Полный текст (292 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
فالحواسُّ، مصدر من مصادر المعرفة، ووسيلةٌ للتَّعرُّف على آثار قدرة الله.
ويجب على الدُّعاة إلى الله، أن يُرَشِّدوا عملها، وأن يوجِّهوها الوجهة التي خلقها الله من أجلها، وأن لا يحصروها في دوائر ضيِّقة محدودة، وأن ينطلقوا بها إلى أرجاء الكون الرَّحب الفسيح، لتتأمَّل ولتنظر في ملكوت السماوات والأرض، قال -تعالى-:
﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك:٢٣].
هذا هو المنهجُ الحِسِّيُّ في الدَّعوة إلى الله، وهذه هي قواعدُه وضوابطُه وآثاره، أمَّا عن المنهج العقليِّ والعاطفيِّ، فهذا موضوع المحاضرة القادمة، إن شاء الله.
стр. 177
الدرس: ٩ المنهج العقلي للدعوة إلى الله .
стр. 178
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع
(المنهج العقلي للدَّعوة إلى الله)
١ - المنهج العقلي للدَّعوة إلى الله
أولاً: تعريف العقل في اللغة والاصطلاح
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الَّذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وكرَّمه بالعقل، وميَّزه بالفكر، وأنعم عليه بنطق اللِّسان ومَلَكة البيان، وفضَّله على كثيرٍ من الخلق في هذه الأكوان، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الخلق وخاتم الرُّسل، الذي هدى الله ببعثته العقول الضَّالَّة، وصحَّح برسالته الأفكار المنحرفة، وردّ بدعوته النُّفوس التائهة، وعلى آله وأصحابه أولي الفضل والألباب ...
السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد
تمهيد:
فقد تناولنا في المحاضرة السَّابقة، لمادة أصول الدَّعوة وطرقها، المستوى الثاني، التَّعريف اللُّغويَّ والاصطلاحيَّ لمناهج الدَّعوة، ووضَّحنا الفرق بينها وبين الأساليب، وذكرنا من أنواعها المنهجَ الحِسِّيَّ.
وفي هذه المحاضرة الثالثة، نوضح -إن شاء الله- المنهج العقليَّ للدَّعوة إلى الله، وسوف تتضمَّن هذه المحاضرة عنصراً واحداً يشتمل على عدَّة أبحاث.
لقد أنعم الله على الإنسان بنعمة العقل والفكر، وبهما كرَّم -سبحانه- بني آدم على كثير من الكائنات، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠].
ومن أعظم معالم هذا التَّكريم والتَّفضيل، ما اختصَّ الله به البشر من عقولٍ هي مركز التَّوجيه، ومحور التَّفكير، ومناط التَّكليف، وبها يتميَّز الإنسان عن الحيوان، فالعقل يستقي المعلومات من الحواسِّ بواسطة الجهاز العصبيِّ الذي يمتدُّ من خلايا الجسم وأنسجته؛ ليصل إلى الدِّماغ في نظام مُحكم بديع، وصُنعٍ إلهيٍّ معجزٍ للعقول مبهرٍ للنُّفوس، وما زال العلم رغم تقدُّم إمكاناته، والعلماء وما توصلوا إليه من حقائق، يقفون عاجزين عن إدراك حقيقة العقل وأسرار تكوينه.
والإسلام والعقل وجهان لعملة واحدة، صنعتها يدُ القدرة، وكلاهما يهدفان لغاية واحدة: هي البحث عن الحقيقة والوصول إليها، ومن أجَلِّ هذه الحقائق وأعظمِها على الإطلاق: الإيمانُ بالله والتَّصديق بوجوده ووحدانيَّته، تصديقاً يقوم على الحجة الواضحة، والبرهان الساطع، والدَّليل القاطع، والسبيل إلى هذا هو الدَّليل النَّقليُّ من الكتاب والسنة، والدليلُ العقليُّ لأصحاب الفكر المستقيم والفطر النقية.
وقبل أن نبيِّن المنهج العقلي للدعوة إلى الله، نلقي بعض الضوء على ماهية العقل وحقيقته.
стр. 179
١ - تعريف العقل في اللغة:
جاء في "القاموس المحيط" مادة "عقل": عَقَلَ يعقِل عقلاً ومعقولاً وعقّل فهو عاقل، والجمع عقول، وعقل الدواءُ بطنَه يعْقِلُهُ ويَعْقَلُهُ: أمسكه، وعَقَلَ الشي: فهمه فهو عقولُ.
وعَقَلَ البعير: شدّ وظيفَه إلى ذراعه -أي قوائمه- يقال: "ظفّ قوائم البعير شدَّها كلَّها وجمعها".
ويقال: اُعتُقِلَ لسانُهُ: لم يقدر على الكلام.
فأصل مادة كلمة "عقل" تدور حول معنى الإمساك بالشَّيء وحبسه وربطه.
وسُمِّي العقل عقلاً؛ لأنَّه يعقل صاحبَه ويحبسه، ويحول بينه وبين التورط في المهالك.
ومن مُسميات العقل:
١ - الحِجر، قال تعالى:
﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٥].
يقول الإمام ابن كثير: "أي لذي عقلٍ ولُبٍّ وحجاً، وإنَّما سُمِّي العقل حجراً؛ لأنَّه يمنع الإنسان من تعاطي ما لا يليق من الأفعال والأقوال، ومنه حجر البيت الحرام؛ لأنَّه يمنع الطائف من اللُّصوق بجداره، وحجر الحاكم على فلان إذا منعه من التصرف.
стр. 180
٢ - النُّهَى، وهو جمع نُهْيَةٍ، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُّهَى﴾ [طه:١٢٨].
٣ - اللُّبُّ: من أسماء العقل يجمع على ألبابٍ، وألُبٍّ، وأَلبُبٍ، ورجل لبٌّ، ولبيب وملبوب، فاللبيب العاقل، والجمع ألبَّاء. فاللبيب هو الموصوف بالعقل.
فاللب هو الدائرة الواقعة في عمق مركز التَّفكير، وهو مركز استقرار المعرفة العلميَّة، ومركز التذكر والاعتبار والاتِّعاظ والذكرى، وعنه تصدر النتائج الفكرية، إلى الفؤادِ والقلبِ والصدرِ لتحريك العواطف، قال تعالى:
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:٢٦٩].
٢ - تعريف العقل في الاصطلاح:
ذُكرت تعاريف كثيرة للعقل، غير أنَّ أقربَها إلى الوضوح، ما ذكره صاحب "القاموس" بقوله: "العقلُ العلمُ بصفات الأشياء، من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها، أو العلمُ بخير الخيرين وشرّ الشرين، أو مطلقٌ لأمور أو لقوَّةٍ بها يكون التَّمييزُ بين القبح والحسن، أو لِمَعانٍ مجتمعة في الذِّهن، يكون بمقدمات يُستتبُّ بها الأغراض والمصالح، ولهيئةٍ محمودة للإنسان في حركاته وكلامه.
والحقُّ أنَّ العقلَ نورٌ روحانيٌّ، به تدرك النَّفسُ العلومَ الضَّروريَّة والنَّظريَّة، وابتداءُ وجوده عند اجتنان الإنسان -أي عند صيرورته جنيناً- ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ".
ثانياً: مستقر العقل
يذكرُ علماءُ الطِّبِّ والتَّشريح، أنَّ العقل هو المخُّ الذي يستقرُّ في الدماغ، الَّذي يحتوي على عددٍ يتراوح ما بين "١٠" بلايين و "١٠٠" بليون عصبون، وكل هذه العصبونات، تكون موجودة خلال الأشهر القليلة الأولى للولادة.
стр. 181
وأنَّ الدماغ مركز التَّحكُّم الرئيسيّ في الجسم، حيث يستقبل المعلوماتِ الواردةَ من أعضاء الحسِّ، عمَّا يجري داخل الجسم وخارجه، ويُحلِّلها بسرعة، ويُرسل الرَّسائل الملائمة، الَّتي تنظم حركة الجسم ووظائفه.
ويقوم الدِّماغ -أيضاً- يتخزين المعلومات الخاصَّة بالخبرات السَّابقة، مما يُساعد الشَّخص على التَّعلُّم والتَّذكر، كما أنَّه يُعَدُّ مصدراً للأفكار والأمزجة والانفعالات، هذا هو تعريف أو تقرير الأطبَّاء عن مستقرِّ العقل، وأنه في الدِّماغ.
غير أنَّ القرآن الكريم -وهو كلامُ الله المعجز، الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه- يذكر أنَّ القوة العاقلة في الإنسان، تستقرُّ في القلب، ومستقرُّه الصَّدر، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩].
فقد أسندت الآيةُ الفقه والفهم والتَّدبر للقلوب.
قال تعالى:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
فقد أشارت الآية إلى أنَّ القلوب هي الَّتي تعقل، وأنَّ مكانها في الصَّدر.
وقال تعالى:
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].
ففي هذه الآية، توضيحٌ: أنَّ عدم التَّدبر والتَّفكر، يكون بسبب ما يرينُ على القلوب، ويجعلُها مغلقةً كأنَّ عليها أقفالاً تحول دون تفهُّم القرآن الكريم وتدبُّر آياته، قال تعالى:
﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤].
وذكر الحق ﵎ أنَّ الختم بالكفر يكون على القلب، قال تعالى:
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٧].
كذلك من أعمال القلب الخطأ والصواب، قال تعالى:
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥].
стр. 182
كما أشار الرَّسول ﷺ إلى أنَّ القلب عليه مدار سعادة الإنسان أو شقاؤه، فقال: ((أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)) رواه البخاري.
ممَّا سبق من هذه الآيات، يتبيَّن أنَّ العقل غريزة فطريَّة، يولد الإنسان مزوَّداً بها تنمو شيئاً فشيئاً، ومحل هذه الغريزة الفطرية إنَّما هو القلب.
فمن مفهوم الآيات السابقة، يتَّضح أنَّ العقل مكانُه القلب، بينما الطِّبُّ يذكر أنَّ العقل مركزُه الدِّماغ.
وحينما يستخدم القرآنُ الكريمُ القلبَ في أداء وظيفة العقل، وهي التَّفقُّه أو التَّدبُّر، أو يذكر العقل فيما يمتاز به القلب، فهو استخدامٌ مجازيٌّ لغرضٍ بلاغيٍّ، يعكس وجهاً من وجوه الإعجاز القرآنيِّ، ويوضح مدى الارتباط الوثيق بين ما يحتويه الدِّماغ من المخ، وبين ما يضمُّه الصدر من القلب، حيث إنَّ القلب يضخُّ الدَّمَ الذي يُغذِّي المخَّ عن طريق الأوردة والشَّرايين، وهذا هو الظاهر الملموس لبني البشر، من خلال وسائل الاكتشافات العلمية الحديثة، في مجال التَّشريح والطب، أمَّا عن خصائص كلٍّ منهما، وما ينفرد به أحدُهما عن الآخر، وهل العقل مركزه المخُّ أو القلب؟ فهذا سرٌّ من أسرار القدرة الإلهية، التي أودعها الخالق في جسم الإنسان، كما هو الأمر في شأن الرُّوح، قال تعالى:
﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوح قُلِ الرُّوح مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥].
فكما أنَّ الرُّوح َ سرٌّ إلهيٌّ في الجسد، لم يستطِع العلم الحديث، رغم إمكاناته الهائلة، أن يرصد حركتها، ولن يستطيع ذلك، فكذلك ما يتعلَّق بمكان تواجد العقل، فهذا من آيات الخلق المُبهرة، ودلائل التَّكوين المعجزة، قال تعالى:
﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١].
стр. 183
وقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الطارق:٦ - ٨].
ثالثاً: تعريف المنهج العقلي للدَّعوة إلى الله وارتباطه بالحواس
المنهجُ العقليُّ في الدَّعوة إلى الله، هو النِّظام الدَّعويُّ الذي يرتكز على العقل، ويدعو للتفكر والتدبر والاعتبار، ويعتمد العقلَ في النتائج التي يتوَصَّل إليها، أو الحكم على الأشياء بما تنقله الحواسُّ، التي ترسل إشارتها إلى مركز القلب والعقل في الإنسان، ولقد أشار القرآن الكريم للارتباط الوثيق بين الحواس والقلوب، قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨].
وقال جل شأنه:
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون:٧٨].
وقد أعلن القرآن الكريم، عن المسؤوليَّة المشتركة بين الحواس والأفئدة، قال تعالى:
﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣١].
وقد بين القرآن الكريم أنَّ من أهم أسباب القوة والتَّمكين في الأرض، أن يعتمد الخلقُ على المنهج العقليِّ، المرتبط بحسن السمع والنَّظر، اللذان يؤديان إلى الفكر المستقيم، والرأي السديد، وأنَّ من أسباب هلاك الأمم وضعف الشعوب وهوانها، أن تُغمض أعينَها عمَّّا أنعم الله به عليها من نعم السمع والبصر والعقل، أو تصرفها بعيداً عما خلقها الخالق -سبحانه- من أجله، إلى ما لا فائدة منه ولا
стр. 184
ثمرة فيه، كما هو شأن العالَم المعاصر، الذي فقد اتِّزانه وأفسد حواسه وعقله، بالفن الهابط والأدب الساقط والقول المبتذل، قال -تعالى- عن عناصر التمكين في الأرض ونتائج إفسادها:
﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف:-٢٦ - ٢٧].
وقد تحدَّث القرآن الكريم عن مشاهد الخزي والذل والهوان يوم القيامة، لمن ضلَّت قلوبهم وعقولهم، قال تعالى:
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٤٣].
واستكمالاً لمشهد الحواس والقلوب يوم القيامة، يقول الله تعالى:
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٨ - ١٩].
ممَّا سبق من هذه الآيات، يتَّضح مدى الارتباط الوثيق، وتبعة المسؤولية، وتحمُّل الثَّواب والعقاب، لكلٍّ من الحواس ومراكز التفكر والتدبر في الإنسان.
رابعاً: مكانة العقل في الإسلام
يحظَى العقلُ في رحاب الإسلام، بمنزلة كريمةٍ ومرتبةٍ عالية، فبسببه كرَّم اللهُ الإنسان واستخلفه في أرضه وائتمنه على بعض أسرار كونه، وفضَّله على كثيرٍ من خلقه، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠].
стр. 185
هذا التَّفضيل وذلكم التَّكريم، ليس لكون الإنسان يأكل أو يشرب أو يتناسل، فهذه صفات يشترك فيها مع ما يدبُّ معه على هذه الأرض، بل هو أقلُّ تزوُّداً وأضعفُ نسلاً من كثير من هذه الدَّوابِّ، وإنَّما شرف بما وهبه الله من عقل يفكر به، ولسانٍ ينطق به، وبما أودعه بين حنايا نفسه من مَلَكَاتٍ جعلته أهلاً وجديراً بما خلقه الله من أجله وكلَّفه به، وتتَّضح مكانة العقل في الإسلام، من خلال الأمور التالية:
١ - جعل الإسلامُ العقلَ من ضروريات الإنسان الخمسة، التي يجب المحافظة عليها، وهي: الدِّين، النَّفس، العقل، النَّسل، المال.
وشرع من الأحكام والحدود، ما يحمي العقل ويصونُه من التَّلَف، فحرمت الخمر وكل مسكر من مشروب أو مأكول يخامر العقل ويغطيه، وشرع الإسلام حدَّ شارب الخمر، صيانةً له وحفظاً.
٢ - العقل يسمو بالإنسان على الملائكة:
إذ إنَّ الله خلق الملائكة بعقل دون شهوة، وخلق الدَّوابَّ بشهوة من غير عقل، أمَّا الإنسان فهو مُرَكَّبٌ من عقل وشهوة، فمَن ارتقى مِن البشر بعقله وتغلَّب على شهواته، كان عند الله أفضلَ من الملائكة، بدليل أنَّ الله يباهي بعبده الصَّائم الملائكةَ، كما ذكر رسول الله ﷺ ، أمَّا من تغلَّبت شهوتُه على عقله، فإنَّه ينزل إلى مرتبةٍ أقلَّ من الحيوان.
٣ - الأحكام الشرعيَّة في الإسلام، مرتبطةٌ ببلوغ الإنسان واكتمال عقله، وتسقُط عنه التكاليف الشرعيَّة، إذا ما زال عقله بمرض أو جنون أو إغماء أو نوم، قال ﷺ : ((رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ)).
стр. 186
٤ - أمر اللهُ الإنسان، أن ينشط عقله ويوقظ ذاكرته، كلَّما اعتراهما الغفلة والنسيان، يذكرهما بالعبادة وذكر الله، ليظلَّ العقلُ يقظاً، قال تعالى:
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً﴾ [الكهف:٢٤].
ولهذا كان من دعاء المؤمنين، أن يحفظ الله عقولَهم من النِّسيان والخطأ، فذكر الله ﵎ دعاءهم:
﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٢٦].
٥ - بين الحق ﵎ أنَّ الكفر والإلحاد وفساد العقيدة وانحراف السلوك، سببُه غشاوة العقول واضطراب الفكر واعتلال النظر، قال تعالى:
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:٢٢].
وقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٢].
قال تعالى:
﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٢ - ٤٣].
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩].
فهذه الآيات تشير بوضوح، إلى أنَّ انحراف العقل عن الفكر الصحيح، وتعطيل الحواسِّ عَمَّا حولَها في الأنفس والآفاق، من آيات القدرة ودلائل العظمة، هو انتكاسٌ للفطرة، وتمرُّدٌ على رسالة الإنسان في هذا الكون، والانحدار إلى مرتبة الحيوانيَّة، كما قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢].
стр. 187
خامساً: الدَّعوة إلى الله تقوم على الإقناع العقليِّ
إنَّ قواعدَ الإسلام وأركانَ الإيمان، يقومان على أسسٍ من الإقناع العقليِّ والبراهين السَّاطعة والأدلة اليقينيَّة الواضحة والمحجَّة البيضاء الناصعة، فالدعوة إلى الله، لا تعرف التقليد الأعمى، ولا تحمل الناس بالقهر والإكراه على اعتناق عقائدها، ولا تسوق البشر لتشريعاتها وأحكامها كما يُساق القطيع دون فكر أو إرادة، كما أنَّ الدَّعوة إلى الله لا تتطلب من الشخص أن يُبادر باعتناق الإسلام، من خلال عاطفة جيَّاشة أو تأثُّر بموقف معيَّن، وإنَّما تأمره بأن يتريَّث في الأمر، وأن يتعمَّق في البحث، حتى يطمئنَّ قلبُه، وينشرحَ صدره، ويثبت عقله، وتصدق نيته، وتصحَّ عزيمته.
والقرآن الكريم كتاب الدعوة إلى الله، تتلألأ آياتُه، وتسطع شمسُ توجيهاته للإنسانيَّة كلِّها، بالدَّعوة إلى الحوار الهادئ، والنقاش المهذب، والجدال بالتي هي أحسن. فالإسلام العظيم لا يضيق ذرعاً بآراء الغير، وإنَّما يردُّ عليها بالصدق، ويُزيل ما علق بالذِّهن من شبهات، بالإقناع العقلي، بل يتحدَّى الخصم ويطلب منه أن يأتي بما عنده من حجج، وبما لديه من براهين، قال تعالى:
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:٢٤].
وقال تعالى:
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧].
فالبرهان الحجة، وبرهن عليه أقام البرهان.
стр. 188
وقد ذكر الحق -تبارك- أن القرآن الكريم، قد جاء بالبرهان الساطع والنور المبين، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء:١٧٥].
يقول الإمام ابن كثير، في تفسير هذه الآية:
"يقولُ الله مخاطباً جميع الناس، ومخبراً بأنه قد جاءهم منه برهانٌ عظيم، وهو الدَّليل القاطع للعذر والحجَّة، والمُزيل للشُّبهة، ولهذا قال -تعالى-:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾، أي ضياءً واضحاً على الحقِّ".
ولقد وضع القرآن الكريم، قواعد الإقناع وأصول المحاجَّة الفكرية والمجادلة، كما يلي:
١ - أن لا يجادل الإنسانُ إلا في الحقِّ، وألا يُحاجج إلا عن علم ويقين، فقد زعم اليهود والنصارى انتساب إبراهيم ﵇ لكلٍّ منهما، وهذا جهل منهم بحقائق العلم والتاريخ، فإنَّ زمنه ﵇ كان قبل نزول التوراة على موسى والإنجيل على عيسى ﵉، فكيف يتجادلون ويتحاجُّون في أمر يتصادمُ مع العقل، قال تعالى:
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالأِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٦٥ - ٦٦].
٢ - نهى القرآنُ الكريم العقلَ، عن أن يحاجج في الأمور البديهية والمسلَّم بها، ومن ذلك طلبُ الحجة على وجود الله، فهذا أمر ثابت بالفطرة وبالآيات الكونية وببعثة الرسل وإنزال الكتب، وتصريف شؤون الكون وتدبير أحوال الخلق، ورغم هذا كلِّه يطلبون مزيداً من الحجج تعسُّفاً، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى:١٦].
стр. 189
قال تعالى:
﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٦].
٣ - القرآن الكريم، دعا إلى التَّفكير العقليِّ الجماعيِّ؛ لأنَّ التقاء العقول وتلاقي الأفكار يؤدِّيان إلى الوقوف على الحقيقة، وتبيُّن وجه الصَّواب، قال -تعالى- مخاطباً المشركين وداعياً لهم للاجتماع والنَّظر بصدق وموضوعيَّة، فيما نسبوه لرسول الله ﷺ زوراً وبهتاناً؛ فأمر الله رسوله ﷺ أن يُقدِّم لهم موعظةً في كيفيَّة التفكير واتِّخاذ القرار والحكم على الأمور، فقال -جلَّ شأنه-:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيد﴾ [سبأ:٤٦] ولهذا شرع الإسلام الشُّورى، في قوله تعالى:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨].
وفي قوله تعالى:
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
٤ - أمر اللهُ البشر أن يزيلوا غشاوةَ العقول، ويتفكَّروا في الكون من حولهم، ويتدبَّروا في صنع الله المتقن، وبديع خلقه المبهر، ليكون ذلك دافعاً للإقناع، حاملاً على الإيمان، قال تعالى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١].
وقال تعالى:
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٢٦].
وقال تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الروم:٨].
стр. 190
وقال تعالى:
﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:١٧].
٥ - وضع القرآن الكريم، القواعد الكلية للمنهج العقليِّ للدَّعوة الإسلاميَّة، وقد فصل الرَّسول ﷺ هذا المنهج وأمر به أصحابه، ومن ذلك ما رُوي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((تَفكَّرُوا في خَلقِ اللهِ، ولا تتفَكَّروا في الخالق، فإنَّكم لا تقدُرون قَدْره)).
كذلك نهى الرَّسول ﷺ عن أن يتحدَّث الإنسانُ فيما لا يعلم، أو أن يُمعن التفكر فيما ليس فيه مصلحة، فعن عمر ﵁ قال: "نُهينا عن التَّكلُّف" رواه البخاري.
كذلك نهى الإسلام عن أن يبنيَ المسلم أفكاره ومعتقداته على الظن، أو أن يُخضعَ عقله للهوى، أو مؤثراتٍ اجتماعية، تقوم على التقليد.
وقال تعالى:
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠].
وقال جل شأنه:
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ [النجم:٢٣].
وقال رسول الله ﷺ : ((إيَّاكم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكذبُ الحديث)) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
سادساً: آثار المنهج العقليِّ على المدعُوِّين
١ - تظهر آثار المنهج العقليِّ للدَّعوة إلى الله، من خلال الانتشار السريع والمستمرِّ للإسلام، فما يكاد الشَّخص تُلامسُ تعاليمُ الإسلام قلبَه وعقلَه، إلا ويستجيبُ لداعي العقلِ والفطرة.
стр. 191
٢ - نجح الإسلامُ -وما زال النجاحُ حليفَه- في إفحام الخصم، حيث لا يستطيعُ أمام الآيات القرآنيَّة والأحاديث النبويَّة والحجج العقليَّة، إلا الإذعانُ والتَّسليمَ والرِّضا بالإسلام.
٣ - المنهجُ العقليُّ، دائرته محدودة ونطاقه ضيِّق؛ لأنَّه وَقْفٌ على خواصِّ الأمة من العلماء والفقهاء والمفكِّرين والولاة، وبصلاح هؤلاء واستقامة عقولهم وأفكارهم صلاحٌ واستقامة للأمة، بخلاف المنهج الحسي، فهو يقوم على الحواس، وهذا أمرٌ مشترك، ومتاحٌ للناس جميعاً، ولا يحتاج إلى إجهادِ ذهنٍ أو إعمالِ فكر.
أمَّا عن المنهج العاطفيِّ للدَّعوة إلى الله، فهذا موضوعُ المحاضرة القادمة، إن شاء الله.
стр. 192
الدرس: ١٠ المنهج العاطفي في الدعوة إلى الله .
стр. 193
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العاشر
(المنهج العاطفيُّ في الدَّعوة إلى الله)
١ - المنهج العاطفيُّ للدَّعوة إلى الله
التَّعريف بالمنهجِ العاطفِيِّ
الحمد لله، خلقَ الإنسانَ في أحسن تقويم، وأودعَ بين ثنايا نفسه وخَلَجَات قلبه المشاعر والعواطف الَّتي تسمو به، على كثيرٍ من المخلوقات، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الخلق وخاتم الرُّسل، هادي العقولِ إلى الخير، ومطهِّرِ النُّفوسِ من الشَّرِّ، وعلى آله وأصحابه الَّذين صحَّت عقيدتُهم، وسلمت عقولهم، وطهُرت قلوبهم، فرضيَ الله عنهم ورضُوا عنه، وأولئك هم المفلحون ...
السلام عليكم ورحمة الله، فقد تناولنا في اللِّقاءَين السَّابقين، تعريف وتوضيح المنهج الحِسِّيّ والعقليِّ، للدَّعوة إلى الله.
وفي هذه المحاضرة الرابعة، لمادة أصول الدعوة وطرقها، "المستوى الثاني"، نلقي الضوء على المنهج العاطفيِّ للدَّعوة إلى الله، وَفق العناصر التالية:
١ - العطفُ لغةً:
يُقال: عَطِفَ وعَطَف يَعْطِفُ مَالَ، وعَطَفَ عليه أشفَقَ، وتعاطَفوا، أي عطف بعضُهم على بعض، أي: مال كلٌّ منهم للآخر وانحنى عليه، واستعطفه سأله أن يعطف عليه. "القاموس المحيط: مادة عطف"
٢ - العاطفة اصطلاحاً:
عُرِّفت العاطفة بعدة تعريفات، منها:
١ - العواطف هي الانفعالات النَّفسيَّة المنظَّمة والموجَّهة إلى مؤثِّر خاصٍّ، وتنشأ عن الوِجدان الفرديِّ أو الاجتماعيِّ، فتكوِّنُ عواطف فردية أو جماعيَّة.
٢ - العاطفة هي ذلك الشيء الموجود في داخل النَّفس الإنسانيَّة، والتي تظهر واضحةً جليةً؛ إذا عُرض للإنسان موقفٌ ما أثار فيه هذه النَّزعة.
٣ - تعريف المنهج العاطفيِّ للدَّعوة إلى الله: هو النِّظام الدَّعويُّ الَّذي يرتكز على القلب، ويحرِّك المشاعر في النَّفس، لكلِّ جوانب الخير، ويدفع بالعواطف والأحاسيس، إلى الصدق وحسن التوجه إلى الله، وتعميق أواصر المحبة للهِ ولرسوله وللمؤمنين، وهذا المنهجُ عميقُ الصلة، وثيق الترابط بكلٍّ من المنهج الحسِّيِّ والعقليِّ، قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨].
فالأفئدة هي القلوب، مركِزُ المشاعر، ومنبع العواطف، ومستقرُّ الأحاسيس.
ويصف الإمام أبو حامدٍ الغزاليُّ القلبَ وما يحتويه من أسرار، فيقول:
"القلب هو المقبول عند الله؛ إذا سلم من غير الله، وهو المحجوب عن الله؛ إذا صار مستغرَقاً بغير الله، وهو المطالب، وهو المخاطب، وهو المعاتَب، وهو الذي
стр. 194
يسعد بالقرب من الله، فيُفلح إذا زكَّاه، وهو الَّذي يخيب ويشقى إذا دنَّسه ودسَّاه، وهو المُطيع بالحقيقة لله، وإنَّما الَّذي ينتشرُ على الجوارح من العبادات أنوارُه، وهو العاصي المتمرِّد على الله. وإنَّما السَّاري إلى الأعضاءِ من الفواحش آثارُه، وبإظلامِه واستنارتِه تظهر محاسنُ الظَّاهر ومساوِؤه، إذ إنَّ كلَّ إناءٍ ينضح بما فيه، وهو الَّذي إذا عرفه الإنسانُ فقد عرف نفسَه، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربَّه، وهو الذي إذا جهله الإنسان فقد جهل نفسَه، ومن جَهِلَ نفسَه فقد جهل ربه".
وإنَّ من أسرار الخلقِ وبديع الصُّنع، أنَّ الله أودع في الإنسان قوَّتَين مدرِكتين:
الأولى: قوَّةٌ مدركةٌ ظاهرةٌ واعيةٌ واضحةٌ.
والثانية: قوَّةٌ مدركةُ باطنةٌ مُبْهَمة.
فالقوَّة الأولى: العقلُ الَّذي يُدرك ما تنقلُه إليه الحواسُّ من العالم الخارجيِّ المُحيط بالإنسان، ويتأثَّر بعوامل كثيرة، كالعلم والتَّجارب والعادات والتَّقاليد وشتَّى جوانب الحياة، وقد أشرنا إلى ذلك في المحاضرة السابقة عن المنهج العقليِّ.
أمَّا القوَّة الثانية المدركة: فهي قوَّة الإدراك الشُّعوريَّة الوجدانيَّة داخل النَّفس البشريَّة، التي تُدرَك بها الأمور الباطنة، كالألم والجوع والعطش والفرح والحزن، وندرك بها الرِّضا والقَبول، والارتياح لشيءٍ ما، وندرك بها النُّفور والرَّفض لشيءٍ آخر، وهذا إدراكٌ باطنيٌّ مبهم، نَقبل به الشيء أو نرفضه وجداناً وشعوراً، وقد لا يكون لدينا مسوِّغٌ واضح لهذا القَبول أو الرفض، سوى الشعور بالارتياح أو الاستياء.
ثانياً: اختلاف العواطف والتفاوت بينها:
إنَّ من سنن الله في الخلق، اختلافَهم في العقول، وتفاوتَهم في المشاعر والعواطف، قال تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٧ - ١١٨].
стр. 195
وقد بيَّن الرَّسولُ ﷺ اختلافَ القلوب والمشاعر، في الإيمان والكفر والنفاق، وقسم البشر إلى أنواعٍ تتباعد عواطفُهم وتتنافر أحاسيسهم، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ ((القلوبُ أربعةٌ: قلبٌ أجردُ فيه مثلُ السِّراج يُزهر، وقلب أغلفُ مربوطٌ على غلافه، وقلبٌ منكوسٌ، وقلبٌ مُصفَّحٌ. فأمَّا القلبُ الأجرَد، فقلبُ المؤمنِ سراجُه فيه نورٌ. وأمَّا القلب الأغلف فقلب الكافر. وأما القلب المنكوس فقلب المنافق، عَرَفَ ثم أنكر. وأما القلب المُصْفَح، فقلبٌ فيه إيمانٌ ونفاق فمثل الإيمان كمثل البقلة يمدُّها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القُرحة يمدُّها القيح والدَّم، فأيُّ المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه)). مسند الإمام أحمد.
وقد بيَّن القرآن الكريم، أنَّ انشراح الصدر بمشاعر الإسلام، وأنَّ صدق العواطف بالإيمان، إنَّما هو بتوفيق الله، وأنَّ انقباضَ الصَّدر وتوتُّرَ النَّفس واضطرابَ الأحساسيس، إنَّما هو عقابٌ وغضبٌ من الله، بسبب انصراف القلوب عن طاعته، قال تعالى:
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٢٥].
ولقد صوَّر القرآن الكريم المؤمنين بأنَّهم أصحابُ مشاعر حسَّاسة وعواطف صادقة، تقشعرُّ جلودهم، وتلينُ قلوبُهم لسماعهم للذِّكر الحكيم، وأنَّ الكافرين ذوو عواطف متبلِّدة، وقلوب قاسية مُتَحَجِّرة، قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٢٢ - ٢٣].
стр. 196
فانشراحُ الصدر ثمرةٌ من ثمار الإيمان، فإذا ما انشرح صدرُ الإنسان؛ لان قلبُه، ورقَّت عواطفُه، وارتقت مشاعرُه، وصدقت أحاسيسُه، ولقد امتنَّ الله على رسوله ﷺ بانشراح الصَّدر، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١].
ولقد دعا موسى ربَّه قائلاً:
﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٦].
ولقد أفاض القرآنُ الكريم، في إبراز عواطف المؤمنين، وصدق أحاسيسهم، ورقَّة مشاعرهم، ونبل عواطفهم؛ ممَّا انعكست آثار ذلك على الإنسانيَّة رأفةً ورحمةً وشفقة.
كما أبرز القرآن الكريم تحجُّر المشاعر للكافرين، وأبرز تبلُّد عواطفهم، وقسوة قلوبهم، وموت ضمائرهم، وفقدان الأحاسيس بمشاعر الآخرين، ممَّا كان له الأثر السيئ على الأفراد والجماعات قديماً وحديثاً.
وسوف نسوق بعض الآيات، التي تتحدَّث عن عواطف المسلمين، ومن ذلك قول الله تعالى::
١ - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤].
٢ - ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٤].
٣ - بيَّن القرآنُ الكريم أنَّ رقَّة المشاعر ونبل الأحاسيس، هي سماتُ وصفاتُ العلماءِ المؤمنين، الَّذين اتَّقَوُا الله وتدبَّروا آياته، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ [الإسراء:١٠٧ - ١٠٩].
٤ - ذكر القرآنُ الكريمُ أنَّ رقيَّ المشاعر وصدق العواطف، أمرٌ يقتصرُ على مناهج الأنبياء والمرسلين، من لدن آدم ﵇ إلى خاتم الرُّسل محمد ﷺ قال تعالى:
стр. 197
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ [مريم:٥٨].
٥ - وصفَ القرآنُ الكريم صدق عاطفة الرَّسول ﷺ ولين قلبه، فقال تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
وقال تعالى:
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧].
وكما أشار القرآنُ الكريم، إلى ما اتَّصف به الرَّسول ﷺ وصحابتُه، وكذلك المؤمنون في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، من سلامة القلب وطهارة النَّفس وسموِّ العواطف ونُبل المشاعر وصدق الأحاسيس، ممَّا كان له عميقُ الأثر في الدَّعوة إلى الله، وانتشار الإسلام، ودخول الناس في دين الله أفواجاً.
كذلك أشار القرآنُ الكريمُ في مواضع كثيرةٍ، إلى قسوة قلوب الكافرين، وفساد مشاعرهم، وتبلُّد عواطفهم، وموت أحاسيسهم، ومن ذلك ما يلي:
١ - تحدَّث القرآن الكريم، عن قسوة قلوب بني إسرائيل، قسوةً لم توصف بها أمة من الأمم سواهم، وإنَّ واقعَ ما يحدث في فلسطين الآن، من قتل واغتيال وحرق للأخضر واليابس، وإبادة جماعيَّةٌ للمسلمين على أيدي إسرائيل، لأكثرَ من ثمانين عاماً، صورةٌ حيَّةٌ لما أخبر عنه القرآن الكريم، قال تعالى:
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٧٤].
стр. 198
٢ - أشار القرآن الكريم إلى أسباب قسوة قلوب اليهود والنصارى، وهي:
أ- نقض ما أخذه الله عليهم من مواثيق، لا سيَّما ما يتعلَّق بدعوة الرَّسول ﷺ .
ب- تحريف الكلم عن مواضعه.
ج- نسيانُ جزءٍ كبيرٍ ممَّا شرعه الله لهم، وذَكَّرَتهم به أنبياؤهم.
د- الخيانة التي تسري في عروقهمـ وشواهد التاريخ قديماً وحديثاً، تنطق بذلك.
وكان حصادُ ذلك ما بين بعض المذاهب النَّصرانيَّة وبعضها الآخر من عداء، وما بين اليهود والنَّصارى، من خلاف عميق واتِّهامات متبادلة بين الفريقين، وإن بدا في هذا العصر اتِّفاقُهم على ما به القضاءُ على الإسلام والمسلمين، قال تعالى:
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:١٣ - ١٤].
٣ - ذكر القرآن الكريم، أنَّ من أسباب تَحَجُّر العواطف، وقسوة القلوب وموت المشاعر: انقطاعَ الصلة بالله، والتَّوقُّفَ عن التَّضرُّع والدُّعاء، خاصَّةً في أوقات الشَّدائد والمحن، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٣ - ٤٥].
стр. 199
فالآية من دلائل إعجاز القرآن الكريم، وهي إشارةٌ إلى سُنَّة من سنن الله في الكون، بخصوص الأمم الظَّالمة والحضارات المتجبِّرة في الأرض قديماً وحديثاً، وكذلك الطُّغاة، حيث ابتلاهم الله مع ما هم فيه من قسوة القلوب بانفتاح الدنيا من كل جوانبها، وتملُّكُهم لكلِّ وسائل القوَّة والبطش والجبروت، حتى خُيِّل لهم أنَّه لا غالب لهم من النَّاس، وليس على سطح الأرض قوةٌ يخشَون بأسها، أو شعبٌ يخرج عن طوع إرادتهم، وتاهوا بذلك زَهواً وخُيَلاءً واستعلاءً، وحينما بلغوا الغاية من ذلك، وافتُتن الناس بهم، وتزلَّفوا إليهم نفاقاً وخوفا، ً وإذا بالقصاص الإلهيِّ العادل يأتي بغتةً؛ فيبدد تلك القوى الظَّالمة، كما أشارت الآية السابقة:
﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
٤ - بَيَّنَ القرآن الكريم، أنَّ الشيطان لا يتمكَّنُ بفتنه ووساوسه، إلا من القلوب المريضة والنفوس القاسية الظالمة، وأنَّ اطمئنانَ القلوب وصدق المشاعر، قاصرٌ على أولي العلم، الَّذين جمعوا بين العلم ومعرفة الحقِّ، فهداهم الله إلى الصِّراط المستقيم، قال تعالى:
﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٣ - ٥٥].
٥ - ذكر القرآنُ الكريم أنَّ من أسبابِ قسوة القلوب وظلام النُّفوس وظلمِها: كثرةَ أمَد الناس بالكفر، وطولَ عهدهم بالمعاصي، وانغماسَ حياتهم في الشَّهوات، قال تعالى:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦].
стр. 200
من خلال هذه الآيات، يتَّضح في ظهور وجلاء: ما يتََّّصفُ به المؤمنون من رقَّة المشاعر، ورحمة القلوب، ونُبل العواطف، وما عليه الكافرون والعُصاة والطُّغاة، من قسوة القلوب، وتحجُّر النفوس، وموت الأحاسيس.
الأسس التي يقوم عليها المنهجُ العاطفيٌّ للدَّعوة إلى الله
المنهج العاطفيُّ للدَّعوة إلى الله، يقوم على: تحريك الشُّعور والأحاسيس، وعلى التَّأثير والانفعال، وإثارة كوامن الحِسِّ وخبايا النَّفس، من غضب ورضا ورحمة وشفقة وغلظة ولين وسرور وأحزان.
وهذا يتطلَّبُ من الدَّاعية: أن يعرفَ طبيعةَ الشَّخص الَّذي يدعوه، وأن يدرس أحواله العقليَّة والنَّفسيَّة، وظروفَه الاجتماعيَّة، وأن يقف على أمثل أساليب الإقناع.
ونظراً لأهمِّيَّة المنهج العاطفيِّ، وعمق تأثيره على النُّفوس، وأثره في إصلاح القلوب، ودوره في رُقِيِّ المشاعر، وسموِّ العواطف، ونُبل الأحاسيس؛ فلقد وضع الإسلامُ من خلال الكتاب والسُّنة، الأسسَ التي يقومُ عليها المنهجُ العاطفيُّ للدَّعوة إلى الله، وهذه القواعد والأسس سنذكرها -إن شاء الله- على النَّحو التالي:
١ - محبَّة الله ورسوله:
إنَّ محبة الله ورسوله، هي جوهرُ عقيدة المسلم، وأصلُ إيمانه، وهي أعلى مراتبِ الإيمان. بهذه المحبَّة تسمو العواطف، وتترقرق المشاعر، وتلين الأفئدة، وتطهر النفوس، وتصفو الأرواح.
стр. 201
هذا الحُبُّ لله ولرسوله ﷺ ، يجبُ أن يكونَ في مقدِّمة كل أنواع المحبوبات، وأن لا يُزاحمَه في قلب المسلم مُزاحمٌ من أعراض الدنيا، وكلِّ صنوف متاعها، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤].
وحُبُّ الله ورسوله، يُزيل أغلفة القلوب، ويُذيب صدأ النُّفوس. ومن خلال الحبِّ الصادق المرتبط بصدق النِّيَّة وإخلاص العبادة، يشعر المسلم بحسن مذاق الإيمان وحلاوة الطاعة، وهو مذاقٌ وحلاوة معنوية، لا يعرف قدرَها ولا يستشعر سعادتَها، إلا من عاش في ظلال الإسلام، جاء في الصَّحيحين، قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثٌ من كنَّ فيه وجدَ حلاوةَ الإيمان: أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه ممَّا سواهما، وأن يُحبَّ المرءَ لا يحبُّه إلا لله، وأن يكرهَ أن يعودَ في الكفر، كما يكرهُ أن يُقذف في النار)).
قال تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٢١ - ٢٢].
وقد عبَّر القرآنُ الكريم عن شدَّة حبِّ المؤمنين لله، فقال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].
هذا الحبُّ، إذا استقرَّ في وجدان المسلم وقلبه؛ فإنَّ الله يبادله حبَّاً بحبٍّ، وإنَّ حبَّ الله تهفو إليه القلوب، وتَتَطَّلعُ إليه النَّفوس، وينشرح به الصدر.
стр. 202
وقد عدَّد القرآن الكريم المجالات التي ينال العبد فيها حبَّ الله، ومن ذلك:
أ- الإحسانُ إلى الغير، سواء كان إحساناً ماديَّاً أو معنويَّاً، قال تعالى:
﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥].
ب- التَّطهُّر الحِسِّيُّ بإزالة النَّجاسات، أو المعنويُّ بخلوِّ القلب من الشِّرك والرِّياء والنِّفاق، قال تعالى:
﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨].
وقال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢].
ج- التَّقوى والوفاء بالعهود: قال تعالى:
﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦].
د- الصَّبر في ميادين القتال.
كما ذكر القرآن الكريم الأمورَ التي يُبغضها الله، ويكرهُ من يرتكبُها، ومن ذلك:
أ-الاعتداء على الغير: قال تعالى:
﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠].
ب-الكبر والخيلاء: قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ [النِّساء: ٣٦].
ج-الخيانة: قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾ [النِّساء: ١٠٧].
د-الجهر بالسوء، إلا من ظُلم ودافع عن نفسه: قال تعالى:
﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النِّساء: ١٤٨].
стр. 203
هذه الأمور وغيرُها تحجب القلوبَ عن محبَّة الله، فكان جزاؤها غضبَ الله على من اتّصف بهذه الصِّفات، وقد ذكرت سورةُ الإسراء من الآية الثانية والعشرين، إلى الآية السابعة والثلاثين الأمورَ التي حرَّمها الله وتُسبّب فسادَ القلب، وفقدانَ المشاعر، وفي نهاية الآيات قال تعالى:
﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [الإسراء: ٣٨].
٢ - تلاوة القرآن الكريم:
تُرقِّقُ المشاعر، وتُهذِّب العواطف، كذلك نجدٌ القرآن الكريم، يذكر صفات المؤمنين بما يسمو بالعواطف، قال تعالى:
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد:١٥].
وبنفس الأسلوب المعجز، والبيان البلاغيِّ المُبهر، ينقل القرآنُ الكريم للحواسِّ والعقول والقلوبِ، مشاهدَ الكافرين والطُّغاة والظَّالمين، الذين قست قلوبُهم وتحجَّرت مشاعرُهم، كما جاء في سورة الحاقَّة، وفي سورة القلم، وفي كثيرٍ من السُّور.
٣ - ذكر الله ﵎:
وقد حفل القرآنُ الكريم بالآيات الكثيرة، الَّتي تُبيِّن اطمئنانَ القلوب بذكر الله تعالى، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢].
وقال تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
стр. 204
آثار المنهجُ العاطفيُّ في ميدان الدَّعوة:
هذا المنهجُ العاطفيُّ، له آثارٌ كثيرة، في ميدان الدَّعوة إلى الله، ومن ذلك:
أ- صدق العاطفة.
ب- الحثُّ على بذل الرَّحمة، خاصَّةً للكبار والصغار.
ج- الحثُّ على استخدام الأساليب العاطفيَّة، كما تحدَّث القرآنُ الكريم:
﴿يَا أَبَتِ﴾، ﴿يا بُنَيَّ﴾، ﴿يا بَنِيَّ﴾، ﴿يا قَومِ﴾.
د- إظهار الرحمة والرأفة على المدعُوِّين، وتجنُّب التَّعنيف والشَّدة في الموعظة.
هـ- تليين العواطف وتذويب قسوة القلوب، عند مخاطبة عواطف النَّاس.
وسرعةُ استجابة المسلم، من خلال تفجير ينابيع الإيمان في قلبه، وحثِّه على التَّأثُّر بمن حوله من ذوي الحاجات، وكذلك التَّأثّر بقضايا أمَّته.
واجب الدُّعاة، نحو هذه المناهج الحسِّية والعقليَّة والعاطفيَّة:
يجبُ على الدعاة إلى الله، أن يتَّجهوا بالمنهج الحسِّيِّ والعقليِّ والعاطفيِّ، وجهةً إسلاميَّةً خالصةً، وأن يبذلوا في ذلك غاية الجهد، ولا سيَّما في هذا العصر الذي انحرفت فيه هذه الأمور، بما يتصادم مع قواعد الإسلام، ويتنافى مع الفطرة، وذلك بسبب التَّقدُّم العلميِّ والمادِّيِّ البعيدِ عن ضوابط الشَّرع وموازينه، وبفعل وسائل الإعلام التي أفسدت الفطرة السليمة، بالفن الهابط والأدب الفاحش،
стр. 205
حيث اختزلت العواطف واقتصرت على عاطفة الجنس بين الرَّجل والمرأة، وتغافلت وتجاهلت عواطفَ الدِّين والأرحام والوطن وعواطف الخير والحقِّ والجمال، الذي بثَّه الله في أرجاء الكون، فضَلَّت الأفكار، وفَسَدت الأذواقُ، وتبلَّدت المشاعر، وماتت الضَّمائر.
فعلى الدعاة: أن يوقظوا في النفس عواطفَ الحبِّ الحقيقيِّ ومجالاته، وأن يُحرِّكوا في القلوبِ الهممَ العاليةَ والفضائلَ النبيلة والسلوك المهذَّب الرَّاقي. وينبغي عليهم أن يتصدَّوا لتلك الهجمة الشرسة التي تفسد العواطف والعقول.
وإلى محاضرة أخرى إن شاء الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 206
من دعائم وأسس دعوة الرسل .
стр. 207
٢ - الأسس التَّي تقوم عليها الدَّعوة إلى الله
من دعائم وأسس دعوة الرُّسل
الحمد لله، الَّذي أرسل رسوله بالهُدى ودين الحقِّ، لِيُظهرَه على الدِّين كلِّه، ولو كره المشركون، والصَّلاة والسَّلام على الهادي البشير، والسِّراج المنير، وعلى آله وأصحابه، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدِّين.
السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
تمهيد:
لقد تناولنا في اللِّقاءات السَّابقة تعريفَ وتحديدَ مفهوم المنهج في اللُّغة والاصطلاح، ووضَّحنا الفرق بين المنهج والأسلوب، وذكرنا أنَّ منهج الدَّعوة إلى الله يقومُ على الحواسِّ والعقلِ والعاطفة، وهي أمورٌ أودع الله فيها من أسرار الخلق ودلائل الإعجاز ومشاهدِ القدرة، ما تخفى على كثير من خلقه، قال تعالى:
﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥].
وفي هذه المحاضرة، نبين القضايا والموضوعات التَّي قامت عليها دعوة الرَّسول ﷺ ، والتَّي هي في جوهرها وأسسها دعوات الأنبياء والمرسلين، من لدن آدمَ إلى بعثته ﷺ ، قال تعالى:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّين مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّين وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:١٣].
والأنبياء المذكورون في هذه الآية، هم أولو العزم من الرُّسل، الَّذين أفاض القرآن الكريم في عرض دعواتهم، وتوضيح الأسس التَّي قامت عليها رسالتَّهم، وهي في نفس الوقت أصلُ وجوهرُ كلِّ الرسالتَّ، قال تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الأحزاب:٧،٨].
وسوف تتضمن هذه المحاضرةُ العناصر التَّالية:
١ - الإيمان بوجود الله:
وهو الاعتقاد القلبيُّ الجازم، والتَّصديق العقليُّ القاطع، والإيمانُ اليقينيُّ الخالص، بوجوده وجوداً لا يعتريه شكٌّ أو تشوبُه شبهة أو ظنٌّ، وهو وجودٌ يليق بذاته تعالى، ومنزَّه عن التَّميُّز والتَّحيُّز في الزَّمان أو المكان.
والأدلَّة والشَّواهد على وجود الله كثيرةٌ، ومنها:
أ-الدَّليل الفطريُّ:
فوجود الله من الأمور البديهيَّة، التَّي يدركها الإنسان بفطرته، وتهتدي إليها العقولُ بما أودعه الله في مشاعر البشر ووجدانهم، ولهذا بُعث الأنبياء والمرسلون
стр. 208
لدعوة الخلق إلى التَّوحيد، ليقولوا: "لا إله إلا الله"، وما أُمروا أن يقولوا: "الله موجود"؛ فإنَّ هذا مجبولٌ في الفِطَر والعقول، ولذلك قال تعالى:
﴿وَلَئِنْ سَالتَّهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩].
فلا يكاد يخلو عقلُ وقلبُ مخلوقٍ من الاعتقاد بوجود إلهٍ خالقٍ لهذا الكون ومدبِّر لحركته، حتَّى أولئك الَّذين عبدوا الآلهة أو مظاهر الطَّبيعة، فإنَّ هذا من منطلقٍ فطريٍّ بوجود قوَّة قاهرة وخالقة لهذه الأنفس والآثار، وإنْ ضلَّت عقولهم فيما يعتقدون، حتَّى الملحدون الَّذين أنكروا الله وكفروا به، لم يسعْهُم إلا أن يقولوا بأنَّ المادة هي التَّي تكوَّن منها هذا العالم، فهي عندهم كلُّ شيٍء، منها يبدأ كلُّ شيء، وإليها ينتهي؛ فهي الفاعلة وهي الصَّادقة، وهي مصدر الوجود والحياة، وكذلك هي مصدر العدم والفناء، وقد عبَّر عن هؤلاء -في بيان عقيدتهم المادِّيَّة تلك، وإنكارهم الألوهيَّة "ماركس" مؤسِّس الشُّيوعيَّة، حينما قال قولته الخبيثة: "لا إله، والحياة مادَّة".
فقد أسند هؤلاء الملحدون للمادة، ما يجب أن يُسندوه لله؛ لأنَّهم لم يستطيعوا إنكارَ أنَّ لهذا الكون قوَّةً فاعلةً دائمةَ الوجود، وهم بذلك استجابوا لنداء الفطرة، غيرَ أنَّهم قد ضلَّت عقولُهم وطُمست بصائرهم عن معرفة الخالق َلهذا الكون، وهو الله .
فالإنسانيَّة، منذ أن خلق اللهُ آدم ﵇ قد انطبع في عقلها وانغرس في أفئدتها ومشاعرها، الإحساسُ بوجود الخالق، وذلك من خلال العهد والميثاق الَّذي أخذه الله على البشر، وهم ما يزالون في عالم الرُّوح، بأنَّه الرَّبُّ الخالق، وأشهدهم على ذلك، قال تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا
стр. 209
غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ الأعراف:١٧٢ - ١٧٣].
وهذه هي الفطرة التَّي فطر الله الخلقَ عليها، قال تعالى:
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ التَّي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّين الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠].
وقال ﷺ : ((كلُّ مولودٍ يولد على الفِطرة، فأبواه يهوِّدانه أو يُنصِّرانِه أو يمجِّسانِه))، وقد بَيَّن الرَّسول ﷺ في هذا الحديث، أنَّ الله قد خلق العباد على الفطرة النقيَّة، التَّي لو تُرِكت وشأنها؛ لآذنت بوجود الحق ﵎.
ولقد جاء القرآن الكريم يصوِّر المشاعر الوجدانيَّة والأحاسيس الفطريَّة، التَّي تعبر عن الإيمان بوجود الخالق، ويَظهر هذا الإحساس الفطري، حينما يعتري الإنسان شدٌّةٌ أو تفاجئُه مُلمَّة، أو يُواجَه بسؤالٍ عن خالق الكون، والأدلَّة من القرآن الكريم عديدة وكثيرة، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٢٢ - ٢٣].
وقال تعالى:
﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان:٣٢].
وقد بيَّن القرآنُ الكريم أنَّ مشركي العرب، ما كانوا يُنكرون وجود الله؛ لأنَّ لديهم إحساساً فطريَّاً بهذا، يَظهرُ ذلك من خلال الأسئلة، التَّي كانت تُلقى
стр. 210
عليهم، والإجابة التَّي يُجيبون بها، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿وَلَئِنْ سَالتَّهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَلَئِنْ سَالتَّهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت:٦١ - ٦٣].
لهذا، لم يلتفت القرآنُ الكريم إلى قضيَّة إثبات وجود الله، فهذا أمرٌ فطريٌّ لا يملك أيُّ عاقلٍ إنكارَه، وإنَّما ساق من الأدلَّة والشَّواهد ما تراه الحواسُّ وتدركه العقول وتلمسه القلوب، على وجوده المستمر الدائم، وقدرته قال تعالى:
﴿يعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ * وَقَالَ الَّذينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
ممَّا سبق من الأدلة القرآنيَّة، يتبين أنَّ أولى الأسس التَّي قامت عليها دعواتُ جميع الأنبياء والمرسلين، إعادةُ البشر إلى الفطرة التَّي تُشعرهم بوجود الله، وتُوقظ في عقولهم وقلوبهم مظاهرَ هذا الوجود، من خِلال لفت البصر والبصائر، إلى آيات الله في الأنفس والآفاق.
ب- الأدلةُ المبثوثة في الكون:
بجانب المشاعر الفطريَّة، في داخل كيان الإنسان، والتَّي تنطق بوجود الله، أقام الشواهد والأدلة على وجوده من خلال آياته في الكون، فقد خلق الله الكون بنظام فريد وتناسق عجيب، فأنّى قلّب الإنسان بصره في صفحات الكون، يرى صنعَ الله الَّذي أتقن كلَّ شيء، ويرى آياتِه في الأنفس والآفاق، تَشهد بوجوده وتنطق بقدرته ، مما
стр. 211
يدفع بالنَّفس البشريَّة لتهتفَ من أعماقها، مردِّدة قول الله تعالى:
﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان:١١].
فهذا الكون بنظامه البديع، وإحكامه المتقن، وتناسُقه المبهر، لا يُمكن أن يتصوَّر العقلُ والفكرُ أنَّه وُجد بدون خالق، فالعدم لا يخلق شيئاً، فمن المستحيل عقلاً، أن يوجد فعلٌ بدون فاعل أو أثرٌ بدون مؤثر، فهذا الإبداع المعجز في الكون والتَّآلف والتَّزاوج بين جزئيَّاته، والتَّرتيب والتَّناسق بين عناصره، والتَّعادل والتَّوازن الدقيق بين ذرَّاته، كلُّ هذا محكومٌ بقوانين إلهيَّة منضبطة ومحكمة، وسننٍ إلهيَّة لا تتخلَّف، ولا يتصوَّر عاقل أن ذلك الخلق والإبداع والتَّدبير قد تم عن طريق الصدفة العشوائيَّة، أو عن طريق مادة سابحة تنقسم جزئيَّاتُها، لتتولَّد منها الأشياء، كما يزعم الملحدون. فالمصادفة لا يُعقل أن يتولَّد عنها نظامٌ، إذن فلم يبق إلا أن يُذعِنَ الإنسان بعقله، ويستجيبَ لنداء الفطرة بوجود الخالق .
قال -جلَّ شأنه-:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦].
وإمعاناً في إقامة الأدلَّة، ومنعاً لكلِّ شبهة ومَظَنَّة، فقد احتوى القرآن الكريم على كثيرٍ من آيات الله في الأنفس والآفاق، فحينما يشاهدُ الإنسان صفحةَ الكون، ويرى آيات الله في أرجائه، فكأنَّه يقرأ القرآن الكريم، وحينما يقرأ القرآن الكريم ويتدبَّر في آياته؛ فكأنَّه يُبصر الكون أمامه، ويشاهد عن قربٍ حقائقه، فالكون والقرآن كلاهما يشهدان على وجود الله، وقد قيل: "القرآن كونُ الله المقروء، والكون قرآنُ الله المنظور".
وقد أدرك أعرابيٌّ بفطرته وجودَ الله، وعبَّر عن ذلك بما شاهده من حوله فقال: "البَعرةُ تدلُّ على البعير، وأثرُ الأقدامِ يدلُّ على المسير، فسماءٌ ذات أبراجٍ، وأرضٌ ذاتُ فجاجٍ؛ أفلا يدلُّ ذلك على اللَّطيف الخبير؟! ".
стр. 212
هذا هو الأساسُ الأول، من الأسس التَّي قامت عليها الدَّعوة إلى الله.
٢ - توحيد الله :
إنَّ الإيمان بوجود الله يقتضي العلم والاعتراف والإقرار، بأنَّ الله إلهٌ واحد في ذاته، لا شريكَ له في صفاته وأفعاله، قال تعالى:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤].
فتوحيد الخالق هو القضيَّة الجوهريَّة، والرَّكيزة الأساسيَّة، لرسالتَّ الأنبياء جميعاً، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النَّحل:٣٦].
وتوحيد الله يتحقَّق بأمرين:
الأمر الأول: نفيُ الألوهيَّة عن غير الله، وذلك بأن يعتقدَ العبدُ بأنَّه لا يستحق الألوهيَّة ولا شيئاً من العبوديَّة أحدٌ من الخلق، لا نبيٌّ مرسل ولا ملك مقرب، ولا كائن من كان.
الأمر الثاني: إثبات الألوهيَّة لله تعالى، وتفرُّده بالوحدانيَّة واختصاصه بالعبوديَّة، وعدم مشاركة أحد في أسمائه وصفاته، ولقد ذكر القرآن الكريم الآيات الدالة على وحدانيته، وساق ذلك في استدلالٍ عقليٍّ ومنطقيٍّ مقنع بالحجة والبرهان، ومن ذلك:
أ- أخبر الحقُّ أنَّه لو وُجد شريكٌ معه في الألوهيَّة؛ لبطل نظامُ هذا الكون.
قال تعالى:
﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا
стр. 213
آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢١ - ٢٢].
وقال تعالى:
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١].
فقد تضمنت الآية ما يلي:
١ - أن الله لو اتخذ ولداً؛ لاستلزم ذلك انفصال الولد عن أبيه، مما يقتضي التَّركيب المحال على الله؛ لأنَّ الولد يجانس أباه ويماثله، والله تعالى لا نظيرَ ولا شبيه ولا مثيل ولا ندَّ ولا قرين له، قال تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
٢ - لا ينبغي لعاقل أن يتصوَّر أن يكون مع الله إلهٌ آخر؛ لأنَّه لو كان معه إله؛ لشاركه في الألوهيَّة، ولخلق معه، ولذهب كلُّ إلهٍ بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض وتصارعوا، مما يؤدي إلى فساد الكون واختلال نظامه قال تعالى:
﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٤٢ - ٤٣].
أقسام التَّوحيد:
جاء الأنبياء والمرسلون بعقيدة التَّوحيد، وهذه العقيدة كما ذكرنا هي جوهر رسالتَّهم، ومحور دعوتهم، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
стр. 214
وقد استنبط أئمَّة السلف من النُّصوص القرآنيَّة، التَّي تناولت مسائل العقيدة: أنَّ توحيد الله يَرِدُ على ثلاثة أنواع:
النَّوع الأول: توحيد الرُّبوبيَّة:
فالرَّبُّ في اللُّغة: المالك، المدبر، وربُّ كلِّ شيءٍ، مالكه ومستحقُّه أو صاحبه، والربوبيَّة مشتقة من الرب، ومعناه السيد والمالك والمربي.
ومعنى توحيد الربوبيَّة هو: الإقرار بأنه هو خالق الخلق ومالكهم ومحييهم ومميتهم ومعطيهم ومانعهم، وله الخلق والأمر كلُّه، قال -سبحانه- عن نفسه:
﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤].
ويدخل في هذا التَّوحيد، الإيمانُ بقدر الله -سبحانه-، أي الإيمان بأنَّ كل محدَث هو صادرٌ عن علم الله وعن إرادته وقدرته.
ولقد أفاض القرآن الكريم عن هذا النَّوع من التَّوحيد، ولم تخلُ سورةٌ من سوره منه، فآيات الذكر الحكيم تذكره في مقام الحمد لله، وعبادته والانقياد له والاستسلام، ففي مقام الحمد يتلو المسلم في كل ركعة يصليها:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢].
ويقول -سبحانه-:
﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية:٣٦].
وفي مقام الاستسلام لله، والانقياد له، قال :
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٧١].
وفي مقام التَّوجُّه إلى الله وإخلاصِ القصد إليه، قال -تعالى-:
﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢].
стр. 215
وفي مقام الدُّعاء، قال :
﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْية إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٤ - ٥٥].
وفي مقام العبادة، قال -تعالى-:
﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٢٢].
فالإنسانُ بتوحيد الرُّبوبيَّة يدرك عجزه أمام قوى الكون المختلفة، ولا يعلم تفسيراً لها، ولذلك سلَّم بوجود الخالق، وقد آمن العرب بوجود الرب الخالق، غير أنَّ هذا الإيمان غيرُ مُنجٍ لهم؛ لأنَّهم اتَّخذوا أصناماً آلهة، وقد ذكر القرآن الكريم أنَّ العرب كانوا يُقرُّون بوجود الخالق، قال تعالى:
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٩٠].
وقد أنكر الله عليهم ما اتَّخذوه من آلهة، واستغربَ القرآنُ من ضلال عقولهم، فكيف يؤمنون بالخالق، وفي نفس الوقت يجعلون معه آلهةً أخرى، فقال -تعالى- بعدَ هذه الآيات مباشرةً-: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١].
وهكذا، فإنه ليس مَن أقرَّ بأنَّ الله تعالى هو ربُّ كلِّ شيءٍ، يكون موحداً في ألوهيته وأسمائه وصفاته.
النَّوع الثَّاني: توحيد الألوهيَّة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الإله هو المعبود المطاع، فإنَّ الإله هو المألوه، والمألوه هو الَّذي يستحقُّ أن يعبد".
следующие страницы →