٥].
يقول الإمام ابن كثير: "أي لذي عقلٍ ولُبٍّ وحجاً، وإنَّما سُمِّي العقل حجراً؛ لأنَّه يمنع الإنسان من تعاطي ما لا يليق من الأفعال والأقوال، ومنه حجر البيت الحرام؛ لأنَّه يمنع الطائف من اللُّصوق بجداره، وحجر الحاكم على فلان إذا منعه من التصرف.
стр. 180
٢ - النُّهَى، وهو جمع نُهْيَةٍ، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُّهَى﴾ [طه:١٢٨].
٣ - اللُّبُّ: من أسماء العقل يجمع على ألبابٍ، وألُبٍّ، وأَلبُبٍ، ورجل لبٌّ، ولبيب وملبوب، فاللبيب العاقل، والجمع ألبَّاء. فاللبيب هو الموصوف بالعقل.
فاللب هو الدائرة الواقعة في عمق مركز التَّفكير، وهو مركز استقرار المعرفة العلميَّة، ومركز التذكر والاعتبار والاتِّعاظ والذكرى، وعنه تصدر النتائج الفكرية، إلى الفؤادِ والقلبِ والصدرِ لتحريك العواطف، قال تعالى:
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:٢٦٩].
٢ - تعريف العقل في الاصطلاح:
ذُكرت تعاريف كثيرة للعقل، غير أنَّ أقربَها إلى الوضوح، ما ذكره صاحب "القاموس" بقوله: "العقلُ العلمُ بصفات الأشياء، من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها، أو العلمُ بخير الخيرين وشرّ الشرين، أو مطلقٌ لأمور أو لقوَّةٍ بها يكون التَّمييزُ بين القبح والحسن، أو لِمَعانٍ مجتمعة في الذِّهن، يكون بمقدمات يُستتبُّ بها الأغراض والمصالح، ولهيئةٍ محمودة للإنسان في حركاته وكلامه.
والحقُّ أنَّ العقلَ نورٌ روحانيٌّ، به تدرك النَّفسُ العلومَ الضَّروريَّة والنَّظريَّة، وابتداءُ وجوده عند اجتنان الإنسان -أي عند صيرورته جنيناً- ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ".
ثانياً: مستقر العقل
يذكرُ علماءُ الطِّبِّ والتَّشريح، أنَّ العقل هو المخُّ الذي يستقرُّ في الدماغ، الَّذي يحتوي على عددٍ يتراوح ما بين "١٠" بلايين و "١٠٠" بليون عصبون، وكل هذه العصبونات، تكون موجودة خلال الأشهر القليلة الأولى للولادة.
следующие страницы →